ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=91)
-   -   الأربعــون الوقفيــة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=301636)

ابوالوليد المسلم 26-02-2024 09:01 PM

الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعــون الوقفيــة



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، وأعددت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة عظيمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف والهيئات والمؤسسات برعاية الأصول الوقفية، ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
وسأبدأ بالحديث الأول، وهو الأصل في مشروعية الوقف كما نص على ذلك أهل العلم :
الحديث الأول :
الوقف حبس للأصل وتسبيل لمنفعته
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي [ فقال: أصبت أرضاً، لم أصب قط مالاً أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها». فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، في الفقراء والقربى، وفي سبيل الله، والضيف وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمولٍ فيه(1).
وفي رواية أخرى، جاء عمر رضي الله عنه إلى النبي [ يستشيره في أرض خيبر ما يصنع بها : «أشار عليه بحبس أصلها، وجعل غلتها في الفقراء والمساكين، ففعل»(2).
حديث عمر يعده العلماء أصلاً في مشروعية الوقف(3)؛ فبعدما ملك عمر رضي الله عنه أرضاً في خيبر اسمها «ثمغ»، وهي حصته في السهام التي قسمها النبي [ بين من شهد خيبر، وأضاف إليها ما اشتراه بمئة رأس من أرض خيبر من أهلها، وضمهما إلى بعض، فكانت أرضا من أنفس وأجود ما ملك عمر رضي الله عنه. فاستشار رسول الله [ في صفة الصدقة بها. فأشار عليه النبي [: «‏إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» أي بغلتها وحاصلها من حبوب وثمار، وفي رواية: ‏»‏احبس أصلها وسبّل ثمرتها‏»‏، وفي ورواية أخرى‏:»‏ تصدق بثمره وحبّس أصله‏»‏‏.‏
قال ابن حجر في «الفتح»: قوله : «‏فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث‏» زاد في رواية مسلم من هذا الوجه «‏ولا تبتاع»،‏ زاد الدار قطني من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع: ‏«‏حبيس ما دامت السموات والأرض»(4)‏.
وتلك الشروط رفعها بعض الرواة إلى النبي [، ومنهم من وقفه على عمر لوقوعه منه امتثالا للأمر الواقع منه [، ورجح ابن حجر بأن هذا الشرط من كلام النبي [، ولو كان الشرط من قول عمر فما فعله إلا لما فهمه من النبي [.
وقد خصص عمر ] مصارف ريع تلك الأرض الوقفية ‏في الأصناف الآتية : في سبيل الله وفي الرقاب والمساكين والضيف وابن السبيل‏، وفي رواية البخاري: في الفقراء، والقربى، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، على أن يأكل العمال عليها من ريعها، وليس من أصلها، وألا يزيد عماجرت به العادة بلا إفراط ولا تفريط، فليس له سوى ما ينفقه، بلا مجاوزة للمعتاد. قال القرطبي‏:‏ «جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف، حتى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل منه يستقبح ذلك منه، والمراد بالمعروف القدر الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله، والأول أولى»(5)‏.‏
واشترط عمر رضي الله عنه لناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عمالته؛ ولذلك منعه أن يتخذ لنفسه منه مالا وجزءاً يدعي بعد ذلك أنه ملك له، قد ملكه من زمن أو ورثه أو قد أوصي له به.
ومن هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي أتت صريحة في الوقف والصدقة الجارية، ذهب جمهور العلماء إلى جواز الوقف ولزومه؛ قال الترمذي: «لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين»(6)، ووقف جماعة من الصحابة منهم علي وأبو بكر والزبير وسعيد وعمرو بن العاص وحكيم بن حزام وأنس وزيد ابن ثابت، ووقف عثمان لبئر رومة، روى ذلك كله البيهقي. قال القرطبي: إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة(7).
ويعد بعض أهل العلم أن وقف عمر هو أول وقف في الإسلام، جاء في «الفتح»: قال أحمد – بالسند - عن ابن عمر قال: أول صدقة - أي موقوفة - كانت في الإسلام صدقة عمر، وروى عمر بن شبة عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: «سألنا عن أول حبس في الإسلام فقال المهاجرون : صدقة عمر ، وقال الأنصار: صدقة رسول الله [«، وفي «مغازي الواقدي» أن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق - بالمعجمة مصغرا - التي أوصى بها إلى النبي [ فوقفها النبي [«(8).
وفي الحديث فوائد جمة: فيه فضل الصدقة الجارية وهي الوقف وأنها من الإحسان المستمر، وأن الوقف من خصائص المسلمين وأنه مخالف لشوائب الجاهلية، وفيه بيان لمعنى الوقف «تحبيس للأصل وتسبيل للمنفعة»، وفيه أنه ينبغي أن يكون الوقف من أطيب المال وأحسنه؛ طمعاً في ثواب الله تعالى، حيث قالَ تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}(9)، وفيه فضيلة ظاهرة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث امتثل وتصدق بأطيب مال مَلكه في حياته، وفيه أن ليس إلزاما على المسلم لقوله [: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، وفيه أن لفظ « حبست» من صيغ الوقف، وفيه صحة شروط الواقف واتباعه فيها، وأنه لا يشترط تعيين المصرف لفظاً‏،‏ وفيه أن الوقف لا يكون إلا فيما له أصل يدوم الانتفاع به، وتبقى أعيانُها، فأما الذي يُذْهَبُ بالانتفاع به فهو صدقة, وليس وقفاً، فلا يصح وقف ما لا يدوم الانتفاع به كالطعام ، وفيه مشاورة أهل الفضل والصلاح في الأمور وطرق الخير، وفيه جواز الوقف على الغني والفقير، وفيه أن مصرف الوقف يكون في وجوه البر العام أو الخاص: كالقرابة، والفقراء، وطُلاب العلم، والمجاهدين، ونحو ذلك، وفيه أنه لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة سواء قال‏:‏ تصدقت بكذا أم جعلته صدقة، حتى يضيف إليها شيئا آخر لتردد الصدقة بين أن تكون تمليك الرقبة أو وقف المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميز أحد المحتملين صح، بخلاف ما لو قال: وقفت أو حبست، فإنه صريح في ذلك على الراجح.
وفيه أن للواقف أن يشترط لنفسه جزءا من ريع الموقوف لأن عمر شرط لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف ولم يستثن إن كان هو الناظر أو غيره فدل على صحة الشرط، ويستنبط منه صحة الوقف على النفس، وفيه أن الواقف إذا لم يشترط للناظر قدر عمله جاز له أن يأخذ بقدر عمله، وهذا على أرجح قولي العلماء، وعند البعض أن الواقف إذا شرط للناظر شيئا أخذه وإن لم يشترطه له لم يجز إلا إن دخل في صفة أهل الوقف كالفقراء والمساكين‏، واستدل به على وقف المشاع لأن المئة سهم التي كانت لعمر بخيبر لم تكن منقسمة‏(10).‏
لقد اهتم الصحابة الكرام، وامتثلوا توجيه رسولنا الكريم [ في وقف الأوقاف التي تنوعت أصولها، وتعددت مصارف ريعها؛ ليعم النفع للمجتمع المسلم، فدعوة النبي [ إلى الصدقة الجارية لاقت آذاناً صاغية، من عباد الله المخلصين، ولاسيما الصحابة رضوان الله عليهم، الذين عاصروا التنـزيل وفهموا أسراره وعرفوا ما تهدف إليه الشريعة, فبادروا مستجيبين لنداء الرسول [ فأقفوا الأراضي والحدائق والأسلحة والدروع، ثمَّ تتابعت الأوقاف، واستمر القادرون على الوقف على مدى التاريخ الإسلامي يوقفون أموالهم، أوقافاً تتسم بالضخامة والتنوع؛ حيث صارت هذه الأوقاف من مفاخر المسلمين، لم يدعوا جانباً من الجوانب الخيَّرة إلا أوقفوا فيه من أموالهم، حتى شملت هذه الأوقاف الإنسان والحيوان، وبلغت ما لا يخطر على بال إنسان أن يفعله في شرق ولا غرب.
كان الوقف سنة متبعة في العهود الإسلامية، دعا إليها العلماء، واجتهد في فقهها الفقهاء، وتنافس في إيجادها وتجديدها أهل الهمم والعطاء، فكان لها الدور الأكبر في الحضارة الإسلامية، وفي نماء الخلافة واستمرارها، ووقوفها من بعد كبوة، فقد وعى المسلمون منذ القرون الأولى ما للوقف من مقاصد سامية ومصالح ملموسة في الحفاظ على مكانة الأمة وأمنها.

الهوامش:

1 - أخرجه البخاري في الوصايا، باب: الشروط في الوقف، برقم (2737) ومسلم في الوصية، باب الوقف، برقم (1632) واللفظ لمسلم.
2 - أخرجه البخاري في الوصايا، باب: وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم، برقم (2764) ومسلم في الوصية، باب الوقف، برقم (1632).
3 - قال في الفتح: وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف.
4 - فتح الباري (7/16).
5 - فتح الباري (7/16).
6 - انظر نيل الأوطار، كتاب الوقف (4/310).
7 - تفسير القرطبي (6/318).
8 - فتح الباري (7/18).
9 - سورة آل عمران: آية 92.
10 - انظر فتح الباري (7/19 - 21)، وتوضيح الأحكام للشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام, والمنهاج في شرح صحيح مسلم، ص 1038، ونيل الأوطار 4/311 - 313.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 26-02-2024 09:15 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعــون الوقفيــة (2)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، وأعددت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة عظيمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف والهيئات والمؤسسات برعاية الأصول الوقفية، ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الثاني، حديث مشهور، ويعد دليلا على مشروعية الوقف النافع والحث عليه، وأنه من أفضل الأعمال التي يقدمها الإنسان لنفسه في الآخرة؛ فهو من الصدقة الجارية الباقية بعد الموت.
الحديث الثاني:
الوقف من الصدقة الجارية
عن أبي هريرة ] أن رسول الله [ قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
من نعم الله تبارك وتعالى على عباده أن جعل أبواب الخير عديدة، ومنها ما يجري فيها الثواب إلى ما بعد الممات، فتزداد الحسنات في السجلات؛ لأن ثوابها لا ينقطع، بل هو دائم متصل النفع.
قال العلماء : معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة; لكونه كان سببها; فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية ، وهي الوقف.
فالإنسان إذا مات ينقطع عمله الذي يجري عليه بعد الموت، والعمل إنما يكون في الحياة، إلا من هذه الثلاث؛ لأنه السبب فيها، وثوابها يدوم للإنسان بعد موته لدوام أثرها، وأولها: «صدقة جارية» وهي الخير المستمر، كبناء المساجد، أو أرضٍ زراعية يتصدق بما يحصل منها على الفقراء، فإن الفقراء ما داموا ينتفعون بهذا العطاء أو ينتفعون بثمرة هذا البستان فإنه يكتب له، أو عمارة توقف تؤجر ويتصدق بأجرتها، وغيرها من الأوقاف، فتلك صدقة جارية يجري عليه أجرها بعد وفاته، ما دامت ينتفع بها الناس.
«أو علم ينتفع به»، إما كتب علمية صنفها، وانتفع بها الناس، أو اشتراها، ووقفها وانتفع بها الناس، ونشر العلم وتعليمه، وكل من عَلم الناس العلم النافع، وانتفعوا بعلمه بعد موته فإن له أجرهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء؛ لأن الدال على الخير كفاعل الخير، وهذا دليل على بركة العلم وفائدته في الدنيا والآخرة.
فكم من عالم مات من مئات السنين، وعلمه باق ينتفع بما كتبه وصنفه، وتتداوله الأجيال تلو الأجيال من بعده، وكلما ذكره المسلمون دعوا له وترحموا عليه، وكم أنقذ الله بعالم مصلح أجيالاً من الناس من الضلالة، وناله مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة، قال العلماء : والكتب أعظمها أثراً لطول بقائها.
«أو ولد صالح يدعو له» والولد الصالح من ذكر وأنثى وولد الصلب وولد الولد يجري نفعهم لآبائهم بدعواتهم الصالحة المستجابة لآبائهم، فكل من كان له ولد أحسن تربيته وتوجيهه فكان صالحاً، ينفع أباه في حياته ببره، وبعد مماته في دعائه له، وهذا من فضل الله تعالى على عباده أن جعل جريان الحسنات، واستمرارها بعد الممات، ليس مقصوراً على أهل الأموال والعقار الذين أوقفوا من ممتلكاتهم، بل أن ذلك الأجر جعله الله تعالى لمن اجتهد في العلم تأليفاً وتعليماً، وكذلك لمن ترك ولداً صالحاً يدعو لوالده.
والأمور المذكورة في هذا الحديث هي مضمون قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} (يس:12)، فما قدموا هو ما باشروا فعله في حياتهم من الأعمال الحسنة والسيئة، وآثارهم: ما يترتب على أعمالهم بعد موتهم من خير أو شر.
والحديث دليل على مشروعية الوقف النافع والحث عليه، وأنه من أفضل الأعمال التي يقدمها الإنسان لنفسه في الآخرة؛ فهو من الصدقة الجارية الباقية بعد الموت، قال النووي في شرحه على مسلم: فيه دليل لصحة أصل الوقف، وعظيم ثوابه، وبيان فضيلة العلم.
وما يصل إلى العبد من آثار عمله بعد موته ثلاثة أشياء:
الأول: أمور عملها غيره بعد موته بسببه وبدعوته وتوجيهه إليها قبل موته.
الثاني: أمور انتفع بها غيره من مشاريع نافعة أقامها الميت قبل موته أو أوقاف أوقفها في حياته فصارت تغل بعد موته.
الثالث: أمور عملها الحي وأهداها إلى الميت من دعاء وصدقة وغير ذلك من أعمال البر.
قال صاحب «عون المعبود»: وورد في أحاديث أخرى زيادة على الثلاثة تتبعها الحافظ السيوطي ونظمها في قوله:
إذا مات ابن آدم ليس يجري
عليــــه من فعـــــال غيـــر عــشــر
علــوم بثــهـا ودعـــــــاء نجـــل
وغرس النخل والصدقات تجري
وراثـــة مصحــــف ورباط ثــغـــر
وحفــــر البــــئر أو إجـــراء نهــــر
وبيـــت للغــــريب بنــــاه يـــأوي
إليــــه أو بنــــاه محـــل ذكــر
وتعـــليــــم لقـــــرآن كريـــــم
فخــذها من أحاديث بحصر
وسبقه إلى ذلك ابن العماد فعدها ثلاثة عشر وسرد أحاديثها، والكل راجع إلى هذه الثلاث.
من فوائد هذا الحديث:
هو دليل على جواز الوقف، وأن الوقف من الصدقة الجارية الباقية بعد الموت، وفيه أن الصدقة تصل إلى الميت وتجري الحسنات إلى ما بعد الممات، وفي هذا إجماع الأمة، وفيه أن الصدقة الجارية عمل قد أتاحه الله تعالى بفضله لعباده، الأغنياء منهم، والعلماء، وعامة الناس، فكم من مسكين لا يملك مالاً، ولا علماً ، ولكنه ترك ولدا صالحا يدعو له، وبذلك يكون له الأجر المستمر بعد مماته.
وفيه حث على الزواج لطلب الأولاد الصالحين، والحث أيضاً على تربية الأولاد على الصلاح، وتنشئتهم على الدين ليكونوا خلفاً صالحاً لآبائهم يدعون لهم بعد موتهم، ويستمر نفع عملهم بعد انقطاع أعمالهم. وفيه تنبيه للآباء الذين يهتمون بإصلاح أموالهم، ولا يبالون بصلاح أولادهم في حياتهم؛ وفيه أيضاً مشروعية دعاء الأولاد لآبائهم مع دعائهم لأنفسهم في الصلوات وخارجها، وهذا من البر الذي يبقى بعد وفاة الآباء.
وفيه أن العمل الذي يجري للعبد فيه الأجر بعد مماته هو العلم الذي ينتفع به، أما العلم الذي لا نفع فيه، أو العلم الذي فيه مضرة، والعلوم المفسدة للدين والأخلاق فلا تدخل في الحديث.
والوقف من الصدقة الجارية، الذي قال في محاسنه شاه ولي الدهلوي: «... وفيه من المصالح التي لا توجد في سائر الصدقات؛ فإن الإنسان ربما يصرف في سبيل الله مالاً كثيراً ثم يفنى، فيحتاج أولئك الفقراء تارة أخرى، ويجيء أقوام آخرون من الفقراء فيبقون محرومين، فلا أحسن ولا أنفع للعامة من أن يكون شيء حبساً للفقراء وابن السبيل يصرف عليهم منافعه، ويبقى أصله».
لقد مضى الصحابة - رضوان الله عليهم - على ما سنه النبي [، وعملوا بما حث عليه من الإكثار من الصدقة والإنفاق مما يحبون، وسجلوا أروع الأمثلة في وقف أحب أموالهم إليهم. وإذا كـان المسلم حريصا على طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ويرجو الثواب في الدنيا والآخرة، فإن الله سبحانه فتح أمامه أبواب الخير العديدة ومنها الصدقة الجارية والوقف، التي يستمر بها الأجر إلى ما شاء الله تعالى، وتزيد بها حسناته بعد وفاته وانقطاع عمله، فالطريق لكل مسلم مفتوح في الصدقة الجارية والوقف لله تعالى.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 27-02-2024 08:58 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (3)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياءا لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، وأعددت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة عظيمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف والهيئات والمؤسسات برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الثالث، حديث فيه الدلالات والفوائد الكثيرة، وهو كذلك أصل عند أهل العلم في أحكام الوقف، واجتهد الفقهاء في بحث بعض المسائل المتعلقة بالوقف الإسلامي اعتماداً على حديث عثمان رضي الله عنه.
الحديث الثالث: الوقف لعامة المسلمين
عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: «أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: «من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟»، فاشتريتها من صلب مالي فجعلت دلوي فيها مع دلاء المسلمين؟»(1).
صلى الله عليه وسلم الحديث قاله عثمان حينما حوصر في داره واجتمع من خرج عليه من الناس وأنكروا فضله، قام فأشرف عليهم، ‏وذكر ما قام به من أعمال خيرية شهد له بها النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى على فعله، وأقر بفضائله من بعده الصحابة رضوان الله عليه .
وللصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه مواقفُ عظيمةٌ، تدلُّ على فضله ونُصرته لهذا الدين، فمن ذلك أنه هاجَرَ الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، وجهَّز جيش العُسرة، وحفَرَ بئر رُومَة وتصدَّق بها على المسلمين، كما قام بتوسعة المسجد النبوي، وفي عهده جمع القرآن الكريم، وتوسَّعتْ فتوحات المسلمين، ووصلتْ إلى مشارق الأرض ومغاربها، قال الزهري: جهَّز عثمانُ بن عفانَ جيشَ المسلمين في غزوة تبوك بتسعمائة وأربعين بعيرًا وستين فرسًا، قد اشتهر رضي الله عنه بالكرم والإنفاق في سبيل الله .
صلى الله عليه وسلم وعثمان بن عفان رضي الله عنه اشترى بئر رومة لما حض النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على شرائها، على الشرط الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو : «أن يجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة»، ومعنى هذا الشرط: أن يجعلها وقفاً عاماً للناس كافة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وما بعده من العصور، ما دامت عين البئر قائمة، وأن يشتريها من صلب ماله، ويجعلها مباحة للناس كافة دون تمييز، ولا يمنع الناس من الاستفادة من مائها بعد تملكها.
فاشتراها عثمان رضي الله عنه من صلب ماله، أي من أصل ماله ورأس ماله، لا مما أثمره المال من الزيادة، وأصل المال عند التجار أعز شيء، وهذا يدل على حرص عثمان في انتفاء المال الذي اشترى به هذا الوقف، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : «ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم» مرتين(2)، واستدل الإمام السندي بقول عثمان ] في وقفه: «من صلب مالي» على أنه يستحب للواقف أن يختار الغالي والنفيس ، ويبتعد عن الحقير الخسيس في الوقف والصدقة؛ لأن عثمان- رضي الله عنه- أخبر أن هذا الوقف من صلب ماله، وصلب المال كما فسره العلماء: «أصل المال وخياره».
وفي رواية للبغوي من طريق بشر بن الأسلمي عن أبيه: أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال: له النبي [: «تبيعنيها بعين في الجنة؟» فقال يا رسول اللّه، ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي [ فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال «نعم»، قال: قد جعلتها للمسلمين‏(3)،‏ وللنسائي من طريق الأحنف عن عثمان قال: «اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك»(4).
وبئر رومة من أوائل الأوقاف الخيرية في الإسلام يصل نفعها لعموم المسلمين، ذكر ابن عبد البر أن بئر رومة كانت ركية ليهودي يبيع من مائها للمسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من يشتري رومة فيجعلها للمسلمين، يضرب بدلوه في دلائهم، وله بها مشربة في الجنة؟» . فأتى عثمان اليهودي فساومه بها، فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى عثمان نصفها باثنتي عشر ألف درهم فجعلها للمسلمين، فقال له عثمان: إن شئت جعلت على نصيبي قرنين، وإن شئت فلي يوم ولك يوم، فقال: بل لك يوم ولي يوم، فكان إذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين، فلما رأى ذلك اليهودي قال: أفسدت عليّ ركيتي، فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف درهم(5).
ومن بركة وقف بئر رومة، أنه لا يزال الماء فيها عذبا رقراقا إلى يومنا هذا، ومعروفة عند أهل مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببئر عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهي من أشهر المعالم الوقفية التي بقيت عبر العصور الإسلامية من عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحاضر، ويعرفها أهل المدينة جيلاً بعد جيل(6)، ووصفها العديد من العلماء منهم الشيخ العباسي من علماء القرن العاشر بقوله: «قلت: والبئر بجانب مسجد القبلتين، وبقرب البئر بناء يشبه حصنًا منهدمًا، ويقال: إنه كان ديراً لليهود، وفي أطراف هذه البئر آبار أخرى كثيرة، ومزارع، وهي قبلي الجرف وآخر العقيق، وبقربها اجتماع السيول.. وبينها وبين مسجد القبلتين بستان لحاكم المدينة(7) .
وتحدث أهل العلم عن مسألة انتفاع الواقف بوقفه وفصلوا واشترطوا، فقد شرط «ابن قدامة» لانتفاع الواقف بوقفه أن يكون قد اشترط في الوقف أن ينفق منه على نفسه، قال: «إلا أن يشترط أن يأكل منه، فيكون له مقدار ما يشترط»(8)، وأضاف في المغني: «من وقف شيئا وقفا صحيحاً، فقد صارت منافعه جميعها للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه، وملك منافعه؛ فلم يجز أن ينتفع بشيء منها، إلا أن يكون قد وقف شيئا للمسلمين، فيدخل في جملتهم، مثل أن يقف مسجداً، فله أن يصلي فيه، أو مقبرة فله الدفن فيها، أو بئرا للمسلمين، فله أن يستقي منها، أو سقاية، أو شيئاً يعم المسلمين، فيكون كأحدهم، لا نعلم في هذا كله خلافا، وقد روي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سبَّل بئر رومة، وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين»(9)، قال ابن خزيمة رحمه الله: «إباحة شرب المحبّس من ماء الآبار التي حبسها»(10) .
ومن فوائد هذا الحديث: فضل عثمان بن عفان رضي الله عنه ومناقبه، وفيه جواز أن يتحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك لدفع مضرة أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة والعجب، وفيه أن الوقف أجر للواقف، ونفع الموقوف عليه في عين الوقف أو غلته، وفيه أن الوقف إذا صح، زال به ملك الواقف عنه، وجواز انتفاع الواقف بوقفه العام‏، وأن يجعل نفسه في وقفه كسائر المسلمين، وفيه أن الوقف الذي جاءت به الشريعة ورغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله أصحابه هو الذي يتقرب به إلى الله عز وجل حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها.
وفيه جواز وقف الماء والتصدق به، وهبته وإباحته للعموم مقسوماً كان أم غير مقسوم، وجواز أن يكون ما أوقف عاماً لجميع المسلمين، وأن يشترط لنفسه أن يكون دلوه ضمن دلاء المسلمين، فهذا شرط صحيح لا يؤثر في صحة الوقف العام، قال ابن بطال: «في حديث عثمان أنه يجوز للواقف أن ينتفع بوقفه إذا شرط ذلك، قال: فلو حبس بئرا على من يشرب منها فله أن يشرب منها، وإن لم يشترط ذلك لأنه داخل في جملة من يشرب»(11)، وفيه جواز الوقف على أناس لا يحصون كثيري العدد.
وفيه أن بئر رومة كما نص عثمان- رضي الله عنه: «أنه جعلها سقاية للمسلمين»(12)، فتبقى على هذا الشرط ما دامت العين قائمة، وفيه استحباب إثبات الوقف بالوسائل الشرعية المشروعة التي تحفظ عين الوقف من العدوان عليه، فعثمان- رضي الله عنه - أشهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على وقفه عندما أعلن وقفه لبئر رومة سقاية للمسلمين.
ويستحب لولي الأمر كالملك والسلطان أو نوابهم من مدراء الأوقاف في عصرنا أن يحضوا أهل الغنى على الصدقات الجارية والأوقاف العامة، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا الصحابة القادرين كافة في عصره إلى شراء بئر رومة من اليهودي، وسمع هذه الدعوة جمع غفير من الصحابة.
ويستحب لأصحاب الأموال الذين يريدون الوقف أن يختاروا الأوقاف ذات النفع العام الكثير كالدور والآبار التي تبقى دهوراً طويلة، كما فعل عثمان ] في شرائه لبئر رومة التي بقيت من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا الحاضر(13)، فعلى كل مسلم يود الوقف الاقتداء بالصحابة الكرام في حسن اختيار الوقف وعظم منفعته، وكذلك بذل أفضل المال مما تتعلق به النفس ليكون في سبيل الله تعالى.
ولقد تتابع المسلمون جيلاً بعد جيل يوقفون الآبار والأراضي والبساتين والدور وأعمال الخير والبر؛ امتثالا واتباعاً لقوله صلى الله عليه وسلم : «خير الناس أنفعهم للناس»(14)، وقوله صلى الله عليه وسلم : «أفضل الصدقة سقي الماء»(15)، مما ملأ الدولة الإسلامية بالمنشآت والمؤسسات التي بلغت حداً من الكثرة يصعب إحصاؤه والإحاطة به. ومنها وقف زبيدة بنت جعفر المنصور، زوجة هارون الرشيد، التي مهّدت طريقاً للحجاج من بغداد إلى مكة، ورصفته في بعض المواضع الوعرة، وأنشأت في هذا الطريق مرافق ومنافع ظل يفيدُ منها حجاج بيت الله الحرام منذ أيامها إلى وقت قريب، وإليها تنسب «عين زبيدة» في مكة، وتلك الآبار المحفورة بين بغداد ومكة والتي يشهد لها التاريخ، وما زالت آثارها قائمة تحكي قصة وقف خفف معاناة الملايين ممن شد الرحال إلى المسجد الحرام لأداء مناسك الحج والعمرة، فما أروع تلك الأوقاف وما قدمته من خدمات جليلة.
- الهوامش:
1 - صحيح النسائي، للألباني، حديث رقم (3610)، وأصله أخرجه البخاري في الشرب والمساقاة، باب: من رأى صدقة الماء معلقا (6/154)، وفي الوصايا برقم (2778)، ونحوه في جامع الترمذي برقم (3666)، باب: في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه.
2 - صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، برقم (3701).
3 - نيل الأوطار، كتاب الوقف (4/313).
4 - صححه الألباني في صحيح النسائي برقم (3609).
5 - الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبدالبر، ص545، وعنه نقل كل من جاء بعده، وبعض مؤرخي المدينة المنورة، وهذا دون سند، والنصوص الصحيحة لم تذكر فيها قصة اليهودي.
6 - تقع البئر في أسفل وادي العقيق، قريبة من مجتمع الأسيال في براح واسع من الأرض، واليوم نجدها شمال المدينة المنورة وتعرف ببئر عثمان.
7 - عمدة الأخبار ص (265).
8 - انظر المغني (8/191).
9 - المغني، ابن قدامة المقدسي (8/191).
10 - صحيح ابن خزيمة (4/121).
11 - انظر فتح الباري، كتاب المساقاة، باب: من رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة (6/155).
12 - من حديث النسائي: أن رسول الله [ قال: «من يبتاع بئر رومة غفر الله له؟»، فأتيت رسول الله [ فقلت: قد ابتعت بئر رومة، قال: «فاجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك»، سنن النسائي (6/233 - 134)، كتاب وقف المساجد رقم (3606)، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه.
13 - انظر بحثا بعنوان: بئر رومة، وقف الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه، د. عبدالله بن محمد الحجيلي، مجلة مركز بحوث ودراسات المدينة المنورة، رمضان 1425هـ.
14 - أخرجه السيوطي في الجامع الصغير، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (426).
15 - صحيح الجامع برقم (1113).


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 27-02-2024 09:45 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (4)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة عظيمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف والهيئات والمؤسسات برعاية الأصول الوقفية ونمائها، أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وأن ينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .
والحديث الرابع، فيه أول وثيقة وقفية في الإسلام، وقد استند كل من كتب كتاب وقفه من الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى ما جاء في ذلك الكتاب، وفيه من الفوائد والدلالات الكثير.
الحديث الرابع: كتابة الوقف وتوثيقه
عن يحيى بن سعيد عن صدقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث، أن ثمغا وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة سهم التي بخيبر ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالوادي، تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها، ألا يباع ولا يشترى، ينفقه حيث رأى من السائل، والمحروم، وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه»(1).
حديث موقوف(2)، فيه كتاب صدقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه(3)، التي أوقفها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما ملك أرضاً في خيبر، وكانت من أنفس وأجود ما حاز رضي الله عنه، فاستشار رسول اللهصلى الله عليه وسلم في صفة الصدقة بها. فأشار عليه النبي صلى الله عليه وسلم : «‏إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها» ففعل.
وابتدأ كتابه بالتسمية، ثم بنص الكتاب: «هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين»، الوقف قربة لله تعالى من عباده، إن حدث بعمر ] حدث أي موت، «أن ثمغاً وصرمة ابن الأكوع»: وهما مالان معروفان بالمدينة كانا لعمر بن الخطاب فوقفهما، وثمغ: هي أرض تلقاء المدينة كانت لعمر رضي الله عنه؛ وقيل المراد بالصرمة القطعة الخفيفة من النخل ومن الإبل.
«والعبد الذي فيه»: أي لعمل ثمغ، والمائة سهم التي بخيبر، حيث ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها كان مقدار مائة سهم من السهام التي قسمها النبي صلى الله عليه وسلم بين من شهد خيبر، وهذه المائة سهم غير المائة سهم التي كانت لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصلها من جزئه من الغنيمة وغيره، «والمائة التي أطعمه محمد صلى الله عليه وسلم بالوادي»، والمراد بالوادي يشبه أن يكون وادي القرى(4).
وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من آل عمر، وقد بين ذلك عمر بن شبة عن أبي غسان المدني قال: «هذه نسخة صدقة عمر أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر فنسختها حرفاً حرفاً: هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ، أنه إلى حفصة ما عاشت تنفق ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى ذوي الرأي من أهلها»، وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن معيقيباً كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين، فيحتمل أن يكون وقفه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم باللفظ، وتولى هو النظر عليه إلى أن حضرته الوصية فكتب حينئذ الكتاب، وألا يباع، وإن أكل هو: أي ولي الصدقة، أو آكل غيره من صديق وضيف، أو اشترى رقيقا: عبدا منه: أي من محصول ثمغ وما ذكر معه لعمله(5).
وكتاب وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو أول وثيقة وقفية في الإسلام(6)، وقد استند كل من كتب كتاب وقفه من الصحابة ر-ضوان الله عليهم- إلى ما جاء في كتاب عمر -رضي الله عنه-، وهنالك خلاف في أول وقف عند المسلمين، فبعضهم يرى أن وقف عمر بن الخطاب ] هو أول وقف خيري في الإسلام، وبعضهم الآخر يعد أول وقف هو وقف «الحوائط السبعة»التي أوصى بها «مخيريق»(7)- يهودي قاتل مع النبي صلى الله عليه وسلم في أحد - رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لكي «يضعها حيث أراه الله».
والأنصار يرون أن صدقة الرسول صلى الله عليه وسلم هي أول صدقة؛ لأنها جاءت بعد معركة أحد على رأس اثنين وثلاثين شهراً من هجرة الرسول، بينما صدقة عمر جاءت في السنة السابعة للهجرة، بينما كان المهاجرون يرون أن صدقة عمر بن الخطاب أول ما حبس من الأموال، ولعل الخلاف سببه أن «الحوائط السبعة» التي أوصى بها «مخيريق» تدخل ضمن وصايا أو أوقاف غير المسلمين التي اختلف حولها الفقهاء لاحقاً، وتحوطه بعض الأمور التي تجعله يختلف عن الوقف الآخر وقف عمر بن الخطاب، فوقف عمر رضي الله عنه توافرت فيه عناصر عدة أصبحت تمثل مرجعية لما جاء بعده من أوقاف.
وروى الخصاف عن الزهري ما يفيد بوجود مثل هذا الكتاب الأول للوقف حيث قال: «أقرأني سالم ابن عبد الله صدقة عمر بن الخطاب بثمغ»(8)، وروى أيضاً بالسند إلى بشير مولى المازنيين قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: «لما كتب عمر ابن الخطاب صدقته، في خلافته، دعا نفرا من المهاجرين والأنصار فأحضرهم ذلك وأشهدهم عليه فانتشر خبرها»(9).
وروى الخصاف خبراً آخر إلى عامر بن ربيعة أنه شهد أن عمر بن الخطاب بقي يدير وقفه بنفسه أو يقسم ثمرة أرضه بثمغ إلى السنة التي توفي فيها، «ثم صار إلى حفصة». وبالاستناد إلى ذلك ينقل الخصاف عن الفقيه أبي يوسف بعد سماعه لما قاله الواقدي استخلاصه للقاعدة الفقهية المعروفة: «إذا اشترط الذي وقف الوقف أنه في يديه في حياته ثم إذا توفي فهو إلى فلان بن فلان فهو جائز»(10).
والتوثيق معروف عند الفقهاء، فقد دون الفقهاء أحكامه وبينوا أهميته ورسموا الإجراءات اللازمة لإثبات الأوقاف وتوثيقها. وعليه عمل الناس من زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده من الأجيال المتعاقبة حتى يومنا هذا.كما أن في إثبات الأوقاف وضبط إجراءاتها حفظًا لها من الاندراس والنسيان أو الاعتداء عليها بالظلم والعدوان وضبط جميع الحقوق المتعلقة بها، وهو مقصد معتد به في الشرع(11).
وكان توثيق الأوقاف ورسم الإجراءات اللازمة لإثباتها موضع اهتمام العلماء الذين ألفوا في علم التوثيق، ويسمى- أيضًا: «علم الشروط»، وهو فرع من علم الفقه يبحث في كيفية تدوين العقود والإقرارات والمحاضر والسجلات القضائية طبقًا للأحكام المرعية وعلى وجه يصح الاحتجاج بها(12).
وأشاد العلماء بعلم التوثيق فقال ابن فرحون (ت: 799هـ) بأنه: «صناعة جليلة شريفة، وبضاعة عالية منيفة، تحتوي على ضبط أمور الناس على القوانين الشرعية، وحفظ دماء المسلمين وأموالهم والاطلاع على أسرارهم وأحوالهم..»(13).
وقد قرر الفقهاء أن على القاضي عند توليه قضاء بلد أن يباشر بالنظر في أمر الموقوف والوصايا على الجهات العامة التي لا ناظر عليها(14)؛ لهذا اعتنى القضاء الإسلامي في العهود الإسلامية السابقة بالأوقاف، وكان القضاة يعتنون بها ويتفقدونها، ويجتهدون في إثبات الأوقاف التي في أيدي الناس، وتوثيقها جميعاً، ولم يتركوا منها وقفاً حتى يحكم فيه ويوثق، إما ببينة تثبت عنه، وإما لإقرار أهل الوقف والحبس .
ومن فوائد الحديث: استحباب إثبات الوقف بالوسائل الشرعية التي تحفظ عين الوقف من العدوان عليه، وفيه إثبات الوقف بالكتابة أيضًا؛ لأن الكتابة أبقى من الشهادة؛ لذهاب أعيان المستشهد بهم، ووقف عمر -رضي الله عنه- ثبت بداية بالإشهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكتابة الأحاديث النبوية الشريفة الخاصة به وتدوينها، ومع ذلك كتب عمر -رضي الله عنه- وثيقته وأشهد عليها. وفيه استحباب التفصيل في كتب ووثائق الوقف لحفظ الوقف واستمراره، وإزالة اللبس في أعيانه وحدوده وشروطه ومصارفه، ومن يتولاه في النظارة .
وفيه تخصيص حفصة – أم المؤمنين - دون إخوتها وأخواتها في النظارة على وقف عمر رضي الله عنهما، وفيه دلالة على رجاحة عقلها وحسن إدارتها، وفيه أهمية اختيار ناظر الوقف من أهل الرأي والخبرة، لتعم الفائدة ويحصل المقصود، لقوله: «ثم يليه ذو الرأي من أهلها».
وفيه : توثيق الوقف صيانة للحقوق، وقطعا للمنازعة، وديمومة للوقف، وفيه جواز نظارة المرأة على الوقف إذا كان فيها كفاءة للقيام بشؤون النظارة، وتقديمها على من هو من أقرانها من الرجال، وفيه إشهار للوقف وتشجيع للقادرين على الوقف احتباس أنفس ما يملكون وقفاً لله تعالى.
والوقف مجال للتدريب والتطوير وتنمية القدرات البشرية> لذا كان الوقف في العهود الإسلامية مدرسة في الإدارة والأمانة، واستشعار المسؤولية، والتطوير والابتكار والتجديد والإبداع، لمصلحة الوقف والفئات التي تنتفع بريعه أو بعينه.
والحكمة من مشروعية التوثيق للوقف واضحة جلية، قال الشيخ السعدي رحمه الله: «فكم في الوثاق من حفظ حقوق، وانقطاع منازعات»(15)، فتوثيق الأوقاف من أعظم أسباب حفظها واستمرارها، ودفع أيدي المعتدين والطامعين فيها، وهو السبيل الذي يحقق مقاصد الواقفين في بقاء أوقافهم مع تعاقب السنين، والحفاظ عليها من الضياع والاندثار، والتقيد بمصارفها كما نص عليها الواقف، وضبطها من التغيير والأهواء.
ولا شك في أن توثيق الوقف لدى جهة شرعية معتبرة، أو عالم بالوثائق وكيفيتها، سلامة للوقف من الخلل والنقص، وإبعادا له عما يفسده.
- الهوامش:
1 - أخرجه أبو داود في سننه كتاب الوصايا، باب: ما جاء في الرجل يوقف الوقف برقم (1876)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود برقم (2879)، وفي الحديث كاملاً كتابان لوقف عمر رضي الله عنه، أحدهما هو: «بسم الله الرحمن الرحيم - إلى قوله: وشهد عبدالله ابن الأرقم» وثانيهما هو: «بسم الله الرحمن الرحيم - إلى قوله: أو اشترى رقيقا منه»، وفي الكتاب الثاني بعض زيادات ليست في الأول، وذكر هذين الكتابين عمر بن شبة أيضاً كما قال الحافظ في الفتح، فنسخ عبدالحميد ليحيى بن سعيد كلا الكتابين، وأذكر هنا نص الكتاب الثاني لاشتماله على ما جاء في الكتاب الأول.
2 - الحديث الموقوف هو ما يروى عن الصحابة من أقوالهم أو أفعالهم ونحوها فيوقف عليهم ولا يتجاوز به إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، ومنه الصحيح والضعيف والموضوع، انظر مقدمة ابن الصلاح.
3 - ويطلق عليها كذلك مسمى: وثيقة وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
4 - انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود (8/59 - 60).
5 0 المرجع السابق (8/61).
6 - الوثيقة الإسلامية صك كتب ليكون حجة في المستقبل لإثبات حق أو التقيد بالتزام، سواء أكان ذلك بين طرفين أم بإرادة منفردة واحدة، كالوصية والوقف، انظر عبدالله بن محمد الحجيلي، دراسة وثائقية وقفية في الإسلام، مجلة أوقاف، العدد3، الكويت 2002م ص101.
7 - مخيريق كان أحد بني ثعلبة بن الغيطون، فلما كان يوم أحد قال: يا معشر يهود, والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت، قال: لا سبت لكم، فأخذ سيفه وعدته، وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما يشاء، وذكر الواقدي أنه قد أسلم، وقال ابن كثير: بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «مخيريق خير يهود» (البداية والنهاية 4/38، الإصابة في تمييز الصحابة 6/73)، ذكر ابن حجر في الفتح: أن أول صدقة كانت في الإسلام أراضي مخيريق التي أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوقفها النبي صلى الله عليه وسلم .
8 - أحكام الأوقاف، للخصاف ص (7).
9 - أحكام الأوقاف، لأبي بكر أحمد الشيباني المعروف (بالخصاف) ص(6).
10 - أحكام الأوقاف، للخصاف ص(8).
11 - انظر الأصول الإجرائية لإثبات الأوقاف، للشيخ عبدالله بن محمد بن سعد آل خنين، بحث ضمن بحوث ندوة الوقف والقضاء، الرياضي (10 - 12) صفر 1426هـ.
12 - كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون (2/1045).
13 - تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (1/282).
14 - دقائق أولي النهى لشرح المنتهى (3/477)، كشاف القناع عن متن الإقناع (6/325).
15 - تيسير الكريم الرحمن ص (141).


