وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (1) ميسون عبدالرحمن النحلاوي بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين. مقدمة: القرآن الكريم من أكبر النعم التي مَنَّ بها ربُّ العالمين على عباده المسلمين، فيه الرحمة، وفيه الهدى، وفيه العلم والحكمة والبيان، فيه القصص والعبر والعظات. هو نور ورحمة وشفاء لكل مسلم على أي حال كان؛ القرآن الكريم فيه الخير كله، مَنْ تمسَّك به فاز، ومن حُرمه خاب وخسر آخرته ودنياه. اللهم إنا نعوذ بك من الخيبة والخسران. يقول تعالى في سورة يونس: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 57، 58]. جاء في تفسير القرطبي: "قوله تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ ﴾ قال أبو سعيد الخُدْري وابن عباس رضي الله عنهما: فضل الله: القرآن، ورحمته: الإسلام، وعنهما أيضًا: فضل الله: القرآن، ورحمته: أن جعلكم من أهله"؛ انتهى. وقد ذمَّ الله في كتابه العزيز من يقرأ القرآن بلا تدبُّر ولا فهم لمعانيه ومقاصده، فقال عزَّ مِن قائل: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]. قال ابن كثير: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾؛ أي: بل على قلوب أقفالها، فهي مطبقة لا يخلص إليها شيء من معانيه. فالمؤمن مأمور أن يبحث ويتقصَّى ويحاول ويجتهد في فهم معاني القرآن الكريم، ليكون ممن "يتلون الكتاب حقَّ تلاوته" فيكتب ممن "يؤمنون به"، يقول تعالى في سورة البقرة: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ [البقرة: 121]. قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، إن "حق تلاوته" أن يحل حلاله، ويُحرِّم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يُحرِّف الكَلِم عن مواضعه، ولا يتأوَّل منه شيئًا على غير تأويله. وكذا رواه عبدالرزاق، عن معمر، عن قتادة ومنصور بن المعتمر، عن ابن مسعود. وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: يحلون حلاله ويُحرِّمون حرامه، ولا يُحرِّفونه عن مواضعه. قال القرطبي: وروى نصر بن عيسى، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ [البقرة: 121]، قال: " يتبعونه حقَّ اتِّباعه"؛ انتهى. والعمل بالقرآن واتِّباع ما جاء به يقتضي تدبُّره، ويتطلَّب منا فهم مقاصده ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. وقد ورد عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنه- قال: "لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، وتنزل السورة على محمد صلى الله عليه وسلم فنتعلم حلالها وحرامها، وآمرها وزاجرها، وما ينبغي أن يقف عنده منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت اليوم رجالًا يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان، فيقرأ ما بين فاتحته إلى خاتمته ما يدري ما آمره ولا زاجره! ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه فينثره نثر الدقل! ". اللهم إنا نسألك إيمانًا صادقًا وفهمًا وتدبُّرًا لكتابك العزيز، وأن تكتبنا من أهل القرآن وخاصته دون رياء ولا نفاق، اللهم آمين، وبعد: فهذه الدراسة البسيطة لسورة البقرة، والتي تمتد على عشر حلقات أو أكثر، هي محاولة لتدبُّر وفهم ما شاء الله لنا أن نتدبر منها، وإلا فإن أسرار القرآن ومقاصده وإعجازه لا يحيط بها إلا منزله جل وعلا، ولا نحيط نحن البشر من علم الله بشيء إلا بما شاء، كما قال عز وجل في آية الكرسي: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة: 255]، وفي سورة الكهف: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾ [الكهف: 109]. اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهك لا يشوبها من الرياء شائبة، اللهم آمين. بسم الله الرحمن الرحيم وقفات ودروس من سورة البقرة (1) مقدمة: تعريف بسورة البقرة: أسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم سنام القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: "البقرةُ سنامُ القرآنِ وذروتُه، نزل مع كل آيةٍ منها ثمانون ملكًا، واستُخرجت ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255] من تحتِ العرشِ فوُصلتْ بها"؛ عن معقل بن يسار، المحدث: الشوكاني، المصدر: فتح القدير، خلاصة حكم المحدث: سنده صحيح، وأخرجه أحمد والطبراني. وسورة البقرة مدنية بالإجماع، وهي ثاني سور القرآن الكريم بعد سورة الفاتحة بحسب ترتيب المصحف العثماني، وعدد آياتها: ست وثمانون ومائتا آية، وهي أطول سورة في القرآن، وفيها أطول آية في القرآن، وهي آية المداينة، وفيها أفضل آية في القرآن، وهي آية الكرسي. وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: "هذه السورة أول ما نزل بالمدينة، نزلت في مُدَدٍ شتى"، وعنه أيضًا: "آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، آية الربا". وروي أن آخر آية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾ [البقرة: 281]، ومعها تختم آيات الربا. تسمية السورة: سميت هذه السورة بعدة أسماء، منها: السنام، والذروة، والزهراء. أما تسميتها بالاسمين الأوَّلين؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «البقرة سنام القرآن وذروته، نزل مع كل آية منها ثمانون ملكًا»؛ رواه أحمد وغيره، وأما تسميتها الزهراء؛ فلقوله صلى الله عليه وسلم: «اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران»؛ صحيح مسلم. ومن يتدبَّر في مفصليات سورة البقرة يجد أن اختيار قصة بقرة بني إسرائيل لتكون اسمًا للسورة، إنما هو بمثابة عنوان عريض لما تزخر به السورة من عروض متنوعة للجوانب النفسية والسلوكية العجيبة لبني إسرائيل؛ ومن عجيبها ما كان منهم في تعاملهم مع نبيهم وربهم في قصة البقرة.. فتجدهم يجادلون ويتعنتون في أبسط وأهون طلب طلبه الله منهم، ليحقق لهم مصلحة، ويحل لهم أمرًا مستعصيًا، فكيف حالهم مع أمور العبودية المطلقة؟! واستفاضة سورة البقرة في ذكر بني إسرائيل فيه الكثير من الدروس والعِبَر: • ففي قصصهم ومواقفهم إضاءة على خصالهم الخبيثة التي لا ينفع معها استمرار الرسالة والنبوَّة فيهم، وأولها خيانة عهد الله وأمانته، والتقوُّل على الله جلَّ وعلا، والتبديل والتحريف في دينهم، وإبراز وإخفاء ما شاءوا من الكتاب حسب أهوائهم ومصالحهم، ناهيك عن كفرهم. • كما أنها تحمل تذكيرًا ليهود المدينة بما كان عليه أجدادُهم من تكبُّر وتعنُّت واستكبار، وما أصابهم من عقوبات كارثية جزاء كفرهم وخيانتهم لله ورسالته، وبما ينتظرهم إذا ما أنكروا محمدًا ورسالته حسدًا واستكبارًا، وأصرُّوا على اتِّباع خطى أولئك الأجداد. • وهذا بدوره يقودنا إلى الدرس التالي: أن انتبهوا أيها المسلمون أن تسيروا على خطى القوم فيصيبكم ما أصابهم. كما يلفتنا في سياق السورة أن الجزء الذي يتناول عددًا من التشريعات المنظمة للمجتمع المسلم لم يأتِ إلا بعد أن وعى المؤمنون وفهموا عاقبة عصيان الله ورسوله من خلال البسط المرتب والمستفيض لسيرة أولئك القوم، وما كانوا عليه من خلل في علاقتهم مع شريعة ربِّهم ورسولهم وأنبيائهم. وسنفرد في هذه الدراسة إن شاء الله حيزًا بارزًا لما أوردته السورة بشأن بني إسرائيل. فضل السورة: لم يرد في السنة الشريفة فضل لسورة من سور القرآن كما ورد في فضل سورة البقرة، فقد ورد في سورة البقرة جملةٌ من الأحاديث النبوية الشريفة، نذكر منها: • قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر، إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة»؛ رواه مسلم. • وقوله صلى الله عليه وسلم: "عن النواس بن سمعان الكلابي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يُؤْتَى بالقُرْآنِ يَومَ القِيامَةِ وأَهْلِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ به تَقْدُمُهُ سُورَةُ البَقَرَةِ، وآلُ عِمْرانَ، وضَرَبَ لهما رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ ثَلاثَةَ أمْثالٍ ما نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ، قالَ: كَأنَّهُما غَمامَتانِ، أوْ ظُلَّتانِ سَوْداوانِ بيْنَهُما شَرْقٌ، أوْ كَأنَّهُما حِزْقانِ مِن طَيْرٍ صَوافَّ، تُحاجَّانِ عن صاحِبِهِما"؛ صحيح مسلم. في هذا الحديثِ يقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: "يُؤْتَى بالقرآنِ وأهلِهِ الَّذين كانوا يَعْمَلُونَ به"؛ أي: الَّذين يَقرءون القُرآنَ، ويُؤمنون بأخبارِهِ، ويُصدِّقون بها، ويعملون بأحكامِهِ، فهؤلاءِ يكون القرآنُ حُجَّةً لهم يومَ القيامةِ، وَخَرَجَ بذلك الَّذين لا يُؤمنون بأخبارِهِ، ولا يُقيمون حُدُودَهُ، فهؤلاء يكون القرآنُ حُجَّةً عليهم؛ لِأَنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: "القرآنُ حُجَّةٌ لك أو عليك"، "تَقْدُمُه"؛ أي: تَتَقَدَّمُ القرآنَ، أو أهلَهُ: "سورةُ البقرةِ، وآلِ عِمرانَ"، "كأنَّهما غَمَامَتَانِ، أو ظُلَّتَانِ"؛ أي: سحابتان، "سَوْدَاوَانِ"؛ لِكَثَافَتِهِما، وَارْتِكَامِ بعضِهما على بعضٍ، "بينهما شَرْقٌ"؛ أي: ضَوْءٌ، ونُورُ الشَّرْقِ هو الشَّمسُ، وفي ذلك تنبيهٌ على أنَّهما مع الكثافةِ لا يَستُرانِ الضَّوْءَ، وقِيلَ: أُرِيدَ بالشَّرْقِ الشَّقُّ، وهو الانْفِراجُ؛ أي: بينهما فُرْجَةٌ وَفَصْلٌ؛ كتميُّزِهما بالبَسْمَلَةِ في المُصْحَفِ؛ "وكأنَّهما حِزْقَانِ"؛ أي: قطيعان وجماعتان، "تُحَاجَّانِ"؛ أي: تُدافِعان الجحيمَ والزَّبَانِيَةَ، أو تُخاصِمان الرَّبَّ، أو تُجادِلان عنهم بالشَّفاعةِ، أو عِنْدَ السُّؤالِ إذا سَكَتَ اللِّسانُ، واضْطَرَبَتِ الشَّفَتَانِ، وضاعتِ الْبَرَاهِينُ". اللهم اجعلنا من أهلهما. • وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثًا، وهم ذو عدد، فاستقرأهم، فاستقرأ كل رجل منهم ما معه من القرآن، فأتى على رجل منهم من أحدثهم سنًّا، فقال: «ما معك يا فلان؟»، قال: "معي كذا وكذا، وسورة البقرة"، قال: «أمعك سورة البقرة؟»، فقال: "نعم"، قال: «فاذهب، فأنت أميرهم»؛ رواه الترمذي، وقال: "حديث حسن". ولو نظرنا إلى أحوال الصحابة في تعاملهم مع هذه السورة، نجد شيئًا عجبًا، فهذا عمر،كما أخرج البيهقي في الشُّعب "بقي يتعلم سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزورًا"؛ شعب الإيمان. فهذه المدة الطويلة لا شك أنه كان يتفهم ما فيها من المعاني والهدايات والعقائد والأحكام، وإلا فهو ذو قدرة على حفظها في أيام، ولكن هكذا كانوا يتعلمون القرآن، يتعلمون حروفه، ويتدبرون مقاصده وآياته.. يهتدون بهديه ويتعلمون من قصصه وعِبَره.. بقي رضي الله عنه اثنتي عشرة سنةيحفظ في سورة البقرة.. اللهم اهدنا هدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم والراشدين من بعده. وفي كتاب الاستيعاب لابن عبدالبر: "وكان لبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام فحسُن إسلامه، وترك قول الشعر في الإسلام، وسأله عمر في خلافته عن شعره واستنشده، فقرأ سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتًا من الشعر بعد إذ عَلَّمني الله البقرة وآل عمران، فأعجب عمر قوله، وكان عطاؤه ألفين فزاده خمسمائة. وقد قال كثير من أهل الأخبار: إن لبيدًا لم يقل شعرًا منذ أسلم. وقال بعضهم: لم يقل في الإسلام إلا قوله: الحمد لله إذ لم يأتني أجلي حتى اكتسيت من الإسلام سربالًا"؛ تفسير القرطبي. وذكر الإمام مالك -رحمه الله- في الموطأ أن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- مكث على سورة البقرة ثماني سنين، يتعلمها"؛ موطأ مالك. كما جاء في فضل آية الكرسي جملة أحاديث، منها عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا المنذر، أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قلت: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"، فضرب في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر"؛ رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت»؛ رواه النسائي. وجاء في فضل خواتيم سورة البقرة بعض الأحاديث، نذكر منها: قول جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان جالسًا عنده: "أبشر بنورين أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته"؛ رواه مسلم. وقوله صلى الله عليه وسلم: «الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأهما في ليلة كفتاه»؛ متفق عليه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ختم سورة البقرة بآيتين، أعطانيهما من كنزه الذي تحت العرش، فتعلموهن، وعلموهن نساءكم، فإنها صلاة، وقرآن، ودعاء»؛ رواه الحاكم في المستدرك، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري". والآثار في فضلها كثيرة. والحمد لله رب العالمين. يتبع. |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات مع سورة البقرة (2) ميسون عبدالرحمن النحلاوي السمات المميزة لسورة البقرة: السمة الرئيسة التي تتميز بها سورة البقرة، هي أنها تكاد تكون جامعة لكل مواضيع القرآن، سواء كان ذلك تفصيلًا أو تلخيصًا، أو إشارة أو تلميحًا، وبالرغم من كونها مدنية إلا أن طابع السور المكية يكاد لا يغيب عنها. وسورة البقرة هي السورة المؤسسة للمجتمع الإسلامي بكافة وجوهه ونواحيه: عقائديًّا، واجتماعيًّا، واقتصاديًّا. أما عقائديًّا، فهي تزخر بالمحاور والآيات التي تقرر عقيدة التوحيد؛ منها على سبيل المثال لا الحصر: • عرض دلائل وحدة الألوهية؛ كقوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 163- 164]. • أركان الإيمان وأركان الإسلام: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، وذكر في هذه الآية أركان الإيمان الخمس، ومن أركان الإسلام: الصلاة، والزكاة، بعد التوحيد، وهي التي حدثنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي جاء يسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة: "... ثم وضعَ يدهُ على ركبتَي رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمدُ، ما الإسلامُ؟ فقال: ((الإسلامُ أن تشْهَد أن لا إله إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ اللهِ، وأن تُقِيمَ الصلاةَ، وتُؤتي الزكاةَ، وتَحُجَّ وتَعْتَمرَ، وتَغْتَسِلَ من الجنابة، وتُتِمَّ الوضوءَ، وتَصوم رمضانَ))، قال: فإن فعلت هذا فأنا مُسْلِمٌ؟ قال: نعم. قال: صدَقْتَ. قال: يا محمدُ، ما الإيمانُ؟ قال: ((الإيمانُ أن تؤمنَ باللهِ وملائكَتِه وكتبهِ ورسلهِ، وتؤمنَ بالجنةِ والنار والميزانِ، وتؤمنَ بالبعثِ بعد الموتِ، وتؤمنَ بالقدرِ خيرهِ وشَرِّهِ))، قال: فإذا فعلتَ هذا فأنا مُؤْمِن؟ قال: نعم. ثم تأتي آيات الصيام: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، وآيات الحج والعمرة لتنهي أركان الإسلام: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 196]، يتخللها آيات فَرْض القتال: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190]. • وأما اجتماعيًّا، فنجد فيها جملة من الشرائع المتنوعة المؤسسة للمجتمع الإسلامي، شرائع تخص الأسرة المسلمة بالدرجة الأولى: في النكاح، في الطلاق، في العدة، في الرضاع، في المحيض، في اليتامى، في الوصية، في القصاص. • وأما اقتصاديًّا، فتسلط السورة الضوء على العنصر الباني للمجتمع الإسلامي "الإنفاق"،والعنصرالهادم له "الربا"، ثم أحكام البيوع: الدين والرهان. • الإنفاق: كما في قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، وقوله تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]،ثم يفصل السياق في آداب الإنفاق، وفي مصارفه، وفي الإنفاق المقبول، والإنفاق المهلك. • والربا: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة: 275-276]. • أحكام البيوع: الدين والرهان: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [البقرة، الآيتين 282- 283]. • ولنا أن نضيف إلى هذه الأسس الثلاثة، أساسًا رابعًا مؤسسًا للجانب السياسي، مؤسسًا لمسألة التعامل مع الصنفين اللذين يشكلان الصف المعادي للأمة الإسلامية، ويتمثل في توضيح موقف أهل الكتاب والمشركين من الإسلام والمسلمين؛ ليكون المسلمون على بيِّنة وبصيرة بأعدائهم حتى لو لبسوا جلود الحملان. كما في قوله تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [البقرة: 105]. وقوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: 109]، وقوله تعالى في مسألة القبلة: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 145]. وقوله تعالى في مسألة القتال: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217]. سمة رئيسية أخرى في السورة هي تقعيد مسألة دين التوحيد على أنه هو الدين الذي تأسست عليه البشرية قبل الاختلاف، وأن الأنبياء والرسل إنما أُرسلوا بعد الاختلاف الذي وقع بين الذين أوتوه ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]، وهذا الاختلاف هو الوقوع في الشرك والمعصية، والميل عن هذا الدين، ورسالة الرسل على اختلاف زمانهم ومكانهم إنما كانت لرد الناس إلى الدين الحق "الإسلام"، دين البشرية الأول الذي نزل به آدم عليه السلام. يقول تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213]. ثم يأتي تأكيد لهذه المعاني في سورة آل عمران: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران: 18-19]. يقول ابن كثير: "وهذا إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم". ذكر ابن جرير "أن ابن عباس قرأ:﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾؛ أي: شهد هو وملائكته وأولو العلم من البشر بأن الدين عند الله الإسلام". فهل كانت الرسالة التي بعث فيها أنبياء الله كافة على اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم هي الإسلام حقًّا؟ يجيبنا الذكر الحكيم: • نوح عليه السلام: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 71-72]. • إبراهيم عليه السلام: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ﴾ [آل عمران: 67]. • دين يعقوب عليه السلام والأسباط: ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 130-133]. • لوط عليه السلام: ﴿ قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الذاريات: 31-36]. • موسى عليه السلام: ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 84]. • دين بني إسرائيل: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [يونس: 90]. • يوسف عليه السلام: ﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ [يوسف: 101]. • دعوة سليمان عليه السلام: ﴿ قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 29-31]. • دين سليمان عليه السلام: ﴿ فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 42]. • استجابة بلقيس: ﴿ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [النمل: 44]. • عيسى عليه السلام: وكان عيسى عليه السلام مسلمًا، كما كان أخوه موسى عليه السلام، فقد كانت رسالة عيسى تصديقًا لرسالة موسى عليهما السلام: ﴿ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [المائدة: 46]. • محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [غافر: 66]. • ونختم بوصية الله لنا نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بخطاب وجَّهَه جل في علاه لنبيه صلى الله عليه وسلم في سورة البقرة: ﴿ قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 84]. وهذه الوصية تلخص كل ما سبق. سمة رابعة؛ إبراز فكرة اختلاف أَتْباع الرسالات بعد العلم وسببه: • ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213]. يقول الطبري في تفسيره: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]؛ أي: بغيًا على الدنيا، وطلب ملكها وزخرفها وزينتها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعض، ﴿ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ﴾، يقول: فهداهم الله عند الاختلاف أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له. و"البغي" مصدر "من قول القائل: بغى فلانٌ على فلان بغيًا، إذا طغى واعتدى عليه فجاوز حده، فمعنى قوله جل ثناؤه: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]، من ذلك. يقول: لم يكن اختلاف هؤلاء المختلفين من اليهود من بني إسرائيل في كتابي الذي أنـزلته مع نبيي عن جهل منهم به، بل كان اختلافهم فيه، وخلاف حكمه، من بعد ما ثبتت حجته عليهم، ﴿ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ طلب الرياسة من بعضهم على بعض، واستذلالًا بعضهم لبعض"؛ انتهى الطبري. وتتالى في سور متعددة في القرآن الكريم هذه القاعدة، وكلها في معرض تحذير أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يقعوا فيما وقع فيه الذين من قبلهم، كقوله تعالى: • في آل عمران 19: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾. • وفي الشورى 14: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾، فما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة، يقول ابن كثير: "بغيًا من بعضكم على بعض، وحسدًا وعداوةً على طلب الدنيا". والحمد لله رب العالمين. يُتبع... |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات مع سورة البقرة (3) ميسون عبدالرحمن النحلاوي بسم الله الرحمن الرحيم الجو العام لسورة البقرة ومواضيعها: عندما كانت سورة البقرة أول سُوَر القرآن الكريم بعد الفاتحة، كانت فاتحتها وصفًا دقيقًا عامًّا شاملًا لهذا الكتاب - القرآن - المحكم الذي لا يتطرق إليه ريب أو شك: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 1، 2]، وكانت أجواؤها تحقيقًا صريحًا لهذا الوصف.. فلا تكاد تمُرُّ على محور من محاورها إلا وتعيش صدق هذا الكتاب وإحكام آياته وبيانه المعجز، تعيش أجواء الهداية، ومتطلبات التقوى وأوصاف المتقين. والسورة تبدأ بالهداية: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾، وتختم بالهداية: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 285، 286]، وقلبها كله هداية: أحكام إلهية، أوامر ونواهٍ، توجيه وتربية، أخلاق وسلوكيات، تشريعات وقوانين، بأساليب متنوِّعة، منها المباشر ومنها غير المباشر، ثم تأتي على صفات هؤلاء المتقين. أما مواضيع السورة فتندرج ضمن تقسيمات السورة الثلاثة: المقدمة، والقلب، والخاتمة. تقوم مقدمة السورة على ثلاثة أسس: 1- الرسالة المحمدية، والاتجاهات الثلاثة التي تنقسم إليها البشرية في موقفها من الرسالة الأخيرة. 2- دعوة البشرية إلى دين التوحيد، وآيات الله في الخلق والكون. 3- قصة الخلق، آدم عليه السلام: بدء الخلق وبداية الرحلة الدنيوية للبشرية على الأرض في معركة أزلية بين الإنسان والشيطان، الخير والشر، الكفر والإيمان، الهداية والضلال، المعصية والتوبة. وينطوي قلب السورة: • على الكثير من دلائل التوحيد في شقَّيه: توحيد الألوهية، والربوبية، وكذلك مشاهد من البعث وتخاصم الأتباع والمتبوعين؛ كقوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 21، 22]، وقوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴾ [البقرة: 165، 166]. • وتؤسس السورة في طياتها لمفهوم وحدة الدين البشري، وأنه الإسلام. • وتشغل قصص بني إسرائيل وأخبارهم حيزًا كبيرًا من قلب السورة يكاد يغطي الجزء الأول برمته، كما لا يغيب ذكرهم عن الجزء الثاني. ومما يلفتنا في أجواء السورة أن أخبار بني إسرائيل وعرض سلوكياتهم المنحرفة في تعاملهم مع ربهم ونبيهم تأتي سابقة للأحكام والشرائع والقوانين الإلهية المؤسِّسة للمجتمع الإسلامي، ويعود السبب في ذلك- والله أعلم- إلى ما تنطوي عليه قصص وأخبار هؤلاء القوم من دروس إيمانية وتربوية عميقة في كيفية التعامل مع الأمر الإلهي من تشريع وأحكام وقوانين، فهُمْ نموذج فريد لقوم من أقوام البشرية ناصبوا الله عز وجل "الندِّية"، فكانت أبرز سماتهم أنهم يعتبرون أن لله رأيًا؛ وهو ما يأمر به جل في علاه، ولهم رأي؛ وهو ما تمليه عليهم أهواؤهم، ورأيهم في الغالب أفضل من أمر الله، سبحانه وتعالى عما يظنون، فكأن الله عز وجل يقول لنا من خلالهم: إن كان منكم ما كان منهم فانتظروا عاقبة كعاقبتهم! • ونطالع فيه مسألة السحر وحقيقته. • وفيه آية الكرسي صفات الواحد الأحد. • وفيه التشريعات المؤسسة للمجتمع الإسلامي بكافة عناصره. وسنأتي على تفصيل قلب السورة إن شاء الله. أما خاتمتها، فقد اشتملت على تقرير شامل لأسس العقيدة: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 284 - 286]. الله جلَّ جلاله: • تفرَّد الله الأحد في ملك السماوات والأرض، وكل ما يندرج تحت هذا الملك المطلق من معانٍ. • إحاطة الله الواحد بالنفس الإنسانية من كل جوانبها حتى ما تخفي الصدور. • الحساب بيده وحده: إما مغفرة، وإما عذاب. • القدرة المطلقة على كل شيء، كل شيء! ثم حقيقة الإيمان: إيمان الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. • ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ﴾: عبارة جامعة شاملة مؤدية لكل معاني النبوة ومقوماتها. • ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ ﴾: الإيمان فرض عين "كلٌّ" وليس فرض كفاية. • ﴿ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾: أركان الإيمان. • ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾: من شروط الايمان عدم التفرقة بين الرُّسُل. • السمع والطاعة ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾. • طلب المغفرة على الدوام﴿ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾. • الإيمان بيوم البعث، واليوم الآخر، وأن مصير البشرية إلى الله وحده ﴿ وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾. حقيقة التكليف: • ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾: أمر تسعه طاقتها، ولا يكلفها ويشق عليها، كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]،فأصل الأوامر والنواهي ليست من الأمور التي تشق على النفوس، بل هي غذاء للأرواح ودواء للأبدان، وحمية عن الضرر، فالله تعالى أمر العباد بما أمرهم به رحمةً وإحسانًا، ومع هذا إذا حصل بعض الأعذار التي هي مظنة المشقة حصل التخفيف والتسهيل، إما بإسقاطه عن المكلف، أو إسقاط بعضه كما في التخفيف عن المريض والمسافر وغيرهما"؛ تفسير السعدي. • وكل نفس محاسبة على كسبها واكتسابها، ﴿ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ﴾ [الإسراء: 15]. الكسب والاكتساب: ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ﴾ [البقرة: 286]، يقول الدكتور فاضل السامرائي: "الاكتساب فيها تعمّل واجتهاد. الكسب يكون في الخير والشر؛ لأن الكسب أسرع والاكتساب فيه تعمّل واجتهاد وكسب حتى يكتسب، والسيئات تحتاج إلى مشقة، أما الخير فقد يأتيك وأنت لا تعلم، يغتابك أحد وتكسب أنت خيرًا وهو يكتسب شرًّا". دعاء المؤمنين. • ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286] اللهم تجاوز عنا خطأنا ونسياننا. • ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: لا تكلفنا من الأعمال الشاقة وإن أطقناها، كما شرعته للأمم الماضية قبلنا من الأغلال والآصار التي كانت عليهم، ربنا لا تشدد علينا كما شددت على من كان قبلنا. • ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ [البقرة: 286]: ربنالا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق. • ﴿ وَاعْفُ عَنَّا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: عن ذنوبنا. عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه، نسألك ربنا العفو. • والمغفرة ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: استر على ذنوبنا. والغفر: الستر. • والرحمة ﴿ وَارْحَمْنَا ﴾ [البقرة: 286]؛ أي: تفضل برحمة مبتدئًا منك علينا، وقيل: ارحمنا فيما يستقبل، فلا توقعنا بتوفيقك في ذنب آخر، ولهذا قالوا: إن المذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه فيما بينه وبينه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه به بينهم، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره. • والولاية ﴿ أَنْتَ وَلِيُّنَا ﴾ [الأعراف: 155] وناصرنا، وعليك توكلنا، وأنت المستعان، وعليك التكلان، ولا حول ولا قوة لنا إلا بك. • والنصرة. ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286] فانصرنا عليهم، واجعل لنا العاقبة عليهم في الدنيا والآخرة. ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 284 - 286]. قال صلى الله عليه وسلم: "أُعطِيتُ هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحت العرشِ، لم يُعطَها نبيٌّ قَبلي" عن أبي ذَرٍّ، وحذيفة بن اليمان؛ وصححه الألباني في صحيح الجامع. والحمد لله رب العالمين. يُتبع..... |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (4) ميسون عبدالرحمن النحلاوي تأملات في مقدمة السورة: تغطي مقدمة السورة تسعًا وثلاثين آية، تشكل القاعدة التي سترتكز عليها أعمدة الهداية في السورة، التي تستند كما أسلفنا، إلى ثلاثة أسس: 1- الرسالة المحمدية، والاتجاهات الثلاث التي تنقسم إليها البشرية في موقفها من الرسالة الأخيرة. 2- دعوة البشرية إلى دين التوحيد. 3- قصة آدم عليه السلام: بدء الخلق، وبداية الرحلة الدنيوية للبشرية على الأرض في معركة أزلية بين الإنسان والشيطان، الخير والشر، الكفر والإيمان، الهداية والضلال، المعصية والتوبة. الأساس الأول الرسالة المحمدية، والاتجاهات الثلاث التي تنقسم إليها البشرية في موقفها من الرسالة الأخيرة. • الرسالة المحمدية: تبدأ السورة بتوصيف القرآن الكريم، حامل رسالة التوحيد: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 1، 2]، تصفه أولًا بأنه الحق المطلق الثابت الذي لا يتطرق إليه أي شك أو ريب: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ [البقرة: 2]، ثم تقرر الهدف الذي نزل من أجله: "هدًى"، ثم تقرر الفئة المستفيدة من هذا الهدى: "المتقين"، ﴿ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2]. فأما الهداية، فهي جوُّ السورة العام الذي تسير فيه، والمهيمن على كل محاورها. وأما التقوى واشتقاقاتها، فسنجد أنها ملازمة لكل أمر أو نهي، أو تشريع أو حكم، تأتي عليه آيات السورة تقريبًا. وأما الكتاب الذي لا ريب فيه، فنقرأ في الآيتين الثالثة والعشرين والرابعة والعشرين ترسيخًا لأربع قواعد في شأنه: • الأولى هي أنه تنزيل من عند الله ﴿ نَزَّلْنَا ﴾ [البقرة: 23]. • الثانية هي أنه نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بصفته عبدًا لله: ﴿ عَلَى عَبْدِنَا ﴾ [البقرة: 23]. • الثالثة هي إعجاز هذا الكتاب المتضمن للرسالة؛ من حيث إنه لا يمكن لبشرٍ أن يأتي بسورة من مثله. • والرابعة هي جزاء من يكفر بهذه الرسالة ومن يؤمن بها؛ يقول تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 23 - 25]. • وأما الاتجاهات الثلاث التي تنقسم إليها البشرية تجاه الرسالة الأخيرة؛ فهي: الإيمان، الكفر، النفاق. فأما المؤمنون فتصفهم السورة في ثلاث آيات: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 3 - 5]. وأما الكافرون في آيتين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 6، 7]، فهم قوم ميؤوس منهم، كفرهم واضح لا لَبْسَ فيه، قد خُتم على جميع أحاسيسهم التي يفترض أن تقودهم إلى الهداية. وأما المنافقون، فتفرِد لهم مقدمة السورة ثلاث عشرة آية؛ لعِظَمِ خطرهم على الأمة الإسلامية من جهة، ولمنهجية التلبس التي يتبعونها من جهة أخرى، فهم يُظهِرون الإيمان ويُبطنون الكفر، يُظهرون المودة للمسلمين، ويبطنون العداوة، دينهم وديدنهم المكر والخداع والغدر، وهذا مكمن عِظَمِ خطرهم على الأمة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 8 - 16]. نفصِّل في الصفات: 1- يُظهرون عكس ما يُبطنون: أقوالهم تُظهر الإيمان بالله واليوم الآخر، وحقيقتهم عكس ذلك: ﴿ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 8]. 2- الخداع وسيلتهم في التواصل مع الله، خالقهم، ومع المؤمنين: ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [البقرة: 9]، ولكن خداعهم منقلِبٌ عليهم؛ لأنهم يخادعون من لا يُخدَع، "فالخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع، فإنما يخدع نفسه"؛ قاله القرطبي. 3- والمنافق إنسان مريض القلب: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ [البقرة: 10]، مريض بالشك والريبة - على قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد - فمن يستسلم لنفاقه ولا يتوب منه، يزِدِ الله مرضَ قلبه هذا، حتى يصبح آفة لا شفاء منها، أعاذنا الله وإياكم من النفاق والمنافقين، اللهم آمين. ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 10]، قد يكون في الدنيا قبل الآخرة، والسبب ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴾ [البقرة: 10]، الكذب صِبغة النفاق الأولى. • يظنون في أنفسهم الإصلاح، ولا يعترفون بفسادهم وإفسادهم: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 11]، فإن عصَوا ونُصحوا بالتوبة والرجوع، عاندوا وأسبغوا على أعمالهم صفة الصلاح؛ يقول الطبري في تفسيره: "فكذلك صفة أهل النفاق: مفسدون في الأرض بمعصيتهم فيها ربهم، وركوبهم فيها ما نهاهم عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل من أحد عملًا إلا بالتصديق به والإيقان بحقيقته، وكذبهم على المؤمنين بدعواهم غير ما هم عليه، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، فلم يُسقِط الله جل ثناؤه عنهم عقوبته، ولا خفَّف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته - بحسبانهم أنهم فيما أتَوا من معاصي الله مصلحون - بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره، والأليم من عذابه، والعار العاجل بسبِّ الله إياهم وشتمه لهم؛ فقال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 12]"؛ [انتهى]. • رادارهم معطَّل وشعورهم بالفساد معدوم، لا يعرفون الحق من الباطل والصلاح من الفساد: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 12]. • الصفة السادسة، صفة موردة للهلاك ينتهجها كثير منا دون أن يعلم، التكبر والترفع عن التساوي بالمنزلة مع الموحدين، واعتبارهم سفهاء: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ ﴾ [البقرة: 13]؛ يقول ابن كثير: "إذا قيل للمنافقين ﴿ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ ﴾ [البقرة: 13]؛ أي: كإيمان الناس بالله وملائكته، وكتبه ورسله، والبعث بعد الموت، والجنة والنار، وغير ذلك، مما أخبر المؤمنين به وعنه، وأطيعوا الله ورسوله في امتثال الأوامر، وترك الزواجر - يقولون: أنصير نحن وهؤلاء بمنزلة واحدة وعلى طريقة واحدة وهم سفهاء، وغرورهم هذا يُعمي بصيرتهم، فلا يرَون ما هم به من سفاهة ويخفى عنهم علمها: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 13]"؛ [انتهى]. • الصفة السابعة تتعلق بالعلاقات الخارجية؛ أي خارج نطاق المجتمع الإسلامي، في العلاقة بين المجتمع الإسلامي وأعدائه من شياطين الإنس، كانت الصفات الست السابقة داخل المجتمع الإسلامي، أما هذه فتتعداها إلى العلاقات الخارجية: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]، المنافقون في تواصل دائم مع أعداء الإسلام من شياطين الإنس، الموصوفين في الآية الكريمة: بـ﴿ شَيَاطِينِهِمْ ﴾ [البقرة: 14]، يُظهرون إيمانهم اللفظي للمؤمنين: ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا ﴾ [البقرة: 14]، ويبقى ولاؤهم القلبي والفعلي للكفار والمشركين: ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ ﴾ [البقرة: 14]؛ قال ابن كثير: "وشياطينهم هم: سادتهم وكبراؤهم ورؤساءهم من أحبار اليهود ورؤوس المشركين والمنافقين". • صنعتهم الاستهزاء وليس الخداع فحسب: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]؛ قال ابن عباس: أي: إنا على مثل ما أنتم عليه هكذا يقولون للكفار﴿ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾ [البقرة: 14]؛ أي: إنما نحن نستهزئ بالقوم ونلعب بهم، ويا لهم من جهلاء سفهاء، ويرد عليهم خالق الخلق من يعلم السر وأخفى جل في علاه؛ فيقول: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 15]؛ يقول ابن كثير: "فأخبر الله تعالى أنه يستهزئ بهم، فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا؛ يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة، يعني من العذاب والنكال؛ قال ابن جرير: لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتفٍ عن الله عز وجل، بالإجماع، وأما على وجه الانتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك؛ • قال ابن عباس: ﴿ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ [البقرة: 15] قال: يسخر بهم للنقمة منهم، وقوله تعالى: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [البقرة: 15]؛ قال السدي عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، "يمدهم: يملي لهم". • قوم اعتاضوا عن الهدى بالضلالة، عرفوا الحق ولكنهم استحبوا الباطل، فعدلوا عن الحق إلى الباطل، تحركهم الأهواء: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 16]، فكانت تجارة خاسرة. ثم يمضي السياق في توضيح حال هؤلاء المنافقين بمثالي الظلام والنور، والرعد والبرق والصواعق، مثالين معجزين في كل زاوية من زواياهما. ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 17 - 20]. يقول الدكتور فاضل السامرائي في تفسير الآيات: المثال الأول: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 17، 18]. ربنا شبَّه المنافقين كالذي استوقد نارًا، فلما أضاءت ذهب الله بنورهم، ولم يقل: بضوئهم؛ لأنه لو قال ذهب الله بضوئهم، لاحتمل أن يبقى نورٌ؛ لأن الضياء فرط الإنارة، كان يبقى نور، فأراد أن يجتث المعنى كله، فلما قال: ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ [البقرة: 17] إذًا لا يبقى نور ولا ضياء، وإنما ظلمة، ثم قال: ﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ [البقرة: 17]، ما قال: ما حولها، ﴿ مَا حَوْلَهُ ﴾ [البقرة: 17]؛ يعني: حول المستوقد، ثم قال: ﴿ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ﴾ [البقرة: 17] جمع الظلمة؛ لتعدد أسبابها وهي في القرآن؛ حيث وردت مجموعة، ثم قال: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ [البقرة: 18]، والأبكم الذي يُولَد أخرسَ، ولم يقل: صم وبكم وعمي؛ لأن (صم وبكم وعمي) محتمل أن يكون هناك جماعة بكم، وهنالك جماعة صم، وهنالك جماعة عمي، لو قلت: هؤلاء فقهاء وكُتَّاب؛ يعني محتمل أن يكون فيهم فقهاء، ويحتمل أن يكون فيهم كتَّاب، لكن لو قلت: هؤلاء فقهاء كتَّاب شعراء؛ يعني هم جمعوا الصفات كلها، هذا فقيه كاتب شاعر يجمع الصفات، لكن لو قلت: هؤلاء فقهاء وكتَّاب وشعراء، فيها احتمالان؛ احتمال أن يكونوا جمعوا، واحتمال أن يكون قسمٌ فقهاء، وقسم كُتَّابًا وقسم شعراء، ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾ [البقرة: 18]، هذا تعبير قطعي جمعوا كل هذه الأوصاف؛ يعني كل واحد فيهم أبكم وأصم وأعمى، ﴿ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾ [البقرة: 18]، تركهم متحيرين لا يرجعون إلى المكان الذي بدؤوا منه، والأعمى لا يبصر، والأبكم لا يسأل، والأصم لا يسمع، كيف يرجع؟ فقدوا أشكال التواصل، الأعمى لا يبصر، والأصم لا يسمع، والأبكم لا يسأل ولا ينطق، كيف يرجعون؟ يقولون لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه؛ لأنه قال: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾ [البقرة: 16]، لا يرجعون عن الضلالة بعد أن اشترَوها. والمثال الآخر قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 19، 20]. هذا هو المثال الآخر، الصيب هو المطر، المطر الشديد الانصباب (من صاب يصوب)، مطر شديد الانصباب، وليس مجرد مطر، إذًا هذا هو الصيب، هو ذكر قال: ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ [البقرة: 19]، الظاهر أنها ظلمات كثيرة؛ لأنه جَمَعَ، ظلمات جمع ظلمة، السَّحْمَة (سَحمة يُقال: في ظلام أسحم شديد الظلمة)، وتطبيقه للسماء وظلمة الليل، هو نفسه مظلم كونه طبَّق السماء، فليس فيها مكان للضياء، الظلمة الثانية، والظلمة الثالثة ظلمة الليل، ظلمة الليل لأنه قال: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾ [البقرة: 20]، لو كان نهارًا لكانوا مشَوا، وفيه رعد وبرق، إذًا هذه هي الظلمات، وفي القرآن لم ترد كلمة الظلمات مفردة أبدًا، بخلاف النور ورد مفردًا، إذًا الصيب مطر شديد الانصباب ينحدر، فيه هذه الظلمات؛ فقال: ﴿ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ ﴾ [البقرة: 19] ليس فقط ظلمات. قال: ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ [البقرة: 19]، الأصابع والمقصود هو الأنامل؛ لأن الإصبع لا يمكن أن يدخل في الأذن، وهذا مجاز مرسل؛ حيث أطلق الكل وأراد الجزء؛ وهذا لشدة الخوف، كأنما يجعلون أصابعهم لو استطاعوا أن يدخلوها كلها في آذانهم، لفعلوا من شدة الخوف وما هم فيه، والصواعق هي رعد شديد مع نار محرقة، وقد يصحبها جِرم حديد، ليس مجرد رعد، وليست صاعقة، وإنما صواعق ﴿ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ [البقرة: 19]، إذًا هو رعد شديد مع نار محرقة، قد يكون معها حجر أو جرم، ولاحظ من فرط الدهشة أنهم يسدون الآذان من الصواعق، وسد الآذان ينفع من الصواعق، ينفع من الرعد، لكن لا ينفع مع الصاعقة، لكن لفرط دهشتهم لا يعلمون ماذا يفعلون، إذًا هم يتخبطون، وصواعق جمع صاعقة، لاحظ المبالغات الموجودة في الآية؛ صواعق وظلمات وصيب وليس مجرد مطر: ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾ [البقرة: 20]، و(كلما) تفيد التكرار، إذًا لم تكن مرة واحدة، وجيء بها؛ لأنهم حريصون على المشي لكي يصلوا: ﴿ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ ﴾ [البقرة: 20]، كلما أضاء لهم البرق، مشوا فيه، ﴿ وَإِذَا أَظْلَمَ ﴾ [البقرة: 20]، ولم يقل: إن أظلم؛ للتحقق، ولو قال: إن أظلم يكون أقل، (إذا) للمتحقق الوقوع وللكثير الوقوع، أما (إن) فهي قد تكون للافتراضات، وقد لا يقع أصلًا، ثم قال: ﴿ مَشَوا ﴾ ولم يقل: سعوا؛ لأن السعي هو المشي السريع، أما المشي ففيه بطء؛ إشارة إلى ضعف قواهم، لا يستطيعون مع الخوف والدهشة، لا يعلمون كيف يفعلون، ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ ﴾ [البقرة: 20]، لذهب بسمعهم مع قصف الرعد يعني جعلهم صُمًّا، وأبصارهم مع البرق، لماذا لم يفعل إذًا؟ كان يمكن أن يذهب بسمعهم مع قصف الرعد، وأن يذهب بأبصارهم مع ومض البرق، لا، هو أراد أن يستمر الخوف؛ لأنه لو ذهب السمع لم يسمعوا، ولو ذهب البصر لم يبصروا، فأصبحوا بمعزل، هو أراد أن يبقوا هكذا حتى يستمر الخوف، وقدَّم السمع لأن الخوف معه أشد"؛ [انتهى، لمسات بيانية للدكتور فاضل السامرائي]. فائدة: أول مثال ورد في أول سورة من القرآن الكريم كان في حق المنافقين. الأساس الثاني: دعوة البشرية إلى دين التوحيد، بشقَّيه: الإيمان بالله، وبالرسالة، مشفوعة بدلائل التوحيد، وجزاء من يكفر بها ومن يؤمن بها. فأما الدعوة إلى الإيمان بالله، فتبدأ بأمر الناس بعبادته: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ [البقرة: 21]، وتنتهي بنهيهم عن الشرك به: ﴿ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 22]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 21، 22]. والآيات تعرض دلائل التوحيد الأساسية، التي تتفرع عنها كل الآيات الأخرى الواردة في سور القرآن الكريم؛ وهي: • آية الخلق: تدل على أنه الخالق المتفرد، فخلقكم أيها الناس آية من آيات التوحيد: ﴿ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]. • وآية التسخير: وتسخير السماوات والأرض آية أخرى: ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ﴾ [البقرة: 22]. • آية الماء: وإنزال سبب الحياة الأول على هذه الأرض؛ الماء، آية ثالثة: ﴿ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ [البقرة: 22]، فجعل خزائنه في السماء ينزلها بالقدر الذي يريد في الوقت الذي يريد؛ كما قال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾ [الحجر: 22]. • وآية الرزق: فكان منه الرزق الذي تعتاشون عليه: ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ [البقرة: 22]. • آية الحياة والموت والبعث: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 28]. • كيفية الخلق: الأرض أولًا ثم السماء: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 29]. • تسوية السماوات سبعًا: ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ [البقرة: 29]. • علمه جل جلاله المطلق المحيط بكل شيء: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]، بكل شيء. فائدة: يلفتنا استخدام كلمة "لكم" في الآيتين اللتين تتحدثان عن خلق السماوات والأرض، وفي هذا تكريم لكم يا بني آدم وعلو شأن عند ربكم: ﴿ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا ﴾ [البقرة: 22]، والماء والرزق، ﴿ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ﴾ [البقرة: 22]، فكل ما خلق الله في الأرض خلقه من أجل الإنسان؛ لقوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 29]، فيا أيها الناس، أبَعْدَ كل هذا التكريم الذي خصكم الله به تكفرون بخالقكم وتجعلون له أندادا؟ • وأما البرهان على أن هذه الرسالة تنزيل إلهي، وليست قولَ بشر، فتأتي بأسلوب التحدي: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 23]. • أن يأتوا بسورة واحدة من مثله. • أن يأتوا بمن شاؤوا من الشهداء على صدق ما جاؤوا به، ولن يفعلوا. وأما جزاء من يكفر بها: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 24]. وأما جزاء من يؤمن بها: ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 25]. ثم يعود السياق مرة أخرى إلى المنافقين، في متابعة لموقفهم من ضرب الله الأمثال في القرآن الكريم، وتحديدًا المثل الذي وصفهم به في صدر السورة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 26، 27]. ومناسبة هذه الآية كما ورد في ابن كثير عن ابن عباس وعن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين؛ يعني قوله: ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ [البقرة: 17]، وقوله: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ [البقرة: 19]، الآيات الثلاث في صفة المنافقين، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: ﴿ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 27]. قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، في قوله: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ [البقرة: 27] إلى قوله: ﴿ الْخَاسِرُونَ ﴾ [البقرة: 27] قال: "هي ست خصال من المنافقين، إذا كانت فيهم الظهرة على الناس، أظهروا هذه الخصال: • إذا حدثوا كذبوا. • وإذا وعدوا أخلفوا. • وإذا اؤتمنوا خانوا. • ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه. • وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل. • وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا"؛ [تفسير ابن كثير]. والحمد لله رب العالمين. يتبع... |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (5) تأملات في مقدمة السورة (2) ميسون عبدالرحمن النحلاوي الأساس الثالث: قصة آدم عليه السلام: بدء الخلق وبداية الرحلة الدنيوية للبشرية على الأرض في معركة أزلية بين الإنسان والشيطان، والخير والشر، والكفر والإيمان، والهداية والضلال، والمعصية والتوبة. ثم يشرع السياق بسرد قصة بدء الخليقة، في أول قصة من قصص القرآن، وفيها: • خلق الإنسان وتعليمه "الأسماء كلها" قبل نزوله إلى الأرض، فالإنسان الأول ليس أبْكَمَ وليس جاهلًا، ولم يتعلم الأصوات من الحيوانات والطبيعة من حوله، كما يدَّعي دعاة التطوُّر؛بل كان ناطقًا عالمًا بكل ما يلزمه لإقامة الحياة على الأرض. • طاعة الملائكة وعصيان إبليس: • بداية الحياة على الأرض تحكمها العداوة بين آدم وذريته، وإبليس وجيشه في الطرف الآخر، مؤطرة بقانون الله وقانون إبليس ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [البقرة: 36]. • الأرض مستقر مؤقت "إلى حين". • قانون الهداية الإلهية: • ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾ [البقرة: 38] إشارة إلى الرسالات. • ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 38] جزاء من يتبع هدى الله. • ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 39] عقاب من يكفر بما أنزل الله من الهدى والآيات. ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ * وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ * فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 30 - 39]. وتبدأ قصة سيدنا آدم في سورة البقرة من أقدم حدث فيها، وهو إبلاغ الله عز وجل ملائكته أنه سيجعل في الأرض خليفة، والأرض المشار إليها هنا هي تلك التي ذكرها في الآية السابقة، الممهدة لقصة آدم عليه السلام: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة:29- 30]، وهذا يشير إلى أن آدم عليه السلام خُلِق أصلًا ليسكن الأرض لا ليبقى في الجنة، وما كان وجوده في الجنة وخروجه منها إلا لحكمة وأمر أراده الله، والله أعلم. وفاصلت الملائكة رب العباد بأمر هذا الخليفة، مفترضين أنه سيكون مفسدًا في الأرض سافكًا للدماء، مبدين رأيهم في أنه لا حاجة لله به ما داموا موجودين يسبحون بحمد الله ويقدسون له، لكن هذه المفاصلة بالطبع لم تكن على سبيل الجحود أو الإنكار، وإنما على سبيل الاستعلام عن الحكمة في ذلك واستكشافها. يقول الشوكاني في تفسيره فتح القدير: "خاطب الله الملائكة بهذا الخطاب لا للمشورة، ولكن لاستخراج ما عندهم، وقيل: خاطبهم بذلك لأجل أن يصدر منهم ذلك السؤال فيجابون بذلك الجواب، وقيل: لأجل تعليم عباده مشروعية المشاورة لهم، وأما قولهم:﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ فظاهره أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض؛ لكونهم مَظِنَّة للإفساد في الأرض وإنما قالوا هذه المقالة قبل أن يتقدم لهم معرفة ببني آدم؛ بل قبل وجود آدم فضلًا عن ذريته، لعلم قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه؛ لأنهم لا يعلمون الغيب؛ قال بهذا جماعة من المُفسِّرين. وعن ابن عباس قال:"وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله عليهم جنودًا من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله:﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ كما فعل أولئك الجان، فقال الله: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 30]، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمرو مثله. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال:إياكم والرأي؛ فإن الله رَدَّ الرأي على الملائكة، وذلك أن الله قال: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ قالت الملائكة: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾، قال:﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾؛ انتهى الشوكاني. ويقول ابن كثير في تفسيره: "وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهَّمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول؛ أي: لا يسألونه شيئًا لم يأذن لهم فيه، وسؤالهم هنا، لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا، إنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونُقدِّس لك؛ أي: نصلي لك كما سيأتي؛ أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبًا لهم عن هذا السؤال: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾؛ أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصدِّيقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزُّهَّاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم"؛ انتهى ابن كثير. وقال القرطبي في تفسيره في شأن هذه المفاصلة: "وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء؛ وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورءوس الجبال، فمن حينئذٍ دخلته العزة، فجاء قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على جهة الاستفهام المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ قال أحمد بن يحيى ثعلب. وقال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة، إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعًا: الاستخلاف والعصيان. وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقًا أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ أهو الذي أعلمهم أم غيره. وهذا قول حسن، رواه عبدالرزاق قال: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ [البقرة: 30]، قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء؛ فلذلك قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها"؛ انتهى القرطبي. معالم تتميز بها قصة آدم في سورة البقرة: ونقرأ في قصة آدم في سورة البقرة، وهي أول قصة من القصص القرآني حسب ترتيب سور المصحف: عن الكفر الأول في تاريخ الخلائق- الذي أعلمنا الله عز وجل به- وأنه كان كفر إبليس. ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34]. وعن الأمر الإلهي الأول لآدم عليه السلام، وأنه كان في المسكن والمطعم: ﴿ وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ﴾ [البقرة: 35]. وعن النهي الإلهي الأول، وأنه كان في المأكل: ﴿ وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 35]. وعن المعصية الأولى في تاريخ البشرية، وأنها كانت في أكل ما حرم الله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ﴾ [البقرة: 36]، وتفصيل ذلك في سورة الأعراف، وطه: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا ﴾ [طه: 121]. وعن عقاب المعصية الأولى في تاريخ البشرية: وكانا عقابين، تذكر البقرة الثاني منهما وهو الأكبر، وسبب بدء حياة الخليقة على وجه الأرض: الهبوط من الجنة إلىالأرض: ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: 36]، في حين تذكر سورتا الأعراف وطه الأول منهما؛ وهو نزع اللباس في قوله تعالى:﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾ [الأعراف: 20]، وقوله تعالى: ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 120، 121]. فائدة: وهكذا كان "نزع اللباس" أول نتائج المعصية الأولى "أكل المحرَّم"﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا ﴾﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ﴾ وبدا أن بين أكل الحرام والتعري صلة وثيقة؛ التعري من اللباس يسبقه التعري من التقوى، يقول تعالى في سورة الأعراف: ﴿ يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 26، 27]، وعن التوبة الأولى في تاريخ البشرية: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 37]. يقول ابن كثير: "واختلف أهل التأويل في الكلمات؛ فقال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23]، وعن مجاهد أيضًا: "سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، ربي ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك أنت الغفور الرحيم". وعن بدء قصة الحياة على الأرض، معلنة بدء المعركة الأزلية بين طرفين "أعداء" ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [البقرة: 36] بجميع عناصرها: الإنسان والشيطان، والكفر والإيمان، والخير والشر، والذنب والتوبة، والمعصية والاستكبار. وتختم القصة بقانون الهداية الإلهية: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 38، 39]. كما تتفرد قصة آدم في السورة بذكرها: • لمراجعة الملائكة لربهم في مسألة استخلاف آدم عليه السلام، وعدم رغبتهم بها مبدين أسبابهم، ولم يرد هذا في سورة أخرى. • وذكرها لاستخلاف آدم في الأرض وهو ما لم يذكر في موضع آخر من القرآن الكريم. • ولتعليم الله عز وجل لآدم عليه السلام ما يلزمه لتحقيق الخلافة في الأرض، فكان عِلمٌ عَلِمَه آدم ولم تعلمه الملائكة. • فيها تقرير بأن الملائكة لا تملك من العلم إلا ما علمها الله، مع إثبات علم الغيب والشهادة المطلق لله وحده، وعلمه بسرائر كل الخلائق فضلًا عن علانيتهم، وأنه لا أحد يحيط بعلمه إلا بما شاء. • ذكر فيها صفتَي الإباء والاستكبار متلازمتين في رفض إبليس للسجود، وهذا الموضع الوحيد في القرآن الذي ترد فيه هاتان الصفتان متلازمتين: ﴿ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 34]، وفيه تقرير يفيد بأن "العصيان والاستكبار" هما الصفتان المورثتان للكفر. • وفيها إثبات نبوة آدم عليه السلام وأنه كان يُوحى إليه: ﴿ فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾. فائدة: في قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾البرهان الساطع على أن أول إنسان وجد على الأرض كان عالمًا بكل ما يلزمه لتحقيق الاستخلاف في الأرض، عابدًا عالمًا ناطقًا مفكرًا مبدعًا، مثله مثل أي إنسان يعيش في يومنا هذا؛ بل ويتفضَّل عليه بأنه كان حديث الصلة بخالقه لم يتطاول عليه الزمن كما تطاول على القرون من بعده الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. فائدة:عندما قال عز وجل:﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾[البقرة: 34]، فكأنه جلَّ في علاه قعَّد تعريفًا للكفر في أنه: رفض طاعة الله والاستكبار عن أوامره. صفات الكافر الأول إبليس لعنه الله: الكبر: دافع الكفر وجذره الأول، الكبر هو الذي دفع إبليس إلى العصيان ورفض أمر لله "فأبى واستكبر"، أما "الأنا" فكانت عمق هذا الكبر، كما يحكيه لنا المشهد في سورة الأعراف: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ [الأعراف: 12]. ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾ [الأعراف: 12]، فإن وجدتها منهج أحدهم فاعلم أن فيه خصلة من إبليس. • الكذب والخداع: سلاحه الكذب والخداع والوعود الكاذبة، والتحريش بين ابن آدم وربه، مشفوعة بالحلفان بالله: ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [الأعراف: 20، 21]. كذب إبليس على ربه، وقال عنه ما لم يقُلْه أو يقضي به، ثم حلف لآدم وأقسم بالله على ما افتراه على ربه ليصدِّقه وتتم الخديعه ﴿ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾. وهذا المدخل سلاح الشيطان الدائم الذي يُزيِّن به لابن آدم مخالفة الحق واتباع الباطل، فيصور له أن الامتثال لشرع الله وطاعته حرمان من كل لذة وسعادة، ومعصيته واتِّباع سُبُل الشيطان تحقيق لكل سعادة ولذة، ويعدهم ويُمنِّيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا. • عناصر الإغواء التي رمى إبليس بحبالها على آدم عليه السلام- وذريته من بعده- فعصى آدم ربه من أجلها، هي: الملك والخلود ﴿ فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [طه: 120، 121]. ﴿ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ ﴾. ويبقى الملك والخلود المدخلان الشيطانيان الرئيسيان لكل ابن آدم من أجل معصية الله، فلا تكاد تجد معصية تخرج عن هذا الإطار: حب التملك والعلو والسيادة والظهور، وركوب كل أمواجها وسلوك كل دروبها من جهة، والخلود من جهة أخرى، معاصٍ لا تُعَد ولا تُحصى في سبيل هذين السرابين: سراب ملك لا يفنى، وخلود فلا موت. وكما أسلفنا القول، فإن أول كافر أعلن كفره بالطريقة التي وصفها الله عز وجل وسكن الأرض كان إبليس الذي نزل مع آدم عندما قال لهم الله عز وجل: ﴿ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [البقرة: 36]، ومنذ تلك اللحظة بدأ الصراع بين الكفر والإيمان، والخير والشر. ومن هنا يمكننا ربط ختام سورة البقرة بمقدمتها، إنها المعركة الدائمة بين معسكر الإيمان ومعسكر الكفر، معسكر عباد الله ومعسكر أتباع إبليس، فبعد أن تصف نهاية السورة حقيقة إيمان أهل الإيمان، تختم بدعاء المؤمنين ربهم أن ينصرهم على القوم الكافرين: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 285، 286]. وهنا تنتهي المقدمة وتبدأ رحلتنا مع السورة. والحمد لله رب العالمين. يُتْبَع.... |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (6) ميسون عبدالرحمن النحلاوي وقفات مع قلب السورة: كنا قد أسلفنا أن جوَّ السورة جوُّ هداية وتربية وتوجيه، وهذا هو المحور الأساسي الذي تدور حوله السورة انطلاقًا من آيات التوحيد التي تؤسس لعقيدة التوحيد، وانتهاء بالأحكام والتشريعات التي تؤسس للمجتمع الإسلامي. وتأتي حلقة بني إسرائيل لتشغل حيزًا كبيرًا من السورة، فتكون بمثابة الإضاءة العملية للتوجيهات التربوية للمسلمين في تعاملهم مع أوامر ربهم ونواهيه، وأحكامه وقوانينه التي ستأتي السورة على بعض منها في سياق قصصهم، وعلى البعض الآخر بعد الانتهاء من قصصهم. معالم في سياق السورة: أولًا: بنو إسرائيل: وتشغل قصص بني إسرائيل وأخبارهم حيزًا كبيرًا من قلب السورة، يكاد يغطي الجزء الأول برمته، كما لا يغيب ذكرهم عن الجزء الثاني، ويبسط الله عز وجل لنا سيرة هؤلاء القوم دون غيرهم لسيرتهم المتميزة: • فهم قوم عاشوا الاختيار الإلهي ﴿ وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [الدخان: 32]. • وعاشوا الملك والنبوَّة، ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [المائدة: 20]. • وأرسل الله لهم رسولًا ليُنجِّيهم من العذاب الذي كانوا يعيشونه في ظل أطغى طغاة الأرض. • فكانوا قومًا ورثوا مشارق الأرض ومغاربها ﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ ﴾ [الأعراف: 137]. فماذا كان منهم، وكيف كان شكرهم لنِعَم الله التي لا تُحصَى عليهم؟! واجهوا نِعَم الله بالعصيان والتمرُّد والمماحكة، والمجادلة في كل أمر، والاستكبار عن الامتثال والخضوع لأمر الله. وكان منهج الندِّية في سلوكياتهم مع ربهم. تعاظم في قلوب القوم الكِبْر حتى وصل بهم إلى الظن بأحقيتهم في تنصيب أنفسهم ندًّا لخالقهم، يجادلونه ويعاندونه ويتمردون على أوامره، ويشترطون عليه في طاعته؛ بل ويتصرَّفون في شرائعه التي أنزلها عليهم فيضعون ويرفعون، ينقضون العهود والمواثيق التي قَطَعَها الله عليهم، يُحلِّلون ويُحرِّمون: الله يقول، وهم يقولون؛ بل ويخدعون الله والعياذ بالله، كما فعل أصحاب السبت منهم إلى أن انتهى بهم الأمر إلى قتل أنبياء الله الذين أرسلهم الله فيهم دون أن يرفَّ لهم جفن، فكانت عاقبتهم:﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]. يحكي لنا الله عز وجل تفاصيل سلوكياتهم التي أوردتهم الهلاك لتكون لنا عبرةً وعظةً، فلا نقع بها فنكون مثلهم فنستحق عقابهم. فلنبدأ رحلتنا معهم في سورة البقرة. بنو إسرائيل في سورة البقرة: دروس وعبر: لماذا بنو إسرائيل دون غيرهم من الأقوام الغابرة؟ بنو إسرائيل قوم لهم قصة طويلة مع ربهم ورسولهم، فهم أول قوم في البشرية كانت لهم رسالة سماوية كتبت لها الديمومة في نسلهم إلى ما شاء الله، وأرسل الله فيهم من الأنبياء ما لا يحصيه إلا الله، فكانوا هم حملة الرسالة السماوية في الأرض لعدة قرون، تقلبوا معها بين نعيم الإيمان والاصطفاء الإلهي، وجحيم الذلة والمسكنة بسبب عصيانهم وتمرُّدهم وعتوِّهم على ربِّهم. وبالرغم من كل ما مَرَّ بهؤلاء القوم في مسيرتهم الطويلة من دروس إلهية تجَلَّت في أنواع العذاب والعقاب التي نزلت بهم جزاء عصيانهم وتمرُّدهم على ربهم، إلا أنهم ظلوا على اعتقادهم بأنهم شعب الله المختار، وأن النبي المنتظر المذكور في توراتهم لا بد أن يكون من نسلهم، ومن هنا كانت بذرة العداء بينهم وبين المسلمين. هذه العداوة التي بدأت مع ظهور النبي محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، وجذرها الحسد، لن تنتهي حتى يُقتَل الدَّجَّال بباب لُدٍّ، ومعلوم أن جنود الدجال عند خروجه هم من يهود أصبهان كما جاء في حديث مسلم: "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِن يَهُودِ أصْبَهانَ، سَبْعُونَ ألْفًا عليهمُ الطَّيالِسَةُ". أما مقتله في باب لُدٍّ فقد ورد حديثه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: "فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق واضعًا كفَّيه على أجنحة مَلَكَين إذا طأطأ رأسه قطر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ، فلا يحل لكافر يجد ريحه أو ريح نفسه إلا مات، ونفسه ينتهي حيث ينتهي طرفه" أينما يبلغ مدى عينه، نفسه يذهب على مدى عينه، فيطلبه -يعني يطلب الدَّجَّال- فيدركه في باب لُدٍّ فيقتله، ثم يأتي عيسى بن مريم قومًا قد عصمهم الله من الدَّجَّال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم من الجنة". وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهود من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبدالله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود"؛متفق عليه. وإلى ذلك الحين، سيبقى هؤلاء القوم والمسلمون في جهاد دائم تُنصب فيه رايتا الخير والشر. لقد عرَف هؤلاء القوم أنهم لا طاقة لهم بالاقتتال مع المسلمين كما يقول تعالى في سورة الحشر:﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الحشر: 14]، فاتبعوا أسلوب إبليس في التلبيس والإضلال، فما تركوا شِعبًا من شِعاب الشرور النفسية والعقلية والعلمية إلا اتَّبعوها؛ لإيقاع المسلمين في العصيان والجحود أكثر مما وقعوا فيه هم أنفسهم، لتكون لهم الخيرية التي زعموها وعاشوا في وهمها قرونًا طويلة "شعب الله المختار". من هنا، جاء تفنيد قصصهم وفضح سلوكياتهم وانحرافاتهم وتمرُّدهم وضلالاتهم، وأكاذيبهم وخداعهم، وبيان أشكال العقاب الإلهي التي نزلت عليهم منذ سيدنا موسى وحتى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون للمسلمين منارة ودروس وعبر وهداية فلا يقعوا في مثل ما وقع فيه القوم، ولا يأمنوا لهم، ولا يأمنوهم، فمن كانت سلوكياته بهذا الشكل مع خالقه، فهل ستكون أفضل مع ندِّه من العباد؟! ومن الجدير بالذكر أن سيدنا موسى عليه السلام أكثر الأنبياء ذكرًا في القرآن الكريم، حتى قيل: إن أحدًا لم يُذكَر في كتاب الله لا مِن الأنبياء ولا مِن المُرسَلين ولا من الملائكة المقرَّبين، كما ذُكر موسى - عليه السلام - في كتاب الله، فقد ذُكر نحو مائة وثلاثين مرةً، كما أن قصة بني إسرائيل تكرَّرت في القرآن الكريم كما لم تتكرَّر قصة أخرى من قصص الأمم الأولى، وفي ذلك عبرة. يستهل المولى جلَّ في علاه سياقَ السورة في بني إسرائيل بمخاطبتهم وتوجيههم بما يجب أن يفعلوه وقد خرج النبي المذكور في كتابهم وأصبح بين ظهرانيهم يدعوهم إلى رسالة ربهم: فيأمرهم أولًا بمجموعة أوامر: الوفاء بعهد الله في اتِّباع نبي الله إذا خرج فيهم:﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ [البقرة: 40]. "قال ابن عباس: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾؛ أي: أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتِّباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم". ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ الرهبة من عذاب الله إن لم يفعلوا، فقد ذاقوه في سابق عهدهم لما كان منهم من نقض عهد الله وميثاقه. الإيمان بالرسالة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾ [البقرة: 41]؛ لأنهم يجدون محمدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. تحذيرهم من المسارعة إلى الكفر بمحمد ورسالته، وعندهم من العلم ما ليس عند غيرهم ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ [البقرة: 41]. نهيهم عن المتاجرة بآيات الله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [البقرة: 41] ، والتوقف عن هذا الفعل وقد كانوا يفعلونه في سابق العهد والزمان. نهيهم عن تلبيس الحق بالباطل مع كتمان الحق،وهما جريمتان يمتهنهما كثيرٌ من الناس في سبيل عرض من عروض الحياة الدنيا ﴿ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 42]. إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]. نهيهم عن مخالفة القول العمل: فهم يأمرون الناس بالبرِّ، ولا يفعلونه ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 44] يقول ابن كثير في تفسير الآية: "أتنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم؛ أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي"؛ انتهى. الاستعانةبالصبر والصلاة في كل حال ومقام:﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 45، 46]. كانت هذه الأوامر بمثابة مقدمة لما سيبسطه الله عز وجل من أمر هذا القوم. أولًا: بنو إسرائيل بين النعم الإلهية والعصيان: "التذكير" بالنعم الإلهية، وكيف قابلها القوم: 1- تفضيلهم على العالمين في زمانهم ﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 47]، فكانوا أفضل قوم على الأرض. 2- تنجيتهم من آل فرعون والعذاب الذي كانوا يرزحون تحت وطأته ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 49]. 3- معجزة فرق البحر، وإغراق فرعون، ونجاتهم واقعة لم يكن ليتصورها عقل، ولا حتى نبي الله موسى! ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [البقرة: 50]. 4- مواعدة الله لنبيِّهم موسى عليه السلام: قوبلت مجموعة النعم هذه باتخاذ العجل إلهًا! ﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [البقرة: 51]. العفو عن القوم بعد اتخاذهم العجل: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 52 - 54]. وقد اختلف العلماء بشأن التوبة من العقاب الذي تقرر عليهم في قتل أنفسهم، هل أنهم قتلوا أنفسهم فعلًا، أم أن الله عفا عنهم فلم يقع منهم القتل؟! يقول القرطبي: "قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 52]، العفو: عفو الله جل وعز عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه، فالعفو محو الذنب؛ أي: محونا ذنوبكم، وتجاوزنا عنكم، مأخوذ من قولك: عفت الريح الأثر؛ أي: أذهبته، وعفا الشيء: كثر، فهو من الأضداد، ومنه قوله تعالى: ﴿ حَتَّى عَفَوْا ﴾ [الأعراف: 95]"؛ انتهى. وتجمع التفاسير على أن العفو كان بعد وقوع العقوبة؛ أي: إن القتل الذي طلبه موسى منهم توبة إلى الله وتكفيرًا عن عبادتهم العجل، قد وقع، وفي وقوعه عدة مقولات: يقول القرطبي: "وكانت توبة بني إسرائيل القتل، وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده، وقال الزهري: "لما قيل لهم: ﴿ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ [البقرة: 54] قاموا صفين، وقتل بعضُهم بعضًا حتى قيل لهم: كفوا، فكان ذلك شهادةً للمقتول وتوبةً للحي على ما تقدم"؛ وقال بعض المُفسِّرين: أرسل الله عليهم ظلامًا ففعلوا ذلك؛ وقيل: وقف الذين عبدوا العجل صفًّا ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم، وقيل: قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا - إذ لم يعبدوا العجل - من عبد العجل، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم على القول الأول؛ لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوه، وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده، وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يغير عوقب الجميع. فلما استحرَّ فيهم القتل، وبلغ سبعين ألفًا عفا الله عنهم؛ قاله ابن عباس وعلي رضي الله عنهما، وإنما رفع الله عنهم القتل؛ لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم، فما أنعم الله على هذه الأمة نعمةً بعد الإسلام هي أفضل من التوبة"؛ انتهى القرطبي. في حين يرى الأستاذ سليمان بن إبراهيم الحصين- أستاذ التفسير وعلوم القرآن ورئيس قسم الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود، فرع الأحساء- أن القتل لم يقع في القوم، وأن الله عفا عنهم وتاب عليهم، فرفع عنهم عقوبة القتل، مستشهدًا بما ورد في نظم الدرر للبقاعي: "وخصَّه باسم العفو لَمَّا ذكر ذنوبهم؛ لأنَّ المغفور له لا يذكر ذنبه، فإنَّ العفو رَفَعَ العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة"، فدَلَّ هذا العفو على أنَّ المراد بالتوبة في قوله تعالى: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 54]؛ أي: رفع عنكم الحُكْم بقتل أنفسكم..ولعل في حرف (ثُمَّ) من قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 52] ما يدل على صحة هذا القول وأنَّ العفو إنما جاء بعد أن أمرهم نبي الله موسى بقتل أنفسهم فتكون التوبة من قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ راجعة إلى رفع الحُكْم عنهم بقتل أنفسهم وليست راجعة إلى استجابتهم بدليل حرف العطف "الفاء" الذي يفيد التعقيب، فالتوبة كانت برفع الحُكْم مباشرةً بعد أمر نبي الله موسى به. وكيف يُظَنُّ بهم أنهم امتثلوا لأمر موسى عليه السلام بقتل أنفسهم، وقد أمرهم الله تعالى بذبح بقرة فتردَّدوا وتعنَّتوا ولم يمتثلوا للأمر إلا بعد عناء، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [البقرة: 67]. ومما يؤكد أنهم لم يستجيبوا لما أمروا به من قتل أنفسهم أنهم أحرص ما يكون على حياة وليس على الموت شهادة؛ لأنهم قوم عصاة مستكبرون لا يؤمنون إلا بالماديات، قال تعالى: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 96]. فكيف يبادرون بقتل أنفسهم بهذه السرعة وهم أحرصُ الناس على حياة، أية حياة، لا يهم أن تكون حياة كريمة، أو حياة مميزة، أية حياة، بهذا التنكير والتحقير. هذا فضلًا عن عصيانهم الدائم الملازم لهم واللائق بحالهم، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 63]. وقال تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ [النساء: 46]. فهل يظن بقوم هذا حالهم المسارعة إلى امتثال ما أمرهم به نبي الله موسى عليه السلام من قتل أنفسهم؟! هذا بعيد جدًّا، وهذه القصة من جملة ما كذَّبه أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب"؛ انتهى[1] (المرجع موقع ملتقى أهل التفسير). والله أعلم. وإمعانًا في الوقاحة والتطاول على خالقهم طلبوا من نبيِّهم موسى عليه السلام أن يروا الله عيانًا جهارًا ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ [البقرة: 55]! فكان العقاب: الصاعقة ﴿ فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ [البقرة: 55]؛ لكن رحمة الله غالبة، فكانت النعمة السادسة، تبعتها مجموعة من النعم: 5- ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 56]. يتبع |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
6- ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 57]. 7- ثم خصص الله لهم أرضًا مباركةً يدخلوها ليحكموا فيها ويصبحوا سادتها؛ لكن هذا التخصيص كان مشفوعًا بأمر إلهي بسيط جدًّا؛ وهو أن يدخلوها "سُجَّدًا"، ويقولوا "حِطَّة "؛ أي: ربنا حط عنا خطايانا، ما طلب منهم الله عز وجل إلا السجود والاستغفار، فما كان إلا أن قوبلت هذه النعمة بعصيان الأمر والتكبُّر على السجود لخالقهم، وإعراضهم عن الاستغفار بتبديل اللفظ استهتارًا واستهزاءً، نفسية فاسدة، شيطانية! قال البخاري: حدثني محمد، حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قيل لبني إسرائيل: ﴿ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ ﴾ [البقرة: 58]، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا: حطة: حبة في شعرة، فكان العقاب: ﴿ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [البقرة: 59] والرجز هو العذاب، وقيل الطاعون. 8- نعمة العيون الاثني عشر:ثم إن موسى استسقى لقومه، طلب من الله أن يفجر لهم ماء في طريقهم، فكان له ذلك بمعجزة ضرب العصا أيضًا، فجَّر لهم الله اثنتي عشرة عينًا على عدد أسباطهم إمعانًا في الإنعام عليهم، فينتظمون في مشاربهم ولا يختلفون ﴿ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [البقرة: 60]، ما أكرمك من إله سبحانك! لقد كفاهم الله جل وعلا مؤونة المأكل باللحم والحلواء "المن والسلوى"، والمشرب بتفجير العيون، فكيف قابل هؤلاء القوم نِعَم ربِّهم عليهم؟! قوبلت هذه النِّعَم بالبطر والازدراء؛ بل وبطلب استبدالها بما هو دونها من الطعام، فطلبوا الفوم والعدس والبصل، وانظر إلى الوقاحة في الخطاب: ﴿ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا ﴾ [البقرة: 61]، وكأنهم حتى تلك اللحظة لم يعترفوا بالله ربًّا لهم؛ بل هو ربُّ موسى فحسب! فكان العقاب: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 61]، فكانت الذلة والصغار ملازمة لهم إلى يوم يبعثون، مشفوعة بغضب الله وسخطه، وهنا يذكر سببًا آخر لوجوب الذلة والمسكنة اصطبغت به مسيرتهم القادمة بعد التيه ووفاة موسى عليه السلام؛ ألا وهي قتل الأنبياء بغير الحق! رفع الطور وأخذ الميثاق: هنا يذكِّر الله بني إسرائيل بالميثاق الذي أخذه عليهم بعد أن أنجاهم من مصنع العذاب الذي كانوا يعيشون فيه، وكان الميثاق أن يؤمنوا به وحده لا شريك له ويتَّبعوا رُسُلَه، أمرهم أن يمتثلوا لهذا الميثاق ويأخذوه بقوة وحزم وهمة؛ لكنهم امتنعوا عن الطاعة، فرفع عليهم الجبل، فلما نظروا إليه وقد غشيهم، سقطوا سُجَّدًا وأخذوا العهد؛ لكنهم تولَّوا بعد ذلك ونقضوا العهد؛ هم قوم أدمنوا نقض العهود. ثانيًا: التذكير بأبرز قصتين في تاريخ القوم، تضيآن أهم ملامح الشخصية اليهودية: قصة أصحاب السبت، وقصة البقرة. ويبدأ السياق بقصة أصحاب السبت. أصحاب السبت: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 65، 66]. يأتي السياق في سورة البقرة على قصة أصحاب السبت، في إشارة سريعة، نجدها مبسوطة في سورة الأعراف إن شاء الله؛ لكن هذه الإشارة- على إيجازها- تُلخِّص ما كان من أمر القوم من خداع وعصيان، وما حَلَّ بهم من عقوبة، وكيف جعلها الله عبرةً للناس في زمانهم ولمن خلفهم. اعتدوا في السبت؛ أي: عصوا أمر الله، واتبعوا أسلوب الحيلة والخداع مع ربِّهم، مع من؟ مع ربهم! فكانت معصيتهم مخادعة خالقهم الله جل في علاه، فاستحقوا أشد عقوبة نزلت عليهم في تاريخهم: مسخوا قردة! ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ﴾ [البقرة: 65]. فكانوا عبرةً للناس من حولهم ومن بعدهم إلى يوم الدين، ﴿ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 66]، هذه القصة كما كل قصص بني إسرائيل يرويها لنا القرآن لا للاستمتاع بها؛ بل للاتعاظ، فنحن المقصودون بالعبرة بقوله تعالى: ﴿ وَمَا خَلْفَهَا ﴾. وكم منا اليوم أصحاب السبت ولا حول ولا قوة إلا بالله؟! ثم قصة البقرة، هذه القصة وردت في القرآن الكريم مرة واحدة فقط وفي هذا السياق ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [البقرة: 67- 71]. وتفصيل قصة البقرة له دلالة في التركيز على صفات العناد والمماحكة والتشديد والتعنُّت التي يتصف بها هؤلاء القوم، ناهيك عن الاستكبار على تطبيق الأمر الإلهي دون جدل، قوم لا يمكن أن يصل لهم أمر من الله ويطبقونه فقط؛ لأنه أمر الله أبدًا. كان الأمر بكل بساطة: "اذبحوا بقرة"، فجاء الجواب: ما هي؟ كم عمرها؟ ما لونها؟ ما صفاتها؟ ما شأنها؟ فكانت معصيتهم الجدال، والمماحكة في أمر الله. ومع "بعضٍ" من هذه البقرة كانت معجزة إحياء القتيل الذي قُتِل فيهم ولم يُعرَف قاتله، ليتكلم فيقول: من قتله ثم يعود فيموت، ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 72، 73]. يقول ابن كثير في تفسيره: عن ابن عباس، قال: إن أصحاب بقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة حتى وجدوها عند رجل في بقر له، وكانت بقرة تعجبه، قال: فجعلوا يعطونه بها فيأبى، حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها، فضربوه- يعني القتيل- بعِضْو منها، فقام تشخب أوداجه دمًا، فسألوه، فقالوا له: مَنْ قتلك؟ قال: قتلني فلان. ونبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل: جعل تبارك وتعالى ذلك الصنع حجة لهم على المعاد، وفاصلًا ما كان بينهم من الخصومة والفساد، والله تعالى قد ذكر في هذه السورة ما خلقه في إحياء الموتى، في خمسة مواضع: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ [البقرة: 56]،وهذه القصة، وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذر الموت، وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها، وقصة إبراهيم والطيور الأربعة"؛ انتهى ابن كثير. وبعد كل هذا، وعِوَضًا عن أن تستكين نفوسُهم وتخشع قلوبُهم لخالقهم وربِّهم ومجري المعجزات أمامهم المعجزة تِلْوَ الأخرى، ظلوا على نهجهم في ممارسة الندِّيَّة لأوامر الله عز وجل، يقول الله ونقول نحن، فكان أن أورثوا قسوة القلب وأي قسوة! ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 74]. انظروا إلى تشبيه القسوة هذه، قسوة صمَّاء تمامًا، تمامًا لا يوجد فيها ثغرة خير واحدة، فإن كان في الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، فهم ليسوا كتلك الحجارة هم أشد قسوة، وإن كان منها ما يشقق فيخرج منه الماء - وهو في هذا أقل من سابقه - فهم أشدُّ قسوة، حتى الحجارة التي تسقط من خشية الله لا يشبهونها، هم أشدُّ قسوة من الأحجار بكل أشكالها، قلوب صمَّاء. يا الله، ما هذه الجِبِلَّة؟! وكما هي كل قصص بني إسرائيل في القرآن الكريم، تنطوي هذه الآيات على درس وعبرة لأمة الإسلام، ألَّا يسيروا على خُطى القوم فيورثوا قسوة القلب، فيكون فيه هلاكهم، هذه القسوة التي حذَّرنا الله منها في سورة الحديد، يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال: ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾ [الحديد: 16]. ومع الأسف نجد اليوم أن شياطين الإنس من بني يهود،قد نجحوا في جعل فريق كبير من أمتنا يمتهن هذه المعصية: الجدال والمماحكة في أوامر الله حتى وصل الأمر بالبعضإلى الإنكار التام! ولله الأمر من قبل ومن بعد. ثالثًا: تعامل اليهود مع كتاب الله الذي أنزل عليهم والرسالة التي اختصَّهم اللهُ بها. التحريف بعد العلم والفقه: بعد أن بيَّن اللهُ عز وجل صفات القسوة التي أضحى عليها القوم بالرغم من كل ما رأوه من آيات ومعجزات تخترق كل النواميس والسنن الكونية، فلا يقدر على إجرائها إلا الواحد القَهَّار، شرع السياق في التوضيح للمؤمنين حقيقة هؤلاء القوم ويبين لهم من أخبارهم في التعامل مع رسالة الله وكتابه الذي أنزله عليهم، التوراة، ما خفي عنهم حتى إنهم ظنوا أنهم سيستمعون لهم ويؤمنون بما آمنوا به من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فقال لهم جلَّ في عُلاه: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75]. هم قوم يسمعون كلام الله، ويعقلونه ويفهمونه من كل جوانبه وبكل جزئياته حتى يتمثله عقلهم ﴿ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ ﴾ باحترافية شيطانية". وقد خرج في الأمة في يومنا هذا من سار على نهج بني إسرائيل في التحريف بعد العقل والفهم؛ نعم.. لقد كانت العقود الأخيرة زمن "نجوميتهم" بامتياز! المخادعة: الظاهر والباطن.. السر والعلن ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 76]. فالكتاب عندهم ليس لإحقاق الحق وإبطال الباطل؛ بل للتلاعب بمن حولهم، ومنَّا من يفعل ذلك جهارًا نهارًا! كتمان العلم المنزل من عند الله ﴿ وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 76]. سوء تقديرهم لقدرة الله في معرفة ما يسرُّون وما يعلنون: ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [البقرة: 77]. اشتغال الأميُّون منهم بالكتاب بالظن والأماني ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ [البقرة: 78]، من بني إسرائيل أميُّون لا يجدون القراءة والكتابة، ومع ذلك يتكلمون في التوراة ويجادلون فيها بغير علم وإنما ظنًّا وكذبًا، وما تتمنَّاه أنفسهم. "عن ابن جريج عن مجاهد: ﴿ وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ ﴾ قال: أناس من يهود لم يكونوا يعلمون من الكتاب شيئًا، وكانوا يتكلمون بالظن بغير ما في كتاب الله، ويقولون: هو من الكتاب، أماني يتمنونها". وإن كان هؤلاء أميين، فبين ظهرانينا "عالمون" ويتكلمون في الكتاب ظنًّا وكذبًا وأماني! يكتبون الكتاب بأيديهم: ومنهم الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، فيدخلون عليه ويخرجون منه، وقد شابههم اليوم فريق من الأمة، امتهنوا هذه المعصية، لكن باحتراف وإتقان، دخلوا على كتاب الله من باب الحداثة والعصرنة، وأن لكل عصر سمته وحاجاته، وأن عصرنا لم يعد يحتاج إلى كثير مما ورد في القرآن الكريم، فكان أن أبطلوا أحكامًا واستبدلوا أخرى، وأحلوا حرامًا وحرموا حلالًا، والسبب؟ متاع الحياة الدنيا، الهوى، المال، الجاه، باعوا الدين ليشتروا الدنيا، وعقاب هؤلاء عظيم: ﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾[البقرة: 79]. هناك وجه آخر درج في الآونة الأخيرة يندرج تحت كتابة الكتاب بأيديهم، وهو تفسير الآيات على غير ما هي عليه، ظنًّا منهم أنهم يخدمون الإسلام برفض حقيقة الآيات التي يخجلون بها أمام من يتهمون الإسلام، وما دروا أن الإسلام عزيز بنهج الله وقرآنه. وكم منا من يحرم ويحلل ويزيد وينقص من الكتاب عن طريق التأويل والتحريف والإنكار والإثبات بما يمليه عليه الهوى! وقفة مع المواثيق التي أخذها الله عز وجل على بني إسرائيل: الميثاق الأول: العبادات والمعاملات السلوكية: التوحيد ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 83]. الإحسان للوالدين. الإحسان لذِي القربى واليتامى والمساكين. ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]. إقامة الصلاة. إيتاء الزكاة. فكانت الاستجابة لهذا الميثاق بأن تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، إلا قليلًا منهم ﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: 83]. الميثاق الثاني، ويتضمن شطرين: الأول في الوحدة وعدم الاقتتال، والثاني عدم المظاهرة، وتحريم إخراج بعضهم بعضًا من بيوتهم. ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ [البقرة: 84]. وهذا الميثاق مأخوذ عليهم في التوراة؛ لكنهم كانوا يخالفونه حتى مدة قريبة من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، مع أنهم كانوا قد أقرُّوه وقبلوه وعاهدوا الله عليه، ومدار هذا التذكير الإلهي لهم، كما ورد في سبب نزول الآية في تفسير ابن كثير: أن الأوس والخزرج، وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عُبَّاد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكان يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل يهودًا مثله من الفريق الآخر، ويخرجونهم من بيوتهم، وينهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، مع أن هذا فعلٌ مُحرَّم في دينهم، ثم إذا وضعت الحرب أوزارَها استفكوا الأسارى من الفريق المغلوب، عملًا بحكم التوراة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ [البقرة: 85]. ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85]. فكانت منهم المعصية معصيتان: نقض المواثيق، و"الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه"! وكان العقاب: ﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 85]. ومدار هذا الميثاق أن أهل المِلَّة الواحدة بمنزلة النفس الواحدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: "مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتواصلهم بمنزلة الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". وأقرب ما يكون إلى هذا الميثاق عندنا ما رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسَدُوا، ولا تناجَشُوا، ولا تباغَضُوا ولا تدابَرُوا، ولا يبِعْ بعضُكمْ على بيعِ بعضٍ، وكُونُوا عبادَ اللهِ إخوانًا، المسلِمُ أخُو المسلِمِ، لا يَظلِمُهُ ولا يَخذُلُهُ، ولا يَحقِرُهُ، التَّقْوى ههُنا – وأشارَ إلى صدْرِهِ – بِحسْبِ امْرِئٍ من الشَّرِّ أنْ يَحقِرَ أخاهُ المسلِمَ، كلُّ المسلِمِ على المسلِمِ حرامٌ: دمُهُ، ومالُهُ، وعِرضُهُ". ونحن اليوم يظلم بعضُنا بعضًا، ويخذل بعضُنا بعضًا، ويسلم بعضنا بعضًا، ويخون بعضُنا بعضًا، ويحقر بعضُنا بعضًا، وكثير منا لا يعترف بحرمة دم ولا مال ولا عرض أخيه المسلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله! إن حب الدنيا واللهاث وراءها وكأنها دار خلود، هو أصل كل المعاصي والخروج عن صراط الحق إلى سبل الشيطان وطرق الباطل، شراء الدنيا بالآخرة، رأس المعصية أن يبيع الإنسان دينه وعقيدته في سبيل متاع الدنيا الفاني الزائل المنقضي. ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ﴾ [البقرة: 86] وعقابهم:﴿ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾[البقرة: 86] غفرانك اللهم. يتبع. [1] https://al-maktaba.org/book/31871/4223#p14 |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات مع سورة البقرة (7) ميسون عبدالرحمن النحلاوي 2 - وقفات مع قلب السورة تابع المعلم الأول بني إسرائيل بعد الوقفة التي وقفناها مع المواثيق التي أخذها الله عز وجل على بني إسرائيل، يستأنف السياق القرآني مع الصفات الْمُخِلَّة التي أورثت بني إسرائيل الضلالَ، ومن ثَمَّ الذلة والمسكنة إلى يوم الدين. الأولى: سلوكيات الكبر، المرض الذي استحكم في القوم بعد موسى إلا من رحم ربي، والكِبْرُ هو المرض الذي أخرج إبليس من الجنة، وكان سببًا في استحقاقه لعنةَ الله إلى يوم الدين، والكِبر في تعريفه النبوي: ((الكبر بَطَرُ الحق، وغَمْطُ الناس، أي: رفض الحق والبعد عنه ترفعًا وتجبرًا، وغمط الناس؛ أي: احتقارهم وازدراؤهم، وقد كان من شأن القوم: الاستكبار على الرسالة والرسل: 1- من خلال تحكيمهم الهوى في قبولهم كرُسُلٍ، ومن لا يوافق هواهم، إما أن يكذبوه أو يقتلوه: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ [البقرة: 87]. 2- من خلال إغلاق قلوبهم دون ما جاؤوا به من رسالة، مدَّعِين امتلاءَ قلوبهم بالعلم الكامل، فلا حاجة لهم بعلم محمد صلى الله عليه وسلم ولا غيره: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 88]؛ قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ [البقرة: 88]، قال: "قالوا: قلوبنا مملوءة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره، فكان العقاب: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 88]. كتمان كلام الله الحق مع علمهم الدقيق بأنه الحق، وأنهم على باطل، لكن انتصارًا للرأي والهوى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 146]، ثم نستوضح عقاب هذا الكتمان في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 174]، فقد كتم اليهود الكثيرَ من الحق، وأبرزُ ما كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتُّحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا لعنهم الله إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق، وتصديق الرسول، والإيمان بما جاء عن الله، بذلك النَّزْرِ اليسير، فخابوا وخسِروا في الدنيا والآخرة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علِموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم؛ أي: لا يثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا. إنكارهم لتحول القبلة بالرغم من علمهم بأنه أمر حق، والاستكبار عن اتباع الحق، واتباع الهوى على علمٍ، صفة مستمرة في القوم منذ نبيهم موسى، وحتى خروج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وإلى يومنا هذا؛ ففي قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]؛ يقول القرطبي: "﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [البقرة: 144] يريد: اليهود والنصارى، ﴿ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 144]؛ يعني تحويل القبلة من بيت المقدس، فإن قيل: كيف يعلمون ذلك وليس من دينهم ولا في كتابهم؟ قيل عنه جوابان: أحدهما: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نبيٌّ، علِموا أنه لا يقول إلا الحق، ولا يأمر إلا به، الثاني: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ، وإن جحده بعضهم، فصاروا عالِمِين بجواز القبلة"؛ [انتهى من القرطبي]. ويقول الشوكاني في هذا: "وعِلْمُ أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبي يستقبل الكعبة، أو لكونهم قد علموا من أنبيائهم، أو كتبهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة، فيكون ذلك موجِبًا عليهم الدخول في الإسلام، ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم"؛ [انتهى، الشوكاني]. الثانية: قتلهم الأنبياء: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 91]، وكان نهج بني إسرائيل في تكذيب وقتل أنبيائهم نهجًا ليس له سابقة ولا لاحقة في أقوام البشرية، فـ﴿ كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ [المائدة: 70]، وكلما: أداة ظرفية تفيد التكرار، فما أكثر ما قتلوا! وما أكثر ما كذبوا! فائدة: يفيدنا الدكتور فاضل السامرائي في مسألة قتل بني إسرائيل لأنبيائهم، موضحًا الفرق بين قتلهم الأنبياء، وقتلهم النبيين، والفرق بين بغير حق، وبغير الحق في سورتي البقرة وآل عمران: قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 61]. وقوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]. وردت في البقرة: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]، وفي آل عمران: ﴿ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران: 112]، يعني: هناك "نبيين" و"أنبياء"، وتنكير الحق وتعريفه، وفي آية أخرى في آل عمران: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴾ [آل عمران: 21]. يقول الدكتور فاضل السامرائي في تفصيل المسألة: الحق المعرَّف: المعرفة تدل على أنهم كانوا يقتلون الأنبياء بغير الحق الذي يدعو إلى القتل، ما يدعو إلى القتل معلوم، إذًا هم يقتلونهم بغير الحق الذي يستوجب القتل، إذًا إذا كان أي واحد يقتل واحدًا بغير الحق الذي يستوجب القتل، كان ظالمًا، هذا: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]؛ يعني بغير الأسباب الداعية إلى القتل. بغير حق: أصلًا ليس هنالك ما يدعو إلى هذه الفعلة، لا سبب يدعو إلى القتل، ولا غيره من الأسباب، أحيانًا واحد يقسو على واحد بالكلام يقول له: أنت سفيه، فيقتله هذا بغير حق الذي يدعو للقتل، قد يكون أثاره، حتى أحيانًا تحصل عندنا مشادات، إذًا هذا بغير الحق الذي يستوجب القتل، هذه: ﴿ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ [البقرة: 61]، أما بغير حق؛ يعني: أنه ليس هنالك سبب يدعو إلى القتل؛ اعتداء هكذا، فأي الأسوأ؟ بغير حق أسوأ، هذا أمر، والأمر الآخر: • النبيين جمع مذكر سالم جمع قلة، والأنبياء جمع كثرة، إذًا هم يقتلون كثرة من الأنبياء بغير حق؛ أي الأسوأ؟ "يقتلون الأنبياء بغير حق" أسوأ من ناحيتين؛ من ناحية الكثرة "الأنبياء"، ومن ناحية "بغير حق"، يقتلون كثيرًا من الأنبياء بدون داعي. • وهناك أمر آخر هو عندما يفصِّل في عقاب بني إسرائيل يذكر الأنبياء؛ نقرأ سياق الآيتين: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 61]. • في آل عمران: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]، هذه عامة، كرَّر فيها وفصَلَ وأكَّد: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ... وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ﴾ [آل عمران: 112]، بينما في البقرة جمع الذلة والمسكنة في كلام واحد: ﴿ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ﴾ [البقرة: 61]، فأما التكرار والتعميم والتأكيد في آية آل عمران، فلأنهم فعلوا الأسوأ، فاستحقوا هذا الكلام، التأكيد في ضرب الذلة والمسكنة، هل يجوز في البيان أن نضع واحدة مكان أخرى؟ لا يمكن. • في آل عمران قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: 21]. هذه الآية عامة، هذه ليست في بني إسرائيل، أما قوله تعالى: ﴿ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ [آل عمران: 112]، فهذه في بني إسرائيل تحديدًا، وهي تحكي عن عقوبتهم في الدنيا فقط، بينما الآية 21، فيها حكم عام يشمل كل من ارتكب هذه المعصية من الناس، ويفصل عقابه في الدنيا والآخرة، فيقول في الآية التي تليها: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ [آل عمران: 22]، هذا فيمن قتل النبيين، فما بالك بمن قتل الأنبياء؟! فالذي قتل القلة هذا أمره، فما بالك بمن قتل أكثر، هو قتل قلة بدون داعي، فما بالك بمن قتل أكثر؟! كل واحدة مناسبة في مكانها، الألف واللام في اللغة ربما تحول الدلالة: بغير حق وبغير الحق، وجمع الكثرة وجمع القلة، جمع المذكر السالم وجمع التكسير، جمع التكسير فيه جمع قلة، وجمع كثرة، جمع التكسير: أفعُل أفْعَال أفْعِلَةَ فِعْلَة، جموع قلة، وما عداها جمع كثرة، 23 وزنًا جموع كثرة؛ [انتهى، فاضل السامرائي]. الثالثة: عبادة العجل من دون الله وموسى بين ظهرانيهم، بل في لقاء مع ربه: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 92، 93]. يقول الشوكاني في (فتح القدير): "﴿ وَأُشْرِبُوا ﴾ تشبيه بليغ؛ أي: جُعِلت قلوبهم لتمكُّن حب العجل منها كأنها تشربه، ثم قال: وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل؛ لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يجاورها ولا يتغلغل فيها، والباء في قوله: ﴿ بِكُفْرِهِمْ ﴾سببية؛ أي: كان ذلك بسبب كفرهم عقوبةً لهم وخذلانًا"؛ [انتهى]. وقد بدا أن الميل الشركيَّ متجذر في قلوب القوم، فقد كان ذلك منهم بعد أن جاوز سيدنا موسى بهم البحر؛ كما جاء: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [الأعراف: 138]. ما أسرع نسيانهم للنعمة ونكرانهم فضل الْمُنْعِم! الرابعة: تحدي الله ربهم، والفجور في العصيان بقولهم: سمعنا وعصينا: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 93]. الخامسة: الغرور: ادعاؤهم بأنهم أصحاب الجنة في الآخرة: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 94 - 96]. يقول الشوكاني في تفسير هذه الآيات: "﴿ قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ ﴾ [البقرة: 94] هو رد عليهم لما ادَّعَوا أنهم يدخلون الجنة، ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما يتبين به أنهم كاذبون في تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان، ﴿ خَالِصَةً ﴾ [البقرة: 94]، ومعنى الخلوص: أنه لا يشاركهم فيها غيرهم، إذا كانت اللام في قوله: ﴿ مِنْ دُونِ النَّاسِ ﴾ [البقرة: 94] للجنس، أو لا يشاركهم فيها المسلمون، إن كانت اللام للعهد، وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [البقرة: 111]، وإنما أمرهم بتمنِّي الموت؛ لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة، كان الموت أحب إليه من الحياة، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا ﴾ [البقرة: 95] و(ما) في قوله: ﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ [البقرة: 95] موصولة، والعائد محذوف؛ أي: بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب، بل غير طامع في دخول الجنة، فضلًا عن كونه قاطعًا بها، فضلًا عن كونها خالصةً له مختصةً به"؛ [انتهى، الشوكاني]. السادسة: افتراء الكذب على الله بادعائهم معرفة الحساب، وكم سيكون لُبثهم في النار:﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 80]، العجيب في هذه الآية أنهم يعترفون أنهم يستحقون النار، وفي قرارة أنفسهم يدركون أن عاقبة أفعالهم الخلود في النار، وإلا لما خرج عنهم هذا القول: ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ [البقرة: 80]، لكنه الخوف لبعث الطمأنينة في داخلهم افتراء وتزييفًا، ومنا للأسف مَن يستهزئ بالحساب، ويستسهل المعاصي من هذا المنطلق، يقولون لك عند النصح: بضعة أيام في النار ثم نخرج: ﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 80]، ثم يجيبهم الله عز وجل بقرار جازم وبحكم مطلق كيف يكون الحساب: ﴿ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 81، 82]، وإحاطة الخطيئة بابن آدم يعني استملاكها قلبه وجوارحه وعقله، وفي التفاسير أنها الشرك، أو الكبيرة الْمُوجِبة لا يتوب منها، وفي مقابل أصحاب النار هؤلاء، يقف المؤمنون أصحاب الجنة، وكلاهما كُتب عليهم الخلود. اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل. السابعة: تفريقهم بين الملائكة، وادعاؤهم عداوةَ جبريل عليه السلام، ومحبة ميكائيل: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 97، 98]؛ عن ابن عباس، قال: ((أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهنَّ، عرَفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: ﴿ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [يوسف: 66]، قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي، قال: تنام عيناه ولا ينام قلبه، قالوا: أخبرنا كيف تؤنِّث المرأة وكيف تُذكِر؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماءُ الرجل ماءَ المرأة أذْكَرَت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل آنَثَتْ، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه، قال: كان يشتكي عِرْقَ النَّساء، فلم يجد شيئًا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا، قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل، فحرَّم لحومها، قالوا: صدقت، قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: مَلَكٌ من ملائكة الله عز وجل مُوكَّل بالسحاب بيديه أو في يده مِخْرَاق من نار يزجُر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل، قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمعه؟ قال: صوته، قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا، إنه ليس من نبي إلا وله مَلَكٌ يأتيه بالخبر، فأخبِرْنا: من صاحبك؟ قال: جبريل عليه السلام، قالوا: جبريل، ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقَطْر لكان؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 97، 98]))؛ يقول ابن كثير: "﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ [البقرة: 98]، وهذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة، ثم عموم الرسل، ثم خُصِّصا بالذِّكر، لأن السياق في الانتصار لجبريل وهو السفير بين الله وأنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم وميكائيل وليُّهم، فأعلمهم أنه من عادى واحدًا منهما، فقد عادى الآخر وعادى الله أيضًا؛ لأنه أيضًا ينزل على الأنبياء بعض الأحيان، كما قرن برسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء الأمر، ولكن جبريل أكثر، وهي وظيفته، وميكائيل موكَّل بالقَطر والنبات، ذاك بالهدى وهذا بالرزق، كما أن إسرافيل موكَّل بالصُّور للنفخ للبعث يوم القيامة؛ ولهذا جاء في الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يقول: ((اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لِما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم))"؛ [انتهى، ابن كثير]. الثامنة: نقض العهد في كل مرة: ﴿ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 100]، و"كلما" تفيد تكرار وقوع الجواب بتكرار وقوع الشرط؛ أي: كلما وقع الشرط، تكرر وقوع الجواب. التاسعة: النُّكوص عن اتباع الحق المذكور في كتابهم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 101]، وكذلك إنكارهم للكتاب الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يعلمون به وينتظرونه، لكنهم أنكروه بغيًا وحسدًا، فقط لأنه ليس منهم: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ * بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [البقرة: 89، 90]، فكان العقاب: ﴿ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ [البقرة: 90]. العاشرة: افتراؤهم على سيدنا سليمان واشتغالهم بالسحر: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102]. يقول ابن كثير في تفسيره: "عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان آصِفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيِّه، فلما مات سليمان أخرجه الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها، قال: فأكْفَره جُهَّال الناس وسبُّوه، ووقف علماؤهم، فلم يَزَلْ جُهَّالهم يسبُّونه، حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102]. الحادية عشرة: التورية بالألفاظ؛ بقصد إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم والسخرية منه ومن المؤمنين. في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104]. يتبع |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبًّا، قيل: إنه في لغتهم بمعنى: اسمع لا سمِعتَ، وقيل: غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا طلبًا منه أن يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم كذلك، مظهرين أنهم يريدون المعنى العربيَّ، مُبطنين أنهم يقصدون السبَّ الذي معنى هذا اللفظ في لغتهم، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص، وإن لم يقصد المتكلم بها ذلك المعنى المفيد للشتم؛ سدًّا للذريعة، ودفعًا للوسيلة، وقطعًا لمادة المفسدة والتطرق إليه، ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض، فقال: ﴿ وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ [البقرة: 104]؛ أي: أقْبِلْ علينا، وانظر إلينا؛ [انتهى، الشوكاني]. وفي قوله تعالى أيضًا: ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [النساء: 46]، وكذلك جاءت الأحاديث بالإخبار عنهم، بأنهم كانوا إذا سلَّموا إنما يقولون: السَّامُ عليكم، والسام هو: الموت؛ ولهذا أُمِرْنا أن نرد عليهم بـ(وعليكم)، وإنما يُستجاب لنا فيهم، ولا يُستجاب لهم فينا، والمستفاد من قوله تعالى هنا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 104] أنَّ الله تعالى نهى المؤمنين عن مشابهة الكافرين قولًا وفعلًا. الثانية عشرة: الأثَرة، والأنانية، تورِثان الحسد، وتصدَّان عن اتباع الحق، وهذا كان سبب إحجام الذين كفروا من أهل الكتاب، يهودًا ونصارى، والمشركين، عن اتباع دين محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يخبرنا به الله عز وجل بكل وضوح؛ بقوله تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [البقرة: 105]، وقوله تعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ [البقرة: 109]. والمستفاد تحذير المؤمنين منهم، من اليهود والنصارى، فهم - بكلام الله خالقهم وعالم الغيب والمطلع على السرائر - لا يمكن أن يتمنَّوا الخير للمسلمين أبدًا، لا يمكن، بل إن كثيرًا منهم هِمَّتهم في جَعْلِ المسلمين يرتدون كفارًا، والدافع: الحقد والحسد، خاصة بعد أن علموا أن المسلمين على حقٍّ، وأن دينهم هو الدين الذي تحيا به البشرية، وسيكون هذا دأبهم إلى أن تقوم الساعة. الثالثة عشرة: تألِّيهم على الله، وتنصيب أنفسهم حُكَّامًا على من يدخل الجنة، ومن يدخل النار، فخصُّوا أنفسهم بالجنة، وباقي البشر كلهم في النار، ثم إن من تمام استكبار أهل الكتاب يهودًا كانوا أو نصارى أنهم ضامنون للجنة، فاليهود أبناء الله وأحباؤه، والنصارى شفيعهم عيسى ابن مريم، يحمل عنهم كل أوزارهم ويدخلهم الجنة، وكل ما عداهم مصيره النار، وقالوا: ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ﴾ [البقرة: 111]، فيرد الله عز وجل عليهم: ﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [البقرة: 111]، والمستفاد تحذير أمة محمد من امتهان التألي على الله، وتوزيع مقامات الجنة والنار، كل حزب بما لديهم فرحون. الرابعة عشرة: تكذيب بعضهم بعضًا، وتفرُّقهم شيعًا، كل حزب بما لديهم فرحون، رغم تلاوتهم في كتبهم ما يدحض تكذيبهم هذا: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾ [البقرة: 113]، عن ابن عباس، قال: ((لما قدِم أهل نَجْران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتَتْهُم أحبار يهود، فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رافع بن حريملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجَحَدَ نبوة موسى وكفر بالتوراة؛ فأنزل الله في ذلك الآية: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ﴾ [البقرة: 113]))، يقول ابن كثير: "كلٌّ يتلو في كتابه تصديق من كفر به؛ أي: يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة، فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى، وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى، وما جاء من التوراة من عند الله، وكل يكفر بما في يد صاحبه، وقال قتادة: "﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ ﴾ [البقرة: 113]، قال: بلى، قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، ﴿ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ ﴾ [البقرة: 113]، قال: بلى، قد كانت أوائل اليهود على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا". والمستفاد ألَّا تسلُكَ أمة محمد صلى الله عليه وسلم مَسْلَكَ أهل الكتاب في الفرقة والتحزب؛ انتصارًا للرأي؛ كما جاء في سورة الروم: ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 31، 32]. الخامسة عشرة: عداوتهم دائمة للإسلام والمسلمين: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]، كما قال: ﴿ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ [المائدة: 82]، وقال: ﴿ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ * هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [آل عمران: 118، 119]. والمستفاد إرساء القاعدة الأزلية الثابتة في العلاقة الحقيقية بين المسلمين وأهل الكتاب: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، في تنبيه المؤمنين إلى أنه لا يمكن لليهود والنصارى أن يكونوا صادقين في أي ادعاء لمحبة أو صداقة أو أخوة لمسلمٍ. السادسة عشرة: إغراء المؤمنين باتباع دينهم: ﴿ وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا ﴾ [البقرة: 135]، فردَّ الله عليهم: ﴿ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [البقرة: 135]، وهذا دَيدنُهم في كل عصر وزمان. السابعة عشرة: كتمان الشهادة، بادعائهم أن إبراهيم وإسماعيل، وإسحاق ويعقوب، والأسباط كانوا هودًا أو نصارى، وقد شهدوا في كتبهم عكس ذلك: ﴿ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 140]. قال الحسن البصري: "كانوا يقرؤون في كتاب الله الذي أتاهم: إن الدين عند الله الإسلام، وإن محمدًا رسول الله، وإن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا برآء من اليهودية والنصرانية، فشهِد الله بذلك، وأقرُّوا به على أنفسهم لله، فكتموا شهادة الله عندهم من ذلك"؛ [ابن كثير]. وقال القرطبي: " ﴿ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 140] يريد: علمهم بأن الأنبياء كانوا على الإسلام". والمستفاد تحذير المسلمين من كتمان أي شيء في كتاب الله من أجل تحقيق مصلحة أو إرضاء هوًى. الثامنة عشرة: اجتهادهم في استغلال كل ظرف ممكن لتشكيك المسلمين بدينهم، وصحة الرسالة التي يتبعونها، كما حدث في مسألة تحويل القبلة. ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142]؛ يقول ابن كثير في مسألة تحويل القبلة: "ولما وقع هذا حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكَفَرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشكٌّ، وقالوا: ﴿ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: 142]؛ أي: ما لهؤلاء تارة يستقبلون كذا، وتارة يستقبلون كذا؟ فأنزل الله جوابهم في قوله: ﴿ قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ﴾ [البقرة: 142]؛ أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله، وحيثما تولوا فثَمَّ وجه الله، وقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة: 177]". ومما يؤكد نيتهم الفاسدة في أنهم ما جادلوا وسخروا من تحويل القبلة إلا تشكيكًا للمسلمين بدينهم، أنهم كانوا يعلمون أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم سيتخذ من الكعبة قبلة؛ كما قال تعالى: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]، يتابع ابن كثير في تفسيره: "واليهود الذين أنكروا استقبال المسلمين للكعبة، وانصرافهم عن بيت المقدس، يعلمون أن الله تعالى سيوجه نبيَّه صلى الله عليه وسلم إليها، حسب ما ورد في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأُمَّته، وما خصه الله تعالى به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا"؛ [ابن كثير]. ومن أساليب تشكيك اليهود للمسلمين في دينهم ما ورد في سورة آل عمران: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [آل عمران: 72]. عن ابن عباس قوله: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ ﴾ [آل عمران: 72]؛ الآية، وذلك أن طائفة من اليهود قالوا: إذا لقيتم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أول النهار فآمنوا، وإذا كان آخره فصلُّوا صلاتكم، لعلهم يقولون: هؤلاء أهل الكتاب، وهم أعلم منا، لعلهم ينقلبون عن دينهم، ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ [آل عمران: 73]؛ [تفسير الطبري]. والمستفاد تنبيه المسلمين إلى هذه الخَصلة الماكرة في بني يهود، وهي استغلال كل ظرف ممكن لتشكيك المسلمين بعقيدتهم، وبدينهم، وهذا ديدنهم، وكلما ضعُفت النفوس وركنت إلى الحياة الدنيا، أصبحت مهمة بني يهود سهلةً مُذلَّلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأفضل سُبُل النجاة التزام القرآن والسُّنة، والتمسك بالصلاة إقامة وتقربًا إلى الله، والالتجاء إلى الله في كل حين. التاسعة عشرة: خوفهم من الموت وفرارهم منه: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 243]. وقصة هؤلاء أنهم قوم من بني إسرائيل وقع فيهم الوباء، وكانوا بقرية يُقال لها: داوردان، فخرجوا منها هاربين، فنزلوا واديًا، فأماتهم الله تعالى؛ قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون وقالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، فأماتهم الله تعالى، فمرَّ بهم نبيٌّ فدعا الله تعالى فأحياهم، وقيل: إنهم ماتوا ثمانية أيام، وقيل سبعة، والله أعلم، قال الحسن: أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم، وقيل: إنهم فروا من الجهاد، ولما أمرهم الله به على لسان حزقيل النبي عليه السلام، فخافوا الموت بالقتل في الجهاد، فخرجوا من ديارهم فرارًا من ذلك، فأماتهم الله ليعرفهم أنه لا ينجيهم من الموت شيء، ثم أحياهم وأمرهم بالجهاد؛ بقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 244]؛ قاله الضحاك؛ قال ابن عطية: وهذا القصص كله لين الأسانيد، وإنما اللازم من الآية أن الله تعالى أخبر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إخبارًا في عبارة التنبيه والتوقيف عن قوم من البشر، خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فأماتهم الله تعالى ثم أحياهم، ليرَوا هم وكلُّ من خَلَفَ مِن بعدهم أن الإماتة إنما هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، فلا معنى لخوف خائف ولا لاغترار مغتر، وجعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي أمره المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد؛ [تفسير القرطبي]. والمستفاد: جَعل الله هذه الآية مقدمة بين يدي فرض القتال على المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالجهاد: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 244، 245]؛ هذا قول الطبري، وهو ظاهر وصف الآية. العشرون: نكوصهم عن القتال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246]. في مرحلة من مراحل ضعف الأمة، عندما استُبيحت الأرض، وسُبِيَ الأبناء، وضاع الْمُلك والحُكم، وَجَدَ عِلْيَةُ القوم أو الحكماء من بني إسرائيل - ما نسميهم اليوم أصحاب القرار أو النخبة - أن لا حل لما يعانوه من ظلم وحرمان لاستعادة حقهم في الحكم والملك، إلا بالخروج على عدوهم الذي استباح بيضتهم، ولا سبيل إلى ذلك إلا الجهاد، أجمعوا أمرهم وقرروا أن أفضل طريقة للخروج إلى القتال هي رصُّ صفوفهم تحت إمرة قائد، يكون لهم ملكًا – وكان حكامهم ملوكًا - ليعقد لهم راية القتال، فاحتكموا إلى نبيهم ليعرضوا عليه الأمر؛ رغبتهم بالقتال شرط أن يكون تحت إمرة ملك، ويبدو أنهم أرادوا ذلك لينعشوا فكرة الملك من جديد في نفوسهم، بعد أن حطمها أعداؤهم العمالقة، وقد يكون في كلمة: ﴿ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا ﴾ [البقرة: 246] دلالة على بعث بعد مَوَاتٍ دَامَ زمنًا، والله أعلم، ولكن نبيهم كان يعلم الزيغ الذي في قلوبهم، يعلم أنهم كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون، يعلم أنهم يمكن أن ينقضوا كلامهم ويتراجعوا فيه، فاحتاط لذلك، وكان أن عمد إلى إظهار تشككه في كلامهم، والتثبُّت من عزيمتهم، ﴿ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ﴾ [البقرة: 246]، فما كان منهم إلا أكَّدوا عزمهم وإصرارهم على القتال، فالمصيبة كبيرة، وطنٌ سليب، وأبناء عبيد تحت إمرة العدو، ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾ [البقرة: 246]، ولكن تبين أن الخروج من طور الفكر والشعور إلى طور العمل والظهور ليس أمرًا سهلًا، ففي مرحلة كهذه ينكشف عجز الأدعياء المدَّعِين، ويظهر صدق الصادقين، ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246] من الذي أوفى بالعهد؟ ﴿ قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ الفئة القليلة. ويذكِّرنا موقفهم هذا بموقفهم من أمر موسى عليه السلام لهم بدخول الأرض المقدسة، كما ورد في سورة المائدة: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا ﴾ [المائدة: 22] ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾ [المائدة: 24]. والمستفاد تنبيه من رب العباد لنا، حتى لا نقع فيما وقعوا فيه فنكون مثلهم؛ كما قال تعالى في سورة القتال: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ ﴾ [محمد: 20]. الحادية والعشرون: المال وليس الإيمان شرط الملكية لديهم: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247]. وبالرغم من أن الملك المختار كان اختياره إلهيًّا، فإنهم اعترضوا عليه، فماذا لو كان بشريًّا؟ هذه مقاييس بني إسرائيل، اعترضوا على ملكهم لأنه ليس سليلَ الملوك، ولا مال عنده ولا عزوة، ولكن الله يؤتي ملكه من يشاء، بسطة في العلم والجسم: العلم الرباني الحقيقي، وليس علم الضحك على الأذقان، علم لا أريكم إلا ما أرى، علم المتاجرة باسم الدين، واستباحة عقول الناس باسم الإله، والقوة الإيمانية والجسدية. والمستفاد التوضيح للمؤمنين أن شرط القيادة للمجتمع المؤمن لا علاقة له لا بالمال ولا بالجاه، وإنما هو الإيمان وما أُوتِيَ القائد من حكمة من ربه. الثانية والعشرون: لا يؤمنون إلا بالمعجزات المحسوسة: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 248]. الثالثة والعشرون: تغليب حكم الهوى على أمر الله: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 249]. لما تملك طالوت ببني إسرائيل واستقر له الملك، تجهزوا لقتال عدوهم، فلما فصل طالوت بجنود بني إسرائيل، وكانوا عددًا كثيرًا وجمًّا غفيرًا، امتحنهم بأمر الله ليتبين الثابت المطمئن ممن ليس كذلك، فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ [البقرة: 249]، فهو عاصٍ، ولا يتبعنا لعدم صبره وثباته ولمعصيته، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ ﴾ [البقرة: 249]؛ أي: لم يشرب منه ﴿ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249] فلا جناح عليه في ذلك، ولعل الله أن يجعل فيها بركة فتكفيه، وفي هذا الابتلاء ما يدل على أن الماء قد قل عليهم ليتحقق الامتحان، فعصى أكثرهم وشرِبوا من النهر الشربَ المنهيَّ عنه، ورجعوا على أعقابهم ونكصوا عن قتال عدوهم، وكان في عدم صبرهم عن الماء ساعة واحدة أكبر دليل على عدم صبرهم على القتال الذي سيتطاول، وتحصل فيه المشقة الكبيرة، وكان في رجوعهم عن باقي العسكر ما يزداد به الثابتون توكُّلًا على الله، وتضرعًا واستكانة وتبرؤًا من حولهم وقوتهم، وزيادة صبر لقلتهم وكثرة عدوهم؛ [تفسير السعدي]. والعِبرة هي أن يسلِّم المؤمن لأوامر الله تسليمًا مطلقًا دون أن يناقشها من جهة العقل والحسابات البشرية المحسوسة، فلله حسابات تختلف عن حسابات البشر، هؤلاء القوم قاسُوا أمر الله بالمقياس البشري، فكيف يمرون على نهر وهم عطاشى ومقبلون على معركة عظيمة، ولا يشربون منه؟ لا يمكن، لا بد أنهم سيهلكون. وبهذه العقلية حكَّم هؤلاء فَهمهم القاصر، وجعلوه ندًّا لأمر الله، وانصاعوا إليه، فكان أن حُرِموا الجهاد، وخرجوا من الصف، ولم يكن من شرِب من النهر قليلًا، بل كانوا سواد الجيش، قال السدي: "كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرب ستة وسبعون ألفًا وتبقى معه أربعة آلاف كذا قال"؛ [ابن كثير]. الرابعة والعشرون: نظرتهم المادية للنصر والهزيمة: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 249 - 251]، حتى الفئة المؤمنة التي جاوزت النهر مع طالوت، كان منهم من يؤمن بالقوة المادية أكثر من إيمانه بالنصر، وأكثر المفسرين على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة، فقال بعضهم: كيف نطيق العدو مع كثرتهم؟ فقال أولو العزم منهم: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 249]، قال البراء بن عازب: "كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر؛ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا - وفي رواية: وثلاثة عشر رجلًا - وما جاز معه إلا مؤمن". والعبرة بطلان معادلة الكثرة والقلة في رجحان كفة القتال، وإرساء قاعدة إخلاص الإيمان والتوكل في استجلاب النصر. وتختم دروس قصص بني إسرائيل في سورة البقرة بدرس من أهم الدروس التي يتعلمها المسلمون من مسيرة أهل الكتاب. الخامسة والعشرون: الاختلاف من بعد العلم، من بعد أن جاءتهم البينات، ونزلت عليهم الشريعة والقانون الإلهي، دليل الإرشاد والهداية، فمنهم من آمن ومنهم من استكبر وكفر. يقول تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]. ويقول جل جلاله في آل عمران: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [آل عمران: 19]. وفي سورة الجاثية: ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [الجاثية: 17]. وفي البقرة أيضًا: ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]، وفي سورة الشورى: ﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 14]. وقد حذرنا الله تعالى من هذا السلوك المهلك في أكثر من موضع من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 105]، وقال سبحانه: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 30 - 32]. ولكن الله يفعل ما يريد. سبحانه جل في علاه! |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات مع سورة البقرة (8) ميسون عبدالرحمن النحلاوي 3- وقفات مع قلب السورة تابع معالم في سياق السورة، وفيها: حقيقة السِّحْر، حقيقة العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب، مسألة القبلة، مفهوم الأمة الوسط، والْمَعْلَم السادس، توجيهات نفسية في الشدائد والكروب، مسألة الاستعانة بالصبر والصلاة، ومعية الله عز وجل للصابرين. الْمَعْلَم الثاني: حقيقة السِّحْر، وهذا المعلم من المعالم المميزة لسورة البقرة؛ إذ لم يَرِدْ ذِكْرُ السِّحْر بتفصيله في القرآن الكريم إلا في هذه السورة. ولما كان هذا الموضوع على جانب كبير من الأهمية في حياة الأمة اليوم التي استشرى فيها السِّحْر بصنوفه وأنواعه، والعياذ بالله، وجدنا أن نتوسَّع في عرضه، وبالله التوفيق. يقول جل في علاه: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْر وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 101 - 103]. • بنو إسرائيل هم أبرز من اشتغل بالسِّحْر علمًا وتعليمًا وعملًا: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ [البقرة: 102]. • وماذا كانت تتلو الشياطين على ملك سليمان؟ كانت تتلو السِّحْر. • ولكي يبرر بنو إسرائيل اشتغالهم بالسِّحْر المحرَّم، كانوا يتهمون سليمان بأنه ساحر. جاء في تفسير ابن كثير: "عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان آصِفُ كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان، أخرجه الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل بها، قال: فأكْفَرَه جُهَّال الناس وسبُّوه، ووقف علماؤهم فلم يَزَل جُهَّالهم يسبُّونه، حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102]. وقال سعيد بن جبير: كان سليمان عليه السلام يتتبَّع ما في أيدي الشياطين من السِّحْر فيأخذه منهم، فيدفنه تحت كرسيه في بيت خزانته، فلم يقدر الشياطين أن يصلوا إليه، فدبَّت إلى الإنس، فقالوا لهم: أتدرون ما العلم الذي كان سليمان يسخِّر به الشياطين والرياح وغير ذلك؟ قالوا: نعم، قالوا: فإنه في بيت خزانته وتحت كرسيه، فاستثار به الإنس واستخرجوه، فعمِلوا بها، فقال أهل الحِجا: كان سليمان يعمل بهذا وهذا سحر؛ فأنزل الله تعالى على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم براءةَ سليمان عليه السلام، فقال: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102]، وقال محمد بن إسحاق بن يسار: عمَدَتِ الشياطين حين عرفت موت سليمان بن داود عليه السلام، فكتبوا أصناف السِّحْر: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا، فليقل كذا وكذا، حتى إذا صنفوا أصناف السِّحْر جعلوه في كتاب، ثم ختموا بخاتم على نقش خاتم سليمان، وكتبوا في عنوانه: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصَّدِيق للملك سليمان بن داود عليهما السلام من ذخائر كنوز العلم، ثم دفنوه تحت كرسيه واستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل، حتى أحدثوا ما أحدثوا، فلما عثروا عليه قالوا: والله ما كان سليمان بن داود إلا بهذا، فأفشَوا السِّحْر في الناس، وتعلَّموه وعلَّموه، وليس هو في أحد أكثر منه في اليهود لعنهم الله، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نزل عليه من الله سليمانَ بن داود، وعدَّه فيمن عدَّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألَا تعجبون من محمد؟ يزعُم أن ابن داود كان نبيًّا، والله ما كان إلا ساحرًا؛ وأنزل الله في ذلك من قولهم: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 102]؛ الآية"؛ [انتهى، ابن كثير]. إذًا ليس سليمانُ هو الذي كَفَرَ واتبع السِّحْر، وإنما الشياطين هم الذين كفروا، وهذا - أي كفرهم - واقع منذ أن امتنع أبيهم عن السجود لآدم، ولأن إبليس قد أقسم لربه على غواية ابن آدم: ﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴾ [ص: 82، 83]، فقد وجد هو وجنوده من الشياطين في السِّحْر مدخلًا عظيمًا لتحقيق هذه الغواية. • وهكذا أخذ الشياطين على عاتقهم مهمة تعليم الناس السِّحْر. • ومعلوم أن السِّحْر لا يكون إلا باستعانة الإنس بالجن، وكما أن الإنسيَّ الذي يعمل بالجن من صنف الإنس الكافرين، كذلك الجني الذي يتصل به لإنفاذ السِّحْر من جنس الجن الكافرين، والشياطين تشمل الاثنين معًا، وهم خدم إبليس والعياذ بالله. ويقع الخلاف بين المفسرين في تتمة الآية: ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ [البقرة: 102]، فمنهم من يرى أن (ما) هنا نافية، تنفي أن يكون السِّحْر قد أُنزِل على الملكين هاروت وماروت، لكن هذا بعيد عن سياق الآيات التي يُفهم منها بصريح التعبير أنه أُنزل عليهم، وأن (ما) هنا معطوفة على السِّحْر، كما يرى الدكتور فاضل السامرائي، بأنها بمعنى (الذي)، فيكون المعنى: يعلمون الناس السِّحْر والذي أُنزل على الْمَلَكَين ببابل هاروت وماروت، المفسرون الذين اختاروا أن تكون (ما) نافية لتعلم الملكين السِّحْرَ، اعتمدوا على أن الملكين لا يمكن أن يتعلمان السِّحْر ويعلمانه للناس، وأن هاروت وماروت رجلان قاما بتعليم الناس السِّحْر بعد تحذيرهم منه، والمفسرون الذين اعتمدوا (ما) معطوفة على السِّحْر بمعنى الذي يقولون بأن هذين الملكين هاروت وماروت علمهما الله السِّحْر، وأنزلهما للناس فتنةً، لكنهما يحذرون الناس قبل تعليمهم السِّحْر من أن هذا فتنة وكفر: ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ﴾ [البقرة: 102]، فمن أصرَّ على التعلُّم كَفَرَ. • الدافع الأكبر لتعلُّم السِّحْر والدخول في الكفر التفريق بين المرء وزوجه: ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ [البقرة: 102]، وهذه غاية ما يتمناه الشيطان في الإفساد بين بني البشر؛ روى مسلم في صحيحه، من حديث الأعمش، عن أبي سفيان طلحة بن نافع، عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الشيطان لَيَضعُ عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلةً أعظمهم عنده فتنةً، يجيء أحدهم فيقول: ما زِلْتُ بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا، فيقول إبليس: لا والله ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين أهله، قال: فيقرِّبه ويُدنيه ويلتزمه، ويقول: نعم، أنت)). السِّحْر بين الأسباب والمشيئة الربانية: ولكن هل ما يحدث بعد إنفاذ السِّحْر يكون بفعل السِّحْر/ الساحر نفسه وتأثيره؟ ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 102]، فيكون الجواب: بالطبع لا. فلا شيء في هذا الكون يقع إلا بمشيئة الله، ولا شيء يُرفع إلا بمشيئته، لكن شياطين الإنس والجن أسباب لهذا الوقوع أو الرفع، وهذا من تمام الابتلاء لبني آدم، في مجتمعنا، للأسف الشديد، الكثير من الخلط بين المشيئة الإلهية، وسبب النفع والضر، سواء عن طريق السِّحْر أو التقرب للأولياء والدعاء عندهم، ومن تمام الفتنة أن يحصل مراد الإنسان بعد لجوئه إلى هذه الأعمال، فيقع في نفسه أنه لو لم يكن ما فعله صوابًا، لَما استُجيب له، كما أن من ضعف الإيمان اللجوءَ إلى السِّحْر من أجل فكِّ السِّحْر، وهذه فتنة أخرى، أعاذنا الله منها، فقد أجمع أهل العلم أنه من الكبائر، وكلما طال الزمن وتعاظمت الفتن، استشرى وتفشَّى هذا النوع من علاج السِّحْر، وأصبحنا اليوم نسمع به بكثرة أضعاف ما كنا نسمع به منذ سنوات، ولله المشتكى. ويزيِّن العاملون بالسِّحْر هذا النوع من العلاج المحرَّم للضحية بشتى الألفاظ والعبارات الرحيمة، حتى لَيظن صاحبها أنه على الحق المطلق في اتباع هذا، وأن هذا المفكك لا يعمل إلا بالخير، وهم يعتمدون بذلك على جهل الضحية، ورِقَّة قلبها، وسطحية فَهمها للقرآن. إن تغيير الاسم من ساحر أو مشتغل بالسِّحْر إلى مفكِّك، لا يغيِّر من حقيقته شيئًا، هي في النهاية طلاسم وشعوذات، لا تدري إلام ستُفضي بك، ولا ننسى أن مستعظم النار من مستصغر الشَّرر. ولا يغرنَّك ما يستفتح به الساحر من آيات من القرآن، وما يبدأ فيه معك بالجلسات الأولى من نصائح لا تتعدى آيات من القرآن بعدد معين وفي وقت معين، اجعل مرجعك الكتاب والسنة في كل ما يعرِض لك، وتساءل: لو كان في هذا صحة ومصلحة، فلِمَ لَمْ ينصحنا به الرسول الكريم؟ التأثر بالسِّحْر وعلاجه: السِّحْر لا يقع إلا على ذوي الإيمان الضعيف، البعيدين عن القرآن والذكر، من يعتقدون الخلاص على يد العباد دون رب العباد، فإن كان الله قد وضع لنا الوقاية والعلاج من السِّحْر، فلِمَ نتركه ونلجأ إلى غيره؟ يقول ابن القيم: "من أنفع الأدوية، وأقوى ما يوجد من النُّشرة مقاومةُ السِّحْر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية: من الذكر، والدعاء، والقراءة، فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، معمورًا بذكره، وله وِرْدٌ من الذكر، والدعاء، والتوجه، لا يخِلُّ به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السِّحْر له، قال: وسلطان تأثير السِّحْر هو في القلوب الضعيفة، ولهذا غالب ما يؤثر فيه النساء، والصبيان، والجُهَّال؛ لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشَط على الأرواح، تلقاها مستعدة لما يناسبها"؛ [انتهى، ابن القيم]. علاج السِّحْر إذًا آية الكرسي والمعوِّذتان وأذكار الصباح والمساء، والتعلق الدائم بذكر الله، وأن يكون لأحدنا نصيب يوميٌّ مستمر من القرآن، وسورة البقرة للمستطيع: ((اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخْذَها بركة، وتركَها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَةُ؛ قال معاوية: بلغني أن البطلة: السَّحَرة))؛ [أخرجه مسلم عن أبي أمامة الباهلي]. يقول ابن كثير في تفسيره: "فأنفع ما يُستعمَل في إذهاب السِّحْر ما أنزل الله على رسوله في إذهاب ذلك، وهما المعوذتان، وفي الحديث: ((ولم يتعوَّذ المتعوِّذ بمثلهما))، وكذلك قراءة آية الكرسي؛ فإنها مطردة للشياطين". هل السِّحْر من العلوم المفيدة حقًّا؟ يقول جل في علاه: ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 102]، وهذه هي العاقبة، وليس أشد على الإنسان من معرفته بنتيجة أفعاله ومصيره الذي ينتظره بما قدمت يداه، يعملون السِّحْرَ وهم يعلمون أن ﴿ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ [البقرة: 102]، لكنه تزيين الشياطين، واتباع الهوى، وتحدي الخالق. اللهم نسألك العفو والعافية. اللهم نسألك المعافاة الدائمة من كل سحر وساحر، وشرك ومشرك. اللهم تولَّانا برحمتك، وارعَنا برعايتك يا أرحم الراحمين. الْمَعْلَم الثالث: حقيقة العلاقة بين المسلمين وأهل الكتاب: اليهود والنصارى: فالقاعدة الأزلية في علاقة المسلمين مع اليهود والنصارى قاعدة ثابتة إلى يوم الدين: لا يمكن ليهودي ولا لنصراني أن يرضى عن مسلم إلا في حال واحدة؛ وهي أن يترك دينه ويتبع دينهم، أخبرنا بذلك العلي القدير، عالم السر وأخفى: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ [البقرة: 120]. • والمتأمل في الآية يجد أن المولى جل في علاه قال: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى ﴾ [البقرة: 120] بعموم ليس فيه استثناء، فهو جل في علاه لم يقل: لن ترضى عنك طائفة من اليهود والنصارى، ولم يقل: لن ترضى عنك فرقة من اليهود والنصارى، بل قال: اليهود ولا النصارى عامة. • ثم إنه جل في علاه قال: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى ﴾ [البقرة: 120]، ولم يقل: لم ترضَ، فرضاهم ليس أمرًا صعبًا فحسب، بل أمرًا مستحيلًا ممتنعًا، لن يحصل بحال من الأحوال، لا عن طريق تقديم تنازلات، ولا الإمساك بالعصا من المنتصف، ولا بالمسايرة والمداراة أبدًا، الثمن الوحيد لرضاهم هو أن تنسلخ عن دينك، أيها المسلم. • وبالرغم من أن النصارى واليهود تفرَّقوا مِلَلًا وفِرَقًا متناحرة في كثير من الأحيان، فإن الله عز وجل أجمع هذه الملل في هذه الآية بملة واحدة؛ فقال: ﴿ حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، للدلالة على أن ملة الكفر واحدة، وهذا ما شهِد عليه الماضي والحاضر، فمن أجل محاربة الإسلام، تجتمع وتتوحَّد كل أقطاب الكفر والشرك، لتشكِّل قطبًا واحدًا، رايته: دمِّروا الإسلام، وأبيدوا أهله؛ يقول الشوكاني في تفسير الآية: "قوله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ ﴾ [البقرة: 120] الآية، أي: ليس غرضهم ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات، ويُورِدونه من التعنُّتات، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون، وأجبتهم عن كل تعنُّت، لم يرضوا عنك، ثم أخبره بأنهم لن يرضوا عنه حتى يدخل في دينهم ويتبع ملتهم، والملة: اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه، وهكذا الشريعة، ثم ردَّ عليهم سبحانه؛ فأمره بأن يقول لهم: ﴿ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى ﴾ [البقرة: 120] الحقيقي، لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة، والكتب المحرَّفة، ثم أتْبَعَ ذلك بوعيد شديد لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنِ اتَّبع أهواءهم، وحاول رضاهم، وأتعب نفسه في طلب ما يوافقهم، ويحتمل أن يكون تعريضًا لأمته وتحذيرًا لهم أن يواقعوا شيئًا من ذلك، أو يدخلوا في أهْوِيَةِ أهل الملل، ويطلبوا رضا أهل البدع، وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب، وتتصدع منه الأفئدة، ما يُوجِب على أهل العلم الحاملين لحُجَجِ الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه تَرْكَ الدِّهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء، التاركين للعمل بالكتاب والسنة، الْمُؤْثِرين لمحضِ الرأي عليهما، فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولًا، وأبان من أخلاقه لينًا، لا يرضيه إلا اتباع بدعته، والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فَعَلَ العالِم ذلك بعد أن علَّمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنة رسوله، لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة، وجهالة بينة ورأي منهار، وتقليد على شفا جُرفٍ هارٍ، فهو إذ ذاك ما له من الله من ولي ولا نصير، ومن كان كذلك، فهو مخذول لا محالة، وهالك بلا شك ولا شبهة"؛ [انتهى، الشوكاني، فتح القدير]. يقول السيوطي في أسباب نزول هذه الآية: "قول الله عز وجل: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، عن ابن عباس قال: إن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم إلى قِبلتِهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة، شقَّ ذلك عليهم، وأيِسوا أن يوافقهم على دينهم؛ فأنزل الله هذه الآية"؛ [انتهى، لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي]. يعني: ليست القضية مع اليهود والنصارى قضية القبلة، بل هي أعمق من ذلك، لو أنك - يا مسلم - وافقتهم في قبلتهم، وشاركتهم في بعض شعائرهم، وتشبَّهت بهم في أخلاقهم؛ فهذا كله لن يرضيهم، لن يرضى عنك هؤلاء إلا إذا تركت ملتك واتبعت ملتهم، وفي هذا درس لكثير من المسلمين الآن الذين يظنون أنهم إن وافقوا أهل الكتاب في بعض الأمور، رضُوا عنهم، وكفُّوا أذاهم عنهم. لذلك كان حوار الأديان أو تقارب الأديان وَهْمٌ، لا يمكن التوصل به إلى أي تقارب حقيقي، ومن أصدق من الله قيلًا؟ والله المستعان. والله عز وجل يوفر على المسلمين عناء تجرِبة يُحِبُّون أن يخوضوها كل يوم، ويستغرقون فيها، بل ويقنعون أنفسهم بجدواها، وهي قبول تودد اليهود والنصارى، والنزول عند مقترحاتهم، وتصديق أقاويلهم التي يزيِّنوها ويخادعون بها، بل واتخاذهم أولياء وأصدقاء وحتى بِطانة، فيعطيهم المولى النتيجة بكل دقة ووضوح: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، والمخاطب هنا الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون من بعده. الْمَعْلَم الرابع: مسألة القبلة: وبها يفتتح الجزء الثاني، ومعها ينقلنا السياق من ماضي بني إسرائيل إلى حاضرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم:﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 142]. قال القرطبي: "قال كفار قريش لما أنكروا تحويل القبلة قالوا: قد اشتاق محمد إلى مولده وعن قريب يرجع إلى دينكم، وقالت اليهود: قد التبس عليه أمره وتحيَّر، وقال المنافقون: ما ولَّاهم عن قبلتهم، واستهزؤوا بالمسلمين، ثم تختص الآيات أهل الكتاب في هذا الأمر؛ لكثرة ما خاضوا فيه مشكِّكين، فتفضح أمرهم في ما يُسِرُّونه من عِلْمٍ بشأن تحويل القبلة في أنه أمر حق من عند الله: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]". يقول ابن كثير: وقوله: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [البقرة: 144]؛ أي: واليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبةَ، وانصرافكم عن بيت المقدس يعلمون أن الله تعالى سيوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأُمَّتِه، وما خصه الله تعالى به، وشرَّفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدًا وكفرًا وعنادًا؛ ولهذا يهددهم تعالى بقوله: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 144]"؛ [انتهى]. ومع مسألة القبلة يأتي السياق على واحد من أهم الأسس التي تشكِّل شخصية المجتمع المسلم؛ وهي المفاضلة بين اتباع أمر الله وخشية الناس، فيكون الأمر المطلق: ﴿ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ﴾ [البقرة: 150]؛ يقول عز من قائل: ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 150]. المعلم الخامس: مفهوم الأمة الوسط: قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]؛ يقول ابن كثير: "والوسط ها هنا: الخيار والأجود، كما يُقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا؛ أي: خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه؛ أي: أشرفهم نسبًا، ومنه الصلاة الوسطى، التي هي أفضل الصلوات، وهي العصر، كما ثبت في الصحاح وغيرها، ولمَّا جعل الله هذه الأمة وسطًا، خصَّها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب"؛ [انتهى]. وقال القرطبي: "ولما كان الوسط مجانبًا للغلوِّ والتقصير، كان محمودًا؛ أي: هذه الأمة لم تَغْلُ غلوَّ النصارى في أنبيائهم، ولا قصَّروا تقصير اليهود في أنبيائهم. وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾ [البقرة: 143]، قال: عدلًا، قال: هذا حديث حسن صحيح، وفي التنزيل: ﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ ﴾ [القلم: 28]؛ أي: أعدلهم وخيرهم. في قوله تعالى: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: لأن تكونوا، ﴿ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143] خبر كان، ﴿ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: في المحشر للأنبياء على أُمَمِهم، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُدعَى نوح عليه السلام يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيُقال لأُمَّتِه: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيشهدون أنه قد بلغ، ويكون الرسول عليكم شهيدًا؛ فذلك قوله عز وجل: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]. وقالت طائفة: معنى الآية: يشهد بعضكم على بعض بعد الموت؛ كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه ((قال حين مرت به جنازة، فأُثْنِيَ عليها خير، فقال: وجبت وجبت وجبت، ثم مُرَّ عليه بأخرى، فأُثْنِيَ عليها شرٌّ، فقال: وجبت وجبت وجبت، فقال عمر: فدًى لك أبي وأمي، مُرَّ بجنازة فأُثْنِيَ عليها خير، فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومُرَّ بجنازة فأُثْنِيَ عليها شر، فقلت: وجبت وجبت وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن أثنيتُم عليه خيرًا، وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا، وجبت له النار؛ أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض))؛ [أخرجه البخاري بمعناه]، وفي بعض طرقه في غير الصحيحين: ((وتلا: ﴿ لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143]))"؛ [انتهى القرطبي]. وفي نفس السياق يذكِّرنا الله عز وجل بنعمة الإسلام التي أنعمها علينا معشر المسلمين: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 151]، نعمة وجب لها الشكر للمُنْعِم، وذكره وتوحيده في كل آنٍ وحين: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]. الْمَعْلَم السادس: توجيهات نفسية في الشدائد والكروب، مسألة الاستعانة بالصبر والصلاة، ومعية الله عز وجل للصابرين: وهذه المسألة تبدأ بآيات شكر وتنتهي بآيات صبر؛ يقول تعالى: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ * وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 151 - 157]. الشدائد والكروب أمر مصاحِبٌ لابن آدم منذ أن سكن الأرض، فهو مخلوق متقلِّب بين سراء وضراء، وخير وشر، إلى أن تنقضي حياته، ولا استثناء في ذلك لأحد من البشر، بل إن الأنبياء والصالحين والمؤمنين أشد ابتلاء من غيرهم؛ كما جاء في صحيح الترمذي عن سعد بن وقاص قال: ((قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاءً؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فيُبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صُلْبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّة، ابتُليَ على حسب دينه، فما يبرَح البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة)). وهذا أمر وضَّحه العلي القدير في قوله تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [الأنبياء: 35]، لكن الله جل في علاه أكْرَمُ من أن يَكِلَ مَن خَلَقَ إلى الشدائد والكروب لتَفْتِكَ به، فكان أن أخبره بالعلاج الشافي لهمومه وكروبه وابتلاءاته، علاج سهل بسيط على من آمن واتقى: الصبر والصلاة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 153]، فأول العلاج وآخره يقع بين الصبر والصلاة، يصفه الله لعباده للذين آمنوا، لماذا للذين آمنوا تحديدًا؟ لأنه علاج سهل على المؤمنين فقط، صعب على غيرهم، هذا العلاج يستفيد منه مَن آمن قولًا وقلبًا وعملًا بأن علاج الله حق وواقع ومؤثِّر، يطبِّقه خير التطبيق، مِن قلبه لا من أطراف جوارحه. • الصلاة تنفع في إراحة المؤمن حين يقيمها إقامةَ المتذلل لخالقه، المستحضر لقلبه فيها، العارف لمعناها أنها الصلة بينه وبين مالك الملك الخالق، المتصرف بالخير والشر. • والصبر ينفع المتصبِّر، الذي يُوقِن أن الصبر يحتاج إلى إيمان قوي، ويقين راسخ بمعية الله للصابرين، ينفع المؤمن الذي يعلم أن صبره قد يطول ويطول، ومحنته قد تنقضي بحياته، وقد لا تنقضي فيموت صابرًا، لكنه يوقن أن جزاءه سيكون جزاء غير متناهٍ، جزاء بغير حساب: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10]، ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]، فهل من نعمة أعظم من معِيَّةِ الله وحبِّه؟ ولِعِظَمِ منزلة الصبر جعل الله معيته في هذه الآية للصابرين وليس للمصلين: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 154]، سبحانك ربي! ثم يخبرنا الله عز وجل بالابتلاءات التي سيحتاج المؤمن معها إلى هذا العلاج، فأفرد للموت في سبيل الله آية، وللابتلاءات الدنيوية آية: • ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 154]. ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 155]. فالقتل في سبيل الله لا يمكن أن يُرى جزاؤه إلا في الآخرة، ولا يمكن أن يصبر عليه إلا مَن آمن وأيقن بما أعدَّه الله لهذا الشهيد في الآخرة، فكانت بشارة الله عز وجل لأهل هؤلاء الشهداء أعظم علاج لحزنهم وقهرهم على فراق وفقد أحبابهم، فسبحان الكريم، الرحمن الرحيم! اللافت في السياق القرآني لهذه الآيات أن آيات الصبر هذه تأتي مباشرة بعد آيات الشكر، التي وجَّه الله عباده إليها: ﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 151، 152]، وكأنه جل وعلا يقدم للابتلاءات التي قد تعتري المؤمنين بأكبر نعمة يستشعرها المؤمن في حياته؛ وهي الإسلام، الذي مَنَّ الله به عليه، فأرسل رسوله له ليعلمه كل ما يضمن النجاة من النار، والخلود في نعيم الجِنان، كي تهون عليه بعدها كل مصيبة دنيوية. وصفة الصابرين: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 156]، وجزاؤهم: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 157]؛ يقول السعدي في تفسيره: "فـ(الصابرين)، هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة، ثم وصفهم بقوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ [البقرة: 156]، وهي كل ما يُؤلِم القلب أو البدن أو كليهما مما تقدم ذكره، ﴿ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 156]؛ أي: مملوكون لله، مُدبَّرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأموالنا شيء، فإذا ابتلانا بشيء منها، فقد تصرَّف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد عِلْمُه بأن وقوع البَلِيَّة من المالك الحكيم، الذي أرحم بعبده من نفسه، فيوجب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره لِما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، ومع أننا مملوكون لله، فإنا إليه راجعون يوم المعاد، فمجازٍ كل عامل بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا، وجدنا أجرنا موفورًا عنده، وإن جزعنا وسخطنا، لم يكن حظُّنا إلا السخط وفوات الأجر، فكون العبد لله، وراجع إليه، من أقوى أسباب الصبر"؛ [انتهى]. وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((ما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً هو خير وأوسع من الصبر))؛ [صحيح البخاري]. اللهم نسألك اللطف في القضاء، والصبر على الشدائد. يتبع... |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات مع سورة البقرة (9) ميسون عبدالرحمن النحلاوي وقفات مع قلب السورة (4) تابع معالم في سياق السورة: المعلم السابع: مسألة كتمان آيات الله، والتلاعب بأوامر الله ونواهيه في سبيل حُطام الدنيا: وهي في يومنا هذا على أشُدِّها والعياذ بالله؛ وتطالعنا هذه المسألة في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 159، 160]، وهنا علينا التركيز بأن التوبة وحدها لا تصلح مع هذا الفعل، وإنما يجب البيان معها، بيان ما كانوا يكتمونه، والآية وإن كانت نزلت في طائفة من اليهود، فهي تتضمن توجيهًا مباشرًا للمسلمين. ومناسبة نزول الآية هي كتمان اليهود صفةَ سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم التي جاءت واضحة صريحة في توراتهم؛ يقول ابن كثير في تفسيره: "نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفةَ محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالِمَ يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في الماء، والطير في الهواء، فهؤلاء الذين يكتمون بخلاف العلماء، فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون، وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من سُئِلَ عن عِلْمٍ فكتمه، أُلْجِمَ يوم القيامة بلِجامٍ من نار))، والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدًا شيئًا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ﴾ [البقرة: 159]"؛ [انتهى ابن كثير]. ولِعِظَمِ أمرِ كتمان آيات الله، يعود السياق مرة أخرى في الآيتين 174، 175 ليؤكد على عظم إثمه، ومصير من يلجأ إلى هذا النوع من المتاجرة بالدين في سبيل عَرَضٍ من عروض الدنيا؛ يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 174]. ونقرأ في تفسير ابن كثير لهذه الآية السببَ وراء قيام اليهود بهذا الفعل؛ يقول: "﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ [البقرة: 174]؛ يعني: اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم، مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم، وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتُّحف على تعظيمهم إياهم، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتَّبِعَه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نَزْرٌ يسير، فباعوا أنفسهم بذلك. ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ [البقرة: 174]؛ وهو عَرَض الحياة الدنيا، ﴿ أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ ﴾ [البقرة: 174]؛ أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارًا تأجَّج في بطونهم يوم القيامة. ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 174]؛ وذلك لأنه غضبان عليهم، لأنهم كتموا وقد علِموا، فاستحقوا الغضب، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم؛ أي: يُثني عليهم ويمدحهم، بل يعذبهم عذابًا أليمًا"؛ [انتهى ابن كثير]. هؤلاء فضَّلوا الفانيَ على الباقي، والضلال على الهدى، فما أصبرهم على النار! ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ [البقرة: 175]. الثامن: دلائل تفرُّد الله في ألوهيته: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164]، فهل بعد كل هذا الانسجام والدقة والترابط الْمُتْقَن في خلق السماوات والأرض، وتسخير ما يضمن بقاءهما على نظام متناهٍ في الكمال والاتزان - شكٌّ في كمال ووحدانية الخالق؟ سماء ممتدة بلا عمد، أرض بجبال راسيات لا تميد ولا تنهار، ولا يختلط بحرها ببرها، ليل ونهار يحتكمان إلى شمس وقمر، يُسيِّرهما خالق واحد بحساب لا يُحيط مخلوق بعلمه، ماء من السماء وضع فيه الخالق سرَّ الحياة على هذه الأرض، فجعل منه كل شيء حيٍّ، فكيف وضع الخالق سر الحياة في قطرة الماء هذه؟ تصريف الرياح، السحاب المسخَّر بين السماء والأرض، فلا هو في السماء ولا هو على الأرض، من يُمسك هذا السحاب؟ من يوجِّه الريح التي تُسَيِّره؟ من يأمرها أنِ اشْتَدِّي فكوِّني إعصارًا مدمِّرًا يُدمر ديار الظالمين؟ ومن يأمرها أن كوني رحمة وسلامًا على قوم صالحين؟ هو الله الواحد الأحد، جل في علاه. التاسع: اتخاذ الناس أندادًا لله، ومشهد التبرؤ بين التابع والمتبوع يوم القيامة: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ [البقرة: 165]. هؤلاء المذكورون في الآية لم يكفروا بالله، هم مؤمنون به، لكنهم اتخذوا معه أندادًا - والند هو النظير والمثيل - يحبونهم كما يحبون الله، إذًا هم قوم يؤمنون بالله، ويعبدونه بل ويحبونه، لكنهم يؤمنون ويعبدون ويحبون إلى جانبه من يعتقدون فيه الندية لله، من حيث القدرة والقوة، والتشريع والحكم، والرزق والغوث، بل والقدرة على الخلق كخلق الله، والعياذ بالله. لكن كيف يكون حال هؤلاء الأنداد يوم القيامة، والمقدِّسين لهم المتَّبِعين لمنهجهم؟ وما هو مصيرهم؟ ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 166، 167]. ويا له من مشهد مرعب، شديد الوقع، عندما يتبرأ السادة والمفكرون، والعلماء والعظماء، الضالون الْمُضِلُّون، ممن اتبعهم على كفرهم وضلالهم، وسار على نهجهم وناصَرَهم في الحياة الدنيا، بعد أن رأوا العذاب وعاينوه، فعلِموا وأقرُّوا بأن القوة لله جميعًا! كيف لا، وقد وجدوا أن كل ما كانوا يتباهَون به من قوة وسلطة وسمعة في الدنيا أصبح حطامًا؟ ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ [البقرة: 165]، ثم يبدأ مشهد التبرؤ المخيف: ﴿ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 166، 167]. اللهم إنا نعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قول أو عمل. المعلم العاشر: تشريعات وأحكام وفرائض: • في المطاعم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 168 - 170]. والحديث عن وحدة الألوهية، الذي سبق في مشهد آيات الله في الكون، يستتبعه وحدة الربوبية، فالله هو الرزَّاق، وهو الذي هيَّأ الرزق للعباد في الأرض، وأمرهم أن يأكلوا مما أحله لهم، والله الخالق الرازق هو الذي يحلِّل ويحرِّم، ويبين ذلك في شرعه، وكل ما وراء حلال الله وحرامه من شرع الشيطان. والذين يتبعون خطوات الشيطان يُصِرُّون عليها استكبارًا، وعصبية وقومية؛ لأن آباءهم كانوا يتبعونها حتى ولو كانوا على ضلال في العقيدة والفكر والعقل. هؤلاء صفتهم الذين كفروا وتشبيههم: ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ ﴾ [البقرة: 171]؛ أي: كمثل الراعي الذي ينعق بغنمه الذي لا يسمع ﴿ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ [البقرة: 171]، دون فهم أو إدراك أو تمييز، وكأنهم بلا عقول تمامًا كهؤلاء الأنعام. ثم يأتي تخصيص المؤمنين بالنداء في الإشارة إلى ما حرَّم عليهم من مطاعم، وتفصيل ذلك في سورة المائدة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 172، 173]. • آية البِرِّ: ويتخلل التشريعات والفرائض تعريفُ البر، في آية تلخِّص حقيقة الإيمان وماهيته، فالإيمان عمل، وامتثال لأوامر الله وقوانينه وفرائضه، والوقوف عند حلاله وحرامه، وليس شعائرَ فحسب؛ عن مجاهد قال: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: ليس البر أن تُصَلُّوا ولا تعملوا، وبهذا تكون هذه الآية مقدمة لِما سيأتي بعدها من تشريعات إلهية. ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]. هذه الآية من أروع الآيات التي تلخِّص حقيقة الإيمان وماهيته، كيف أن الشعائر تبقى حركات وسلوكيات، لا روح فيها ولا معنى، ما لم تحكمها الأسس الإيمانية: ليس البر - وهو جماع الخير - أن يقف الإنسان في الصلاة، ويرتاد المساجد، وفي عقيدته زيغ، وفي إيمانه تردد، وفي أفكاره انحراف. ولـكن البر من: • آمن بالله. • واليوم الآخر. • والملائكة. • والكتاب. • والنبيين. وهذه أركان الإيمان، ثم: • الإنفاق، زكاة وصدقة. • والوفاء بالعهود، ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ [البقرة: 177]. • الصبر، ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ [البقرة: 177]. ومن كانت هذه صفاته وسلوكياته الإيمانية، فهذا هو الصادق المتقي: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]. جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية: "قال الثوري: ﴿ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة: 177] الآية، قال: هذه أنواع البر كلها، وصدق رحمه الله؛ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عُرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله، وهو أنه لا إله إلا هو، وصدَّق بوجود الملائكة الذين هم سَفَرة بين الله ورسله، والكتاب، وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى خُتِمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ الله به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وقوله: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ [البقرة: 177]؛ أي: أخرجه وهو مُحِبٌّ له، راغب فيه، نصَّ على ذلك ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف؛ كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أفضل الصدقة أن تَصَدَّقَ وأنت صحيح شحيح، تأمُل الغِنى، وتخشى الفقر)). ﴿ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ﴾ [البقرة: 177]؛ كقوله: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ [الرعد: 20]، وعكس هذه الصفة النفاق؛ كما صحَّ في الحديث: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان))، وفي الحديث الآخر: ((إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَرَ))، وقوله: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ﴾ [البقرة: 177]؛ أي: في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء، وحين البأس أي: في حال القتال والْتِقَاء الأعداء؛ قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومرة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴾ [البقرة: 177]؛ أي: هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا، ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]؛ لأنهم اتَّقَوا المحارم، وفعلوا الطاعات. وتتوالى التشريعات والفرائض بعد آية البر: القِصاص، والوصية، والصيام، والقتال، والإنفاق، في الجهاد - وسيطالعنا في أواخر السورة الإنفاق مفصلًا بمفهومه العام – ومن ثَمَّ الحج. القصاص في القتلى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 178، 179]؛ قال ابن كثير: "يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم - وهو قتل القاتل - حكمة عظيمة لكم؛ وهي بقاء الْمُهَجِ وصونها؛ لأنه إذا علِمَ القاتل أنه يُقتل، انكفَّ عن صنيعه، فكان في ذلك حياة النفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح، وأبلغ، وأوجز، وقال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يُقتَلَ"؛ [تفسير ابن كثير]. الوصية: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 180]، ثم إن الوصية تأتي في سياق الآيات بعد القصاص، اشتملت هذه الآية الكريمة على الأمر بالوصية للوالدين والأقربين، وقد كان ذلك واجبًا على أصحِّ القولين قبل نزول آية المواريث، فلما نزلت آية الفرائض نسخت هذه، وصارت المواريث المقدَّرة فريضة من الله، يأخذها أهلوها حتمًا من غير وصية، ولا تحمل مِنَّةَ الْمُوصي؛ ولهذا جاء الحديث في السنن وغيرها عن عمرو بن خارجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب وهو يقول: ((إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصية لوارث))؛ [ابن كثير]. الصيام: وتبدأ آيات الصيام بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، والصيام كما جاء في الآية الكريمة كان مفروضًا على أهل الكتاب، على قول بعض المفسرين، وقال آخرون: إن قوله تعالى: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ [البقرة: 183] تشمل كل الناس ممن كانوا من قبلنا في جميع الشرائع. فائدة: يلفتنا في آيات الصيام أمران: الأمر الأول: هو أنها يتخللها آية الدعاء: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]، فالله معنا أينما كنا، وكيفما دعونا، قريب جل في علاه، فوري الاستجابة: إذا سألك عبادي عني - مباشرة تأتي بعدها - فإني قريب، لم يقل له: فقل لهم، بل تولَّى جل وعلا الإجابة بنفسه، رحمة تقشعر لها الأبدان، سبحانك يا ألله! ما أكرمك! وما أرحمك بعبادك! فإن كان هذا حال الله معنا في جميع أحوالنا، فكيف بنا ونحن صائمون؟ الأمر الثاني هو: أنها تُختَم بآية أكل الأموال بالباطل: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 188]، وكأنه يقول لنا: إن الصيام يكون صيامًا عن كل المعاصي، ورأسها أكل أموال الناس بالباطل، ويذكرنا ربط الآيتين بقوله صلى الله عليه وسلم كما ورد في صحيح ابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر))، وجاء في تفسير هذا الحديث على أنه محمول على من صام ولم يُخلِص النية، أو لم يتجنب قول الزور والكذب، والبهتان والغِيبة، ونحوها من المناهي؛ فيحصل له الجوع والعطش، ولا يحصل له الثواب، أو هو الذي يُفطِر على الحرام، ولا يحفظ جوارحه عن الآثام، (ورُبَّ قائم)، أي: متهجِّد بالصلاة في الليل، ليس له من قيامه إلا السهر؛ وذلك لسوء نيته، أو غصب منزل صلاته، وأكل أموال الناس بالباطل. الأهِلَّة: ثم تأتي آية الأهلة؛ لتربط سياق آيات الصيام، المرتبط برؤية الهلال، بآيات القتال في الأشهر الحرم - التي ستأتي لاحقًا – ومن ثَمَّ فريضة الحج، وعِدَّة الطلاق والوفاة في كثير من شؤون الحياة الاجتماعية تنظمها الأهلة، هذا التنظيم لا يمكن أن يحل محله لا تأريخ ميلادي ولا صيني، ولا رومي ولا لاتيني. ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189]. قال العوفي عن ابن عباس: "سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، فنزلت هذه الآية: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾ [البقرة: 189]، يعلمون بها حِلَّ دينهم، وعدة نسائهم، ووقت حَجِّهم، وقال أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: بلغنا أنهم قالوا: يا رسول الله، لِمَ خُلِقت الأهلة؟ فأنزل الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: 189] يقول: جعلها الله مواقيت لصوم المسلمين وإفطارهم، وعدة نسائهم، ومحل دينهم، وكذا رُوِيَ عن عطاء، والضحاك، وقتادة، والسدي، والربيع بن أنس، نحو ذلك، وقال عبدالرزاق، عن عبدالعزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جعل الله الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فعدوا ثلاثين يومًا)). وقوله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ [البقرة: 189]، قال البخاري: حدثنا عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: "كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتَوا البيت من ظهره، فأنزل الله: ﴿ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ [البقرة: 189]". فائدة: أسلوب السؤال في القرآن الكريم: أول سؤال في سورة البقرة كان: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ﴾ [البقرة: 189]؛ ليتبعه التساؤل عن أمور متعددة، يطرحها المؤمنون على الرسول الكريم، ويجيب عليها المشرع جل في علاه بآيات الأحكام: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 215]، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾ [البقرة: 219]، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: 217]، ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾ [البقرة: 222]، وهذا إنما يدل على حِرْصِ المؤمنين على تعلُّم أساسيات دينهم الذي آمنوا به إيمانًا صادقًا، فأرادوا أن تكون حياتهم بتفاصيلها ضمن إطاره. والحمد لله رب العالمين. يتبع... |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (10) وقفات مع قلب السورة -4- تابع معالم في سياق السورة تتمة المعلم العاشر تشريعات وأحكام وفرائض ميسون عبدالرحمن النحلاوي القتال والحج. فرض القتال، ومسألة القتال في المسجد الحرام: القتال في سورة البقرة جاء في عدة مواضع، لا كما هو الحال مع فريضتَي الصيام والحج، كل منهما ذكر في موضعه ولم يكرر. أول موضع نجده في قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 190 - 193]. يقول الشوكاني صاحب فتح القدير: "لا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعًا قبل الهجرة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ﴾ [المائدة: 13]، وقوله: ﴿ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا ﴾ [المزمل: 10]، وقوله: ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 22] وقوله: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [المؤمنون: 96] ونحو ذلك مما نزل بمكة، فلما هاجر إلى المدينة أمره الله سبحانه بالقتال، ونزلت هذه الآية، وقيل: إن أول ما نزل قوله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ﴾ [الحج: 39]، فلما نزلت الآية كان صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه حتى نزل قوله تعالى في سورة براءة: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 5]؛ انتهى الشوكاني. ويقول ابن كثير في قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ﴾: أي: قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا في ذلك، ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي كما قاله الحسن البصري من المثلة، والغلول، وقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس، وعمر بن عبدالعزيز، ومقاتل بن حيان، وغيرهم؛ ولهذا جاء في صحيح مسلم، عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، ولا أصحاب الصوامع"؛ رواه الإمام أحمد. ولما كان الجهاد فيه إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبَّه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله والشرك به والصد عن سبيله أبلغ وأشد وأعظم وأطم من القتل؛ ولهذا قال: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾، قال أبو مالك: أي: ما أنتم مقيمون عليه أكبر من القتل. وقال أبو العالية، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس في قوله: ﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ يقول: "الشرك أشد من القتل"؛ انتهى ابن كثير. مسألة القتال في الأشهر الحرم: قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 191]. اختلف أهل العلم في ذلك، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له، وهذا هو الحق. والكلام للشوكاني. وقالت طائفة: "إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5]، ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن ببناء العام على الخاص، فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إنها لم تحل لأحد قبلي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار" وهو في الصحيح. وقد احتجَّ القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وسلم لابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة، ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحلَّ الله لرسوله صلى الله عليه وسلم"؛ انتهى فتح القدير. ويسوق ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 191]، حديثه صلى الله عليه وسلم الذي ورد في الصحيحين: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شجره، ولا يختلي خلاه. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم". يعني بذلك صلوات الله وسلامه عليه قتاله أهلها يوم فتح مكة، فإنه فتحها عنوة، وقتلت رجال منهم عند الخندمة، وقيل: صلحًا؛ لقوله: من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن"؛ انتهى ابن كثير. الغاية من قتال المؤمنين للمشركين: ويوضح السياق الغاية من قتال المشركين بقوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 193] وفيه الأمر بمقاتلة المشركين لهدف واضح: ﴿ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ والفتنة هنا الكفر والشرك، كما يقول القرطبي في تفسيره: ﴿ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾؛ أي: كفر، فجعل الغاية عدم الكفر، وهذا ظاهر. قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي وغيرهم: الفتنة هناك الشرك وما تابعه من أذى المؤمنين. ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"، فدلَّت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر". والله أعلم. ويرى الشوكاني: "هي ألَّا تكون فتنة، وأن يكون الدين لله، وهو الدخول في الإسلام، والخروج عن سائر الأديان المخالفة له، فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله، قيل: المراد بالفتنة هنا الشرك، والظاهر أنها الفتنة في الدين على عمومها كما سلف. الانفاق في الجهاد: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195] في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، وهو الجهاد. الموضع الثاني نجده في الآيتين 216 – 217 قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 216، 217]. وهذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين، كما يقول ابن كثير، أن يكفوا شر الأعداء عن حوزة الإسلام. وقال الزهري: الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد، فالقاعد عليه إذا استُعين أن يعين، وإذا استُغيث أن يغيث، وإذا استُنفر أن ينفر، وإن لم يُحتَج إليه قعد. قلت: ولهذا ثبت في الصحيح "من مات ولم يغزُ، ولم يحدث نفسه بغزو مات ميتة جاهلية"، وقال عليه السلام يوم الفتح: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، إذا استنفرتم فانفروا". ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216] وهذا عام في الأمور كلها، قد يحب المرء شيئًا، وليس له فيه خير ولا مصلحة. ومن ذلك القعود عن القتال، قد يعقبه استيلاء العدو على البلاد والحكم"؛ تفسيرابن كثير. غاية الكفَّار من قتال المسلمين: "الردَّة": ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217]. والآية هنا لها سبب نزول، وفيه روايتان: فعن ابن مسعود "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبدالله بن جحش الأسدي، وفيهم عمار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان السلمي حليف لبني نوفل وسهيل بن بيضاء، وعامر بن فهيرة، وواقد بن عبدالله اليربوعي، حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن جحش كتابًا، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن ملل، فلما نزل بطن ملل فتح الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: من كان يريد الموت فليمض وليوص، فإنني موصٍ وماضٍ لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار، فتخلَّف عنه سعد بن أبي وقاص، وعتبة، وأضلا راحلة لهما فأتيا بحران يطلبانها، وسار ابن جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، وعبدالله بن المغيرة. وانفلت ابن المغيرة، فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة وقتل عمرو، قتله واقد بن عبدالله، فكانت أول غنيمة غنمها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون، وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحلَّ الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى وقيل: في أول رجب، وآخر ليلة من جمادى، وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب. فأنزل الله يعير أهل مكة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 217]، لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عنه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا صلى الله عليه وسلم أكبر من القتل عند الله. الرواية الثانية عن ابن عباس: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 217]، وذلك أن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردوه عن المسجد الحرام في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حرام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم القتال في شهر حرام، فقال الله: ﴿ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ﴾ [البقرة: 217]. وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم بعث سرية فلقوا عمرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى، وأول ليلة من رجب. وأن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم، وأخذوا ما كان معه. وأن المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك. فقال الله: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ وغير ذلك أكبر منه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ [البقرة: 217] إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصاب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والشرك أشد منه. فإذن غاية المشركين من قتال المؤمنين هي ردّهم عن دينهم: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ [البقرة: 217]. ومصير المرتد: ﴿ وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 217]. ومقابل من يرتد يقف من استجاب لله ورسوله فآمن وهاجر وجاهد ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 218]. الموضع الثالث نجده في مقدمة قصة قتال بني إسرائيل، طالوت وجالوت، وبعد قصة الألوف الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 243 - 245]. وسنبسطها في موضعها إن شاء الله. نتابع مع الفرائض والأحكام: الحج وأحكامه: الفريضة الثالثة في سياق الفرائض في السورة: ويأتي سياق السورة بعد فرض القتال، وهو الجهاد في سبيل الله، على فرض الحج. والحج نوع من أنواع الجهاد، كما ورد في الحديث الشريف: روى البخاري عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَرَى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: "لا، ولَكنَّ أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ". تمام الحج والعمرة والإحصار: يقول تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 196]. أول ما يلفتنا في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ... ﴾ إخلاص النية لله تعالى في الحج والعمرة لله وحده، أن نخرج للحج وليس في سريرتنا إلا الله ورضاه، وأداء فريضته، وتعظيم شعائره، أنقياء من كل رياء ومباهاة، وعجب وصيت وسمعه.. وما أكثر من يقع بهذا في زماننا! ألا لله الدين الخالص، اللهم أخلص نياتنا، وقنا من كل رياء وسمعة وعجب اللهم آمين. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ﴾ يقول: من أحرم بالحج أو بالعمرة فليس له أن يحل حتى يتمَّهما، تمام الحج يوم النحر، إذا رمى جمرة العقبة، وطاف بالبيت، وبالصفا، والمروة، فقد حل. وقال قتادة، عن زرارة، عن ابن عباس أنه قال: الحج عرفة، والعمرة الطواف"؛ انتهى. ويقول السعدي في تفسيره: "يستدل بقوله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ ﴾ على أمور: أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما. الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: "خذوا عني مناسككم". الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة. الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلًا. الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما. السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى. السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر. الحصر أو الإحصار: قال تعالى: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾؛ أي: منعتم من الوصول إلى البيت لتكميلهما، الحج والعمرة، بمرض، أو ضلالة، أو عدو، ونحو ذلك من أنواع الحصر، الذي هو المنع ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾؛ أي: فاذبحوا ما استيسر من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل من إحرامه بسبب الحصر كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما صدَّهم المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد الهَدْي، فليصم بدله عشرة أيام كما في المتمتع ثم يحل. ثم قال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ [البقرة: 196]، وهذا من محظورات الإحرام، إزالة الشعر، بحلق أو غيره؛ لأن المعنى واحد من الرأس، أو من البدن؛ لأن المقصود من ذلك، حصول الشعث والمنع من الترفه بإزالته، وهو موجود في بقية الشعر. وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظفار بجامع الترفه، ويستمر المنع مما ذكر، حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم النحر، والأفضل أن يكون الحلق بعد النحر، كما تدل عليه الآية. يتبع |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