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 27-02-2024 10:08 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (5)






جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية - فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكاما وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكام وفوائد جمة عظيمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الخامس، فيه حرص صحابة رسول الله [ على حبس ووقف الدور والآبار والبساتين؛ اقتداء بفعل النبي [ وسنته، وامتثالاً لتوجيهه وإرشاده.
أوقاف الصحابة رضوان الله عليهم
قال جابر : “لم يكن أحد من أصحاب النبي ذو مقدرة إلا وقف”(1).
حديث موقوف على الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري ]، الذي نص في عبارة جامعة على ما بذله صحابة رسول الله من مالهم في البر والإحسان، والوقف على وجه الخصوص. وأورد ابن قدامة المقدسي في كتابه «المغني» ذلك الحديث بأن جابراً قال: “لم يكن أحد من أصحاب النبي ذو مقدرة إلا وقف، وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك ولم ينكره أحد، فكان إجماعاً”(2).
وروى الخصاف في «أحكام الأوقاف» عن محمد بن عبد الرحمن عن سعد بن زرارة قال:» ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله [ من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلا وقد وقف من ماله حبساً، لا ُيشترى، ولا يورث ولا يوهب، حتى يرث الله الأرض ومن عليها (3)
وأكد ذلك القرطبي بقوله : “إن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة”(4). واستدل أهل العلم على أوقاف الصحابة بوقف ابن عمر حينما أوقف نصيبه من دار عمر رضي الله عنهما سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله، ‏ووقف أنس‏ بن مالك ‏دارا له بالمدينة فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره، ‏وتصدق الزبير بدوره، وقال للمردودة – أي المطلقة - من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضار بها فإن استغنت بزوج فليس لها حق (5).
وكذلك فاطمة بنت رسول الله [ حينما تصدقت بمالها على بني هاشم وبني المطلب، وكذلك علي ] تصدق عليهم وادخل معهم غيرهم. وحبس زيد ابن ثابت ] داره التي في البقيع وداره التي عند المسجد.
وقال الحميدي شيخ البخاري: وتصدق أبو بكر الصديق ] بداره بمكة وتصدق عمر بن الخطاب ] بربعه عند المروة وبالثنية على ولده ، وتصدق على بن أبى طالب ] بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بن العوام ] بدراه بمكة وداره بمصر، وأمواله بالمدينة، وتصدق سعد بن أبى وقاص ] عنه بداره بالمدينة وبداره بمصر، وعثمان بن عفان ] برومة، وعمر وبن العاص ] بالوهط من الطائف وداره بمكة على ولده فذلك إلى اليوم وحكيم بن حزام ] بداره بمكة والمدينة (6).
وقد جاء في الحديث والسير أن كل من كان له مال من الصحابة رضي الله عنهم وقف من ماله إما وقفا ذريا خاصا، أو عاما، ومن ذلك: أن أبا بكر الصديق ] وقف داره بمكة على ولده، وعمر ] وقف ربعه عند المروة وبالثنية على ولده، وتصدق بماله الذي بخيبر ووادي القرى وغير ذلك، وعثمان بن عفان ] وقف بئر رومة فهي وقف إلى اليوم، وعلي بن أبي طالب ] وقف أرضه بينبع والمدينة ووادي القرى وفدك، وتصدق سعد بن أبي وقاص ] بدُوره على أولاده من البنين والبنات، وأن للمطلقة من بناته أن تسكن فيها غير مُضِرَّة، ولا مُضَارٍّ بها؛ ووقف الزبير بن العوام ] داره التي  بمكة، وداره التي بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده.
ووقف طلحة بن عبيد الله ] داره بالمدينة، وجعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عمر، وحبس زيد بن ثابت ] داره التي عند البقيع وداره التي عند المسجد، وحبس عمرو بن العاص ] أرضه المسماة (الوَهَط والوُهَيْطِ) في الطائف وداره التي بمكة على ولده.
وحبس خالد بن الوليد ] داره التي بالمدينة، ووقف حكيم بن حزام ] داره الشارعة في البلاط، ووقف أنس ] داراً له بالمدينة، واشترت عائشة رضي الله عنها داراً، وكتبت في شرائها: إني اشتريت داراً، وجعلتها لما اشتريتها له، فمنها مسكن لفلان ولِعَقِبِه ما بقي بعده إنسان، ومسكن لفلان، وليس فيه لعقبه، ثم يرد بعد ذلك إلى آل أبي بكر. ووقفت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دارها صدقة، حبس لا تباع ولا توهب ولا تورث.
ووقفت أم سلمة رضي الله عنها صدقة حبساً لا تباع ولا توهب، ووقفت أم حبيبة، وصفية أمهات المومنين رضي الله عنهن، ووقف جابر بن عبد الله رضي الله عنه بستانه لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ووقف سعد بن عبادة وقفا عن أمِّه فيها سقي الماء، ثم حبس عليها مالاً من أمواله، على أصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ووقف عقبة بن عامر ] دارا تصدق بها حبساً؛ لا تباع ولا توهب ولا تورث، على ولده وولد ولده، فإذا انقرضوا فإلى أقرب الناس مني، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وللدلالة على وفرة أوقاف الصحابة قال الشافعي -رحمه اللَّه-: « بلغني أن ثمانين صحابياً من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات «، والشافعي -رحمه اللَّه- يسمي الأوقاف: الصدقات المحرمات7.
وقال ابن حزم -رحمه اللَّه-: « وسائر الصحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشمس لا يجهلها أحد 8» .
فقد تنافس السلف الصالح - رحمهم الله - من لدن الصّحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم على وقف بعض أملاكهم ابتغاء ما عند الله من الأجر والثّواب؛ ولا شك أن ذلك من باب حفظ ونماء للمال، فقد جاء عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله [: “إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال9».
والوقف من حفظ المال ونمائه، ومن الشّواهد على ذلك ما ذكر ابن بطوطة  من وصف للأوقاف الّتي شاهدها في رحلته إلى دمشق حيث يقول: « والأوقاف بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها، فمنها أوقاف على العاجزين عن الحج يعطى لمن يحج عن الرّجل منهم كفاية، ومنها أوقاف على تجهيز البنات إلى أزواجهن، وهن اللواتي لا قدرة لأهلهن على تجهيزهن، ومنها أوقاف لفكاك الأسرى، ومنها أوقاف لأبناء السبيل، يعطون منها ما يأكلون ويلبسون ويتزودون لبلادهم 10»
وكان ابن جبير – رحمه الله – الذي تقدم ابن بطوطة بأكثر من قرن ونصف القرن، (614 هـ  - 1217 م)  قد زار دمشق، وأدهشه ما عاين فيها من غزارة الأوقاف، حتّى « إنّ البلد تكاد الأوقاف تستغرق جميع ما فيه11».
وازدهرت الأوقاف في العهود الإسلامية ازدهاراً عظيماً، وذلك في مصر والشام ونجد والحجاز والمغرب العربي وغيرها من البلاد المفتوحة، وذلك بسبب كثرة الأموال التي تحصّل عليها المجاهدون من الفتوحات الإسلامية، وكان من ثمار ذلك أن اتسعت مجالات الوقف في ذلك العصر، فلم يعد الوقف مقصورا على جهات الفقراء والمساكين فقط بل تعدى ذلك إلى بناء دور العلم والإنفاق على طلاب العلم، وإنشاء المساجد والدور الخيرية، بل وإلى تأسيس المكتبات والإنفاق عليها، وإنشاء المصحات وكانت مخصصة لعلاج المرضى بالمجان، وكذلك إنشاء الدور لسكن الفقراء والمساكين.
وقد سجَّل التاريخ لكثير من أهل الخير والثراء من المسلمين: أنهم وقفوا - بدافع الرحمة التي قذفها الإيمان في قلوبهم، والرغبة في مثوبة الله لهم، وألاَّ ينقطع عملهم بعد موتهم - أموالهم كلَّها أو بعضها على إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإعانة المحروم، ومداواة المريض، وإيواء المشرَّد، وكفالة الأرملة واليتيم، وعلى كلِّ غرض إنساني شريف، بل أشركوا في برِّهم الحيوان مع الإنسان12.
ولقول جابر الأنصاري ] فوائد عديدة نستخلص منها الآتي :
الوقف عبادة ظاهرة معلومة عند الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، والسلف الصالح من بعدهم على مر العصور، حرص عليها صحابة رسول الله [؛ وكانوا بذلك قدوة لما بعدهم من المسلمين.
وفيه تنوع أوقاف الصحابة وتلمسهم في حبسها ومصارفها حاجات الأسرة والمجتمع لتوفير الحياة الكريمة لكل إنسان في المجتمع المسلم، لتترابط الأسر، وتتواصل الأرحام، وتنتشر المحبة والألفة بينهم، وفيه سعي الصحابة الكرام في أوقافهم الوصول إلى أكبر عدد من المستفيدين.
وفيه أن وقف الدور من أشهر الأوقاف عند الصحابة، وفيه اتساع الوقف في عهد الخلفاء الراشدين أفضل العصور الإسلامية بعد عصر النبوة، فكثرث المساجد والدور والبساتين والآبار الموقوفة.
والوقف نظام إسلامي أخرج بأحكامه وتطبيقاته مؤسسات إسلامية ساهمت في صناعة الحضارة الإسلامية ونهضة الأمة، بشموله كل مناحي الحياة التعبدية والتعليمية والثقافية والإنسانية والإرشادية والمعيشية والإغاثية، وبذلك حفظ للمسلمين دينهم وعلمهم وهويتهم وقيمهم حتى في أشد الظروف صعوبة، وأكثرها قساوة.
الهوامش
1- أورده ابن قدامة في المغني 8/185 ، والزركشي 4/269 ، ولم أقف عليه مسنداً.
(2) المغني 8/186.
(3)أحكام الأوقاف للخصاف، ص15.
(4) تفسير القرطبي 6/318.
5 - انظر فتح الباري كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضاً أو بئراً أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين ( 7/24) .
6 - أنظر السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الوقف، باب الصدقات المحرمات ( 6/161 ) .
7 - مغني المحتاج 2/376 .
8 - المحلى 9/180.
(9) أخرجه البخاري في الرقاق، باب ما يكره من قيل وقال، برقم (6473) ومسلم في الأقضية، باب النهي عن قيل وقال، برقم (593). والوقف من سبل الحفاظ على المال ونمائه .
10 - تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار المعروف بـ»رحلة ابن بطوطة»، ص: 119 – 120.
11 - رحلة ابن جبير، ص: 213.
12 - الوقف الخيري وأثره في تاريخ المسلمين للشيخ يوسف القرضاوي، ww.qaradawi.net




اعداد: عيسى القدومي

ابوالوليد المسلم 29-02-2024 09:52 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية(6)




جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة عظيمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها, أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث السادس، دليل من الأدلة الخاصة على مشروعية الإشهاد في الوقف والصدقة، وانتفاع الميت بصدقة الحي، وأن الإشهاد هو أحد الطرق الشرعية في توثيق الوقف, وأن من البر بالوالدين بعد موتهما: التصدق عنهما.
الإشهاد في الوقف
عن عبد الله بن عباس، أن سعد بن عبادة رضي الله عنه – أخا بني ساعدة - توفيت أمه وهو غائب عنها، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال :«يا رسول الله، إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال : «نعم». قال : فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقةٌ عليها»(1).
بوّب البخاري لهذا الحديث بقوله: “باب الإشهاد في الوقف والصدقة”، وقد ألحق الوقف بالصدقة، وروى نحوه أبو داود والترمذي والنسائي، بالسند إلى ابن عباس :“ أن رجلا قال: يا رسول الله إن أمي توفيت أفينفعها إن تصدقت عنها؟ فقال: نعم ، قال: فإن لي مخرفا وإني أشهدك أني قد تصدقت به عنها”(2).
قال المنذري : وهذا الرجل هو سعد بن عبادة ](3).
والحديث مفاده: كان لسعد بن عبادة ] حائط (4) مخراف (5): أي بستان، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه إن كان ينفع أمه التصدق ببستانه عنها، وكانت توفيت في غيابه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : «نعم» تصدق عنها، فأشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن بستانه المخراف صدقة على أمه، ووثق صدقته بالإشهاد عليه، وقوله: «أخا بني ساعدة» أي: واحدا منهم، والغرض أنه أيضا أنصاري ساعدي.
وفي إشهاد سعد، ذكر ابن حجر أن قوله: «أشهدك» يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر, ويحتمل أن يكون معناه الإعلام، واستدل المهلب للإشهاد في الوقف بقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم} ( سورة البقرة/282)، قال: فإذا أمر بالإشهاد في البيع وله عوض فلأن يشرع في الوقف الذي لا عوض له أولى.
وقال ابن المنير : كأن البخاري أراد دفع التوهم عمن يظن أن الوقف من أعمال البر فيندب إخفاؤه، فبين أنه يشرع إظهاره لأنه بصدد أن ينازع فيه ولا سيما من الورثة”6.
ووقف عمر لأرض خيبر ثبت بداية بالإشهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومع ذلك كتب عمر ] كتاب وثيقته وأشهد عليه في وصيته التي كتبها في خلافته، ودعا نفرا من المهاجرين والأنصار فأحضرهم ذلك وأشهدهم عليه، فانتشر خبرها.
وعثمان أشهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على وقفه عندما أعلن وقفه لبئر رومة سقاية للمسلمين، وسمع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وكل من حضر من الصحابة، وذلك إثبات بالشهادة، وكرر هذا الإثبات عندما كان خليفة، باستشهاد جمع غفير من الصحابة.
ودل على مشروعية التوثيق بالشهادة: الكتاب، والسنة، والإجماع، وفعل الصحابة رضوان الله عليهم.
وقد استدل بعض أهل العلم على مشروعية توثيق الوقف بالشهادة بقوله تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم}(7)، ووجّه الاستدلال به بقوله : «فإذا أمر بالإشهاد في البيع وله عوض، فلأن يشرع في الوقف الذي لا عوض له أولى» (8)، ومما يدل لذلك عمل بعض خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في توثيق أوقافهم بالإشهاد عليها، كعمر وعثمان وسعد رضي الله عنهم وأرضاهم.
جاء في الموسوعة الفقهية : “ الشهود على التصرفات وسيلة لتوثيقها، واحتياط للمتعاملين عند التجاحد، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم؛ لأن الحاجة داعية إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس فوجب الرجوع إليها”(9)، وفي حكم الإشهاد، قال ابن هبيرة: “ واتفقوا على أن الإشهاد مستحب وليس بواجب” (10) ، وهذا يعم الإشهاد على العقود وغيرها، سواء كتبت أم لم تكتب (11).
فالمقرر شرعاً أن الشهادة إحدى طرق إثبات الوقفية، وفي الفقه الإسلامي لم يشترط الإشهاد على الوقف بوصفه شرطاً لصحته، ألا أنه في العهود المتأخرة أدرجت بعض الدول الإسلامية بنودا قانونية لإثبات الوقف كاشتراط صدور إشهاد رسمي ممن يملكه، أمام الجهة المختصة بسماعه، وبناء على هذه النصوص عُدّ الإشهاد شرطا لصحة الوقف، واستثني وقف المسجد فهو لا يزال على حكمه الفقهي الذي اتفق عليه الفقهاء على صحة الوقف على المسجد وتوابعه سواء تم الإشهاد أم لا(12).
وفي بيان الشهادة التي تقبل في الوقف، قال الخصاف: «إن شهد الشهود أن فلاناً أقر عندنا أنه وقف هذه الأرض وقفاً صحيحاً وحددها، وأنه كان مالكها في وقت ما وقفها، قضينا بأنها وقف من قبل الواقف وأخرجناها من يدي الذي هي في يديه»(13).
وذكر الخصاف حكم الوقف إذا انقطع ثبوته فقال: إن الأوقاف التي تقادم أمرها، ومات شهودها، فما كان لها من رسوم في دواوين القضاة، وهي في أيديهم، أجريت على رسومها الموجودة في دواوينهم استحساناً إذا تنازع أهلها فيها، وما لم يكن لها رسوم في دواوين القضاة، فمن أثبت حقاً فيها عند التنازع حكم له به (15).

ومن فوائد الحديث: يشرع إظهار الوقف والإشهاد فيه، حتى يحفظ من الضياع والمنازعة والتعدي عليه ولاسيما من الورثة أو غيرهم، وفيه أن الوقف يطلق عليه مسمى الصدقة؛ فكل وقف صدقة، وكل صدقة ليست وقفاً.
وفيه دليل من الأدلة الخاصة على مشروعية الإشهاد في الوقف والصدقة، وفيه أن الإشهاد في الوقف مع كتابته مستحب عند الفقهاء في توثيق الأوقاف، ويُعد ذلك حجة في صحته. وفيه أن الإشهاد هو أحد الطرق الشرعية في توثيق الوقف، وقد دلت النصوص على مشروعية ثبوت الوقف، إما بالإقرار أو الكتابة أو الشهادة مفردة أو مجتمعة.
وفيه دليل على انتفاع الميت بصدقة الحي، أي انتفاع الأموات بسعي الأحياء، وفيه أن التصدق للوالدين باب من أبواب برهما حتى بعد موتهما وهو من الأعمال التي يصل ثوابها للميت، وفيه أن الصدقة من أعمال الإحياء المالية التي ينتفع بها الميت، وفيه استعجال التصدق والبذل للميت، ولاسيما إن كان أباً أو أماً فهما أولى الناس بالبر والإحسان، وفيه دليل واضح على أن الصدقة تلحق الوالدين بعد موتهما إذا كانا مسلمين، دون وصية منهما.
وهذا من فضل الله تبارك وتعالى الواسع على عباده أنه إذا مات الإنسان وأفضى إلى ما قدم، جعل الله عز وجل له بابين لاستمرار الأجر والثواب: الباب الأول في حياته: وذلك بأن يعمل الإنسان من الأعمال ما يستمر أجره بعد موته، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له»(15).
وكذلك الأجر الذي يناله الإنسان من هدايته غيره، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ دَعَا إِلَى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يَنقص ذلك مِن أجورهم شيئا» (16).

الهوامش
1 - أخرجه البخاري في الوصايا، باب الإشهاد في الوقف والصدقة ، برقم 2762.
2 - سنن أبي داود، برقم ( 2882)، وسنن الترمذي برقم (669)، وصحيح النسائي برقم ( 3657).
3 - انظر: عون المعبود (8/63).
4 - الحائط: البستان من النخل إذا كان عليه حائط أي جدار، ويجمع على: حوائط.
5 - المخراف : أي البستان، جاء في معجم البلدان للحموي (5/71) : المخراف : وهو من المخارف، واحدها مَخْرَف، وهو جني النخل، وإنما سمي مخرافاً: لأنه يخترف منه.
6 - فتح الباري ( 6/717).
7 - سورة البقرة ، آية 282.
8 - فتح الباري، ( 6/717).
9 - الموسوعة الفقهية، (14/ 139-140).
10 - الإفصاح ( 2/356).
11 - توثيق الوقف ( المعوقات والحلول )، د.عبد الرحمن الطريقي، بحث منشور.
12- نصت المادة الأولى من قانون الوقف المصري رقم (48 لسنة 1952) على اشتراط إشهاد رسمي من الواقف، أمام إحدى المحاكم الشرعية التي بدائرتها أعيان الوقف كلها أو أكثرها؛ سداً للباب أمام الدعاوى الباطلة لإثبات الوقفيات بشهادات الزور، وهذا يتفق مع الحكم القانوني الذي يشترط التسجيل في السجل العقاري لكل تصرف واقع على العقار، أياً كان العقار، وأياً كان التصرف الواقع عليه. انظر : الفقه الإسلامي وأدلته ، د. وهبة الزحيلي، (8/215).
13 - أحكام الأوقاف، للخصاف، ص 210.
14- الفقه الإسلامي وأدلته، د. وهبة الزحيلي، (8/215).
(15) أخرجه مسلم ، برقم (1631).
16 - أخرجه مسلم، برقم (2674).


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 29-02-2024 10:05 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعــون الوقفيــة (7)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وأحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكام وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
- والحديث السابع، جمع سبعة من الأعمال التي تُعد من الوقف الإسلامي التي تجري فيها الحسنات لصاحبها إلى ما بعد الممات، وتنوع تلك الأعمال لتوسيع دائرة الاختيار، وهذا من فضل الله تعالى على عباده ورحمته بهم أن فتح لهم أبواباً من الخير ما يدوم فيها الأجر والمثوبة .
سبعٌ من الوقف
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله [: «سبع يجري للعبد أجرهُنَّ وهو في قبره بعد موته: من علّم علماً، أو أجرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورَّث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته»(1).
من نعم الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين أن هيأ لهم أبواباً من البر والخير والإحسان عديدة, يقوم بها العبد الموفق في هذه الحياة, ويجري ثوابها عليه بعد الممات, فأهل القبور في قبورهم مرتهنون, وعن الأعمال منقطعون, وعلى ما قدموا في حياتهم محاسبون ومجزيون, وبينما هذا الموفق في قبره الحسنات عليه متوالية, والأجور والأفضال عليه متتالية, ينتقل من دار العمل, ولا ينقطع عنه الثواب, تزداد درجاته, وتتناما حسناته، وتتضاعف أجوره وهو في قبره, فما أكرمها من حال, وما أجمله وأطيبه من مآلٍ!. وهذا ما أخبرنا به حبيبنا محمد أن أموراً سبعة يجري ثوابها على الإنسان في قبره بعدما يموت وتفصيلها الآتي:
- أولاً: تعليم العلم ونشره: ذلك العلم النافع الذي يبصر الناس بدينهم ,ويعرفهم بربهم ومعبودهم, ويهديهم إلى صراطه المستقيم, وعندما يموت العالم تبقى علومه بين الناس موروثة, ومؤلفاته وأقواله بينهم متداولة, وهو في قبره تتوالى عليه ويتتابع عليه الثواب، ويبقى جاريا على صاحبه لا ينقطع بموته.
- ثانياً: إجراءُ النهر: من شق الجداول والأنهار، وتسهيل مجاريها، لتوفير الماء لكل من يحتاجه، وتيسير الوصول له، والانتفاع به ليروى منه الناس، وكذلك زروعهم وماشيتهم، فكل في هذا العمل من خير وأجر، ويلحق بإجراء النهر كل ما جرى فيه الماء من سبيل ومد الأنابيب، وتوفير الماء في الطرق وتجمعات الناس، ومن أعظم ما وثق التاريخ في الانتفاع بالماء، الوقف الذي قامت بإنشاءه «زبيدة» بنت جعفر المنصور، زوجة هارون الرشيد، حينما رأت أثناء حجها ما يعانيه الحجاج من نقص المياه، فأمرت بحفر نهر جار يتصل بمساقط مياه المطر, ونفذت وقفها بأن مهّدت طريقاً للحجاج من بغداد إلى مكة، وأنشأت في هذا الطريق مرافق ومنافع وآبار ظل يستفيدُ منها حجاج بيت الله الحرام منذ أيامها إلى وقت قريب.
- ثالثاً: حفر الآبار: حبس الماء في الآبار فيه الأجر من الله تعالى والنفع لكل كبد رطب، جاء عن سعد بن عبادة – ] - أنه قال: «يا رسول الله، إن أُم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء»؛ فحفر بئراً، وقال: هذه لأم سعد»(3).
وجاء في السنة أن النبي صلى صلى الله عليه وسلم قال: “بينما رجل يمشي بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقي، فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له، قالوا يا رسول الله! وإن لنا في هذه البهائم لأجرا؟ فقال: «في كل كبد رطبة أجر»(4).
فكيف إذاً بمن حفر البئر وتسبب في وجودها حتى ارتوى منها خلقٌ, وانتفع بها كثيرون، وسهلت للناس في حلهم وترحالهم .
- رابعاً: غرس النخل: النخل سيد الأشجار وأفضلها وأنفعها وأكثرها فائدة على الناس, فمن غرس نخلاً وسبل ثمره للمسلمين فإن أجره يستمر كلما طعم من ثمره طاعم, وكلما انتفع بنخله منتفع من إنسان ٍأو حيوان, وهكذا الشأن في غرس كل ما ينفع الناس من الأشجار , وإنما خص النخل هنا بالذكر لفضله وتميز(ه). والغرس صدقة إلى يوم القيامة، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله[: «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له منه صدقة» (6). وفي غرس النخل والزروع نماء للمجتمع، وتوفير الحاجيات الأساسية، وتحقيق الأمن الغذائي، والإسهام في عملية التنمية الاقتصادية، وزيادة عوامل الإنتاج كمّاً ونوعاً.
- خامساً: بناء المساجد: إعمار وبناؤها المساجد من الصدقة الجارية، وهي أحب البقاع إلى الله، فالأجر لبانيه ما أذن فيه مؤذن، وما أقيمت فيه صلاة، وما ذكر فيه الله تعالى ونشر فيه العلم، وقد ثبت عن النبي[ قال: «من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة»(7).
- سادساً: توريث المصحف: وذلك بنسخ المصاحف كما كان في العهود السابقة، وطباعة المصاحف ونشرها ووقفها في المساجد، والمستشفيات وأماكن الانتظار والتجمعات، ولواقفها أجرٌ عظيم ٌكلما تلا في ذلك المصحف تالٍ, وكلما تدبر فيه متدبر, وكلما عمل بما فيه عامل.
- سابعاً: الولد الصالح: والولد الصالح هو كل مولود من ذكر أو أنثى قائم بحقوق الله تعالى، وحقوق العباد، صالح في نفسه، ومصلح لغيره، والذي اجتهد أبواه في تربيته تربية صالحة، ليكون ابناً باراً بأبويه، فنشأ على طاعة الله تعالى، داعياً لأبويه بالخير، يسأل الله لهم الرحمة والمغفرة، فهذا مما تستمر فيه الحسنات بعد الممات.
وقد ورد في معنى الحديث المتقدم ما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة ] قال، قال رسول الله [:«إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علماً علمه ونشره , وولداً صالحاً تركه, ومصحفاً ورثه أو مسجداً بناه, أو بيتاً لابن السبيل بناه , أو نهراً أجراه , أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» 8.
والوقف بشموله وتنوعه جمع خير الدنيا والآخرة، ففي الأولى كان وما زال الوقف داعماً رئيساً للتنمية والحضارة، وفي الآخرة الثواب والأجر المستمر بفضل الله ومنّه على خلقه. فهو وسيلة عظيمة بعد انقضاء الأجل لرفع الدرجات والتكفير عن السيئات، هذا من جانب النفع العائد على الموقف أما المنافع التي تعود على الأحياء وعلى المجتمع بأسره فكثيرة وعظيمة. فعلى كل مسلم الحرص على أن يكون له من الأعمال التي يدوم نفعها في آخرته.
فوائد من الحديث : الحديث دليل على فضل الوقف وأنه من الصدقات الجارية والإحسان المستمر، وفيه دليل على جريان الحسنات للواقف بعد الممات. فينتفع المسلم بآثار ما عمله في حياته وخير الأعمال هي «الوقف»، < وفيه أن الأصل في الوقف أن يكون ذو منفعة دائمة مستمرة، وفيه أن مقصود الوقف التقرب إلى الله تعالى، فلا يحصل ذلك إلا بالأعمال التي فيها طاعة الله وإتباع هدي رسوله [.
- وفيه أن من مقاصد الوقف الوصول إلى أكبر عدد ممكن من المستفيدين بتنوع الأعمال والمشاريع الوقفية. وفيه أن الوقف باب لتوفير الحياة الكريمة لكل إنسان في المجتمع المسلم، < وفيه أن الوقف منبع لإشاعة التراحم والمحبة بين أفراد المجتمع وتقديم الخدمات العامة للمجتمع المسلم.
- وفيه أن الوقف الإسلامي من سماته الشمول فهو إما خيري أو ذري أوكلاهما، وكذلك التنوع فإما أن يكون للحاجات المادية كالمأكل والمشرب والملبس والعلاج، أو لتوفير الحاجات المعنوية كالتعليم والتطوير، أو للحاجات النفسية كإدخال السرور في النفوس، وتوفير الحياة التي تحفظ للإنسان كرامته.
ولا شك أن أفضل الوقف ما كان أكثر نفعاً(9)- ما عم نفعه ودام ظلّه- وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان والحاجة الماسة له، ولذلك ينبغي للواقف أن يستشير من يثق بدينه وعلمه وخبرته وإطلاعه قبل أن يوقف، وأن يعمل على استدامته في حياته وبعد موته ببذل الأسباب التي يدوم فيها الوقف ومنفعته. وقد هيأ الله تبارك وتعالى – في عصرنا - مؤسسات وقفية تنشر ثقافة الوقف وترعى الأوقاف، وتجمع الأسهم الوقفية وتتبنى المشاريع الوقفية، وتيسر للناس سبل الإسهام والمشاركة في المشاريع الوقفية، فالوقف يقاس بانتشاره وحجمه وتنوعه وبثقافة المجتمع وتدينه، وتحمل مسؤولياته، وفيه المؤشرات والدلالات الكثيرة على وعي المجتمع وتدينه وسعيه لتخفيف معاناة أهل الحاجة.
الهوامش
1- حسنه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع برقم :3596./ 3602/
2 - الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، مقال بعنوان: «سبع يجري للعبد أجرهن»www.al-badr.net.
3 - رواه أبو داود، برقم 1678. وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم 1474.
4 - رواه مسلم في صحيحه، برقم 2244.
5 - الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد، مقال بعنوان: «سبع يجري للعبد أجرهن»www.al-badr.net.
6- أخرجه البخاري في الأدب، باب: «رحمة الناس والبهائم»، برقم (6012) ومسلم في المساقاة والمزارعة، باب: فضل الغرس والزرع، برقم (1552).
7- مصنف ابن أبي شيبة 1/310.
8- حسنه الألباني رحمه الله في صحيح ابن ماجه برقم 198.
9- قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في كتابه منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، باب الوقف: وهو من أفضل القرب وأنفعها إذا كان على جهة بر، وسلم من الظلم .. وأفضله : أنفعه للمسلمين. أنظر منهاج السالكين وتوضيح الفقه في الدين، ص 62-63.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 29-02-2024 10:16 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (8)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الثامن، من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالعهود والشروط، وأنها من الصفات التي رسخها الإسلام، ومدحها ورتب عليها الجزاء الجزيل والثواب الوفير.
الحديث الثامن شروط الواقف معتبرة في الشريعة
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المسلمون على شروطهم».
بوّب البيهقي لهذا الحديث بقوله: «باب الصدقة على ما شرط الواقف»، وأورده في كتاب الوقف؛ وذلك لقوة اعتبار شروط الواقفين المستمدة من أصل شرعية الوقف، فالواقف لم يرض بحبس ملكه لله تعالى وإخراجه من ملكه إلا بهذه الشروط، ومقتضى ذلك في سائر العقود، أن الشرط إذا لم يتحقق بطل العقد وعاد المعقود عليه إلى صاحبه، ولا سبيل إلى ذلك في الوقف؛ فوجب عدّ شروط الواقف في وقفه. وقد عبَّر ابن القيم عن هذا المعنى بقوله: «الواقف لم يُخرج ماله إلا على وجه معين؛ فلزم اتباع ما عينه في الوقف من ذلك الوجه، وقد اتفق العلماء على أن شروط الواقف - في الجملة - معتبرة في الشريعة، وأن العمل بها واجب».
والحديث من جوامع كلم النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، التي أكدت أهمية الوفاء بالعهود والالتزامات، فـ«المسلمون على شروطهم» أي: ثابتون عليها لا يرجعون عنها، فالمسلم يوفي بما عليه من حقوق وواجبات ولا يتهرب منها، ولا يتحايل لإسقاطها والتملص منها؛ بل إن دينه وإيمانه يحمله على أداء الحقوق والوفاء بالالتزامات والشروط: جَمع شرط، والمراد بها الشروط المباحة .
وشروط الواقف يقصد بها تلك الإرادة التي يقوم الواقف بالتعبير عنها في وثيقة وقفه، وهذه الوثيقة تسمى: كتاب الوقف، أو الإشهاد بالوقف، أو حجة الوقف. وهو يعبر عن إرادته تلك في صورة مجموعة من الشروط، التي يحدد بها كيفية إدارة أعيان الوقف، وتقسيم ريعه، وصرفه إلى الجهات التي ينص عليها أيضاً في الوثيقة نفسها.
ويطلق على تلك الشروط في جملتها اصطلاح: (شروط الواقف)، وأهل العلم رفعوها إلى منـزلة النصوص الشرعية من حيث لزومها ووجوب العمل بها، فقالوا: «إن شرط الواقف كنص الشارع»، ولكن هذه الشروط لا تكون بهذه المنـزلة إلا إذا كانت محققة لمصلحة شرعية، أو موافقة للمقاصد العامة للشريعة، وهي المتمثلة في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وأبطلوا كل شرط يؤدي إلى إهدار مصلحة شرعية، أو يخالف مقصداً من تلك المقاصد.
وأوضح ذلك شيخ الإسلام بقوله: «من قال من الفقهاء: إن شروط الواقف نصوص كألفاظ الشارع، فمراده أنها كالنصوص في الدلالة على مراد الواقف; لا في وجوب العمل بها أي إن مراد الواقف يستفاد من ألفاظه المشروطة; كما يستفاد مراد الشارع من ألفاظه; فكما يعرف العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والتشريك والترتيب في الشرع من ألفاظ الشارع؛ فكذلك تعرف في الوقف من ألفاظ الواقف.. وأما أن تجعل نصوص الواقف أو نصوص غيره من العاقدين كنصوص الشارع في وجوب العمل بها; فهذا كفر باتفاق المسلمين; إذ لا أحد يطاع في كل ما يأمر به من البشر - بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم والشروط إن وافقت كتاب الله كانت صحيحة وإن خالفت كتاب الله كانت باطلة».
جاء في «غمز عيون البصائر» قوله: «قول العلماء: شرط الواقف كنص الشارع، قيل: أراد به في لزوم العمل، وذلك أيضا بأمر الله تعالى وحكمه؛ فلا يلزم عليه إنكار بعض المحصلين في زماننا؛ حيث قال: هذه كلمة شنيعة غير صحيحة».
- والشروط نوعان: شروط صحيحة، وشروط باطلة، فالشروط الصحيحة لازمة، وأما الشروط الباطلة- التي تضمنت إما تحليل حرام أو تحريم حلال- فهي لاغية، وهذا ما نص عليه شيخ الإسلام: «وقد اتفق المسلمون على أن شروط الواقف تنقسم إلى صحيح وفاسد كالشروط في سائر العقود».
والشروط التي يجب الوفاء بها، هي الشروط التي لا تُخالف كتاب الله وسنَّة رسوله، فإن خالفتهما فتحرم ولا تصح؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم : «فما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟!، ما كان من شرط ليس في كتاب الله عز وجل فهو باطل، وإن كان مئة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق».
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا الحديث الشريف المستفيض الذي اتفق العلماء على تلقيه بالقبول، اتفقوا على أنه عام في الشروط في جميع العقود ليس ذلك مخصوصا عند أحد منهم بالشروط في البيع، بل من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة أو البيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه الله على عباده بحيث تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه أو النهي عما أمر به أو تحليل ما حرمه أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود: الوقف وغيره».
وأضاف شيخ الإسلام ابن تيمية: «إذا خلا العمل المشروط في العقود كلها عن منفعة في الدين أو في الدنيا، كان باطلاً بالاتفاق في أصول كثيرة؛ لأنه شرط ليس في كتاب الله تعالى فيكون باطلاً، ولو كان مائة شرط».. وفي جواب سؤال آخر، قال رحمه الله: «إذا علم شرط الواقف، عدل عنه إلى شرط الله قبل شرط الواقف (إذا كان مخالفاً لشرط الله) ».
ومن شروط الواقفين التي كثر مجيئها في وثائق الأوقاف وقد سميت في الاصطلاح الحديث بالشروط العشرة، وهي من الشروط الصحيحة للواقف أن يشترطها في وقفه، وقد اهتم بها أغلب الواقفين وحرصوا على النص عليها في أوقافهم، تفصيلها الآتي: الإعطاء، والحرمان، والإدخال، والإخراج، والزيادة، والنقصان، والتغيير، والإبدال، والاستبدال، والتبادل.
وهنالك مسوغات لمخالفة شرط الواقف في أحوال قيدها أهل العلم بالآتي:
• إذا أصبح العمل بالشرط في غير مصلحة الوقف، كألا يوجد من يرغب في الوقف إلا على وجه مخالف لشرط الواقف.
• إذا أصبح العمل بالشرط في غير مصلحة الموقوف عليهم كاشتراط العزوبة مثلاً.
• إذا أصبح العمل بالشرط يفوت غرضا للواقف، كأن يشترط الإمامة لشخص معين ويظهر أنه ليس أهلاً لإمامة الصلاة.
• إذا اقتضت ذلك مصلحة أرجح، كما إذا وقف أرضا للزراعة فتعذرت وأمكن الانتفاع بها في البناء، فينبغي العمل بالمصلحة؛ إذ من المعلوم أن الواقف لا يقصد تعطيل وقفه وثوابه - روضة الطالبين 5/388، مغني المحتاج 2/391.
- ومن فوائد الحديث: أن الوفاء بالعهود والالتزام بالشروط من الصفات التي رسخها الإسلام، ومدحها القرآن، ورتب عليها الجزاء الجزيل والثواب الوفير، الوفاء بالعقود وبالعهود، وأداء الالتزامات، للخالق سبحانه وللمخلوقين .
وفيه أن الأصلَ في الشروط الصحة ولزوم الوفاء بها، ما لم تخالف الشريعة، سواء كانت في العبادات أو في المعاملات، وحريٌ بالمسلم أن يفي بالشروط والحقوق، ويحذر من الغدر والخيانة لأنهما من أسباب ورود النار كما قال[: «المكر والخديعة والخيانة في النار».
وفيه أن الأصل في الشروط والعقود هو الحل والإباحة إلا ما قام الدليل على بطلانه، وفيه وجوب الوفاء بالعهود والالتزامات التي يعقدها الإنسان على نفسه سواء مع الله تعالى بمقتضى إسلامه كالقيام بواجب الإيمان والإخلاص ونبذ الشرك والمعاصي، وكأداء العبادات الواجبة، أو ما يعقده الإنسان مع غيره من المسلمين أو غيرهم من معاملات وتبرعات وغيرها من تصرفات لازمة كما قال عز وجل: {يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود}.
ومن أعظم المسؤوليات نظارة الوقف، والناظر على الوقف هو راع لهذا الوقف ومؤتمن على رعايته وحسن إدارته، وصرف ريعه على الوجه الموافق لشروط الواقف، وكذلك الضوابط الشرعية، جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله[: «ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته».
وللشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – قول نفيس في التزام الناظر بشروط الواقف نصه: «على نظار الوقف أن يلتزموا بشروط الواقف، وأن يرعوا الوقف ويحافظوا عليه، وأن يحذروا التساهل بحفظ أصله وتوزيع ريعه، قال تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّه} (البقرة: 283)؛ والمؤمَّل في النظارِ بذلُ النفيس في تنفِيذ وتحقيق شروطِ الواقف وإقامة ضوابط الوقفِ وتعمير أصوله واستثمارِ محصولِه والسلوك بالمستفيدين ما يوجِب لهم الإكرام والإنعامَ وأخذهم بطرائق الرحمة وسجيحِ الأخلاق وسُبُل الشفقة والإرفاق.
روى البخاري من حديثِ أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الخازن المسلم الأمين أحدُ المتصدِّقين».



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 01-03-2024 06:35 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (9)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها، أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .
والحديث التاسع، استدل به العلماء على مشروعية الحبس والوقف خلافا لمن منع ذلك وأبطله، فهو سنة مندوب إليها للقريب والبعيد؛ لقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}.
الحديث التاسع: الوقف مال رابح
عن أنس رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (آل عمران: 92)، قال أبو طلحة: أرى ربنا يسألنا من أموالنا، فأشهدك يا رسول الله أني قد جعلت أرضي بيرحاء لله، قال: فقال رسول الله[: «اجعلها في قرابتك» قال: فجعلها في حسان بن ثابت وأبيِّ بن كعب.
وفي رواية أخرى في الصحيحين: «كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل، وكان أحب ماله إليه بيرحاء مستقبلة المسجد، وكان النبي[ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، قال أنس : فلما نزلت: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}(آل عمران:/92)، قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله. فقال رسول الله[: «بخ ، ذلك مال رابح، أو رايح - شك ابن سلمة - وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين»، قال أبو طلحة: أَفْعلُ ذلك يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وفي بني عمه.
وقد بوب لهذا الحديث البخاري باباً أسماه: ‏(‏باب إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة‏)‏، وأوضح ابن حجر في الفتح: «أن هذا الجواز محمول على ما إذا كان الموقوف أو المتصَّدق به مشهورا متميزا بحيث يؤمن أن يلتبس بغيره، وإلا فلا بد من التحديد اتفاقا.. ويحتمل أن يكون مراد البخاري أن الوقف يصح بالصيغة التي لا تحديد فيها بالنسبة إلى اعتقاد الواقف وإرادته لشيء معين في نفسه، وإنما يعد التحديد لأجل الإشهاد عليه ليبين حق الآخر» .
وشرح الحديث: أن أبا طلحة كان أكثر الأنصار مالاً من نخل، أي أغنى رجال الأنصار في المدينة، وكانت له مزرعة تسمى «بيرحاء» في أرض ظاهرة منكشفة، وهي مستقبلة مسجد رسول الله[، وكان أبو طلحة يحبها كثيرا؛ ومن جمالها وعذوبة مائها، كان النبي[ يدخلها ويشرب من ماء فيها عذب المذاق، ويستظل فيها، فلما نزلت الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، أي: لن تصيبوا ثواب الله - وقيل: الجنة - حتى تقدموا من أموالكم في سبيل الله ما تتعلق به قلوبكم، وقال عطاء: «لن تنالوا البر أي شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء أشحاء»، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سكر ويتصدق بها، فقيل له: هلا تصدقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إلي فأردت أن أنفق مما أحب، وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولن تدركوا ما تأملون إلا بالصبر على ما تكرهون.
فقال أبو طلحة مبادراً إلى إنفاق ما يحبه: «وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله»، فقال[ إقراراً بفعله: «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح» ‏و(‏بخ‏)‏ معناها تفخيم الأمر والإعجاب بما قاله أبو طلحة؛ وقد وصف[ تلك الصدقة بالمال الرابح. «‏فقسمها أبو طلحة» وجعلها حدائق بين حسان بن ثابت وأبي بن كعب. ‏
وسارع الصحابي الجليل عبد الله بن عمر-رضي الله عنهما- في الإنفاق مما أحب من ماله حينما سمع الآية الكريمة، فقد أخرج البزار، عن ابن عمر قال: «حضرتني هذه الآية: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}، فذكرت ما أعطاني الله عز وجل، فلم أجد شيئا أحب إلي من مرجانة - جارية لي رومية، فقلت: هي حرة لوجه الله، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها».
وفوائد هذا الحديث أجمعها بالآتي:
الحديث فيه دلالة على مشروعية الوقف وفضله، وفيه جواز القول: إن الله يقول، كما يقال: إن الله قال، وقال الله، وفيه استحباب الإنفاق مما يحب، ومشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات ووجوه الطاعات وغيرها .
وفيه أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين، وفيه أن القرابة يرعى حقها في صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد؛ لأن النبي[ أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين فجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع، وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم.
وفيه أنه لا يشترط في الموقوف عليه أن يكون قريباً من الموقِف أو من نسله، بل لصاحب الوقف أن يعطي القريب والبعيد على درجة سواء، فالوقف يجوز فيه التفاضل، ويجوز فيه تخطي القريب إلى البعيد، وفيه أنه لا يجب الاستيعاب للكل؛ لأن بني حرام الذين اجتمع فيهم أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيراً.
وفيه أن الوقف لا يحتاج في انعقاده قبول الموقوف، وفيه جواز التصدق من الحي في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأن النبي[ لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدق به وما بقي له من المال والممتلكات.
وفيه اتخاذ الحوائط والبساتين ودخول أهل الفضل والعلم فيها، والاستظلال بظلها والأكل من ثمرها والراحة والتنزه فيها، وقد يكون ذلك مستحبا يترتب عليه الأجر إذا قصد به إجمام النفس من تعب العبادة وتنشيطها للطاعة، وفيه كسب العقار، وإباحة الشرب من دار الصديق ولو لم يكن حاضرا إذا علم طيب نفسه، وفيه إباحة استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض.
وفيه جواز حب المال إلى الرجل الصالح الفاضل العالم، ولا نقص عليه في ذلك.
وفيه جواز إشهار الصدقة، وإشهار تخصيصها، وفيه جواز الوقف على الأقارب، وفيه فضيلة لأبي طلحة لأن الآية تضمنت الحث على الإنفاق من المحبوب فترقى هو إلى إنفاق أحب المحبوب، فصوب[ رأيه وشكر عن ربه فعله، ثم أمره أن يخص بها أهله، وكنى عن رضاه بذلك بقوله‏:‏ ‏«‏بخ‏»‏‏.‏
وفي أنواع الوقف وأقسامه باعتبار الموقوف عليهم، لم يكن المتقدمون يفرقون في التسمية بين ما وقف على الذرية، وما وقف على غيرهم من جهات البر، بل الكل يسمى عندهم وقفاً، أو حبساً، أو صدقة، فهذا التقسيم لم يرد في اصطلاحات الفقهاء وإنما جرى به عرف الناس؛ لأن الأصل في الأوقاف كلهما أن تكون منسوبة إلى الخير لأنها من أعمال الإحسان والبر.
إلا أن المتأخرين مالوا إلى التمييز بين ما وقف على الذرية والأهل، وبين ما وقف ابتداءً على جهة من جهات البر، كالفقراء، أو طلبة العلم، أو المشافي، أو دور العلم، فأطلقوا على الأول: وصف الوقف الذري - أو الأهلي - وعلى الثاني: وصف الوقف الخيري، وحقيقة الأمر أن الوقف شامل لكلا المسميين، فالوقف سواء كان على الأهل، أم على سائر جهات البر، فيه معنى الخير، والإحسان، والصدقة، لا فرق .
والصحابة – رضوان الله عليهم - عرفوا نوعَي الوقف؛ العام والذَّري، وهذا واضح من خلال النصوص الوقفية التي كتبوها في وقفياتهم، وأشهدوا الناس عليها؛ فهذا عمر رضي الله عنه يقول: «في الفقراء والقربى، وفي سبيل الله، والضيف وابن السبيل». فهذا وقف خيري عام؛ لأن هؤلاء الأصناف ليسوا بمحصورين، بل هم صنف من الناس يكونون في كل زمان ومكان، وعرفوا كذلك الوقف الذري على الأبناء والأعقاب جيلاً بعد جيل، فهذا الصحابي عقبة بن عامر رضي الله عنه يقول في صدقته: «إنها حبس؛ لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، على ولده، وولد ولده، فإذا انقرضوا فإلى أقرب الناس مني حتى يرث الله الأرض ومن عليها»، ومثل هذا كَتَب جمع من الصحابة والصحابيات رضوان الله عليهم.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 01-03-2024 08:09 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (10)




جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث العاشر، بشرى لكل مسلم، لينال الأجر العظيم ويستمر الأجر في الحياة وما بعد الممات، ما دام ينتفع منه الإنسان أو الطير أو البهيمة ، ألا وهو الغرس والزرع.
الحديث العاشر : الغرس صدقة إلى يوم القيامة
عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له منه صدقة» (1).
يبشرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الغرس باب من أبواب البر والخير يسلكه المؤمن رغبة في إعمار الأرض ودوام الأجر والثواب، وأنه ما من مسلم يغرس غرساً، أي: يثبت الشجر في الأرض، أو يزرع الزرع - والغرس غير الزرع - فيأكل من المزروع أو المغروس إنسان أو طير أو بهيمة باختياره أو من غير اختياره، إلا كان له به صدقة إلى يوم القيامة، ما دام يُنتفع من زرعه وغرسه.
وفي رواية مسلم عن جابر: «ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق له منه صدقة، وما أكل السبع منه فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة»(2).
وجاء في الحديث: «سبع يجري للعبد أجرهُنَّ وهو في قبره بعد موته» (3)، وذكر منها: «غرس النخل»، فمن غرس نخلاً وسبّل ثمره للمسلمين فإن أجره يستمر كلما طعم من ثمره طاعم, وكلما انتفع بنخله منتفع من إنسان أو حيوانٍ, وهكذا الشأن في غرس كل ما ينفع الناس من الأشجار، ففي غرس النخل والزروع نماء للمجتمع، وتوفير الحاجيات الأساسية، وتحقيق الأمن الغذائي، والمساهمة في عملية التنمية الاقتصادية، وزيادة عوامل الإنتاج كمّاً ونوعاً.
ومن فضل الإسلام أن جميع أعمال المسلم التي ينتفع بها غيره، يثاب عليها في الآخرة، حتى وإن كان المنتفع حيواناً أو طيراً، ولا يكون ذلك إلا للمسلم؛ ولذلك سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أُم مُبَشِّر الأنصارية قائلاًَ لها: من غرس هذا النخل؟ أمسلم أم كافر؟ فقالت: بل مُسلم، فقال: «لا يغرس مسلم غرساً، ولا يزرع زرعا، فيأكل منه إنسان ولا دابَّة ولا شيءٌ، إلا كانت لهُ صدقةٌ»(4).
وكان الصحابة رضوان الله عليهم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان لهم أجر في الإحسان إلى البهائم وفي سقيها وإطعامها، فأجابهم بأنه في كل كبدٍ رطبةٍ أجرٌ، أي في كل كبد حي أجر. وحرص الصحابة رضوان الله عليهم على وقف البساتين، والزروع والحوائط، قربة إلى الله تعالى، ونفعا للعباد، وكل كبد رطبة، وأشهدوا على ذلك، وبعضهم تولى نظارتها ورعايتها وتوزيع نتاجها في حياته، وأوصى بمن يتولاها من بعده، فعمر رضي الله عنه قد أوقف أرضه بخيبر وهي أنفس ما ملك ، ووقف على بن أبي طالب رضي الله عنه أرضه بينبع، ووقف أبو طلحة رضي الله عنه مزرعته «بيرحاء» وكان فيها أجود نخل المدينة، وأوقف عمرو بن العاص ] أرضه المسماة (الوَهَط أو الوُهَيْطِ) في الطائف، ووقف جابر بن عبد الله رضي الله عنه بستانه على ألا يباع ولا يوهب ولا يورث.
وروى أحمد بالسند عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل» (5).
أي إن قامت القيامة وفي يد أحدكم نخلة صغيرة - الفسيل صغار النخل- فإن استطاع ألا يقوم من محله الذي هو جالس فيه حتى يغرسها فليغرسها ندباً، فالمسلم يستمر على عمل الخير ومنه الغرس، ولو كان قبل القيامة بلحظات، فإنه مأجور على ذلك.
جاء في «فيض القدير»: والحاصل أنه مبالغة في الحث على غرس الأشجار، وحفر الأنهار؛ لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به؛ فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع، وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة (6).
فإن الله عز وجل لم يخلق الخلق عبثاً {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}.. بل خلقهم من أجل غاية حددها لهم وهي : عبادة الرب، وعمارة الأرض، وتزكية الأنفس.
وقد ورد الثناء على من يأكل من كسب يده كما في قوله : عندما سُئل أي الكسب أطيب؟ قال : «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» (7)، وغرس الزرع حث على الجد، وذم البطالة، وتوجيه العاطلين إلى مصادر الكسب الحلال، قال ابن حجر - رحمه الله -: «ومن فضل العمل باليد الشغلُ بالأمر المباح عن البطالة واللهو وكسر النفس بذلك ، والتعففُ عن ذلة السؤال، والحاجةِ إلى الغير» (8) ، وقال أيضاً: « فيه الحث على عمارة الأرض، وأن أجر ذلك يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً، ولو مات زارعه أو غارسه» (9).
وأوقاف المسلمين في العهود الإسلامية تعدت حاجة الإنسان لتفي بحاجة الحيوان، وقد ثبت في التأريخ أوقاف خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقاف لرعي الحيوانات المسنة العاجزة كوقف أرض المرج الأخضر بدمشق. وأوقاف خصص ريعها لخدمة الحيوانات والرفق بهم، ومن ذلك أوقاف للخيول المُسِّنة، وأوقاف لطيور الحرم؛ وكان – إلى عهد قريب - وقف خاص لمركب شيخ الأزهر عرف بمسمى «وقف بغلة شيخ الأزهر»، ليوفر الدابة التي يركبها شيخ الأزهر ونفقاتها وعلفها ورعايتها. وفي مدينة فاس خصص وقف على نوع من الطير يأتي في موسم معيَّن، فوقف له بعض الخيِّرين ما يعينه على البقاء، ويسهِّل له العيش في تلك المدَّة من الزمن؛ وكأن هذا الطير المهاجر الغريب له على أهل البلد حقَّ الضيافة والإيواء! وكانت هناك مدارس خاصة لتدريب الخيول على الفروسية، وغيرها الكثير.
وكان من روائع أوقاف الناصر صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- بعدما حرر القدس وفلسطين من أيدي الصليبيين، وأراد أن يعيد الحياة للقدس وليهيئ مرافقها لاستقبال من شد الرحال إلى المسجد الأقصى، وإعادة الطابع الإسلامي والحيوية للمدينة المباركة، أن قام بوقف الكثير من الأراضي والمزارع والقرى لتصرف محاصيلها على المسجد الأقصى ومدينة القدس.
نستخلص من الحديث فوائد منها:
في هذا الحديث ترغيب في أعمال الخير، وأن الغرس والزرع صدقة جارية إذا انتفع به الغير من آدمي أو طير أو دآبة، وأن الغرس نوع من أنواع العبادات التي ينبغي للموسرين ألا يحرموا أنفسهم منها، وأن أجرها باق للإنسان بعد موته.
وفيه فضيلة الغرس وفضيلة الزرع، وأن أجر فاعلي ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع وما تولد منه إلى يوم القيامة، وفيه أن الثواب والأجر في الآخرة يختص بالمسلمين، وفيه أن الإنسان يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته دابة أو طائر أو نحوهما.
وفيه الحض على عمارة الأرض, واتخاذ الزرع والقيام عليه ورعايته، وفيه أن أجر ذلك الزرع يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولا منه ولو مات غارسه أو انتقل ملكه إلى غيره فإن له فيه أجرا.
وفيه أن الغرس والزرع جمع خيري الدنيا والآخرة، ففي الأولى كان وما زال الوقف داعماً رئيساً للتنمية والحضارة، وفي الآخرة الثواب والأجر المستمر بفضل الله ومنّه على خلقه. وفيه أن الوقف شمل مختلف جوانب الحياة، والغرس تنمية للموارد الوقفية وبذل للجهود بالوسائل المتاحة لزيادة موارد الوقف وتكثيرها.
وفيه استمرار ثواب الزرع والغرس إلى ما بعد الممات ما دامت باقية يؤكل منها، وفيه فضل مباشرة العمل باليد، وما يترتب عليه من الجهد والكدح والتعب والعناء.
ولا شك أن القيام بمهمة الاستخلاف في الأرض وإعمارها بالزروع، مقصد من مقاصد الوقف الإسلامي، والذي يسهم في تلبية حاجات المسلمين -وغيرهم - الضرورية من الطعام، والغرس والزرع صورة من صور التكافل الاجتماعي، ومظهر من مظاهر اهتمام المسلمين بشؤون مجتمعهم، وضمان مستقبل أجيالهم، لتكتفي الأمة المسلمة بما لديها من موارد اقتصادية بدل أن تستجدي الطعام من غيرها، أو تنتظر إحسان الآخرين عليها، ولقد عاشت الأمة المسلمة قرونًا وعقودًا سابقة لديها الأمن الغذائي، بسبب كثرة الأوقاف وبركتها.

الهوامش
(1) أخرجه البخاري في الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، برقم (6012) ومسلم في المساقاة والمزارعة، باب: فضل الغرس والزرع، برقم (1552).
2 - أخرجه مسلم في صحيحه، باب فضل الغرس والزرع برقم 1552.
3 - أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (2/390)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم : 3602.
4 - أخرجه مسلم في صحيحة برقم1553.
5 - رواه أحمد (12512) واللفظ له، والبخاري في الأدب المفرد (1/168)، قال شعيب الأرناؤوط وآخرون: إسناده صحيح على شرط مسلم، انظر مسند الإمام أحمد بن حنبل (20/296) المحقق: شعيب الأرناءوط.
6 - فيض القدير شرح الجامع الصغير (3/30) لعبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط. الأولى (1356هـ).
(7) أخرجه الحاكم، في المستدرك، عن أبي بردة، برقم 2203، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم 607.
(8) فتح الباري ، ابن حجر ، 4 / 384.
(9) المرجع السابق ، 5 / 6.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 02-03-2024 08:27 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (11)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الحادي عشر فيه بشرى للعاملين في نشر ثقافة الوقف، فكلما وقف واقف، وكلما أسهم مسلم في الوقف، كان للداعي له والدال عليه الأجر المستمر ما دام الوقف جارياً.
الحديث الحادي عشر
الوقف إحياء سنة
عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المُزني، حدثني أبي عن جدي؛ أن رسول الله [ قال: «من أحيا سنة من سنتي فعمل بها الناس، كان له مثل أجر من عمل بها لا ينقص من أجورهم شيئا، ومن ابتدع بدعة فعمل بها، كان عليه أوزار من عمل بها لا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا»(1).
الحديث بوب له ابن ماجه باباً أسماه: «باب من أحيا سنة قد أميتت»، قال السندي في شرح سنن ابن ماجه: ‏«قيل المراد بالسنة ما وضعه رسول الله [ من الأحكام وهي قد تكون فرضا كزكاة الفطر وغير فرض كصلاة العيد وصلاة الجماعة وقراءة القرآن من غير الصلاة وتحصيل العلم ونحو ذلك، وإحياؤها أن يعمل بها ويحرض الناس ويحثهم على إقامتها”(2).
وفي الحديث بيان أن من كان أصلاً في عمل من أعمال البر والخير والهدى، وتبعه عليه غيره، كان له أجر هذا العمل وثوابه، وإحياء سنة الوقف الذي أرشد النبي محمد [ صحابته إليه، وحثهم عليه، وفعله بنفسه حين أوقف أراضي مخيريق، إحياء لسنة النبي [، وإحياء لأحكامه وفقهه فضائله ومقاصده.
ونشر ثقافة الوقف دعوة إلى الهدى، قال [: «من دعَا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يَنقص ذلك مِن أجورهم شيئا «(3). وقال [: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله» (4).
قال النووي في شرحه للحديث: «فيه فضيلة الدلالة على الخير والتنبيه عليه والمساعدة لفاعله، والمراد بمثل أجر فاعله، أن له ثواباً بذلك الفعل كما أن لفاعله ثواباً، ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء»(5).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: ولهذا كان المبتدئ بالخير والشر، له مثل من تبعه من الأجر والوزر، كما قال النبي [: “من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً”؛ وذلك لاشتراكهم في الحقيقة؛ وأن حكم الشيء حكم نظيره، وشبه الشيء منجذب إليه، فإذا كان هذان داعيين قويين فكيف إذا انضم إليهما داعيان آخران؟ وذلك أن كثيرا من أهل المنكر يحبون من يوافقهم على ما هم فيه، ويبغضون من لا يوافقهم، وهذا ظاهر في الديانات الفاسدة من موالاة كل قوم لموافقيهم، ومعاداتهم لمخالفيهم” (6).
وسنة الوقف النبوية الشريفة هي من أعظم نعم الله عز وجل على أمتنا؛ إذ لم تترك مجالا من مجالات الحياة إلا طرقته، ووفرت من الموارد ما يكفل استمرارية الصرف وفق شروط الواقفين، مما وفر المناخ الملائم لنشأة الحضارة الإسلامية التي أشرقت على العالم قرونا عديدة، ومهمة إحياء سنة الوقف مثلت أحد الأهداف الاستراتيجية للأمانة العامة للأوقاف منذ نشأتها(7).
وإحياء سنة الوقف ونشرها وترسيخها في الأمة هو استئناف لمسيرة الحضارة الإسلامية المجيدة ودفع للأمة إلى منزلة خير أمة أخرجت للناس، فقد جعل ديننا العظيم الرحمة الاجتماعية والتعاون الإنساني والحرص على نفع الآخرين أساساً يبنى عليه تقويم الإنسان وجزاؤه.
فالجوانب الخيرية والتطوعية – إن فعلت لوجه الله تعالى – فهي عبادة, وإن أخلصت النية، فتكون كل حركة وكل كلمة وكل جهد وكل تفكير وكل سلوك في دائرة ذلك المقصد تجارة مع الله تعالى(8).
وثقافة الوقف ثقافة غائبة، ولا سيما لدى الأجيال الناشئة والشباب، وهذا أدى إلى ضعف الأوقاف، وتباطؤ المساهمة بالجديد منها، والتطوع في مؤسساتها، فانحسر - بهذا الغياب- دور الأوقاف في الوقت الحالي بشكل ملحوظ.
فإذا أردنا المآل الأفضل للوقف الإسلامي وقطاعه المتنوع في أوطاننا، فلا بد أن نحيي سنته الغائبة بين الأجيال، وتعريفهم بأحكامه ومقاصده وأبعاده وخصائصه ومساهماته الحضارية، وتهيئتهم وتأهيلهم ودفعهم للتطوع بمؤسساته، والبذل من أجل إيجاد أوقاف تخدم الجيل الشبابي، وترعى اهتماماته وتطلعاته وآماله وتوجهه التوجيه السوي لما يصلح له دنياه ولآخرته.
والخطوة الأولى لإحياء سنة الوقف هي نشر ثقافته، ودفع عامة الناس للإسهام في مشاريعه، وتوجيه المختصين بتقديم مساهماتهم الفكرية والعلمية والعملية في إيجاد أوقاف عصرية، تواكب التغيرات والمتطلبات في المجتمعات العربية والإسلامية والعالمية.
ويتطلب ذلك تبسيط ثقافة الوقف ليستوعبها الجميع، وجعلها على مراحل ومستويات لكي يدركها العامة، فالخطاب المتخصص والأكاديمي له منابره ودراساته، ما نريده أن تكون ثقافة الوقف حاضرة مستوعبة دافعة للعمل لكسب الأجر وصلاح البلاد والعباد.
فلا يتحقق ما نصبو إليه من إحياء سنة الوقف، ورعاية المهمل منه، ونمائه إلا بزيادة الفقه والمعارف حول الوقف، وهذا يتطلب - وبشكل عاجل – وضع برامج مدروسة بدقة للتوعية بأهمية الوقف، يتنوع بها الخطاب والأسلوب والأدوات والرسائل والوسائل، ثم مراقبة تجاوب وتقبل وتفاعل الجمهور العام معها، وهل أوجدت وأحيت فيهم المبادرة والرغبة في الإسهام والمشاركة لإعادة الوقف لما كان عليه في العهود الماضية.
ثقافة الوقف لا بد أن تعم ويدرك الناس أهميتها ونتاجها، وهذا يتطلب أن تكون المؤسسات الوقفية على قدر المسؤولية، وأن تستوعب طاقات الشباب المتطوعة، وأن تدربهم وتأهلهم ليحسنوا العمل والإدارة في تلك المؤسسات، ثقافة منطلقها أن ما شرع في الإسلام يصلح الدين والدنيا، ويقود البشرية إلى ما يحقق لهم السعادة والأمان والكرامة والعزة في كل زمان ومكان، وثقافة بما حقق الوقف من استقامة حياة الناس وتوجيههم إلى ربهم وجهة صحيحة.
ونحن بحاجة إلى إحياء سنة الوقف من خلال التعريف بدوره التنموي وبتاريخه وفقهه ومنجزاته، التي شهدتها الحضارة الإسلامية حتى تاريخها القريب، ولا يتأتى ذلك إلا بتجديد الخطاب المستندإعلى أصول في نهجنا لإحياء سنة الوقف ونشر ثقافته التي ألخصها بالآتي:
1- الآيات الكريمة في كتاب الله تعالى، التي تحث على الصدقة بالعموم، ويدخل ضمنها الوقف.
2- الأحاديث النبوية في فعل النبي [ ووقف الأوقاف وحث المسلمين على الوقف والصدقة الجارية.
3- فعل الصحابة وأوقافهم الكثيرة، وتوثيقهم للوقف، وإشهادهم عليه، وحرصهم على رعايته ونظارته في حياتهم، وتحديد من يتولاه من بعدهم، والمجالات التي أوقفوا فيها.
4- كتب الفقه التي خصصت لأحكام الوقف ومشروعيته باباً مستقلاً، وأخرجت له العديد من المسائل.
5- أقوال المتقدمين في الوقف، من فقه وأحكام وخصائص وسمات ومجالات، وأكثره نفعاً.
6- دور الوقف في بناء الحضارة الإسلامية في العهود، وحماية المسلمين مع انتقاء بعض العبارات المناسبة.
7- روائع ونوادر أوقاف المسلمين، وكيف خلدها ومجدها التاريخ.
8- مقومات نجاح المؤسسات الوقفية التي تملكها الأمة حصراً، عن غيرها من الأمم.
9- إيضاح دور الغرب في رعاية الوقف وأصوله، وسن التشريعات لحمايته، وكيف أنه استفاد كثيراً من نظام الوقف في الإسلام.
10- حاجة المجتمعات المعاصرة لأوقاف جديدة (عصرية) تفي بحاجات المجتمع، وتنشيء مجالات جديدة للوقف والرعاية.
ونستخلص من الحديث فوائد منها: إن إحياء سنة الوقف إحياء لسنة من سنن الإسلام، وكل من أوقف ولو سَهمًا واحدًا يرجو برَّه وذخره عند الله فقد ساهم في إحياء سنته،
وفيه فضيلة الداعي إلى سبل الخير في الأمة وإحياء السنة التي أميت منها الكثير، وأنه على قدر الفضل العظيم الذي يحصل في نشر السنة، فإن وزر ناشر الشر والداعي إلى الضلال عظيم.
وفيه بشرى للعاملين في نشر ثقافة الوقف، فكلما وقف واقف، وكلما ساهم مسلم في الوقف، كان للداعي لها والدال عليها الأجر المستمر مادام الوقف جارياً، وأمتنا أمة عطاء، فما علينا إلا أن نحسن مخاطبة العقول، ومس الإحساس، وإدراك الحاجة.
فما أحوجنا اليوم إلى إحياء الوقف كسنة عملية حققت بتطبيقاتها ومخرجاتها للأمة التقدم والعدالة، لتكون سلوكاً يعم الأمة بأسرها، وإسهاماً في دعم حركة المجتمع والدولة باتجاه التنمية ومكافحة العوز والجهل والمرض، ودعم مؤسسات التعليم والبحث العلمي والتقني بكل مجالاته.
لا شك أن إحياء سنة الوقف الحميدة بين الناس مسؤولية جماعية، كل حسب إمكاناته وطاقته من دعاة وقضاة ومؤسسات خيرية ووقفية، ووسائل إعلام مختلفة، ومسؤولية أيضاً القطاع الحكومي والتجاري كشريك في إيصال رسالة الوقف والمساهمة في مؤسساته ودعم مشاريعه وإعلامه.
ولإحياء سنة الوقف بين الناس، لا بد أن تحييها بنفسك أولاً، ثم تنقلها إلى غيرك، فنسأل الله تعالى أن يكتب لنا الأجر في إحياء سنة قد أميتت في العديد من الأوطان والبلدان، ومن أحياها فله الأجر المستمر.

(الهوامش)
1 - صحيح سنن ابن ماجه، للألباني، باب من أحيا سنة قد أُميتت. برقم 173.
2- انظر: حاشية السندي على ابن ماجه، لأبي الحسن الحنفي المشهور بالسندي.
3 - أخرجه مسلم، برقم (2674).
4 - أخرجه مسلم، برقم ( 1893).
5 - المنهاج في شرح صحيح مسلم، طبعة بيت الأفكار الدولية، ص 1214.
6 - مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمــــد بن تيمية ( 28/150).
7 - د. عبد المحسن الخرافي، أمين عام الأمانة العامة، كلمته التي ألقاها ممثلا دولة الكويت في افتتاح فعاليات منتدى قضايا الوقف الفقهية الخامس، الذي أقيم في العاصمة التركية في الفترة من 13-15 مايو 2011م   = 10- 12 جمادى الآخر 1432. انظر: صحيفة القبس 15 مايو 2011م.
8 - للاستزادة: انظر: السلوك الاجتماعي في الإسلام، الشيخ حسن أيوب، ص 16. دار السلام، مصر، ط3(1427هـ-2006م).


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 02-03-2024 08:46 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (12)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الثاني عشر فيه البلاغة والإيجاز والبيان لفضل الخيل، وجعلها في سبيل الله تعالى، والترغيب والتوجيه لباب من أبواب جريان الحسنات بعد الممات.

الحديث الثاني عشر: الوقف يثقل ميزان العبد يوم القيامة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من احتبس فرساً في سبيل الله، إيماناً بالله، وتصديقاً بوعده، فإن شبعهُ وريَّه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة»(1).
الحديث بوب له البخاري باباً اسماه: «باب من احتبس فرساً في سبيل الله، لقوله تعالى: {ومن رباط الخيل}(2). وفيه ترغيب وتوجيه لباب من أبواب جريان الحسنات بعد الممات، وبيان لفضل الخيل وجعلها في سبيل الله تعالى، مبتدؤها «إيماناً بالله»، ومنتهاها «تصديقاً بوعده» الذي وُعد به المحسنون والمتصدقون من ثواب عظيم على ذلك.
والحبس من ألفاظ الوقف(3)، والوقف هو: الحبس، يقال: وقفت الدابة وقفاً أي حبستها في سبيل الله. والحبس: المنع. وهو يدل على التأبيد، يقال: وقف فلان أرضه وقفاً مؤبداً، إذا جعلها حبيساً لا تباع ولا تورث(4). والوقف عند الحنابلة: «تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة»(5).
فمن احتبس فرساً للجهاد في سبيل الله، إن أطعمه وأشبعه، وإن سقاه وأرواه، وإن تحمل روثه وبوله، فكل هذا في ميزان حسنات من احتبسه إلى يوم القيامة.
«وروثه» يريد ثواب ذلك لا أن الأرواث بعينها توزن(6).
يقول الإمام الشوكاني: «فيه دليل على أنه يجوز وقف الحيوان»(7). والحيوان من المملوك المنقول الذي تبقى عينه بعد الانتفاع به غالباً، ولو لم يجز وقفه لما رتب عليه النبي [ ذلك الأجر العظيم.
وفي صحيح البخاري سبق ذلك الباب: «باب الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»‏، وورد فيه حديثان: الأول من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله [ « الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»(8)، والثاني من حديث عروة بن الجعد عن النبي [ قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»(9). المراد بها ما يتخذ للغزو بأن يقاتل عليه، أو لحماية الثغور، أو لحفظ المسلمين ورعاية بلدانهم. قال العياض‏:‏ «في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير‏»(10).‏
والخيل هي الأساس في الجهاد في سبيل الله؛ قال الله عز وجل:{ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ}(11)، روى ابن ماجه من حديث تميم الداري مرفوعا «: من ارتبط فرسا في سبيل الله، ثم عالج علفه بيده كان له بكل حبة حسنة»(12).
وروى الترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر، فأما الذي هي له أجر فالذي يتخذها في سبيل الله فيعدها له، هي له أجر لا يغيب في بطونها شيئا إلا كتب الله له أجرا» (13).
وفي حديث مسلم بالسند إلى أبي هريرة رضي الله عنه تفصيل للخيل الثلاثة, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخيل ثلاثة: هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر، فأما التي هي له وزر، فرجل ربطها رياء وفخراً ونواءً على أهل الإسلام فهي له وزر، وأما التي هي له ستر، فرجل ربطها في سبيل الله، ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر، وأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام، في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء، إلا كتب له، عدد ما أكلت، حسنات، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها، حسنات، ولا تقطع طِوَلها فاستنت شرفاً أو شرفين إلا كتب الله له، عدد آثارها وأرواثها، حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها، إلا كتب الله له، عدد ما شربت، حسنات» (14).
والخيل شديدة الارتباط بالإنسان، وثيقة الصلة به، قريبة الموقع منه، ونص القرآن على تكريمها، وبيان مكانتها وأهمِّيَّتها، وتحديد موقعها إلى جانب الإنسان، قال تعالى: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ}.
وأوقاف المسلمين تعدت حاجة الإنسان لتفي بحاجة الحيوان، وقد وجدنا في ثبت التاريخ أوقافاً خاصة لتطبيب الحيوانات المريضة، وأوقافاً للخيول المُسِّنة، والعاجزة كوقف أرض المرج الأخضر بدمشق. وأوقفت في العهود الإسلامية العديد من الأوقاف التي خصص ريعها لخدمة الحيوانات والرفق بها(15).
والحضارة الإسلامية، كانت أكثر حضارات العالم إنسانية، ولها السبق في الرفق بالحيوان ليس بكونها ممارسة اجتماعية، من قبيل التقليد والعرف الاجتماعي، ولكن باعتبارها تعبدا لله وطاعة بما أمر واجتناباً لما نهى؛ فالرحمة بالحيوان قد تدخل صاحبها الجنة، والقسوة عليه قد تدخله النار.
وحينما كانت أممٌ تلهو بتعذيب الحيوانات وقتلها؛ حيث لا ترى أنَّ للحيوان نصيبًا منَ الرِّفق، أو حظًّا منَ الرحمة، كان الإسلام بتشريعاته وأحكامه يرفق بالحيوان الذي له خصائصه وطبائعُه وشعوره، قال تعالى {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}(16).
فقد وقفت الأوقاف للتدريب على الفروسية الصرف على الثغور ورد المعتدين، ومنها في العصر المملوكي أوقاف خصصت لتدريب الخيول على الفروسية، ويصرف من ريع الوقف رواتب للمدربين، وللخيول فترة تدريبها وتهيئتها للجهاد.
وهذا لوعي المسلمين منذ القرون الأولى ما للوقف من مقاصد سامية ومصالح ملموسة في الحفاظ على مكانة الأمة وأمنها، فالوقف كان خير معين على الجهاد وحماية الثغور ببناء الربط والمراكز في مناطق التماس مع العدو وتقديم الدعم للمجاهدين، ولاسيما في عهود نشر الإسلام والفتوحات في المشرق والمغرب.
أوقفت أمكنة المرابطة على الثغور لمواجهة الغزو الأجنبي على البلاد، وتبع ذلك وقف الخيول والسيوف والنبال وأدوات الجهاد على المقاتلين في سبيل الله - عز وجل - وقد كان لذلك أثر كبير في رواج الصنعة الحربية وقيام مصانع كبيرة لها في بلادنا، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية، يفدون إلى بلادنا - أيام الهدنة - ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء.
وقد بلغت صناعة الأسلحة الحربية الثقيلة والنارية عند المسلمين في أيام الدولة المملوكية مبلغاً عظيماً؛ حيث امتازت بالدقة والإتقـان والمهارة العاليـة في استخدامها مع التجديد والإبداع؛ ما جعلهم ينتصرون على أعدائهم - بعد توفيق الله - في كثير من معاركهم، ولاسيما ضـد الصليبيين والمغول. والأوروبيون استفادوا منها، وبنوا عليها الكثير مما وصلوا إليه الآن من تقنية متقدمة في صناعة مختلف أنواع الأسلحة.
ومن فوائد الحديث: جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات ومن غير المنقولات من باب الأولى، وفيه أن المرء يؤجر بنيته كما يؤجر العامل، وأنه لا بأس بذكر الشيء المستقذر بلفظه للحاجة لذلك(17).
وفيه أن أفضل الخيل ما أعد للجهاد ومدافعة الأعداء والتدريب على الفروسية، وفيه أن الخيل لا غنى عنها في كل زمان، والخير ملازمها إلى يوم القيامة، وفيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدواب.
وفيه أن كل من احتبس فرساً وجعلها وأعدها للجهاد تقرباً إلى الله تعالى، فإن كل حركة وفعل لها يسجل في حسناته، وفيه أن لفظ حبس هو من صيغ الوقف، ويعني حبس العين وتسبيل ثمرتها، أي التصدق بمنفعتها.
فأعمال العبد على نوعين، أعمال تنتهي عند موت صاحبها، وأعمال تستمر مادامت بعد موت صاحبها؛ والوقف من الأعمال التي يدوم أجرها بعد موت موقفها، ما دام نفعها.
وما من عهد من العهود الإسلامية إلا امتاز بإبداعات وقفية تفي بحاجات وضرورات لازمة لعهدهم، أوقاف قدمت رسالتها ليرى العالم أجمع محاسن ديننا ومعالم حضارتنا، وحددت مصارفها حسب رغبة الواقف، وفي كثير من الأحيان لم تكن تلك الأوقاف مقتصرة على لون دون آخر، ولا على عرق دون غيره، فهي لكل كبدٍ رطبة تدب على الأرض، رجا مُوقِفُها الأجر والمثوبة من الله تعالى، بل كثير من الأوقاف وثقها التاريخ لا يعرف من حبسها وأنفق عليها، فحفظ اسمه عن الخلق ليذكر عند رب البرية.
الهوامش
(1) أخرجه البخاري في الجهاد والسير، من احتبس فرساً في سبيل الله برقم (2853).
2 - سورة الأنفال، آية 60.
3 - ألفاظ الوقف الصريحة وهي:وقفت، وحبست، وسبَّلت.وأما الألفاظ الكنائية فهي:تصدقت، وحرمت، وأبَّدت.
4 - انظر: اللسان ص63، مادة (أبد).
5 - المغني 8/184.
6 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (7/125).
(7) الشوكاني: نيل الأوطار 6/25.
8 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2849.
9 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2850.
10 - فتح الباري، (7/122).
11 - سورة الأنفال، الآية: 60.
12 - صحيح ابن ماجه، للألباني، برقم 2268.
13 - صحيح الترمذي للألباني برقم 1636.
14 - أخرجه مسلم في صحيحه، برقم 987.
15 - انظر للاستزادة: من روائع حضارتنا، د.مصطفى السباعي، ص 184.
16 - سورة الأنعام، الآية: 38.
17 - انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (7/125).


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 03-03-2024 05:48 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (13)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الثالث عشر من الأدلة على مشروعية الوقف، وعلى تأكيد فعل النبي صلى الله عليه وسلم لهذه السنة، وتوجيهه لصحابته وأمته من بعده، دلالة على فضلها وأثرها على الفرد والمجتمع.
الحديث الثالث عشر:
وقف النبي صلى الله عليه وسلم لابن السبيل
عن عمرو بن الحارث قال: «ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه، وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة»1.
بوّب البخاري هذا الحديث في: «باب الوصايا»، وأهل العلم عدُّوه من الأدلة التي يستدل بها على مشروعية الوقف، فالنبي صلى الله عليه وسلم قد حبس بنفسه أرضاً تخصه لمنفعة ابن السبيل. قال في تلك الأرض ابن حجر في الفتح: «إنه تصدق لمنفعة الأرض، فصار حكمها حكم الوقف». قال النووي: «الأرض التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك فقد سبلها في حياته ونجز الصدقة بها على المسلمين»2.
قال ابن حجر في الفتح: «قوله ولا عبداً، ولا أمةً» أي في الرق، وفيه دلالة على أن من ذكر من رقيق النَّبيّ صلى الله عليه وسلم في جميع الأخبار كان إما مات و إما أُعتقه»3. وقالت عائشة رضي الله عنها: «تُوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة بثلاثين صاعاً من شعير»4. وبوب ابن كثير في البداية والنهاية: «باب بيان أن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يترك ديناراً ولا درهماً ولا عبداً ولا أمة ولا شاة ولا بعيراً ولا شيئاً يُورث عنه: بل أرضاً جعلها كلها صدقة لله - عزَّ وجلَّ –»5.
وقد حرص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يبدأ بنفسه، ففي مغازي الواقدي أن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق التي أوصى بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقفها النبي صلى الله عليه وسلم »6.
وخصص وقفه صلى الله عليه وسلم ، لابن السبيل، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «السبيل: الطريق، وابن السبيل أي: المسافر، وسمي بابن السبيل؛ لأنه ملازم للطريق، والملازم للشيء قد يضاف إليه بوصف البنوة، كما يقولون: ابن الماء، لطير الماء، فعلى هذا يكون المراد بابن السبيل المسافر الملازم للسفر، والمراد المسافر الذي انقطع به السفر أي نفدت نفقته، فليس معه ما يوصله إلى بلده7.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث جابياً وخازناً للأموال، إنما بعث هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً؛ وهذا هو شأن أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر»8. وقال [ «لا نورث ما تركنا فهو صدقة»9. وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: «ما ترك رسول اللَّه دينارًا ولا درهَمًا ولا شاةً وَلا بَعيرًا وَلا أوصى بشيءٍ» 10.
فالأنبياء لا يورثون كما يورث غيرهم, ولهذا قال ابن عباس: وإنما ترك ما بين الدفتين يعني القرآن. وميراث النبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الكتاب والسنة؛ ولهذا توفي صلى الله عليه وسلم ولم يترك درهماً ولا ديناراً ولا عبداً ولا أمة ولا بعيراً ولا شاة ولا شيئاً، إلا بغلته وأرضا جعلها صدقة لابن السبيل. هكذا كان النبي عليه السلام، لم يكن همه الدنيا، بل كان همه الآخرة, وكانت همته لإرشاد الناس ودعوتهم إلى الصلاح, لم يجمع الدنيا وحطام الدنيا, ولم تدر بخلده عليه الصلاة والسلام، ولم يبال بها ولم يلتفت إليها، بل كان يأخذ الدنيا ويصرفها , ويأتيه المال العظيم فلا يقوم إلا وقد أنفقه كله.
والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة له، فهي تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} 11.
وهذه الآية من أعظم آي الرجاء، لما فيها من توريث هذه الأمّة لهذا الكتاب، ولما وهب من الفضل الكبير والجزاء الحسن يوم الحساب، فقد بيّن تعالى أنّ إيراث هذه الأمّة لهذا الكتاب دليل على أنّ الله اصطفاها واختارها على من سواها.
فالأنبياء - عليهم السلام - لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، وإنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها، ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا نورث، ما تركناه صدقة»، وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه -، لما سئل عن ميراث النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبر عنه بذلك، ووافقه على نقله عنه - عليه السلام - غير واحد من الصحابة، فمنهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو هريرة وعائشة رضي الله عنهم12.
وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم ذلك، فعن سليمان بن مهران: بينما ابن مسعود رضي الله عنه يوما معه نفر من أصحابه إذ مر أعرابي فقال: على ما اجتمع هؤلاء؟ قال ابن مسعود رضي الله عنه « على ميراث محمد صلى الله عليه وسلم يقسمونه». فميراث النبي - صلى الله عليه وسلم – الحقيقي الذي ورثه هو الدين؛ هو العلم الذي أخذه عنه الصحابة، ومن بعدهم التابعون ثم الأمة من بعد، فهذا الميراث ما زالت الأمة تنهل منه حتى يأتي أمر الله.
ومرَّ أبوهريرة بسوق المدينة فوقف عليها فقال: يا أهل السوق! ما أعجزكم قالوا: وما ذاك يا أبا هريرة؟ قال: ذاك ميراثُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم – يُقسَّم، ولا تذهبون فتأخذون نصيبكم منه؟ قالوا: وأين هؤلاء؟ قال: في المسجد، فخرجوا سراعاً, ووقف أبوهريرة لهم حتى رجعوا، فقال لهم: وما لكم؟ فقالوا: يا أبا هريرة! قد أتينا المسجد فدخلنا فيه، فلم نر فيه شيئاً يُقسَّم، فقال لهم أبوهريرة: وما رأيتم في المسجد أحداً ؛ قالوا: بلى رأينا قوماً يصلون، وقوماً يقرؤأون القرآن، وقوماً يتذاكرون الحلال والحرام، فقال لهم أبوهريرة - رضي الله عنه -: ذلك ميراث محمد13.
وقد يلتبس على بعضهم ورود أحاديث كثيرة ذكر أشياء كان يختص بها صلوات الله وسلامه عليه في حياته من دور ومساكن نسائه، وإماء، وعبيد، وخيول، وإبل، وغنم، وسلاح، وبغلة، وثياب، وأثاث، وخاتم، وغير ذلك - في كتب السنن - فلعله عليه السلام تصدق بكثير منها في حياته منجزا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده، وأرصد ما أرصده من أمتعته مع ما خصه الله به من الأرضين من بني النضير وخيبر وفدك في مصالح المسلمين، ولم يخلف من ذلك شيئا يورث عنه.
وللحديث دروس وفوائد وعبر كثيرة: ففيه دلالة على مشروعية الوقف، فهو نظام إسلامي شرع بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. وفيه أن الوقف سنة قائمة عمل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واتبعه الصحابة والتابعون والمسلمون من بعدهم.
وفيه دلالة أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يبعثوا لجمع الأموال وإنما بعثوا لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور؛ ولهذا لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر.
وفيه دلالة على زهد النبي صلى الله عليه وسلم ، في الدنيا وحطامها الفاني؛ وإنما هو كالراكب الذي استظل تحت شجرة ثم راح وتركها؛ وهو صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا في زهده وتواضعه ورغبته عن الدنيا وزينتها.
وفيه أن يختار الوقف الذي يحقق نفعاً أكثر في زمنه، فابن السبيل كان في غاية الحاجة لأن يرعى وتوفر له الحاجات الضرورية وسبل الخير كثيرة؛ لذا ينبغي على المسلم أن يقدم بعض ما في يده لمستقبله، ويبني آخرته بما يجد من دنياه، بأن يوقف شيئاً يعود أجره عليه بعد وفاته، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة حسنة، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك لم ينس نصيبه من الوقف، فأوقف أرضاً لتكون له ذخراً عند ربه في يوم لقائه، وكان ذلك دافعاً للصحابة لأن يوقفوا الأوقاف التي تنوعت وتعددت مجالاتها لتكون أكثر نفعاً في مجتمعهم.
فالوقف من أعظم صور الإنفاق، وأكثرها أجرا وأعمها نفعا, فالواقف أكثر الناس انتفاعا بالوقف؛ لأنه يخلف عليه في الدنيا أضعافا، وبعد موته يسري له الأجر وهو في قبره، فالوقف صدقة جارية، فيها نفع للأحياء، ورحمة للأموات. وفضل من الله على عباده أن تجري لهم الحسنات في دنياهم وأخراهم.

الهوامش
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2739.
2 - المنهاج في شرح صحيح مسلم، ص 1039.
3 - فتح الباري، (6/669).
4 - أخرجه البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب ما قيل في درع النَّبيّ والقميص في الحرب، برقم (2916).
5 - البداية والنهاية (3/247).
6 - فتح الباري، (7/18)
7 - أنظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، (6/244).
8 - أخرجه الترمذي في سننه، برقم: 2682، وفي صحيح ابن ماجه، برقم 183.
9 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 3711.
10 - أخرجه مسلم في كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي، برقم: 1653.
11 - سورة فاطر، الآية 32.
12 - تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، السعودية، ط2، 1420هـ/ 1999م، (1/ 57).
13 - صحيح الترغيب والترهيب، برقم 83.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 03-03-2024 06:15 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...es/jpg_506.jpg


الأربعون الوقفية (14)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث الرابع عشر دليل على مشروعية الوقف، وصحة وقف المنقول، من الأعتاد والدروع، وجواز وقف كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، كالعقار، والحيوان، والسلاح، والأثاث، وأشباه ذلك.

الحديث الرابع عشر
وقف الأدرع والأعتاد في سبيل الله
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أما إنكم تظلمون خالداً، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله».
امتدح رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، على وقفه أَعْتَاده وأدراعه. فقال: «فإنكم تظلمون خالداً»: والمعنى إنكم تظلمونه بطلبكم الزكاة منه، إذ ليس عليه زكاة «فقد احتبس» أي وقف قبل الحول «أدراعه» جمع درع الحديد، (وأعتاده) جمع عتد، وهو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح. وقيل: الخيل خاصة.
وفي شرح النووي على مسلم: «قال أهل اللغة: الأعتاد: آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها، والواحد عتاد بفتح العين، ويجمع أعتاداً وأعتدة. ومعنى الحديث: أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنا منهم أنها للتجارة، وأن الزكاة فيها واجبة، فقال لهم: لا زكاة لكم علي، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إن خالداً منع الزكاة، فقال لهم: إنكم تظلمونه؛ لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها. ويحتمل أن يكون المراد: لو وجبت عليه زكاة لأعطاها ولم يشح بها؛ لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعا فكيف يشح بواجب عليه؟».
والسبيل هي الطريق، وسبيل الله في القرآن تطلق على معنيين: الأول: معنى عام، وهو كل طريق يوصل إلى الله، فيشمل كل الأعمال الصالحة كقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}، وكقوله: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ} أي: دينه. والثاني: خصوص الجهاد، وهذا مثل قوله: {ِإنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا}... {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ}. أي: الغازون في سبيل الله، ويشمل الغزاة وأسلحتهم، وكل ما يعين على الجهاد في سبيل الله من سلاح وغيره.
واستدل أهل العلم بهذا الحديث من جملة ما استدلوا على جواز وقف كل ما جاز بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاءً متصلاً. كالعقار، والحيوان، والسلاح، والأثاث، وأشباه ذلك، وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة.
ولا يشترط للوقف مبالغ كبيرة، فقد يكون الوقف مصحفاً، أو غرس نخل، أو حفر بئر، أو جريان نهر، أو عتاد وأدراع في سبيل الله، أو غيرها، مما يصح وقفه؛ وأفضله ما كان أنفع في زمنه للمسلمين ولكل كبد رطب.
والتطبيقات التاريخية للمؤسسات الوقفية أنتجت حضارة إسلامية ما زالت بعض آثارها العملية ماثلة أمامنا، فقد تعدت المؤسسات الوقفية في العهود الإسلامية دور الفاعلية في حالات الطوارئ، إلى دور توفير كل متطلبات ومستلزمات حفظ المسلمين ورعاية أمن الأمة.
والأوقاف التي خصصت للصرف من ريعها على الصناعات الحربية كانت خير معين على الجهاد وحماية الثغور وتوفير العتاد لرد المعتدين على بلاد المسلمين، فنشأت الكثير من المصانع، خاصة في بلاد الشام ومصر أيام الحروب الصليبية على بلاد المسلمين. وقد كان لذلك أثر كبير في رواج الصنعة الحربية وقيام مصانع كبيرة لها في بلادنا، حتى كان الغربيون في الحروب الصليبية، يفدون إلى بلادنا - أيام الهدنة - ليشتروا منا السلاح، وكان العلماء يفتون بتحريم بيعه للأعداء.
وقد بلغت صناعة الأسلحة الحربية الثقيلة والنارية عند المسلمين في أيام الدولة المملوكية مبلغاً عظيماً؛ حيث امتازت في الدقة والإتقـان والمهارة العاليـة في استخدامها مع التجديد والإبداع؛ ما جعلهم ينتصرون على أعدائهم - بتوفيق الله تعالى- في كثير من معاركهم، ولاسيما ضـد الصليبيين والمغول.
وكان للمسلمين باع طويل في تأليف الكتب العسكرية المختلفة التي تبحث في الفنون الحربية كالفروسية والرمي وإدارة المعارك وسياسة الحروب، وبعضها خصص للبحث في صنوف الأسلحة وصفاتها وصناعتها وأساليب استعمالها والتدريب عليها، وكان للوقف دور في توفير البيئة لهذا النتاج. واستمر هذا الإبداع في التصنيع العسكري في العهد العثماني، بل إن زيارة متاحف إسطنبول تؤكد التقنية الصناعية التي بلغت فيها الصناعة الحربية مبلغاً عظيماً؛حيث كان للوقف الدور الكبير في تطور تلك الصناعة وحماية الخلافة لأكثر من خمسة قرون، ومما حققت من انتشار.
والحديث فيه من فوائد جمة: فهو دليل على مشروعية الوقف، وصحة وقف المنقول، من الأعتاد والدروع، وأن الذي يجوز وقف ما جاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلا يبقى بقاء متصلاً كالعقار والسلاح والأثاث وأشباه ذلك.
وفيه بيان لفضيلة من فضائل خالد بن الوليد رضي الله عنه، أن دافع عنه النبي صلى الله عليه وسلم ورد ما قيل عنه، وامتدح وقفه لأدرعه وأعتاده.وفيه الاعتذار عن أهل الفضل بما لا يُعرف عنهم من العيوب، كما كان النبي مع خالد رضي الله عنه.
وفيه أن ما أوقف لا تجب فيه الزكاة؛ لأنه خرج من ملكه إلى ملك الله تعالى فلا تجب فيه الزكاة. فالأشياء الموقوفة لا زكاة فيها.
وفيه حث النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على أن يجعلوا لأنفسهم صدقات جارية بعد موتهم تعود على عموم المسلمين بالنفع، وتعود عليهم بالأجر حتى بعد موتهم.
وفيه فضل واستحباب أن يوقف الإنسان شيئا من ماله ولو بالقليل على المجالات الخيرية، كأن يوقف في سبيل الله، أو على طلبة العلم، أو الأعمال الخيرية، وكلما كان مصرف الوقف نفعه أكثر، كان أفضل.
وفيه أن الوقف ليس محصوراً في الأراضي والدور، بل يتعدى ذلك إلى كل ما جاز الانتفاع به وصح وقفه وإن قل ثمنه؛ فهو باب عظيم من أبواب العمل الصالح الذي يضمن لصاحبه رصيداً جارياً من الحسنات لا ينقطع بعد مفارقته الدنيا.
لا شك أن الوقف كان وما زال مصدر قوة للأمة، والتاريخ شاهد على ما قام به نظام الوقف من إنجازات عجزت عن مجاراتها كل أمم الأرض، فهو من أشرف معالم الحضارة الإسلامية، وجوانبه الإنسانية بلغت في استيفاء حاجات الفرد والمجتمع مبلغاً لم يعرف له مثيل بين الأمم والشعوب، لقد عملت الأوقاف على حفظ بيضة المسلمين، وإسعاد المسلمين بالحفاظ على عقيدتهم وتوحيدهم وعلمهم وكرامتهم وسمو أخلاقهم، وهناء حياتهم، وحمايتهم من كل ما يضرهم.
والوقف أفضل ما يستثمر فيه العبد أمواله؛فهو تجارة رابحة لا تبور وصدقة مستمرة لا تنفد، وكم من ميت مازالت حسناته حية من بعده، بل إن بعض الناس يحصد من الحسنات بعد موته أضعاف ما أدركه في حياته؛ لأن نفع وقفه الذي قدمه في حياته يستمر من بعده، وكلما عمت مساحة الانتفاع زاد الأجر وعظم الثواب.




اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 03-03-2024 08:17 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (15)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وغيرها، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
وفي الحديث الخامس عشر يخبرنا ويبشرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بأن الخازن المسلم المؤتمن، الذي عمل على حفظ الأمانة ورعاها، وأداها كما أَمر بذلك صاحبها، مع طيب نفس منه، فهو بهذا يكون أحد المتصدقين.

الحديث الخامس عشر:
فضل نظارة الوقف
عن أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الخازنَ المسلمَ الأمينَ، الذي يُنْفِذُ (وربما قال يُعطي) ما أُمرَ به، فيعطيه كاملاً مُوَفَّراً، طيبةً به نفسُهُ، فيدفعُه إلى الذي أُمر له به؛ أحدُ المتصدقين»(1).
من فضل الله تعالى على عباده أن جعل المشارك في الطاعة مشاركاً في الأجر، فالصدقة طاعة وقربى إلى الله، والمتصدق له الأجر العظيم من رب العالمين، وهذا الأجر لا يناله فقط صاحب الصدقة، بل من كان مسلماً وخازناً أميناً لها، يرعاها ويؤديها بحقها، ملتزماً شروطها، مع الرضا والسرور، وطيبة النفس منه، فله بذلك أجر كما لصاحب الصدقة أجر، وليس معناه أن يزاحمه في أجره، لهذا نصيب بماله، ولهذا نصيب بعمله، لا يزاحم صاحب المال العامل في نصيب عمله، ولا يزاحم العامل صاحب المال في نصيب ماله.
قال النووي: «فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب، وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء.. واعلم أنه لا بد للعامل وهو الخازن.. من إذن المالك في ذلك، فإن لم يكن إذن أصلاً فلا أجر للخازن بل عليه وزر بتصرفه في مال غيره بغير إذنه» (2).
وقال ابن حجر في فتح الباري: «وقد قيد الخازن فيه بكونه مسلما فأخرج الكافر لأنه لا نية له، وبكونه أمينا فأخرج الخائن لأنه مأزور، ورتب الأجر على إعطائه ما يؤمر به غير ناقص لكونه خائناً أيضاً، وبكون نفسه بذلك طيبة لئلا يعدم النية فيفقد الأجر وهي قيود لا بد منها» (3).
وفي شرح الحديث قال الشيخ محمد بن صالح عثيمين - رحمه الله -: «الخازن مبتدأ، وأحد المتصدقين خبر، يعني أن الخازن الذي جمع هذه الأوصاف الأربعة: المسلم، الأمين، الذي ينفذ ما أمر به، طيبة بها نفسه.
فهو مسلم: احترازاً من الكافر، فالخازن إذا كان كافراً وإن كان أميناً وينفذ ما أُمر به ليس له أجر؛ لأن الكفار لا أجر لهم في الآخرة فيما عملوا من الخير، قال الله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}(4)، وقال تعالى: {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(5)، أما إذا عمل خيراً ثم أسلم فإنه يسلم على ما أسلف من خير ويعطى أجره.
الوصف الثاني: الأمين، يعني الذي أدى ما ائتمن عليه، فحفظ المال، ولم يفسده، ولم يفرط فيه، ولم يعتد فيه.
الوصف الثالث: الذي ينفذ ما أمر به، يعني يفعله؛ لأن من الناس من يكون أميناً لكنه متكاسل، فهذا أمين ومنفذ يفعل ما أمر به، فيجمع بين القوة والأمانة.
الوصف الرابع: أن تكون طيبة به نفسه، إذا نفذ وأعطى ما أمر به أعطاه وهو طيبة به نفسه، يعني لا يمن على المعطى، أو يظهر أن له فضلاً عليه بل يعطيه طيبة به نفسه، فهذا يكون أحد المتصدقين مع أنه لم يدفع من ماله فلساً واحدا»ً(6).
والمؤتمن هو أحد المتصدقين، فالمتصدق طرف والمؤتمن على تلك الصدقة طرف آخر، وكلاهما ينالون من الله تعالى الأجر بهذا العمل؛ فالذي يرعى الصدقة ويحفظها ويوصلها إلى مستحقيها، ويصرفها بالوجه الصحيح الذي اشترطه صاحب الصدقة، وكان أميناً على ذلك المال فلا يحابي ولا يداهن، ولا يمنُ على أحد، فيعطيه كاملاً من دون أن يقتطع لنفسه منه، وهو في نفس الوقت فرح مسرور بهذا العمل، لأنه نقل الأمانة من صاحبها إلى مستحقها.
وناظر للوقف، هو مؤتمن على أصل وريع ذلك الوقف، وكل من يعمل في المشروع الوقفي هو مؤتمن لذلك الأصل المحبوس. فالناظر للوقف هو خازن مؤتمن، مكلف برعاية ما أؤتمن به، فإن أدى هذه الأمانة موفرة كاملة، غير منقوصة أو مستغلة، مع طيب نفس ورضا وسرور منه، بهذا يكون هو أحد المتصدقين، أي له ثواب كالمتصدق لأنه أعان صاحب المال على إيصال المال والصدقة إلى مستحقيها.
فكل وقف لا بد له من متول يدير شؤونه ويحفظ أعيانه، وذلك بعمارته وصيانته، واستثماره على الوجه المشروع، وصرف غلته إلى مستحقيه بمقتضى وثيقة الوقف، والدفاع عنه والمطالبة بحقوقه، كل ذلك حسب شروط الواقف المعتبرة شرعاً(7).
ويشترط فيمن يتولى النظر على الوقف جملة من الشروط هي:
1- الإسلام: وذلك لأن النظر ولاية ولا ولاية لكافر على مسلم.
2- العقل: فلا يصح أن يتولى النظر مجنون.
3- البلوغ: فلا يصح تولية النظر لصغير.
4- العدالة: هي المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة. فلا يصح تولية النظر لفاسق أو خائن للأمانة.
5- الكفاية: وهي قدرة الناظر على التصرف فيما هو ناظر عليه بما فيه المصلحة(8).
والناظر يستحق أجرة مناسبة، لقاء ما بذله من جهد ووقت في إدارة الوقف. وذلك في كل شهر أو سنة أو مقداراً نسبياً معيناً من الغلة نظير قيامه بأمور الوقف ورعاية مصالحه، وقد استدل العلماء على حق الناظر في الأجرة، بما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقتسم ورثتي ديناراً ولا درهماً، ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي، فهو صدقة»(9). قال الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث: وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف، ومراد العامل في هذا الحديث القيم على الأرض(10).
وكما استدل العلماء بما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عندما وقف عمر أرضه بخيبر، حيث قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وذوي القربى والرقاب وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها، أو يطعم صديقاً بالمعروف، غير متأثل فيه(11).
والناظر على الوقف يستحق أجرة المثل، ولا يزاد على ذلك إلا إذا كانت تلك الزيادة بتحديد من الواقف. فيعطى هذه الزيادة إتباعاً لشرط الواقف، وهو لا يستحقها باعتبار إدارته للوقف، وإنما باعتباره مستحقاً في الوقف(12).
ويعتبر الناظر أمينا على مال الوقف، ووكيلاً عن المستحقين فهو مسئول عما ينشأ عن التقصير نحو أعيان الوقف وغلته وفقاً للقواعد العامة للمسئولية، كما يفترض عليه القيام بتقديم حساب سنوي إلى القضاء وفقا لأسانيد مكتوبة.
لذا يجب على الناظر القيام بكل ما من شأنه الحفاظ على الوقف وعمارته ورعاية مصلحته، لأن إهمال عمارة الوقف أو ترميمه أو إصلاحه قد يؤدي إلى خرابه وهلاكه، وقد أجمع الفقهاء على أن العمارة هي أول واجب يلقى على عاتق الناظر، وعمارة الأعيان الموقوفة مقدمة على الصرف إلى المستحقين سواء في الوقف الخيري أو الأهلي، لأنها تؤدي إلى دوام الانتفاع بالوقف وعدم تفويت منفعة من منافعه.
وللشيخ بن عثيمين – رحمه الله – قول نفيس في التزام الناظر بشروط الواقف نصه: «على نظار الوقف أن يلتزموا بشروط الواقف، وأن يرعوا الوقف ويحافظوا عليه، وأن يحذروا التساهل بحفظ أصله وتوزيع ريعه، قال تعالى: {فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}(13). والمؤمَّل في النظارِ بذلُ النفيس في تنفِيذ وتحقيق شروطِ الواقف وإقامة ضوابط الوقفِ وتعمير أصوله واستثمارِ محصولِه والسلوك بالمستفيدين ما يوجِب لهم الإكرام والإنعامَ وأخذهم بطرائق الرحمة وسجيحِ الأخلاق وسُبُل الشفقة والإرفاق. روى البخاري من حديثِ أبي موسى الأشعريّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الخازن المسلم الأمين أحدُ المتصدِّقين»(14).
فوائد من الحديث: الحديث دليلٌ على فضل الأمانة، وعلى فضل التنفيذ فيما وُكل فيه وعدم التفريط فيه، ودليلٌ على أن التعاون على البر والتقوى يكتب لمن أعان مثل ما يكتب لمن فعل، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
وفيه أن الأوصاف التي ذكرت في الحديث شروط لحصول هذا الثواب، فينبغي أن يعتنى بها ويحافظ عليها، ليكون له أجر متصدق. وفيه التأكيد على مكانة وأجر المسلم المؤتمن على أمانة، والذي يعمل بصدق وإخلاص وفاعلية، بلا محاباة ولا طمع ولا انتقاص منها، وبحسن خلق وطيب نفس، فهو بذلك يكون أحد المتصدقين.
وفيه توجيه وحث على القيم الأساسية التي ينبغي أن تتجذر في نفوس العاملين وتتجلى في أعمالهم، من إخلاص وأمانة وصدق وتجرد، فإن ذلك أنفع للمؤتمن في دنياه وأخراه، وأدعى للبركة والتوفيق في عمله.
وفيه الحث على حسن التعامل مع الآخرين، فالعاملون على الصدقات والأوقاف تسلط عليه الأنظار، لأن أهل الخير قد أمّنوهم على صدقاتهم ومشاريعهم، فكل فعل محسوب عليهم، فلا بد أن يكون لدى الشخص الذي يتصدى لهذه المهمة السامية إخلاص في القصد والنية من خلال ابتغاء وجه الله عز وجل وحده بهذا العمل؛ كما يجب أن يكون متبعا فيه للكتاب والسنة، وعليه أن يكون نموذجاً للشخص المتفاني في خدمة المسلمين، وأن يتعامل مع أهل العوز والحاجة بالحسنى والكلمة الطيبة، فالكلمة الطيبة صدقة وتبسمك في وجه أخيك صدقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم .
فالواجب على كل من جند نفسه للعمل الخيري والوقفي أن يسلك مسالك الإصلاح، وأن يعمل بما فيه الخير للأمة، وأن يجتنب كل شيء يقدح في عمله، لأنه عمل لأجل الدار الآخرة، ورجاء الثواب من الله تعالى. لذا أنصح إدارات العمل الخيري والوقفي أن تهتم في تأهيل موظفيهم ومتطوعيهم وتدريبهم وتنمية قدراتهم في حسن استقبال المراجعين من متبرعين، ومحتاجين، والتعامل مع جميع الفئات بالأخلاق الإسلامية السمحة.
(الهوامش)
1 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم ( 1438). ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب أجر الخازن الأمين برقم ( 1023)، واللفظ لمسلم.
2 - صحيح مسلم بشرح النووي، (7/156- 158)، وبتصرف يسير، مؤسسة قرطبة، ط1 (1412هـ= 1991م ).
3 - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ( 3/382)، دار السلام الرياض، ط1( 1418هـ= 1997م)
4 - سورة الفرقان، الآية:23.
5 - سورة البقرة، الآية: 217.
6 - شرح رياض الصالحين، للشيخ محمد بن صالح العثيمين، (4/461)، دار الوطن، ط1، 1416هـ.
7- أنظر: روضة الطالبين 5/348، شرح منتهى الإرادات 2/362.
8 - أنظر:موجز أحكام الوقف، د.عيسى زكي، ص 11-12.
(9) أخرجه البخاري في الوصايا، باب: نفقة القيِّم للوقف برقم (2776).
(10) أخرجه فتح الباري 5/476.
(11) أخرجه البخاري في الوصايا، باب: نفقة القيِّم للوقف برقم (2777).
(12) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 4/88، روضة الطالبين 5/348، كشاف القناع 4/269.
13 - سورة البقرة، الآية: 283.
14 - خطبة للشيخ بن عثيمين بعنوان: الوصية والوقف.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 04-03-2024 08:57 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (16)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكام وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث السادس عشر بيان لجواب بني النجار حين طلب منهم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن يبيعوا أرضاً تخصهم لتكون موضع مسجد الرسول في المدينة، فقالوا: لا نأخذُ لهُ ثمناً أبدًا.

الحديث السادس عشر:
وقف بني النجار
عن أنس رضي الله عنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد، فقال: «يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا». قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله.
حينما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأمر ببناء المسجد، أرسل إلى أعيان وكبار بني النجار، وطلب إليهم أن يبيعوا أرضاً لهم، ليبني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجداً، فكان جوابهم أنهم جعلوا تلك الأرض وقفاً لله تعالى، لا يطلبون ثمناً لها من أحد، إلا الأجر والثواب من الله تعالى.
وفي لفظ آخر، قال أنس رضي الله عنهُ: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وأمر ببناء المسجد، فقال: «يا بني النجار، ثامنوني»، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، فأمر بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد».
وبنو النجار قبيلة من الأنصار وبطن من الخزرج، وهم بنو تَيْم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الجَمُوح، والحَائِط هو البستان المزروع بالنخيل إذا كان محاطاً، وثامنوني: أي بايعوني، وقدروا لي ثمن حائطكم لأذكر لكم الثمن الذي أختاره؛ بمعنى أعطوني حائطكم بالثمن على سبيل المساومة؛ وثامنه بكذا أي قدر معه الثمن.
فكان جواب بني النجار للنبي صلى الله عليه وسلم سريعاً، فالأمر لا يحتمل التأخير وطول المشورة؛ بأنهم لا يرغبون بثمنه من أحد إلا من الله، والمعنى لا نطلب الثمن بل نتبرَّع بِه، ونطلب الثمن أي الأجر من اللَّه تعالى.
وبهذا الفعل وفق الله تعالى بني النجار أن كان لهم بذلك الوقف أجراً إلى يوم الدين، فكل من شد الرحال من سائر أنحاء الدنيا إلى مسجد رسول الله امتثالاً لقوله صلى الله عليه وسلم : «لا تشد الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد الأقصى». قال النووي في شرح حديث لا تشد الرحال: «فيه بيان عظيم فضيلة هذه المساجد الثلاثة، وميزتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ولفضل الصلاة فيها، وفضيلة شد الرحال إليها».
وقال الحافظ في «الفتح»: «وفي الحديث فضيلة هذه المساجد، ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول: قبلة الناس وإليه حجهم، والثاني: كان قبلة الأمم السالفة، والثالث: أسس على التقوى».
ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم هو المسجد الذي أسس على التقوى، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام».
وقد اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه البقعة لتكون مسجداً يجتمع المسلمون فيه لأداء صلواتهم وعباداتهم، وشرع مع أصحابه في بنائه، فاستغرق ذلك شهوراً عدة، وأسس النبي صلى الله عليه وسلم المسجد في ربيع الأول من العام الأول من هجرته، وكان طوله سبعين ذراعاً، وعرضه ستين ذراعاً، أي ما يقارب 35 متراً طولاً، و30 عرضاً وارتفاع جدرانه: 2م، ومساحته الكلية: 1060 متراً مربعاً تقريباً، وجعل أساسه من الحجارة والدار من اللَّبِن وهو الطوب الذي لم يحرق بالنار، وكان النبي يبني معهم اللَّبِن والحجارة، وسقفه من الجريد، وكانت إنارة المسجد تتم بواسطة مشاعل من جريد النخل، توقد في الليل. وجعل للمسجد ثلاثة أبواب: الأول: في الجهة الجنوبية، والثاني: في الجهة الغربية، ويسمى باب عاتكة، ثم أصبح يعرف بباب الرحمة. والثالث: من الجهة الشرقية، ويسمى باب عثمان، ثم أصبح يعرف بباب جبريل.
منذ تلك اللحظة صار المسجد منارة تشع في أرجاء دولة الإسلام الناشئة، كما كان أيضاً بداية الانطلاقة جيوش الإسلام التي فتحت مشارق الأرض ومغاربها في عهده [ وعهد من جاء بعده من خلفاء المسلمين، ولبني النجار أجر جار منذ أن بني المسجد النبوي إلى يومنا هذا، بل إلى آخر الزمان؛ فكلما صلى فيه المصلون؛ واعتكف فيه المعتكفون؛ وقُرئ فيه القرآن، وعقدت في جنباته حلقات العلم، منذ أكثر من أربعة عشر قرناً إلى ما يشاء الله تعالى، لا يحصي أجورهم على أرضهم تلك إلا الله تعالى، وهذه بركة من بركات الوقف لله تعالى؛ فهنيئاً لبني النجار على هذا الأجر العظيم.
جاء في الفتح: «أن بني النجار تصدقوا بالأرض لله عز وجل، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولم ينكر قولهم، وهذا دليل على أنه إذا أوقف جماعة أرضًا مشَاعًا فهو جائز. فلو كان وقف المشاع لا يجوز لأنكر عليهم وبين لهم الحكم، واستدل بهذه القصة على أنه حكم المسجد يثبت للبناء إذا وقع بصورة المسجد ولو لم يصرح الباني بذلك، وعن بعض المالكية إن أذن فيه ثبت له حكم المسجد، وعن الحنفية إن أذن للجماعة بالصلاة فيه ثبت والمسألة مشهورة، ولا يثبت عند الجمهور إلا إن صرح الباني بالوقفية أو ذكر صيغة محتملة ونوى معها‏.‏ وجاء أيضاً: «ومراد البخاري أن الوقف يصح بأي لفظ دل عليه إما بمجرده وإما بقرينة والله أعلم».
وفي الحديث فوائد نذكر منها: فيه جواز التصريح بالوقف وإشهاره وإعلانه، والجهر بطلب أجر ذلك العمل من الله تعالى.
وفيه مشروعية وقف الأرض للمسجد، وهذا هو الحائط الذي بني فيه مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه صحة وقف المشاع الذي ينتفع به، والأرض المشاع يصح وقفها كما فعل بنو النجار وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك.
وفيه أن الوقف يعقد بالتصريح، وأنه قد تم انعقاد الوقف قبل البناء، فيؤخذ منه أن من وقف أرضاً على أن يبنيها مسجداً، انعقد الوقف قبل البناء.
وفيه أهمية بناء المساجد، وأن إقامة المساجد أول وأهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي. امتثالاً لقول الله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ}. وقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من بنى مسجداً لله تعالى يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة». وما كان هذا الفضل من الله إلا لعظمة هذه المساجد وأهمية وجودها في الأرض للمسلمين، ولقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- إذا فتحوا بلاداً بنوا فيها المساجد، وتركوا فيها من يعلم الناس الخير، ويؤدي رسالة هذه المساجد، باعتبارها مركزاً إسلامياً لتفقيه المسلمين في شؤون دنياهم وآخرتهم، لم تكن لتنتشر المساجد هذا الانتشار في تاريخ الإسلام كله إلا بطريق الأوقاف.
ونظام الوقف في الإسلام يعد أحد أهم النظم التي أسهمت في تحقيق المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، وفي مقدمتها حفظ الدين من عقائد وعبادات وأحكام شرعها الله سبحانه وتعالى، والوقف حفظ الضرورات الخمس وفي مقدمتها حفظ الدين للمسلمين، بإقامة المساجد وحفظها ورعايتها، وفي حفظ الهوية الإسلامية، ونشر العلم.
والوقف وعاءٌ تصب فيه خيرات العباد، ويفيض بالخيرات على البلاد، وقد تنافس أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم على الوقف الذي هو من أنفع أنواع الصدقات وأفضلها وأكثرها أجراً.
ومن إبداعات الناصر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله وروائعه حينما حرر القدس وفلسطين من أيدي الصليبيين، أنه أعاد الحياة إلى القدس بأن أوقف الأوقاف التي تصرف على إمام المسجد الأقصى والعاملين فيه، ثم تتالت الأوقاف التي طالت كل ما يصلح البلاد والعباد، لتسهيل شد الرحال والمكوث في القدس وتوفير الطعام والشراب والمأوى والتعليم والطبابة لأهل القدس وما حولها، وبذلك عادت الحياة إلى القدس سريعاً بعد أن غُيب عنها المسلمون 91 عاماً وهي في ظل رماح الاحتلال الصليبي.
وخلال أقل من سنة كانت القدس تُقصَد ويشد إليها الرحال ويتقرب إلى الله في مجاورة المسجد الأقصى وهو ثالث المساجد التي يشد إليها الرحال، وهذا من فقه الناصر صلاح الدين وحنكته أن أعاد الحياة الاقتصادية للقدس وبعودتها عاد النبض لكل مناحي الحياة.
وقد تتابع المسلمون جيلاً بعد جيل يوقفون الأراضي والبساتين والدور وأعمال الخير والبر، مما ملأ الدولة الإسلامية بالمنشآت والمؤسسات والتي بلغت حداً من الكثرة يصعب إحصاؤه والإحاطة به، وكان في مقدمة تلك البيوت المساجد التي تنافس المسلمون وما زالوا في إقامتها، لتكون ذخراً لهم في آخرتهم، وما من عهد من العهود الإسلامية إلا امتاز بإبداعات وقفية تفي بحاجات وضرورات لازمة لعهدهم.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 04-03-2024 09:12 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...es/jpg_520.jpg


الأربعون الوقفية (17)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
والحديث السابع عشر إرشاد وبُشرى: إرشاد للمسلم أن يكون ذا همة عالية من التكليف حتى الممات، مهما اعترته عقبات الحياة، وتشويش الأعداء، وظلم الآخرين، وأن يعمل لهذا الدين وأن يجدد العطاء؛ وبشرى للمسلم إذا أراد الله بعبد خيراً، يقبضه بأحسن أعماله، وهذا من حسن الخاتمة.
الحديث السابع عشر:
الوقف توفيق لعمل صالح قبل الموت
عن أبي عنبه الخولاني رضي الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسله، قيل: وما عسله؟ قال: يفتح له عملاً صالحاً قبل موته، ثم يقبضه عليه».
الحديث من جوامع كلم النبي صلىالله عليه وسلم ، جمع معاني عظيمة، وأرشد لبرنامج حياة تسعد فيه القلوب، فمن إكرام الله تعالى وتوفيقه إلهامه العبد من عباده التزود من الطاعات وأعمال الخير قبل موته، وأفضل الأعمال التي يوفق لها المسلم ويطيب ذكره ومنفعته في حياته وبعد مماته الوقف لأبواب الخير؛ وذلك من علامات حسن الخاتمة أن يوفق العبد قبل موته لعمل صالح يدوم نفعه وأجره؛ وأفضل ما يدوم فيه النفع هو الوقف، بأن يحبس مما يملك ويجعله وقفاً لله تعالى.
وقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم ما رزق الله العبد من العمل الصالح قبل الموت، بالعسل الذي هو الطعام الصالح الذي يحلو به كل شيء؛ والعرب اعتادت أن تسمي ما تستحليه بالعسل، جاء في كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر: العسل: طيب الثناء، مأخوذ من العسل، يقال: عسل الطعام يعسله: إذا جعل فيه العسل، شبه ما رزقه الله تعالى من العمل الصالح الذي طاب به ذكره بين قومه بالعسل الذي يجعل في الطعام فيحلولى به ويطيب، ومنه الحديث: إذا أراد الله بعبد خيراً عسله في الناس، أي: طيب ثناءه فيهم.
وفي لسان العرب: «أي جعل له من العمل الصالح ثناء طيِّباً شبه ما رزقه الله من العمل الصالح الذي طاب به ذِكرُه بين قومه بالعَسَل الذي يُجْعَل في الطعام فَيَحْلَوْلي به ويَطِيب، وهذا مَثَلٌ من وفَّقَه الله لعمل صالح يُتْحِفه كما يُتْحِف الرجل أَخاه إِذا أَطعمه العَسَل، والعُسُل: الرجال الصالحون. قال: وهو جمع عاسل وعَسُول، قال: وهو ممَّا جاء على لفظ فاعل وهو مفعول به، قلت: كأنه أراد: رجل عاسل: ذو عسل أي ذو عمل صالح الثناء عليه به، مستحلى كالعسل».
وفي معجم مقاييسُ اللّغة: «إذا أراد الله بعبدٍ خيراً عَسَلَه، معناه طيَّبَ ذِكرَه وحلاَّهُ في قلوب النّاس بالصَّالح من العمل، من قولك عَسَلْتُ الطَّعامَ، أي جعلتُ فيه عَسلاً، وفلانٌ معسول الخُلُق، أي طيِّبه، وعَسَلْتُ فلاناً: جَعلتُ زادَه العسل».
والحديث إرشاد للمسلم أن يكون ذا همة عالية من التكليف حتى الممات، مهما اعترته عقبات الحياة، وتشويش الأعداء، وظلم الآخرين، وأن يعمل لهذا الدين وأن يجدد العطاء؛ لأن أمتنا أمة تجديد لا أمة تبديد، وأمة إبداع لا أمة ابتداع، وأمة ابتكار لا أمة تكرار.
ومن حسن الخاتمة أن يوفق العبد قبل موته للتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة، وهذا من علامات حسن الخاتمة، فيتذكره الناس بفعله للخير، وبما حبسه لله تعالى من وقف لنفع المسلمين وغيرهم، فكم من الأوقاف بقيت بعد موت واقفها، يدعى له بالرحمة والمغفرة على ما قدم.
من هذا الحديث أخذ بعضهم عبارة الثناء: «عسلك الله»، فيا فوز من عسله الله ويا حسرة من كان كالحنظلة مرة المذاق كريهة الرائحة، فالحرص الحرص على تعسيل العبد لأعماله حتى يعسله الله.
وخير ما يعسل المسلم دنياه وآخرته الوقف، فهو أفضل الصدقات التي حث الإسلام عليها وعدها من أكثر الأعمال تقرباً إلى المولى عزَّ وجلَّ ومن أفضل أعمال البر، ومجالاً من مجالات الإنفاق، ورافداً من روافد الخير والعطاء، يعم فيه الخير، وتتنامى فيه الصلات بين الأقارب، والألفة والتراحم بين أفراد المجتمع، فيه الاستمرار والبقاء، لا غنى عنه للأمة التي تريد العزة والحضارة، فكم خرَّجت مدارسه من علماء وفقهاء، وكم حفظت مكتباته من مخطوطات، وكم رعت نزله من مسافرين، وكم أطعمت تكياته من منقطعين، وكم عالجت مشافيه من مرضى، وكم قدمت صيدلياته من عقاقير ودواء، وكم نسجت مشاغله من كساء، وكم آوت ملاجئه من أيتام وعجزة، وكم سقت آباره من إنسان وطير وبهيمة، وكم حفظت عطاءاته من كرامة الإنسان، وكم كفلت إيراداته من طلبة علم تفرغوا للتحصيل العلمي، وكم ساهمت مؤسساته في حل المشاكل الاجتماعية، وكم عالجت مؤسساته الثقافية من ظواهر وآفات.
أَلا إنَّ مَنْ رامَ الفلاحَ لنفسِه
وفازَ مِن الدُّنيا بمالٍ وَافِ
فَلا بُد أنْ يسعَى حثيثا لبذلِه
ويُخرجَ بعضًا منه للأوقافِ
فذلِك فوزٌ للغنيِّ وبلغةٌ
ليجني في الأُخرى عظيمَ قِطافِ
فوائد من شرح الحديث: فيه الحث على إلزام النفس بالعمل الصالح، والتجديد بالأعمال التي تقرب إلى الله تعالى؛ وإن العمل الصالح إن كان تعدى لما ينفع النفس لينفع الآخرين كان أجره أعظم لأنه دال على الخير.
وفيه حث للمسلم على التوبة والإنابة قبل غلق الإجابة، فما زال الباب مفتوحاً، وأبواب الخير عظيمة، فاجتهد بما ينفع نفسك والمسلمين؛ ولا تؤجل ولا تسوف إن أردت الفلاح، وأردت تعسيل الله لك، فلا تركن إلى التسويف والأمل حتى يسبقه الأجل.
وفيه أن يكون المسلم دائم السعي للخاتمة الطيبة؛ لأنه لا يعرف متى تقبض روحه، وفيه كذلك أن من حسن الخاتمة أن يوفق المسلم قبل موته للابتعاد عما يغضب الرب سبحانه، والتوبة من الذنوب والمعاصي، والإقبال على الطاعات وأعمال الخير، ثم يكون موته بعد ذلك على هذه الحال الحسنة.
وفيه من علامات حسن الخاتمة الموت على عمل صالح، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله ابتغاء وجه الله ختم له بها دخل الجنة، ومن تصدق بصدقة ختم له بها دخل الجنة»، لذا على المسلم أن يلح في دعاء الله تعالى أن يتوفاه على الإيمان والتقوى، وأن يقيه شر الدنيا وفتنتها؛ وأن يداوم على الطاعات، وعمل الخير.
وفيه حث للمداومة على الأعمال الصالحة، وهي من أحبِّ الأعمال إلى الله، ومن علامات التوفيق أن يوفق العبد لنفع الناس، وقضاء حوائجهم، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب الناس إلى الله أنفعهم». وإذا قبل الله تعالى عمل عبد من عباده، وفقه إلى عمل صالح بعده.
وللعمل الصالح جزاءٌ في الدنيا والآخرة، فالجزاء في الدنيا حسن رعاية الله، ففي الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها». وفي الآخرة الأجر الواسع من رب العالمين.
والعمل الصالح توفيق من الله تعالى، وهو بيد الله وليس بيد العبد، والتوفيق مفتاحه الدعاء والافتقار وصدق اللجوء والرغبة والرهبة إليه، وهو لا يقتصر على عباداتٍ معيّنة وحالات مخصوصة، فمن بنى مسجدًا أو أنشأ مدرسةً أو أقام مستشفى أو شيَّد مصنعًا ليسُد حاجة الأمة فإنه يكون بذلك قد عمل صالحاً وله به أجر، من وَاسَى فقيرًا وكفل يتيماً وعاد مريضًا وأنقذ غريقًا وساعد بائساً وأنظر معسِراً أرشد ضالاًّ فقد عمل صالحاً.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 04-03-2024 09:30 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...9a8de2e390.jpg


الأربعون الوقفية (18)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .
والحديث الثامن عشر، يخبرنا فيه النبي صلى الله عليه وسلم أنه مهما حرص على المال، فليس له حقيقة إلا ما أكل فاستهلك، ولبس فأبلى، وتصدق فأنفذ، وما سوى ذلك فإنه تاركه للناس لا محالة.
الحديث الثامن عشر:
الوقف والصدقة مال باقٍ
عَنْ مُطَرِّفٍ بن عبدالله عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ: ألهاكم التكاثر، قال: «يقول ابن آدم: مالي مالي (قال) وهل لك يا ابن آدم! من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟».
إن مال الإنسان الحقيقي هو ما قدمه لنفسه ذخراً عند ربه كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ}. أي تركتم ما أعطيناكم من أموال الدنيا وراء ظهوركم للوارثين من بعدكم؛ فليس لنا من مالنا إلا ما تصدقنا به فأمضينا، ولبسنا فأبلينا, وأكلنا فأفنينا، وما سوى ذلك فإننا ذاهبون وتاركوه للناس؛ فالصدقة هي الباقية، كما قالت عائشة: «أنهم ذبحوا شاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما بقي منها؟ قلت: ما بقي منها إلا كتفها. قال: بقي كلها غير كتفها».
فالسعيد من اتخذ من دنياه ما ينفعه في آخرته، ويجعل منها ما يمتد فيه الأجر والثواب، فالعاقل هو من قدّم من ماله ما يحبه فيفوز به في دار الإقامة، فإن من أحب شيئاً استصحبه معه ولا يدعه لغيره فيندم ولا ينفع الندم؛ وهذا من فعل صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان ابن عمر لا يعجبه شيء من ماله إلا قدمه لله، حتى إنه كان يومًا راكباً على ناقة فأعجبته، فنزل عنها في الحال، (وقلدها) وجعلها هديًا لله عز وجل.
قال ابن كثير في تفسيره سورة التكاثر: «يقول تعالى أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر وصرتم من أهلها»، وقال ابن القيِّم: «ما أعظمها من سورة، وأجلَّها وأعظمها فائدةً، وأبلغها موعظةً وتحذيرًا، وأشدَّها ترغيبًا في الآخِرة، وتزهيدًا في الدُّنيا، على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها، وحُسْن نظمها، فتبارَك مَنْ تكلَّم بها حقًّا، وبلَّغها رسولُه عنه وَحْيًا».
وفي لفظ آخر عند مسلم كذلك: «يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب، وتاركه للناس».
والمعنى: أن الذي يحصل له من ماله ثلاث منافع في الجملة، لكن منفعة واحدة منها حقيقيَّة باقية، والباقي منها صوريَّة فانية: (مَا أَكَلَ) أي ما استعمل من جنس المأكولات والمشروبات (فَأَفْنَى) أي فأعدمها، (أَوْ لَبِسَ) أي من الثياب (فَأَبْلَى) أي فأخلقها، (أَوْ أَعْطَى) أي لله تعالى (فَاقْتَنَى) المعنى في اللغة: «يقتَني» وهو أنْ يتخذه لنفسه لا للبيع، والمقصود في الحديث أنه لـمّا أعطى هذا المالَ لله تعالى جعله اللهُ ذخيرةً له للآخرة، (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) أي وما عدا ما ذُكِرَ من سائر أنواع المال من المواشي والعقار والخدم والنقود والجواهر ونحو ذلك (فَهُوَ) أي ذلك العبدُ (ذَاهِبٌ) عنه، (وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ) أي تاركه للورثة أو غيرهم بلا فائدةٍ راجعةٍ إليه، مع أنّ مطالبة المحاسبة في القبر والآخرة والمعاقبةُ عليه هو.
فالموفق من جعل من المال عملاً يبلغ به إلى الآخرة، فعن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله». وعن أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمي رضي الله عنه: أنَّ النبيَ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزول قَدَما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن عمره: فيمَ أفناه، وعن علمه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه».
لذا قال الأوزاعي:
المال يذهب حله وحرامه
يومًا ويبقى بعده آثامه
ليس التقي بمتق لإلهه
حتىيطيب طعامه وكلامه
وذكر الحافظ بن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس واسمه الضحاك أنه رأى في يد رجل درهماً فقال لمن هذا الدرهم فقال الرجل لي فقال إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر:
أنت للمالِ إذا أمْسَكته
فَإِذا أنْفَقته فالمال لك
والحديث فيه فوائد جمة: فهو دلالة واضحة على أن ما كان لعاجلة أمرك من الدنيا فهو الفاني والبالي, وما جعلته لله من الصدقة فهو ما أمضيته وأبقيته وجعلته أمامك ذخراً لك ساعة لقاء الله تعالى.
وفيه توجيه للمسلم في نهج التعامل مع ما اكتسبه من مال يخصه، فمهما حرص الشخص وتعامل بالمال، وجمع وأكثر، فليس له حقيقة إلا مأكل، ولبس فأبلى، وتصدق فأنفذ، وما سوى ذلك فإنه لا محالة تاركه. وفيه أن الصدقة ذخر لصاحبها وكنز له.
وفيه أن مال العبد في الحقيقة هو ما قدم لنفسه ليكون له ذخراً بعد موته، وليس ماله ما جمع فاقتسمه الورثة بعده. فأرباح الدنيا مهما بلغت لن ترحل معنا إلى القبور، وثروة الإنسان مهما زادت فهي إلى الورثة من بعده ثم إلى الأحفاد ثم إلى مالك الملك فهو الوارث الحقيقي للأرض ومن فيها ومن عليها: {إنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ}.
وأفضل ما يتصدق به المسلم هو الوقف الذي يستمر ثوابه، قال الله تعالى: {مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاق}. فالوقف صدقة ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها المسلم ويبذلها لوجه الله تعالى، وهو سنة مستحبة، مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها، وفي السنة المطهرة حث على الصدقة الجارية، والتي هي باب من أبواب الصدقة، بل أفضل تلك الأبواب.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 05-03-2024 09:08 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (19)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملاً, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .


والحديث التاسع عشر، بيان للأمة من رسولها الأمين صلى الله عليه وسلم أن المال الذي ينسب لك حقيقة هو ما قدمته ليكون ذخراً لك بعد موتك، وليس مالك ما جمعته فاقتسمه الورثة بعدك، فاعمل على أن تدخر لنفسك في دنياك لتجده أمامك في آخرتك.

الحديث التاسع عشر
الوقف هو المال الحقيقي
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال النبي
صلى الله عليه وسلم
: «أيُّكُمْ مالُ وارثِهِ أحبُّ إليهِ مِنْ مالِهِ؟» قالوا: يا رسولَ الله، ما منَّا أحدٌ إلا مالُهُ أحبُّ إليْهِ، قال: «فإنَّ مالَهُ مَا قدَّم ومَالُ وارثِه ما أخَّر». - في الحديث : «أيكم مال وارثه أحبُّ إليه من ماله؟»، سؤال طرحه النبي
صلى الله عليه وسلم
على الصحابة، فقالوا رضوان الله عليهم: «ما منا أحدٌ إلا ماله أحبُّ إليه»، فمال العبد في الحقيقة هو ما قدم لنفسه ليكون له ذخراً بعد موته، وليس ماله ما جمع فاقتسمه الورثة بعده، فالذي يخلفه الإنسان من المال وإن كان منسوباً إليه، فإنه بانتقاله إلى وارثه يكون منسوباً للوارث. النبي
صلى الله عليه وسلم
يسأل صحابته سؤالاً فيه تمهيد لما بعده، مع علمه أن كل إنسان ماله أحب إليه من مال وارثه، لكنه أراد أن يكون ذلك مدخلاً ليخبرهم بالمال الحق الذي ينفعهم. فكان جوابهم : «ما منا من أحد مال وارثه أحب إليه من ماله» فلما تقرر هذا منهم -بما النافية- بأفواههم، قال صلى الله عليه وسلم
: «فإن ماله - أي الحق – ما قدم ومال وارثه ما أخر».
وفي فتح الباري، «فإن ماله ما قدم»: أي هو الذي يضاف إليه في الحياة وبعد الموت، بخلاف المال الذي يخلفه، قال ابن بطال وغيره: فيه التحريض على تقديم ما يمكن تقديمه من المال في وجوه القربة والبر لينتفع به في الآخرة، فإن كل شيء يخلفه المورث يصير ملكاً للوارث، فإن عمل فيه بطاعة الله اختص بثواب ذلك وكان ذلك الذي تعب في جمعه ومنعه، وإن عمل فيه بمعصية الله فذاك أبعد لمالكه الأول من الانتفاع به إن سلم من تبعته، ولا يعارضه قوله
صلى الله عليه وسلم
لسعد : «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة»؛ لأن حديث سعد محمول على من تصدق بماله كله أو معظمه في مرضه وحديث ابن مسعود في حق من يتصدق في صحته وشحه». فما تدخره لمن بعدك فينتفع به فليس في الحقيقة يعد مالاً لك، وما قدمته بين يدي الله جل وعلا من الصدقات والأوقاف التي أردت بها وجه الله هو المال الحقيقي لك، فهو الذي ينفعك يوم القيامة.
وقد حرص النبي
صلى الله عليه وسلم
على غرس هذا الأمر وتقريره في نفوس صحابته رضوان الله عليهم، بإخبارهم بأن من مات وترك مالاً للورثة؛ لم ينتفع به بعد موته, إلا ما كان عنه صدقة أو صدقة جارية، فذلك هو مال العبد الحقيقي. ووعى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذلك جيداً، فزهدوا بالدنيا وأكثروا من الصدقة، فحياة العبد دار امتحانه وموضع سعيه، وبموته ينقطع عمله ويتوقـف كسبه؛ فلا ينقـص مـن حسناته ولا يزاد إلا بأعمال محددة جلاها الشارع وأوضحتها النصوص، ومن أجلِّ الأعمال التي تزيد الحسنات وأبرزها الصدقة الجارية الباقية بعد موت العبد سواء ما كان منها في سبيل نصرة الدين أم في تخفيف معاناة المعوزين أو غير ذلك من أبواب البر.
فلو لم يكن في الصدقة من فضل إلا هذا لكان فيه كفاية لمن عقل وأراد النجاة. فيا من إذا مات انقطع عمله، وفاته أمله، وحق ندمه، وتوالى همه، احرص على ما ينفعك، وأكثر صدقتك التي يجري أجرها لك بعد موتك؛ فإن ذلك قرض منك لك مدخر عند ربك.
وأفضل وسيلة لاستثمار الأموال هي الصدقة الجارية الباقية بعد أن توزع الأموال للورثة، وبعد أن ينقطع العمل بانقطاع الحياة، وهذه الوسائل والسبل سلكها من سبقونا فعادت عليهم الأرباح في الدنيا سكينة في النفس وطمأنينة في القلب وبركة في العمر والرزق والبدن والزوجة والولد، ورحمة ومحبة في قلوب الخلق، وعادت منافعها عليهم في الآخرة ثواباً موصولاً لا ينقطع، فانتفع بالوقف جميع الناس أحياءا وأمواتاً.
والوقف عمل ناجز في الحياة، تقر عين صاحبه به، وذلك أنه يباشره بنفسه ويرى آثاره الطيبة، وقد سئل النبي
صلى الله عليه وسلم
أي الصدقة أفضل فقال: «أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الروح الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان». وكم من وقف انتفعت به ألوف وملايين وأصحابها في التراب واراهم النسيان، ولكن أجورهم موصولة، وهذا هو باب الخير المفتوح بعد ممات الإنسان، قال تعالى: {وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون}. ومن مات ولم يوفق لهذه السنة من الخير سنة الوقف فمن بر الأبناء بآبائهم أن يسارعوا بالإحسان بعمل وقف لهم في حياتهم أو بعد مماتهم، فهذه زيادة في درجاتهم عند الله، وهو خير مدخر للولد عندما يصير أباً، فيسخر الله له من يقوم على بره وطاعته كما كان بارا ًبوالديه، والجزاء من جنس العمل، فالبر لا يبلى والإثم لا ينسى والديان لا يموت، فكن كما شئت كما تدين تدان.
كل مسجد يبنى من مال الوقف, وكل يتيم يترعرع ويعيش على مال الوقف, وكل مريض يعالج، وكل مسن يراعى في دار للمسنين، والأرامل التي ينفق عليها من مال الوقف، وكذلك كل معاق يعال من مال الوقف، وكل طالب علم يدرس من مال الوقف فإن الأجر والثواب يكتب للواقف وكذلك الذين دلوا على الخير وأرشدوا إليه أو ساعدوا فيه، فما أعظم هذا الجزاء الذي يسهل من أجله العطاء.
وحقاً ما قال الشاعر:
قد مات قومٌ وما ماتت مَكارِمُهُمْ
وعاش قومٌ وهمْ في الناس أمواتُ
والوقف منه الخيري، أو الأهلي أي الذُرِّي، أو المشترك :
- أما الوقف الخيري: فهو ما يصرف منه الريع من أول الأمر إلى جهة خيرية، كالفقراء والمساجد والمدارس والمستشفيات ونحوها.
- والوقف الأهلي أو الذُرّي: ما جعلت فيه المنفعة للأفراد، أما على الواقف نفسه، أو أقاربه، أو شخص معين.
- وهناك نوع ثالث سمي بالوقف المشترك: وهو ما يجمع بين الوقف الأهلي والخيري؛ يوقفه الواقف على جهة خيرية وعلى الأفراد، أو أن يكون لأقاربه بداية ثم لأبواب الخير من بعدهم.
وتقسيم الوقف وتسميته بالأهلي والخيري لم يكن موجوداً في العصور الأولى للإسلام، بل كانت الأوقاف معروفة بالصدقات، ولذلك كان يقال: (هذه صدقة فلان)، وكتب أوقاف الصحابة كلها عبرت عن الوقف بالتصدق: فتصدق بها عمر على كذا وكذا، وتصدق أبوبكر بداره بمكة على ولده، وكثير من هذه التعبيرات.
وبالرغم من عدم وجود تقسيم للوقف وتسميته بالأهلي أو الخيري، إلا أنه كان موجوداً بنوعيه منذ أن عرف الوقف في الإسلام، بل إن وقف عمر الذي يعد أساساً لما جاء بعده من أوقاف، كان موزعاً بين جهات البر وذوي القربى. وحقيقة الأمر أن الوقف سواء كان على الأهل، أو على سائر جهات البر، فيه معنى الخير، والإحسان، والصدقة.
- والحديث فيه فوائد جمة: فيه حكمة عظيمة ممن أوتي جوامع الكلم
صلى الله عليه وسلم
، فمالك الذي تقدمه لله عز وجل تجده أمامك يوم القيامة، ومال الوارث ما يبقى بعدك من الذي ينتفع به ويأكله هو الوارث، فهو مال وارثك على الحقيقة. وفيه أن الصدقة، والوقف على وجه الخصوص خير استثمار وإن فنيت الأعمار. وفيه تنوع خطاب النبي
صلى الله عليه وسلم
للصحابة بسؤالهم، ولفت أنظارهم، حتى لا يصيب السامعين السآمة والملل. وفيه حسن خلق النبي بإنصاته للصحابة، وسماع جوابهم، وهذا من الأخلاق الكريمة التي ربى عليها رسولنا الكريم صحابته الكرام رضوان الله عليهم، بأن يتواصل معهم يُسمعهم ويَسمعهم.
وفيه الحث على بذل المال حسب ما شرع الله عز وجل، وفيه الحث على العمل أن تدخر لنفسك في دنياك لتجده أمامك في آخرتك.
فما دام مالك أحب إليك من مال ورثتك، فأنفق مالك فيما يرضي الله، وإذا أنفقت؛ فإن الله يخلفه؛ قال تعالى: {إنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ}، قال أهل العلم: «ومن آثارهم الوقف بعد مماتهم». أن من آثار الموتى التي تكتب لهم ويؤجرون عليها الوقف فدل على مشروعية الوقف.ومعناه: «أن الله يكتب أعمال العباد التي باشروها في حياتهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فيجزيهم على ذلك إن خيراً فخير، وإن شراً فشر».
- ولأبي السعود كلام جلي يقول فيه: « ونكتب ما قدموا أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وآثارهم التي أبقوها من الحسنات كعلم علَّموه، أو كتاب ألَّفوه، أو حبيس وقَفُوه، أو بناء بنوه من المساجد والرباطات والقناطر وغير ذلك من وجوه البر، ومن السيئات كتأسيس قوانين الظلم والعدوان، وترتيب مبادئ الشر والفساد فيما بين العباد، وغير ذلك من فنون الشر التي أحدثوها وسنوها لمن بعدهم من المفسدين».
فالمال غاد ورائح، وما هو إلا وسيلة للإنفاق والبذل، وكم من وقف انتفعت به ألوف وملايين وأصحابها في التراب واراهم النسيان، ولكن أجورهم موصولة، وهذا هو باب الخير المفتوح بعد ممات الإنسان.


اعداد: عيسى القدومي






ابوالوليد المسلم 05-03-2024 09:28 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med.../images/20.jpg


الأربعون الوقفية (20)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث العشرون :
فضل الوقف في سبيل الله
عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري رضي الله عنه قال: جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لك بها يوم القيامة سبعمئة ناقة كلها مخطومة».
الوقف في سبيل الله من أفضل وجوه الإنفاق، وأعظمها أجراً، وأعمها فائدة، وأدومها نفعاً، وأبقاها أثراً، وقد بين نبينا صلى الله عليه وسلم فضل الإنفاق والتصدق في سبيل الله، وثماره وآثاره، ومضاعفة الأجر لصاحبه.
ففي الحديث أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، بناقة فيها خطام، فقال: «هذه في سبيل الله» أي صدقة في سبيل الله تعالى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :» لك بها، يوم القيامة سبعمئة ناقة كلها مخطومة».
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: معنى «مخطومة» أي: فيها خطام، وهو قريب من الزمام، قيل: يحتمل أن المراد له أجر سبعمائة ناقة، ويحتمل أن يكون على ظاهره، ويكون له في الجنة بها سبعمئة كل واحدة منهن مخطومة يركبهن حيث شاء للتنزه، كما جاء في خيل الجنة ونجبها، وهذا الاحتمال أظهر.
وقد وردت في السنة أحاديث بمضاعفة الحسنة إلى سبعمئة ضعف؛ فعن عياض ابن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده من شكوى أصابته – وامرأته تحيفة قاعدة عند رأسه – قلنا: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله لقد بات بأجر، قال أبو عبيدة: ما بت بأجر، وكان مقبلا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، وقال: ألا تسألوني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه! قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضا أو ما زاد أذى، فالحسنة بعشرة أمثالها، والصوم جنة ما لم يخرقها، ومن ابتلاه الله، عز وجل ببلاء في جسده فهو له حطة».
واستدل العلماء من الحديث على أن الناقة من دواب الجنة، ومن وسائل التنقل فيها. وكذلك الخيل لحديث النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا دخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوتة له جناحان فحملت عليه ثم طار بك حيث شئت في الجنة». وفي الجنة من الطيور والدواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، قال تعالى فيما يناله أهل الجنة من النعيم: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّما يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ}.
وفي فضل الفرس التي حبست في سبيل الله تعالى، قال القرطبي: «حكي عن عبد الله بن المبارك: خرج إلى غزو فرأى رجلا حزينا قد مات فرسه فبقي محزونا فقال له: بعني إياه بأربعمئة درهم، ففعل الرجل ذلك أي باعه له، فرأى من ليلته في المنام كأن القيامة قد قامت وفرسه في الجنة وخلفه سبعمائة فرس، فأراد أن يأخذه، فنودي أن دعه فإنه لابن المبارك وقد كان لك بالأمس، فلما أصبح جاء إليه وطلب الإقالة فقال له: ولم؟ قال : فقص عليه القصة فقال له: اذهب فما رأيته في المنام رأيناه في اليقظة».
وقد تنوعت عبارات السلف في بيان معنى في سبيل الله ، فقال سعيد بن جبير: «يعني في طاعة الله»، وقال مكحول: «يعني به الإنفاق في الجهاد من رباط الخيل وإعداد السلاح وغير ذلك»، وقال ابن عباس: «الجهاد والحج يضعف الدرهم فيهما إلى سبعمئة ضعف». وقال بعض أهل العلم بأن «في سبيل الله» تعم جميع الإنفاق في وجوه الخير، ومن أعظمها الجهاد.
وفي وقف الخيل وأشباهه من الحيوانات، يقول ابن قدامة في المغني: «الذي يجوز وقفه هو ما جاز الانتفاع به مع بقاء عينه، وكان أصلاً يبقى بقاء متصلاً، كالعقار، والحيوانات، والسلاح والأثاث، وأشباه ذلك..والفرس الحبيس إذا عطب فلم ينتفع به في الجهاد، جاز بيعه، وصرف ثمنه في مثله، ولم يجز إنفاقها على الفَرَس؛ لأنه صرف لها إلى غير جهتها».
وفي الحديث فوائد: ففيه فضيلة الوقف والإنفاق في سبيل الله، وفيه جواز وقف المنقول كالحيوان وغيره، وفيه الحث والترغيب في الإنفاق في سبيل الله، وفيه أن ثواب الله وفضله أكثر من عمل العامل؛ لأنه لو عُومل العامل بالعدل لكانت الحسنة بمثلها؛ لكن الله يعامله بالفضل، والزيادة؛ فتكون الناقة الواحدة بسبعمائة ناقة؛ بل أزيد؛ لقوله تعالى: {وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيم}.
وفيه بيان لفضل الله تعالى على عباده، ومعاملته لعباده بالفضل والزيادة، فأجر الناقة الواحدة التي جعلت في سبيل الله بسبعمائة ناقة يوم القيامة، فللصدقة ثمرات يجنيها المتصدق، في مقدمتها أن الله يضاعف أجرها إلى سبعمئة ضعف يوم القيامة، بل تكون سبباً في دخول الجنة.
وفيه الإشارة إلى الإخلاص لله في العمل، وموافقة الشرع في ذلك؛ وذلك لقول الرجل «في سبيل الله»، وفيه اتساع مجالات الإنفاق في سبيل الله، وتنوع مصارفه، وتعدد أوجه البر والإحسان فيه، مما يجعله من أولى ما يتسابق إليه المحسنون، وأهم ما يتنافس فيه المتنافسون .
والوقف في سبيل الله خيرٌ يقدمه المسلم في حياته لأخراه، قال تعالى: {وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}، والوقف في سبيل الله يدفع الله عز وجل به عن العبد البلاء، حتى كان بعضُ العلماء يوصي إخوانه إذا أصابتهم الشدائد والملمات، أن يكثروا من الصدقات الجارية حتى يعافيهم الله عز وجل.
وكل صدقة جارية هي في أصلها صدقة، بل من أفضل الصدقات لأن نفعها يدوم ومن ثمراتها: أنها تدخل الجنة من باب الصدقة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «ومن كان من أهلِ الصَّدقةِ دُعِي من بابِ الصَّدقةِ». ووجه سؤال للشيخ صالح بن عثيمين- رحمه الله – مفاده: هل أن الصدقة الجارية، أفضل الصدقات؟ فأجاب: «فضلها بسبب دوامهما، لكن قد تعرض بعض الأحوال تجعل غيرها أفضل منها، كوقت المسغبة» .
وكان صلى الله عليه وسلم سباقا إلى الصدقة؛ قال ابن القيم: كان صلى الله عليه وسلم أعظم الناس صدقة بما ملكت يده، وكان لا يستكثر شيئاً أعطاه لله تعالى ولا يستقله، وكان لا يسأله أحد شيئاً عنده إلا أعطاه، قليلاً كان أو كثيرا، وكان عطاؤه عطاء من لا يخاف الفقر، وكان العطاء والصدقة أحب شيء إليه، وكان سروره وفرحه بما يعطيه أعظم من سرور الآخذ بما يأخذه، وكان أجود الناس بالخير، يمينه كالريح المرسلة».
وعلى هذا النهج القويم سار التابعون ومن بعدهم عبر العصور الإسلامية المتعاقبة فتوسعت الأوقاف، وشملت بنفعها كثيراً من المرافق الخيرية، والاجتماعية، والعلمية، وأسهمت إسهاما كبيراً في خدمة المجتمع الإسلامي، والنهوض برقيه وتقدمه.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 05-03-2024 09:53 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med.../images/21.jpg


الأربعون الوقفية (21)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية - فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث الحادي والعشرون:
انتفاع الواقف بوقفه
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يسوقُ بَدَنَةً فقال له: «اركبها» قال: يا رسول الله إنها بَدَنَةٌ، قال: «اركبها ويلك» في الثانية أو في الثالثة».
- بوّب البخاري لهذا الحديث: باب هل ينتفع الواقف بوقفه؟ والذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم «‏رأى رجلا يسُوق بَدَنَة»: أَيْ نَاقَة‏، في يوم شديد الحر، ‏ ‏فقال له ‏النبي صلى الله عليه وسلم رفقاً به وشفقة عليه، ‏اركبها . ‏فأجاب «إِنَّهَا بَدَنَة»: أَيْ هَدْي ظَنًّا أَنَّهُ لَا يَجُوز رُكُوب الْهَدْي مُطلقًا؛ ‏فقال: «اركبها» - مغلظاً له الخطاب - «ويلك» في الثانية ‏‏أو في الثالثة. ووَيْلَكَ: كلمة تقال عند التحذير من شيء معين.
- قال في الفتح: «الظاهر أن الرجل ظن أنه خفي كونها هديا فلذلك قال إنها بدنة، والحق أنه لم يخف ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم لكونها كانت مقلدة؛ ولهذا قال له لما زاد في مراجعته: «ويلك»، واستدل به على جواز ركوب الهدي سواء كان واجبا أم متطوعا به، لكونه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل صاحب الهدي عن ذلك فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك».
وقد امتثل الصحابي لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وركبها بعد أن تباطأ في الطاعة ظناً منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعرف أنها بدنة، جاء ذلك في رواية أخرى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه : «أن نبِي اللَّه صلى الله عليه وسلم رأى رجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً, فقال: اركبها، قال: إنها بدنةٌ، قال: اركبهَا، فرأيتُهُ رَاكِبَهَا, يُسَايِرُ النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها».وهذا من رفقه صلى الله عليه وسلم على صحابته لأنه كان محتاجا لركوبها، وقد وقع في تعب وجهد.
وسبب تسمية البُدْن بهذا الاسم، قال الإمام البخاري: قال مُجاهد: سُميتْ البدنَ لِبدنِهَا، وقال النووي: قال أَهْل اللغة: سُميت الْبَدَنَة لعظمها، ويطلق على الذكر والأنثى، ويطلق على الإبل والبقر والغنم، هذا قول أكثر أهل اللُّغة، ولكن معظم استعمالهَا في الأحاديث وكُتب الفقه، في الإبل خاصة.
وفي حُكم ركوب البُدن الْمُهْدَاة: قال أبو الزبير: سألت جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اركبها بالمعروف حتى تَجِد ظَهْرًا. رواه مسلم.
قال ابن بطال: من جعل بدنة أو شيئاً لله، فله أن ينتفع به كما ينتفع غيره، وإن لم يشترطه، وقال ابن قدامة: وله ركوبه عند الحاجة على وَجه لا يَضرّ بِه. قال أحمد: لا يَركبه إلاّ عند الضرورة ، وهو قول الشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي.
- قال العلماء: إن كلمة ويلك أو ويحك مما تجري على اللسان بدون نية الشتم و اللعن كـ «ثكلتك أمك» و«تربت يداك»، ويقصد بها التوبيخ والإغلاظ أو التنبيه لا حقيقة الشتم و اللعن. قال القرطبي: قالها له تأديبا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه، فهي كلمة تجري على اللسان, وتستعمل من غير قصد إلى ما وضعت له، وتستعمل للتغليظ على المخاطب، بدون قصد معناها، وإنما تجري على ألسنة العرب في الخطاب، لمن وقع في مصيبة فغضب عليه.
ومن هذا الحديث وغيره استدل العلماء على جواز انتفاع الواقف بوقفه، مثل ما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه في وقفه بئراً في المدينة المنورة؛ حيث أوقفها على المسلمين وجعل دلوه كإحدى دلاء المسلمين، ووقف أنس دارا له في المدينة فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره؛ فمن وقف مسجداً يكون هو وأولاده من جملة المصلين، ولمن وقف معهداً أو مدرسة تحفيظ للقرآن الكريم فيكون أولاده من جملة الدارسين من الطلبة.
- فوائد من الحديث: فيه جواز ركوب البدنة والانتفاع بها، وأُخذ منه جواز أن ينتفع الواقف من وقفه، وفيه تكرار الفتوى حيث كرر له النبي أمره بجواز ركوب الناقة، وإن كانت هدياً.
وفيه رحمة النبي صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته، وفيه أن المشقة تتطلب التيسير، وفيه جواز الشِّدّة في الإنكار، ولاسيما إذا لم يجدِ الرفق شيئا، وفيه الندب إلى المبادرة إلى امتثال الأمر، وزجر من لم يبادر إلى ذلك وتوبيخه.
وفيه أن ويلك كلمة من كلمات الزجر، تجري على اللسان من غير قصد وقد استعملها النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه جواز استخدام الكلمات التي فيها زجر لمن لم يمتثل لما فيه مصلحته وتخفيف الأمر عليه .
وفيه أنه يجوز للآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، وكل مؤدب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر كلمات لغرض التأديب والزجر، وليكون الكلام أوقع في النفس.
نحمد الله تعالى أن جعلنا من أتباع هذا الدين العظيم، الذي اتّسم بصفات وانفرد بخصائص، منها: شموله وكماله وربانيته، وأنّه يُصلح كل زمان ومكان، ونظام الوقف من أنظمة إصلاح البلاد والعباد، فهو تشريع رباني ونظام إسلامي، شرع لتخفيف المشقة وتوفير الاحتياجات المتعددة، فهو نظام يمتاز بالشمولية والاتساع والمرونة، ومن يتصفح ويطالع ما كتبه الأئمة من فقهائنا رحمهم الله تعالى حول الوقف وأحكامه وغاياته يرى الأبواب المتعددة والمسائل المتنوعة التي تعدت حاجة الإنسان إلى حاجة الشجر والبيئة والحيوان.
كما اهتم ودأب العلماء والفقهاء على العمل من أجل تعزيز دور نظام الأوقاف في تحقيق مقاصد شريعة الإسلام؛ لأنّ الوقف باقٍ أصله ودائمةٌ منفعته، وآثاره الحميدة في جلب الخير والمنفعة للمجتمع تتحقق فور الانتهاء من وقف عين للصرف من ريعها أو الاستفادة منها، وهذه المنفعة ليست قاصرةً على الفقراء وحدهم، بل تتعدّى ذلك إلى أهدافٍ اجتماعيةٍ واسعةٍ، وأغراضٍ خيّرةٍ شاملةٍ.
ولم يقتصر أداء نظام الوقف في الإسلام على المسلم وحده، بل توجد أوقاف عامة تشمل المسلم وغيره، كما وجدت أوقاف خصصت للإنفاق على غير المسلمين، وإصلاح معاشهم وإعانتهم، وتأليف قلوبهم ودعوتهم. وقد يشمل الوقف في مصارفه المسلمين غالبًا، لكنه لا يمتنع من الصرف على غيرهم إن كان الوقف عامًا، أو يدخلون فيه أحيانًا بحكم الضرورة، أو لخلطتهم بالمسلمين في بلادهم ودُورهم فلا يميزون عنهم إلاّ إذا نص الواقف أو الحابس على ذلك واشترطه؛ كمن سبّل أو أوقف بئرًا للعامة، ولم يشترط أو ينصّ على أن يكون للمسلمين فقط؛ فإنّ هذا الخير يعمّ كل إنسان أو حيوان، وهكذا.
والوقف حقق البناء الإسلامي للمجتمع المسلم، ذلك البناء الذي جعل هذه الأمة سعيدة في داخلها, مرهوبة من أعدائها, وجعل الإنسان المسلم لا يحمل في نفسه إلا الخير والرحمة والسمو الإنساني والحضاري، كريم النفس, معطاء الفضل, لا يعرف الغدر ولا الخيانة ولا البطش والظلم.
ونظام الوقف ذو غاية عظيمة، ومقاصد نبيلة، وفي مقدمتها الرحمة في تشريعه ومقاصده ومصارفه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحهم الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، فقد راعى نظام الوقف ومقاصده ومصارفه الرحمة بالخلق؛ لرفع أو دفع حاجتهم، وإعانتهم في حياتهم الدينية والدنيوية.حيث أجازت شريعة الإسلام الوقف على الفقير والغنيّ، والقريب والغريب، كما أجازته على أهل الذمّة الذين يعيشون داخل المجتمع الإسلامي بشروطٍ وضوابطَ حدّدها فقهاء المسلمين، وأبقت الباب مفتوحاً أمام الناس أن يُوقفوا من أموالهم وثرواتهم جزءاً منها ليُنفق في وجوه الخير والبرّ والإحسان، وبما يحققّ منفعة الناس التي هدفت الشريعة إلى إصلاحهم وحرصت على تحقيق مصالحهم.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 06-03-2024 07:51 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med.../images/22.jpg


الأربعون الوقفية (22)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلت، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها، أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث الثاني والعشرون:
وقف المنقول من الخيل والإبل
- عن ابن عباس قال: أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج، فقالت امرأة لزوجها: أحِجَّنِي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال: ما عندي ما أحجك عليه، قالت أحِجَّنِي على جملك فلان، قال: ذاك حبيس في سبيل الله عز وجل، فأتى رسول الله[ فقال: إن امرأتي تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وإنها سألتني الحج معك، قالت: أحجني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت: ما عندي ما أحجك عليه، فقالت: أحجني على جملك فلان، فقلت: ذاك حبيس في سبيل الله، فقال: «أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله».
إن الوقف نظام إسلامي فيه من المقاصد والأبعاد والغايات والمرونة ما يحقق الغاية التي شرع لها، وتطبيقاته حققت نجاحات على مر العصور. فهو صدقة جارية يعم خيرها ويكثر نفعها، وسبب من أسباب سد حاجات المسلمين، وإعانتهم على أمور دينهم ودنياهم، وصفحات التاريخ حافلة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم بأخبار الوقف وامتثال صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر النبي لإعمار الأرض في حياتهم، وللأجر المستمر بعد مماتهم، كانوا بذلك قدوة للأمة على مر العصور قولاً وفعلاً، وأضحى الوقف سلوكاً جماعياً واعياً ارتضاه المسلمون رغبة في خيري الدنيا والآخرة، مما أبهر العالم أجمع بهذا العطاء.
وفي الحديث، الرجل هو أبو طليق، قالت له امرأته عندما علمت أن رسول الله سيحج، «أحِجَّنِي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم »؛ فأجابها أن ليس لديه ما يحجها عليه، قالت: أحِجَّنِي على جملك فلان، أي أعطني جملك لأحج عليه، قال: جملي حبيس في سبيل الله، أي وقف لله تعالى للغزو والجهاد، فأتي النبي[ وأخبره ما دار بينه وبين زوجته في شأن الحج على جمله الذي أوقفه في سبيل الله، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم : «أما إنك لو أحججتها عليه كان في سبيل الله».
- وقوله: «ذاك حبيس في سبيل الله»، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له، دليل على أنه يجوز وقف المنقول كالحيوان وغيره، قال الخطابي: «فيه من الفقه جواز إحباس الحيوان، وفيه أنه جعل الحج من السبيل».
- ويقول الإمام الشوكاني: «فيه دليل على أنه يجوز وقف الحيوان»، والحيوان من المملوك المنقول الذي تبقى عينه بعد الانتفاع به غالباً، ولو لم يجز وقفه لما رتب عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الأجر العظيم، ولأنه يحصل فيه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فصح وقفه كالعقار، والفرس الحبيس، ولأنه يصح وقفه تبعاً لغيره، فصح وقفه منفرداً كالعقار.
والحديث فيه دلالة على أن الحج من سبيل الله، وأن من جعل شيئا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج، وإذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج عليه، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال في (الاختيارات العلمية): «ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير، أعطي ما يحج به، وهو إحدى الروايتين عن أحمد»، وقد رواه أبو عبيد في (الأموال) عن ابن عمر أنه سئل عن امرأة أوصت بثلاثين درهما في سبيل الله، فقيل له: أتجعل في الحج؟ فقال: أما إنه في سبيل الله. وإسناده صحيح كما قال الحافظ في «الفتح». ورواه أبو عبيد بسند صحيح. انتهى كلام الألباني من كتاب «تمام المنة».
والعلماء أجازوا أن يأكل الواقف من غلة وقفه بالمعروف كالناظر المعين تماماً، إن كان الواقف ناظراً على وقفه، وله أيضاً أن يستخدم ما وقفه من دابة، وما شابهها مثل السيارة وأنه لا حرج في ذلك.
وفي اتخاذ الإبل من مال الله ليحج بها الناس، قال الإمام مالك: بلغني أن عمر ابن الخطاب اتخذ إبلاً من مال الله يعطيها للناس، يحجون عليها، فإذا رجعوا ردوها إليه. قال محمد بن رشد: هذا من النظر الصحيح في مال الله؛ لأن أولى ما صرف فيه مال الله ما يستعان به على أداء فرائض الله، فينبغي للأئمة أن يأنسوا في ذلك بفعله.
فوائد من الحديث
فيه صحة وقف المنقول من الخيل والإبل والمعدات الحربية، وفيه من وقف شيئًا على صنف من الناس وزوجه منهم دخل فيه، فإذا وقف على طلاب العلم وولده منهم دخل فيهم واستحق العطاء أيضًا وهكذا، وفيه جواز استفادة الواقف من وقفه عند الحاجة، وفيه أن من مصارف الوقف إعانة الحجيج على أداء شعائرهم.
وفيه حرص الصحابة الكرام أن يكون عملهم موافقا للشرع، فكانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم بما يشكل عليهم ويمتثلوا لأمره صلى الله عليه وسلم .
وفيه أن الإبل من الدواب التي كان العرب يجاهدون عليها، وفيه مشروعية إرسال السلام إلى الغائب، وعليه العمل عند المسلمين.
والجهاد في سبيل الله تعالى من أفضل الأعمال والقربات التي حث عليها الإسلام. وذهب الفقهاء إلى أن الأوقاف التي تكون في الثغور البرية والبحرية، ولم يحدد لها واقفها مصرفا معينا، تكون مخصصة للجهاد.
ولا شك أن الرباطات الكثيرة التي كانت تنتشر على ثغور البلاد الإسلامية في القديم كانت تعتمد على الأوقاف، وكان الرباط مؤسسة تجمع بين وظائف التربية الدينية وإعداد المجاهدين وإعداد العدة اللازمة من سلاح وطعام، وكانت تلحق بها أجنحة لصناعة الأسلحة، والأوقاف هي المورد الدائم للنفقات الضرورية لكل هذه الوظائف.
فالأوقاف كانت الحجر الأساس الذي قامت عليه الكثير من المؤسسات الخيرية والتطوعية والإنتاجية والتعليمة والصحية والتنموية، وقد نشأت بأموال الأوقاف مؤسسات خاصة بالمرابطين في سبيل الله حيث توقف الخيول والسيوف والنبال وأدوات الجهاد، حتى إن الغربيين كانوا يفدون في أيام الهدنة لشراء السلاح؛ مما حدا بالعلماء في وقتها للإفتاء بتحريم بيع السلاح لأعداء الإسلام.
وبهذا النظام قاومت الأمة الإسلامية أعداءها على مر العصور، وصدت جيوش الاستعمار في العصر الحديث، ولم ينجح المستعمر في اختراق حدودها إلا بعد أن ضعفت مؤسسة الوقف وتقلص دورها في حياة المسلمين. وهذا لا يعني أن الجيوش الإسلامية لم تكن كغيرها تنهزم، ولكن هزيمتها لا تعني انهزام الأمة كلها؛ فقد كانت الأمة بمؤسساتها الوقفية والمجتمعية والتنموية تقاوم المعتدي وترده على أعقابه، ولم تنهزم الأمة قط هزيمة مدمرة إلا بعد أن تقلص دور الأمة لحساب سلطة الدولة الحديثة، حقاً لقد تراجعت الأمة وفقدت مؤسساتها الوقفية التي مولت صناعة الحضارة الإسلامية.
نظام أثبت نجاحه على مر العهود، وآثاره وإنجازاته شاهدة على ذلك النجاح؛ ولهذا تكالب جهد العلماء والفقهاء، وجهد الخلفاء والأمراء، وجهد الخيرين والواقفين، وجهد عامة الأمة، في إيجاد الأوقاف وإنشائها، ورعايتها وحمايتها، ونمائها وديمومتها.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 06-03-2024 08:01 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...images/-23.jpg


الأربعون الوقفية (23)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث الثالث والعشرون:
أوقاف النبي محمد صلى الله عليه وسلم
عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان، قال: «كان فيما احتج به عمر أنه قال: كانت لرسول الله[ ثلاثُ صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله[ ثلاثة أجزاء،جزأين بين المسلمين وجزءا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين».
‏ الوقف نظام إسلامي عملي، ونشأ هذا النظام أصلا من الصدقات الجارية المستمر عطاؤها، والمرجو دوام نفعها، وحديث مالك بن أوس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، دلالة على مشروعية الوقف، واعتماد النبي محمد صلى الله عليه وسلم هذا النظام بوصفه نهجاً، حيث اختار أن تكون الأموال التي بإمرته وقفاً لله تعالى، يبقى أصلها ويدوم نفعها.
‏ والحديث مفاده أن مما استدل به عمر رضي الله عنه على أن الفيء لا يقسم، وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا عليه ذلك القول، حينما كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث صفايا، والصفايا جمع صفية، وهي ما يصطفى ويختار. وأوضح المعنى الخطّابي بالآتي»: الصفي ما يصطفيه الإمام عن عرض الغنيمة من شيء قبل أن يقسم من عبد، أو جارية، أو فرس، أو سيف، أو غيرها», أي اختار صلى الله عليه وسلم لنفسه هذه المواضع الثلاثة: بنو النضير، وخيبر، وفدك.
‏ و(بنو النضير)‏: قبيلة من قبائل اليهود كانت تسكن في المدينة المنورة، تجرؤوا بعد معركة أحد، فأظهروا العداوة والغدر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين، وشاركوا المنافقين والمشركين بمؤامراتهم ضد رسالة دولة الإسلام ، ووصل بهم الغدر أن تآمروا على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونزل جبريل من عند رب العالمين على رسوله ليعلمه بما هموا به، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا من المدينة، ولا يساكنوهم فيها، وحاصرهم لأيام حتى استسلموا وخرجوا منها وكان ذلك في السنة الرابعة للهجرة. وكانت أموال وديار بني النضير خالصة لرسول الله[ يضعها حيث يشاء، ولم يخمسها لأن الله أفاءها عليه.
و(خيبر): مدينة تقع شمال المدينة المنورة، وهي منذ أقدم العصور ولا تزال واحة واسعة خصبة معطاء وذات عيون ومياه غزيرة، ومن أكبر واحات النخيل في جزيرة العرب. كانت سكنى اليهود، فتحها النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في السنة السابعة للهجرة، بعد أن أضحت منطلق المكائد على المسلمين وإقامة الأحلاف العسكرية مع أعداء الإسلام. وقسم النبي صلى الله عليه وسلم أرض خيبر ثلاثة أجزاء .
وأما (فدك): فهي قرية تقع في أطراف الحجاز قرب مدينة خيبر في شبه الجزيرة العربية، وقد قذف الله الرعب في قلوب ساكنيها من اليهود بعد فتح خيبر، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصالحوه على النصف من فدك، بمثل ما صالح أهل خيبر، فقبل منهم ذلك فكانت فدك لرسول الله خالصة؛ لأنه لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب.
وكان صلى الله عليه وسلم مخصوصا بذلك مع الخُمس له خاصة وليس ذلك لواحد من الأئمة بعده، قالت عائشة رضي اللَّه عنها «كَانَتْ صَفِيَّة مِنْ الصَّفِيّ»، أي: من صَفِيّ المغنم‏.
فأما أموال بني النضير الحاصلة من عقارهم فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم حبساً، أي موقوفة.
لنوائبه)، أي: لحوائجه وحوادثه من الضيفان والرسل وغير ذلك من السلاح والكراع، قال الطيبي: هي جمع نائبة وهي ما ينوب الإنسان، أي: ينزل به من المهمات والحوائج، فكانت أموال بني النضير خالصة لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وكان يزرع تحت النخل في أرضهم فيدخل من ذلك قوت أهله وأزواجه سنة، وما فضل جعله في الكراع والسلاح.
(وأما فدك فكانت حبسا لأبناء السبيل) أي يصرف ما يأتيه منها إلى أبناء السبيل، وقيل: يحتمل أن يكون معناه أنها كانت موقوفة لأبناء السبيل، أو معدة لوقت حاجتهم إليها وقفاً شرعياً.
(وأما خيبر فجزأها): أي قسمها وجعلها (رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء: جزأين بين المسلمين, وجزءا نفقة لأهله): في شرح السنة: إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأن خيبر كانت لها قرى كثيرة فتح بعضها عنوة، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم منها خمس الخمس، وفتح بعضها صلحا من غير قتال وإيجاف خيل وركاب، فكان فيئا خالصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه حيث أراه الله تعالى من حاجته ونوائبه ومصالح المسلمين, فاقتضت القسمة والتعديل أن يكون الجمع بينه وبين الجيش أثلاثا.
فوائد من الحديث : الوقف والحبس بمعنى واحد, وتسمى الأوقاف أحباساً، والقول: وقفت الشيء وقفاً أي حبسته، وسمي وقفاً لأن العين موقوفة، وحبساً لأن العين محبوسة. وباب الوقف في بعض كتب الفقه، يسمى باب الحبس أو الأحباس، وفي بعض الدول العربية يطلق على وزارة الأوقاف، مسمى : وزارة الأحباس والشؤون الإسلامية.
وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد بادر بالوقف، وجعل مصارفه فيما يُصلح الدنيا، وحينما كان يحث صحابته على فعل الخير فإنه كان يسبقهم بالفعل والعمل.
وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قدوة لصحابته، في تلمس حاجة ابن السبيل، وقد أسهمت هذه السنة، وهي الوقف لابن السبيل في العهود الإسلامية على تيسير طلب العلم والتنقل بين المدن والقرى، وأسهمت في نشر العلم الشرعي، وتسهيل السفر لطلبته إلى مراكز الحضارة ووجود العلماء.
وقيل: لولا هذه الموقوفات التي خصصت بأعيانها أو ريعها لابن السبيل لتعسر التنقل والسفر، ولما رأينا كتب الحديث والفقه، وكذلك كتب الرحالة، حيث عرفت في الكثير من المدن والقرى أوقاف سميت بـ: أوقاف الضيافة، جعل إنفاق ريعها في تقديم الضيافة للضيف الذي يحل على المدينة أو القرية من خارجها.
فالنبي صلى الله عليه وسلم كان من أجود الناس في بذل الخير والصدقة، وقد أفرد أصحاب كتب السير أبواباً خاصة في بيان صدقاته وإنفاقه في الخير, ورجح الكثير من أهل العلم أن أول صدقة جارية (وقف) في الإسلام هي صدقة الرسول صلى الله عليه وسلم ، قال الحافظ في الفتح: وفي مغازي الواقدي إن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مخيريق التي أوصى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوقفها النبي صلى الله عليه وسلم .
ولهذا كان الإقبال والحرص الشديدان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقف أنفس ما يملكون، فحبيبهم محمد صلى الله عليه وسلم قد بادر بنفسه إلى تطبيق هذا النظام الرباني، وأوقافه معروفة مشهورة في عهده, وحثهم على الوقف والحبس لله تعالى، فبادروا وتنافسوا بالخير، وأبدعوا في رعاية أوقافهم، وأنابوا عليها من يُحسن حمايتها وديمومتها، فالخير في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لا ولن ينقطع، فهو موصول في الأمة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 06-03-2024 08:29 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (24)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.

الحديث الرابع والعشرون :
الوقف تجارة رابحة
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : «لما نزلت {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، قال أبوالدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله عز وجل ليريد منا القرض قال : «نعم يا أبا الدحداح» قال أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي عز وجل حائطي - قال ابن مسعود - وحائط له فيه ستمئة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها قال: فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي عز وجل».
وفي رواية أخرى عن زيد بن أسلم قال: «لما نزلت: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}، جاء أبو الدحداح الأنصاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، ألا أرى ربنا يستقرضنا؟ إنما أعطانا لأنفسنا! وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية، والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة، قال: فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كم من عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة».
وأبو الدحداح رضي الله عنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذين سارعوا إلى البذل والإنفاق في سبيل الله تعالى، بعد ما علموا أن ما عندهم ينفد وما عند الله باق، وتيقنوا أن من في الدنيا ضيف، وما في يده عارية والضيف مرتحل والعارية مؤداة، فكان مثالاً يحتذى في التضحية والفداء، عرف بين الصحابة بصاحب التجارة الرابحة.
لما نزلت هذه الآية والتي فيها الحث على الصدقة وإنفاق المال في سبيل الله ونصرة الدين، وعلى الفقراء والمحتاجين والتوسعة عليهم، بادر أبو الدحداح رضي الله عنه إلى التصدق ببستانه ابتغاء ثواب ربه، وهو على يقين بأن ذلك لا يضيع عند الله تعالى، بل يردّ الثواب مضاعفاً إلى سبعمئة ضعف وأكثر، وتكون تلك الصدقة مفتاحاً للجنة.
لقد عرف المسلمون معنى الآية، ووثقوا بثواب الله ووعده، فبادروا إلى الصدقات، لقد كان لأبي الدحداح بستانان مثمران، وقد جعل خيرهما صدقة لله تعالى، فجاء إلى أفضل بستان يملكه واسمه الجنينة، وطلب من أم الدحداح أن تخرج منه، فقد جعله صدقة جارية لله تعالى؛ فأبقى بستانا لدنياه، وجعل الآخر لأخراه.
وهذا من توفيق الله تعالى لأبي الدحداح أن يُسر له هذا الأمر العظيم، وهذا لم يتيسر لأناس كُثر، فالخير توفيق من الله تعالى، والوقف فضل من الله على عباده، فيا فوز من وفق إلى عمل الخير، ويا حسرة من جمع المال والعقار والمراكب والبساتين، ومضى من الدنيا بعد أن عمر فيها متاعه، إلى آخرةٍ خربها ولم يستثمر بها شيئاً يذكر من صدقة أو عمل ينفعه.
وفي مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كم من عِذْقٍ معلق (أو مدلى) في الجنة لأبي الدحداح». وفي السنن الكبرى للبيهقي: «قتل ابن الدحداحة شهيدا يوم أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة».
وهكذا كان أبوالدحداح من المسارعين في الخيرات، المتسابقين في الباقيات الصالحات. وقد كان كذلك من الفرسان الشجعان، قاتل في أحد حتى أصيب إصاباتٍ بالغة، وبقي شجاعاً مقداماً، حتى آخر أنفاسه يدافع عن الإسلام والمسلمين.
لقد أعطى أبو الدحداح درسين لمن بعده؛ الأول : في الجود والسخاء ، والبذل والعطاء. والثاني: في الثبات في مواقف الفتنة والبلاء، وعدم النكوص، فقد قدم أنفس أمواله لله تعالى، وقدم نفسه في سبيل الله، فرضي الله عنه وأرضاه.
مات أبوالدحداح ولكن ذكره وعمله استمر إلى يوم الدين، وصدقته ستبقى دافعاً للأمة للبذل والعطاء، فالموفق من وفق للخير، والتعيس الذي عطل يديه عن البذل والعطاء وفعل الخيرات، وصدق الشاعر:
وما المال والأهلون إلا وديعة
ولا بد يوما أن ترد الودائع
فوائد من الحديث : فيه أن الوقف كان يطلق عليه في عهد الصحابة مسمى الصدقة، والصدقة الجارية في أصلها صدقة، ولكن جعلت في عين تحبس ليستمر نفعها وأجرها.
وفيه أن الصحابة رضوان الله عليهم امتازوا بسرعة الاستجابة لأمر الله تعالى، وكانوا مثالاً للسخاء والعطاء، وكانوا يختارون أجود أموالهم وأنفسها لتكون صدقة ووقفاً لله تعالى .
وفيه أن الصحابة كانوا يبذلون الخير والسعادة تملأ قلوبهم بوعد الله لهم الأجر العظيم، ولا يتبعون ذلك الإنفاق مناً ولا أذى.
وفيه حُسن مناداة الزوج لزوجته، وحسن الإجابة منها، فمن أحسن اللفظ فتحت له الآذان، وفيه حسن تربية الصحابة لزوجاتهم، وثقت زوجاتهم في فعل أزوجاهن، وتربيتهن على المشاركة في الأجر، وفيه جواز إعلان الصدقة وإشهارها والإشهاد عليها.
فالخير في الأمة لا ينقطع، وقد رأيت خلال زيارتي لبعض المؤسسات الوقفية في إسطنبول – تركيا، صيف عام ( 1432هـ-2011م ) ، وقفاً مكوناً من ثماني فلل في غاية الجمال، في موقع يندر أن تجد له مثيلا في الدنيا، أعدها مالكها لتكون مسكناً له ولأبنائه، وحكى لي المقربون من الواقف قصة هذا الوقف، فالواقف رجل ميسور الحال، وقبل أن يستلم مفاتيح مسكنه الجديد بأيام، قدر الله تبارك وتعالى أن يستمع ذلك الرجل إلى موعظة بليغة عن فضل الصدقة الجارية، وإذا به يطلب من أحد أبنائه أن يحضر له الموثق الشرعي في ساعة متأخرة من الليل، وامتثل الابن وأحضر الموثق مستغرباً، وإذا به يكتب وثيقة الوقف لتلك البنايات ويُشهد عليها الشهود. وحينما سئل: لماذا لم تنتظر الصباح، فأجاب: خشيت أن يتغلبني الشيطان من المساء إلى الصباح، وأرجع عن صدقتي، فأردت أن أمضيها قبل أن أنام، ووقفه الآن من المدارس العجيبة والرائعة التي تتبع فيها أحدث النظم التعليمية، وحققت نتائج وجوائز على المستويين المحلي والعالمي؛ فالوقف يقطع مداخل الشيطان والهوى عن الرجوع في الصدقة.
وثقافة الوقف في تركيا من الموروثات التي انتقلت من جيل إلى جيل ، وقد كتب محمد الفاتح – رحمه الله - في وثيقة وقفياته: بأنه قد أوقف ذلك الوقف من ماله الخاص الذي اكتسبه بفضل من الله تعالى ثم عرق جبينه. وكان محمد الفاتح حتى عندما يحاصر دولة ما، أو ينتظر الإمداد لفتحها، يأمر جنوده بشق الطرق وحفر الآبار ويقيم فيها الأوقاف، وحينما يسأل عن ذلك الفعل، فكان يقول: نحن مأمورون بإعمار الأرض.
وكتب أحدهم من الغرب عندما درس أوقاف تركيا، فقال : إن الإسلام جعل من الأتراك أكثر متصدقين في العالم؛ ففي العهود الإسلامية أنشئت أوقاف خلدها التاريخ، حققت مقاصدها، وكانت روائع وثقها التاريخ، وما خطه الرحالة في كتبهم، والتراجم في كتب السير، أرشدنا إلى أوقاف لم تكن في الحسبان، فقد خصص في أوج حضارتنا وقف لكل مطلب وحاجة، ووراء كل وقف دافع وحكاية، فالوقف دلالة على أن هناك واقفا، وموقوفا عليه (الجهة التي ستستفيد من الوقف أو ريعه) ، ووقفا (عقارا أو بستانا أو كتابا ...) ، ووثيقة وقف (حدد فيها الواقف شروطه) . وناظرا يرعى الوقف، وأحياناً مجلسا للنظارة، وعاملين في الوقف، ومنتفعين منه.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 07-03-2024 08:40 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...images/-25.jpg


الأربعون الوقفية (25)




جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وأحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاما وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .
الحديث الخامس والعشرون:
الوقف جريان للحسنات
عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطًا في سبيل الله، ومن علم علمًا أجري له ما عمل به، ومن تصدق بصدقة، فأجرها يجري له ما جرت، ورجل ترك ولدًا صالحًا فهو يدعو له».
الأيام تمضي، والعمر قصير، والحياة زائلة، والفرصة في بذل الخير في الدنيا لن تتكرر، وقد أنعم الله على عباده وهيأ لهم من الأعمال ما يستمر فيها الأجر إلى بعد الممات، فجعل الحسنات تزداد للمتصدقين والمحسنين وهم في قبورهم، يغنمون من الحسنات ما لم يكن في الحسبان، ومنهم أناس يكسبون من الحسنات بعد مماتهم أكثر مما كسبوه في حياتهم، وهؤلاء تحقق في وقفهم الإخلاص لله عز وجل، ومتابعة هدي النبي[، وبذلوا من الأسباب واجتهدوا ليدوم عطاء وقفهم.
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث عن أربعة تستمر فيها الأجور حتى بعد الموت، فلا ينقطع ثوابها بموت أصحابها، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته الواسعة على عباده، أن المسلم يستطيع أن يعمل من الأعمال في حياته ما يستمر معها الأجر والثواب، ولا ينقطع بعد موته، وتفصيلها الآتي:
- أولا: من مات مرابطا في سبيل الله، فمن مات وهو ملازم ساحة الحرب، ومرابط في الثغور للذب عن المسلمين، ولفتح البلاد ونشر الإسلام، فإن أجره مستمر لا ينقطع؛ فالمرابط في سبيل الله عمله عظيم وأجره أعظم، فقد بذل نفسه للجهاد في سبيل الله، ولنشر دينه، فنال هذا الأجر الدائم.
- ثانياً: من علم علما أجري له عمله ما عمل به: ومن علم علما وعلمه غيره ثم مات فيجري عليه ثوابه مدّة دوام العمل به بعده، كالدعوة إلى الله تعالى، وتعليم الناس الخير ونشر العلم النافع بينهم، وما زلنا نذكر علماء ماتوا من مئات السنين ونترحم عليهم وندعو لهم، بعد أن تركوا لنا علماً نتعلمه منذ أكثر من ألف عام، وكلما كان العلم أكثر نفعاً وأوسع انتشاراً كان أعظم ثواباً.
- ثالثاً: من تصدّق بصدقة فأجرها يجري له ما وجدت، أي وإنسان تصدّق بصدقة جارية كوقف فيجري له أجره مدّة بقاء العين المتصدّق بها، كحفر الآبار، وبناء المساجد وغيرها من الأعمال الصالحة التي يجري أجرها ما جرت ولا تنقطع بإذن الله تعالى، فمن أسس وقفاً فهو له صدقة جارية، ولو مات الواقف فإن أجره مستمر، ما دام الوقف مستمراً.
فمن بنى هذا المسجد, كل صلاة تؤدى في هذا المسجد، وكل كلمة تقرأ من كتاب الله تعالى في المسجد، وكل أذان يرفع كل صلاة، وكل درس علم ينعقد، في صحيفة من أسهم في بناء هذا المسجد وتأسيسه، وكذلك كل وقف استمر نفعه ودام عطاؤه.
- رابعاً: ورجل ترك ولدا صالحا يدعو له، أي إنسان ترك ولداً - ذكرا أو أنثى- فهو يدعو له بالرحمة والمغفرة، فدعاؤه أسرع قبولا من دعاء البعيد، فإذا عمل الولد الصالح أعمالاً صالحة فإن لوالديه اللذين أحسنا تربيته وتعليمه مثل أجره دون أن ينقص من أجره شيء، وهذه صدقة جارية يوفق لها الفقير والغني.
ومن صلاح الأبناء وبرهما بوالديهما بعد موتهما، المحافظة على استمرار ما خلفاه من أوقاف وصدقات جارية، كمن بنى مسجدًا أو أوقف عقارًا جعل ريعه في أوجه البر، أو ترك علمًا نافعًا، أو حفر بئرًا، أو كفل يتيمًا، ونحو ذلك، فإنه ينبغي على البررة والأوفياء من أهله المحافظة على استمرار تلك الأوقاف والصدقات الجارية، حتى يثابوا على ذلك، ويجري أجرها على ميتهم بعد موته بإذن الله تعالى.
ولا يشترط في الوقف أن يكون ذا قيمة عالية، بل إن الله تبارك وتعالى يسر أعمالا كثيرة تجري بها الحسنات بعد الممات لجميع خلقه، فيمكن للمسلم أن يوقف مصحفًا لوالديه يلحقهما الأجر العظيم عند تلاوته. يقول سماحة الشيخ بن باز رحمه الله: المصحف إذا خلفه الميت فهو ينفعه إذا وقفه، أي: جعله وقفًا ينفعه أجره.. وينفع الميت الوقف الذي يوقفه بعده في سبيل الخير، من بيت أو أرض أو دكان أو نخيل، أو ما شابه ذلك فينتفع هو بهذا الوقف إذا انتفع به الناس.
ومن فضل الله تعالى أن هذه الأجور العظيمة ممكنة التحقق بإقامة الوقف الذي هو صدقة جارية يجري ثوابها للمسلم في حياته وبعد مماته، كمن رابط في سبيل الله تعالى، ومن علم علما ونشره بين العباد، ومن ترك ولداً صالحا، ومن حفر بئراً أو أوقف مدرسة أو عقاراً وغيره، وهذا فضل من الله تعالى يؤتيه من يشاء.
- ومن فوائد الحديث: أن فيه دلالة على أن الميت ينفع بما تسبب لنفسه في حياته من عمل صالح، وفيه أن النماء الحقيقي لعمل المسلم هو ما استمر نفعه ودام أجره، والذي لا ينتهي بموته.
وفيه أهمية اغتنام الحياة والأوقات، بالمبادرة والحرص على الاستكثار من الأعمال الصالحة، والصدقات الجارية ذات النفع المتعدي، التي تجري أجورها ونفعها في الحياة وبعد الممات .
وفيه الحث على تربية الأبناء تربية صالحة، والاجتهاد في تربيتهم على طاعة الله وخشيته والقرب منه، والحرص على استمرار الخير في أبنائهم، وذلك بتوصيتهم على دوام فعل الخير، ورعاية أعمال الخير التي أنشأها والدهم في حياته، وفيه حث الأبناء للاجتهاد في الدعاء للآباء في حياتهما وبعد مماتهما وانقطاع أعمالهما.
وفيه حث المسلم أن يعمل من الأعمال التي يستمر فيها الأجر بعد الموت، فالذي يفتح باب خير فأجره مستمر، ومن أعظم أعمال العبد تلك الأعمال التي لا تنتهي بموت صاحبها، وكما يحرص الإنسان على الكسب في الدنيا، وينشط لتجديد أعماله ليدوم ربحها، فعليه أن يستثمر لآخرته .
وفيه حث للواقف على الحرص في أن يدوم نفع وقفه، وأن يبذل الأسباب التي يستمر معها الوقف في عطائه، فيرعاه في حياته، ويجعل عليه القوي الأمين من ذريته أو غيرهم ليديره إدارة رشيدة لحفظ أصوله، وتحصيل ريعه، وصرفه في المصارف الشرعية المحددة، وتنميته وصيانته حتى يبقى على حالة يدوم معها الانتفاع به، ويحقق مقاصده.
والأعمال الواردة في الحديث، أعمال تبقى للإنسان بعد وفاته، وتجري لها الحسنات إلى ما بعد الممات، وكم من الناس من يتمنى أن تكون له مثل تلك الآثار والأعمال الصالحة التي يجري ثوابها ويدوم أجرها بعد مماته، ولكنه يسوف ويفرط ويهمل حتى يأتيه الموت، فلا يستطيع حينئذ أن يقدم ما كان يتمناه فقد انقطع عن دار العمل وانتقل إلى دار الجزاء والحساب.
فالحياة فرصة عظيمة للأحياء في أن يعملوا وأن يتزودوا بالأعمال الصالحة التي يدوم أجرها، وشتان بين عبدين: عبد تطوى بموته صحيفة حسناته، وعبد تجري عليه الأجور والحسنات العظيمة لتملأ صحيفة حسناته، ويرفع الله تعالى درجاته، حتى يحين الفصل بين العباد.



اعداد: عيسى القدومي






ابوالوليد المسلم 07-03-2024 10:37 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...images/-26.jpg


الأربعون الوقفية (26)




جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية، وينفع به قولاً وعملا، ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث السادس والعشرون:
بناء المساجد صدقة جارية
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من بنى مسجداً، يبتغي به وجه الله، بنى الله له بيتا في الجنة(1). وفي رواية: «بنى الله له مثلَه في الجنة»(2).
فضل الله سبحانه وتعالى بعض الأماكن على بعض، ومن تلك الأماكن التي فضلها الله عز وجل على غيرها المساجد، قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ}(3)، والعمارة المراد بها إقامة البناء وتشييده، وتلك من علامات الإيمان بالله والخشية والهداية.
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث بفضل بناء المساجد، فمن بنى مسجداً لله تعالى، كبيراً كان أم صغيراً، لا يريد به رياء ولا سمعة، مخلصاً عمله لله وحده، طالباً رضا الله ومغفرته، بنى الله له بيتا في الجنة.
فقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحض على بناء المساجد، ووعد مشيديها بالثواب الجزيل والأجر العظيم؛ لمكانتها في الإسلام، وحاجة المسلمين إليها في سائر البلاد والأزمان، وهذا الأجر العظيم والثواب الجزيل مشروط بشرطين كسائر الطاعات: الأول: أن يكون خالصاً لله تعالى ويبتغي به وجه الله عز وجل، والثاني: أن يكون موافقاً للشرع الذي أمر الله تعالى.
- والبخاري زاد في رواية: «بنى الله له مثله في الجنة»، والمماثلة الواردة في الحديث جاءت لإيضاح أن الجزاء من جنس العمل، فهي تعني المثلية في الكم لا في الكيف؛ لأن موضع شبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها، كما صرح بذلك الخبر عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، قال النووي: «يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم أمرين: أحدهما أن يكون مثله، معناه: بنى الله له مثله في مسمى البيت، وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، والثاني: معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا»(4). وقال الألباني: «أي مثله في الشرف والفضل والتوقير؛ لأنه جزاء المسجد، فيكون مثلاً له في صفات الشرف»(5).
وترغيباً في بناء المساجد في الأمكنة المحتاجة إليها ولو كانت صغيرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من بنى مسجداً قدر مفحص قطاة، بنى الله له بيتاً في الجنة» (6). ومفحص القطاة(7): موضعها الذي تجثم فيه وتبيض، والقطاة طائر من أنواع الحمام، كأنها تفحص عنه التراب أي تكشفه، والفحص: البحث والكشف. وخص القطاة بهذا لأنها لا تبيض في شجرة ولا على رأس جبل إنما تجعل مجثمها على بسيط الأرض دون سائر الطير، فلذلك شبه به المسجد؛ ولأنها توصف بالصدق، ففيه إشارة إلى اعتبار إخلاص النية وصدقها في البناء(8). ومعلوم أن مفحص القطاة مكان صغير جدًا، لا يمكن بحال أن يتسع لمصل، فدل على أن أيّ تبرع يُسهم في بناء مسجد موعودٌ صاحبه بأجر عظيم.
وللمساجد مكانة عظيمة في الإسلام، فهي بيوت الله عز وجل، وقد أضافها الله عز وجل إلى نفسه إضافة تعظيم وتشريف، فقال: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً}(الجن-18)، وهي أحب البقاع إليه، فقد صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أحب البلاد إلى الله مساجِدُها»(9).
والمسجد قاعدة أساسية تنبعث منها الدعوة الإسلامية، ورسالته هي رسالة الإسلام، رسالة التوحيد والهداية والاعتصام بحبل الله تعالى، فهو مكان إعلان العبودية الخالصة لله عز وجل، وهو مكان أداء الصلاة التي هي عماد الدين، وفيه تُعقد ألوية الحرب، ومنه تنطلق قوافل الفاتحين، وفيه تعقد حلقات العلم لشرح أصول الدين وفقهه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده»(10). وكذلك كانت المساجد في عهودها الزاهرة جامعات علم ومنابر هدى ومراكز إشعاع في عواصم العالم ومدنه الكبرى مثل المدينة، ومكة، وبغداد، ودمشق، والقاهرة، والقيروان، وغيرها.
وأهمية المسجد لا تقتصر على كونه مكاناً لأداء الصلوات فحسب، بل هو أهم مكان للمجتمع الإسلامي فهو يؤدي دوراً اجتماعياً بارزاً لمساعدة المجتمع في النهوض بأعبائه الاجتماعية، وعمارة المساجد تكون إما حسية أو معنوية، فعمارتها الحسية تكون بالبناء والترميم والصيانة، وتوفير ما تحتاج إليه من خدمات، والعمارة المعنوية تكون بالصلاة وحلقات تحفيظ القرآن الكريم والمحاضرات والدعاء والدروس العلمية.
ولا أدلّ على تلك الأهمية من فِعله صلى الله عليه وسلم حين وطئت قدماه الشريفتان دار هجرته المدينة، فكان أول عمل قام به صلى الله عليه وسلم هو بناء مسجده الذي أسس على التقوى من أول يوم، فكان المسجد هو الركيزة الأولى واللبنة الأساس في تكوين المجتمع المسلم، حيث لم يكن مقصورا على إقامة الصلوات والدروس العلمية، بل ملتقى المسلمين، ومنطلق دعوتهم، ومركز توجيه الجيوش.
وقد أمر الشارع ببناء المساجد وبتشييدها وتعميرها، ولكنه نهى عن المبالغة في زخرفتها، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»؛ لأنها بنيت لذكر الله؛ ولإقامة الصلاة، ولتعليم الناس أمور دينهم، ولهذا لابد أن تصان من بعض الأمور التي لا تليق ولا تناسب الأغراض التي بنيت المساجد من أجلها؛ فلا يُقبَر في المسجد أحد، لا أمام القبلة ولا في الجهات الأخرى، مهما كان الموصي بذلك، فلا تنفذ وصيته، ولو كان الذي بناه، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(11)، وقال: «إن من شرار الناس من تدركه الساعة وهم أحياء، ومن يتخذ القبور مساجد»(12).
ومن فوائد الحديث: فيه دلالة على أن الأجر المذكور يحصل ببناء المسجد، لا أن يجعل الأرض مسجدا من غير بناء، وأنه لا يكفي في ذلك تحويطه من غير حصول مسمى البناء، والتنكير في «مسجد» للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير(13)، وفيه أن كل من اشترك في بناء مسجد، وساهم في حصة ولو قدر موضع سجود، فله الأجر العظيم من الله تعالى.
وفيه حث وترغيب في بناء المساجد في الأمصار والقرى، والمحال ونحوها بحسب الحاجة، وفيه أن العمل بلا إخلاص لا نفع فيه، فالذي يبني المساجد للرياء والسمعة والمباهاة ليس بانيا لله، فلا يناله الأجر الوارد في الحديث، يقول ابن حجر في الفتح: «وفيه إشارة إِلى دخول فاعل ذلك الجنَّةَ؛ إذ المقصود بالبناء له أن يسكنهُ، وهو لا يسكنهُ إلا بعد الدخول، ولا يحصل له هذا الوعد المخصوص بدخول الجنة لمن بناه بالأجرة لعدم الإخلاص، وإن كان يؤجر بالجملة»(14).
ووقف المساجد لا يحتاج إلى طول سنين ليحقق غاياته، فمنذ أن يؤذن فيه للصلاة، وإلى ما شاء الله من السنين، يحقق مقاصده ويقدم وظيفته العبادية والتعليمية والدعوية والاجتماعية، وتعود بالمصالح على العباد لدنياهم وأخراهم، فالمسجد ليس حصراً على كبير دون صغير، ولا لغني دون الفقير، ولا لعرق دون غيره.
ووقف المساجد أمر قد يسره الله لكل من أخلص النية في بناء المساجد، وهذا أمر محسوس وملموس(15)، ومساهمات الخيرين حتى في الدول الفقيرة تجعل تكلفة بناء المساجد أقل من المنشآت التي في مساحته، ولو تعذر على المتبرع إكمال بناء مسجده، فإنه لا يبقى معلقاً، فيكمل المسجد ويصلى فيه من مساهمات أهل الحي ومن حولهم.
الهوامش
1 - أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل بناء المساجد والحث عليها، برقم: 533.
2 - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب من بنى مسجداً، برقم 450. ومسلم في صحيحه برقم: 533. ولفظه: «من بنى مسجداً لله بنى الله له في الجنة مثله».
3 - سورة التوبة، الآية 18.
4 - صحيح مسلم بشرح النووي، ( 3/13).
5 - صحيح الترغيب والترهيب، ( 1/227).
6 - رواه البزار – واللفظ له – والطبراني في الصغير، وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، برقم 269 ( 1/227).
7 - مفحص قطاة: هو الموضع الذي تفحص التراب عنه، أي تكشفه وتنحيه لتبيض فيه، أنظر المصباح المنير: ص 176.
8 - أنظر: غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، محمد بن أحمد بن سالم السفاريني، (2/239).
9 - أخرجه مسلم في صحيحه، برقم 671.
10 - أخرجه مسلم في صحيحه، برقم2699.
11 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم: 1390، ومسلم في صحيحه، برقم: 529.
12 - أخرجه أحمد في مسنده، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، برقم 278.
13 - انظر: نيل الأوطار باب فضل من بنى مسجداً، ج2/626.
14 - انظر: فتح الباري، (2/194-195).
15 - وذلك خلال عملي في القطاع الخيري، فإن المسجد أسرع المشاريع إنجازا، والجميع يحرص على أن تكون له مساهمة فيه، وهذا مشاهد.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 08-03-2024 11:34 AM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (27)


جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.





الحديث السابع والعشرون:
الوقف دواء لصاحبه
عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حفر بئر ماء لم يشرب منه كبدٌ حرَّى من جن ولا إنس، ولا طائر إلا أجره الله يوم القيامة».
من رحمة الله بعباده أن شرع لهم الوقف، استثماراً للمال في دنياهم لآخرتهم، والموفق من وفق لهذا النهر العظيم من الحسنات الجارية، والمحروم من حرم هذا الخير الجزيل، فمعه لا تُطوى صحائف الأعمال، بانتهاء آخر صفحات الحياة، بل تزداد فيها الحسنات أضعافا مضاعفة.
فالوقف عمل تقدمه في حياتك، يستمر أجره إلى يوم الدين، فهو صاحب لا يمكر، ومعين لا يغدر، صديق يلازمك في حياتك، ولا يتخلَّى عنك عند موتك، يلحق بك في قبرك، ويتبعك في يوم نشرك وحشرك، عمل صالح ممدود لا يفارقك، فهو من عملك الذي لا ينقطع أجره ما دام نفعه.
يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعظم شأن حفر الآبار وسقي الماء لمن يحتاجه، وبذله في سبيل الله، وتسبيله للناس حتى يستفيدوا منه، فهو مادة الحياة، وبه حياة المخلوقات؛ وأن حفر الآبار لسقيا الناس، أو لسقيا الدواب، من الصدقات الجارية التي يستمر بها الأجر والثواب ما دام النفع حاصلاً.
وفي الحديث أن من حفر بئر ماء، مخلصاً لله تعالى، فكل من شرب منه وانتفع به حي من الأحياء على ظمأ، «كبد حرى»: أي كبد عطشى، من الإنس والجن، ومن الطير وغيره، إلا كان له الأجر العظيم من الله تعالى، ويجد هذا الأجر يوم القيامة وقد سجلت الحسنات في صحائفه.
وسقي الماء وحفر الآبار من أفضل الصدقات؛ لقوله: «أفضل الصدقة سقي الماء».
وعن سعد بن عبادة، رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله! إن أمي ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: «الماء» فحفر بئرًا وقال: هذه لأم سعد.
وحفر الآبار وسقي الماء وتوفير برادات الماء في المساجد والأسواق، وأماكن تجمع الناس، خاصة في الدول الحارة، لا يكلف من المال الكثير، وأجره عظيم منة ورحمة من الله بعباده، ولعلها تكون تلك الصدقة الجارية إن كانت خالصة لله تعالى ظلا للمتصدق يوم القيامة، كما في حديث عقبة ابن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل امرئ في ظل صدقته، حتى يقضى بين الناس».
وهذا الفضل والحث على حفر الآبار وحبس الماء أسهم في توافر الأمن المائي للمسلمين منذ بداية نشأة الدولة الإسلامية في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد شاع الوقف لهذا الوجه من البر في سائر أنحاء العالم الإسلامي، لعظم فضلها وثوابها، بدءاً من حض النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين على شراء بئر رومة، فاشتراه عثمان رضي الله عنه والتزم الشرط الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو: «أن يجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين»، أي أن يجعله وقفاً عاماً للناس كافة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم ، وما بعده من العصور. وحفر سعد بن عبادة رضي الله عنه بئراً وأوقفه، وكذلك علي رضي الله عنه حفر بئراً في أرضه ينبع وأوقفها والبئر معها وغيرهم الكثير من الصحابة الذين حرصوا كل الحرص على وقف الآبار وسقي الماء وتوفيره لابن السبيل، وأسهم نظام الوقف كذلك في انتشار الأسبلة، التي ترى آثارها إلى الآن في حاضرة العالم الإسلامي، والتي تمثل روعة معمارية ووفرت مياه الشرب في الشوارع والطرق.
ومن سقي الماء في عصرنا الذي نعيش توفير محطات لتحلية الماء للأسبلة، فالكثير من الدول العربية والإسلامية تعاني ارتفاع نسبة الملوحة في الماء، وتلوثه مما يؤدي إلى أمراض خطيرة كالفشل الكلوي، وأمراض السرطان وغيره، حتى إن بعض مزارع الحيوانات منعت من استعمال هذه المياه، وميسور الحال يستخدم المياه المعالجة والصالحة للشرب، أما الكثير من الفقراء فإنه لا يستطيع شراء الماء النقي؛ لذا قامت بعض المؤسسات الخيرية بطرح مشروع وحدات التحلية بسعات مختلفة، لتوفير المياه الصالحة للفقراء وأهل العوز، وذلك كمجال من مجالات الصدقة الجارية لمدهم بما يحتاجونه من المياه الصالحة للشرب،. وهو من المشاريع الناجحة والتي تم تنفيذها، وحققت نفعها في سقي الماء.
والصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء من المرض وغيره، وهذا أمر معلوم عند من جربه، والصدقة الجارية بنية الشفاء دواء للأمراض البدنية كما في قوله صلى الله عليه وسلم : «داووا مرضاكم بالصدقة»، يقول ابن شقيق: « سمعت ابن المبارك وسأله رجل: يا أبا عبد الرحمن قرحةٌ خرجت في ركبتي منذ سبع سنين، وقد عالجتُ بأنواع العلاج، وسألت الأطباء فلم أنتفع به، فقال: اذهب فانظر موضعاً يحتاج الناس فيه الماء فاحفر هناك بئراً؛ فإني أرجو أن ينبع هناك عينٌ ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبرأ».
وفي الوقف واختيار الأنفع منه، تخلق بأخلاق الكرماء الفضلاء، وتلمس لحاجة أهل العوز، قال ابن القيم رحمه الله: «وقد دل النقل والعقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى الله رب العالمين، وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه، من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب لكل شر، فما استجلبت نعم الله تعالى واستدفعت نقمه بمثل طاعته، والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه».
ومن فوائد الحديث: فيه حض على حفر الآبار، وسقي الماء وحبسه، لمنفعة الإنسان وما دونه من الحيوان والنبات، وفيه الحث على الرفق بالحيوان، ورحمته، والإحسان إلى كل طير وحيوان حي بسقيه ونحوه، وفيه أن في سقي البهائم والإحسان إليها أجراً، وفيه الحث على الإحسان إلى الأحياء بالطعام والشراب.
وفيه عظيم فضل الله وسعة رحمته، فهو يعطي العطاء الجزيل على العمل القليل.
وفيه أن الإنسان يؤجر على إحسانه للإنس والجن، وفيه أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى، وذلك لشدة حاجة الناس إلى الماء، وعدم استغنائهم عنه، فالإحسان في بذل الماء لمن يحتاج إلى شربه، وتمكينه منه فعل عظيم، وله ثواب جزيل. وفيه حث للواقفين والمتصدقين ونظار والجهات المشرفة، على حسن رعاية الأوقاف، والحرص على استمرار عطائها ونفعها؛ لأن أجر الوقف يستمر ما دام ينتفع به.
ومن علامات التوفيق للعبد أن يفتح على يديه من الخير ما يوفر للناس مشربهم ومطعمهم، في أماكن هم بأمس الحاجة فيها للماء، وقد تعددت مجالات سقي الماء، وتيسَّرت كثير من الأسباب المعينة على توفيره، فلا تحقرن من الخير شيئاً، فرب شربة ماء يبل بها الظمآن غلته، لا تكلف الكثير تنال بها الأجر العظيم ويدفع بها عنك البلاء، ويجيرك بها من سوء القضاء.
والوقف من أسباب انشراح الصدر، وقد لمست هذا من جُلَ المتبرعين الذين أنشأوا الأوقاف، فكانت سعادتهم كبيرة في التواصل مع الجهة المشرفة على مشروعهم الوقفي، ولمست فيهم الارتياح والرضا النفسي الكبير، خاصة عند زيارة المشاريع، وبذلهم للأسباب ليدوم النفع والعطاء لوقفهم.
وجدتهم كذلك حريصين كل الحرص كلما أنجز لهم وقف أن يكون لهم مشروع وقفي آخر، وبعضهم يصرح: بأنني لمست بعد هذا الوقف البركة في نفسي، ومالي وأولادي، وأهلي. وآخرون قالوا: كلما انتهينا من مشروع وقفي تضاعفت أرباح تجارتنا وبورك لنا في أعمالنا وصحتنا وأبنائنا؛ فالسعادة الحاصلة في الصدقة الجارية لا ينالها إلا من جربها، فلا تحرم نفسك يا مسلم من هذه السعادة.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 08-03-2024 11:50 AM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...images/-28.jpg


الأربعون الوقفية (28)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.



الحديث الثامن والعشرون:
وقف جزء من المال
عن كعب بن مالك- رضي الله عنه – قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال: « أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»، قلتُ أُمْسِكُ سهمي الذي بخيبر.
بوب البخاري لهذا الحديث في كتاب الوصايا: «باب إذا تصدق أو أوقف بعض رقيقه أو دوابه فهو جائز»؛ وفيه خبر كعب بن مالك رضي الله عنه حين تخلف عن جيش المسلمين في غزوة تبوك، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب تخلفه، فصدق القول مع النبي صلى الله عليه وسلم بأنه لم يتخلف لعذر يقبل، ولم يختلق الأعذار الواهية؛ فطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمضي حتى يقضي الله بأمره، وقد نهى رسول اللهصلى الله عليه وسلم الناس عن كلام الثلاثة الذين خلفوا، فكان يخرج إلى السوق، فلا يكلمه أحد، وتنكر له الناس امتثالاً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم .
وهو في هذه الحال أتته صحيفة من ملِك غسَّان بأن يلحق بهم ليواسوه، أرادوا أن يفتنوه، وإذا به يحرقها في التنور، وبعد هذه الشدة والضيق سمع صوتاً يقول: أبشر يا كعب بن مالك، فخر ساجداً، وأعطى الفارس الذي بشره ثوبه، ولبس غيره، فقد نزلت توبته على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا نبي الله، إن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً، وأن أنخلع من مالي كلهُ صدقة. فقال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك».
فأراد كعب بن مالك رضي الله عنه أن يُكفِّر عن ذنبه بتخلفه عن جيش المسلمين الخارج إلى تبوك، بأن ينخلع من ماله، كما يخلع الإنسان ثوبه، أي بأن يتصدق بكل ماله. ومن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بكعب بن مالك رضي الله عنه وعياله، ويقينه بصدق كعب وتأثره بتوبة الله عليه، وأن اندفاعه بقراره التبرع بكل مَاله قد يؤثر عليه سلبًا مستقبلاً, وقد يؤدي به إلى العِوز والحاجة؛ لذلك وجهه الرسول صلى الله عليه وسلم خير توجيه، بأن يمسك بعض ماله، وأن يتصدق ببعضه، ففعل، فقد تصدق وأبقى لنفسه وعياله سهمه الذي غنمه من خيبر؛ لكيلا يحتاج إلى الناس.
فالصدقة دليل صدق الإيمان وقوة اليقين وحسن الظن برب العالمين، وهي برهانٌ على صحة إيمان العبد وتصديقه بموعود الله ووعيده، وعظيم محبته له؛ قال صلى الله عليه وسلم : «والصدقة برهان»، فالصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها لكونه لا يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه، فمن تصدق بطيب نفس تورث القلب حلاوة الإيمان، وتذيق العبد طعمه، وتعمق يقينه بالله عـز وجل، وتخلص توكله عليه، وتوجب ثقته بالله وحسن الظن به.
واختلف العلماء في التبرع بكل المال، وقال ابن بطال: «واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأكثر العلماء على أنه يجوز للصحيح أن يتصدق بكل ماله في صحته، إلا أنهم استحبوا أن يبقي لنفسه منه ما يعيش به خوف الحاجة وما يتقي من الآفات، مثل الفقر وغيره؛ فإن آفات الدنيا كثيرة وربما يطول عمره ويحصل له العمى أو الزمانة مع الفقر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك»، ويروى: «أمسك عليك ثلث مالك» فحض على الأفضل.. ومذهب مالك أنه يجوز إذا كان له صناعة أو حرفة يعود بها على نفسه وعياله وإلا فلا ينبغي له ذلك».
واستدل بعض أهل العلم على أن الصدقة لا حد لها، وليس شرطاً ألا تخرج عن الثلث بأحاديث كُثر، ومنها هذا الحديث – حديث كعب - حيث لم يحدد له النبي صلى الله عليه وسلم الصدقة بالثلث، قال الشوكاني رحمه الله: «دل حديث كعب أنه يشرع لمن أراد التصدق بجميع مالِه أن يُمسك بعضه ولا يلزم من ذلك أنه لو نجَّزهُ لم ينفَّذْ، وقيل: إن التصدق بجميع المال يختلف باختلاف الأحوال, فمن كان قوياً على ذلك يعلم من نفسه الصَّبرَ لم يُمنع, وعليه يتنزَّلُ فعل أبي بكر الصِّديق، وإيثار الأنصار على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ, ومن لم يكن كذلك فلا, وعليه يتنَزَّلُ: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى»، وفي لفظ: «أفضلُ الصدقة ما كان عن ظهر غنى».
وفي الموسوعة الفقهية: «يستحب أن تكون الصدقة بفاضل عن كفايته, وكفاية من يمونُهُ, وإن تصدق بما ينقص مؤنة من يمونه أثم. ومن أراد التصرف بماله كله، وهو يعلم من نفسه حسن التوكل والصبر عن المسألة فله ذلك، وإلا فلا يجوز.
ويكره لمن لا صبر له على الضيق أن ينقص نفقة نفسه عن الكفاية التامة، وهذا ما صرح به فقهاء الحنفية، وقال المالكية: إن الإنسان ما دام صحيحا رشيدا فله التبرع بجميع ماله على كل من أحب، قال في «الرسالة»: ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله، لكن قال النفراوي: محل ندب التصدق بجميع المال أن يكون المتصدق طيب النفس بعد الصدقة بجميع ماله، لا يندم على البقاء بلا مال، وأن ما يرجوه في المستقبل مماثل لما تصدق به في الحال، وألا يكون يحتاج إليه في المستقبل لنفسه، أو لمن تلزمه نفقته، أو يندب الإنفاق عليه، وإلا لم يندب له ذلك، بل يحرم عليه إن تحقق الحاجة لمن تلزمه نفقته، أو يكره إن تيقن الحاجة لمن يندب الإنفاق عليه؛ لأن الأفضل أن يتصدق بما يفضل عن حاجته ومؤونته ، ومؤونة من ينفق عليه».
وقد أجمع أهل العلم على أن من أراد الصدقة بماله كله، ولا عيال له، ويعلم من نفسه حسن التوكل، والثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس، والصبر عن المسألة مما في أيديهم، جاز واستحب له ذلك، أما إن لم يعلم من نفسه حسن التوكل، والصبر على الضيق، أو ما لا عادة له به، فيمنع من ذلك، ومقدار الصدقة يختلف باختلاف أحوال الناس، في الصبر على الفاقة والشدة، والاكتفاء بأقل الكفاية.
ومما يستفاد من الحديث: رفق النبي صلى الله عليه وسلم بصحابته ومعرفته بأحوالهم، وحرصه على مصالحهم في الدنيا، ونيلهم خير الجزاء في الآخرة، وفيه أن مع حاجة الأمة للمال إلا أن الرحمة به وبمن يعول تقتضي أن يُمسك المسلم بعض ماله.
وفيه كمال نصح النبي صلى الله عليه وسلم وشفقته على أمته وإرشادهم إلى ما فيه فوزهم وسعادتهم، وفيه أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم للواحد خطاب للجميع، ما لم يدل دليل على التخصيص.
وفيه جواز التصدّق من الحيِّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدّق به، وقال لسعد بن أبي وقاص في مرضه: «الثلثُ والثلثُ كثيرٌ»، وقال صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك: «أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك».
وفيه دليل على إمساك ما يُحتاج إليه من المال أولى من أن إخراجه كله في الصدقة، وقد قسموا ذلك بحسب أخلاق الإنسان، فإن كان لا يصبر كره أن يتصدق بكل ماله، وأن كان يصبر: لم يكره، وفيه دليل على أن الصدقة لها أثر في محو الذنوب، ولأجل هذا شرعت الكفارات المالية، وفيها مصلحتان، كل واحدة منهما تصلح للمحو، إحداهما: الثواب الحاصل بسببها وقد تحصل به الموازنة، فتمحو أثر الذنب، والثانية: دعاء من يتصدق عليه فقد يكون سببا لمحو الذنوب.
وفيه جواز التصدق من الحي في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله، وفيه أن الصدقة تخرج عن طيب نفسٍ من المتصدق، وأن يُراعي حاجاته لكيلا يندم على صدقته بعد مضيها، وفيه أن الصدقة شكر لله تعالى على نعمه، وهي دليل على صحة إيمان مؤديها وتصديقه.
وفيه أن الصدقة مع التوبة دليل على صدق توبة باذلها؛ ولهذا سميت صدقة، وفيه استحباب أن يكون المال المعطى كصدقة أو وقف، من أجود وأنفس مال المتصدق وأحبه إليه، وهذا فِعل الصحابة والسلف إذا أحبوا شيئاً جعلوه لله تعالى، وفيه مبادرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى تنفيذ وصايا النبي صلى الله عليه وسلم .
وفيه الحث على الصدقة ببعض المال، وفيه الرجوع إلى أهل العلم وسؤالهم عن أمور دينهم، وفيه ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من الرغبة في الخير وحرصهم على الأجر في الآخرة، وفيه صدق توبة كعب بن مالك رضي الله عنه، وصدقه مع الله تعالى، ومع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ، وفيه أنه لا يجب على الإنسان أكثر مما يطيق ويستطيع.
لقد اتصفت الشريعة الإسلامية بالتوازن والرحمة والحكمة والشمول، فحضت على الإنفاق، وفتحت مجال الصدقات واسعًا أمام المسلمين, لينفق ذو سَعَةٍ من سَعَتِه, ولتسعد الأمة بكاملها بسخاء أغنيائها ومنفقيها، ومع ذلك رعت حاجات الإنسان، وحاجات من يعول، وقوة تحمل المتصدق حتى لا يندم على صدقته.



اعداد: عيسى القدومي






ابوالوليد المسلم 08-03-2024 06:15 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...mages/20_1.jpg


الأربعون الوقفية (29)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .



الحديث التاسع والعشرون
الوقف يولج الجنة
عن جعفر بن محمد عن أبيه: « أن علي ابن أبي طالب، قطع له عمر بن الخطاب رضي الله عنهما يَنْبُعَ، ثم اشترى علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى قطيعة عمر رضي الله عنه أشياء، فحفر فيها عيناً، فبينما هم يعملون فيها، إذ تفجر عليهم مثل عُنُقِ الجَزُور من الماء، فأُتى علي، وبُشِّرَ بذلك، قال: بَشِّر الوارث، ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين وفي سبيل الله وابن السبيل، القريب والبعيد، وفي السلم، وفي الحرب، ليوم تبيض وجوه، وتسود وجوه، ليصرف الله بها وجهي عن النار، ويصرف النار عن وجهي».
الصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا أحرص الناس على فعل الخير، وأسرعهم إليه، وحرصوا كذلك على معرفة أفضل أبوابه، وحينما علموا أن الوقف مما يدوم نفعه ويستمر أجره، تنافس وأوقف الصحابة الكرام، ومنهم : أبو بكر، وعمر، وعلي، وسعد، والزبير، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وحكيم بن حزام، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك وغيرهم، رضي الله عنهم.
فالوقف من الصدقات المندوبة، غير أنه أفضلها وأدومها وأعمها؛ لهذا كان اختيارهم للوقف عملاً صالحاً، فهو باب عظيم من أبواب التعاون على البر والتقوى، ففيه يعين الناس بعضهم بعضاً على البر والتقوى، والوقف صدقة ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها المسلم ويبذلها لوجه الله تعالى، فالوقف سنة مستحبة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها .
والحديث فيه خبر وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وحُسن إكرام عمر رضي الله لآل رسول الله[، فقد أقطع عمر ابن الخطاب عليًا رضي الله عنهما أرضاً بينبع. وحينما طلب على رضي الله عنه من بعض عماله حفر بئر في أرضه بينبع، والتي تعرف بكثرة مائها، فبينما هم يحفرون، وإذا بالماء يتفجر من الأرض عيناً جارية، وجاءه مخبر فأخبره أنه قد نبع في بستانه عين متدفقة مثل عنق الجزور من الماء، أي كعنق البعير من الماء، والجزور هو اسم لما يذبح من الإبل خاصة، فقال: «بشر الوارث» :أي بشر الفقراء الذين يرثون الاستفادة من هذه الأرض، فالمراد بالوارث من أوقفها عليه.
وأوقف -رضي الله عنه- أرضه بينبع على ستة أصناف، وهم: الفقراء، والمساكين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، والقريب، والبعيد، وفي حالتين: حال السلم، وحال الحرب للفتوحات ورد المعتدين، وللمرابطين في الثغور، راجياً الثواب والمغفرة، وأن تكون له تلك الصدقة ذخراً ليوم تبيض وجوه، وتسود وجوه، من أجل أن يقي الله بها وجهه -رضي الله عنه- عن النار، ويصرف النار عن وجهه.
ثم كتب بوقفه كتاباً، وأحضر شهودا فأشهدهم على ما كتب، وفيه: «هذا ما أمر به علي بن أبي طالب وقضى في ماله: إني تصدقت بينبع ووادي القرى والأذينة وراعة في سبيل الله ووجهه، أبتغي مرضاة الله، يُنفق منها في كل منفعة في سبيل الله ووجهه، وفي الحرب والسلم والجنود وذوي الرحم القريب والبعيد، لا يُباع ولا يوهب ولا يورث حيًا أنا أو ميتًا، أبتغي بذلك وجه الله والدار الآخرة، ولا أبتغي إلا الله عز وجل، فإنه يقبلها وهو يرثها وهو خير الوارثين، فذلك الذي قضيت فيها بيني وبين الله عز وجل».
وكان من حرص الصحابة رضي الله عنهم على رعاية أوقافهم، أن تولوا نظارة أوقافهم في حياتهم، ومنهم علي رضي الله عنه، فقد كان ناظراً لوقفه حتى وفاته، وهذا ما أخبرنا به الشافعي، رحمه الله، حيث قال: «ولم يزل علي رضي الله عنه يلي صدقته - بينبع - حتى لقي الله تعالى».
ووقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه من جملة وقوفات الصحابة -رضوان الله عليهم-، فقد حرص الصحابة على الوقف، وكانوا يتخيرون لأوقافهم أثمن وأنفس ما يملكون؛ لأنهم أرادوا أن يعمروا آخرتهم، بما يحبون من نفائس أموالهم وكرائمها، وكانوا -رضي الله عنهم- إذا أحبوا شيئا جعلوه لله تعالى.
وفي وقوفات الصحابة، روى الخصاف في أحكام الأوقاف عن محمد بن عبد الرحمن عن أسعد بن زراة قال: «ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله[ من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلا وقد وقف من ماله حبساً، لا يشترى، ولا يورث ولا يوهب، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وأكد ذلك القرطبي بقوله: «إن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة».
وللحديث فوائد ودلالات: ففيه حرص الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على توجيه الهمة إلى الدار الآخرة وثوابها، وفيه أن تحبيس الأموال في سبيل اللّه هو شكر للمنعم جل جلاله، واعتراف بنعمته وفضله، ودليل لصحة إيمان مؤديها وتصديقه، وفيه سرعة شكر الله المنعم المتفضل بنعمه، وفيه أن شكر نعمة المال يكون بالإنفاق منه.
وفيه أن الوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى واحد وهو المنع من التصرف، وفيه أن وقوفات الصحابة كثيرة جداً، ومنها وقف علي -رضي الله عنه- أرضه بينبع، وفيه فضيلة من فضائل علي -رضي الله عنه- الجمة وسخاؤه، وصدق إيمانه، وفيه دلالة على حُسن العلاقة بين الخليفتين عمر وعلي رضي الله عنهما، وبين الآل والأصحاب.
وفيه الحرص على أن يكون ريع الوقف لأناس هم بأمس الحاجة للعون والمساندة وتخفيف آلامهم وعوزهم، وفيه حرص الصحابة الكرام على الصرف في سبيل الله ففيه نشر الإسلام وعز المسلمين وحفظ كرامتهم وأوطانهم، وفيه جواز تحدث الإنسان بنعم الله تعالى عليه وفضله على عبده، وفيه أن العمل الصالح والصدقة والوقف توفيق من الله تعالى، وفيه حث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة دون كسل أو تأخير أو تسويف.
فالوقف صورة من صور الصدقات، وهو في أصله صدقة، ينال بها واقفها أجر المتصدق، وينال بها أجر الصدقة الجارية، التي يستمر ثوابها ما دام نفعها، فيحوز بذلك الأجرين، ومعه يمتد العمل ويمتد الأجر، وهذا من فضل الله تعالى وعطائه على عباده، أن شرع لهم من الصدقات، ما يحبس أصلها ويستمر نفعها، لتكون صدقة جارية، ينال أجرها ما دام نفعها، مما يحقق مصالح العباد في حال الحياة وبعد الممات. وأنواع الوقوف متعددة، ومصارفها ولمن تحبس لهم كثيرة أيضاً، وكلما كان الوقف أعم وأكثر نفعاً كان أفضل.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 08-03-2024 08:27 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...images/-30.jpg


الأربعون الوقفية (30)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.