هدي المتمتع والمقرن: ثم قال تعالى: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾ [البقرة: 196]؛ أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره، ﴿ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 196] بأن توصل بها إليه، وانتفع بتمتعه بعد الفراغ منها ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾ [البقرة: 196]؛ أي: فعليه ما تيسَّر من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل الشروع في الحج، ومثلها القِران لحصول النسكين له. ويدل مفهوم الآية على أن المفرد للحج، ليس عليه هدي، ودلت الآية على جوازه، بل فضيلة المتعة وعلى جواز فعلها في أشهر الحج. حكم من لم يجد الهدي: "﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ﴾ [البقرة: 196]؛ أي: الهدي أو ثمنه ﴿ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ﴾ [البقرة: 196] أول جوازها من حين الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت بـ "منى" ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع، والثامن، والتاسع، ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 196]؛ أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى أهله. ﴿ ذَلِكَ ﴾ المذكور من وجوب الهدي على المتمتع ﴿ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [البقرة: 196] بأن كان عند مسافة قصر فأكثر، أو بعيدًا عنه عرفات، فهذا الذي يجب عليه الهدي؛ لحصول النسكين له في سفر واحد، وأما من كان أهله من حاضري المسجد الحرام، فليس عليه هدي؛ لعدم الموجب لذلك. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 196]؛ أي: في جميع أموركم، بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومن ذلك امتثالكم لهذه المأمورات، واجتناب هذه المحظورات المذكورة في هذه الآية، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 196]؛ أي: لمن عصاه، وهذا هو الموجب للتقوى، فإن من خاف عقاب الله، انكفَّ عما يوجب العقاب، كما أن من رجا ثواب الله عمل لما يوصله إلى الثواب، وأما من لم يخف العقاب، ولم يرج الثواب، اقتحم المحارم، وتجرأ على ترك الواجبات"؛ تفسير السعدي. وقت الحج: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ * لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 197 - 199]. ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ عن ابن عباس، أنه قال: لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في شهور الحج، من أجل قول الله: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾، وهذه الأشهر هي شوال وذو القعدة وذو الحجة. جاء في تفسير ابن كثير: "قال ابن أبي حاتم في تفسيره: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني ابن جريج، قال: قلت لنافع: أسمعت عبدالله بن عمر يسمي شهور الحج؟ قال: نعم، كان عبدالله يسمي: شوال وذو القعدة وذو الحجة. قال ابن جرير: إنما أراد من ذهب إلى أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة أن هذه الأشهر ليست أشهر العمرة، إنما هي للحج، وإن كان عمل الحج قد انقضى بانقضاء أيام منى، كما قال محمد بن سيرين: ما أحد من أهل العلم يشك في أن عمرة في غير أشهر الحج أفضل من عمرة في أشهر الحج. وقال ابن عون: سألت القاسم بن محمد عن العمرة في أشهر الحج، فقال: كانوا لا يرونها تامة. قلت: وقد ثبت عن عمر وعثمان، رضي الله عنهما، أنهما كانا يحبان الاعتمار في غير أشهر الحج، وينهيان عن ذلك في أشهر الحج، والله أعلم. آداب الحج: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾. ﴿ فَلَا رَفَثَ ﴾، الرَّفَث: الجِماع، وما دونه من قول الفحش، قاله عطاء بن أبي رباح. ﴿ وَلَا فُسُوقَ ﴾: عن ابن عباس: هي المعاصي. ﴿ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾: عن مجاهد: لا شهر ينسأ، ولا جدال في الحج، قد تبين. وقال الثوري، عن مجاهد في قوله: ﴿ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾: قال: قد استقام الحج، فلا جدال فيه. وكذا قال السدي. وقال هشيم: أخبرنا حجاج، عن عطاء، عن ابن عباس: ﴿ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾: قال: المراء في الحج. عن عبدالله هو ابن مسعود ﴿ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾: قال: أن تماري صاحبك حتى تغضبه. وعن ابن عباس قال الجدال: المراء والملاحاة، حتى تغضب أخاك وصاحبك، فنهى الله عن ذلك. زاد التقوى ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: كان أناس يخرجون من أهليهم ليست معهم أزودة، يقولون: نحج بيت الله ولا يطعمنا، فقال الله: تزودوا ما يكف وجوهكم عن الناس. قال عطاء الخراساني: ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ﴾ يعني: زاد الآخرة. الاستفادة الدنيوية من موسم الحج: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 198]. عن ابن عباس، قال: كانت عكاظ ومجنة، وذو المجاز أسواق الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 198] في مواسم الحج. وعنه قال في هذه الآية: لا حرج عليكم في الشراء والبيع قبل الإحرام وبعده. الإفاضة من عرفات: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198]. والحج هو الوقوف بعرفة، فمن لم يقف بعرفة فلا حج له ولو أدى كل الشعائر الأخرى. عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحج عرفات - ثلاثًا - فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر، فقد أدرك. وأيام منى ثلاثة، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه". والمشعر الحرام هو مزدلفة، قال عمرو بن ميمون: سألت عبدالله بن عمرو عن المشعر الحرام، فسكت حتى إذا هبطت أيدي رواحلنا بالمزدلفة قال: أين السائل عن المشعر الحرام؟ هذا المشعر الحرام. وقال البخاري: حدثنا علي بن عبدالله، حدثنا محمد بن حازم، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة، وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثم يقف بها ثم يفيض منها. الإفاضة من مزدلفة مشفوعة بالاستغفار: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [البقرة: 199]. روى البخاري من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس ما يقتضي أن المراد بالإفاضة ها هنا هي الإفاضة من المزدلفة إلى مِنى لرمي الجمار. فالله أعلم. وقوله: ﴿ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ كثيرًا ما يأمر الله بذكره بعد قضاء العبادات؛ ولهذا ثبت في صحيح مسلم "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة يستغفر ثلاثًا". وفي الصحيحين "أنه ندب إلى التسبيح والتحميد والتكبير، ثلاثًا وثلاثين، ثلاثًا وثلاثين"؛ ابن كثير. ذكر الله والدعاء بعد قضاء المناسك: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [البقرة: 200 - 202]. "قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾. ثم إنه تعالى أرشد إلى دعائه بعد كثرة ذكره، فإنه مظنة الإجابة، وذم من لا يسأله إلا في أمر دنياه، وهو معرض عن أُخْراه، فقال: ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾؛ أي: من نصيبٍ ولا حَظٍّ. وتضمن هذا الذم التنفير عن التشبه بمن هو كذلك. قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف، فيقولون: اللهم اجعله عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن. لا يذكرون من أمر الآخرة شيئًا، فأنزل الله فيهم ﴿ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾، وكان يجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾، فأنزل الله: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ ولهذا مدح من يسأله للدنيا والأخرى. وقال القاسم بن عبدالرحمن: من أعطي قلبًا شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، وجسدًا صابرًا، فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار؛ ولهذا وردت السنة بالترغيب في هذا الدعاء، فقال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبدالعزيز، عن أنس بن مالك قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم ربنا، آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس قال: كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم ربنا، آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". والحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة"؛ تفسير ابن كثير. الأيام المعدودات: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203]. قال ابن عباس: "الأيام المعدودات" أيام التشريق، و"الأيام المعلومات" أيام العشر. وقال عكرمة: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ يعني: التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات: الله أكبر، الله أكبر. روى مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله". وفي حديث جبير بن مطعم: "عرفة كلها موقف، وأيام التشريق كلها ذبح". وتقدم أيضًا حديث عبدالرحمن بن يعمر الديلي "وأيام مِنى ثلاثة، فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخَّر فلا إثم عليه". وقال الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن علي، عن أبيه، قال: سمعت عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب". وقال مقسم عن ابن عباس: "الأيام المعدودات: أيام التشريق، أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده، وروي عن ابن عمر، وابن الزبير، وأبي موسى، وعطاء، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير مثله"؛ انتهى ابن كثير. التعجُّل والتأخُّر: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203]. ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾؛ أي: خرج من "مِنى" ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني ﴿ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ ﴾ بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد ﴿ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾، وهذا تخفيف من الله تعالى على عباده، في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين، فالمتأخِّر أفضل؛ لأنه أكثر عبادة، ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره، والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾؛ أي: اتقى الله في جميع أموره، وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء، حصل له نفي الحرج في كل شيء،﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه وجد جزاء التقوى عنده، ومن لم يتقه عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله؛ فلهذا حَثَّ تعالى على العلم بذلك"؛ تفسير السعدي. فائدة. اللافت في سياق التشريعات والأحكام والفرائض أننا نجد أنها بمجملها مشدودةبعضها إلى بعض برباط "التقوى". ففي التعقيب على القصاص ترد إشارة إلى التقوى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 179]. وفي التعقيب على الوصية ترد الإشارة إلى التقوى كذلك: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 180]. وفي التعقيب على الصيام ترد الإشارة إلى التقوى أيضًا: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]. ثم ترد نفس الإشارة بعد الحديث عن الاعتكاف في المساجد في نهاية الحديث عن أحكام الصوم: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 187]. في آية الأهلة ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [البقرة: 189]. في آيات القتال: ﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194]. في الحج: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ...وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 196] ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]؛ ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [البقرة: 203]. والحمد لله رب العالمين. يتبع. |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (11) وقفات مع قلب السورة -5- تابع معالم في سياق السورة ميسون عبدالرحمن النحلاوي المعلم الحادي عشر: نموذج المنافق والمؤمن: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ * وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [البقرة: 204 - 207]. أولًا: نموذج المنافق: نموذج المنافق الذي يعرضه سياق السورة يطال كل منافق اتصف بالصفات التي وصفه بها الله جل في علاه، وإن كان سبب نزول الآيات في الأخنس بن شريق الثقفي حسب ما ورد في كتب التفسير. صفات هذا النموذج كما وصفه الله جل في علاه: 1- ظاهره لا يتوافق مع باطنه، يظهر الخير ويبطن الشر: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ [البقرة: 204]. قال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وعن ابن عباس: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خبيب وأصحابه الذين قتلوا بالرجيع وعابوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خبيب وأصحابه: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 207]. وقيل: بل ذلك عام في المنافقين كلهم وفي المؤمنين كلهم. وهذا قول قتادة، ومجاهد، والربيع بن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح"؛ ابن كثير. وقال البغوي في تفسيره: " قال الكلبي ومقاتل وعطاء: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة، واسمه أبي وسمي الأخنس؛ لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رجلًا حلو الكلام حلو المنظر، وكان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجالسه ويظهر الإسلام ويقول: إني لأحبك، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقًا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدني مجلسه، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ [البقرة: 204]؛ أي: تستحسنه ويعظم في قلبك، ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ ﴾ [البقرة: 204]؛ يعني: قول المنافق، والله إني بك مؤمن، ولك محب، ﴿ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ [البقرة: 204]. 2- من صفاته أنه ألد الخصام: ﴿ وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾ [البقرة: 204]، قال الحسن: ﴿ أَلَدُّ الْخِصَامِ ﴾؛ أي: كاذب القول، قال قتادة: شديد القسوة في المعصية، جدل بالباطل، يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة. روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدُّ الخصم"؛ "تفسير البغوي". 3- همته الإفساد في الأرض: ﴿ وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴾ [البقرة: 205]؛ أي: هو أعوج المقال، سيئ الفعال، فذلك قوله، وهذا فعله: كلامه كذب، واعتقاده فاسد، وأفعاله قبيحة. وهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو: محل نماء الزروع والثمار والنسل، وهو: نتاج الحيوانات الذين لا قوام للناس إلا بهما؛ ابن كثير. 4- الكبر صفة ملازمة للمنافق، لا يعترف بخطأ، بل يرى أنه فوق كل خطيئة: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [البقرة: 206]؛ أي: إذا وعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق؛ امتنع وأبى، وأخذته الحمية والغضب بالإثم؛ أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام"؛ ابن كثير. قال عبدالله بن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد: اتقِ الله، فيقول: عليك نفسَك. ثانيًا: نموذج المؤمن: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴾ [البقرة: 207]. ورد في التفاسير أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه، لكنَّ الأكثرين حملوا ذلك على كل مجاهد في سبيل الله، فهو إذن نموذج عام، يطال كل مؤمن باع نفسه لله، فكانت حياته كلها جهادًا في سبيله. قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صهيب بن سنان الرومي، وذلك أنه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإن أحب أن يتجرد منه ويهاجر، فعل. فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقَّاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرة. فقالوا: "ربح البيع"، فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أن الله أنزل فيه هذه الآية. ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "ربح البيع صهيب، ربح البيع صهيب". وأما الأكثرون فحملوا ذلك على أنها نزلت في كل مجاهد في سبيل الله؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 111]؛ تفسير ابن كثير. المعلم الثاني عشر: الإسلام هو دين البشرية بكافة تشريعاته: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: 208 - 210]. نزلت هذه الآية -كما أخرج ابن جرير عن عكرمة- "في نفر ممن أسلم من اليهود وغيرهم؛ كعبدالله بن سلام، وثعلبة وأسد بن عبيد، وطائفة، استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يسبتوا، وأن يقوموا بالتوراة ليلًا، فأمرهم الله بإقامة شعائر الإسلام والاشتغال بها عما عداها". وفي ذكر عبدالله بن سلام مع هؤلاء نظر؛ إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت، وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه، والتعويض عنه بأعياد الإسلام. وعن ابن عباس: "﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ [البقرة: 208]، يعني: مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمر التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾، يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد صلى الله عليه وسلم ولا تدعوا منها شيئًا، وحسبكم بالإيمان بالتوراة وما فيها. ﴿ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ [البقرة: 209]؛ أي: عدلتم عن الحق، وتنحيتم عن طريق الاستقامة، وزدتم وحذفتم من شرع الله، وحكمتم بالهوى من بعد ما جاءتكم شريعة الله واضحة بينة، وقامت عليكم الحجة، فاعلموا أن الله عزيز في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه؛ ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته، حكيم في أمره. وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء، الحكيم في عذره وحجته إلى عباده"؛ ابن كثير. ويقول الشوكاني في تفسير هذه الآية: "لما ذكر الله سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف: مؤمنين، وكافرين، ومنافقين، أمرهم بعد ذلك بالكون على ملة واحدة. وإنما أطلق على الثلاث الطوائف لفظ الإيمان؛ لأن أهل الكتاب يؤمنون بنبيهم وكتابهم، والمنافق مؤمن بلسانه وإن كان غير مؤمن بقلبه. والسَّلَم بفتح السين وكسرها، قال الكسائي: ومعناهما واحد، وكذا عند البصريين، وهما جميعًا يقعان للإسلام والمسالمة. وقد حكى البصريون في سِلْم وسَلْم وسَلَم أنها بمعنًى واحد، وكافةً حال من السلم أو من ضمير المؤمنين، فمعناه على الأول: لا يخرج منكم أحد، وعلى الثاني: لا يخرج من أنواع السلم شيء؛ بل ادخلوا فيها جميعًا: أي في خصال الإسلام، وهو مشتق من قولهم كففت: أي منعت؛ أي: لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام، والكفُّ: المنع، والمراد به هنا الجميع، ﴿ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ﴾ [البقرة: 208]؛ أي: جميعًا. وقوله: ﴿ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ [البقرة: 208]؛ أي: لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليه الشيطان"؛ انتهى الشوكاني. وهل ينتظر هؤلاء المتبعون لخطوات الشيطان المائلون عن صراط الحق، إلا أن تقع بهم أهوال يوم القيامة؟ يوم ﴿ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ﴾ [البقرة: 210]؟! اللهم أجرنا من أهوال ذلك اليوم واحشرنا مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقًا. ولا شك أن الإحالة إلى بني إسرائيل بعد آية الدخول في السلم كافة لها دلالاتها. يقول تعالى: ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [البقرة: 211، 212]. فبعد أن أمر الله الناس أن يدخلوا في الإسلام بكل شرائعه وقوانينه، وأنذرهم يوم تقوم الساعة وهم غافلون حين يأتي الله في ظلل من الغمام والملائكة، توجه بالخطاب إلى نبيه أن يسأل بني إسرائيل عمَّا كان من أمرهم مع ربهم عندما بدَّلوا إيمانهم كفرًا. فبالرغم من كل الآيات التي أنزلت إليهم، على عظمها وإعجازها، إلا أنها لم تُجْدِ معهم نفعًا، قلوب صماء والعياذ بالله، أبت إلا أن تُغيِّر نعمة الله التي أنعم بها عليهم - شريعة الله – بالكفر، فكان عقاب الله متربصًا بهم، وهذا حال من يفعل فعلهم. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم قد شاهدوا مع موسى ﴿ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ﴾ [البقرة: 211]؛ أي: حجة قاطعة على صدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المَنِّ والسلوى وغير ذلك من الآيات الدالَّات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدَّلوا نعمة الله كفرًا؛ أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها، والإعراض عنها، ﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 211]؛ انتهى. ويقول القرطبي في قوله تعالى: "﴿ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: 211] أنه لفظ عام لجميع العامة، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل، لكونهم بدلوا ما في كتبهم، وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فالجحود منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى. وقال الطبري: النعمة هنا الإسلام، وهذا قريب من الأول. ويدخل في اللفظ أيضًا كفار قريش، فإن بَعْثَ محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرًا"؛ انتهى. والله أعلم. وسبب كل كفر، وكل حياد عن شرع الله الركون إلى الحياة الدنيا وزينتها، وتفضيل الزائل على الدائم. ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [البقرة: 212]. والذين كفروا بنعمة الله التي أنزلت عليهم يتمادون في كفرهم؛ لأنهم يرفلون بنعيم الدنيا ولا يدرون أنها "زينت لهم"، ويتمادون في سخريتهم من المؤمنين واستضعافهم والاستخفاف بهم، وما دروا أن ميزان الأرض يختلف عن ميزان السماء، فينظرون بمقياس الأرض، مقياس المادة، ويغفلون عن الآخرة، الغيب الذي كلمنا الله عز وجل عنه، بجنتها ونارها. أما المؤمنون فيؤمنون بغيب الله وما ادَّخَره لعباده في الآخرة دار الخلد، فيقيسون بمقياس السماء، وهم بهذا حازوا الدرجات العلا في الآخرة ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [البقرة: 212]. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها واطمأنوا إليها، وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها مما يرضي الله عنهم، وسخروا من الذين آمنوا الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوا ابتغاء وجه الله؛ فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم، ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل السافلين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [البقرة: 212]؛ أي: يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاءً كثيرًا جزيلًا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة"؛ انتهى ابن كثير. اللهم ارزقنا إيمانًا يدخلنا الجنة دون حساب ولا عذاب. المعلم الثالث عشر: اجتماع البشرية على دين التوحيد من لدن آدم عليه السلام، قبل تفرقهم في أودية الضلال، وبعث الله النبيين لهم مبشرين ومنذرين: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213]. وفي هذه الآية تذكير بأن هذه الرسالة إنما هي حلقة في مسيرة الرسالات والأنبياء الذين بعثهم الله للبشرية هداة مبشرين ومنذرين بعد أن وقع الاختلاف في بني آدم، وتوضح الآية سبب هذا الاختلاف ﴿ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ﴾ [البقرة: 213]. وقد سبق بسط المسألة في السمات المميزة لسورة البقرة، تحت عنوان: "تقعيد مسألة دين التوحيد على أنه هو الدين الذي تأسست عليه البشرية قبل الاختلاف". المعلم الرابع عشر: أحكام وشرائع في تنظيم المجتمع المسلم: كان المسلمون حريصين على تنظيم حياتهم وفقًا لما يحكم به شرع الله الذي جاءهم به نبي الرحمة، فكانوا يسألونه عن كل ما يعرض لهم من أمور يجدون في أنفسهم منها شيئًا، فالخمر والميسر على سبيل المثال كانا شائعين في مجتمع الجاهلية الذي أتوا منه، لكنهم كانوا بفطرتهم يعلمون أنهما أمران خبيثان، وبعد أن أشرق في قلوبهم نور الإسلام شرعوا بالتحري عن حكم قطعي لما يريبهم، كما كان من أمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه في سؤاله عن حكم الخمر. وقد بينا سابقًا عند وقوفنا عند آية الأهِلَّة ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ﴾ [البقرة: 189] وعن القتال في الشهر الحرام ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾ [البقرة: 217]، بينا مدلولات هذا الأسلوب الحواري في القرآن الكريم، ولا بأس من إعادة إدراجه هنا: من أقوى مدلولات هذا الأسلوب الحواري في القرآن الكريم: 1- الحس الفطري الإيماني المتيقظ لدى المؤمنين الذين يستشعرون من خلاله الأمور القلقة التي كانوا عليها في الجاهلية، ويريدون التثبت من حلها أو حرمتها، يريدون التيقُّن من ضوابط حياتهم بكل محاورها من منظور أوامرالله ونواهيه:﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾[البقرة: 215]،﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ﴾[البقرة: 219]،﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ﴾[البقرة: 217]،﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ﴾[البقرة: 222]. 2- أن العلاقة بين المؤمن والتشريع ليست علاقة إلغاء للعقل في الأمور التي تتناول أمور حياته، بل هي علاقة تفاعل... طبعًا هنا لا نتكلم عن الأمور الغيبية التي لا تخضع للسؤال والجواب، ومنها الروح، على سبيل المثال، التي قال فيها تعالى:﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]. 1- الحكم الأولي في الخمر والميسر: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 219]. هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر، ولم تكن مصرحة بل معرضة؛ ولهذا قال عمر رضي الله عنه، لما قرئت عليه: "اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا". يقول ابن كثير في تفسيره: "قال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر أنه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا ﴾، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في النساء: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ [النساء: 43، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: ألا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت آيتا المائدة: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [المائدة: 91]، فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ قال عمر: انتهينا، انتهينا"؛ ابن كثير. 2- الحكم في نفقة التطوع: كان السؤال الأول في نفقة التطوع، في وجوهها: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 215]. "قال مقاتل بن حيان: هذه الآية في نفقة التطوع. وقال السدي: نسختها الزكاة"؛ ابن كثير. "قال السدي: نزلت هذه الآية قبل فرض الزكاة ثم نسختها الزكاة المفروضة. وقال ابن جريج وغيره: "هي ندب، والزكاة غير هذا الإنفاق، فعلى هذا لا نسخ فيها، وهي مبينة لمصارف صدقة التطوع، فواجب على الرجل الغني أن ينفق على أبوَيْه المحتاجين ما يصلحهما في قدر حالهما من حاله، من طعام وكسوة وغير ذلك. قال مالك: ليس عليه أن يزوِّج أباه، وعليه أن ينفق على امرأة أبيه"؛ القرطبي. أما السؤال الثاني فكان في مقدارها: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 219]. جاء في تفسير ابن كثير: "حدثنا يحيى أنه بلغه: أن معاذ بن جبل وثعلبة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله، إن لنا أرقاء وأهلين، فما ننفق من أموالنا، فأنزل الله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 219]. وقال الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ [البقرة: 219] قال: ما يفضل عن أهلك. وكذا روي عن ابن عمر، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب، والحسن، وقتادة، وغير واحد: أنهم قالوا في قوله: ﴿ قُلِ الْعَفْوَ ﴾ يعني الفضل. وقد رواه مسلم في صحيحه، وأخرج مسلم أيضًا عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل: ابدأ بنفسك فتصَدَّق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل شيء عن أهلك فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا"، ثم قد قيل: إنها منسوخة بآية الزكاة، كما رواه علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس، وقاله عطاء الخراساني والسدي، وقيل: مبينة بآية الزكاة، قاله مجاهد وغيره، وهو أوجه"؛ ابن كثير. ويقول القرطبي في قوله تعالى: "﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ [البقرة: 219] في أمر الدنيا والآخرة، قال المفضل بن سلمة: أي في أمر النفقة ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 219] في الدنيا والآخرة، فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: كذلك يبين الله لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها وفنائها فتزهدون فيها، وفي إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها"؛ انتهى القرطبي. 3- في اليتامى: حكم مخالطة أموال اليتيم: ثم يأتي السؤال عن اليتامى مباشرة بعد السؤال عن الخمر والميسر والإنفاق، والسياق متصل من حيث الموضوع؛ لأنه اقترن بذكر الأموال، والأمر هنا بحفظ أموال اليتامى. وقيل: إن السائل عبدالله بن رواحة. وقيل: كانت العرب تتشاءم بملابسة أموال اليتامى في مؤاكلتهم، فنزلت هذه الآية. ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة:219- 220]. قال ابن عباس قال: لما نزلت في سورة الإسراء: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [الأنعام: 152]، وفي سورة النساء: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: 10]، انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ [البقرة: 220]، فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم"؛ ابن كثير. 4- حكم نكاح المشركين والمشركات: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 221]. • يقول ابن كثير: "هذا تحريم من الله عز وجل على المؤمنين أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومها مرادًا، وأنه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ ﴾ [المائدة: 5]. • "واختلف العلماء في تأويل هذه الآية، فقالت طائفة: حرم الله نكاح المشركات في سورة "البقرة" ثم نسخ من هذه الجملة نساء أهل الكتاب، فأحلهن في سورة "المائدة"، وروي هذا القول عن ابن عباس، وبه قال مالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري، وعبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي. وقال قتادة وسعيد بن جبير: لفظ الآية العموم في كل كافرة، والمراد بها الخصوص في الكتابيات، وبينت الخصوص آية "المائدة" ولم يتناول العموم قط الكتابيات. وهذا أحد قولي الشافعي، وعلى القول الأول يتناولهن العموم، ثم نسخت آية "المائدة" بعض العموم، وهذا مذهب مالك رحمه الله، ذكره ابن حبيب، وقال: ونكاح اليهودية والنصرانية وإن كان قد أحَلَّه الله تعالى مستثقل مذموم. وقال إسحاق بن إبراهيم الحربي: ذهب قوم فجعلوا الآية التي في "البقرة" هي الناسخة، والتي في "المائدة" هي المنسوخة، فحرموا نكاح كل مشركة كتابية أو غير كتابية، قال النحاس: ومن الحجة لقائل هذا مما صح سنده ما حدثناه محمد بن ريان، قال: حدثنا محمد بن رمح، قال: حدثنا الليث عن نافع أن عبدالله بن عمر كان إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانية أو اليهودية قال: حرم الله المشركات على المؤمنين، ولا أعرف شيئًا من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى، أو عبد من عباد الله!"؛ تفسير القرطبي. • "وقال بعض العلماء: وأما الآيتان فلا تعارض بينهما، فإن ظاهر لفظ الشرك لا يتناول أهل الكتاب؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 105]، وقال: ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ ﴾ [البينة: 1]، ففرق بينهم في اللفظ، وظاهر العطف يقتضي مغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه، وأيضًا فاسم الشرك عموم وليس بنص، وقوله تعالى: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ﴾ [المائدة: 5] بعد قوله: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [المائدة: 5] نص، فلا تعارض بين المحتمل وبين ما لا يحتمل"؛ القرطبي. هذا والله أعلم. إلا أن الناظر في أحوال الماضي والحاضر، يجد أن الزواج ممن يصنفون كتابيات كانت نتائجه غير محمودة، بل يمكن تصنيفها بأنها مدمرة، سواء على مستوى الحكم في عصور الإسلام، أو على مستوى المجتمع، أو على مستوى الأسرة في عصرنا الحالي، وليست قصص تفكُّك الأسرة وتشرُّد الأولاد وانقسامهم في الديانة بين الأم والأب بقليلة. والله المستعان. 5- أحكام المحيض: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]. قال الإمام أحمد: حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبيِّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ ﴾ [البقرة: 222] حتى فرغ من الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح"، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه! فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود قالت كذا وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغيَّر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما، فخرجا، فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما؛ رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة. قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأغسل رأسه وأنا حائض، وكان يتكئ في حجري وأنا حائض، فيقرأ القرآن. وفي الصحيح عنها قالت: كنت أتعرَّق العَرق وأنا حائض، فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فمه في الموضع الذي وضعت فمي فيه، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب. وقال أبو داود: حدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن جابر بن صبح، سمعت خلاسًا الهجري قال: سمعت عائشة تقول: كنت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم نبيت في الشعار الواحد، وإني حائض طامث، فإن أصابه مني شيء، غسل مكانه لم يَعْدُه، وإن أصاب- يعني ثوبه- شيء غسل مكانه لم يَعْدُه، وصلى فيه"؛ ابن كثير. ثم تأتي آيات الأيمان بين آيات المحيض وآيات الطلاق والعلاقة بينهما جلية،﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة:224- 225]. • ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ﴾ قال العلماء: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة، قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعلُّلًا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا، قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد والربيع وغيرهم. قال سعيد بن جبير: "هو الرجل يحلف ألا يبرَّ ولا يصل ولا يصلح بين الناس، فيقال له: بر، فيقول: قد حلفت، والمعنى: لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم، وعدة في الامتناع من البر. • ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ اختلف العلماء في اليمين التي هي لغو، فقال ابن عباس: "هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة: لا والله، وبلى والله، دون قصد لليمين"، قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها، وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "أيمان اللغو ما كانت في المراء والهَزْل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب"، وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: نزل قوله تعالى: ﴿ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ﴾ في قول الرجل: لا والله، وبلى والله". وقيل: اللغو ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه، قاله مالك، حكاه ابن القاسم عنه، وقال به جماعة من السلف. قال أبو هريرة: "إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه، فإذا ليس هو، فهو اللغو، وليس فيه كفارة"، ونحوه عن ابن عباس. وحكى ابن عبدالبر قولًا: إن اللغو أيمان المكره. قال ابن العربي: أما اليمين"؛ القرطبي. • ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: هو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب. قال مجاهد وغيره: وهي كقوله: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ﴾ [المائدة: 89]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. نتابع في الحلقة القادمة مع أحكام الطلاق إن شاء الله. |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (12) وقفات مع قلب السورة -6- تابع معالم في سياق السورة أحكام الطلاق ميسون عبدالرحمن النحلاوي أحكام الطلاق: لم تُذكَر أحكام الطلاق في سورة من القرآن الكريم كما ذُكرت في سورة البقرة من حيث الشمول والتفصيل. تبدأ آيات الطلاق مع الآية 226، وتنتهي مع الآية 241، يتخللها أحكام الرَّضاع، وعِدَّة المتوفَّى عنها زوجُها، وصلاة الخوف، في ترابط وتنسيق معجز، سبحان منزل الكتاب! وسنورد بَسْطَ الأحكام من تفسيري القرطبي، وابن كثير. 1- ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 226، 227]. عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ﴾: يحلفون، والتربُّص: النظر والتوقُّف. قال الجمهور: الإيلاء هو أن يحلف ألَّا يَطَأَ أكثر من أربعة أشهر، فإن حلَف على أربعة فما دونها لا يكون مُوليًا، وكانت عندهم يمينًا محضًا، لو وَطِئ في هذه المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأَيْمانِ؛ هذا قول مالك والشافعي، وأحمد وأبي ثور. واحتجَّ مالك والشافعي فقالا: جعل الله للمُولي أربعةَ أشهر، فهي له بكمالها لا اعتراض لزوجته عليه فيها، كما أن الدين المؤجَّل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل. واختلف العلماء في الإيلاء في غير حال الغضب؛ فقال ابن عباس: لا إيلاء إلا بغضب، ورُوِيَ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في المشهور عنه، وقاله الليث والشعبي، والحسن وعطاء، كلهم يقولون: الإيلاء لا يكون إلا على وجه مغاضبة ومشادَّة، وحرجة ومناكدة، ألَّا يجامعها في فَرْجِها إضرارًا بها، وسواء كان في ضمن ذلك إصلاحُ ولدٍ أم لم يكن، فإن لم يكن عن غضب، فليس بإيلاء. ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 227] العزيمة: تتميم العقد على الشيء. قال القاضي ابن العربي: وتحقيق الأمر أن تقدير الآية عندنا: للذين يُؤلون من نسائهم تربُّصُ أربعة أشهر، فإن فاؤوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم، وتقديرها عندهم: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاؤوا فيها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها، يريد مدة التربص فيها، فإن الله سميع عليم. 2- ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228]. ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]؛ قال القرطبي في تفسيره: لما ذكر الله تعالى الإيلاء، وأن الطلاق قد يقع فيه، بيَّن تعالى حكم المرأة بعد التطليق؛ ورد في كتاب أبي داود والنسائي، عن ابن عباس قال في قول الله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]؛ الآية: وذلك أن الرجل كان إذا طلَّق امرأته، فهو أحقُّ بها، وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك وقال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ [البقرة: 229]؛ الآية، والمطلقات لفظ عموم، والمراد به الخصوص في المدخول بهن، وخرجت المطلَّقة قبل البناء بآية الأحزاب: ﴿ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾ [الأحزاب: 49] على ما يأتي، وكذلك الحامل بقوله: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4]، والمقصود من الأقراء: الاستبراء، بخلاف عدة الوفاة التي هي عبادة. ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ [البقرة: 228] فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: من الحيض؛ قاله عكرمة والزهري والنخعي، وقيل: الحمل؛ قاله عمر وابن عباس، وقال مجاهد: الحيض والحمل معًا، وهذا على أن الحامل تحيض، والمعنى المقصود من الآية أنه لما دار أمر العِدَّة على الحيض والأطهار، ولا اطلاع إلا من جهة النساء، جعل القول قولها إذا ادَّعت انقضاء العِدَّة أو عدمها، وجعلهن مؤتمنات على ذلك؛ وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ [البقرة: 228]. ومعنى النهي عن الكتمان: النهي عن الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المطلقة: حِضْتُ، وهي لم تَحِضْ، ذهبت بحقِّه من الارتجاع، وإذا قالت: لم أحِضْ، وهي قد حاضت، ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرَّت به، أو تقصد بكذبها في نفي الحيض ألَّا ترتجع، حتى تنقضي العِدَّة، ويقطع الشرع حقَّه، وكذلك الحامل تكتم الحمل؛ لتقطع حقه من الارتجاع؛ قال قتادة: كانت عادتهن في الجاهلية أن يكتمن الحملَ؛ ليُلحِقْنَ الولد بالزوج الجديد، ففي ذلك نزلت الآية. ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: بمراجعتهن، فالمراجعة على ضربين: مراجعة في العِدَّة على حديث ابن عمر، ومراجعة بعد العِدَّة على حديث معقل، وإذا كان هذا، فيكون في الآية دليلٌ على تخصيص ما شمله العموم في المسميات؛ لأن قوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228] عامٌّ في المطلقات ثلاثًا، وفيما دونها لا خلاف فيه، ثم قوله: ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ ﴾ [البقرة: 228] حكمٌ خاصٌّ فيمن كان طلاقها دون الثلاث، وأجمع العلماء على أن الحُرَّ إذا طلق زوجته الحرة، وكانت مدخولًا بها تطليقةً أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها ما لم تنقُض عِدَّتَها وإن كرهت المرأة، فإن لم يراجعها المطلِّق حتى انقضت عدتها، فهي أحقُّ بنفسها وتصير أجنبية منه، لا تحل له إلا بخطبة ونكاح مُستأنَف بوليٍّ وإشهاد، ليس على سُنَّة المراجعة، وهذا إجماع من العلماء. الرجل مندوب إلى المراجعة، ولكن إذا قصد الإصلاح بإصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، فأما إذا قصد الإضرار، وتطويل العِدَّة، والقطع بها عن الخلاص من رِبْقَةِ النكاح، فمُحرَّم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ [البقرة: 231]، ثم من فَعَلَ ذلك فالرجعة صحيحة، وإن ارتكب النهيَ وظلم نفسه، ولو علمنا نحن ذلك المقصد، طلقنا عليه؛ قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]. ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: لهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجال عليهن، ولهذا قال ابن عباس: إني لأتزيَّن لامرأتي كما تتزيَّن لي، وما أحب أن أستنظف كل حقي الذي لي عليها، فتستوجب حقها الذي لها عليَّ؛ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 228]؛ أي: زينة من غير مأثم، وعنه أيضًا: أي: لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن، وقيل: إن لهن على أزواجهن تَرْكَ مضارتهن، كما كان ذلك عليهن لأزواجهن؛ قاله الطبري، وقال ابن زيد: تتقون الله فيهن، كما عليهن أن يتَّقِينَ الله عز وجل فيكم، والمعنى متقارب، والآية تعُمُّ جميع ذلك من حقوق الزوجية؛ [انتهى القرطبي]. ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228]؛ قال البغوي في تفسيره: ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: 228]؛ قال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال، وقال قتادة: بالجهاد، وقيل: بالعقل، وقيل: بالشهادة، وقيل: بالميراث، وقيل: بالدِّيَة، وقيل: بالطلاق؛ لأن الطلاق بيد الرجال، وقيل: بالرجعة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة؛ [انتهى]. وقال القرطبي: وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه، فلا تصوم إلا بإذنه، ولا تحج إلا معه، وقيل: الدرجة الصَّداق؛ قاله الشعبي، وقيل: جواز الأدب، وعلى الجملة فـ﴿ دَرَجَةٌ ﴾ تقتضي التفضيل، وتشعر بأن حقَّ الزوج عليها أوجب من حقها عليه؛ ولهذا قال عليه السلام: ((ولو أمرت أحدًا بالسجود لغير الله، لَأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها))، وقال ابن عباس: الدرجة إشارة إلى حضِّ الرجال على حسن العشرة، والتوسع للنساء في المال والخُلُق؛ أي إن الأفضل ينبغي أن يتحامل على نفسه؛ قال ابن عطية: وهذا قول حسن بارٌّ؛ [انتهى]. ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ﴾ [البقرة: 228] أي: منيع السلطان لا معترض عليه، ﴿ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228] أي: عالِم مُصيب فيما يفعل. 3- ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]. قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾ [البقرة: 229]؛ قال القرطبي: ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عددٌ، وكانت عندهم العِدَّة معلومة مقدَّرة، وكان هذا في أول الإسلام بُرهة، يطلِّق الرجل امرأته ما شاء من الطلاق، فإذا كادت تحِلُّ من طلاقه، راجعها ما شاء، فقال رجل لامرأته على عهد النبي صلى الله عليه وسلم: لا آويك ولا أدَعك تحِلِّين، قالت: وكيف؟ قال: أُطلِّقك، فإذا دنا مُضِيُّ عِدَّتك، راجعتك، فشَكَت المرأة ذلك إلى عائشة، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ بيانًا لعدد الطلاق الذي للمرء فيه أن يرتجع دون تجديد مهرٍ ووليٍّ، ونسخ ما كانوا عليه. وقال ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وغيرهم: المراد بالآية التعريف بسُنَّة الطلاق؛ أي من طلَّق اثنتين، فلْيَتَّقِ الله في الثالثة، فإما تَرَكَها غير مظلومة شيئًا من حقها، وإما أمسكها مُحسنًا عشرتها، والآية تتضمن هذين المعنيين. ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [البقرة: 229] ابتداء، والخبر أمْثَلُ أو أحسن، ويصح أن يرتفع على خبر ابتداء محذوف؛ أي: فعليكم إمساك بمعروف، أو فالواجب عليكم إمساك بما يُعرَف أنه الحق، ويجوز في غير القرآن: فإمساكًا على المصدر، ومعنى ﴿ بِإِحْسَانٍ ﴾ أي: لا يظلمها شيئًا من حقها، ولا يتعدى في قول، والإمساك: خلاف الإطلاق، والتسريح: إرسال الشيء، ومنه تسريح الشعر، ليخلص البعض من البعض، وسرح الماشية: أرسلها، والتسريح يحتمل لفظه معنيين: أحدهما: تركها حتى تتم العِدَّة من الطلقة الثانية، وتكون أملك لنفسها، وهذا قول السدي والضحاك، والمعنى الآخر أن يطلقها ثالثة فيُسرِّحها؛ هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما. ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]، والآية خطاب للأزواج، وخصَّ بالذكر ما آتى الأزواج نساءهم؛ لأن العُرف بين الناس أن يطلب الرجل عند الشقاق والفساد ما خرج من يده لها صَداقًا وجهازًا، فلذلك خُصَّ بالذكر. ﴿ إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 229]، حرَّم الله تعالى في هذه الآية ألَّا يأخذ إلا بعد الخوف ألَّا يقيما حدود الله، وأكَّد التحريم بالوعيد لمن تعدَّى الحدَّ، والمعنى أن يظن كل واحد منهما بنفسه ألَّا يقيم حق النكاح لصاحبه حسب ما يجب عليه فيه لكراهةٍ يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي، ولا حرج على الزوج أن يأخذ، والخطاب للزوجين. روى البخاريُّ من حديث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس ((أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خُلُقٍ ولا دين، ولكن لا أطيقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترُدِّين عليه حديقته؟ قالت: نعم))، وأخرجه ابن ماجه عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس ((أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: والله ما أعِيبُ على ثابتٍ في دين ولا خُلُق، ولكني أكره الكفر في الإسلام، لا أطيقه بغضًا، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد))، فيُقال: إنها كانت تبغضه أشد البغض، وكان يحبها أشدَّ الحب، ففرَّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما بطريق الخلع، فكان أول خلع في الإسلام. واختلف العلماء في الخلع، هل هو طلاق أو فسخ؟ فرُوِيَ عن عثمان وعلي وابن مسعود وجماعة من التابعين: هو طلاق، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي في أحد قوليه، ومن جعل الخلع طلاقًا، قال: لم يَجُز أن يرتجعها حتى تنكح زوجًا غيره؛ لأنه بالخلع كملت الثلاث، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، والكلام للقرطبي. عدة الْمُخْتَلِعة: عن ابن عمر قال: عِدَّة المختلعة عدة المطلقة، قال أبو داود: والعمل عندنا على هذا، قلت (والكلام للقرطبي): وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وإسحاق، والثوري وأهل الكوفة، قال الترمذي: وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ﴾ [البقرة: 229] لما بيَّن تعالى أحكام النكاح والفراق، قال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 229] التي أمرتُ بامتثالها، كما بيَّن تحريمات الصوم في آية أخرى فقال: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾ [البقرة: 187]، فقسم الحدود قسمين؛ منها حدود الأمر بالامتثال، وحدود النهي بالاجتناب، ثم أخبر تعالى فقال: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]؛ [انتهى، القرطبي]. 4- ﴿ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 230]. فإذا طلق الرجل امرأته طلقةً ثالثةً بعدما أرسل عليها الطلاق مرتين، فإنها تحرُم عليه حتى تنكح زوجًا غيره؛ أي: حتى يَطَأَها زوج آخر في نكاح صحيح، فلو وَطِئها واطِئٌ في غير نكاح، ولو في ملك اليمين لم تحلَّ للأول؛ لأنه ليس بزوج، وهكذا لو تزوجت، ولكن لم يدخل بها الزوج، لم تحل للأول. وقد روى أحمد والنسائي عن ابن عمر قال: ((سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثًا، فيتزوجها آخر، فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها، قبل أن يدخل بها: هل تحل للأول؟ قال: لا حتى يذوق العسيلة))، حديث آخر: قال الإمام أحمد عن أنس بن مالك: ((إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن رجل كانت تحته امرأة، فطلَّقها ثلاثًا، فتزوجت بعده رجلًا فطلَّقها قبل أن يدخل بها: أتحل لزوجها الأول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا حتى يكون الآخر قد ذاق من عسيلتها، وذاقت من عسيلته)). التَّيس المستعار: فأما إذا كان الثاني إنما قصده أن يحلها للأول، فهذا هو المحلِّل الذي وردت الأحاديث بذمِّه ولعنه، ومتى صرح بمقصوده في العقد، بطل النكاح عند جمهور الأئمة؛ قال الإمام أحمد عن عبدالله قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة، والواصلة والمستوصلة، والمحلِّل والمحلَّل له، وآكل الربا ومُوكله))؛ [رواه أحمد، والترمذي، والنسائي من غير وجه، عن سفيان، وهو الثوري، عن أبي قيس واسمه عبدالرحمن بن ثروان الأودي، عن هزيل بن شرحبيل الأودي، عن عبدالله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم به، ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح]. ﴿ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 230]؛ أي: شرائعه وأحكامه ﴿ يُبَيِّنُهَا ﴾ [البقرة: 230]؛ أي: يوضحها، ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 230]؛ [تفسير ابن كثير]. 5- ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231]. يقول ابن كثير: هذا أمرٌ من الله عز وجل للرجال إذا طلَّق أحدهم المرأة طلاقًا له عليها فيه رجعة، أن يُحسن في أمرها إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها، ولم يبقَ منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها؛ أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف؛ وهو أن يُشهِد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرِّحها؛ أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويُخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح. ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾ [البقرة: 231]؛ قال ابن عباس، ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يُطلِّق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العِدَّة راجعها ضرارًا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلِّقها فتعتدُّ، فإذا شارفت على انقضاء العِدَّة، طلَّق لتطول عليها العِدَّة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعَّدهم عليه؛ فقال: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: بمخالفته أمر الله تعالى؛ عن عبادة بن الصامت، في قول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ [البقرة: 231] قال: كان الرجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقول للرجل: زوجتك ابنتي، ثم يقول: كنتُ لاعبًا، ويقول: قد أعتقت، ويقول: كنت لاعبًا، فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾ [البقرة: 231]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من قالهن لاعبًا أو غير لاعب، فهن جائزات عليه: الطلاق، والعتاق، والنكاح)). ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: في إرساله الرسولَ بالهدى والبينات إليكم، ﴿ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: السُّنَّة، ﴿ يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: يأمركم وينهاكم، ويتوعدكم على ارتكاب المحارم، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 231] أي: فيما تأتون وفيما تذرون، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231]؛ أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك. يتبع |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
6- ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 232]. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في الرجل يطلِّق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها، وكذا روى العوفي عنه، وكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري والضحاك: إنها أُنزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية، وفيها دلالة على أن المرأة لا تملك أن تُزوِّج نفسها، وأنه لا بد في تزويجها من وليٍّ. وقد رُوِيَ أن هذه الآية نزلت في معقل بن يسار المزني وأخته؛ فقال البخاري رحمه الله في كتابه الصحيح عند تفسير هذه الآية: حدثنا عبيدالله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا عباد بن راشد، حدثنا الحسن قال: حدثني معقل بن يسار قال: كانت لي أخت تُخطب إليَّ، قال البخاري: وقال إبراهيم، عن يونس، عن الحسن: حدثني معقل بن يسار، وحدثنا أبو معمر، حدثنا عبدالوارث، حدثنا يونس، عن الحسن: أن أخت معقل بن يسار طلَّقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ [البقرة: 232]؛ [ابن كثير]. أحكام الرضاع: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]. يقول ابن كثير: هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات: أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [البقرة: 233]، وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرُم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما، لم يحرم. والقول بأن الرضاعة لا تحرم بعد الحولين مرويٌّ عن علي، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر، وأبي هريرة، وابن عمر، وأم سلمة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والجمهور، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والثوري. ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 233]: وعلى والد الطفل نفقةُ الوالدات وكسوتهن بالمعروف؛ أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن، من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يَسارِهِ وتوسُّطه وإقتاره؛ قال الضحاك: إذا طلق الرجل زوجته وله منها ولد، فأرضعت له ولده، وجب على الوالد نفقتها وكسوتها بالمعروف. ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: لا تدفعه عنها لتضر أباه بتربيته، لكن ليس لها دفعه إذا ولدته، حتى تسقيه اللبن الذي لا يعيش بدون تناوله غالبًا، ثم بعد هذا، لها رفعه عنها إذا شاءت، ولكن إن كانت مضارة لأبيه، فلا يحل لها ذلك، كما لا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: بأن يريد أن ينتزع الولد منها إضرارًا بها؛ قاله مجاهد، وقتادة، والضحاك، والزهري، والسدي، والثوري، وابن زيد، وغيرهم، هذا قول ابن كثير. ويقول الشوكاني في تفسير هذه الآية: وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في المشهور عنه: "تُضارَّ" بفتح الراء المشددة على النهي، وأصله: "لا تُضارِر"، أو "لا تضارَر" على البناء للفاعل أو للمفعول؛ أي: لا تضارِر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة، أو بأن تفرِّط في حفظ الولد والقيام بما يحتاج إليه، أو لا تضارَر من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه، أو ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين، وقرأ عمر بن الخطاب: "لا تضارَر" على الأصل بفتح الراء الأولى، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "لا تضارْ" بإسكان الراء وتخفيفها، ورُوِيَ عنه الإسكان والتشديد، وقرأ الحسن وابن عباس: "لا تضارِر" بكسر الراء الأولى، ويجوز أن تكون الباء في قوله: ﴿ بِوَلَدِهِ ﴾ صلةً لقوله: ﴿ تُضَارَّ ﴾ على أنه بمعنى تضر؛ أي: لا تضر والدةٌ بولدها، فتُسيء تربيته، أو تقصِّر في غذائه، وأُضيف الولد تارةً إلى الأب، وتارةً إلى الأم؛ لأن كل واحد منهما يستحق أن يُنسَب إليه، مع ما في ذلك من الاستعطاف، وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقرير لها؛ أي: لا يكلِّف كل واحد منهما الآخرَ ما لا يُطيقه، فلا تضاره بسبب ولده؛ [انتهى، الشوكاني]. ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ [البقرة: 233]: قيل: في عدم الضِّرار لقريبه؛ قاله مجاهد، والشعبي، والضحاك، وقيل: عليه مثل ما على والد الطفل من الإنفاق على والدة الطفل، والقيام بحقوقها، وعدم الإضرار بها؛ وهو قول الجمهور. ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: فإن اتفق والدا الطفل على فطامه قبل الحولين، ورأيا في ذلك مصلحة له، وتشاورا في ذلك، وأجمعا عليه، فلا جناح عليهما في ذلك، فيُؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبدَّ بذلك من غير مشاورة الآخر. ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد إما لعذر منها، أو عذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلَّمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾؛ أي: في جميع أحوالكم، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]؛ أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم؛ [انتهى، ابن كثير]. عدة الوفاة: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234]. يقول الشوكاني: لما ذكر سبحانه عِدَّةَ الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع، عقَّب ذلك بذكر عدة الوفاة؛ لئلا يُتوَهَّم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق. وظاهر هذه الآية العمومُ، وأن كل من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه العِدَّة، ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4]، وإلى هذا ذهب الجمهور. وقد صحَّ عنه صلى الله عليه وآله وسلم ((أنه أذِن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع)). وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج؛ أربعة أشهر وعشرًا))، وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصحيحين وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدة الوفاة، والإحداد: تَرْكُ الزينة من الطِّيب، ولُبس الثياب الجيدة والحلي، وغير ذلك، ولا خلاف في وجوب ذلك في عدة الوفاة؛ [تفسير فتح القدير، للشوكاني]. ويقول ابن كثير: أمرٌ من الله للنساء اللاتي يُتوفَّى عنهن أزواجهن: أن يَعْتَدِدْنَ أربعة أشهر وعشرَ ليالٍ، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عموم الآية الكريمة. ولا يخرج من ذلك إلا المتوفَّى عنها زوجُها، وهي حامل، فإن عِدَّتَها بوضع الحمل، ولو لم تمكث بعده سوى لحظة؛ لعموم قوله في سورة الطلاق (4): ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 4]. وفي الصحيحين أيضًا عن أم سلمة: ((أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي تُوفِّيَ عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفنُكحلها؟ فقال: لا، كل ذلك يقول: لا، مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية تمكث سنة)). قالت زينب بنت أم سلمة: "كانت المرأة إذا تُوفِّيَ عنها زوجها دخلت حَفْشًا، ولبِست شرَّ ثيابها، ولم تمسَّ طِيبًا ولا شيئًا، حتى تمر بها سنة، ثم تخرج فتُعطى بَعْرَة فترمي بها، ثم تُؤتَى بدابَّة؛ حمارٍ أو شاة أو طير، فتفتض به فقلَّما تفتض بشيء إلا مات. ومن ها هنا ذهب كثير من العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة للآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ ﴾ [البقرة: 240]. والغرض أن الإحداد هو عبارة عن ترك الزينة من الطِّيب، ولُبس ما يدعوها إلى الأزواج من ثياب وحلي وغير ذلك، وهو واجب في عدة الوفاة قولًا واحدًا. ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234]؛ قال العوفي عن ابن عباس: إذا طُلِّقت المرأة أو مات عنها زوجها، فإذا انْقَضَتْ عِدَّتُها، فلا جناح عليها أن تتزين وتتصنع وتتعرض للتزويج، فذلك المعروف؛ [انتهى، ابن كثير]. حكم خطبة المعتدة: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]. ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾ [البقرة: 235]؛ أي: لا جناح عليكم أن تُعرِّضوا بخِطبة النساء في عِدَّتِهن من وفاة أزواجهن من غير تصريح؛ قال الثوري وشعبة وجرير وغيرهم، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ [البقرة: 235]؛ قال: التعريض أن تقول: إني أريد التزويج، وإني أحب امرأة من أمرها ومن أمرها، يعرِّض لها بالقول بالمعروف، وفي رواية: وددت أن الله رزقني امرأة ونحو هذا، ولا ينصب للخطبة، وفي رواية: إني لا أريد أن أتزوج غيرك إن شاء الله، ولوددت أني وجدت امرأة صالحة، ولا ينصب لها ما دامت في عدتها، ورواه البخاري تعليقًا، فقال: قال لي طلق بن غنام، عن زائدة، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن عباس: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾ [البقرة: 235]، هو أن يقول: إني أريد التزويج، وإن النساء لمن حاجتي، ولوددت أنه تيسَّر لي امرأة صالحة. وهكذا حكم المطلقة الْمَبْتُوتة يجوز التعريض لها؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس، حين طلقها زوجها أبو عمرو بن حفص آخر ثلاث تطليقات، فأمرها أن تعتدَّ في بيت ابن أم مكتوم، وقال لها: ((فإذا حللْتِ فآذِنِيني))، فلما حلَّت خطب عليها أسامة بن زيد مولاه، فزوَّجها إياه. فأما المطلقة الرجعية، فلا خلاف في أنه لا يجوز لغير زوجها التصريح بخِطبتها، ولا التعريض لها، والله أعلم. وقوله: ﴿ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ [البقرة: 235]؛ أي: أضمرتم في أنفسكم خطبتهن؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ [القصص: 69]. ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [البقرة: 235]؛ قال قتادة: هو أن يأخذ عهد المرأة، وهي في عدتها ألَّا تنكح غيره، فنهى الله عن ذلك وقدم فيه، وأحلَّ الخطبة والقول بالمعروف، وقال ابن زيد: ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ [البقرة: 235] هو أن يتزوجها في العِدَّة سرًّا، فإذا حلَّت أظهر ذلك، وقد يحتمل أن تكون الآية عامة في جميع ذلك؛ ولهذا قال: ﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [البقرة: 235]؛ قال ابن عباس، ومجاهد وسعيد بن جبير، والسدي، والثوري، وابن زيد: يعني به: ما تقدَّم من إباحة التعريض. ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ [البقرة: 235]؛ يعني: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العِدَّة. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]: في هذا توعُّدٌ على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يُؤيِسْهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته، فقال: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]؛ [تفسير ابن كثير]. تتمة أحكام الطلاق: الطلاق قبل المساس وقبل الفريضة: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 236]. أباح تبارك وتعالى طلاق المرأة بعد العقد عليها وقبل الدخول بها؛ قال ابن عباس، وطاوس، وإبراهيم، والحسن البصري: المسُّ: النكاح، بل ويجوز أن يُطلِّقها قبل الدخول بها، والفرض لها إن كانت مفروضة، وإن كان في هذا انكسار لقلبها؛ ولهذا أمر تعالى بإمتاعها؛ وهو تعويضها عما فاتها بشيء تُعطَاه من زوجها بحسب حاله، ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ [البقرة: 236]، وقال سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أمية، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: متعة الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الوَرِق، ودون ذلك الكسوة؛ [ابن كثير]. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: إن كان موسرًا متَّعها بخادم، أو شبه ذلك، وإن كان معسرًا أمتعها بثلاثة أثواب. وقال السعدي في تفسير الآية: "أي: ليس عليكم - يا معشر الأزواج - جُناح وإثم، بتطليق النساء قبل المسيس، وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسرٌ لها، فإنه ينجبر بالمتعة، فعليكم أن تمتعوهن بأن تعطوهن شيئًا من المال؛ جبرًا لخواطرهن، ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ ﴾؛ أي: المعسر ﴿ قَدَرُهُ ﴾ [البقرة: 236]، وهذا يرجع إلى العرف، وأنه يختلف باختلاف الأحوال؛ ولهذا قال: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 236]، فهذا حقٌّ واجب على المحسنين، ليس لهم أن يبخسوهن، فكما تسبَّبوا لتشوفهن واشتياقهن، وتعلُّق قلوبهن، ثم لم يعطوهن ما رغِبنَ فيه، فعليهم في مقابلة ذلك المتعة، فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، وأدلَّه على حكمة شارعه ورحمته، ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر؛ [تفسير السعدي]. الطلاق قبل المساس وبعد الفريضة: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 237]. إذا طلقتم النساء قبل المسيس، وبعد فرض المهر، فللمطلقات من المهر المفروض نصفُه، ولكم نصفه، هذا هو الواجب ما لم يدخله عفوٌ ومسامحة، بأن تعفوَ عن نصفها لزوجها، إذا كان يصح عفوها، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح؛ وهو الزوج على الصحيح لأنه الذي بيده حلَّ عقدته، ولأن الوليَّ لا يصح أن يعفو عما وجب للمرأة، لكونه غيرَ مالك ولا وكيل، ثم رغَّب في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحسانًا موجبًا لشرح الصدر؛ [تفسير السعدي]. صلاة الخوف: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 238، 239]. يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها؛ كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: ((سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: حدثني بهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو استزدته لزادني))، وقد روى الترمذي، من حديث محمد بن طلحة بن مصرف، عن زبيد اليامي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الوسطى صلاة العصر))، ثم قال: حسن صحيح. وقوله: ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 239]؛ أي: أقيموا صلاتكم كما أُمِرْتُم، فأتموا ركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها، وخشوعها وهجودها، ﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]؛ أي: مثلما أنعم عليكم وهداكم للإيمان، وعلَّمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر؛ كقوله بعد ذكر صلاة الخوف: ﴿ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]؛ [ابن كثير]. يقول السعدي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]: لم يذكر ما يُخاف منه؛ ليشمل الخوف من كافر وظالم وسَبُع، وغير ذلك من أنواع المخاوف؛ أي: إن خفتم بصلاتكم على تلك الصفة، فصلوها رِجالًا؛ أي: ماشين على أقدامكم، أو ركبانًا على الخيل والإبل وغيرها، ويلزم على ذلك أن يكونوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وفي هذا زيادة التأكيد على المحافظة على وقتها؛ حيث أمر بذلك ولو مع الإخلال بكثير من الأركان والشروط، وأنه لا يجوز تأخيرها عن وقتها، ولو في هذه الحالة الشديدة، فصلاتها على تلك الصورة أحسن وأفضل، بل أوجب من صلاتها مطمئنًّا خارج الوقت، ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ ﴾ [البقرة: 239]؛ أي: زال الخوف عنكم، ﴿ فَاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 239]، وهذا يشمل جميع أنواع الذكر، ومنه الصلاة على كمالها وتمامها، ﴿ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 239]؛ فإنها نعمة عظيمة، ومنة جسيمة، تقتضي مقابلتها بالذكر والشكر؛ ليُبقِيَ نعمته عليكم ويزيدكم عليها؛ [تفسير السعدي]. ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 240]. هذه الآية منسوخة بالتي قبلها؛ وهي قوله: ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234]؛ قال البخاري: حدثنا أمية، حدثنا يزيد بن زريع، عن حبيب، عن ابن أبي مليكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾ [البقرة: 240] قد نسختها الآية الأخرى، فلِم تكتبها أو تَدَعها؟ قال: يا بن أخي، لا أُغيِّر شيئًا منه من مكانه. ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نُسِخ بالأربعة الأشهر، فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يُوهِم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها، فأثبتُّها حيث وجدتها، ورُوِيَ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا مات، وترك امرأته، اعتدَّت سنة في بيته، يُنفَق عليها من ماله، ثم أنزل الله بعد: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234]. ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 241]. قال عبدالرحمن بن زيد بن أسلم: لما نزل قوله: ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 236]، قال رجل: إن شئت أحسنت ففعلت، وإن شئت لم أفعل؛ فأنزل الله هذه الآية: ﴿ وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 241]؛ [ابن كثير]. وقال السعدي: أي: لكل مطلقة متاع بالمعروف حقًّا على كل مُتَّقٍ؛ جبرًا لخاطرها، وأداء لبعض حقوقها، وهذه المتعة واجبة على من طُلِّقت قبل المسيس، والفرض سنة في حق غيرها كما تقدم، هذا أحسن ما قيل فيها، وقيل: إن المتعة واجبة على كل مطلقة؛ احتجاجًا بعموم هذه الآية، ولكن القاعدة أن المطلق محمول على المقيد، وتقدم أن الله فرض المتعة للمطلقة قبل الفرض والمسيس خاصة؛ [السعدي]. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. يتبع... الحلقة القادمة: مقومات الجهاد وقصة طالوت وجالوت إن شاء الله. |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (13) وقفات مع قلب السورة -7- مقومات الجهاد، وقصة بني إسرائيل مع طالوت وجالوت وداود ميسون عبدالرحمن النحلاوي تبدأ جزئية الجهاد، التي تختم الجزء الثاني من السورة، بمقدمة من ثلاث آيات، يليها نموذج مفصل من جهاد بني إسرائيل، ممثَّلًا بقصة طالوت وجالوت وداود، نستعرضها جميعًا، ثم نخلُص إلى مقومات الجهاد. المقدمة: يقول تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ * وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 243 - 245]. سبحان منزل الكتاب! وردت هذه الآيات في ترابط عجيب مع قصة بني إسرائيل، وطلبهم الجهادَ من نبيهم، تحكي الآيات قصة قريةٍ من قرى بني إسرائيل خرج أهلها منها، وهم ألوف، لما وقع فيها الطاعون؛ فرارًا من الموت، ظنًّا منهم أن هذا الخروج سيُنجيهم من الموت، لكن الله أراد أن يلقِّنهم – ويلقن من بعدهم – درسًا في القضاء والقدر، في مشيئة الله ومشيئة الإنسان، في الموت والبعث، درسًا وأي درسٍ؟ ﴿ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ ﴾ [البقرة: 243]، يحكي سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في شأن هؤلاء: "كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارًا من الطاعون، قالوا: نأتي أرضًا ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا، قال الله لهم: موتوا، فماتوا، فمرَّ عليهم نبيٌّ من الأنبياء، فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم؛ فذلك قوله عز وجل: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ﴾ [البقرة: 243]؛ الآية. يقول ابن كثير في تفسير هذه الآية: "وذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فرارًا من الموت إلى البرية، فنزلوا واديًا أفيح، فملؤوا ما بين عدوتَيهِ، فأرسل الله إليهم مَلَكَين؛ أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحِيزوا إلى حظائرَ وبُنِيَ عليهم جدران وقبور، وفنوا وتمزقوا وتفرقوا، فلما كان بعد دهر مرَّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يُقال له: حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك وأمره أن يقول: أيتها العظام البالية، إن الله يأمرك أن تجتمعي، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: أيتها العظام، إن الله يأمرك بأن تكتسي لحمًا وعصبًا وجلدًا، فكان ذلك، وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: أيتها الأرواح، إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره، فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، لا إله إلا أنت، وكان في إحيائهم عِبرةٌ ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة؛ ولهذا قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ [البقرة: 243]؛ أي: فيما يريهم من الآيات الباهرة، والحجج القاطعة، والدلالات الدامغة، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 243]؛ أي: لا يقومون بشكر ما أنعم الله به عليهم في دينهم ودنياهم، وفي هذه القصة عِبرة ودليل على أنه لن يغني حَذَرٌ من قَدَر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء فرُّوا من الوباء طلبًا لطول الحياة، فعُوملوا بنقيض قصدهم، وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد"؛ [انتهى]. والعبرة من القصة: 1- أنه لا يمكن لأحدٍ أن يفر من قضاء الله وقدره، فالموت مكتوب على كل نفس في زمانها ومكانها: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: 34]. 2- تعرض الآية صورة مصغرة عن يوم البعث، حدثت في الدنيا، كي يرى الناس ويشهدوا أن الله جل في علاه كما هو القادر على الإماتة، قادر على البعث، فهو جل جلاله أماتهم كلهم بصيحة واحدة، وأحياهم جميعًا بأمر واحد. 3- وأن فرار هؤلاء من الموت كفِرار الناس من الجهاد في سبيله حذَرَ الموت، فكما أمات الله أولئك الفارين من الموت بسبب البلاء، يُميت هؤلاء الفارين من الجهاد خوفًا من الموت. لذلك جاءت آية القتال فرضًا بعد هذا الدرس وتلك العبرة؛ في قوله تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 244]. يقول ابن كثير: "وقوله: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 244]: أي: كما أن الحذر لا يغني من القدر، كذلك الفرار من الجهاد وتجنُّبه لا يقرِّب أجلًا ولا يباعده، بل الأجل المحتوم والرزق المقسوم مقدَّر مقنَّن، لا يُزاد فيه ولا يُنقص منه؛ كما قال تعالى في سورة آل عمران 168: ﴿ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 168]، وقال تعالى في سورة النساء 77، 78: ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا * أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ [النساء: 77، 78]، ورُوينا عن أمير الجيوش، ومقدَّم العساكر، وحامي حَوزةِ الإسلام، وسيف الله المسلول على أعدائه أبي سليمان خالد بن الوليد رضي الله عنه، أنه قال وهو في سياق الموت: لقد شهدت كذا وكذا موقفًا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه رمية أو طعنة أو ضربة، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت العير، فلا نامت أعين الجبناء؛ يعني: أنه يتألم لكونه ما مات قتيلًا في الحرب، ويتأسف على ذلك، ويتألم أن يموت على فراشه"؛ [انتهى]. ثم يأتي السياق على آية الإنفاق: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]. وللمرة الثانية في هذه السورة تأتي آية الإنفاق مرتبطة بالجهاد، والقبض والبسط بيد الله، سواء في الأنفس أو في المال، فلا يظنَّنَّ أحدٌ أن البخل بالنفس يَقِيه من الموت، أو أن البخل بالمال يحفظه من أمر الله، إن سلَّط جنوده على هلاك ذلك المال، وجنود الله لا يعلمها إلا هو. يقول السعدي في تفسير الآية: "ولما كان القتال في سبيل الله لا يتم إلا بالنفقة وبذل الأموال في ذلك، أمر تعالى بالإنفاق في سبيله ورغَّب فيه، وسمَّاه قرضًا، فقال: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ﴾ [البقرة: 245]، فينفق ما تيسَّر من أمواله في طرق الخيرات، خصوصًا في الجهاد، والحسن هو الحلال المقصود به وجهُ الله تعالى، ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: 245] الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، بحسب حالة المنفق، ونيته ونفع نفقته والحاجة إليها، ولما كان الإنسان ربما توهَّم أنه إذا أنفق، افتقر، دفع تعالى هذا الوهم بقوله: ﴿ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ [البقرة: 245]؛ أي: يوسع الرزق على من يشاء، ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه، ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملًا موفرًا مضاعفًا؛ فلهذا قال: ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 245]، فيجازيكم بأعمالكم"؛ [انتهى]. قصة جهاد بني إسرائيل... طالوت وجالوت وداود: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246]. "والملأ: الأشراف من الناس، كأنهم ممتلئون شرفًا، وقال الزجاج: سُمُّوا بذلك لأنهم ممتلئون مما يحتاجون إليه منهم، والملأ في هذه الآية القوم؛ لأن المعنى يقتضيه، والملأ: اسم للجمع كالقوم والرهط، والملأ أيضًا: حُسن الخُلُق، ومنه الحديث: ((أحسنوا الملأ؛ فكلُّكم سيُروى))؛ [أخرجه مسلم]"؛ [الكلام للقرطبي]. والنبي هنا هو شمويل عليه السلام على قول مجاهد، أوحى الله إليه، وأمره بالدعوة إليه وتوحيده، فدعا بني إسرائيل، فطلبوا منه أن يقيم لهم مَلِكًا يقاتلون معه أعداءهم، وكان الْمُلْكُ أيضًا قد باد فيهم، فقال لهم النبي: فهل عسيتم إن أقام الله لكم ملكًا ألَّا تَفُوا بما التزمتم من القتال؟ ﴿ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ﴾ [البقرة: 246]؛ أي: وقد أُخذت منا البلاد، وسُبِيَت الأولاد؟ قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246]؛ أي: ما وفوا بما وعدوا، بل نكل عن الجهاد أكثرهم، والله عليم بهم. وبعث الله الملِك، ولكن... ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247]. المماحكة والاعتراض والجرأة على الخالق صفاتٌ متأصلة في بني إسرائيل؛ إذ كيف لهم أن يَرضَوا بسهولة بما اختاره الله لهم ملِكًا؟! هم يريدون ملِكًا مفصَّلًا على أهوائهم هم، يتوافق مع مقاييسهم التي وضعوها للمُلك والقيادة، كأن يكون منهم – أي: من الملأ عِلية القوم - وأن يكون ثريًّا؛ أي: أن يكون ذا مال وجاه، ﴿ قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ﴾ [البقرة: 247]؟! وهنا أوضَحَ لهم نبيُّهم أن مقاييسهم الدنيوية الفاشلة ليست هي المقاييس التي يُفلح معها قادة الجهاد، بل مقاييس ربِّ العباد هي التي تضمن النصر والغلبة على العدو: ﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247]. أولًا هو مصطفًى من رب العباد، فليس لكم من الأمر شيء، فالله أعلم به منكم، ثم إن الله وهَبَه الخَصلتين المطلوبتين لقيادة الجهاد؛ قوة العلم، وقوة الجسم: ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ [البقرة: 247]، وقد تقدَّمت قوة العلم على قوة الجسم؛ ما يفيد أن قوة الجسم دون علم لا تفيد شيئًا. يقول ابن كثير في تفسير الآية: "لما طلبوا من نبيهم أن يُعيِّنَ لهم ملِكًا منهم، فعيَّن لهم طالوت وكان رجلًا من أجنادهم، ولم يكن من بيت الْمُلك فيهم؛ لأن الْمُلك فيهم كان في سبط يهوذا، ولم يكن هذا من ذلك السبط، فلهذا قالوا: ﴿ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: كيف يكون ملِكًا علينا، ﴿ وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: ثم هو مع هذا فقير لا مال له يقوم بالملك، وقد ذكر بعضهم أنه كان سقَّاء، وقيل: دبَّاغًا، وهذا اعتراض منهم على نبيهم وتعنُّت، وكان الأَولَى بهم طاعة وقول معروف؛ ثم قد أجابهم النبي قائلًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: اختاره لكم من بينكم، والله أعلم به منكم، يقول: لستُ أنا الذي عيَّنته من تلقاء نفسي، بل الله أمرني به لمَّا طلبتم مني ذلك، ﴿ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: وهو مع هذا أعلم منكم، وأنبل وأشكل منكم، وأشد قوة وصبرًا في الحرب ومعرفة بها؛ أي: أتم علمًا وقامة منكم، ومن ها هنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن، وقوة شديدة في بدنه ونفسه، ثم قال: ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: هو الحاكم الذي ما شاء فَعَلَ، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون؛ لعلمه وحكمته ورأفته بخلقه؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247]؛ أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحقه"؛ [انتهى]. لكن القوم تمادَوا في اعتراضهم، فقدَّم الله عز وجل لهم آية أخرى قاطعة على ملكه؛ وهي التابوت: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 248]. رُوِيَ عن ابن مسعود، وابن عباس: أنهم قالوا لنبيهم: إن كنت صادقًا، فأتِنا بآية تدل على أنه ملِكٌ، فقال لهم: ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 248]. قال ابن كثير في تفسيره: "يقول نبيهم لهم: إن علامة بركة مُلْكِ طالوتَ عليكم أن يرُدَّ الله عليكم التابوت الذي كان أُخِذَ منكم، ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 248]، قيل: معناه فيه وقار، وجلالة، قال عبدالرزاق عن معمر عن قتادة ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ ﴾ [البقرة: 248]؛ أي: وقار، وقال الربيع: رحمة، وكذا رُوِيَ عن العوفي عن ابن عباس، وقال ابن جريج: سألت عطاء عن قوله: ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [البقرة: 248] قال: ما يعرفون من آيات الله فيسكنون إليه، وقوله: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ﴾ [البقرة: 248]، قال ابن جرير: أخبرنا ابن المثنى، حدثنا أبو الوليد، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ ﴾ [البقرة: 248]؛ قال: عصاه ورُضاض الألواح، وكذا قال قتادة، والسدي، والربيع بن أنس، وعكرمة، وزاد: والتوراة، وقال أبو صالح ﴿ وَبَقِيَّةٌ ﴾؛ يعني: عصا موسى، وعصا هارون، ولوحين من التوراة والْمَنَّ. وقوله: ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ [البقرة: 248]؛ قال ابن جريج: قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون، وقال السدي: أصبح التابوت في دار طالوت فآمنوا بنبوة شمعون، وأطاعوا طالوت"؛ [انتهى، ابن كثير]. بنو إسرائيل يواجهون الاختبار الإلهي: قبِل القوم بطالوت ملِكًا بعد أن أصبح التابوت بين أيديهم، وخرجوا معه ليواجهوا جالوت، لكن الله عز وجل أدرى بخلقه، وأعلم بمن يصلح للخروج إلى الجهاد ومن لا يصلح، فما كان إلا أن واجههم باختبار جديد؛ يمتحن عز وجل فيه مدى طاعتهم، وانسياقهم لأوامر القائد، فإن كانوا يماحكون بأوامر الله، فكيف بهم بأوامر قائدٍ قبِلوا به ملِكًا على مَضَضٍ؟ ناهيك عن أن معركة بجنود لا يأبهون للأوامر مصيرها الخسارة قبل أن تبدأ. ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]. قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ ﴾ [البقرة: 249]، ﴿ فَصَلَ ﴾ معناه: خرج بهم، فقال لهم طالوت: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾ [البقرة: 249]، وكان عدد الجنود - في قول السدي - ثمانين ألفًا، وقال وهب: لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كِبَرٍ أو مرض، والابتلاء: الاختبار. "يقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل، وكان جيشه يومئذٍ - فيما ذكره السدي - ثمانين ألفًا، فالله أعلم، أنه قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾ [البقرة: 249]، قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين؛ يعني: نهر الشريعة المشهور، ﴿ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ [البقرة: 249]؛ أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ [البقرة: 249]؛ أي: فلا بأس عليه؛ قال الله تعالى: ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 249]؛ قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده رَوِيَ، ومن شرِب منه لم يَرْوَ، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس، وكذا قال قتادة وابن شوذب، وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا، فشرِب ستة وسبعون ألفًا، وتبقى معه أربعة آلاف، كذا قال. وروى البخاري عن عبدالله بن رجاء، عن إسرائيل بن يونس، عن أبي إسحاق عن البراء قال: "كنا - أصحابَ محمد صلى الله عليه وسلم - نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمنٌ؛ بضعة عشر وثلاثمائة". لهذا قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ [البقرة: 249]؛ أي: استقلُّوا أنفسهم عن لقاء عدوهم؛ لكثرتهم فشجعهم علماؤهم، وهم العالمون بأن وعد الله حقٌّ؛ فإن النصر من عند الله، ليس عن كثرة عَدَدٍ ولا عُدَدٍ؛ ولهذا قالوا: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]؛ [ابن كثير]. القلة المؤمنة في مواجهة جيش جالوت: لم يبقَ مع طالوت إلا تلك القلة المؤمنة، التي تمثَّلت اليقين بملاقاة الله، وفاض به قلبها، فكانت أقدمَ على القتال، تدفعها الثقة بنصر ربها، وقوة التوكل عليه، فكان نكرانها لمقياس الخلق في القلة والكثرة، وانعقد قلبها على مقياس رب الخلائق: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، فكان زادهم الصبر! ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 250، 251]. ثم لما واجه حزب الإيمان - وهم قليل من أصحاب طالوت - لعدوِّهم أصحاب جالوت - وهم عدد كثير - ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ [البقرة: 250]؛ أي: أنزِل علينا صبرًا من عندك، ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ [البقرة: 250]؛ أي: في لقاء الأعداء، وجنِّبنا الفِرار والعجز، ﴿ وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 250]، قال الله تعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 251]؛ أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم، ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ [البقرة: 251]، ذكروا في الإسرائيليات: أنه قتله بمِقلاع كان في يده، رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده: إن قتل جالوت أن يزوِّجه ابنته، ويُشاطره نعمته، ويُشركه في أمره، فوفَّى له، ثم آل الملك إلى داود عليه السلام، مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ ﴾ [البقرة: 251] الذي كان بيد طالوت، ﴿ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [البقرة: 251]؛ أي: النبوة بعد شمويل. ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 251]؛ أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم؛ ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ [البقرة: 251]؛ أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود، لهلكوا؛ كما قال في سورة الحج آية 40: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [الحج: 40]. وقوله: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]؛ أي: منٍّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضًا، وله الحُكم والحِكمة والحُجَّة على خَلْقِهِ في جميع أفعاله وأقواله؛ [تفسير ابن كثير]. مقومات القتال، وشروط النصر كما نستخلصها من قصة الملأ من بني إسرائيل ونبيهم طالوت: 1- الإيمان بأن الموت مكتوب بالزمان والمكان، والظرف والسبب، فلا يظنن أحدٌ أن إقباله على الجهاد، أو إدباره منه، هو السبب في نجاته أو موته، أرشدنا المولى إلى هذه الحقيقة بمَثَلِ القوم الذين خرجوا من ديارهم فرارًا من الموت، فأوقع الله بهم الموت في المكان الذي اعتصموا به منه. 2- الانفاق والجود بالمال والنفس من مقومات الجهاد، والله عز وجل هو القابض الباسط، ومن أكبر الأوهام التي يعيشها الإنسان وَهْمُ الإنفاق، والإحجام عن الانفاق مَظِنَّةَ الفقر والغِنى. 3- القتال ليس ادعاء ولا أمنية يتمنَّاها المؤمن، ولكنه عزيمة يصدِّقها الفعل، مثال ذلك بنو إسرائيل أرادوا الجهاد وتمنَّوه، وسألوا نبيَّهم أن يُؤمِّر عليهم ملِكًا ليقاتلوا تحت رايته، فلما تحققت أسباب القتال واكتملت، جبُنوا ونكَصوا وتراجعوا عن وعدهم: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 246]. 4- مقومات الملك والقيادة العسكرية لا علاقة لها بالحسب والنسب والغِنى والسيادة، مقياسها الإلهي القوةُ في العلم أولًا، وفي الجسم ثانيًا؛ كما في قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 247]، وفي النهاية هو فضل من الله يؤتيه من يشاء. 5- الابتلاء: في الخروج لملاقاة الأعداء ابتلاءات، مثَّلها الله لنا في قصة بني إسرائيل بابتلاء العطش مع وجود الماء، وبدا أنه لا يصبر عليها إلا قليل؛ ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 249]، وكما قال القرطبي في هذا الابتلاء: "ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء، عُلِم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر، فهو في العصيان في الشدائد أحرى، فرُوِيَ أنهم أتَوا النهر، وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن، فلذلك رخص للمطيعين في الغَرفة؛ ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع، وليكسِروا نزاع النفس في هذه الحال، وبيَّن أن الغرفة كافية ضررَ العطش عند الحزمة الصابرين على شَظَفِ العيش، الذين همُّهم في غير الرفاهية؛ كما قال عروة: واحسوا قراح الماء والماء بارد، ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾ [البقرة: 249]؛ قال ابن عباس: شربوا على قدرِ يقينِهم، فشرب الكفار شُرب الهيم، وشرب العاصون دون ذلك، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفًا، وبقِيَ بعض المؤمنين لم يشرب شيئًا، وأخذ بعضهم الغَرفة، فأما من شرب فلم يَرْوَ، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فحسنت حاله، وكان أجْلَدَ ممن أخذ الغَرفة"؛ [انتهى، القرطبي]. 6- معادلة القلة والكثرة: الوهم الذي يزيِّنه الشيطان للمؤمنين دائمًا عند ملاقاة العدوِّ، أنتم قليل وهم كثير، فأنَّى لكم النصر: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ [البقرة: 249]. 7- القاعدة الذهبية في القتال يعقِلها الراسخون في العلم: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]، والمؤمنون بهذه القاعدة المرسِّخون لها هم ذوو الإيمان الراسخ، واليقين المتجذِّر بنصر الله، هؤلاء هم ﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ ﴾ [البقرة: 249]، المستيقنون بهذا اللقاء قولًا وعملًا، الذين يبصرون موازين الأرض والسماء ببصيرتهم لا بأبصارهم، الذين أخلصوا النية، وتوكلوا على الله، أولئك ينطقهم الله بالحكمة: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]. يقول القرطبي في تفسيره: "قوله تعالى: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ [البقرة: 249] الفئة: الجماعة من الناس، والقطعة منهم، وفي قولهم رضي الله عنهم ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ ﴾ [البقرة: 249]؛ الآية، تحريض على القتال، واستشعار للصبر، واقتداء بمن صدق ربه، قلت (والقول للقرطبي): هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة، والنيات الفاسدة منعت من ذلك، حتى ينكسر العدد الكبير منا قُدَّام اليسير من العدوِّ كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا، وفي البخاري: قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم، وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((هل تُرزَقون وتُنصَرون إلا بضعفائكم))، فالأعمال فاسدة، والضعفاء مهملون، والصبر قليل، والاعتماد ضعيف، والتقوى زائلة؛ قال الله تعالى: ﴿ اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [آل عمران: 200]، وقال: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا ﴾ [المائدة: 23]، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ [النحل: 128]، وقال: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ﴾ [الحج: 40]، وقال: ﴿ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الأنفال: 45]، فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا، وحلَّ بنا، بل لم يبقَ من الإسلام إلا ذِكْرُه، ولا من الدين إلا رسمه؛ لظهور الفساد، ولكثرة الطغيان، وقلة الرشاد، حتى استولى العدو شرقًا وغربًا، برًّا وبحرًا، وعمَّت الفتن، وعظُمت المحن، ولا عاصم إلا من رحم"، فإن كان هذا قول الإمام القرطبي في القرن السابع الهجري، فما عسانا نقول اليوم؟ ولله الأمر من قبل ومن بعد. 8- اليقين والصبر: اليقين يمد المؤمن بالصبر، فكلما ازداد يقين المؤمن بالله، كان للصبر منه نصيب، ومن ثَمَّ بات في معية الله: ﴿ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [البقرة: 249]. 9- الدعاء: عندما وجدت القلة المؤمنة نفسها أمام جيش طالوت الجرَّار، توجَّهت بالدعاء إلى الله تعالى بثلاث دعوات: الصبر والتثبيت والنصر: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 250]، دعَوا ربهم وهم مقبلون بنية خالصة، أن لا رجعة عن لقاء العدو، ولم يقدموا وهم في ريب يترددون، عين في الدنيا وعين على الآخرة، فهذه النظرة لا تصلح مطلقًا في ساحة القتال؛ يقول القرطبي في تفسيره: "ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم، تضرعوا إلى ربهم، وهذا كقوله: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ﴾ [آل عمران: 146] إلى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ [آل عمران: 147]؛ الآية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقِيَ العدو يقول في القتال: ((اللهم بك أصول وأجول))، وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقِيَ العدو: ((اللهم إني أعوذ بك من شرورهم، وأجعلك في نحورهم))، ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن مَنْكِبيه؛ يستنجز الله وعده"؛ [انتهى]. 10- النصر: ومع استيفاء المؤمنين شروط النصر، أمدهم الله به: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ ﴾ [البقرة: 251]، أنفذ الله وعده للمؤمنين بطريقة لم تكن تخطر لهم على بال، ولا هي في موازين العقل البشري ممكنة أو كائنة، فقد كان مقتل قائد جيوش العماليق على يد داود عليه السلام، وهو يومئذٍ صغير السن صغير الحجم، لا يُؤبَهُ له، وإمعانًا في تلقين البشرية درس "موازين البشر وموازين رب البشر"، كان موت العملاق بحجر رماه به داود من مقلاعه فحسب! والعبرة هنا: لا تنصب نفسك مدبِّرًا لأمور الكون، إنما عليك اتخاذ الأسباب ودَعِ الأمر لله. 11- التمكين: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 251]. 