الحديث الثلاثون:
وقف المنقولات
عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر حَمَلَ على فرس له في سبيل الله أعطاها رسول الله[ لهُ، فَحَملَ عليها رجلاً، فأخبر عمر أنه قد وقفها يبيعها، فسأل رسول[ أن يبتاعها فقال: «لا تبتعها ولا ترجعن في صدقتك».
الحديث أورده البخاري في باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت، وفيه بيان وقف المنقولات، من الدواب والأمتعة والسلاح والنقد من المال، وابتدأ البخاري الباب مستدلاً بقول الزهري على جواز وقف المنقولات: «وقال الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله، ودفعها إلى غلام له تاجر يتجر بها، وجعل ربحه صدقة للمساكين والأقربين، هل للرجل أن يأكل من ربح ذلك الألف شيئا، وإن لم يكن جعل ربحها صدقة في المساكين؟ قال: ليس له أن يأكل منها».
وفيه قصة عمر مع فرسٍ سميّ «الورد» من جودته وجماله وقوته، أهداه تميم الداري رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلملعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتصدق به عمر لرجل على أن يستخدمه ويركب عليه في الجهاد في سبيل الله، فأُخبر عمر بأن الرجل يعرضه للبيع. فسأل عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم، أن يشتريه من الرجل الذي يريد بيعه، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم ألا تشتره، وعَدّ النبي صلى الله عليه وسلمأن الشراء رجوع في الصدقة.
«وسبيل الله»: هو الطريق الموصلة إلى الله تعالى، وتطلق على كل ما شرعه الله، قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ}، كما تطلق مراداً بها الجهاد الذي هو ذروة سنام الإسلام، كما في حديث ابن عمر، والصدقة في سبيل الله، إما تكون صدقة، أو تكون وقفاً، فإن كان قصد المتصدق حبس أصل الصدقة وتسبيل منفعتها، فهو: وقف وحبس، وإن كان قصده تمليك ذات المتصدق به أو الموهوب فهو صدقة فقط.
قال الحافظ في الفتح في معنى «وقف الدواب والكراع والعروض والصامت»: «الكراع اسم لجميع الخيل، فهو بعد الدواب من عطف الخاص على العام‏،‏ والعروض بضم المهملة جمع عَرْض وهو جميع ما عدا النقد من المال‏.‏ والصامت: الذهب والفضة‏ من النقد».
وقصة فرس عمر دالة على صحة وقف المنقولات، فيلحق به ما في معناه من المنقولات إذا وجد الشرط: وهو تحبيس العين، فلا تباع ولا توهب بل ينتفع بها، والانتفاع في كل شيء بحسبه‏، واستدل العلماء من هذا الحديث وغيره على صحة وقف المنقولات، وما كان منه تحبيساً في سبيل الله، فهو وقف لا يجوز الرجوع فيه عند الجمهور. قال ابن بطال: «ما كان من الحمل على الخيل، تمليكا للمحمول عليه، بقوله: هو لك، فهو كالصدقة، فإذا قبضها لم يجز الرجوع فيها، وما كان منه تحبيساً في سبيل الله، فهو كالوقف لا يجوز الرجوع فيه عند الجمهور».
والأوقاف المنقولة هي تلك الأوقاف التي تؤسس بالنقود والمنقولات والدواب وما أشبه ذلك، ووقف النقد يعني: الوقف الذي يكون فيه الموقوف مالاً نقدياً سواء أكان ذهباً أو فضة أو شيئاً فيه شيء منهما أو كان عملة معدنية أو ورقية مما يعد ثمناً للأشياء وقيماً للسلع ووسيلة للتبادل، والفقهاء اختلفوا في وقف العملة المعدنية اختلافاً كثيراً، وأرجح الأقوال: جواز وقف النقود الورقية لما يتحقق من خلال وقفها من منافع ومصالح، ولما في ذلك من فتح باب من أبواب الوقف يتحقق به غرض الواقف ومقصود الشارع ومصلحة الموقوف عليهم، والغرض من وقف النقود هو إقراضها قرضاً حسناً لمن ينتفع بها ثم يرد بدلها، أو وقفها لاستثمارها وتوزيع عوائدها الربحية على الموقوف عليهم.
وفي حكم الرجوع في الصدقة أو الهبة أو الوقف، بوب البخاري باباً أسماه: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته، وأورد فيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:» ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب يرجع في قيئه»، أي العائد في هبته إلى الموهوب، يشابه أخس الحيوانات في أخس أحوالها؛ ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض، إلا هـبة الوالد لولده.
وقال بعض أهل العلم: إن ذلك الفرس لم يكن وقفاً؛ لأن الوقف لا يباع أصله ولا يوهب، وكيف لا يُنهى بائعه أو يمنع من بيعه إن كان وقفاً؟ نقل ابن حجر في الفتح قول الإسماعيلي: «لعل معناه أن عمر جعله صدقة يعطيها من يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعطاءه، فأعطاها النبي صلى الله عليه وسلمالرجل المذكور فجرى منه ما ذكر، ويستفاد من التعليل المذكور أيضا أنه لو وجده مثلا يباع بأغلى من ثمنه لم يتناوله النهي.
وقيل: إن الرجل أراد بيعه لأن عمر رضي الله عنه أهداه إياه ليجاهد عليه، هبة منه، وتمليكاً للرجل؛ إذ لو أعطاه إياه حمل تحبيس لم يجز بيعه.
وقيل: بلغ إلى حالة لا يمكن الانتفاع به فيما حبس فيه. وقيل: إنه لم يحسن القيام عليه، وقصر في مؤونته وخدمته، وقيل أي لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته.
ومما يستفاد من الحديث: جواز وقف المنقولات التي يمكن الانتفاع بها مع بقاء أعيانها كالأسلحة والآلات والأواني، وفيه أن الصدقة والوقف لا رجوع فيهما مطلقا، ولا يجوز للواقف الرجوع عن الوقف أو فسخه؛ لأنه مؤبد، وفيه أنه متى ثبت الوقف، فإن العين لا يجوز أن تباع، ولا أن توهب، ولا أن تورث، وفيه جواز بيع الموقوف إذا بلغ غاية لا يتصور الانتفاع به فيما وقف له. ويستنبط منه جواز وقف الحلي للبس والعارية على ما ذهب إليه أكثر الفقهاء لأنها من الأعيان المباحة التي ينتفع بها مع بقاء أعيانها.
وفيه حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على الخير، وفيه رجوعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسؤاله واستشارته في أمور الدين، وفيه أن خطاب النبي صلى الله عليه وسلمهو خطاب للجميع ما لم يأت دليل يدل على التخصص، وفيه حُسن أدب الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه مبادرة وامتثال الصحابة رضوان الله عليهم لقول وتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه حرص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى الصدقة والوقف واختيار أنفس أموالهم وأعزها لتكون قربة إلى الله تعالى، وفيه توجيه لكافة الأمة أن على المسلم الامتثال وفعل ما يرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلممن أعمال الخير. وفيه حرص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلمعلى البذل في الجهاد وأبوابه الذي هو ذروة سنام الإسلام.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 09-03-2024 06:45 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
لا اله الا الله

ابوالوليد المسلم 09-03-2024 06:46 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (32)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.



الحديث الثاني والثلاثون:
الوقف أجر إلى يوم القيامة
عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من غسل مسلما فكتم عليه غفر له الله أربعين مرة، ومن حفر له فأجنَّه أجري عليه كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، ومن كفنه كساه الله يوم القيامة من سندس وإستبرق الجنة»(1).
وفي الحديث أن للذي يغسل مسلماً أجراً عظيماً، وهذا الأجر مشروط بشرط الكتمان والستر على الميت، فلا يُحَدِّث بما قد يراه مكروهاً منه، والأجر كذلك للمسلم الذي أجنه أي ستره في القبر، وضع الميت في القبر، فتجرى له الحسنات كأجر مسكن أسكنه إياه إلى يوم القيامة، وهذا أجر مستمر.
وقد أخرج الطبراني في «الكبير» بسند صحيح عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من غسَّل ميتاً فستره، ستَره اللهُ من الذنوب، ومن كفَّنَه، كساه اللهُ من السندس»(2).
وفي مسؤولية الأمة في تغسيل الميت وتكفينه ودفنه، قال الإمام النووي رحمه الله في «المجموع»: «وغسل الميت فرض كفاية بإجماع المسلمين، ومعنى فرض الكفاية: أنه إذا فعله من فيه كفاية سقط الحرج عن الباقين، وإن تركوه كلهم أثِمُوا كلُّهم»(3).
وقال الشافعي رحمه الله في كتابه الأم: «حق على الناس غسل الميت والصلاة عليه ودفنه لا يسع عامتهم تركه، وإن قام بذلك منهم من فيه كفاية له أجزأ إن شاء الله»(4).
وإن كان جزاء من جهز الميت وآواه في التراب عظيماً مستمراً إلى يوم القيامة، وكأنه قد وهبه بيتاً يسكن فيه، فكيف بمن أوقف أرضاً ثم أحاطها وجعل فيها مغسلة لتغسيل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم وأوقف لهم الأوقاف للصرف على من يعمل بهذه المقبرة من حفر القبور وتجهيزها، وجعل فيها من الحسبة الذين يحيون السنن ويميتون البدع التي تكثر في المقابر من بدع يندى لها الجبين(5)، ووفر فيها المياه للشرب والوضوء ومظلات، وطرقا ممهدة حتى يسهل على الناس المشي في حمل الجنازة والسير لدفنها، وكراسي لجلوس كبار السن، ومواقف للسيارات، وسيارات لنقل الموتى، وأوقف أدوات الحفر، وألواحا لحمل الموتى، ومكانا لصلاة الجنازة قريبا من المقبرة، ورصف الطرق حتى لا يتعثر المشيعون.
فذلك باب أجر عظيم للواقف، وتيسير على أهل المتوفى، وحفظ كرامة المتوفى، وكذلك تخفيف المشقة على المشيعين فمنهم الكبير والعاجز.
ومما يؤلم في عالمنا العربي والإسلامي بعد أن تقلص دور الأوقاف وأضعفت قصداً، أضحت المقابر الوقفية قليلة في بعض الدول الإسلامية، وفي الدول الفقيرة تكون مصيبة الموت على أهل الميت مصيبتين، الأولى: مصيبة فقدانهم لعزيز أو معيل، والثانية: مصيبة التكاليف المادية التي لا قدرة لهم على تحملها، تتراوح بين 1000 و3000 دولار، حتى يوفروا لميتهم قبراً وكذلك تكاليف التغسيل والكفن والنقل وإقامة العزاء وفرش الموائد، وما يتبعها من تكاليف باهظة لا طاقة لهم بها، ولكن مع ذلك فإن العرف والتقاليد الاجتماعية تجبرهم على تحمل تلك التكاليف.
وهذه دعوة للمتبرعين أن ينوعوا في تبرعاتهم، ولا يحصروها في بناء المساجد فقط وإن كان أجرها عظيما، إلا أن الحاجة شديدة في بعض الدول الإسلامية وغيرها إلى وقف أراض تخصص لتكون مقبرة توفر فيها الخدمات والمستلزمات للتخفيف على أهل المتوفى، جاء في كتاب: «إتحاف الأحلاف في أحكام الأوقاف»: «إن أفضل الأوقاف وقف شيء، يحس الناس أنهم بحاجة ماسة له»(6).
ومما اشتهر من الأوقاف، أن السلف كانوا يوقفون أرضاً ثم يحيطونها بحائط ويجعلونها مقبرة، وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله عن رجل عين أرضاً له وجعلها مقبرة فأجاب بأنه ليس له أن يرجع»(7)، أي مادام أوقفها واشتهرت بين الناس بأنها مقبرة، وسمح بدفن الموتى بها، فهي قد أبدت وقفاً لا رجوع فيه.
ما يستفاد من الحديث
أن للذي يغسل مسلماً أجراً عظيماً، وكذلك من يكفنه، والأجر المستمر لمن يدفنه. وأن الأجر الذي يناله من الأجور المستمرة التي لا تنقطع، وفيه أن هذه الأعمال وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيرها، كما أن فيه وسيلة للتكفير عن الذنوب ومحوها.
وفيه أن تغسيل الميت من الأعمال التي يغفر فيها للمسلم أربعين مرَّة، وهذه عطية ربانية ومنحة إلهية يمتن بها الله سبحانه على من يشاء من عباده، وفيه ترغيب بالمبادرة بتعلُّم تغسيل الميت، وفيه أن من حق المسلم على المسلم أن يكفنه ويتبع جنازته ويلحده في قبره.
وفيه تحقق الرحمة والتكافل والتعاضد بين الأمة، وتنظيم الحياة بمنهج حميد، لتحقيق أهداف اجتماعية واسعة، وفي مقدمتها الطمأنينة في حفظ كرامة المسلم في حياته وبعد مماته.
وفيه أنه ينبغي للغاسل ولمن حضر معه إذا رأى من الميت شيئاً أن يستره، ولا يحدّث به، وفيه ترغيب للأمة في هذه الأعمال الفاضلة، فإعادة إحياء سنة وقف المقابر كانت في تاريخ الأمة وتراثها حاضرة موثقة، ففي العهود الإسلامية أوقاف أوقفت لتجهيز الموتى ودفنهم، وأوقاف خصص ريعها لرعاية الفقراء حتى بعد وفاتهم، وذلك بتحمل تكاليف تغسيلهم وتكفينهم ودفنهم، ومن أشهر هذه الأوقاف (وقف الطرحاء) الذي جعله الظاهر بيبرس برسم تغسيل فقراء المسلمين وتكفينهم ودفنهم.
وقد توافرت الأوقاف في العهود الإسلامية وكانت حاضرة في حياة الإنسان من مهده إلى لحده، سواء كان فقيراً أم غنياً، ملازمة له لا فكاك عنها منذ ولادته إلى وفاته، فيولد المولود في منزل وقفي (رباط مخصص للولادة)، على يد القابلة التي تتقاضى راتباً من أموال الوقف، أو أن القابلة - الداية - التي تتولى ولادة المولود - في بيت والديه- هي باذلة لجهدها لله تعالى تساعد الأمهات على الولادة.
وينام المولود في مهد وقفي، ويأكل ويشرب من أموال الوقف- إن كان من أهل الحاجة- وعندما يبلغ بضع سنين، يلتحق بالكتاتيب التي هي أوقاف، ويتقاضى شيخه ومعلمه راتبه من أموال الوقف.
ويلتحق بعد ذلك الطالب بالمدارس الوقفية، والتعليم كان كله وقفا ويصرف لتشغيله من أموال الوقف، ولا تدفع الخلافة قرشاً واحداً على التعليم(8)، وعندما يقرأ كانت الكتب الموقوفة والتابعة للأوقاف هي المتوافرة بين يديه، ويكتب في ورق الأوقاف، والحبر يصرف من وقف خصص لذلك.
وخلال مسيرة حياته يصلي الفتى في بيوت الله – المساجد – التي هي وقف لله تعالى، ويكون مأموماً وراء إمام يتقاضى مخصصاته وتكاليف معيشته من أموال الوقف، ويسمع الدروس والخطب في المساجد من أهل العلم والفقه، الذين تكفل برعايتهم الوقف.
وحينما يشتد عوده ويكون مهيأ للعمل والنتاج فالمؤسسات الوقفية والمشاريع التنموية الوقفية تقدم فرص العمل وتكون حاضرة أمامه، حيث كان ما يقارب الـ 30% وفي بعض الأحيان تصل النسبة إلى 50% من القوى البشرية تعمل في المجال الوقفي ودائرة الوقف.
وعندما يمرض فإن (البيمارستانات) الوقفية - المستشفيات - هي التي كانت تعالج المرضى وتوفر لهم الدواء بالمجان، والطبيب المعالج والكادر الذي يتبعه يتقاضون راتبهم من ريع الأوقاف التي خصصت لتشغيل تلك المستشفيات.
ويشرب خلال مسيرة حياته أحياناً كثيرة من أسبلة، ويتوضأ من متوضآت في المساجد والميادين، أوقفها الواقفون قصداً في الأجر من الله تعالى، ونفع الآخرين، وعندما تحدث له ضائقة مالية، فإن من الأوقاف ما خصص لتفريج الكروب وسد الديون، وحفظ كرامة الإنسان.
وحين تنقّله بين المدن والقرى، أو حينما يقصد الحج إلى بيت الله الحرام، فإن (التكايا) والاستراحات والآبار الوقفية، موزعة في الطرق وأماكن تجمع المسافرين، وما زال بعضها قائما وإلى الآن ينتفع بها الناس.
وعندما يحين أجله ويتوفاه الله تعالى، فإنه يُنقل من بيته إلى المغسلة بعربات وقفية ومغسلة حبست وأوقفت لله تعالى، ويغسّله المغسّل الذي يتكفل بمعيشته الوقف، ويُحمل ويوضع في تابوت وقفي، ويكفن بكفن من أموال الوقف، ويُصلِّي عليه المشيعون بإمامة إمام يتقاضى راتبه من الوقف، ويوارى في التراب في مقبرة وقفية، كل من يعمل فيها يتقاضى راتبه من الأوقاف.
بل كانت الأوقاف تقوم بدور الوزارات المتعددة، وتقدم الخدمات على أكمل وجه، ومنها أوقاف خصصت للعبادة وإقامة الصلاة كالمساجد والجوامع ومصليات العيدين، وأوقاف خاصة بالتربية والتعليم كالمدارس ودور الحديث، والكتاتيب، والحلقات الفقهية، ومسطبات العلم، ودور القرآن وأوقاف خصصت للمجالات الاجتماعية التنموية، كبناء المساكن للفقراء، والحدائق والبساتين والآبار.
وأوقاف خاصة بالأمور الاقتصادية، كالأسواق الوقفية والحمامات والفنادق، وأوقاف النقود، وأوقاف خصصت ليصرف من ريعها على إقامة الثغور والثكنات العسكرية، وتصنيع السلاح، وفكاك الأسرى، وأوقاف للعلاج كالمستشفيات، ودور العجزة، والصيدليات والمختبرات، وأماكن النقاهة للمرضى.
وأوقاف خاصة بخدمات توفير المياه وسقي الناس، كالأسبلة والآبار ومحابس المياه وبناء القنوات، ونقل الماء، وأوقاف خصصت للتدريب والتطوير، وخاصة للأيتام، وكذلك أوقاف للتدريب على الفروسية والرماية، وإجادة فنون القتال، ومختلف أنواع الرياضات التي كانت متوافرة والحاجة شديدة للتدريب عليها.
فما أروع تلك الأوقاف وما قدمته من خدمات جليلة، والأروع من ذلك أن طريق الوقف والصدقة الجارية أبوابه مفتوحة ومتعددة، وأفضله ما كان أنفع للناس، وهذا من فضل الله على عباده.
الهوامش:
1 - صححه الألباني في أحكام الجنائز وبدعها (ص/69)، وفي (صحيح الترغيب والترهيب) (3/368)، وقال: هو صحيح على شرط مسلم. ورواه الذهبي في المهذب الصفحة أو الرقم: 3/1327 ورواه الطبراني في الكبير.
2- صحيح الجامع: 6403
3 - المجموع للنووي( 5/128).
4 - الأم للشافعي (1/243)
5 - وهذا مشاهد للأسف في بعض الدول الإسلامية.
6 - «إتحاف الأحلاف في أحكام الأوقاف»، عمر حلمي، ص 5.
7-الوقوف والترجل من الجامع لمسائل الإمام أحمد، تأليف الإمام أبى بكر الخلال، وتحقيق سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية ط1 / 1415 – 1994 م بيروت ص 34.
8 - كانت للخلافة الإسلامية دواوين كثيرة، ولكننا لم نقرأ عن ديوان للتعليم لأنه كان وقفاً.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 09-03-2024 07:10 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (33)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.



الحديث الثالث والثلاثون:
الوقف خيرٌ للحي والميت
قال زيد بن ثابت رضي الله عنه : « لم نر خيراً للميت ولا للحي من هذه الحُبُس الموقوفة، أما الميت فيجري أجرها عليه، وأما الحي فتحتبس عليه، ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها(1)».
الوقف الإسلامي تشريع رباني، جمع بين الرحمة والنعمة، فمقاصده عظيمة، ومنافعه وفيرة، ومجالاته متعددة، وحاجاته متجددة، يحقق للعباد المنافع الدنيوية والأخروية، فهو سبيل من سبل السعادة في الدنيا والآخرة، ترفع فيه الدرجات، وتكفّر فيه السيئات ويدوم معه الأجر بعد الممات.
وقد حبس زيد بن ثابت (2) رضي الله عنه داره التي في البقيع وداره التي عند المسجد(3). وروي عنه أنه قال: «لم نر خيرا للميت ولا للحي من هذه الحبس الموقوفة، أما الميت فيجري أجرها عليه وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها». وأضاف الخصاف: «وإن زيد بن ثابت جعل صدقته التي وقفها على سنة صدقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكتب كتابا على كتابه(4)»(5).
لقد جعل الإسلام من الوقف بلسما شافيا لقضاء مصالح البشر في الدنيا والآخرة، وهو من أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى مولاه، ومن أهم السبل التي يحقق بها سعادته في الدنيا، والأجر في الآخرة، ويطمئن لمستقبل ذريته الأحياء في الدنيا، ولاسيما الضعفاء منهم بعد موته وانتقاله إلى الدار الآخرة، وزاد من اهتمام المسلمين بالوقف أثره الدائم، وأجره المتواصل.
وشُرع الوقف لحكم عظيمة، ففيه منافع للعباد والبلاد، تنمو بوجوده وحسن رعايته وإدارته المجتمعات، وتحفظ بمؤسساته كرامة الأمة وعزها، وترتقي في العلم والتعليم، وفيه إعانة الأرملة والمسكين، المجاهد والقاعد، الصغير والكبير، الصحيح والمريض، كلٌ بما يحتاجه، وقد انتشرت الأوقاف بين المسلمين خير انتشار، الغني منهم ومتوسط الدخل والحال، بل محدود الدخل، فمنهم من أوقف عقاراً، ومنهم من أوقف مصحفاً أو كتاباً، ومنهم من أوقف نخلةً، بل منهم من أوقف قدراً للطبخ، وقد أوقف الصحابة رضي الله عنهم امتثالاً لأمر الله تعالى العام بالصدقة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وحثه على الوقف.
فالوقف نظام يُصلح لكل زمان ومكان، والمصلحة تقتضيه؛ لما فيه من منفعة للواقف باستمرار وصول الثواب إليه، ومن المنفعة للوقوف عليه بانتفاعه بالموقوف، مع حفظه وعدم تمكينه من استهلاكه.
وقد أدركت الأمم غير الإسلامية ما في الوقف من مزايا قيمة، وأغراض سامية ، فعني كثير منها بوضع نصوص في قوانينه، لتنظيم نوع من التصرف يشبه الوقف في معناه، وأغراضه، وآثاره عندنا(6).
ومن خلال التشريع الرباني، والامتثال لهذا التشريع، وثق التاريخ منذ القرن الأول وإلى أيامنا التي نعيشها أوقافا شهد لها القريب والبعيد، وقد أولى فقهاء الأمة ومحدثوهم العمل الوقفي اهتماماً واضحاً، فبوبوا له الأبواب وقعدوا له القواعد، وبحثوا في مسائله ومستجداته، فأصلوه تأصيلاً شرعياً، وحددوا له الشروط والضوابط والمقاصد والغايات، وطرق إحيائه في النفوس، وفنون رعايته وحسن إدارته.
فالوقف ضمان لاستمرار عطاء المؤسسات التطوعية والخيرية، هذا ما أثبته التاريخ والواقع في عهود الخلافة الإسلامية، فالأوقاف هي الحجر الأساس الذي قامت عليه الكثير من المؤسسات الخيرية في ديار المسلمين، فمن أجل نجاح واستمرار مشروع خيري كانوا يقيمون له الوقف لينفق عليه من إيراده، ولا يكتفون بإنشاء المشاريع دون التفكير في مستقبلها وضمان استمرار تشغيلها؛ لذلك كانت هذه المؤسسات تقوم بدورها في المجتمع بغض النظر عما يحصل لها من طوارئ الزمان أو لانصراف الاهتمام عن المشروع إلى غيره.
فوائد من الحديث:
وفيه أن الوقف حفظ للمال، وضمان للبقاء، ودوام الانتفاع.
وفيه من الخير الكثير، فهو امتثال لأمر الله تعالى في الإنفاق والتصدق والبذل في سبيل الله ومنفعة الآخرين، وامتثال لأمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم في حثه وتوجيهه للصدقة والوقف.
وفيه أن الوقف ثوابه للحي وللميت، وأنه من العمل الذي لا ينقطع، في أجره وفي نفعه للموقوف عليه، في زمنه وزمن غيره، فأوقاف الصحابة استمر نفعها لمئات السنين وبعض منها ما زال نفعها إلى الآن، كبئر عثمان رضي الله عنه – بئر رومة- ووقف سعد بن عبادة بستانه كصدقة لأمه التي توفيت وهو غائب عنها.
وفيه أن الوقف سبيل للذكر الحسن، والدعاء والثناء لواقفه على ألسنة الناس، والأهم من ذلك استمرارية وصول الثواب والأجر للواقف ما دام الوقف قائماً يستفيد منه العباد، فالثواب مستمر بديمومة الوقف.
وفيه أن الوقف إن كان للذرية خاصة، فهو حماية للمال ومحافظة عليه من إسراف الأبناء، وسفاهة عقولهم، فيبقى المال، وتستمر الاستفادة من ريعه لأبنائه، ويدوم جريان أجره للواقف، وفيه أن الوقف بر للرحم والأقارب لتدوم الصلة، وتتآلف القلوب، وتنزع الضغينة من القلوب، وهذا ما يحقق الترابط بين الأبناء والأقارب والأسر.
والوقف فيه تحقيق التكامل والتآلف بين المسلمين، والتكافل الخاص في نطاق الأسرة، والوقف لا تقتصر منفعته على الفقراء وحدهم، وإنما يمتد نفعه ليشمل كثيراً من المجالات التي تخدم البشرية.
وقد استمر عمل الأمة الإسلامية في وقف الأوقاف من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين ومن بعدهم جيلاً بعد جيل، واستمرار الوقف مطلب يبتغيه الواقف؛ لأن مقصده دوام وصول الثواب إليه والواقف محتاج إلى دوام وقفه ليدوم معه وصول الثواب إليه.
وقد كانت الأوقاف أداة رئيسة للنمو الاقتصادي والتوازن الاجتماعي، ومن كثرة الأوقاف على المدارس والكتاتيب والمؤسسات العلمية التي كانت بمنزلة الجامعات في عهدنا الحالي، أدى ذلك إلى عدم ظهور ديوان للتعليم في الدولة الإسلامية قديماً، بينما ظهرت دواوين أخرى، كديوان للخدمة وديوان للقضاء وديوان للحسبة وديوان للمظالم، وتلك ميزة حفظت للتعليم حريته ونماءه.
وقد حقق الوقف الإسلامي للعمل التطوعي في العهود الإسلامية أدواراً متعددة، نذكر منها :
توفير الأمن الغذائي، وتحقيق الحاجيات الأساسية.
توزيع الثروة وتقليل الفجوة بين طبقات المجتمع.
توفير التعليم المجاني للفقراء من خلال المدارس والجامعات.
توفير الأمن الصحي للفقراء والمحتاجين من خلال المستشفيات (بيمارستان).
رعاية الأيتام وكفالتهم وتربيتهم من خلال الوقف الخاص بهم، أو الوقف العام للفقراء والمحتاجين.
توفير عدد من الوظائف من خلال النظار والموظفين والمشرفين ونحوهم في المؤسسات الوقفية والمساجد، ونحوها.
المساهمة في تطوير العمل الخيري في المجتمع الإسلامي من خلال العمل المؤسسي للجمعيات والمؤسسات الوقفية.
المساهمة في عملية التنمية الاقتصادية، وزيادة عوامل الإنتاج كمّاً ونوعاً، واستيعاب التقنية الحديثة، وزيادة الموارد من خلال الاستثمار.
فتاريخ الوقف مليء بأعاجيب ومشاريع تثير الفخر في النفوس، حتى في عهد ازدهار الدولة الإسلامية وفي فترات رخائها وغنائها، تكفلت الأوقاف بمعظم أعباء التعليم الأساسي والجامعي والشؤون الصحية والبنية الأساسية، وصرفت على متطلبات الأمن والدفاع، وساهمت في تنمية التعليم والدراسة منذ مرحلة الطفولة حتى المراحل الدراسية العليا المتخصصة.
فالوقف الإسلامي بمؤسساته وإيراداته يعد من أعظم روافد العمل الخيري، فكانت قطاعاته هي المحضن للطاقات البشرية الراغبة في العمل الخيري والتطوعي.
الهوامش:
1 - ذكره الخصاف في أحكام الأوقاف، فيما رُوي في صدقة زيد بن ثابت رضي الله عنه، ص 12. وفي كتاب الإسعاف في أحكام الأوقاف إبراهيم الطرابلسي ص9.
2 - هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، أبو خارجة (11ق هـ-45هـ) صحابي، كان من كتاب الوحي الوحي، وكان أحد الذين جمعوا القرآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار وعرضه عليه، وهو الذي كتبه في المصحف لأبي بكر ثم لعثمان رضي الله عنهما: انظر الإصابة 1/561، وغاية النهاية 1/296.
3 - انظر السنن الكبرى للبيهقي كتاب الوقف، باب الصدقات المحرمات (6/161 ).
4 - انظر كتاب عمر رضي الله عنه في شرح حديث رقم : 4، في «الأربعون الوقفية».
5 - أحكام الأوقاف، للخصاف، ص 12.
6 - كتاب الوقف للشيخ عبد الجليل عبد الرحمن ، اعتنى بإخراجه د.عبد الله مزى ، المكتبة الملكية ، ط1 / 1430هـ/ 2009م بمكة المكرمة ص 43.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 09-03-2024 08:14 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (34)


جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقل، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائداً جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا .


الحديث الرابع والثلاثون:
وقف المريض مرض الموت
عن عامر بن سعد عن أبيه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: مرضت عام الفتح حتى أشرقت على الموت. فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: أي رسول الله إن لي مالا كثيرا وليس يرثني إلا ابنة لي. أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: “لا”، قلت: فالشطر؟ قال: “لا”، قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث. والثلث كثير . أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» .
حديث سعد رضي الله تعالى عنه أصل في مقدار الوصية؛ والوقف في مرض الموت يخرج مخرج الوصية في حق نفوذه من الثلث، فيتوقف نفوذُه فيما زاد على الثلث على إذن الورثة؛ لأن حق الورثة تعلق بالمال بوجود المرض، فمنع التبرع بزيادة على الثلث .
فحينما مرض سعد بن أبي وقاص مرضاً شديدا في عام الفتح وقيل في حجة الوداع ، أتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فلما دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا رسول الله! قد بلغ بي من الوجع ما تراه، وعندي مال كثير وليس يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: “لا” ، قلت: فالشطر؟ قال: “لا”، قلت: فالثلث؟ قال: «الثلث. والثلث كثير».
فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الثلثين ثُم عن الشّطْرِ وأباح له الثلث ووصفه بالكثرة، فمن كان له وارث فليس له أن يوصي بأكثر من ثلثه لقول النبي صلى الله عليه وسلم والثلث كثيرٌ لقوله إنك إن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، فثبت بذلك حق للورثة في مال المريض بمنع ما زاد على الثلث . ‏
وقد اتفق العلماء على أن له الوصيَّة بالثلث، وروى هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عباس أنهُ قال لو غضَّ الناس إلى الرُّبْعِ ; لأن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال الثلثُ والثلثُ كثيرٌ , فحُمِلَ قوله والثلث كثيرٌ على استكثار الثلث فِي الوصية والندب إلى التقصير عنه وروي عن عمر رضي الله عنه أنه أوصى بالربع وأوصى أبو بكر الصديق بالخمس, وقال: رضيت في وصيَّتِي بما رضي الله بِه لنبيه من الغنيمة . ‏
يقول الشيخ بن عثيمين – رحمه الله - : ونرى كثيراً من الناس يظنون أن الوصية بالثلث أفضل من الوصية بما دونه وهذا خطأ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «الثلث والثلث كثير»، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما لو أن الناس قضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كثير»، وأوصى أبو بكر الصديق رضي الله عنه بخمس ماله وقال أرضى بما رضي الله لنفسه فإن الله قال: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى} (الأنفال:41) .
والوصية هي: «الأمر بالتصرف بعد الموت»، وإذن الشارع بالتصرف عند الموت بثلث المال، وذلك من الألطاف الإلهية والتكثير من الأعمال الصالحة، وفي الخبر عنه: «إنَّ الله تصدَّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم». رواه ابن ماجه.
قال النووي في شرحه على مسلم: «لا ينفذ ما زاد عن الثلث إلا برضا الوارث..وأجمع العلماء في هذه الأعصار على أن من له وارث لا تنفذ وصية بزيادة على الثلث إلا بإجازته، وأجمعوا على نفوذها بإجازته على جميع المال»
فالإنسان حينما يرى قرب موته إما بمرض أو طول عمر فإنه يزهد في الدنيا بكاملها، حتى في أهله وأولاده، وينظر إلى ما بعد الموت، ويريد أن يقدم كل ما يمكن أن يستطيعه لآخرته، فهو تحت تأثير الرغبة والرهبة: الرهبة فيما هو مستقبل أمامه، والرغبة فيما عند الله من الأجر، فإنه يرغب بالتصدق، ومنهم من يوصي بأن يتصدق بكل ماله، وفي هذا ضرر للورثة، وهنا تكون النصيحة له بأن الحد الأقصى لا يتجاوز الثلث من ماله .
ويعتبر المريض مرض موت إذا توافر فيه شرطان: أولهما: أن يكون من الأمراض التي يغلب فيها الموت عادة بحسب الاستقراء الطبي. وثانيهما أن يتصل به الموت.
وقد نص مشروع قانون الأوقاف الكويتي في المادة الثانية منه على أن «تسري أحكام الوصية على الوقف الصادر من المريض مرض الموت، أو المضاف لما بعد الموت»، وجاء بالمذكرة الإيضاحية أن هذا النص قد أخذ بما جاء بنص المادة (942) من القانون المدني الكويتي التي تنص فقرتها الأولى على أن: «كل تصرف قانوني يصدر من شخص في مرض الموت بقصد التبرع يعتبر تصرفًا مضافًا إلى ما بعد الموت، وتسري عليه أحكام الوصية». وأن ذلك جاء نزولا على أقوال الفقهاء التي عبر عنها ابن قدامة من فقهاء الحنابلة بقوله: «الوقف في مرض الموت بمنزلة الوصية، في اعتباره من ثلث المال، وإذا خرج من الثلث جاز من غير رضا الورثة، وما زاد على الثلث، وقف الزائد على إجازة الورثة»( ).
وبعض المجتمعات الإسلامية ولاسيما في الخليج العربي - على وجه العموم- تعبر عن الوقف بتعبير الثلث، والوقف المضاف لما بعد الموت حكمه حكم الوصية بالوقف.
والوقف طاعة لله تعالى، فلا يضر معه أحد، ولا يمنع منه البنات دون الأبناء، فلا ضرر في الوقف، وقد استنكرت أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها – حرمان البنات من نصيبهن ، فكانتْ إذا ذكرَت صدقات الناس، وإخراج الرِّجال بناتِهم منها، تقول: «ما وجدتُ للناس مثلاً اليوم في صدقاتِهم، إلا كما قال الله - عزَّ وجلَّ -: {وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ} (الأنعام: 139)»، والله إنه ليتصدَّق الرَّجُل بالصدقة العظيمة على ابنته، فترى غضارة صدقته عليها، وترى ابنته الأخرى، وإنَّه لَيُعرف عليها الخصاصة، لَمَّا أبوها أخرَجَها من صدقته» . أي أن إحدى بناته تلمس كثرة الصدقة عليها، والابنة الأخرى قد لحقها الظلم والفقر نتيجة حرمانها، وفي ذلك إضرار ببعض أبناءه.
وللحديث فوائد ودلالات: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعود أصحابه إذا مرضوا وهذا من مكارم أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه. عيادة المريض عمل يتقرب فيه إلى الله، عن البراء بن عازب، قال: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع: عيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ونهانا عن: لبس الحرير ، والديباج، والقسي، والاستبرق، والمياثر الحمر» .
وفيه دليلٌ على جواز إخبار العليل بشدَّة حاله لمن يرجُو بركة دعائه، ومن يعلَمُ إشْفَاقُهُ عليه، ولذريته ليخبرهم ماله وما عليه من ديون لتعجيل سدادها.
وهذا الحديث من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وهو أنه أخبر سعداً وهو مريض بأنه سيعيش وسيأتي له الأولاد ويكون له الورثة العديدون، قيل قد ولد له بعد ذلك أربعة، ومنهم من قال: ستة، ومنهم من قال: ثمانية من الأولاد ذكوراً وإناثاً.
والوقف الإسلامي مقاصده وغاياته لم تدركه أمة من الأمم، كما أدركه المسلمون، فهو تشريع من عند الله تعالى، وقد امتثل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وصايا النبي وطبقوها تطبيقاً علمياً، فأوقف الصحابة رضوان الله عليهم الأوقاف ابتغاء مرضاة الله تعالى، روى محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: «ما أعلم أحداً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل بدر من المهاجرين والأنصار، إلا وقد وقف من ماله حبساً لا يشترى ولا يورث ولا يوهب، حتى يرث الأرض وما عليها»( ).
وللوقف هدف أسمى من بقية الأهداف وهو امتثال أمر الله سبحانه وتعالى بالإنفاق والتصدق والبذل فى وجوه البر، كما أن فيه أمتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة وحثه عليها ، ووسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيرها، كما أن فيه وسيلة للتكفير عن الذنوب ومحوها، ومع الوقف تطول سنة الانتفاع من المال ومد نفعه إلى أجيال متتابعة .
وينبغي على المسلم شكر النعم، ومن شكرها تخصيص جزء من أمواله وجعله فيما يعود عليهم بالنفع العاجل والآجل، ففي الوقف استمرار للأجر للواقف، والنفع الموقف عليه، فهو من الأعمال التي لا تنقطع بموت صاحبها بل يستمر معها الأجر والثواب .
الهوامش:
1 - صحيح سنن ابن ماجة ، للألباني ، باب الوصية بالثلث . برقم 2189.
2 - انظر: البحر الرائق، (5: 211)، وتحفة المحتاج، (6: 251) ، والموسوعة الفقهية – الكويتية ، (44/126)
3 - جاء في صحيح البخاري ، برقم 1295: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي ، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع ، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة ، أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال : لا . قلت: بالشطر ؟ فقال: لا . ثم قال : الثلث والثلث كبير، أو كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء ، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس « .
4 - انظر المنتقى في شرح الموطأ مالك ، شرح حديث
5 - انظر للاستزادة : خطبة الشيخ بن عثيمين رحمه الله ،بعنوان : الوصية والوقف. موقع الشيخ http://www.ibnothaimeen.com
6 - شرح النووي لحديث رقم 1628.
7 - المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الأوقاف، الأمانة العامة للأوقاف، ص 14. ولمزيد من التفاصيل حول ما يتعلق وصية المريض مرض الموت انظر كلا من: أ.د. محمد مصطفى شلبي، مرجع سابق، ص 345- 351، والموسوعة الفقهية الكويتية، مرجع سابق، ج 44، ص 126- 129 .
8 - «المدوَّنة الكبرى»، للإمام مالك، (4 / 345).
9 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 5849.
01 - أحكام الأوقاف للخصاف، ص:6 .





اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 10-03-2024 09:43 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med...mages/1_11.jpg


الأربعون الوقفية (35)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله؛ وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.




الحديث الخامس والثلاثون:
الوقف على القرابة.. شفقة وحفظ كرامة
عن هشام بن عروة: «أن الزبير وقف على ولده وجعل للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فلا حق لها فيه»(1).
من أوقاف الصحابة التي شاع خبرها، أن الزبير جعل دوره صدقة على ولده والمردودة من بناته، أي المطلقة والفاقدة التي مات زوجها، فلها أن ترد إلى البيت الذي أوقفه أبوها، وهذا من شفقة الأب على بناته؛ لتحفظ كرامتهن، ولتسد احتياجاتهن، بأن يضمن لمن تطلق أو تفقد زوجها أن تجد داراً تؤويها.
فقد أوقف الكثير من الصحابة الأوقاف، وأكد ذلك القرطبي بقوله: «إن أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابراً كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة»(2).
قال محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة: «ما أعلم أحداً من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل بدر من المهاجرين والأنصار، إلا وقد وقف من ماله حبساً لا يشترى ولا يورث ولا يوهب، حتى يرث الله الأرض وما عليها»(3). فقد امتثل أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وصايا النبي وطبقوها تطبيقاً عملياً، فأوقف الصحابة رضوان الله عليهم الأوقاف ابتغاء مرضاة الله تعالى، واستمر المسلمون من بعدهم في جريان أعمال الوقف وتعاهدوه جيلا بعد جيل.
وهذا ما أكده جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه بقوله: فما أعلم أحداً ذا مقدرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حبس مالاً من ماله صدقة مؤبدة لا تشترى أبداً، ولا توهب ولا تورث (4).
وكان من الصحابة ما اشترطوا في وقوفهم(5) أن يكون ريعها ومنفعتها على أولادهم وأقاربهم، كوقف عمر رضي الله عنه، ووقف ابن عمر حينما أوقف نصيبه من دار عمر رضي الله عنهما سكنى لذوي الحاجة من آل عبد الله، ‏ووقف أنس‏ بن مالك ‏دارا له بالمدينة فكان إذا حج مر بالمدينة، نزل داره، ‏وتصدق الزبير بدوره، وقال للمردودة – أي المطلقة - من بناته أن تسكن غير مضرة ولا مضر بها، فإن استغنت بزوج فليس لها حق(6).
وفي كتاب الوقف للبيهقي، قال: «تصدق الزبير ابن العوام رضي الله عنه بداره بمكة وداره بمصر، وأمواله بالمدينة»(7).
ووقف الصحابي الجليل الزبير بن العوام رضي الله عنه من هذا النوع (الوقف الذري أو الأهلي)، فقد أوقف عقاراً، وجعل منفعته لأولاده، واشترط أن تنتفع بناته منه، بشرط إن كانت غير متزوجة، فإن تزوجت فلا حق لها فيه، وإن طلقت فلها حق الانتفاع من هذا الوقف.
والوقف أنواع، إما خيري، أو أهلي - ذُرِّي- أو مشترك:
أما الوقف الخيري: فهو ما يصرف منه الريع من أول الأمر إلى جهة خيرية، كالفقراء والمساجد والمدارس والمستشفيات ونحوها.
والوقف الأهلي أو الذُرّي: ما جعلت فيه المنفعة للأفراد، إما على الواقف نفسه، أو أقاربه، أو شخص معين.
وهناك نوع ثالث سمي بالوقف المشترك: وهو ما يجمع بين الوقف الأهلي والخيري، يوقفه الواقف على جهة خيرية وعلى الأفراد، أو أن يكون لأقاربه بداية ثم لأبواب الخير من بعدهم.
ومدار الفرق بين الوقف الخيري والذري هو الجهة الموقوف عليها، فإن كانت خاصة بالواقف وقرابته كان الوقف أهليا أو ذرياً، وإن كانت عامة كان الوقف خيرياً. وكل منهما يعد قربة إلى الله وصدقة جارية لصاحبها، كما أن الوقف الذري مآله في الغالب إلى أن يكون وقفاً خيرياً.
وتقسيم الوقف وتسميته بالأهلي والخيري لم يكن موجوداً في العصور الأولى للإسلام، بل كانت الأوقاف معروفة بالصدقات؛ ولذلك كان يقال: «هذه صدقة فلان»، وكتب أوقاف الصحابة كلها عبرت عن الوقف بالتصدق: فتصدق بها عمر على كذا وكذا، وتصدق أبو بكر بداره بمكة على ولده، وكثير من هذه التعبيرات.
وبالرغم من عدم وجود تقسيم للوقف وتسميته بالأهلي أو الخيري، إلا أنه كان موجوداً بنوعيه منذ أن عرف الوقف في الإسلام، بل إن وقف عمر الذي يعد أساساً لما جاء بعده من أوقاف، كان موزعاً بين جهات البر وذوي القربى(8).
وللواقف الحق أن يشترط في وقفه، وشروط الواقف يقصد بها تلك الإرادة التي يقوم الواقف بالتعبير عنها في وثيقة وقفه، وهذه الوثيقة تسمى: كتاب الوقف، أو الإشهار بالوقف، أو حجة الوقف، فتكون المرجع في شروط الواقف، وبها تستبين النظم التي وضعها الواقف للعمل في وقفه، سواء كانت متعلقة بمصارف الوقف: وهي الجهات الموقوف عليها، أو متعلقة بكيفية توزيع ريع الوقف للموقوف عليهم، وبعضها متعلق بتحديد من يتولى الوقف، أي ناظر الوقف، وكيفية إدارة شؤونه، أو شروط أخرى أرادها الواقف.
وشرط الواقف معتبر إن لم يكن مخالفا لحكم الشرع، فلا تصح مخالفته، وهو الذي قال فيه الفقهاء: «شرط الواقف كنص الشارع»، أي في الفهم والدلالة والتزام العمل به.
ومن الأمثلة على شرط الواقف: كالذي يوقف على أولاده لصلبه ماداموا صغاراً، وشرط صرف غلة وقفه إلى أبواب الخير إذا بلغ سن التكليف أصغرهم، فيستمر الصرف حتى يبلغ أصغر أولاده الحلم.
ومن الأمثلة كذلك ما إذا وقف الواقف داره وشرط السكنى لزوجته فلانة ما دامت عزباء – أي بعد موته – فمات وانتفعت زوجته بوقفه، وإن تزوجت بعد موته فإنه ينقطع حقها من الوقف بالتزوج.
وللأثر فوائد ودلالات:
حرص الصحابة كذلك على الوقف وبذل أنفس أموالهم ليكون ذخراً لهم بعد وفاتهم؛ لتستمر معه الحسنات، وتكفر به السيئات. وحرص الصحابة على حفظ كرامة أبنائهم في حياتهم وبعد وفاتهم.
وفيه صحة وقف الشخص على أولاده، ومن بعدهم لجهة خيرية. وفيه للواقف أن يشترط في وقفه ما يريد بشرط ألا ينافي حكم الوقف، ولا يضر بالموقوف، ولا بمصلحة الموقوف عليهم، ولا يخالف شرع الله.
وفيه فضل الإحسان إلى الأقارب، والوقف لهم، والنفقة على المحتاج منهم، ففي الوقف على ذوي القربى زيادة تكافل الأسرة، وتأمين لمستقبلهم بإيجاد دخل ثابت لهم، وفيه صون البيوتات العريقة من الاندثار، وحفظ أفراد الأسرة الكريمة من الضياع والفاقة.
وفيه امتثال لجواب النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل: «أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول» (9). والوقف سواء كان على الأهل، أو على سائر جهات البر، فيه معنى الخير، والإحسان، والصدقة.
وفيه جواز أن يجعل وقفه على من احتاج من أولاده ذكورًا وإناثًا من غير أن يضر بوقفه أحداً من الورثة، كالإضرار بوقفه البنات.
وأهل العلم على خلاف في التفضيل بين الأولاد، فقال بعضهم: لا بأس به إن كان بعضهم له عيال وبه حاجة، وأما إذا كان على سبيل الأثرة فمكروه، أي إن وقف الوالد على أحد أبنائه صحيح ما دام الابن المذكور له من الاحتياجات ما ليس لبقية إخوته. وإن المنهي عنه من هذا هو أن يخص الوالد أحد أبنائه دون مسوغ شرعي.
قال ابن قدامة في «المغني»: «المستحب أن يقسم الوقف على أولاده على حسب قسمة الله تعالى الميراث بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين... فإن خالف فسوى بين الذكر والأنثى أو فضلها عليه أو فضل بعض البنين أو بعض البنات على بعض أو خص بعضهم بالوقف دون بعض، فقال أحمد في رواية محمد بن الحكم: إن كان على طريق الأثرة فأكرهه، وإن كان على أن بعضهم له عيال وبه حاجة يعني فلا بأس به، ووجه ذلك أن الزبير خص المردودة من بناته دون المستغنية منهن بصدقته. وعلى قياس قول أحمد لو خص المشتغلين بالعلم من أولاده بوقفه تحريضا لهم على طلب العلم، أو ذا الدين دون الفساق، أو المريض أو من له فضل من أجل فضيلته فلا بأس»(10).
والشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – قال في «الشرح الممتع»: «لا يجوز له أن يخص الوقف ببنيه؛ لأنه إذا فعل ذلك دخل في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»(11)، فيكون بهذا العمل غير متقٍ لله تعالى، وسمى النبي صلّى الله عليه وسلّم تخصيص بعض الأبناء جَوْراً، فقال: «لا أشهد على جَوْر»، ولا شك أن من وقف على بنيه دون بناته أنه جَور».
والحاصل أن القول بوجوب العدل في القسمة بين الأولاد ذكورا وإناثا هو القول الحق الذي لا يجوز العدول عنه.
الهوامش:
1- أخرجه البيهقى (6/166 - 167)، وأخرجه الدارمى (2/427)، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم: 1595.
2- تفسير القرطبي 6/318.

3- أحكام الأوقاف للخصاف، ص:6.
4- انظر كتاب: أحكام الأوقاف للخصاف، 5 وما بعدها.
5 - الوقوف جمع وقف، والوقف يجمع على: أوقاف ووقوف.
6 - انظر: فتح الباري، كتاب الوصايا، باب إذا وقف أرضاً أو بئراً أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين (7/24).
7- انظر: السنن الكبرى للبيهقي، كتاب الوقف، باب الصدقات المحرمات (6/161).
8 - أحكام وضوابط العمل الخيري، محمود صفا الصياد العكلا، رسالة ماجستير، لم تنشر، ص 157.
9- صحيح الترغيب للألباني، برقم 882.
10- انظر المغني، لابن قدامة المقدسي (8/206).
11- السلسلة الصحيحة، للألباني، برقم 3946.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 10-03-2024 10:11 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
https://al-forqan.net/wp-content/med.../images/36.jpg


الأربعون الوقفية (36)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها، أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.



الحديث السادس والثلاثون :
أهل الوقف يدعون من باب الصدقة
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة: يا عبدالله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان»(1).
ومن فضل وعِظم أجر الصدقة أن يبادر خزنة كل باب من أبواب الجنة لدعوة المتصدق كل يريده أن يدخل من قِبَله، وللجنة باب يقال له: باب الصدقة، يدخل منه المتصدقون.
فالجنة ليس لها باب واحد، وهذا من فضل الله على عباده ورحمته بهم أن جعل لها ثمانية أبواب لكل صنف من أصناف العمل والطاعة باب يدخل منه أهله، فمن كان ميسرا للصلاة دخل من باب الصلاة، ومن كان ميسرا للجهاد دخل من باب الجهاد، ومن كان ميسرا للصدقة دخل من باب الصدقة.
والمراد بالزوجين: إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد(2)، والمراد بقوله: «في سبيل الله»: عموم الإنفاق في وجوه الخير، وقيل: مخصوص بالجهاد، والأول أصح وأظهر(3)، فمن أنفق زوجين أي صنفين من أصناف المال في طلب ثواب الله تعالى، دعي من أبواب الجنة الثمانية.
وقد أبان العيني أن المراد بالصدقة هنا: النافلة؛ لأن الزكاة الواجبة لا بد منها لجميع من وجبت عليه من المسلمين، ومن ترك شيئاً منها فيخاف عليه أن ينادى من أبواب جهنم(4).
ومعنى الحديث أن كل عامل يدعى من باب ذلك العمل, وقد جاء ذلك صريحًا من وجه آخر عن أبي هريرة: «لكُلِّ عامل باب من أبواب الجنة يُدعى منه بذلك العمل». أخرجه أحمد وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح(5).
والوقف في الإسلام نوع من أنواع الصدقات التى رغب الشارع فيها وندب إليها، وهو وسيلة من وسائل القرب التى يتقرب بها العبد إلى ربه، ولا فرق في ذلك بين الوقف على جهة عامة كالفقراء وطلبة العلم ونحو ذلك، أو الوقف على القرابة والذرية، إلا أن السلف الأول من هذه الأمة يفضلون أن يكون للمساكين(6).
وكل وقف صدقة، وليس كل صدقة وقفاً، وكذلك ليس كل صدقة جارية وقفاً، ولكن كل وقف صدقة جارية، فقد يكون للمسلم أجر جارٍ من عمل عمله كنشر العلم، وأحياء سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه أعمال أجرها مستمر ولكنها لا تعد وقفاً.
فالوقف «تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة»، أي: «منع تملك العين؛ لأنها خرجت من ملك البشر إلى ملك الله تعالى». والأصل: هو العين الموقوفة: «عقار، بستان، سلاح، دابة، أدوات...»، وتسبيل: أي جعل لعوائد مصروفة للجهة المقصودة في الوقف والمعنية به، والمنفعة إما تكون بعين الوقف أو بريع الوقف.
وللوقف هدف عام، وهو إيجاد مورد دائم ومستمر لتحقيق غرض مباح من أجل مصلحة معينة، وله كذلك أهداف خاصة، أهمها:
امتثال أمر الله سبحانه وتعالى بالإنفاق والتصدق والبذل في وجوه البر، كما أن فيه امتثالا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدقة وحثه عليها.
ضمان بقاء المال ودوام الانتفاع به والاستفادة منه، وحماية للمال ومحافظة عليه من عبث العابثين.
استمرار الأجر للواقف، والنفع للموقوف عليه، فالوقف من الأعمال التي لا تنقطع بموت صاحبها بل يستمر معها الأجر والثواب.
تحقيق التكافل والتعاضد بين الأمة، وإيجاد التوازن في المجتمع.
وهو عامل من عوامل تنظيم الحياة بمنهج حميد، يرفع من مكانة الفقير وتقوية الضعيف.
وفي الوقف تحقيق لأهداف اجتماعية واسعة وأغراض خيرية شاملة.
وبالوقف يمكن للمرء أن يؤمن مستقبله ومستقبل ذريته بإيجاد مورد ثابت يضمنه ويكون واقياً لهم عن الحاجة والعوز والفقر.
والوقف يحقق للأمة الطمأنينة النفسية في الدنيا، والفوز في الدار الآخرة.
وفي الوقف بر للموقوف عليه، وقد حث الشرع الكريم على البر ورغب فيه.
وفى الوقف تطول مدة الانتفاع من المال، ويمتد نفعه إلى أجيال متتابعة.



وللحديث فوائد ودلالات: ففيه أن الجنة درجات، وأن هذه الدرجات أعدها الله عز وجل للمؤمنين على قدر أعمالهم الصالحة، قال تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار}(البقرة: 25)، وقال[: «إن في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة» (7).
وفيه أن للجنة ثمانية أبواب تسمى بأسماء الأعمال الصالحة، فهناك باب للصائمين يدعى (الريان) وهناك باب الصلاة، وباب الإحسان، وباب الصدقة، وباب الجهاد. والمسلم الذي كان يكثر من الصيام يدخل من باب الصيام، وكثير الصلاة يدخل من باب الصلاة.. وهكذا، وهناك أناس يدعون من جميع الأبواب.
وفيه أن صاحب صدقة الوقف يدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وفيه أن الصدقة والوقف وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيرها، كما أن فيه وسيلة للتكفير عن الذنوب ومحوها.
فالواجب على المسلم شكر النعم، ومن شكرها تخصيص جزء من أمواله وجعله فيما يعود عليهم بالنفع العاجل والآجل. والوقف في حال الصحة والقوة أفضل من الوصية بعد الموت أو حال المرض والاحتضار، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصدقة أن تصدَّق وأنت صحيحٌ شحيحُ، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، ألا وقد كان لفلان كذا»(8).
ومن نعمة الله عز وجل على العبد أن يكون ذا مال، ومن تمام نعمته عليه فيه أن يكون هذا المال عوناً له على طاعة الله، قال صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للمرء الصالح»(9)، وصاحب الوقف يبارك له في ماله كما أخبر النبيصلى الله عليه وسلمبقوله: «ما نقصت صدقة من مال»(10).
والواقف في ظل صدقته يوم القيامة كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل امرئ في ظل صدقته، حتى يقضى بين الناس»(11).
وفي الوقف انشراح الصدر، وراحة القلب وطمأنينته، ومعايشة نفعه للجهات الموقوف عليها.
‏ الهوامش:
1- أخرجه البخاري في صحيحه برقم: 1897، ومسلم في صحيحه برقم 1027، وفي صحيح النسائي للألباني برقم 3135، وصحيح الترمذي للألباني برقم 3674.
2- انظر: شرح مسلم للنووي: 7-162، فتح الباري لابن حجر: 7-34.
3- انظر: عمدة القاري، للعيني: 10-264
4- انظر: شرح ابن حجر للبخاري مسألة رقم 3466.
5-كتاب الوقف من مسائل الإمام أحمد بن حنبل، تأليف الإمام أحمد الخلال، دراسة وتحقيق د. عبدالله الزيد (المجلد الأول/28)، دار المعارف الرياض ط1 / 1410 هــ - 1989م.
6 - كتاب الوقف من مسائل الإمام أحمد بن حنبل، تأليف الإمام أحمد الخلال، دراسة وتحقيق د. عبدالله الزيد (المجلد الأول/28)، دار المعارف الرياض ط1 / 1410 هــ - 1989م.
7 - أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 7423.
8 - صحيح الجامع، للألباني، برقم 1111.
9 - صحيح الأدب المفرد، للألباني، برقم 229.
10 - أخرجه مسلم في صحيحه، برقم 2588.
11 - صحيح الجامع، للألباني، برقم 4510.



اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 13-04-2024 08:16 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (37)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها، أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.

الحديث السابع والثلاثون:
لك خيرٌ منه في الجنة
عن ثمامة بن حزن القشيري عن عثمان رضي الله عنه قال: إن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة”، فاشتريتها من صلب مالي فزدتها في المسجد”(1).
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، أمر عليه الصلاة والسلام ببناء مسجده، وكان الموقع المختار أرضاً كانت لبني النجار، فطلب صلى الله عليه وسلم من كبار بني النجار وأعيانهم أن يبيعوا أرضا لهم، ليبني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجداً، فكان جوابهم أنهم جعلوا تلك الأرض وقفاً لله تعالى، لا يطلبون ثمناً لها من أحد، إلا الأجر والثواب من الله تعالى، فقد روي بالسند إلى أنس رضي الله عنه، أنه قال: “أمر النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «يا بني النجار، ثامنوني بحائطكم هذا». قالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا إلى الله”(2). فأوقفوا أرضهم لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولما كثُر أهل الإسلام بعد سنوات من بناء رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده في المدينة، وضاق مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمصلين، ولم يعد يتسع صلى الله عليه وسلم لجموع المصلين، رغب النبي صلى الله عليه وسلم من بعض الصحابة أن يشتري بقعة بجانب المسجد، لكي تزاد في المسجد حتى يتسع لأهله، فقال صلى الله عليه وسلم : «من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟»، فاشتراها عثمان بن عفان - رضي الله عنه - من صلب ماله، ووسع على المسلمين رضي الله عنه وأرضاه.
وذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- روايات توضح مقدار المال الذي اشترى به عثمان رضي الله عنه البقعة التي زيدت في المسجد، فقال: “وزاد النسائي من رواية الأحنف بن قيس عن عثمان أنه اشتراها بعشرين ألفاً أو بخمسة وعشرين ألفاً”. (3)
وبهذا الفعل وفق الله تعالى عثمان رضي الله عنه لأن يكون له أجر إلى يوم الدين، من هذا الفعل، من كل من شد الرحال من سائر أنحاء الدنيا إلى مسجد رسول الله، فهو رضي الله عنه صاحب الصولات والجولات في النفقة على الدين وخدمة الرسول الأمين وجميع المسلمين، فحينما قال صلى الله عليه وسلم من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ اشتراها عثمان، وحينما قال صلى الله عليه وسلم : من يشتري بقعة آل فلان فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة؟ اشتراها عثمان، وحينما دعا النبي صلى الله عليه وسلم لتجهيز جيش العسرة وكان الناس في ضيق وشدة وقلة جهزه عثمان، وفي كل مرة يقول عليه الصلاة والسلام: «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم. فقد عرف رضي الله عنه بالمسارعة إلى الخيرات؛ لأنه أراد الجنة، والجنة هي سلعة الله الغالية التي تحتاج إلى سعي وعمل وبذل وعطاء، قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}(4)، ولتكون من أهل الجنة فلا بد من الإنفاق في سبيل الله تعالى.
وفي هذا الحديث فوائد ودلالات: ففيه مشروعية وقف الأرض للمسجد، وفيه أهمية توسيع المساجد وهذا من باب إعمار المساجد، وامتثالا لقوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ}(5). وقول النبي صلى الله عليه وسلم : « من بنى مسجداً لله تعالى يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة «(6).
وفيه جواز تحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك لدفع مضرة، أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة، والمكاثرة، والعجب، وهذا من مناقب أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه, وتباً للألسن والأقلام التي تطعن فيه.
وفيه أن بناء المساجد وتوفير قطع الأرض للمساجد طريق إلى الجنة وباب أجر مستمر من الله تعالى كلما صلى به المصلون، وتعبد به العباد في قراءة القرآن ومجالس العلم والاعتكاف وغيرها من الأعمال، فهذا العمل باب لدخول الجنة.
والمال محبوب إلى النفس، والمحبوب لا يبذل إلا ابتغاء محبوب مثله أو أكثر منه، ولهذا سميت صدقة لأنها تدل على صدق طلب صاحبها لرضا الله تبارك وتعالى، فعن أبي كبشة الأنماري رضي الله تعالى عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ثلاثة أقسم عليهن: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر»(7).
حديث جمع بلاغة الأسلوب، وسهولة المعاني، والترغيب والتشويق لثلاثة خصال حميدة وأخلاق كريمة، أولها: الإحسان بالصدقة، وثانيها: الصبر على الظلم، وثالثها: الاستعفاف عما بأيدي الناس. والصدقة لها بركة، فهي لا تنقص المال بل تزيده حسا ومعنى، فكيف إن كانت الصدقة مما يحبس أصلها ويصرف من ريعها ففضلها أكبر وأثرها أكبر.
والوقف أقام ورعى ومول في العهود الإسلامية ومراحل الحضارة الإسلامية، المساجد التي هي بيوت الله في الأرض، ودواوين الشؤون الإسلامية العامة، وأوتاد الإسلام في أوطان المسلمين، وهنا حقيقة بأن الأوقاف إذا ما لاقت الاهتمام الكافي من ناحية الإشراف عليها واستثمارها، فإنها كفيلة بالاعتماد عليها في تسيير كثير من الأمور في حياة الأفراد والمجتمعات.
وفي شهادة غربية على دور الأوقاف في العهود الإسلامية كتب: (المستر إي اهلر) دراسة بعنوان «في البحث عن الهوية: دراسة في الوقف والمدينة الإسلامية في الشرق الأوسط» أكد فيها الباحث الآتي: «من المُسَلّم به بين دارسي الحضارة الإسلامية أن تطور البلدان والمدن في التاريخ الإسلامي لا يمكن تصوره من دون مؤسسة الوقف؛ حيث إن وضع الجامع في مكان ما وإحاطته بالأسواق والدكاكين الموقوفة عليه والمدارس الملحقة به، فرض نمطاً في التطور المعماري، ونقل الأمة نقلة حضارية في العمارة وتخطيط المدن، وتجلى هذا الأثر بأوضح أشكاله في المدن الصغيرة التي أوقفت بها أوقاف كبيرة، حيث أصبحت الأوقاف محور حياة المدينة وفرضت علاقات ليست في العمارة فقط، بل في الثقافة والاقتصاد والاجتماع. ولم تقتصر الأوقاف على الأسواق والمدارس وحدها، بل غالباً ما أضيف إليها المستشفيات والحمامات والخانات في أوقاف متكاملة جعلت مركز الحياة في المدينة الإسلامية تدور حول مؤسسات الوقف»(8).
فالمسجد موضوع لكل ما فيه مصلحة الإسلام والمسلمين؛ ولذلك أول ما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة اعتنى ببناء المسجد، وحث الإسلامُ على بناء المساجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من بنى مسجدا لله، بنى الله له في الجنة مثله»، وفي رواية: «بنى الله له بيتا في الجنة» (9).
ولخص الإمام الحسن البصري -رحمه الله- فوائد المسجد بخمس، فقال: «أيها المؤمن لن تعدم في المسجد إحدى خمس فوائد:
أولها: مغفرة من الله تكفر ما سلف من الخطيئة، وثانيها: اكتساب رجل صالح تحبه في الله،
وثالثها: أن تعرف جيرانك فتتفقد مريضهم وفقيرهم.
ورابعها: أن تكف سمعك وبصرك عن الحرام، وخامسها: أن تسمع آية تهديك.
ولهذا كان وما زال للمسجد دور ريادي في دولة الإسلام، فقد جعل الرسول عليه الصلاة والسلام المسجد جامعة كبرى للعقائد، والأخلاق والسلوك والآداب والخطابة وانطلاق الفتوحات ورد الغارات، بل المنتدى الرحب لاستقبال الوفود، ورسل الملوك، وممثلي القبائل، كل وفد يستقبله صلى الله عليه وسلم في المسجد لأنه المكان المناسب لتبادل الرأي والشورى والحكمة، وللأخذ والعطاء. فهو مكان العبادة والاعتكاف، ومكان التعليم والتوجيه، ومكان تشاور المسلمين وتناصحهم، ومركز عقد ألوية الجيوش المجاهدة في سبيل الله، ومكان استقبال الوفود القادمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي المسجد تربت خير أمة تحملت أعباء الدعوة، وصدقت في حمل راية الجهاد، ونشرت دين الله في ربوع الأرض كلها، فكان أول إمام للمسجد هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تكن مهمته قاصرة على الإمامة في الصلاة، بل لقد كان الأسوة الحسنة لكل داعية ولكل إمام من أئمة المساجد الذين يأتون بعده، فقد كان المربي، والواعظ، والمرشد، والحاكم بين الناس، والمفتي، والمعلم، فكان بذلك منبعاُ يفيض بالخير لمن حوله في كل جانب من جوانب البر والخير، وبذلك كان المسجد مصدر سعادة وخير للأمة تعلمت منه ما تحتاج إليه في أمر دينها ودنياها.
الهوامش:
1- أخرجه النسائي في سننه، في كتاب الأحباس، باب وقف المساجد، برقم 3608. وصححه الألباني في صحيح النسائي، برقم 3610.
2- أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب: إذا وقف جماعة أرضاً مشاعاً فهو جائز، برقم 2771.
3- انظر: فتح الباري 5/408.
4- سورة الإسراء، الآية 19
5- سورة التوبة: الآية 18.
6- أخرجه مسلم في صحيحه، برقم: 533.
7- أخرجه الترمذي في سننه، برقم 2325
8- انظر: أبحاث ندوة نحو دور تنموي للوقف، وزارة الأوقاف الكويتية، صفحة 138-139.
9- أخرجه مسلم في صحيحه، برقم 533.



اعداد: عيسى القدومي






ابوالوليد المسلم 13-04-2024 08:40 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعون الوقفية (38)





جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.



الحديث الثامن والثلاثون:
الوقف لسكنى الحجاج
عن ثُمَامة، عن أنس: «أنه وقَفَ دارًا بالمدينة، فكان إذا حج مرَّ بالمدينة، فنزل دارهُ» (1).
حديث موقوف(2)، فيه أن الصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه ، أوقف داراً له في المدينة، وسكن بعد ذلك العراق(3)، فكان إذا قدم إلى الحج ومر بالمدينة نزل داره الموقوفة.
وعقد البخاري في كتاب الوصايا، باباً أسماه: «إذا وقف أرضاً أو بئراً أو اشترط لنفسه مثل دلاء المسلمين» وذكر وقف أنس رضي الله عنه : «ووقف أنس داراً، فكان إذا قدم نزلها»(4). وعلق ابن حجر على فعل أنس رضي الله عنه بقوله: «وهو موافق لما تقدم عن المالكية أنه يجوز أن يقف الدار ويستثني لنفسه منها بيتًا»(5). ‏
والوقف من الأعمال الخيرية لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد امتثلوا رضوان الله عليهم لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم ، وإرشادهم لما يُصلح الدنيا والدين، وينفعهم في آخرتهم، ويُكتب لهم فيه من الأجر كعمل أعمار كاملة، فيستمر معها الأجر مادام النفع من ذلك الوقف. وقد استدل أهل العلم على مشروعية الوقف من الكتاب، والسنة، والإجماع، وعمل الصحابة.
وقال الحميدي شيخ البخاري: «تصدق أبو بكر بداره على ولده، وعمر بربعة عند المروة، وعثمان برومة، بئر بالمدينة، وتصدق علي بأرضه بينبع، وتصدق الزبير بداره بمكه، و داره بمصر، وأمواله بالمدينة على ولده، وتصدق سعد بداره بالمدينة، وداره بمصر على ولده، وعمرو بن العاص بالوهط، وداره بمكه على ولده، وحكيم بن حزام بداره بمكة والمدينة على ولده. قال: فذلك كله إلى اليوم، فإن الذي قدر منهم على الوقف، وقف، واشتهر ذلك فلم ينكره أحد، فكان إجماعاً»(6).
وكذلك جعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي الحاجات من آل عبد الله بن عمر(7).
وهذا دلالة على اهتمام الصحابة الكرام بالوقف، وكانوا يختارون منه ما كان أكثر نفعاً في زمنه. ووقف أنس رضي الله عنه لتوفير السكن لحجاج بيت الله الحرام، وحاجة الحاج إلى السكن ماسة؛ ولهذا أوقف الكثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم دورهم التي في مكة والمدينة لينتفع بها من شد الرحال إلى الحج أو العمرة أو للصلاة في المسجد الحرام ومسجد رسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة. ولم يزل المسلمون من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا يوقفون الوقوف المتنوعة لمنافع الحجاج.
قال عز الدين بن عبد السلام: «إن فضل الطاعات على قدر المصالح الناشئة عنها»(8)، وسئل عز الدين بن عبد السلام: لو ملك عقاراً وأراد الخروج عنه، فهل الأولى الصدقة به حالاً أم وقفه؟ فقال: «إن كان ذلك في وقت شدة وحاجة فتعجيل الصدقة أفضل، وإن لم يكن كذلك ففيه وقفه، ولعل الوقف أولى، لكثرة جدواه»(9). وبذلك فإن الوقف الأكثر نفعاً يكون أكثر أجراً.
وللحديث فوائد ودلالات: ففيه اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بالوقف وعنايتهم به وباستمرار نفعه.
وفيه دليل على مشروعية الوقف، وفيه جواز انتفاع الواقف بوقفه،مثل ما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه في وقفه بئراً في المدينة المنورة؛ حيث أوقفها على المسلمين وجعل دلوه كإحدى دلاء المسلمين، ووقف أنس دارا له في المدينة فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره؛ فمن وقف مسجداً يكون هو وأولاده من جملة المصلين، ومن وقف معهداً أو مدرسة تحفيظ للقرآن الكريم يكون أولاده من جملة الدارسين من الطلبة. وقال أهل العلم بجواز شرط الواقف لنفسه منفعة من وقفه، وقال ابن بطال لا خلاف بين العلماء أن من شرط لنفسه ولورثته نصيبا في وقفه أن ذلك جائز.
وفيه أن الوقف وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيره، ومعه تطول سنة الانتفاع من المال ومد نفعه إلى أجيال متتابعة.
وفيه فضيلة للصحابي الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه ، وفيه جواز إشهار الوقف وتحدث الواقف عن وقفه، وفيه أن الوقف جاء عند الصحابة بمسمى الحبس والوقف والصدقة.
لقد كانت الأوقاف وما زالت مصدرا عظيما لسد الحاجات، ووعاء لاستيعاب أموال المسلمين في أمور خيرية تستمر وتنمو وتدوم؛ فالوقف يحقق مصلحة عامة للأمة، وكان لانتشار الأوقاف في العهود الإسلامية خير دليل على الدور الذي كانت تقدمه الأوقاف للأمة في جميع المجالات، من حيث الإسهام في تأمين المياه للناس من خلال إنشاء الآبار ومحطات المياه لحفظ النفس، وخير مثال على ذلك وقف زبيدة التي أجرت الماء من بغداد إلى مكة بدءا من عام 187للهجرة، وأنشأت في هذا الطريق مرافق ومنافع ظل يستفيد منها حجاج بيت الله الحرام منذ أيامها إلى وقت قريب.
وكان للوقف الدور الكبير في تأمين المسكن المناسب من خلال تأجير العقارات الموقوفة لحفظ النفس، والمساهمة في تأمين الطعام للفقراء والمساكين، ومن في حكمهم لحفظ النفس من خلال التكايا والأوقاف التي خصصت لإطعام الطعام؛ حيث اشتهرت التكايا في أغلب المدن الإسلامية، في دمشق وبغداد والبصرة ومكة والحجاز والسليمانية والقدس والخليل وطرابلس والمغرب العربي ومصر وغيرها من الأمصار، وكذلك أوقفت البساتين المثمرة التي خصص ثمرها للفقراء وأهل الحاجة.
وكان للأوقاف الإسهام في إنشاء دور العلم مثل كتاتيب تحفيظ القرآن والمدارس والمعاهد الدينية لحفظ العقل ونمائه، والمساهمة في بناء المساجد ودور العبادة وتيسير الحج وتقديم الخدمات للحجاج لحفظ الدين، والمساهمة في تحرير الأسرى والمعتقلين في سبيل الله لحفظ حرية النفس.
يقول السائح «ذر وير» عام 1654 في كتاب نشر: «ولم تنحصر خيرات المسلمين في الأحياء فقط، بل امتدت إلى الأموات، وشجعت الدولة العثمانية إقامة بيوت الضيافة التي يستفيد منها كل إنسان مهما كان دينه، وتقدم فيها الخدمة لكل من يأتيها حسب حاجته لمدة ثلاثة أيام».
فقد كان المسلمون في العهود الإسلامية يوقفون الأوقاف خوفاً على أموالهم من الضياع بعد مماتهم، أما اليوم فالمسلمون في الكثير من الدول لا يوقفون خوفاً على أموالهم في حياتهم وبعد مماتهم.
وخلاصة القول: الوقف الإسلامي مشروع لنهضة الأمة وعودة عزها وقوتها ومكانتها وإحياء الوقف الإسلامي إحياء للقطاع الخيري ومؤسساته الذي يخدم الأمة والمجتمع والدولة، ولكي نعيد النهضة والحضارة الإسلامية لا بد أن نعيد الوقف الإسلامي إلى دوره. وإن استشراف المستقبل والتطلع الحضاري لأمتنا لن يكون إلا إذا أولينا الوقف الإسلامي غاية اهتمامنا، وعملنا بكل جهدنا لإحياء سنة الوقف، وإقامة المؤسسات الوقفية التي تُسهم في حفظ كرامة الإنسان، وتوفير الحياة الكريمة للأسرة المسلمة، وتوفير التعليم المميز الذي يحقق الإبداعات العلمية، والمؤسسات الصحية والثقافية التي تقدم الجديد كما كانت في عهود العزة.



الهوامش:
1- السنن الكبرى للبيهقي (6/161). وفتح الباري (7/24).
2- وصله البيهقي في السنن الكبرى.
3- وتُوفي رضي الله عنه بالبصرة، قيل: سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة اثنتين وتسعين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين من الهجرة النبوية.
4- صحيح البخاري، برقم 2778.
5- فتح الباري ((7/25)
6- اخرج هذا الأثر بكامله البيهقي في السنن الكبرى في كتاب الوقف 6/161.
7 - فتح الباري (7/25). والطبقات الكبرى (4/162) ترجمة عبد الله بن عمر بن الخطاب.
8- الأشباه والنظائر، لجلال الدين السيوطي، 160، دار الكتب العلمية.
9- المنثور في القواعد للزركشي 1/345، و3/62.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 14-04-2024 10:06 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعــون الوقفيــة (39)


جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها.
أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث التاسع والثلاثون:
أفضل الوقف سقي الماء
عن سعد بن عبادة – رضي الله عنه - أنه قال: «يا رسول الله، إن أُم سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: “الماء”؛ فحفر بئراً، وقال: هذه لأم سعد»(1).
سعد بن عبادة أتي النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن توفيت أمه فقال: يا رسول الله «إن أم سعد» أي أمه، «ماتت، فأي الصدقة أفضل؟» لتنال بها الأجر والمثوبة من الله تعالى بعد موتها؛ براً بها وحرصاً على جريان حسناتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الماء».فهو أعم نفعاً خصوصاً وحاجة الناس له شديدة في البلدان الحارة التي يشح فيها الماء. فحفر سعد رضي الله عنه بئراً، وقال سعد: إن هذه البئر صدقة لأم سعد، أي سبّلها وأعلنها للملأ، لينتفعوا بها، ويدعوا لواقفها وأمه. وكانت سقاية أم سعد معروفة في المدينة، وقد انتفع بها خلق كثير.
يقول الشيخ عبد المحسن العباد – حفظه الله – في شرحه لسنن أبي داود: «سقي الماء من خير أنواع الإحسان؛ وذلك لشدة حاجة الناس إلى الماء، وعدم استغنائهم عنه، وهذا الحديث يدل على عظم شأن إنفاق الماء لمن يحتاجه، وبذله في سبيل الله، وتسبيله للناس حتى يستفيدوا منه، فهو مادة الحياة، وبه حياة المخلوقات، وقد جعل الله تعالى من الماء كل شيء حي، والمراد بذلك من لا يعيش إلا بالماء، وكان الماء من ضرورياته، فلا تحصل حياته إلا به... وحفر الآبار للسقي سواء لسقيا الناس أو لسقيا الدواب من الصدقات الجارية التي يكون الثواب عليها مستمراً بهذه الصدقة؛ لأن أجر الصدقات منه ما هو منته بانتهاء بقائها لمن يستحقها، ومنه ما هو مستمر لاستمرار الصدقة، كبناء المساجد، فالناس يستفيدون من المسجد باستمرار، ومثل حفر الآبار ومد الماء منها إلى الناس كي يشربوا منه، فما دام النفع حاصلاً فإن الأجر مستمر ودائم»(2).
والأفضلية من الأمور النسبية، وكان في المدينة أفضل لشدة الحر والحاجة وقلة الماء(3). فأفضل الصدقة وأفضل الوقف ما كان الناس بحاجته، ففي الجزيرة العربية الحر شديد وحاجة الناس للماء ماسة؛ ولهذا كان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم في الماء، سقياً وتوفيراً له.
وللماء قيمة عظيمة؛ ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام وأمته من بعدهم على حفر الآبار وسقي الماء وتوفيره، ونهى عن حبس فضل الماء واعتبر فعل ذلك كبيرة من الكبائر، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة] قال: قال رسول الله[: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم - ذكر منهم-: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل»(4). وقالصلى الله عليه وسلم: «الناس شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار» (5).
وللحديث فوائد ودلالات: ففيه فضيلة لسعد بن عبادة رضي الله عنه حيث بلغ به بر أمه أنه أراد أن يوقف وقفاً لأمه ينال به الأجر عند الله، ويجري لأمه الأجر بعد الممات.
وفيه دليل على انتفاع الميت بصدقة الحي، أي انتفاع الأموات بسعي الأحياء، وفيه أن التصدق للوالدين باب من أبواب برهما حتى بعد موتهما، وهو من الأعمال التي يصل ثوابها للميت، وفيه أن الصدقة من أعمال الأحياء المالية التي ينتفع بها الميت، وفيه استعجال التصدق والبذل للميت، خاصة إن كان أباً أو أماً فهما أولى الناس بالبر والإحسان. وفيه دليل واضح على أن الصدقة تلحق الوالدين بعد موتهما إذا كانا مسلمين، بدون وصية منهما.
وفيه دلالة على أن سقي الماء من أعظم القربات عند الله تعالى. وقد قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مؤمنا موحدا وأحياه؟! روى البخاري عن أبي هريرة رضي اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينا رجل بطريق، اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب ثم خرج، فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر» (6).
وحث النبي صلى الله عليه وسلم على حفر الآبار والعيون وجعلها صدقة في سبيل الله ينتفع بها الناس ؛ فقد روي: «أفضل الصدقة الماء» وحث النبي صلى الله عليه وسلم على المساعدة في نقل الماء وإعطائه لمن طلب وجعل ذلك من قبيل فعل الخيرات، وقد أرشدنا رسول الله[ أن أفضل ما يقدمه الواحد منا لوالده أو لوالدته بعد مماتهما من صدقة جارية عنهما هو إجراء عين ماء أو حفر بئر.
وصدقة المـاء من خــير الصدقات وسبلها متعددة، منها إقامة أسبلة الماء وتوفير الماء لها والكهرباء والمصافي ولوازم استمرار أدائها، وتوفير عبوات الماء البارد لعابري الطريق، وكذلك شق الجداول والأنهار، وتسهيل مجاريها لتوفير الماء لكل من يحتاجه، وتيسير الوصول له، والانتفاع به ليشرب منه الناس، وكذلك زروعهم وماشيتهم، كل ما جرى فيه الماء من سبيل ومد الأنابيب، وعمل السدود، وتوفير الماء في الطرق وتجمعات الناس، ففيه الأجر العظيم من رب العالمين.
ووقف سيارات نقل الماء لتوفير الماء للقرى والمناطق التي تنقطع عنها الماء لأشهر عديدة، ومد الأنابيب للمناطق التي لا يصلها الماء، وكذلك إنشاء وحدات التحلية للماء وتزويد الفقراء والمساكين بالماء الصحي، فقد كثرت الملوثات في الماء؛ مما أدى إلى ظهور أمراض خطيرة، ومنها الفشل الكلوي والأمراض الجلدية، فميسور الحال قادر على شراء الماء النقي، أما الفقير فإنه مضطر لاستخدام الماء الملوث، وإقامة وحدات لتحلية الماء وتوفير مستلزماتها باب صدقة جارية يستمر معها الأجر ما دام الناس ينتفعون بها.

الهوامش:
1 - أخرجه أبو داود، برقم 1678، في «باب في فضل سقي الماء»، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود، برقم 1474.
2- شرح سنن أبي داود، للشيخ عبد المحسن العباد، محاضرات صوتية، موقع audio.islamweb.net.
3- انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، ( 5/66) المجلد الثالث.
4- أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2358.
5- صحيح أبي داود، للألباني، برقم 3477.
6- أخرجه البخاري في صحيحه، برقم 2466، ومسلم في صحيحه برقم 2244.


اعداد: عيسى القدومي





ابوالوليد المسلم 14-04-2024 10:22 PM

رد: الأربعــون الوقفيــة
 
الأربعــون الوقفيــة (40)



جرياً على نهج السلف في جمع نخبة من الأحاديث النبوية التي تخص باب علم مستقلا، وإحياء لسنة الوقف – الصدقة الجارية- فقد جمعت أربعين حديثاً نبوياً في الأعمال الوقفية، ورتبت ما جاء فيها من أحكام وفوائد من كتب السنن وشروحها، وكتب الفقه وأصوله، وأفردت شرحاً متوسطاً لكل حديث، حوى أحكاماً وفوائد جمة للواقفين من المتصدقين، وللقائمين على المؤسسات والمشاريع الوقفية، ونظار الوقف، والهيئات والمؤسسات المكلفة برعاية الأصول الوقفية ونمائها. أسأل الله أن يجعل هذا العمل إحياء لسنة الوقف والصدقة الجارية, وينفع به قولاً وعملا, ويكتب لنا أجر ذلك في صحائفنا.
الحديث الأربعون:
مسؤولية نظارة الوقف
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته»(1).
في هذا الحديث دليل على أهمية الرعاية، فأخبر صلى الله عليه وسلممن حيث العموم بأن كل إنسان لابد أنه راع ولو على نفسه أو أهله، ولو على ولده أو امرأته أو ما أشبه ذلك، وإذا كان كذلك فإن عليه حفظ هذه الرعية ومراقبتها، والإتيان بكل ما فيه مصلحتها، وكذلك يشعر بأنه مسؤول عن هذه الرعية، وهذا السؤال إنما يكون حقاً في الدار الآخرة.
جاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود: «الراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه»(2).
وكلكم: تشمل الكل في الرعاية والمسؤولية، وفي (تحفة الأحوذي) قال: «دخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد، فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه حتى يعمل المأمورات ويجتنب المنهيات فعلا ونطقا واعتقادا، فجوارحه وقواه وحواسه رعيته، ولا يلزم من الاتصاف بكونه راعيا ألا يكون مرعيا باعتبار آخر» (3).
فقد أوجب الإسلام بتشريعاته وأحكامه على كل مسلم القيام بمسؤولياته التي أنيطت به بحسب موقعه وما ألقي عليه من مسؤولية، فالكل مكلف فيما هو تحت رعايته، وبالتالي التقصير في رعاية ما استرعاه الله عليه فيه إثم عظيم.
وناظر الوقف يسأل في الآخرة عن الموقوف: لماذا أهملته؟ ولماذا أضعت من اؤتمنت عليه؟ ولماذا لم توله حق الحفظ وحق المراقبة؟ وإن كان هنالك قضاء فاعل يحفظ الأوقاف من سوء إدارة أو تساهل في الرعاية، يحاسب على تقصيره بل هو ضامن لهذا الوقف.
ونظارة الوقف من أعظم المسؤوليات، فلا بد للموقوف من متول يدير شؤونه ويحفظ أعيانه، وذلك بعمارتها وصيانتها، واستثماره على الوجه المشروع، وصرف غلته إلى مستحقيه على مقتضى وثيقة الوقف، والدفاع عنه والمطالبة بحقوقه، كل ذلك حسب شروط الواقف المعتبرة شرعاً(4).
ويعد الناظر أمينا على مال الوقف ووكيلاً عن المستحقين؛ فهو مسؤول عما ينشأ من التقصير نحو أعيان الوقف وغلته وفقاً للقواعد العامة للمسؤولية، كما يفترض عليه القيام بتقديم حساب سنوي إلى القضاء وفقا لأسانيد مكتوبة.
ويشترط فيمن يتولى النظر على الوقف جملة من الشروط هي:
الإسلام: وذلك لأن النظر ولاية ولا ولاية لكافر على مسلم.
العقل: فلا يصح أن يتولى النظر مجنون.
البلوغ: فلا يصح تولية النظر لصغير.
العدالة: هي المحافظة الدينية على اجتناب الكبائر وتوقي الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة؛ فلا يصح تولية النظر لفاسق أو خائن للأمانة.
الكفاية: وهي قدرة الناظر على التصرف فيما هو ناظر عليه بما فيه المصلحة.
وعمارة الوقف من أهم واجبات ناظر الوقف؛ لأن إهمال عمارة الوقف أو ترميمه أو إصلاحه قد يؤدي إلى خرابه وهلاكه، وقد أجمع الفقهاء على أن العمارة هي أول واجب يلقى على عاتق الناظر، وعمارة الأعيان الموقوفة مقدمة على الصرف إلى المستحقين سواء في الوقف الخيري أو الأهلي؛ لأنها تؤدي إلى دوام الانتفاع بالوقف وعدم تفويت منفعة من منافعه.
ويجب على الناظر القيام بكل ما من شأنه الحفاظ على الوقف ورعاية مصلحته، ومن ذلك:
عمارة الوقف: بأن يقوم بأعمال الترميم والصيانة حفظا لعين الوقف من الخراب والهلاك.
تنفيذ شروط الواقف فلا يجوز مخالفة شروطه أو إهمالها، يجب الالتزام بها إلا في أحوال مخصوصة تقدم بيانها.
الدفاع عن حقوق الوقف في المخاصمات القضائية رعاية لهذه الحقوق من الضياع.
أداء ديون الوقف: تتعلق الديون بريع الوقف لا بعينه، وأداء هذه الديون مقدم على الصرف على المستحقين؛ لأن في تأخيرها تعريض الوقف لأن يحجز على ريعه.
أداء حقوق المستحق في الوقف وعدم تأخيرها إلا لضرورة كحاجة الوقف إلى العمارة والإصلاح أو الوفاء بدين.
ومن مقاصد الوقف في الشريعة الإسلامية مراعاة حقّ الله تبارك وتعالى أولاً، ثم حقوق العباد والبلاد، فلا يوقف على معصية، ولا يوقف ليضر فئة بعينها.
وللحديث فوائد ودلالات: ففيه أن كل إنسان مسؤول عمن يرعى وعن مدى اهتمامه وحرصه عليهم، وفيه أن الله تعالى سيسألنا عن هذه الأمانة قمنا بها أم ضيعناها وأهملناها.
وفيه أن كل عامل مسؤول عن إتقان عمله، فكل واحد منا راع ومسؤول عما أوكل إليه من مسؤولية وأمانة سواء في الولد أو المال أو مصالح الآخرين أو الوقف أو غيره من الصدقات.
وفيه أن المسؤولية في الإسلام مغرم لا مَغْنَم، فعن أنس قال: ما خطبنا رسول الله[ إلا قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».
وإن كانت الأمم قبل الإسلام قد عرفت نظاماً رصدت بمقتضاه حبس بعض الأصول لينفق من غلاتها على المعابد القائمة، إلا أن النظام الإسلامي في الوقف قد استقل بقواعده ومصادره؛ لأنه لم يكن نظاماً مستجلباً أو تجميعاً لعادات سبقت الإسلام، بل هو نظام مستمد من كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ، وإجماع الأمة، وتفاصيل أحكامه ساهمت فيها كل المدارس الفقهية، وتشريعاته قفزت بالأمة الإسلامية، حتى أصبحت واقعاً بحق {خير أمة أخرجت للناس}، فالحضارة الإسلامية ولدت من رحم الأوقاف.
ومن روائع الوقف الإسلامي أن قد خصصت أوقاف لغير المسلمين في ظل الخلافة الإسلامية، فكانت أوقاف وثقها التاريخ خصصت لنفع أهل الذمة لحفظ كرامتهم وإنسانيتهم، وبإطعامهم وسقيهم وتوفير كسوتهم، فالعناية كانت كذلك لغير المسلمين، وقد خصصت أوقاف لنشر الإسلام بين أهل الذمة وكذلك في الدول والأمصار التي فتحها المسلمون، فأوجدوا مشاريع وقفية ليعيش الناس حياة كريمة في ظل الخلافة الإسلامية، يسكنون ويأكلون، يتعلمون ويعالجون.. إلخ.
وسؤالنا بعد أن أضعفت الأوقاف الإسلامية: أين مخرجات الأوقاف في مجال الخدمات والرعاية والتعليم والصحة والثقافة والبحث والتطوير والتنمية والتطور؟ وأين المستشفيات والجامعات غير الربحية والاستثمارات والمجمعات التجارية، وأين مراكز البحوث والدراسات التي تقدم نتاجها لخدمة الدول والأوطان؟ ولا شك أن فقدان هذا القطاع الواسع من الأوقاف تسبب في أن 40% من فقراء العالم مسلمون! وما يقارب 35% أميون، و8 ملايين طالب في العالم العربي لم يجدوا مقاعد دراسية في العام الدراسي 2011-2012م.
هذا وأمتنا - ولله الحمد - تمتلك مقومات نجاح قطاع المؤسسات الخيرية والوقفية الإسلامية، وهي أربع: أولها الشريعة الإسلامية، وثانيها التجربة التاريخية (تطبيقات عملية تاريخية)، حيث إن الإسلام أول من قدم للبشرية الوقف بوصفه عملاً إنسانياً مستداماً، وثالثها القوى البشرية، وآخرها المال والموارد من صدقة عامة وجارية وتطوع وزكاة وفعل الخير.
والتطبيقات التاريخية للمؤسسات الوقفية أنتجت حضارة إسلامية تحث على البذل والعطاء عبر اثني عشر قرناً من الزمان، مبادئ تجاوزت حقوق الإنسان إلى كرامته وشرعت لحقوق الحيوان، ومنحت الحقوق لغير المسلمين حتى شرعت حق الأسير الكافر {ويطمعون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}(5). وما يمتلكه هذا الدين من رصيد الخيرية للبشرية عامة يعد من أكبر الفرص {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} (آل عمران: 110).

الهوامش:
1- أخرجه البخاري في كتاب الوصايا، برقم 2751، وأخرجه مسلم في صحيحه، برقم 1892. واللفظ لمسلم.
2- عون المعبود سرح سنن أبي داود (8/104) الجزء الرابع.
3- تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي، محمد المباركفوري، شرح حديث رقم 1705.
4- روضة الطالبين 5/348، شرح منتهى الإرادات 2/362.
5- انظر: القطاع الثالث والفرص السانحة، رؤية مستقبلية، د. محمد عبدالله السلومي، ص 41-42، بتصرف.


اعداد: عيسى القدومي






الساعة الآن : 11:37 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 413.67 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 411.94 كيلو بايت... تم توفير 1.73 كيلو بايت...بمعدل (0.42%)]