12- الحكمة الإلهية في فرض قتال الكافرين الدفعُ، معادلة دفع الباطل بالحق: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]. قال ابن عباس: ولولا دفع الله العدو بجنود المسلمين، لَغَلَبَ المشركون، فقتلوا المؤمنين، وخربوا البلاد والمساجد، وقال سفيان الثوري: هم الشهود الذين تُستخرَج بهم الحقوق. قال السعدي: "لولا أنه يدفع بمن يقاتل في سبيله كيدَ الفُجَّار، وتكالب الكفار، لفسدت الأرض باستيلاء الكفار عليها، وإقامتهم شعائر الكفر، ومنعهم عبادَ الله من عبادة الله تعالى، وإظهار دينه؛ ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]؛ حيث شرع لهم الجهاد الذي فيه سعادتهم، والمدافعة عنهم، ومكَّنهم من الأرض بأسباب يعلمونها، وأسباب لا يعلمونها". ولله الأمر من قبل ومن بعد. وهكذا انتهت قصة قتال بني إسرائيل بتمكين داود ملكًا نبيًّا، فجاء التعقيب عليها خطابًا للنبي بأنها من الآيات الحق، التي يتلوها الله عز وجل عليه في تأكيد على أنه رسول في كوكبة إخوانه من المرسلين؛ ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [البقرة: 252]. لماذا كان الاقتتال في البشرية؟ سنة الله في تفضيل الرسل واختلاف ذراريهم واقتتالهم. ثم تأتي الآية التالية في نفس السياق، يتصدرها تفضيل الأنبياء بعضهم على بعض، مع تخصيص موسى وعيسى، في موافقة للسياق الذي سبق عن بني إسرائيل، في قصة داود وطالوت؛ يقول تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]. فلماذا كان الاقتتال في البشرية؟ الاقتتال مشيئة إلهية ماضية في البشرية، أصلها العداوة التي نزلت مع آدم وإبليس: ﴿ قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [الأعراف: 24]، ومحورها الحق والباطل، والخير والشر. • وهذا الاقتتال ما كان إلا بعدما وقع الاختلاف. • وهذا الاختلاف ما وقع إلا بعدما جاءتهم البينات: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ [البقرة: 253]، ومثال ذلك ما قصَّتْهُ علينا الآيات في قصة طالوت وجالوت. • أما سبب الاختلاف الموجِب للاقتتال، فهو الإيمان والكفر: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ [البقرة: 253]. قال القرطبي: "إنما اختلف الناس بعد كل نبيٍّ؛ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، بغيًا وحسدًا، وعلى حطام الدنيا، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى، ولو شاء خلاف ذلك، لكان، ولكنه المستأثر بسرِّ الحكمة في ذلك، الفعَّال لما يريد"؛ [انتهى]. ومرة أخرى تأتي آية الإنفاق مشفوعة بآية القتال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]. يقول القرطبي في تفسير هذه الآية: "قال الحسن: هي الزكاة المفروضة، وقال ابن جريج وسعيد بن جبير: هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع، قال ابن عطية: وهذا صحيح، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجَّح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوِّي ذلك في آخر الآية قوله: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]؛ أي: فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال، قلت (والكلام للقرطبي): وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبًا، ومرة ندبًا، بحسب تعيُّن الجهاد وعدم تعينه، وأمَرَ تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله، وأنعم به عليهم، وحذَّرهم من الإمساك إلى أن يجيء يومٌ لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة؛ كما قال: ﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ﴾ [المنافقون: 10]، والخُلَّة: خالص المودة، مأخوذة من تخلُّل الأسرار بين الصديقين، والخَلالة والخُلالة والخِلالة: الصداقة والمودة؛ [انتهى]. ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، ولا ظالم أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافرًا. اللهم أحْيِنا على التوحيد، وأمِتْنا عليه واحشرنا عليه، وأدخلنا الجنة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم آمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. يتبع بإذن الله... |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (14) ميسون عبدالرحمن النحلاوي ختام السورة وفيها: • صفات الله رب الخلق، فاطر السماوات والأرض، المستحق للتوحيد والعبادة دون شريك تعرضها لنا أعظم آي القرآن؛ آية الكرسي. • الولاية وحقيقة الإيمان. • حقيقة الموت والبعث في قصصٍ ثلاث. • نمرود وإبراهيم عليه السلام. • نبي الله الذي توفَّاه الله مئة عام ثم بعثه ليُريه الآيات في إحياء حماره بعد أن أصبح عظامًا. • طلب إبراهيم من ربِّه أن يُريَه كيفية إحياء الموتى. • الإنفاق في سبيل الله من زكاة وصدقة، وآدابه ومصارفه. • تشريعات مالية أساسية في المجتمع الإسلامي: - أحكام الربا. - آية المداينة. ولنا أن نقدم لهذا الجزء من السورة بنفس الآية التي أنهينا بها الفصل السابق – قلب السورة- لربط القلب بالخاتمة، وسبحان مُنزِل الكتاب. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]. وتأتي هذه المقدمة متوافقة مع الطابع الاقتصادي المهيمن على ختام السورة، فتبدو وكأنها صلة وصل فيما انتهى إليه الجزء السابق من آيات القتال، وما هو قادم من آيات الإنفاق. فآيات القتال تصدرتها آية الإنفاق، وكان المقصود بها الإنفاق في الجهاد تحديدًا: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 244، 245]، وتنتهي هنا بآية الإنفاق أيضًا لكن بصفتها الخاصة في القتال عطفًا على ما تقدم، والعامة التي يفصِّلها السياق في الآيات القادمة. قال القرطبي في تفسير الآية: "قال ابن جريج وسعيد بن جبير: هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع. قال ابن عطية: "وهذا صحيح، ولكن ما تقدَّم من الآيات في ذكر القتال، وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجَّح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله، ويقوي ذلك في آخر الآية قوله: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]؛ أي: فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال"؛ انتهى. وفي قوله عز وجلَّ: ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، يقول السعدي: "هذا من لُطْف الله بعباده أن أمرهم بتقديم شيء مما رزقهم الله، من صدقة واجبة ومستحبة، ليكون لهم ذخرًا وأجرًا موفرًا في يوم يحتاج فيه العاملون إلى مثقال ذرة من الخير، فلا بيع فيه ولو افتدى الإنسان نفسه بملء الأرض ذهبًا ليفتدي به من عذاب يوم القيامة ما تَقبَّل منه، ولم ينفعه خليل ولا صديق لا بوجاهة ولا بشفاعة، وهو اليوم الذي فيه يخسر المبطلون، ويحصل الخزي على الظالمين، وهم الذين وضعوا الشيء في غير موضعه، فتركوا الواجب من حق الله وحق عباده، وتعَدَّوا الحلال إلى الحرام، وأعظم أنواع الظلم الكفر بالله الذي هو وضع العبادة التي يتعين أن تكون لله، فيصرفها الكافر إلى مخلوق مثله؛ فلهذا قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، وهذا من باب الحصر؛ أي: الذين ثبت لهم الظلم التام، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]؛ انتهى. أعظم آية في القرآن آية الكرسي وفيها صفات التفرُّد الإلهي، صفات يتفرَّد بها الله جلَّ في علاه عن كل ما عداه، رب الخلق، فاطر السماوات والأرض، المستحق للتوحيد والعبادة دون شريك. ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: 255]. هذه الآية أعظم آي القرآن الكريم، وقد وردت أحاديث بفضلها، ربما يكون أشهرها حديث أبي هريرة الذي أورده البخاري في صحيحه: يقول أبو هريرة: "وَكَّلَنِي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فأتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ وقُلتُ: واللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: إنِّي مُحْتَاجٌ، وعَلَيَّ عِيَالٌ، ولِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عنْه، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبَا هُرَيْرَةَ، ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قَالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّه قدْ كَذَبَكَ، وسَيَعُودُ، فَعَرَفْتُ أنَّه سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّه سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: دَعْنِي؛ فإنِّي مُحْتَاجٌ، وعَلَيَّ عِيَالٌ، لا أعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: يا أبَا هُرَيْرَةَ، ما فَعَلَ أسِيرُكَ، قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: أَمَا إنَّه قدْ كَذَبَكَ وسَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فأخَذْتُهُ، فَقُلتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إلى رَسولِ اللَّهِ، وهذا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أنَّكَ تَزْعُمُ لا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بهَا، قُلتُ: ما هُوَ؟ قَالَ: إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255]، حتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ؛ فإنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، ولَا يَقْرَبَنَّكَ شَيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فَقَالَ لي رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: ما فَعَلَ أسِيرُكَ البَارِحَةَ؟ قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، زَعَمَ أنَّه يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: ما هي؟ قُلتُ: قَالَ لِي: إذَا أوَيْتَ إلى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِن أوَّلِهَا حتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: 255]، وقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، ولَا يَقْرَبكَ شيطَانٌ حتَّى تُصْبِحَ -وكَانُوا أحْرَصَ شَيءٍ علَى الخَيْرِ- فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أَمَا إنَّه قدْ صَدَقَكَ، وهو كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَن تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ذَاكَ شَيطانٌ". وروى الإمام أحمد عن أُبَيِّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: "أي آية في كتاب الله أعظم؟"، قال: الله ورسوله أعلم، فرددها مرارًا، ثم قال أُبَيُّ: آية الكرسي، قال: "ليهنك العلم أبا المنذر، والذي نفسي بيده إن لها لسانًا وشفتين تقدّس الملك عند ساق العرش"، وقد رواه مسلم، وليس عنده زيادة: "والذي نفسي بيده...". ﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: 255]. والآية الكريمة تحمل أعظم صفات الخالق العلي في ملكوته، العظيم في قوته وتدبيره، صفات الله الواحد الأحد، المتوكِّل بالخلق والأمر، القائم على كل نفس، عالم الغيب والشهادة، مرسل العلم لعباده بقدر أراده، لا يتعدى حدود مشيئته، إنه العلي العظيم. 1- ﴿ اللَّهُ ﴾: اسمه الأعظم جلَّ جلاله. 2- ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾: أساس قيام الكون وحفظه والتصرف فيه، أن مالكه ومُدبِّره إله واحد لا إله إلا هو، أساس عقيدة البشر من لدن آدم عليه السلام إلى يوم الدين، الشهادة التي يموت عليها الإنسان مؤمنًا وبغيرها كافرًا. 3- ﴿ الْحَيُّ ﴾: هو حي لا يموت، والجن والإنس يموتون، هو قيُّوم لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه. 4- ﴿ الْقَيُّومُ ﴾: بل هو قائم على كل نفس بما كسبت، شهيد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية. 5- ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾: ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سِنةٌ ولا نوم؛ أي: لا تغلبه سِنة؛ وهي الوسن والنعاس؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا نَوْمٌ ﴾ لأنه أقوى من السنة. 6- ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾: مالك كل ما فيهما، المتصرف بأمورهما، المدبر لكل صغيرة وكبيرة فيهما، لا يعزب عنه مثقال ذرة، الجميع عبيده، وفي مُلْكه، وتحت قهره وسلطانه. 7- ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾: لا أحد، وهذا من عظمته، وجلاله وكبريائه عز وجل، أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع عنده إلا بإذنه له في الشفاعة؛ كما في حديث الشفاعة: "آتي تحت العرش فأخِرُّ ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع رأسك، وقل تسمع، واشفع تُشفَّع"، قال: "فيحد لي حدًّا فأدخلهم الجنة"؛ كقوله تعالى في سورة النجم: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ [النجم: 26]. 8- ﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ﴾: وهذا كمال الألوهية والربوبية، الكل عبيد، والكل تحت تصرُّف الله الواحد القهار، والكل مكشوفون له بكل ذرات حياتهم... بينما هم: 9- ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ ﴾: لا يعلمون من أمر الخلق والخالق شيئًا إلا بمقدار مشيئة "العلي العظيم". 10- ﴿ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾: فإن كان كرسيُّه وسع السماوات والأرض، فهل يحيط عقل بماهية ملكوته؟! إنه العلي العظيم، ولا يهم النقاش في الكرسي والعرش والتجاذبات التي نشأت عن اختلاف التفاسير، المهم أنه عظيم، لا يمكن لعقلِ بَشَرٍ أن يحيط بعظمته وملكوته، وليس ماهية كرسيه وعرشه من الشهادة التي يمكن لبشر أن يعمل بها عقله، بل هما غيب اختصَّ الخالق نفسه به. 11- ﴿ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ﴾: لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما ومن بينهما، بل ذلك سهل عليه، يسير لديه، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه، متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه. 12- ﴿ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾: سبحانك ربي، سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك. ثم يأتي السياق بعد سرد صفات الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، على بيان حقيقة الإيمان والولاية. حقيقة الإيمان والولاية: فبعد آية العظمة الإلهية المستحقة للتوحيد والعبودية يأتي البحث بأمر الإيمان والكفر بهذا الإله العظيم، الله الذي لا إله إلا هو، فيقول سبحانه وتعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]. 1- الإكراه في الدين: "اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها مَنسُوخَةٌ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَدْ أكْرَهَ العَرَبَ عَلى دِينِ الإسْلامِ، وقاتَلَهم ولَمْ يَرْضَ مِنهم إلَّا بِالإسْلامِ، والنَّاسِخُ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ [التوبة: 73]، وقالَ تَعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [التوبة: 123]، وقالَ: ﴿ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ﴾ [الفتح: 16]، وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. القَوْلُ الثَّانِي: أنَّها لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ وإنَّما نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ خاصَّةً، وأنَّهم لا يُكْرَهُونَ عَلى الإسْلامِ إذا أدَّوُا الجِزْيَةَ، بَلِ الَّذِينَ يُكْرَهُونَ هم أهْلُ الأوْثانِ، فَلا يُقْبَلُ مِنهم إلَّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، وإلى هَذا ذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ"؛ فتح القدير للشوكاني. وقال ابن كثير في تفسيره: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾؛ أي: لا تكرهوا أحدًا على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيِّن واضح جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه؛ بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونوَّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه، وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهًا مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب نزول هذه الآية في قوم من الأنصار، وإن كان حكمها عامًّا، قال ابن عباس: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصيني، كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلًا مسلمًا، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية؟ فأنزل الله فيه ذلك))؛ انتهى. ومن المسلم به أن الفكر الذي يروِّج له الوسطيُّون من أن هذه الآية تنطبق على المرتدين، مردود عليهم، واستخدام هذه الآية من قبل مائعي العقيدة بل وفاقديها لتبرير فسق وفساد دهماء المسلمين أيضًا مردود عليهم، فأمَّا الوسطيون فقد علموا الحقيقة وحرَّفوها، فضلُّوا وأضلُّوا، وأما مائعو العقيدة من العامة فقد يكون الجهل قد استحكم عقولهم، فعلينا تنويرهم، فمن استكبر بعد العلم فقد استحقَّ من الله جزاء الاستكبار، والله أعلم. 2- قاعدة الإيمان الثابته: لا يجتمع إيمان بطاغوت وإيمان بالله في قلب مؤمن: لا شذوذات ولا تجاوزات، لا انحرافات ولا تأويلات لهذه القاعدة: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 256]. "الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله"، وصفها الله بـ "العروة الوثقى لا انفصام لها"، ولا يكون الإيمان الخالص بالله إلا بعد الكفر بالطاغوت.. يُكفر بالطاغوت أولًا، ويغسل القلب من كل أدرانه ثم يكون الإيمان، لا يجتمع الله والطاغوت في قلب مؤمن أبدًا، والطاغوت رأس كل طغيان من ظالم أو غيره، هذا معنى الطاغوت من كان رأسًا في الطغيان مثل فرعون والشيطان وجمعها طواغيت. فمن خلع الأنداد والأوثان من بشر وحجر وشجر ودواب وكواكب، وكل ما يدعو إليه الشيطان من عبادة من دون الله، ووحَّد الله فعبده وحده، وشهد أن لا إله إلا هو، وأخلص وجهه إليه في كل قول وعمل "فقد استمسك بالعروة الوثقى"؛ أي: فقد ثبت في أمره، واستقام على الطريقة المثلى، والصراط المستقيم. يتبع |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
3- الولاية: ثم إن الله تعالى بعد ما ذكر من أمر الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، بيَّن أمر ولاية الطاغوت وولاية الله عز وجل، فقال جلَّ وعلا: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 257]. • فالله وليُّ الذين آمنوا، نصيرهم وظهيرهم، يتولَّاهم بعونه، فكل مؤمن وليُّه الله، يهديه الصراط المستقيم، ويُعيده إليه كلما حاد عنه، يتولَّاه في كل شيء طالما هو معتصم به جلَّ في علاه، كقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [آل عمران: 101]، وقوله تعالى في سورة التغابن: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11]. •﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [البقرة: 257] وهذا من تمام ولاية الله عز وجل للمؤمنين. •﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ﴾ [البقرة: 257] "أما الذين كفروا فأولياؤهم الشيطان وأعوانه، يتولون أمرهم في توجيههم نحو كل شرٍّ وسوء". •﴿ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾ [البقرة: 257] من الهدى إلى الضلالة، ويحيدون بهم عن طريق الحق إلى الكفر والإفك ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 257]. يقول ابن كثير في تفسير الآية: "وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن ميسرة، حدثنا عبدالعزيز بن أبي عثمان، عن موسى بن عبيدة، عن أيوب بن خالد، قال: يبعث أهل الأهواء أو قال: يبعث أهل الفتن، فمن كان هواه الإيمان كانت فتنته بيضاء مضيئة، ومن كان هواه الكفر كانت فتنته سوداء مظلمة، ثم قرأ هذه الآية: ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 257]؛ انتهى. فائدة: وحَّد تعالى لفظ النور وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة؛ كما قال: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153]، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ﴾ [الأنعام: 1] إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرُّد الحق، وانتشار الباطل وتفرُّده وتشعُّبه. قدرة الله على الخلق والبعث في ثلاث قصص متتالية: ورد في سورة البقرة سِتُّ قصصٍ في إحياء الموتى، وقعت في الدنيا، وشهد عليها أنبياء وصالحون، ساقها الله عز وجل تذكرةً لمن ينكرون البعث بعد الموت، ذكرنا ثلاثًا منها: واحدة في قصة البقرة، عندما اختلف بنو إسرائيل فيمن قتل صاحبهم، فاحتكموا إلى موسى عليه السلام، فكانت قصة البقرة وإحياء المقتول بعد موته بضربه ببعض البقرة ليحكي مَنْ قتله. والثانية: أصحاب القرية الذين خرجوا من قريتهم "ألوفًا"؛ أي: هجرة جماعية، خوفًا من الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم. والثالثة: إحياء مجموعة من بني إسرائيل بعدما أخذتهم الصاعقة عندما وضعوا رؤية الله عز وجل شرطًا لإيمانهم: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [البقرة: 55، 56]. ثم يعرض لنا سياق السورة في أواخر السورة القصص الثلاث الأخرى: القصة الأولى: قصة نمرود مع إبراهيم عليه السلام: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258]. - لما سأل نمرود الجبار سيدنا إبراهيم عليه السلام: مَن ربُّك، أجابه عليه السلام بالصفة التي لا يمكن لمخلوق أن يَدَّعيها: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258]، "أرادَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ، وأرادَ الكافِرُ أنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ القَتْلِ فَيَكُونَ ذَلِكَ إحْياءً، وعَلى أنْ يَقْتُلَ فَيَكُونَ ذَلِكَ إماتَةً، فَكانَ هَذا جَوابًا أحْمَقَ لا يَصِحُّ نَصْبُهُ في مُقابَلَةِ حُجَّةِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ أرادَ غَيْرَ ما أرادَهُ الكافِرُ، فَلَوْ قالَ لَهُ: رَبُّهُ الَّذِي يَخْلُقُ الحَياةَ والمَوْتَ في الأجْسادِ، فَهَلْ تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ؟ لَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ بادِئَ بَدْءٍ وفي أوَّلِ وهْلَةٍ، ولَكِنَّهُ انْتَقَلَ مَعَهُ إلى حُجَّةٍ أُخْرى، تَنْفِيسًا لِخِناقِهِ،وإرْسالًا لِعنانِ المُناظَرَةِ، فَقالَ: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ ﴾ [البقرة: 258] لِكَوْنِ هَذِهِ الحُجَّةِ لا تَجْرِي فِيها المُغالَطَةُ ولا يَتَيَسَّرُ لِلْكافِرِ أنْ يَخْرُجَ عَنْها بِمَخْرَجِ مُكابَرَةٍ ومُشاغَبَةٍ، ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ [البقرة: 258]؛ أي: انْقَطَعَ وسَكَتَ مُتَحِيرًا، ثم إن الله سُبْحانَهُ قال: ﴿ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فَبُهِتَ الَّذِي حاجَّ؛ إشْعارًا بِأنَّ تِلْكَ المُحاجَّةَ كُفْرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258] تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ. وقصة هذا الجبار كما يرويها الشوكاني في تفسيره عن عَبْدالرَّزّاقِ وابْن جَرِيرٍ وابْن المُنْذِرِ وابْن أبِي حاتِمٍ وأبي الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أنَّ أوَّلَ جَبّارٍ كانَ في الأرْضِ نُمْرُود، وكانَ الناسُ يَخْرُجُونَ يَمْتارُونَ مِن عِنْدِهِ الطَّعامَ، فَخَرَجَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْتارُ مَعَ مَن يَمْتارُ، فَإذا مَرَّ بِهِ ناسٌ قالَ: مَن رَبُّكم؟ قالُوا: أنْتَ، حَتَّى مَرَّ بِهِ إبْراهِيمُ، فَقالَ: مَن رَبُّكَ؟ قالَ: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258]، قالَ: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ﴾ [البقرة: 258]، فَرَدَّهُ بِغَيْرِ طَعامٍ. فَرَجَعَ إبْراهِيمُ إلى أهْلِهِ، فَمَرَّ عَلى كَثِيبٍ مِن رَمْلٍ أصْفَرَ، فَقالَ: ألا آخُذُ مِن هَذا فَآتِي بِهِ أهْلِي، فَتَطِيبُ أنْفُسُهم حِينَ أدْخُلُ عَلَيْهِمْ، فَأخَذَ مِنهُ، فَأتى أهْلَهُ فَوَضَعَ مَتاعَهُ ثُمَّ نامَ، فَقامَتِ امْرَأتُهُ إلى مَتاعِهِ فَفَتَحَتْهُ فَإذا هي بِأجْوَدِ طَعامٍ رَآهُ آخِذٌ، فَصَنَعَتْ لَهُ مِنهُ فَقَرَّبَتْهُ إلَيْهِ، وكانَ عَهْدُهُ بِأهْلِهِ أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم طَعامٌ، فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا؟ قالَتْ: مِنَ الطَّعامِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَعَرَفَ أنَّ اللَّهَ رَزَقَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ. ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ إلى الجَبّارِ مَلَكًا أنْ آمِن وأتْرُككَ عَلى مُلْكِكَ. قالَ: فَهَلْ رَبٌّ غَيْرِي؟ فَجاءَهُ الثانِيَةَ، فَقالَ لَهُ ذَلِكَ، فَأبى عَلَيْهِ، ثُمَّ أتاهُ الثالِثَةَ فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ المَلَكُ: فاجْمَعْ جُمُوعَكَ إلى ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَجَمَعَ الجَبّارُ جُمُوعَهُ فَأمَرَ اللَّهُ المَلَكَ فَفَتَحَ عَلَيْهِ بابًا مِنَ البَعُوضِ وطَلَعَتِ الشَّمْسُ فَلَمْ يَرَوْها مِن كَثْرَتِها، فَبَعَثَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأكَلَتْ شُحُومَهم، وشَرِبَتْ دِماءَهم، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا العِظامُ، والمَلِكُ كَما هو لا يُصِيبُهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً فَدَخَلَتْ في مَنخَرِهِ، فَمَكَثَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ يُضْرَبُ رَأْسُهُ بِالمَطارِقِ، وأرْحَمُ الناس بِهِ مَن جَمَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِما رَأسَهُ، وكانَ جَبّارًا أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَعَذَّبَهُ اللَّهُ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ كَمُلْكِهِ، ثُمَّ أماتَهُ اللَّهُ، وهو الَّذِي كانَ بَنى صَرْحًا إلى السَّماءِ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهُ مِنَ القَواعِدِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: هو نُمْرُوذُ بْنُ كَنْعانَ يَزْعُمُونَ أنَّهُ أوَّلُ مَن مَلَكَ في الأرْضِ أتى بِرَجُلَيْنِ قَتَلَ أحَدَهُما وتَرَكَ الآخَرَ، فَقالَ:"أنا أُحْيِي وأُمِيتُ"؛ انتهى، فتح القدير للشوكاني. القصة الثانية: نبي الله الذي توفَّاه الله مئة عام ثم بعثه ليريه آية الخلق والبعث شاهدة أمام عينيه. ﴿ أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 259]. لم تذكر الآية مَن هو هذا الرجل الذي مَرَّ على القرية، كما لم يذكر اسم القرية، وإبهام التفاصيل يفيد في التركيز على العبرة والعظة من القصة، فلو كان ذكر التفاصيل يفيد في تمثُّل العبرة من القصة لذكرها سبحانه، لكن التفاسير أتت على ذكر بعض الأقوال في الرجل والقرية: يقول ابن كثير: "رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عُزَيْرٌ، وكذا رواه قتادة وابن عباس والربيع وعكرمة والضحاك. وأما القرية: فالمشهور أنها بيت المقدس مَرَّ عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ ﴾ [البقرة: 259]؛ أي: ليس فيها أحد، من قولهم: خوت الدار تخوي خواءً وخُوِيًّا. وقوله: ﴿ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾؛ أي: ساقطة سقوفها وجدرانها على عرصاتها، فوقف مُتفكِّرًا فيما آل أمرها إليه بعد ما كانت عليه من العمارة العظيمة وقال: ﴿ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [البقرة: 259]؛ وذلك لما رأى من دثورها وشدة خرابها، وبعدها عن العود إلى ما كانت عليه، قال الله تعالى: ﴿ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ﴾ [البقرة: 259]، قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجعت بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله عز وجل بعد موته كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه. فلما استقل سويًّا قال الله له- أي بواسطة الملك-: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾ [البقرة: 259]، قالوا: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر نهار، فلما رأى الشمس باقية ظن أنها شمس ذلك اليوم، فقال: ﴿ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾، ﴿ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ﴾ [البقرة: 259]، وذلك: أنه كان معه فيما ذكر عنب وتين وعصير، فوجده كما فقده لم يتغيَّر منه شيء، لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب تعَفَّن ﴿ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ ﴾ [البقرة: 259]؛ أي: كيف يحييه الله عز وجل وأنت تنظر ﴿ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ﴾ [البقرة: 259]؛ أي: دليلًا على المعاد ﴿ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ﴾ [البقرة: 259]؛ أي: نرفعها فتركب بعضها على بعض. وقال السدي وغيره: تفرقت عظام حماره حوله يمينًا ويسارًا، فنظر إليها وهي تلوح من بياضها، فبعث الله ريحًا فجمعتها من كل موضع من تلك المحلة، ثم ركب كل عظم في موضعه حتى صار حمارًا قائمًا من عظام لا لحم عليها، ثم كساها الله لحمًا وعصبًا وعروقًا وجلدًا، وبعث الله ملكًا فنفخ في منخري الحمار فنهق، كله بإذن الله عز وجل، وذلك كله بمرأى من العزير، فعند ذلك لما تبين له هذا كله ﴿ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 259]؛ انتهى ابن كثير. القصة الثالثة: آية إحياء الطير يريها الله خليله إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260]. لا ريب أن سؤال إبراهيم عليه السلام الله عز وجل أن يريه كيف يحيي الموت ليس من باب الشك على وجه الإطلاق، فإن كان الشك لا يليق بمؤمن، فهل يليق بنبي وهو خليل الله! يقول ابن كثير: "ذكروا لسؤال إبراهيم عليه السلام أسبابًا، منها: أنه لما قال لنمروذ: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ [البقرة: 258] أحَبَّ أن يترقى من علم اليقين في ذلك إلى عين اليقين، وأن يرى ذلك مشاهدة، فقال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [البقرة: 260]، فأما الحديث الذي رواه البخاري عند هذه الآية: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وسعيد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نحن أحَقُّ بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ [البقرة: 260]))؛ وكذا رواه مسلم، انتهى. "وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((نحن أحَقُّ بالشك من إبراهيم))، فمعناه أنه لو كان شاكًّا لكنا نحن أحَقَّ به ونحن لا نشكُّ، فإبراهيم عليه السلام أحْرَى ألَّا يشك، فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم، والذي روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ذلك محض الإيمان إنما هو في الخواطر التي لا تثبت، وأما الشك فهو توقُّف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفي عن الخليل عليه السلام"؛ تفسير القرطبي. استجاب ربُّ العزة لطلب الخليل عليه السلام فقال له: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 260]. ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾؛ أي: خذ أربعة من الطير ﴿ فَصُرْهُنَّ ﴾؛ أي: قطعهن، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو مالك، وأبو الأسود الدؤلي، ووهب بن منبه، والحسن، والسدي، وغيرهم، وقال العوفي، عن ابن عباس: ﴿ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ﴾ أوثقهن، فلما أوثقهن ذبحهن، ثم جعل على كل جبل منهن جزءًا، فذكروا أنه عمد إلى أربعة من الطير فذبحهن، ثم قطعهن ونتف ريشهن، ومزَّقهن وخلط بعضهن في بعض، ثم جزَّأهن أجزاء، وجعل على كل جبل منهن جزءًا، قيل: أربعة أجبل. وقيل: سبعة. قال ابن عباس: وأخذ رؤوسهن بيده، ثم أمره الله عز وجل أن يدعوهن، فدعاهن كما أمره الله عز وجل، فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم، والأجزاء من كل طائر يتصل بعضها إلى بعض، حتى قام كل طائر على حدته، وأتينه يمشين سعيًا ليكون أبلغ له في الرؤية التي سألها، وجعل كل طائر يجيء ليأخذ رأسه الذي في يد إبراهيم عليه السلام، فإذا قدم له غير رأسه يأباه، فإذا قدم إليه رأسه تركب مع بقية جثته بحول الله وقوته؛ ولهذا قال: ﴿ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾؛ أي: عزيز لا يغلبه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وما شاء كان بلا ممانع؛ لأنه العظيم القاهر لكل شيء، حكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره. والحمد لله رب العالمين. يُتبَع بإذن الله. |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (15) ميسون عبدالرحمن النحلاوي وفيها: تشريعات اقتصادية للمجتمع الإسلامي. أولًا: الإنفاق في سبيل الله من زكاة وصدقة: آدابه ومصارفه: يكاد موضوع الإنفاق في سبيل الله يكون متواجدًا في كل محور رئيسي من محاور السورة، خاصة وأنه قد تصدَّر السورة في صفات المؤمنين التي وردت في الآية الثانية من السورة؛ قال تعالى في وصفهم: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 3]. • فمع الأوامر الأولى لبني إسرائيل في الاستجابة لدعوة نبي الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ يقول تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]؛ قال ابن كثير: "قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ [البقرة: 43] أمرَهم أن يُصلُّوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، أمرهم أن يؤتوا الزكاة؛ أي: يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ [البقرة: 43]، أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: كونوا منهم ومعهم، وقال مبارك بن فضالة، عن الحسن، في قوله تعالى: ﴿ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43] قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة"؛ [انتهى ابن كثير]. • وعندما تكلَّم جل في علاه عن المواثيق التي أخذها على بني إسرائيل؛ قال: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إسرائيل لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: 83]. • وفي توجيهه تعالى للمؤمنين في الثبات أمام محاولات أهل الكتاب في ردِّهم عن دينهم؛ ﴿ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ [البقرة: 109]؛ يقول لهم: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 110]. • وعندما عرَّف لعباده المؤمنين ما هو البِرُّ؛ قال: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، فجمعت الآية بين صدقة التطوع والزكاة؛ قال ابن كثير: ﴿ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾ [البقرة: 177]: أعطى المال على حبِّه؛ قال أكثر أهل التفسير: إنها راجعة إلى المال؛ أي: أعطى المال في حال صحته ومحبته المال، قال ابن مسعود: أن تُؤتِيَه وأنت صحيح شحيح، تأمُل الغِنى، وتخشى الفقر. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرًا؟ قال: أن تصدَّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر، وتأمُل الغِنى، ولا تُمْهِل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان)). • وتسوق الآياتُ سؤالَ المؤمنين للرسول صلى الله عليه وسلم عن مصارف النفقة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 215]، ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 219]. • ثم عندما تكلَّم في القتال، كانت النفقة مصاحبة له في كل المواضع، فبعد آيات القتال في الشهر الحرام؛ يقول تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195]. ثم بعد قصة القوم الذين فرُّوا من قريتهم خشية الموت؛ يقول تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [البقرة: 244، 245]. • وكذا بعد آية اختلاف الناس من بعدما جاءتهم البينات، وتفرُّقهم إلى معسكر كُفْرٍ ومعسكر إيمان؛ قال جل في علاه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]. وفي نهاية السورة يعرض لنا الله جل في علاه الآياتِ التي تُؤطِر لنا هذه النفقة ضمن مجموعة من الآداب والشروط، التي لا تُقبَل إلا مع تحققها. شروط النفقة وآدابها: وتنتهي قصص آيات الله في الحياة والموت، لتبدأ جزئية الإنفاق والتشريعات المالية، وكأن الله عز وجل يقول لنا: إنها جزء هام من قصة الحياة والموت، وإن اتباعنا شرائع الله في الأمور الاقتصادية تضمن لنا الحياة الحقيقية بمعناها النفسي والروحي، وحتى المادي، وإن شذوذنا عن شرائعه جل في علاه فيه الموت الروحي والنفسي، وحتى المادي، وربما تكون مسألة الربا أوضح مثال على هذا، فكلما استغرقت الأمم في التعامل الربوي، زادت مشاكلها، وعانت من سكرات الموت المجتمعي، وهذا ما لا يخفى على بصير، وكذا الأمر على الصعيد الفردي، فلا آكل الربا يجد الراحة في حياته ولا موكلها، ولا العامل عليها، غفرانك ربي. وكذا الأمر أيضًا بالنسبة لمانع الزكاة والصدقة، حياته في قلق دائم لا يعلم مصدره، والمشاكل تحيط به من كل جانب لا يكاد يخرج من حفرة إلا وقع بأعمق منها، ولا يُنجِّيه من واقعِهِ إلا التوبة وإصلاح ما فسد، فالإنفاق "في سبيل الله" - كما تحكي لنا الآيات - حياة، وزيادة في الرزق والأجر أضعافًا لا يعلمها إلا الله؛ يقول تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]. فكل نفقة في سبيل الله تُضاعف سبعمائة ضعف، سواء في حجٍّ أو جهاد؛ كما قال ابن عباس، أو في طاعة الله عمومًا؛ كما قال سعيد بن جبير، أو في إعانة المستضعفين والمساكين. وانظر إلى هذا التمثيل الرائع، فالمال أشبه بحبة من حبوب الزرع، ينمو بالنفقة، كما تنمو الحبة فتنبت سبع سنابل؛ أي: إن مقدار المال لا ينمو منه مثله، بل ينمو منه سبعة أمثاله، ثم إن كل مثل من هذه الأمثال السبعة يحمل في طيَّاته مائة ضعف، كما تحمل السنبلة مائة حبة، ولا ينتهي الأمر عند السبعمائة، بل يتعداه إلى ما لا يعلمه إلا الله من أضعاف؛ وهذا قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]، فكما أننا لا نتخيل مدى سعة عطائه جل في علاه، لا يمكننا أن نتخيل مدى مضاعفة أجر الإنفاق التي قد يكتبها الله "العليم" للمنفق، سبحان الواسع العليم! وآيات الإنفاق في هذا الجزء من السورة تستغرق ثلاث عشرة آية، نستخرج منها: شروط الصدقة وآدابها. أولًا: شروط الصدقة: الشرط الأول لقبول الصدقة: أن تكون في سبيل الله: شرط قبول النفقة ومضاعفتها أن تكون "في سبيل الله"؛ أي: لوجه الله وحده بنية خالصة من كل شرك ورياء؛ يقول القرطبي في تفسيره: "وهذه الآية لفظُها بيانُ مثالٍ لشرف النفقة في سبيل الله ولحُسنها، وضمنها التحريض على ذلك، فشبَّه المتصدق بالزارع، وشبَّه الصدقة بالبذر، فيعطيه الله بكل صدقة له سبعمائة حسنة؛ ثم قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 261]؛ يعني: على سبعمائة، فيكون مَثَلُ المتصدق مثل الزارع، إن كان حاذقًا في عمله، ويكون البذر جيدًا، وتكون الأرض عامرة، يكون الزرع أكثر، فكذلك المتصدق إذا كان صالحًا، والمال طيبًا، ويضعه موضعه، فيصير الثواب أكثر"؛ [انتهى]. أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ عمل ابن آدم يُضاعَف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدَعُ طعامه وشهوته من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخُلُوف فيه أطيبُ عند الله من ريح المسك، الصوم جُنَّة، الصوم جُنَّة))؛ [وكذا رواه مسلم]. ويقول السعدي في تفسيره: "﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ ﴾ [البقرة: 261] هذه المضاعفة ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 261] أي: بحسب حال المنفق وإخلاصه، وصدقه، وبحسب حال النفقة وحلِّها، ونفعها، ووقوعها موقعَها، ويحتمل أن يكون ﴿ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ ﴾ [البقرة: 261] أكثر من هذه المضاعفة ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 261]، يعطيهم أجرهم بغير حساب، ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ [البقرة: 261] الفضل، واسع العطاء، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261] بمن يستحق هذه المضاعفة، ومن لا يستحقها، فيضع المضاعفة في موضعها لكمال علمه وحكمته"؛[انتهى]. الشرط الثاني لقبول الصدقة ومضاعفتها: خُلُّوها من المنِّ، وفيه لعِظَمِ إثمه ثلاثُ آياتٍ: الأولى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 262]. وهؤلاء هم الذين ينفقون أموالهم في طاعة الله وسبيله، ولا يُتبعونها بما يَنقصها ويُفسدها من المنِّ بها على الْمُنْفَق عليه بالقلب أو باللسان، بأن يُعدِّد عليه إحسانه، ويغمِزه ويلمزه بأنه ذو فضل عليه، وأن عليه أن يعترف بهذا الفضل ويكون ممتنًّا له، بل ويدفع ضريبته بطريقة أو بأخرى، ومنهم من يؤذي مشاعر الفقير بكلمات أو عبارات ضمنها الإذلال والاستصغار، والعياذ بالله، فهؤلاء الذين لا يفعلون فعل المن، وينتهجون أساليبه، لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يُؤمِّنهم الله من الخوف والحزن، سبحان الكريم المنان! يقول القرطبي في تفسيره: "لما تقدم في الآية التي قبلُ ذِكْرُ الإنفاق في سبيل الله على العموم، بيَّن في هذه الآية أن ذلك الحكم والثواب إنما هو لمن لا يُتبع إنفاقه منًّا ولا أذًى؛ لأن المنَّ والأذى مُبطلان لثواب الصدقة، كما أخبر تعالى في الآية بعد هذا، وإنما على المرء أن يريد وجه الله تعالى وثوابه بإنفاقه على المنفَق عليه، ولا يرجو منه شيئًا، ولا ينظر من أحواله في حال سوى أن يراعي استحقاقه؛ قال الله تعالى: ﴿ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 9]، ومتى أنْفَقَ ليريد من المنفَق عليه جزاءً بوجه من الوجوه، فهذا لم يُرِدْ وجه الله، فهذا إذا أخلف ظنَّه فيه منَّ بإنفاقه وآذى، وكذلك من أنفق مضطرًّا دافِعَ غُرْمٍ إما لمانَّةٍ للمنفَق عليه، أو لقرينة أخرى من اعتناء معتنٍ، فهذا لم يُرِدْ وجه الله، وإنما يقبل ما كان عطاؤه لله وأكثر قصده ابتغاء ما عند الله؛ كالذي حُكِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن أعرابيًّا أتاه فقال: يا عمرَ الخير جُزِيتَ الجنَّهْ اكْسُ بُنيَّاتي وأُمَّهُنَّهْ وكُنْ لنا من الزمان جُنَّهْ أُقسم بالله لتفعلنَّه قال عمر: إن لم أفعل، يكون ماذا؟ قال: إذًا أبا حفص لأذهبنَّهْ قال: إذا ذهبتَ، يكون ماذا؟ قال: تكون عن حالي لتُسألنَّه يومَ تكون الأُعطيات هنَّه وموقفُ المسؤول بَيْنَهُنَّهْ إما إلى نارٍ وإما جنَّهْ فبكى عمر حتى اخضلَّت لحيته، ثم قال: يا غلامُ، أعْطِه قميصي هذا لذلك اليوم لا لشِعْرِهِ، والله لا أملِك غيره. قال الماوردي: وإذا كان العطاء على هذا الوجه خاليًا من طلب جزاءٍ وشكرٍ، وعُريًا عن امتنان ونشرٍ، كان ذلك أشرفَ للباذل، وأهنأ للقابل، فأما المعطي إذا التمس بعطائه الجزاءَ، وطلب به الشكر والثناء، كان صاحب سمعة ورياء، وفي هذين من الذمِّ ما ينافي السخاء، وإن طَلَبَ الجزاء كان تاجرًا مربحًا، لا يستحق حمدًا ولا مدحًا". يتبع |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
الثانية: ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 263]. ﴿ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ﴾ [البقرة: 263]؛ أي: تعرفه القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كلُّ قولٍ كريم، فيه إدخال السرور على قلب المسلم، ويدخل فيه ردُّ السائل بالقول الجميل والدعاء له، ﴿ وَمَغْفِرَةٌ ﴾ [البقرة: 263] لمن أساء إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي، فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذًى؛ لأن القول المعروف إحسانٌ قولي، والمغفرة إحسان أيضًا بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد، فهما أفضل من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذًى بمنٍّ أو غيره، وإنما كان المنُّ بالصدقة مُفسدًا لها محرمًا؛ لأن المنة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمُنُّ بنعمة الله وإحسانه وفضله، وهو ليس منه، وأيضًا فإن المانَّ مُستعبد لمن يمن عليه، والذل والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غنيٌّ بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلُّها مفتقرة إليه بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم ونفعها إليكم، ﴿ وَاللَّهُ غَنِيٌّ ﴾ [البقرة: 263] عنها، ومع هذا فهو ﴿ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 263] على من عصاه، لا يعاجله بعقوبة مع قدرته عليه"؛ [تفسير السعدي]. وقد وردت الأحاديث بالنهي عن المنِّ في الصدقة؛ ففي صحيح مسلم، من حديث شعبة، عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنَّان بما أعطى، والْمُسْبِل إزاره، والْمُنْفِق سلعته بالحلف الكاذب)). الثالثة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264]. وهذه الآية فيها ستُّ مسائل: هل تُبطِل السيئاتُ الحسناتِ؟ يخبرنا الله تعالى أن الصدقة تبطُل بما يتبعها من المن والأذى، فما يَفِي ثواب الصدقة بخطيئة المن والأذى. يقول السعدي في تفسيره: "ينهى عباده تعالى لطفًا بهم، ورحمة عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى؛ ففيه أن المن والأذى يُبطل الصدقة، ويُستدل بهذا على أن الأعمال السيئة تُبطل الأعمال الحسنة؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ [الحجرات: 2]، فكما أن الحسنات يذهبن السيئات، فالسيئات تُبطل ما قابلها من الحسنات. تشبيه المنَّان بالمرائي في صدقته، وكلاهما صدقته باطلة: ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ [البقرة: 264]؛ أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهَرَ لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدحُ الناس له أو شهرته بالصفات الجميلة؛ ليُشكَر بين الناس، أو يُقال: إنه كريم، ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى، وابتغاء مرضاته، وجزيل ثوابه". تشبيه المنَّان والمرائي بالكافر: ﴿ كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 264]. مثَّل الله تعالى الذي يمُنُّ ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس، لا لوجه الله تعالى، وبالكافر الذي يُنفق ليُقال: جواد، وليُثنَى عليه بأنواع الثناء. • تشبيه المنان بالصخر الأصم الذي لا ينفعه ماء، ولا يُنْبِت كلأً: ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ﴾ [البقرة: 264]. "ثم مثَّل هذا المنفق أيضًا بصفوان عليه تراب، فيظنه الظانُّ أرضًا مُنبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر، أذهب عنه التراب وبقِيَ صلدًا، فكذلك هذا المرائي، فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة، فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل عن الصفوان، وهو الحجر الكبير الأملس"؛ [القرطبي]. • عجز المنان والمرائي عن الانتفاع بصدقاتهم: ﴿ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ [البقرة: 264]. ومعنى ﴿ لَا يَقْدِرُونَ ﴾ يعني المرائي والكافر والمانَّ ﴿ عَلَى شَيْءٍ ﴾؛ أي: على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم، وهو كسبهم عند حاجتهم إليه، إذا كان لغير الله، فعبَّر عن النفقة بالكسب؛ لأنهم قصدوا بها الكسب - كسب الشهرة، كسب المنفعة، تحصيل مصلحة - وقيل: ضرب هذا مثلًا للمرائي في إبطال ثوابه، ولصاحب المنِّ والأذى في إبطال فضله؛ [ذكره الماوردي، كما جاء في تفسير القرطبي]. • هم محرومون من الهداية كحرمان الكافرين منها: ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 264]. وفي مقابل المنان يعرِض لنا الله سبحانه وتعالى مَثَلَ المنفِق ابتغاءَ رضوان الله؛ فيقول: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 265]. "لما ذكر الله تعالى صفةَ صدقاتِ القوم الذين لا خَلَاقَ لصدقاتهم، ونهى المؤمنين عن مواقعة ما يشبه ذلك بوجه ما، عقَّب في هذه الآية بذكر نفقات القوم الذين تزكو صدقاتهم؛ إذ كانت على وفق الشرع ووجهه، و﴿ ابْتِغَاءَ ﴾ [البقرة: 265] معناه طَلَب، و﴿ مَرْضَاتِ ﴾ [البقرة: 265] مصدر من رضِيَ يرضى، ﴿ وَتَثْبِيتًا ﴾ [البقرة: 265] معناه أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم؛ قاله مجاهد والحسن، قال الحسن: كان الرجل إذا همَّ بصدقة تثبَّت، فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شكٌّ أمسك، وقيل: معناه تصديقًا ويقينًا؛ [القرطبي]. وإن كانت نفقة المنان والمرائي كمثل صفوان عليه تراب، فنفقة المنفق في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، ﴿ كَمَثَلِ جَنَّةٍ ﴾ [البقرة: 265]؛ وهو البستان ﴿ بِرَبْوَةٍ ﴾ [البقرة: 265]؛ أي: في مكان مرتفع، عليها تراب خصب مُنبت، كلا المكانين أصابه وابل، لكن الوابل الذي أصاب الصفوان تركه صلدًا، بينما أنبتت الجنة بالوابل الذي أصابها ضعفي ما تنبت عادة، ﴿ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ﴾ [البقرة: 265]؛ يقول ابن كثير: "قال الضحاك: هو الرذاذ، وهو اللين من المطر؛ أي: هذه الجنة بهذه الربوة لا تُمحل أبدًا؛ لأنها إن لم يصبها وابل فطلٌّ، وأيًّا ما كان فهو كفايتها، وكذلك عمل المؤمن لا يبور أبدًا، بل يتقبله الله ويُكثره ويُنمِّيه، كل عامل بحسبه؛ ولهذا قال: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 265]"؛ [انتهى]. ثم يسوق لنا الله عز وجل مثالًا مُصوَّرًا يجسِّد حال الذي يعمل عملًا لوجه الله تعالى؛ من صدقة أو غيرها، ثم يعمل أعمالًا تُفسده؛ يقول تعالى: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 266]. "أخرج البخاري عن عبيد بن عمير قال: قال عمر بن الخطاب يومًا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فِيمَ ترَون هذه الآية نزلت: ﴿ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ ﴾ [البقرة: 266]؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فغضِب عمر، وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم، فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، قال: يا بن أخي، قُلْ ولا تَحْقِر نفسك، قال ابن عباس: ضُرِبت مثلًا لعملٍ، قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لعملِ رجل غنيٍّ يعمل بطاعة الله، ثم بعث الله عز وجل له الشيطان، فعمِل في المعاصي حتى أحرق عمله، وفي رواية: فإذا فنِيَ عمره، واقترب أجله، خُتِم ذلك بعمل من أعمال الشقاء، فرضِيَ ذلك عمرُ، وروى ابن أبي مليكة أن عمر تلا هذه الآية، وقال: هذا مَثَلٌ ضُرب للإنسان يعمل عملًا صالحًا، حتى إذا كان عند آخر عمره أحوجَ ما يكون إليه، عمِلَ عَمَلَ السوء"؛ [ابن كثير]. ثانيًا: آداب الصدقة: ومن آداب الصدقة: 1- الإنفاق من طيب الكسب وطيب المال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [البقرة: 267]. "قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من أطيب المال وأجوده وأنْفَسِه، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيه وهو خبيثه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا؛ ولهذا قال: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا ﴾ [البقرة: 267]؛ أي: تقصدوا ﴿ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ ﴾ [البقرة: 267]؛ أي: لو أعطيتموه ما أخذتموه، إلا أن تتغاضَوا فيه، فالله أغنى عنه منكم، فلا تجعلوا لله ما تكرهون، وقيل: معناه: ﴿ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ﴾ [البقرة: 267]؛ أي: لا تعدلوا عن المال الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه"؛ [ابن كثير]. ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 268، 269]. ثم إن الامساك عن الإنفاق، والبخل به، وقبض اليد، لا يتأتى إلا من وسوسة الشيطان وتخويفه لابن آدم أن يفتقر لو أنه أعطى من ماله، فما إن ينوِ ابن آدم دَفْعَ الصدقة حتى تبدأ الوساوس، وتطفوَ على السطح كل المصارف التي يجد أنها تلزمه أن يضع فيها هذا المال، فينتهي وقد أقلع عن فكرة الإنفاق، سواء أكان صدقة أم زكاة! ولئن لم يقلع عن الفكرة نهائيًّا، يلجأ إلى إخراج أردأ ما لديه؛ من ملابس، أو ثمار، أو أنعام، أو أي شيء تجب فيه الزكاة، أو يريد أن يتصدق به، وكل هذا من تخويف الشيطان. يقول القرطبي في تفسيره: "﴿ يَعِدُكُمُ ﴾ [البقرة: 268] معناه: يخوفكم ﴿ الْفَقْرَ ﴾ [البقرة: 268]؛ أي: بالفقر لئلا تنفقوا، فهذه الآية متصلة بما قبل، وأن الشيطان له مدخل في التثبيط للإنسان عن الإنفاق في سبيل الله، وهو مع ذلك يأمر بالفحشاء؛ وهي المعاصي والإنفاق فيها". ﴿ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ ﴾ [البقرة: 268] لذنوبكم، وتطهيرًا لعيوبكم، ﴿ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة: 268]، وإحسانًا إليكم في الدنيا والآخرة، من الخلف العاجل، وانشراح الصدر، ونعيم القلب والروح والقبر، وحصول ثوابها وتَوفِيَتِها يوم القيامة، ﴿ وَاللَّهُ وَاسِعٌ ﴾ [البقرة: 268] بعطائه وعِوَضِه، ﴿ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268] بكم، وبما تُسرون وما تُعلنون من أمر الإنفاق"؛ [انتهى]. وقال الشوكاني في فتح القدير: "قوله: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ ﴾ [البقرة: 268]، معناه: يخوِّفكم الفقر؛ أي: بالفقر؛ لئلا تنفقوا، فهذه الآية متصلة بما قبلها، والفحشاء: الخصلة الفحشاء؛ وهي المعاصي، والإنفاق فيها، والبخل عن الإنفاق في الطاعات؛ قال في الكشاف: والفاحش عند العرب: البخيل. وقوله: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ ﴾ [البقرة: 269] هي العلم، وقيل: الفهم، وقيل: الإصابة في القول، ولا مانع من الحمل على الجميع شمولًا أو بدلًا، وقيل: إنها النبوة، وقيل: العقل، وقيل: الخشية، وقيل: الورع، وأصل الحكمة: ما يمنع من السَّفَهِ، وهو كل قبيح،والمعنى: أن من أعطاه الله الحكمة فقد أعطاه خيرًا كثيرًا؛ أي: عظيمًا قدره، جليلًا خطره"؛ [انتهى الشوكاني]. 2- من آداب الصدقة أيضًا مراقبة الله: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [البقرة: 270]. ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ ﴾ [البقرة: 270]، ما: شرطية، ويجوز أن تكون موصولة، والعائد محذوف، أي: الذي أنفقتموه، وهذا بيان لحكم عامٍّ يشمل كل صدقة مقبولة وغير مقبولة، وكل نذر مقبول أو غير مقبول، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ﴾ [البقرة: 270]؛ أي: يعلم ما كان خالصًا لله، وما لم يكن. ﴿ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [البقرة: 270]؛ أي: ما للظالمين أنفسهم - بما وقعوا فيه من الإثم لمخالفة ما أمر الله به من الإنفاق في وجوه الخير - من أنصار ينصرونهم، ويمنعونهم من عقاب الله، بما ظلموا به أنفسهم، والأولَى الحمل على العموم من غير تخصيص لِما يفيده السياق؛ أي: ما للظالمين بأي مظلمة كانت من أنصار"؛ [الشوكاني، فتح القدير]. 3- إخفاء الصدقة و/ أو إعلانها: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 271]. يرى ابن كثير أن في هذه الآية دلالة على أن إسرار الصدقة أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية، والأصل أن الإسرار أفضل؛ لهذه الآية، ويستشهد بما ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلَّق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع إليه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، ورجل دَعَتْهُ امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))؛ [انتهى]. بينما يفصل الشوكاني في فتح القدير: إن تُظهِروا الصدقات فنعم شيئًا إظهارُها، وإن تخفوها وتصيبوا بها مصارفها من الفقراء، فالإخفاء خير لكم. وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع، لا في صدقة الفرض، فلا فضيلة للإخفاء فيها، بل قد قيل: إن الإظهار فيها أفضل، وقالت طائفة: إن الإخفاء أفضل في الفرض والتطوع؛[انتهى، والله أعلم]. ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 272]: يحمل بعض المفسرين هذه الآية على أنها نزلت في مشروعية الصدقة على الكفار وغير المسلمين، ويسوقون لها سبب نزول، فإن كان الأمر كذلك، فهي منسوخة بآية الصدقات: جاء في تفسير القرطبي: "روى سعيد بن جبير مرسلًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في سبب نزول هذه الآية أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذِّمَّة، فلما كثُر فقراء المسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تتصدقوا إلا على أهل دينكم))، فنزلت هذه الآية مُبيحة للصدقة على من ليس من دين الإسلام، وذكر النقَّاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بصدقات فجاءه يهودي فقال: أعطِني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس لك من صدقة المسلمين شيء))، فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ [البقرة: 272]، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه، ثم نسخ الله ذلك بآية الصدقات"؛ [انتهى]. وتبدو الآية، ومن خلال السياق أنها مرتبطة بما قبلها من أمرٍ بالصدقات بشروطها وآدابها، فمن لم يهتدِ، ويعمل بما أُنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من أحكام الصدقة، فإن الأمر لله يهدي من يشاء، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 272]، والله أعلم. ثم تُبيِّن الآية في خطابها للمؤمنين أن الإنفاق إنما ينتفع به صاحبه لِما يجده من ثمراته في الدنيا والآخرة، وأن هذا الإنفاق المنتفَع به هو ذاك المقيَّد بما يُبتغى به وجه الله فقط؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أُجِرْتَ بها، حتى ما تجعل في في امرأتك))؛ [صحيح البخاري، صحيح الأدب المفرد]، وقوله تعالى: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 272]، ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 272] تأكيد وبيان لقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ ﴾ [البقرة: 272]، وأن ثواب الإنفاق يُوفَّى إلى المنفقين، ولا يُبخسون منه شيئًا، فيكون ذلك البخس ظلمًا لهم. 4- تحرِّي المتعفِّفين عن السؤال في الصدقة: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 273]. قال السدي ومجاهد وغيرهما: المراد بهؤلاء الفقراء فقراءُ المهاجرين من قريش وغيرهم، ثم تتناول الآية كل من دخل تحت صفة الفقراء غابرَ الدهر، وإنما خصَّ فقراء المهاجرين بالذكر؛ لأنه لم يكن هناك سواهم، وهم أهل الصُّفَّة، وكانوا نحوًا من أربعمائة رجل، وذلك أنهم كانوا يقدمون فقراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لهم أهل ولا مال، فبُنِيت لهم صُفَّة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لهم: أهل الصُّفَّة، قال أبو ذر: كنتُ من أهل الصُّفَّة، وكنا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأمر كل رجل فينصرف برجلٍ، ويبقى من بقِيَ من أهل الصُّفَّة عشرة أو أقل، فيُؤتى النبي صلى الله عليه وسلم بعشائه ونتعشى معه"؛ [تفسير القرطبي]. ﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ [البقرة: 273]؛ أي: الجاهل بأمرهم وحالهم يحسبهم أغنياء، من تعفُّفهم في لباسهم وحالهم ومقالهم؛ وفي هذا المعنى الحديث المتفق على صحته، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان، واللقمة واللقمتان، والأكلة والأكلتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غِنًى يُغنيه، ولا يُفطَن له فيُتصدَّق عليه، ولا يسأل الناس شيئًا))، وقد رواه أحمد، من حديث ابن مسعود أيضًا. ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ [البقرة: 273]؛ أي: لا يُلِحُّون في المسألة، ويُكلِّفون الناس ما لا يحتاجون إليه، فإن من سأل وله ما يغنيه عن السؤال، فقد ألحف في المسألة. ﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 273]؛ [تفسير ابن كثير]. 5- جزاء المنفق في سبيل الله على كل الوجوه: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 274]، سواء كان المنفق نفقة سرٍّ أو نفقة علانية، لا رياء فيها ولا سمعة، وسواء كانت في الليل أم في النهار، فجزاؤه ثلاثة: • أجره مُدَّخَر عند ربه الرحمن الرحيم، الواسع العليم. • وصدقته أمان من الخوف. • وأمان من الحزن. اللهم اجعلنا منهم، اللهم آمين. والحمد لله رب العالمين. يتبع بإذن الله. |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقفات ودروس من سورة البقرة (16) والأخيرة ميسون عبدالرحمن النحلاوي وفيها: • تشريعات مالية أساسية في المجتمع الإسلامي: أحكام الربا، أحكام المداينة. • وختام السورة. بسم الله الرحمن الرحيم الربا الكبيرة التي استوجبت حرب الله ورسوله: لطالما كان الحديثُ في الكبائر مستفيضًا في الخطب، وعلى المنابر، وفي الدروس والمواعظ، ونصُّ حديث الصحيحين: ((اجتنبوا السبع الْمُوبِقات، قالوا: وما هُنَّ يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)). ولطالما تربَّى في النفوس أن الشرك والسحر، وقتل النفس وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات من الكبائر، ولطالما تحرَّى المؤمنون اجتنابها وأفلحوا في ذلك، وبقِيَت كبيرة، يتم تناولها في الوعظ والإرشاد على استحياء وفي عُجالة؛ وهي كبيرة الربا، مع أنها الكبيرة الوحيدة التي استوجبت حربَ الله ورسوله للمتعامل بها، سواء كان آكلَها أو موكلها، أو شاهدها أو كاتبها. كبيرة الربا هي تلك التي قبَّحها صلى الله عليه وسلم بأشدَّ ما يكون عليه التمثيل قباحة؛ فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الربا ثلاثة وسبعون بابًا، وأيسرها مثل أن ينكح الرجل أمَّه، وإن أربى الربا عِرْضُ الرجل المسلم))؛ [أخرجه ابن ماجه، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي، وصححه الألباني في صحيح الجامع]. وأخرج الترمذي في صحيحه عن عبدالله بن مسعود، عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الربا وموكله، وشاهدَيه وكاتبه))، وهؤلاء هم الذين لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس؛ قال ابن عباس: "آكل الربا يُبعَث يوم القيامة مجنونًا يخنق"، ومع ذلك تربَّى في النفوس استصغار كبيرة الربا، فكانت أكبر مداخل أعداء الإسلام للهيمنة على الأمة، وخنقها بكل ما لهذه الكلمة من معنًى، وكان حجر الأساس المصارف الربوية اليهودية التي دخلت على الأمة بأسماء بريطانية وفرنسية وأمريكية، في منتصف القرن التاسع عشر، واليوم أصبحت نسبة المبرِّرين لضرورة التعامل مع المصارف الربوية، والسابحين في مستنقعه من أبناء الأمة نسبةً مُخجلة لعِظَمِها، متذرِّعين بالعجز عن مجانبته، وما يعيشه المسلمون اليوم من ضنك، على مستوى الأفراد والشعوب والنُّظُم التي رَتَعتْ في الربا عن رضًا، وأكلته بشراهة من أجل متاع الحياة الدنيا - أبلغُ دليل على محق الله للربا وحربه على آكليها وموكليها، وشاهدِيها وكاتبِيها. حربُهُ جل وعلا على المجتمعات التي لبِست لَبُوس الربا واختالت به، فهل من مُدَّكِرٍ؟ نعود إلى سياق الآيات: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 275 - 281]. يقول الشوكاني: "الربا في اللغة: الزيادة مطلقًا، يُقال: رَبَا الشيء يربو: إذا زاد، وفي الشرع يُطلَق على شيئين: على ربا الفضل، وربا النَّسِيئة، حسبما هو مفصَّل في كتب الفروع، وغالبُ ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حلَّ أجَلُ الدَّين، قال من هو له لمن هو عليه: أتقضي أم تُربي؟ فإذا لم يقضِ، زاد مقدارًا في المال الذي عليه، وأخَّر له الأجل إلى حين"؛ [انتهى]. • والربا أنواع، وأشهرها ربا الفضل وربا النسيئة: فأما ربا النسيئة؛ فقد قال عنه قتادة: إن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مُسمًّى، فإذا حلَّ الأجل، ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه. • وأما ربا الفضل، فهو أن يبيع الرجل الشيء بالشيء من نوعه مع زيادة؛ عن أبي سعيد الخدري قال: ((جاء بلالٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر بَرْنِيٍّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ قال: كان عندنا تمر رديءٌ، فبِعْتُ منه صاعَين بصاعٍ، فقال: أوَّهْ عينُ الربا، عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتريَ، فَبِعِ التمر ببيع آخر، ثم اشترِ به))؛ [صحيح البخاري]، وفي الحديث نهيٌ عن ربا الفضل. نستعرض في آيات الربا عددًا من المسائل، والله المستعان: 1- حال آكِلِ الربا: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾ [البقرة: 275]، لما ذكر تعالى الأبرارَ المؤدِّين النفقاتِ، المخرجين الزكواتِ، المتفضِّلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات، في جميع الأحوال والآنات، شرع في ذِكْرِ أكَلَةِ الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشُّبُهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم، فقال: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ﴾ [البقرة: 275]؛ أي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة، إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبُّط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قيامًا مُنكرًا، وقال ابن عباس: آكل الربا يُبعث يوم القيامة مجنونًا يخنق"؛ [ابن كثير]. 2- حكم الربا: حرمة قطعية ظاهرة غير قابلة للتأويل: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 275]. 3- حكم من أقلع عن الربا: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [البقرة: 275]؛ أي: من بلغه نهيُ الله عن الربا، فانتهى حالَ وصول الشرع إليه، فله ما سلف من المعاملة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: ((وكل ربًا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول رِبًا أضعُ ربا العباس))، ولم يأمرهم بردِّ الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية، بل عفا عما سلف؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [البقرة: 275]. 4- حكم من لم يَنْتَهِ: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 275]، ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾؛ أي: إلى الربا، ففعله بعد بلوغ نهيِ الله له عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحُجَّة، ولهذا قال: ﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [البقرة: 275]. 5- تكفل الله بمحق الربا؛ لقوله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾ [البقرة: 276]، فليس لمجتهدٍ أن يقول: آخُذُ الربا وأُنفقه حتى لا يستفيد منه الكفَّار، فالله قد تكفَّل بمحق الربا على كل وجوهه ومن كل مصادره، فالربا محرَّم في جميع الشرائع السماوية. 6- المفاضلة بين الربا والصدقات: ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [البقرة: 276]، يمحق الربا؛ أي: يُذهِبه، إما بأن يُذهِبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرِمه بركة ماله فلا ينتفع به، بل يعذبه به في الدنيا، ويعاقبه عليه يوم القيامة، وهذا نظير الخبر الذي رُوِيَ عن عبدالله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((الربا وإن كثُر فإلى قُلٍّ))، وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد في مسنده، فقال: حدثنا حجاج، قال: حدثنا شريك عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الربا وإنْ كَثُرَ، فإن عاقبته تصير إلى قُلٍّ))، وقد رواه ابن ماجه، عن العباس بن جعفر، عن عمرو بن عون، عن يحيى بن أبي زائدة، عن إسرائيل، عن الركين بن الربيع بن عميلة الفزاري، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما أحدٌ أكْثَرَ من الربا، إلا كان عاقبة أمره إلى قِلَّةٍ)). وقوله: ﴿ وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ [البقرة: 276]، قُرِئ بضم الياء والتخفيف، من رَبَا الشيء يربو، وأرْباهُ يُربيه؛ أي: كثَّره ونمَّاه يُنمِّيه، وقُرِئ: ويربي بالضم والتشديد، من التربية؛ كما قال البخاري: حدثنا عبدالله بن منير، سمع أبا النضر، حدثنا عبدالرحمن بن عبدالله بن دينار، عن أبيه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تصدَّق بعدل تمرة من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - وإن الله لَيقبلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبه، كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه، حتى يكون مثل الجبل)). 7- وصف المرابي بالكفَّار الأثيم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ [البقرة: 276]، يقول ابن كثير: "الله عز وجل لا يحب كَفُورَ القلب، أثيم القول والفعل، ولا بد من مناسبة في ختم هذه الآية بهذه الصفة، وهي أن المرابي لا يرضى بما قسم الله له من الحلال، ولا يكتفي بما شُرِع له من التكسُّب المباح، فهو يسعى في أكل أموال الناس بالباطل، بأنواع المكاسب الخبيثة، فهو جحود لِما عليه من النعمة، ظَلومٌ آثمٌ بأكل أموال الناس بالباطل"؛ [انتهى]. 8- المؤمنون هم من يمتثلون لأوامر الله، وأجرهم أمان من الحزن والخوف: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 277]. فلما ذكر أكَلةَ الربا، وكان من المعلوم أنهم لو كانوا مؤمنين إيمانًا ينفعهم، لم يصدر منهم ما صدر، ذكر حالة المؤمنين وأجرَهم، وخاطبهم في الآية التالية بصفة إيمانهم هذه، فنهاهم عن أكل الربا إن كانوا مؤمنين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 278]؛ [السعدي]. 9- الأمر بترك الربا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 278]؛ قال مقاتل بن حيان، والسدي في سبب نزول الآية: إن هذا السياق نزل في بني عمرو بن عمير من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بينهم ربًا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام ودخلوا فيه، طلبت ثقيف أن تأخذه منهم، فتشاوروا، وقالت بنو المغيرة: لا نؤدي الربا في الإسلام، فكتب في ذلك عتَّاب بن أُسَيد نائب مكة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية، فكتب بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 278، 279]، فقالوا: نتوب إلى الله، ونَذَرُ ما بقِيَ من الربا، فتركوه كلهم. 10- الربا وحرب الله ورسوله: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 279]. وهذا تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن استمر على تعاطي الربا بعد الإنذار؛ قال ابن عباس ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ ﴾؛ أي: استيقنوا بحرب من الله ورسوله. وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يُقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، ثم قرأ: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 279]، وقال عليُّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [البقرة: 279]، فمن كان مقيمًا على الربا لا ينزع عنه، فحقٌّ على إمام المسلمين أن يَسْتَتَيبه، فإن نزع، وإلا ضرب عنقه، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبدالأعلى، حدثنا هشام بن حسان، عن الحسن وابن سيرين، أنهما قالا: والله إن هؤلاء الصيارفة لَأَكَلَةُ الربا، وإنهم قد أذنوا بحرب من الله ورسوله، ولو كان على الناس إمامٌ عادل لاستتابهم، فإن تابوا وإلا وَضَعَ فيهم السلاح، وقال قتادة: أوعدهم الله بالقتل كما تسمعون، وجعلهم بَهْرَجًا أينما أتَوا، فإياكم وما خالط هذه البيوع من الربا؛ فإن الله قد أوسَعَ الحلال وأطابه، فلا تُلْجِئنَّكم إلى معصيته فاقةٌ؛ [رواه ابن أبي حاتم]، وقال الربيع بن أنس: أوعد الله آكل الربا بالقتل؛ [رواه ابن جرير]. وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 279]؛ أي: بأخذ الزيادة، ﴿ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 279]؛ أي: بوضع رؤوس الأموال أيضًا، بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه، ولا نقص منه؛ [تفسير ابن كثير]. 11- إنظار الْمُعْسِر في دفع رأس المال: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]؛ يقول القرطبي: "لما حَكَمَ جل وعز لأرباب الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال، حَكَمَ في ذي العسرة بالنَّظِرة إلى حال الميسرة؛ وذلك أن ثقيفًا لما طلبوا أموالهم التي لهم على بني المغيرة، شكَوا العسرة - يعني بني المغيرة - وقالوا: ليس لنا شيءٌ، وطلبوا الأجل إلى وقت ثمارهم، فنزلت هذه الآية: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ [البقرة: 280]، والصدقة في السدِّ عن المعسر ثوابها عظيم؛ ورد في السنة النبوية عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتى الله بعبدٍ من عبيده يوم القيامة، قال: ماذا عمِلت لي في الدنيا؟ فقال: ما عمِلتُ لك يا ربِّ مثقالَ ذرة في الدنيا أرجوك بها؛ قالها ثلاث مرات، قال العبد عند آخرها: يا رب، إنك أعطيتني فضلَ مالٍ، وكنتُ رجلًا أبايع الناس، وكان من خُلُقي الجَوَازُ، فكنت أيسِّر على الْمُوسر، وأنْظُر الْمُعْسِر، قال: فيقول الله عز وجل: أنا أحق من ييسر، ادخل الجنة))؛ [أخرجه البخاري ومسلم]. 12- وتختم آيات الربا بتذكرة الله عز وجل لعباده بزوال الدنيا، وفناء ما فيها من الأموال وغيرها، فالمال يفنى، ويبقى إثمه أو ثوابه، يُحاسَب عليه العبد يوم الرجوع إلى الله: ﴿ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ [هود: 103]، فيجازي الله عباده بما كسبوا من خيرٍ وشرٍّ؛ وهذا قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]، وقد روى النسائي عن عكرمة، عن عبدالله بن عباس، قال: "آخر شيء نزل من القرآن: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 281]". قال الثوري عن ابن عباس قال: "آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا"؛ [رواه البخاري]، وروى أحمد عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه قال: قال: "من آخر ما نزل آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قُبِضَ قبل أن يفسِّرها لنا، فدَعُوا الرِّبا والرِّيبة". آية المداينة: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282]. عن عبدالله بن عباس رضي الله عنه قال: ((لما نزلت آية الدَّين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول من جَحَدَ آدمُ عليه السلام، أو أول من جحد آدمُ، إن الله عز وجل لما خلق آدم، مسح ظهره، فأخرج منه ما هو من ذراريَّ إلى يوم القيامة، فجَعَلَ يعرِض ذريته عليه، فرأى فيهم رجلًا يزهر، فقال: أي رب، من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال: أي رب، كم عمره؟ قال: ستون عامًا، قال: رب زِدْ في عمره، قال: لا إلا أن أزيده من عمرك، وكان عُمْرُ آدمَ ألفَ عامٍ، فزاده أربعين عامًا، فكتب الله عز وجل عليه بذلك كتابًا، وأشهد عليه الملائكة، فلما احتُضر آدم، وأتَتْهُ الملائكة لتقبضه، قال: إنه قد بقِيَ من عمري أربعون عامًا، فقيل: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما فعلتُ، وأبرز الله عز وجل عليه الكتابَ وشهدت عليه الملائكة))؛ [المصدر: مسند أحمد، وصححه أحمد شاكر]. وآية الدَّين هي أطول آيات القرآن، وقد اشتملت على أحكام دقيقة معجِزة في إيجازها، تغطي مسألة الدين الواسعة، نبسطها مع بعض الوقفات: 1- فرض كتابة المداينات: قال ابن كثير: "﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ﴾ [البقرة: 282]، هذا إرشاد منه تعالى لعباده المؤمنين، إذا تعاملوا بمعاملات مؤجَّلة أن يكتبوها؛ ليكون ذلك أحفظَ لمقدارها وميقاتها، وأضبطَ للشاهد فيها، وقد نبَّه على هذا في آخر الآية؛ حيث قال: ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾ [البقرة: 282]، وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس في قوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾ [البقرة: 282]، قال: أُنزِلت في السَّلَمِ إلى أجل معلوم"؛ [انتهى]. يتبع |
رد: وقفات ودروس من سورة البقرة
وقال القرطبي: "لا بد للسَّلَمِ من أجل، وأنه لا بد أن يكون معينًا معلومًا، فلا يصح حالًّا، ولا إلى أجل مجهول، قال ابن المنذر: دلَّ قول الله: ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [البقرة: 282] على أن السَّلَمَ إلى الأجل المجهول غير جائز، ودلَّت سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معنى كتاب الله تعالى؛ ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدِم المدينة وهم يستلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أسلف في تمر، فلْيُسْلِفْ في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم))؛ [رواه ابن عباس، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما]"؛ [انتهى]، ﴿ فَاكْتُبُوهُ ﴾ [البقرة: 282]؛ يعني: الدَّين والأجل، الأمر بكتابة جميع عقود المداينات؛ تجنُّبًا للمغالطات والمشاجرات، والنزاع والنكران التي تنتهي بظالم ومظلوم. 2- العدل في كتابة المداينة: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ [البقرة: 282]، أمَرَ الكاتب أن يكتب، قال عطاء وغيره: واجب على الكاتب أن يكتب، وقاله الشعبي، وذلك إذا لم يوجد كاتب سواه، فواجب عليه أن يكتب بالعدل؛ أي: بالحق والمعدلة؛ أي: لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل، وإنما قال: ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ ولم يقل: أحدكم؛ لأنه لما كان الذي له الدَّين يَتَّهِم في الكتابة الذي عليه الدَّين، وكذلك بالعكس، شرع الله سبحانه كاتبًا غيرهما يكتب بالعدل، لا يكون في قلبه ولا قلمه موادَّة لأحدهما على الآخر، وقيل: إن الناس لما كانوا يتعاملون، حتى لا يشذ أحدهم عن المعاملة، وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب، أمر الله سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل، الباء في قوله تعالى: ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾ متعلقة بقوله: ﴿ وَلْيَكْتُبْ ﴾ وليست متعلقة بـ﴿ كَاتِبٌ ﴾؛ لأنه كان يلزم ألَّا يكتب وثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد والمتحوط إذا أقاموا فقهها، أما المنتصبون لكتبها، فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولًا مرضيين؛ قال مالك رحمه الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدل في نفسه مأمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ﴾ [البقرة: 282]؛ [القرطبي]. وقال السعدي: "إنه يجب عليه العدلُ بينهما، فلا يميل لأحدهما لقرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن يكون الكاتب عارفًا بكتابة الوثائق، وما يلزم فيها كل واحد منهما، وما يحصل به التوثق؛ لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك، قال العلماء: إنه إذا وُجِدت وثيقة بخط المعروف بالعدالة المذكورة، يُعمَل بها، ولو كان هو والشهود قد ماتوا". 3- على الكاتب أن يكتب إذا دُعِيَ لكتابة المداينة: ﴿ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ﴾ [البقرة: 282]، فلا يمتنع مَنْ مَنَّ الله عليه بتعليمه الكتابة، أن يكتب بين المتداينين، فكما أحسن الله إليه بتعليمه، فليُحسن إلى عباد الله المحتاجين إلى كتابته، ولا يمتنع من الكتابة لهم، أمَرَ الكاتب ألَّا يكتب إلا ما أملاه مَن عليه الحق. 4- على الكاتب أن يكون أمينًا تقيًّا في كتابته: ﴿ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ﴾ [البقرة: 282]، فأمَرَ الله تعالى الذي عليه الحق بالإملاء؛ لأن الشهادة إنما تكون بسبب إقراره، وأمره تعالى بالتقوى فيما يُمِلُّ، ونهى عن أن يبخس شيئًا من الحق، والبخس النقص؛ ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ [البقرة: 228]، أمَرَهُ أن يُبيِّن جميع الحق الذي عليه ولا يبخس منه شيئًا، ويكون مرجعه في ذلك تقوى الله ومخافته. وإقرار الإنسان على نفسه مقبول؛ لأن اللهَ أمَرَ مَن عليه الحق أن يُمِلَّ على الكاتب، فإذا كتب إقراره بذلك، ثبت موجبه ومضمونه، وهو ما أقر به على نفسه، ولو ادَّعى بعد ذلك غلطًا أو سهوًا؛ قاله السعدي. 5- إنابة الولي في الإملاء والإقرار: ﴿ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ﴾ [البقرة: 282] فمن لا يقدر على إملاء الحق؛ لصِغَرِهِ، أو سفَهِهِ، أو خَرَسِهِ، أو نحو ذلك، فإنه ينوب وليُّه منابَه في الإملاء والإقرار؛ ويقول السعدي: "أنه يلزم الولي من العدل ما يلزم مَن عليه الحق من العدل، وعدم البخس؛ لقوله: ﴿ بِالْعَدْلِ ﴾، وأنه يشترط عدالة الولي؛ لأن الإملاء بالعدل المذكور لا يكون من فاسق، العشرون: ثبوت الولاية في الأموال، وأن إقرار الصغير والسفيه، والمجنون والمعتوه، ونحوهم وتصرفهم غير صحيح؛ لأن الله جَعَلَ الإملاء لوليِّهم، ولم يجعل لهم منه شيئًا لطفًا بهم ورحمة؛ خوفًا من تلاف أموالهم، وتصرف السفيه المحجور عليه دون إذن وليِّه فاسدٌ إجماعًا، مفسوخ أبدًا، لا يُوجِب حكمًا ولا يؤثر شيئًا، ويشترط عدالة الولي؛ لأن الإملاء بالعدل المذكور لا يكون من فاسق"؛ [انتهى، السعدي]. 6- الشهادة على المكاتبة: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [البقرة: 282]؛ قال القرطبي: "﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [البقرة: 282] الاستشهاد: طلب الشهادة، واختلف الناس هل هي فرض أو ندب؟ والصحيح أنه ندب"؛ [انتهى]. 7- ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ [البقرة: 282]؛ يقول السعدي: "فنِصاب الشهادة في الأموال ونحوها رجلان، أو رجل وامرأتان، ودلَّت السُّنَّةُ أيضًا أنه يُقبَل الشاهد مع يمين المدَّعِي، ويستدل أيضًا أن شهادة الصبيان غير مقبولة لمفهوم لفظ الرجل، وأن شهادة النساء منفردات في الأموال ونحوها لا تُقبَل؛ لأن الله لم يقبلهن إلا مع الرجل، والله أعلم، أن شهادة العبد البالغ مقبولة كشهادة الحر؛ لعموم قوله: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ﴾ [البقرة: 282]، والعبد البالغ من رجالنا، وأن شهادة الكفار - ذكورًا كانوا أو نساء - غير مقبولة؛ لأنهم ليسوا منا، ولأن مبنى الشهادة على العدالة، وهو غير عدل"؛ [انتهى]. 8- ﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ [البقرة: 282]؛ يقول القرطبي: "﴿ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ﴾ [البقرة: 282]، وقال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ ﴾ [الطلاق: 2] فـ﴿ مِنْكُمْ ﴾ خطاب للمسلمين، وهذا يقتضي قطعًا أن يكون معنى العدالة زائدًا على الإسلام ضرورة؛ لأن الصفة زائدة على الموصوف، وكذلك ممن ترضون مثله، ثم لا يُعلَم كونه مرضيًّا حتى يُختبَر حاله، فيلزمه ألَّا يكتفي بظاهر الإسلام" [انتهى]. 9- ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ [البقرة: 282] يجب على الشاهد إذا دُعِيَ للشهادة، وهو غير معذور أن يستجيب، لا يجوز له أن يأبى؛ لقوله: ﴿ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ﴾ [البقرة: 282]، ومن لم يتصف بصفة الشهداء المقبولة شهادتهم، لم يجب عليه الإجابة لعدم الفائدة بها، ولأنه ليس من الشهداء؛ هذا قول السعدي في تفسيره، أما القرطبي فيقول: "قال ابن عطية: والآية كما قال الحسن جمعت أمرين على جهة الندب، فالمسلمون مندوبون إلى معونة إخوانهم، فإذا كانت الفسحة لكثرة الشهود والأمن من تعطيل الحق، فالمدعوُّ مندوب، وله أن يتخلَّف لأدنى عذر، وإن تخلَّف لغير عذر، فلا إثم عليه ولا ثواب له، وإذا كانت الضرورة وخِيف تعطُّل الحق أدنى خوفٍ، قوِيَ الندب، وقرُب من الوجوب، وإذا عُلِمَ أن الحق يذهب ويتلف بتأخُّر الشاهد عن الشهادة، فواجبٌ عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصلة، وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد؛ لأنها قلادة في العنق، وأمانة تقتضي الأداء"؛ [انتهى]. 10- وفي قوله: ﴿ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ﴾ [البقرة: 282]، النهي عن السآمة والضَّجَر من كتابة الديون كلها، من صغير وكبير، وصفة الأجل، وجميع ما احتوى عليه العقد من الشروط والقيود. 11- والحكمة في مشروعية الكتابة والإشهاد في العقود، يُبيِّنها سبحانه وتعالى في قوله: ﴿ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾ [البقرة: 282]؛ يقول ابن كثير: "هذا الذي أمرناكم به من الكتابة للحق إذا كان مؤجَّلًا هو ﴿ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 282]؛ أي: أعدل، ﴿ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ ﴾ [البقرة: 282]؛ أي: أثبت للشاهد إذا وضع خطَّه، ثم رآه، تذكر به الشهادة؛ لاحتمال أنه لو لم يكتبه أن ينساه، كما هو الواقع غالبًا، ﴿ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا ﴾ [البقرة: 282]: وأقرب إلى عدم الرِّيبة، بل ترجعون عند التنازع إلى الكتاب الذي كتبتموه، فيفصل بينكم بلا ريبة"؛ [انتهى]، وقال السعدي: "يُؤخَذ من ذلك أن من اشتبه وشكَّ في شهادته، لم يَجُزْ له الإقدام عليها، بل لا بد من اليقين"؛ [انتهى]. 12- ﴿ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ﴾ [البقرة: 282]؛ أي: إذا كان البيع بالحاضر يدًا بيد، فلا بأس بعدم الكتابة؛ لانتفاء المحذور في تركها. 13- ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 282]؛ عن سعيد بن جبير في قول الله: ﴿ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ﴾ [البقرة: 282]؛ يعني: أشهدوا على حقِّكم، إذا كان فيه أجل أو لم يكن، فأشهدوا على حقِّكم على كل حال، قال: ورُوِيَ عن جابر بن زيد، ومجاهد، وعطاء، والضحاك نحوُ ذلك، وقال الشعبي والحسن: هذا الأمر منسوخ بقوله: ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ [البقرة: 283]، وهذا الأمر محمولٌ عند الجمهور على الإرشاد والندب، لا على الوجوب"؛ [ابن كثير]، والله أعلم. 14- ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ [البقرة: 282]، قيل: معناه: لا يُضارَّ الكاتب ولا الشاهد، فيكتب هذا خلافَ ما يُملى، ويشهد هذا بخلاف ما سمع، أو يكتمها بالكلية، وهو قول الحسن وقتادة وغيرهما، وقيل: معناه: لا يُضَر بهما، كما قال ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال في هذه الآية: ﴿ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ﴾ [البقرة: 282] يأتي الرجل فيدعوهما إلى الكتاب والشهادة، فيقولان: إنا على حاجة، فيقول: إنكما قد أُمِرْتُما أن تُجيبا، فليس له أن يضارهما، ﴿ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ [البقرة: 282]؛ أي: إن خالفتم ما أُمِرْتُم به، وفعلتم ما نُهِيتم عنه، فإنه فسقٌ كائن بكم؛ أي: لازم لكم لا تحيدون عنه ولا تنفكون عنه؛ [ابن كثير]، وفيه أن الأوصاف كالفسق والإيمان والنفاق، والعداوة والولاية، ونحو ذلك، تتجزأ في الإنسان، فتكون فيه مادة فسق وغيرها، وكذلك مادة إيمان وكفر؛ لقوله: ﴿ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ﴾ [البقرة: 282]، ولم يقل: فأنتم فاسقون أو فُسَّاق؛ قاله السعدي في تفسيره. 15- ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 282]، فاعملوا بما أمركم به، ولا تخالفوا شرعه وقوانينه. 16- ﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282]، فالله عز وجل أنزل لنا القرآن ليزكِّينا، ويُعلِّمنا ما ينفعنا من أمور ديننا ودنيانا، وهو العليم بكل شيء، كل ما ينفع مَن خَلَقَ وكل ما يضرهم. أحكام الرهان: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 283]. • فإن كنتم مسافرين، وتداينتم إلى أجل مسمًّى، ولم تجدوا كاتبًا يكتب لكم؛ قال ابن عباس: أو وجدوه، ولم يجد قرطاسًا أو دواةً أو قلمًا، ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283]؛ أي: فليكن بدل الكتابة رهانٌ مقبوضة في يد صاحب الحق. • وقد استدل بقوله: ﴿ فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ ﴾ [البقرة: 283] على أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، كما هو مذهب الشافعي والجمهور. • وقد ثبت في الصحيحين، عن أنس ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تُوفِّيَ ودرعه مرهونة عند يهودي على ثلاثين وَسْقًا من شعير؛ رهنها قوتًا لأهله، وفي رواية: من يهود المدينة، وفي رواية الشافعي: عند أبي الشحم اليهودي))، قال الشعبي: إذا ائتمن بعضكم بعضًا، فلا بأس ألَّا تكتبوا أو لا تُشهِدوا. • ﴿ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ﴾ [البقرة: 283]؛ يعنى: المؤتَمَن. • ﴿ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ ﴾ [البقرة: 283]؛ أي: لا تُخفوها وتغلوها ولا تُظهروها. • ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ [البقرة: 283]؛ قال ابن عباس وغيره: شهادة الزور من أكبر الكبائر، وكتمانها كذلك. • ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 283]؛ [ابن كثير]. خاتمة السورة: وفيها تقعيد لأركان الإيمان، مشفوعة بعهد المؤمنين لله ورسوله بالسمع والطاعة، وسؤال المغفرة على كل تقصير، يُردفها الرحمن الرحيم بآية التخفيف عن عباده رحمةً بهم، ودعاء المؤمنين ربهم بالنصرة على معسكر الكفر: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 284 - 286]. ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: 284]. أورد ابن كثير في تفسيره لهذه الآية حديث قتادة، عن صفوان بن محرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبدالله بن عمر، وهو يطوف، إذ عرض له رجلٌ، فقال: يا بنَ عمر، ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ فقال: سمعت نبيَّ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يدنو المؤمن من ربه عز وجل، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: ربِّ أعرف – مرتين - حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: فيُعطى صحيفة حسناته - أو كتابه - بيمينه، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18]))؛ [هذا الحديث مخرَّج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة]. وروى مسلم في صحيحه، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((لما نزلت: ﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ [البقرة: 284] إلى آخر الآية، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم برَكوا على الرُّكَب، فقالوا: أي رسول الله، كُلِّفنا من الأعمال ما نُطيق؛ الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أُنزلت عليك هذه الآية ولا نُطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابَينِ من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير، قالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا، وإليك المصير، فلما اقترأها القومُ ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ [البقرة: 285]، فلما فعلوا ذلك، نسخها الله تعالى؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286]، قال: نعم، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ [البقرة: 286]، قال: نعم، ﴿ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ [البقرة: 286]، قال: نعم، ﴿ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286] قال: نعم)). وختام سورة البقرة لها فضلٌ عظيم: • روى مسلم في صحيحه، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((بينما جبريلٌ قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمِع نقيضًا من فوقه فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فُتِحَ اليوم، لم يُفتح قط إلا اليوم، فنزل منه مَلَكٌ، فقال: هذا مَلَكٌ نزل إلى الأرض، لم ينزل قطُّ إلا اليوم، فسلَّم، وقال: أبْشِرْ بنورَينِ أُوتيتَهما لم يؤتَهما نبيٌّ قبلك؛ فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيتَه)). • وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة، كَفَتَاه))؛ [متفق عليه]. تمَّت حلقات وقفات ودروس من سورة البقرة، ولله الحمد والمنة. نسأل الله القبول، والعفو والمغفرة على كل خطأ أو زَلَلٍ. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتُبْ علينا إنك أنت التواب الرحيم. وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. |
| الساعة الآن : 06:06 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour