سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (1) إنما الأعمال بالنيات عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث1: إنما الأعمال بالنيات عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. روى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة يَنْكِحُها، فهجرته إلى ما هاجر إليه))[1]. عباد الله: يُعَدُّ هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قواعد الإسلام؛ ولذلك افتتح به الإمام البخاري رحمه الله كتابه (الصحيح)؛ تنبيهًا لطالب العلم على ضرورة تصحيح النية، قال أبو عبيد: "ليس في الأحاديث أجمع ولا أغنى ولا أنفع ولا أكثر فائدةً منه"، فما هي الفوائد التي نفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- النية الصالحة أساس في قبول الأعمال؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات))؛ أي: لا صحة ولا كمال للعمل إلا بالنية التي لا تكون إلا لوجه الله تعالى، ومن ثَمَّ فلا حاجة للتلفُّظ بها؛ لأنها بينك وبين الله، فإذا أردت الصلاة، فاسأل نفسك: لمن أتوجَّه بصلاتي؟ الجواب: الله، نقول: إذًا نيتك صالحة، الأمر نفسه يُقال عن وضوئك وصيامك، وزكاتك وحجك، وذبيحتك، وغيرها من الأعمال؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]، وهذا هو معنى الإخلاص؛ أن تبتغي بعملك وجه الله؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾ [البينة: 5]، فأهمية النية في تمييز المقصود بالعمل، هل هو الله وحده، أم معه غيره؟ وهذه النية هي التي يركز عليها علماء السلوك، وتدخل في مقاصد المكلَّفين. 2- النية الصالحة وحدها لا تكفي لقبول الأعمال، بل لا بد من موافقة العمل للشريعة؛ في الأمثلة السابقة قلنا: لا بد من قصد وجه الله في العبادة كالصلاة وغيرها، لكن مثلًا شخص يقول: نيتي صادقة وأقصد بها وجه الله، ولكن أريد أن أصلي المغرب أربعًا أو أصلي الظهر جهرًا، أو أصوم شهرًا آخر غير رمضان، أو أشترط أن أعطي زكاة مالي لمن أريد – ولو لم يكن من المستحقين – أو أريد الحج بدون لباس الإحرام، ودون الحاجة للوقوف بعرفة، وغيرها من الأهواء، نقول له: عملك مردود، وإن كانت نيتك لله، ولكنه على خلاف مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من عمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ))[2] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلي))[3] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((خُذُوا عني مناسككم))[4] ، فالعِبرة إذًا في قبول الأعمال الإخلاصُ، ومعرفة هل هو مشروع أو غير مشروع؟ قبل القدوم عليه؛ قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [هود: 7]: "أخلصه وأصوبه"، وقال: "العمل لا يُقبَل حتى يكون خالصًا صوابًا، الخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة"[5]. فاللهم اجعل أعمالنا خالصةً لوجهك الكريم، وموافقةً لشريعتك، آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن اقتفى؛ أما بعد عباد الله: فنستفيد كذلك:3- تتجلى أهمية النية الصالحة في أمور؛ منها: • تمييز المقصود بالعمل، وهذا سبق الحديث عنه. • تمييز العبادات عن العادات؛ شخص - مثلًا - صام عن الأكل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في رمضان بنيَّة، فهذا متلبِّس بعبادة الصيام، وآخر صام يوم الاثنين تطوعًا، وآخر نصحه الطبيب بالصوم لمرض عنده، فالأول صام فرضًا، والثاني سُنَّةً، والثالث للتطبيب والتداوي وليس للعبادة، فالذي ميَّز لنا بين هؤلاء النية، وآخر دخل المسجد وبدأ يصلي ركعتي تحية المسجد، ثم أُقيمت الصلاة فالتحق بإمامه للصلاة، فالذي يميز بين الفرض والسنة هو النية. • تحويل العادات والمباحات إلى عبادات وقربات، الذهاب للمدرسة عادة ألِفها أبناؤنا، والأم تشتغل في البيت، وتقوم بعجن العجين وطبخ الطعام، وغسل الملابس وغيرها من الأعمال المنزلية، والأب يستيقظ صباحًا ويذهب لعمله؛ بحثًا عن الرزق، وكل هذا وغيره مباحات وعادات نقوم بها، لكن بالنية الصالحة نصيرها عبادات وقربات نُؤجَر عليها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: ((إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله، إلا أُجِرْتَ، حتى ما تجعل في في امرأتك))[6] ، تصوروا معي رجلًا يلاطف زوجته ويداعبها، ويضع لقمةً في فمها، له بها أجر بالنية الصالحة، والعكس صحيح. 4- إن الجزاء بحسب النية؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((وإنما لكل امرئ ما نوى...))؛ أي: من نوى الخير أُجِرَ عليه، سواء عمله أو لم يعمله، ومن نوى الشر، فإن لم ينفذه أُجِرَ عليه، وإن نفذه عُوقِب به، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له سيئةً واحدةً))[7]. فاللهم اجعلنا من أصحاب الحسنات، ونعوذ بك من السيئات، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 1، ومسلم، رقم: 45. [2] رواه مسلم، رقم: 1718. [3] رواه البخاري، رقم: 631. [4] رواه البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 9524. [5] تفسير البغوي: 8/176. [6] رواه البخاري، رقم: 2295. [7] رواه البخاري، رقم: 6491. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث
سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث (2): حديث جبريل عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]،أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:«بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا»، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله، ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال:«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قال: فأخبرني عن الساعة، قال:«ما المسئول عنها بأعلم من السائل» قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: «أن تلد الأمة ربَّتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان»، قال: ثم انطلق فلبثت مليًّا، ثم قال لي: «يا عمر، أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال:«فإنه جبريل أتاكم يُعلِّمكم دينكم»[1]. عباد الله، هذا الحديث يجمع أنواع العلوم والأعمال الظاهرة والباطنة فهو كالفاتحة بالنسبة للقرآن، ويشتمل على شرح الدين كله، فبين أركان الإسلام والإيمان ومعنى الإحسان وبعض أمارات الساعة الصغرى، ونحتاج إلى خطب كثيرة لشرحه، لكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- من سئل عما لا يعلم أن يقول: (لا أدري)؛ ومن قال: لا أدري علمه الله ما لا يدري، وهذا من التواضع، ولا ينقص من قدر العالم شيئًا، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الساعة قال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل"، فهل نقص هذا من قدره صلى الله عليه وسلم؟ وإنك لتعجب من أشخاص لا علم لهم، فإذا سئلوا في أمر من أمور الدين، أو نقاش في قضية من قضاياه التي يأبى العلماء الخوض فيها، تراه سريعًا في الخوض بلا علم، لماذا تحترم كل التخصصات إلا المجال الديني أصبح مرتعًا لكل أحد؟ فالواجب أن نكل الأمور إلى أهلها، قال تعالى:﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. 2- أن السؤال طريق من طرق التعلم:فهذا جبريل عليه السلام سأل النبي صلى الله عليه وسلم في محضر الصحابة خمسة أسئلة، سأله عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وعن أماراتها، فخرج وقد تعلَّم الصحابة، وهكذا فلنكن؛ فلا تتحرجوا من سؤال أهل العلم في أمور دينكم، لماذا نستشير الطبيب فيما يتعلق بصحتنا، وإذا أردنا أمرًا دنيويًّا نكثر فيه من سؤال أهل الخبرة قبل الإقدام عليه، فمسائل الدين أوْلَى بالاحتياط، وإنك لتعجب من شخص طوال عمره لا يتقن وضوءه ولا يعرف كيف يتيمَّم أو يصلي إلى غير ذلك من أمور الدين ولا يبحث ولا يسأل، فهذا عجز ما بعده عجز، والله عز وجل لا يتعبَّد إلا بالعلم، والسؤال طريق لاستفادة العلم كما أسلفنا. 3- بعض آداب حضور مجالس العلم:المسلم مطالب لتعلم دينه بالحضور إلى دروس العلماء في المساجد وغيرها، لتعلم العلم ونيل فضل الجلوس معهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده"[2]، غير أنه يجب التأدُّب بآداب هذه المجالس، ومنها في هذا الحديث، أولًا: استحباب تحسين الهيئة والثياب والمحافظة على نظافته كما كانت هيئة جبريل عليه السلام عند دخوله، ثانيًا: الاقتراب من العالم وليس الجلوس بعيدًا كما يفعل البعض، يجلس بعيدًا بحيث لا يتمكن من السماع الجيد ويفوته الخير الكثير. فاللهم اجعلنا ممَّن تتنزَّل عليهم السكينة وتغشاهم الرحمة وتحفهم الملائكة وتذكرهم فيمن عندك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن اقتفى، أما بعد:عباد الله، نستفيد كذلك: 4- توقيت الساعة وبعض علاماتها؛ توقيت الساعة أمر لا يعلمه إلا الله، قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[الأعراف: 187]، فما يخبر به الدجَّالون والأفَّاكون والكذَّابون في زماننا من أن قيام الساعة سيكون في سنة كذا، اعلموا أنه كذب محض، وإن صدقناهم نكُنْ من المكذِّبين لكتاب ربنا وسنة نبينا، لكن هناك بعض العلامات التي تدل على قربها، ومنها في هذا الحديث علامتان: الأولى: أن تلد الأَمَةُ ربَّتَها: يعني كثرة عقوق الوالدين، ومعاملة الأبناء لوالديهم وخاصةً الأم معاملة السيد لأمته، والقصص لهذا من الواقع كثيرة تدل على صدق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم. الثانية: أن ترى الحُفاة العُراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان: والمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساء، وتكثر أموالهم، ويشيدون المباني العالية مباهاةً وتفاخرًا على عباد الله، وقد شاهدنا هذا في العصر الحاضر بوضوح. 5- أن الملائكة تتشكل في صورة بشر؛فهذا جبريل عليه السلام وهو ملك الوحي جاء في صفة رجل، وتمثل لمريم عليها السلام في صورة بشر، قال تعالى: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا ﴾[مريم: 17]، وجاءت الملائكة لإبراهيم عليه السلام في صورة بشر ولم يعرفهم حتى أخبروه، وجاءت لوطًا عليه السلام في صورة شباب حسان الوجوه، وهذا من الغيب والأخبار التي يجب علينا الإيمان بها، دون الخوض في التفاصيل؛ لأن الله لم يتعبَّدنا بها، فلنجتهد إخواني في تعلُّم كتاب ربنا وسنة نبينا عسى أن نكون من المفلحين. فاللهم عَلِّمنا ما ينفعنا وزدنا علمًا، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 8. [2] رواه مسلم، رقم: 2699. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية: الحديث
سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث3: بني الإسلام على خمس عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن ابن عمر، رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بُنِيَ الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه تعرَّض لبيان أسس وقواعد الإسلام، التي عليها بُنِيَ، والتي بها يكون العبد مسلمًا؛ وهي الشهادتان، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان، ولم يذكر بقية الأركان؛ لأن الإيمان بالله ورسوله مستلزم لجميع المعتقدات والعبادات، كما لم يذكر الجهاد وهو فريضة عظيمة؛ لأنه فرض كفاية، ولا يتعين على الجميع إلا في بعض الحالات، ومضمون هذا الحديث سبق الإشارة إليه في حديث جبريل في الخطبة الماضية، وكرر هنا لتأكيد معناه، فيجب الاعتناء به وحفظه ونشره بين المسلمين. فما الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- ضرب الأمثلة المحسوسة طريقة نبوية في التعليم، النبي صلى الله عليه وسلم شبَّه الإسلام بالبناء الذي نسكن فيه ونتقي به الحر والبرد، وأن هذه الدار بها خمسة أعمدة عليها تقوم، فلو انهدم عمود منها، انهدم البناء، أو يوشك على الانهيار، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقرب إلينا الفهم على أن هناك من أركان الإسلام من إذا تهدَّم، تهدم البنيان أو ضعُف، ومرد ذلك إلى الدليل، أرأيتم كيف قرب إلينا الرسول صلى الله عليه وسلم الفَهم بالمثال المحسوس؟ فما أحوج المعلمين والأساتذة والآباء إلى استثمار الأمثلة المحسوسة لتقريب الفهم إلى أبنائهم ومتعلميهم! 2- الشهادتان أعظم أركان الإسلام وعنوان التوحيد، ومعنى (شهادة أن لا إله إلا الله) عبادته وحده، والبراءة من عبادة كل ما سواه، ومعنى (وأن محمدًا رسول الله) الشهادة بأنه نبي مرسل من عند الله، تجِب محبته وطاعته، وتصديقه في كل ما أخبر به، والشهادتان متلازمتان، فلا تصح الأولى إلا بالثانية، ولا تصح الثانية إلا بالأولى، وبها يدخل الإنسان في الإسلام، ويُعصَم دمه وماله؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله، عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله؛ ثم قرأ: ﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴾ [الغاشية: 21، 22]))[2]، وبها الدخول إلى الجنة، والنجاة من النار؛ فاحرصوا عليها -عباد الله - وجدِّدوها دائمًا؛ تصديقًا بالقلب، ونطقًا باللسان، وعملًا بالجوارح. 3- الصلاة أعظم ركن بعد الشهادتين، وقد دلَّتِ الأدلة على أهميتها وركنيتها، وأمر الله عز وجل بها في كتابه الكريم في مواضع عديدة، وجاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث في ذلك، والغريب أن تجد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من تَرَكَ الصلاة، ولا أقول هنا جحودًا، فهذا كافر - والعياذ بالله - ولكن تكاسلًا وغفلةً؛ فذهب جمهور العلماء ومنهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أنه فاسق، ومن العلماء والصحابة من يكفِّره، ولكن نهمِس في أذنه قليلًا: هل تحب أن يختلف فيك العلماء بين مفسِّق ومكفِّر، فالحكمان أحلاهما مُرٌّ، اجتهِدْ ولا تتكاسل وقُمْ إلى الصلاة، تَفُزْ وتَكُنْ من المفلحين؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2]. 4- الزكاة طهارة للنفس والمال: الغنيُّ الذي مَلَكَ النِّصاب، وتحققت فيه الشروط التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، يجب عليه كل عام إحصاء أمواله، وإخراج ما يلزمه للمستحقين، وهي بركة للمال، وطهارة لنفس الغني من الشح والبخل، ولنفس الفقير من الحقد والحسد؛ قال تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103]، كما أنها تحقق التضامن والتعاون بين أفراد المجتمع، ومن بخِل بماله، فإنه سيُحمى عليه في نار جهنم؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ﴾ [التوبة: 34، 35]. فاللهم اجعلنا من عبادك الموحِّدين المصلين المزكِّين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن اقتفى؛ أما بعد:فيا عباد الله، نستفيد كذلك: 5- الحج ركن وشعيرة من شعائر الإسلام، وهو واجب بشرط الاستطاعة؛ قال تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ﴾ [آل عمران: 97]، والاستطاعة تشمل القدرة المالية والبدنية، وأمن الطريق، ووجود الْمَحْرَم أو الرفقة المأمونة بالنسبة للمرأة، ونضيف في زماننا الفوز بقرعة الحج، فمن له رغبة وشارك في القرعة ولم يفُزْ فيها فهو معذور، والذي نستغرب له أن تجد من توفرت فيه الاستطاعة، فلا يبادر إلى الحج فورًا، رغم أنه لا عذر له، وينشغل بالدنيا والأعمال، وقد يدركه الموت بدون حج - والعياذ بالله - قال صلى الله عليه وسلم: ((تعجَّلوا إلى الحج - يعني: الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرِض له))[3]. 6- صيام رمضان ركن وخاصية من خواص هذه الأمة، وهو فرض على المسلم البالغ العاقل المقيم - أي: غير المسافر - وعلى المرأة الطاهرة من دم الحيض والنِّفاس؛ قال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، فالمطلوب - عباد الله - تربية أبنائنا على الصيام والصلاة في رمضان وغيره، حتى إذا بلغوا أطاقوه، كما علينا الوقوف ضد منتهكي حرمة الصيام بالإفطار العلني، والدعوة إليه بدعوى أنهم أحرار، متناسين أنه بحريتهم المزعومة يسيئون إلى حرية ومشاعر ملايين المسلمين، الذين يتقربون إلى ربهم في رمضان بأداء هذا الركن العظيم؛ طاعةً لربهم، وتقربًا إليه. فاللهم اجعلنا من الصائمين، وارزقنا الحج إلى بيتك الحرام، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 8، ومسلم، رقم: 16. [2] رواه مسلم، رقم: 21. [3] رواه أحمد في المسند، رقم:2867. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث 4: ((إن أحدكم يُجمَع خَلْقُه في بطن أمه)) عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: ((إن أحدكم يُجمَع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغةً مثل ذلك، ثم يُرسَل الْمَلَكُ فينفخ فيه الروح، ويُؤمَر بأربع كلمات: بكَتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم لَيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه تعرض لأطوار ومراحل خلق الإنسان، الذي كرمه الله على سائر المخلوقات، وبيان ما يُكتَب ويُقدَّر للإنسان لحظة نفخ الملك للروح من الرزق والأجل والعمل، ثم بيَّن أن الأعمال بالخواتيم، فيُختم له بحسب عمله الصالح أو الفاسد، فما هي الفوائد التي نفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الإكثار من حمد الله على نعمة الخلق والإيجاد في أحسن صورة، بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مراحل تكوين الجنين في بطن أمه، ففي المرحلة الأولى: يكون نطفةً؛ أي: التقاء الحيوان المنوي ببويضة المرأة أربعين يومًا، وفي المرحلة الثانية: يكون علقةً؛ أي: عبارة عن دم جامد غليظ متعلق بجدار الرحم لمدة أربعين يومًا؛ قال تعالى: ﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: 2]، وفي المرحلة الثالثة: يكون مضغةً؛ أي: بقدر قطعة من اللحم تُمضَغ لمدة أربعين يومًا، إذًا مجموع الأيام السابقة، مائة وعشرون يومًا، على رأسها يرسل الله الملك فينفخ فيه الروح، وهذا ما لا نقدر على الخوض في تفاصيله؛ قال تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [الإسراء: 85]، ثم تستكمل المراحل الأخرى؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾ [المؤمنون: 12 - 14]، فالواجب – أيها الإخوة المؤمنون - أن نشكر الله على نعمة الخلق والإيجاد، والتصوير في أحسن صورة، ففضله وإنعامه علينا يفوق العَدَّ والحصر. 2- الإيمان بالقضاء والقدر طمأنينة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ويُؤمَر بأربع كلمات: بكَتْبِ رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد))، بعد نفخ الروح يُؤمَر الْمَلَكُ بكتب أربع كلمات: الكلمة الأولى: ما قدره الله عليه من رزق في عمره؛ فاطمئن على رزقك، واقنع بما أعطاك الله، وخذ بالأسباب المشروعة في تحصيله، ولا تَبِعْ دينك بعَرَضٍ قليل من الدنيا؛ ورحمة الله على القائل: "علمتُ أن رزقي لا يأخذه غيري فاطمأنَّ قلبي". الكلمة الثانية: ما قدره الله عليه من أجل؛ أي: إنه سيعيش كذا وكذا من السنين، فالعاقل من عمَّر العُمْرَ بالطاعات والعمل الصالح، حتى إذا جاء أجله فرِح بلقاء ربه؛ ورحمة الله على القائل: "وعلمت أن الموت ينتظرني فأعددت الزاد للقاء ربي". الكلمة الثالثة: ما قدره الله عليه من عمل صالح أو طالح، فالله أعطى لك الحرية والإرادة فاجتهد في العمل الصالح، واترك العمل الفاسد؛ ورحمة الله على القائل: "وعلمت أن عملي لا يقوم به غيري، فشُغِلت به وحدي"، وهذا العمل سبب لِما يأتي في: الكلمة الرابعة: وهي ما قدره الله عليه من شقاوة أو سعادة؛ تبعًا لعمله الصالح أو الفاسد؛ ورحمة الله على القائل: "وعلمت أن الله مطَّلِع عليَّ فاستحييت أن يراني على معصية". قيل لأحد الصالحين: ما سر السَّكِينة التي تعتريك؟ فقال: "قرأت: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾ [يونس: 3]، فتركت أمري لصاحب الأمر، وقرأت: ﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 6]، فأيقنت أن العسر زائل لا محالة، وقرأت: ﴿ فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 87]، فأدركت أن خير الله قادم لا محالة". فاللهم اجعلنا من السعداء، ونعوذ بك من الشقاوة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك أن: 3- الأعمال بالخواتيم؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم لَيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم لَيعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخلها))، نستفيد من هذا المقطع من الحديث النبوي: • أن الأعمال سبب دخول الجنة والنار؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا ﴾ [النساء: 124]، وقال في أهل النار: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ﴾ [طه: 74]، والآيات في المعنى كثيرة. • ونستفيد أن الأعمال بالخواتيم، فمن خُتِمَ له بالعمل الصالح فهو من أهل الجنة، ولو كان يعمل بعمل أهل النار؛ لأنها توبة ورحمة من الله أن هداه لذلك، وحسن الخاتمة من توفيق الله سبحانه وتعالى للعبد؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله، فقيل: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفِّقه لعمل صالح قبل الموت))[2]، فمن عرف هذا سارع إلى التوبة من قريب؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ [النساء: 17، 18]، وفُسِّرت من قريب بأن يتوب إلى الله قبل الغَرْغَرَةِ، وقبل خروج الروح؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر))[3]، وكم من رجل صالح خُتِم له بعمل صالح؛ وهو يصلي أو يقرأ القرآن أو في الحج أو وهو صائم! وبالمقابل كم من شخص قُبِضت روحه وهو في حالة سُكْرٍ أو في حادثة سير مع فتاة يجمعهما الحرام! فاللهم اختم لنا بالعمل الصالح وتوفَّنا عليه، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 8، ومسلم، رقم: 16. [2] رواه الترمذي، رقم: 2142. [3] رواه أحمد، رقم: 6160. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث5: «من أحدث في أمرنا هذا...» عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]،أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ»[1]، وفي رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ»[2]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ومعدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الدين. وكما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيَّات» ميزان للأعمال في باطنها، فهذا الحديث ميزان للأعمال في ظاهرها، وهو يفيد إجمالًا ردَّ كل البدع والمخترعات التي لا أصل لها في الدين، ومعنى الحديث: أن من اخترع وأنشأ في دين الله وشرعه ما ينافيه ويناقضه؛ وذلك بأن اتَّبَع هواه، فعمله هذا باطل ومردود عليه؛ ولذلك ينبغي حفظ الحديث، واستعماله في الاستدلال لإبطال المنكرات. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الإحداث في الدين أسوأ من المعصية؛ لماذا؟ لأن المعصية يُتاب منها، فالعاصي يعلم أنه مخالف لرب العالمين، ولا تزال نفسه تلومه بتوفيق من الله حتى يتوب؛ كشارب الخمر، فإنه يعلم من نفسه يقينًا أنه مخالف لله، وقد يتوب يومًا، بخلاف المبتدع الذي يرى أنه متعبد لله فيزداد حبه لبدعته؛ بل أكثر من ذلك فإنه يدعو إليها راغبًا في الأجر، فتبقى مستديمةً، كمن يطوف حول القبر أو يسجد له؛ ولذلك إبليس يحب البدعة أكثر من المعصية باعتبار أنها أقوى من جهة الاستدامة، ولا مقاومة للبدع إلا بالعلم، ومجالسة العلماء الربانيين. 2- الأصل في العبادات التحريم: هذه قاعدة لعلمائنا، ومعناها أن كل عبادة لم يشرعها الله ولا رسوله يحرم على المسلم التعبد بها، وعليه قسموا البدعة إلى قسمين: البدعة الأصلية: وهيما أحدث ولم يكن له أصل، فهو مردود، ومن أمثلتها: أننا نصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وشخص أراد أن يصوم من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، ونطوف حول الكعبة وهناك من يختار الطواف حول قبر، نقول له: عمل لا أصل له، فهو رَدٌّ عليك، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الزمر: 65، 66]، وآخر يتقرَّب إلى الله بسماع الملاهي أو الرقص أو غيرها من البدع، وأصبحت دينًا عند البعض، فهذا وأضرابه يعتبر من البدع الأصلية، قال تعالى: ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [الشورى: 21]. البدعة الإضافية: إن كان أصل العبادة صحيحًا ولكن أضيف إليها ما كدرها، فالزيادة بدعة إضافية؛ مثلًا: الشيعة يزيدون في الأذان (أشهد أن عليًّا وليُّ الله) فهذا من الإحداث والبدعة؛ فإن الأذان مشروع، وفي لفظه تام، إلا أنهم أضافوا قولًا غير مأثور، فهو بدعة إضافية يُرَدُّ ما أضيف، أو من زاد ركعةً فصلَّى الظهر أو العصر أو العشاء خمسًا، فإن كان متعمدًا بطلت صلاته، وإن كان سهوًا جبرت بسجدتَي السهو بعد السلام، وكمن داوم على الصلاة في بيته، ويترك الصلاة مع الجماعة في المسجد بدون عذر، نقول: صلاته صحيحة، ولكن فاته فضل صلاة الجماعة عند من يرى عدم وجوبها، وعليه إثم ترك صلاة الجماعة عند من يرى وجوبها. فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتِّباعه، والباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن اقتفى، أما بعد:عباد الله، نستفيد كذلك أن: 3- الأصل في المعاملات الحل:هذه قاعدة أصَّلَها علماؤنا، ومعناها أن المعاملات بين الناس لا يدخلها التحريم ولا الابتداع، فمن قال بحرمة معاملة فعليه أن يقيم الدليل، فإذا كان العقد غير منهي عنه ولا يضاد مقصود الشارع فهو حلال؛ لأنه مما ييسِّر المعاملات بين الناس؛ كعقد البيع والزواج والإجارة وغيرها، وما يشترطه طرفا العقد من شروط، قال صلى الله عليه وسلم: «المسلمون عند شروطهم»[3]، لكن إذا كان العقد مما نهى عنه الشرع فهو مردود؛ كمن يتزوَّج المحرمة عليه بالنسب أو الرضاع، أو من يبيع الخمر أو الخنزير أو المخدِّرات أو من يتعامل بالربا والقمار. وهناك عقود تتوقف صحتها على إذن الطرف المتضرر؛ وهي التي يحصل بها ظلم لأحد الطرفين؛ كتزويج الأب ابنته دون إذنها، أو الوصية بأكثر من الثلث، أو الزوجة التي تتصدَّق من مال زوجها بغير إذنه، فصحة العقود السابقة متوقفة على إذن صاحب الحق، وإلا فهو باطل. 4- لا بدعة في المخترعات وأمور الحياة:البدعة في أصلها هي ما يضاهي الدين والشرع، ويقصد بها المبالغة في التعبد لله سبحانه، فالمخترعات وما جدَّ من جديد مما لا علاقة له بالدين وجب على المسلمين الاستفادة منها وتطويرها؛ كأنواع العلوم والخطط العسكرية والحربية والإنتاج الحربي والتقني والتكنولوجي وغيرها، فيأخذون بما جدَّ في عالم الطب ووسائل النقل والمواصلات وطرائق التعلم والتربية، وقوانين المرور وأنظمة الإدارات وغيرها مما لا ينحصر ويصعب إحصاؤه، كما يجب الحذر من أصحاب الفهم السقيم للبدعة. فاللهم إنا نعوذ بك من البدع ما ظهر منها وما بطن، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 2697. ومسلم، رقم: 1718. [2] رواه مسلم، رقم: 1718. [3] رواه البخاري، باب أجر السمسرة. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث6: «إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن...» عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام؛ كالراعي يرعى حول الحِمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمًى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كُلُّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كُلُّه، ألا وهي القلب»[1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ومعدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الدين والشريعة، قال بعض العلماء: عمدة الدين عندنا كلمات مسندات من قول خير البرية: أترك الشبهات (ويقصد الحديث الذي بين أيدينا) وازهد ودَعْ ما ليس يعنيك (وهو حديث: «من حُسْن إسلام المرء تَرْكُه ما لا يعنيه»)، واعملَنَّ بنيَّةٍ (وهو حديث: «إنما الأعمال بالنيات») وقد سبق معنا. والحديث يفيد أن الشريعة ثلاثة أقسام: القسم الأول: الحلال البَيِّن الواضح، والقسم الثاني: الحرام البَيِّن الواضح، والقسم الثالث: المتشابه، وهو كل ما ليس بواضح حله أو حرمته؛ ولهذا لا يعرفه كثير من الناس، وأما العلماء فيعرفون حكمه بنص أو قياس، وأوصى صلى الله عليه وسلم بترك المشتبهات استبراءً للدين، ولأنها تؤدي للوقوع في الحرام، وشَبَّه ذلك بمن يرعى بالقرب من أرض محمية، فإنه لا يأمن من الوقوع فيها، ونبَّه صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث إلى أهمية القلب ودوره في صلاح باقي الجوارح أو فسادها تبعًا لصلاح القلب أو فساده. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- وجوب البُعْد عن الحرام البَيِّن والاكتفاء بالحلال البين؛ كشرب الخمر، وتناول المخدرات، وأكل لحم الخنزير، فهي حرام بيِّن، فنتركه إلى ما أباحه الله من أنواع الطيبات التي لا تنحصر؛ كثمرات النخيل والأعناب، وهي حلال بيِّن. وعلى هذا القياس؛ فنترك الاستدانة بالربا إلى القرض الحسن، والكذب إلى الصدق، والخيانة إلى الوفاء، والسرقة إلى العمل والكسب الحلال، والزنا إلى الزواج أو الاستعفاف إلى حين القدرة عليه، ونترك قذف المحصنات المؤمنات والغيبة والنميمة إلى السكوت عن أعراض المؤمنين والمؤمنات، ونترك الغش في الميزان والامتحانات والعمل إلى الأمانة والصدق والوفاء والإتقان وغيرها، قال تعالى: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 119]، وقال: ﴿ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ﴾ [المائدة: 88]. 2- قاعدة سد الذرائع والبعد عن المتشابه: سد الذرائع نقصد بها سد الطرق الموصِّلة إلى الحرام، أو كما نقول: الباب الذي يأتيك منه الريح أغلقه. وهذه قاعدة عظيمة لدى علمائنا، يدخل فيها الكثير من الأمثلة في واقعنا، ومنها: ترك المتشابهات؛ وهي غالبًا تكون في باب المكروهات التي لم تصل إلى درجة التحريم الصريح، لكن الورع يقتضي تركها؛ لأن تركها من كمال الإيمان. ومن أمثلتها: من يبرم موعدًا مع شخص أمام خمَّارة، فهذا لا يليق، فالأماكن التي لا شبهة فيها كثيرة، وإذا رآك أحد أساء الظن بك، أو من يحمل شيئًا مباحًا في قنينة معروفة للخمور، نقول: لا يليق؛ وعليك سد ذريعة إساءة الظن بك، أو من يجلس مع رفقة سيئة تنطق بالكلام الفاحش أو تعاقر خمرًا أو تتناول مخدرات رغم أنه لا يفعل من ذلك شيئًا؛ لأنه إن فعل فقد وقع في الحرام البيِّن، ولكن من حمى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. وكمثال شخص يتردد على موقع (إنترنِت) أو يشاهد قنوات أو يقرأ كتابًا أو جريدةً يختلط فيها الحق بالباطل، والحلال بالحرام، ولا يستطيع التمييز بينهما؛ لأنه ليس بعالم، أو قد ينجرُّ إلى الحرام، نقول له: ابتعد؛ لأنك تحوم حول الحمى وحول الحرام، فإنك توشك أن تقع فيه. أو من يعمل في أماكن يختلط فيها الحلال بالحرام، ولا يأمن على نفسه من الوقوع في الحرام، فالأولى الابتعاد والبحث عن مكان يسلم له فيه دينه ورزقه، فما من مصيبة أعظم من الابتلاء في الدين، ومن ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه. فاللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن اقتفى، أما بعد:عباد الله، نستفيد كذلك: 4- السعي لإصلاح القلب لأنه أمير البدن: أشار النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية الحديث إلى أهمية القلب، فقال: «ألا وإن في الجسد مضغةً، إذا صَلَحَتْ، صَلَحَ الجسدُ كُلُّه، وإذا فسدت، فسد الجسد كُلُّه، ألا وهي القلب»، والقلب سُمِّي كذلك لشدة تقَلُّبه، ومن أسباب الاهتمام به ما يلي: • أنه آلة لفقه الأمور والتذكُّر، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾ [الأعراف: 179]، وقال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ ﴾ [ق: 37]؛ ولهذا استدل الكثير من العلماء على أن العقل في القلب. • وأن صلاحه يُورِث صلاحًا في السلوك، وفساده يورث فسادًا في السلوك، فهو كالأمير والملك، بصلاحه تصلح الرعية وبفساده تفسد. وقديمًا قيل: كل إناء بالذي فيه ينضح. • ونهتم به أيضًا؛ لأن هذا القلب يعتريه الفتور والمرض، قال تعالى: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ [البقرة: 10]، والمقصود بمرض القلب ما يُصاب به من أمراض الشبهات والشهوات؛ كالكفر والنفاق والشك والقسوة والحقد والحسد والكراهية وغيرها، فالواجب على المسلم إصلاح قلبه من هذه الأمراض ومجاهدة نفسه؛ لأن الله ضمن لمن أخذ بهذه الأسباب أن يُوفِّقه للهداية والاستقامة، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69]. • ونهتم به؛ لأنه محل نظر الله يوم القيامة؛ إذ الإنسان قد يظهر الإخلاص لكن علَّام الغيوب يعلم أنه مشرك، وقد يظهر التقوى والورع وحقيقته غير ذلك، وقد يظهر الإيمان لكنه منافق، وقد يظهر الفقر والحاجة ويتسوَّل الناس في الطرقات ولكنه يملك ما لا يملكون، وهكذا. قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وأشار بأصابعه إلى صدره [2]. فاللهم إنا نسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 1718. [2] رواه مسلم، رقم: 2564. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث7: «الدين النصيحة...» عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن تميم الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الدين النصيحة»، قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه ينص على أن عماد الدين وقوامه النصيحة، بمعنى أن الدين كُلَّه مجموع في هذا الباب، فبوجودها تكون للدين قائمة، وبفقدانها يدخل النقص على المسلمين في جميع شؤون حياتهم. ومعنى النصيحة في أصل اللغة الخلوص، كما نخلص العسل من الشمع حتى يصبح عسلًا صافيًا. والمقصود هنا تقديم النصح للغير لوجه الله حتى يتخلَّص من الخَلَل الذي فيه، وهي نابعة من إرادة الخير للغير. ثم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم الوجوه الخمسة للنصيحة؛ وهي النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- كيف تكون النصيحة لله؟ الله عز وجل غني عن نصح الناصحين، وإنما تكون نصيحته بأداء حقوقه، ومنها: الإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بأسمائه وصفاته، وتعظيم حرماته وشعائره، والحياء منه، والخضوع له، ومحبته والمداومة على ذكره، وإحسان الظن به، وغيرها. قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 91]، قالوا: النصيحة لله إخلاص الاعتقاد في الوحدانية، ووصفه بصفات الألوهية، وتنزيهه عن النقائص، والرغبة في محابِّه، والبُعْد من مساخطه[2]. قال صلى الله عليه وسلم: «يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟»، قال: الله ورسوله أعلم، قال: «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، أتدري ما حقهم عليه؟»، قال: الله ورسوله أعلم، قال: «ألَّا يُعذِّبهم»[3]. 2- كيف تكون النصيحة لكتاب الله؟ بقراءته آناء الليل وأطراف النهار، وفهمه وتدبُّره، ويستعان في ذلك بكتب التفسير وسؤال العلماء، وتكون النصيحة له بالتخلُّق بأخلاق القرآن، وقد سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: «كان خُلُقه القرآن»[4].قال العلماء: النصح لكتاب الله: قراءته والتفقُّه فيه، والذب عنه وتعليمه وإكرامه والتخلق به[5]. ومصيبتنا اليوم في البعد عن منهج القرآن، وترك التخلق بأخلاقه، وترك العمل بأحكامه، وترك فهمه وتدبره، واتخاذ قراءته للتبرك به في مناسبات الفرح والحزن غافلين عن اتخاذه كتاب هداية ورقي. 3- كيف تكون النصيحة لرسول الله؟ بالإيمان به، وأنه خاتم النبيِّين، والإيمان بعصمته من الخطأ في تبليغ الرسالة، وأنه بلغها، وعصمته من الكفر والشرك، وأن شريعته تامة كاملة وناسخة للشرائع قبلها، وأنه رسول للعالمين، وعدم الغلو في ذاته أو في وصفه أو رفعه فوق مكانته، قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [التوبة: 91]، النصيحة لرسوله: التصديق بنبوَّته، والتزام طاعته في أمره ونهيه، وموالاة مَنْ والاه، ومعاداة من عاداه، وتوقيره، ومحبته ومحبة آل بيته، وتعظيمه وتعظيم سنته، وإحياؤها بعد موته بالبحث عنها، والتفقُّه فيها، والذب عنها ونشرها والدعاء إليها، والتخلق بأخلاقه الكريمة صلى الله عليه وسلم[6]. فاللهم اجعلنا ممن ينصح لك ولكتابك ولرسولك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:عباد الله: 4- كيف تكون النصيحة لأئمة المسلمين؟ أئمة المسلمين هم العلماء والسلاطين والحكام، ونصيحتهم تكون بالسمع والطاعة لهم في غير معصية الله؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا طاعة في معصية؛ إنما الطاعة في المعروف»[7]، قال العلماء: والنصح لأئمة المسلمين: ترك الخروج عليهم، وإرشادهم إلى الحق، وتنبيههم فيما أغفلوه من أمور المسلمين، ولزوم طاعتهم، والقيام بواجب حقهم[8]. وكذلك من حقوقهم الذب عنهم عند البغي عليهم ممن يقع في أعراضهم بالباطل، أو وقع في أعراضهم بحق؛ لكن المفسدة في ذلك أعظم، جمعًا لكلمة المسلمين ودفعًا لتنقصهم؛ لأن تنقص الرفعاء من أهل العلم والسيادة يختلف عن تنقص غيرهم، وذلك أنه كلما نقص الإنسان في أعين الناس؛ نقص تبعًا لذلك أمره ونهيه وقلَّ نفوذه عندهم، فلم يكن له عندهم حينئذٍ سمعٌ ولا طاعةٌ، وقلَّتْ هيبته في النفوس. وما من أحد إلا ويرد عليه الخطأ؛ فإذاعة أخطاء الذين لهم الانقياد بالسمع والطاعة من الأئمة وغيرهم من الأمور المذمومة شرعًا، وسترها أوْلَى من ستر عيوب سواد المسلمين. 5- كيف تكون النصيحة لعموم المسلمين؟ قال العلماء: والنصح للعامة: ترك معاداتهم، وإرشادهم وحب الصالحين منهم، والدعاء لجميعهم وإرادة الخير لكافتهم [9]. فالذي يغش في السلعة أو يُطفِّف في الكيل والوزن ما نصح المسلمين، والذي يستشيرك في أمر من أمور دنياه، أو يسألك عن مسألة في أمور دينه وأنت تعلم، فكتمت عنه؛ فقد غششته، والذي يزاول مهنةً ويعمل مقابل أجرة فغش في عمله ما نصح المسلمين، والذي تولَّى وظيفةً ويتكاسل في أداء مهامه، أو يتأخَّر عن الوقت أو يخرج قبل الوقت، أو يزاول عملًا في مكان آخر، ويضُرُّ بعمله الأصلي؛ فقد غشَّ المسلمين، وعلى هذا القياس. فارحم إخوانك وأدِّ الأمانة على وجهها، وإياك أن يؤتى المسلمون من قِبَلِك، قالصلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى»[10]، ولا خير في أمة لا يتناصحون، ولا يقبلون النصيحة. فاللهم اجعلنا ممن ينصحون لأئمة المسلمين وعامتهم، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 1718. [2] تفسير القرطبي: 8/ 227. [3] رواه مسلم، رقم: 1718. [4] رواه أحمد، رقم: 25302. [5] تفسير القرطبي: 8/ 227. [6] نفسه: 8/ 227. [7] رواه البخاري، رقم: 7257. [8] تفسير القرطبي: 8/ 227. [9] نفسه: 8/ 227. [10] رواه مسلم، رقم: 2586. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث 8: "أُمِرت أن أقاتل الناس..." عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد:فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله"[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه ينص على قواعد الدين وأصوله؛ من توحيد الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والجهاد في سبيله، كما ينص على حرمة دم المسلم وماله. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث العظيم؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أمر لأمته بالتبع إلا ما خصه الدليل:فقوله: (أُمِرتُ): يعني أن الأمر متوجَّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل من تحته من باب أولى؛ كالصحابة رضوان الله عليهم، وكذلك من اقتفى أثره من التابعين وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين. ونفهم أيضًا أن أوامره عليه الصلاة والسلام وَحْيٌ من الله له، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]، وخص ببعض الأوامر لعظم وقعها على الناس، خاصةً ما يتعلق بأمور إزهاق الأنفس والجهاد؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يبادر بذكر مستنده من الدليل، حتى لا يقابل من الناس بالتشكيك في هذا الأمر وتزهيدًا فيه، وأخذًا للحيطة ودفعًا لوساوس الشيطان. 2- فرضية الجهاد والقتال على أمة الإسلام: فالأمر في قوله: "أمرت أن أقاتل الناس"، للوجوب. والمراد بالناس الكفار، قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216]، وهذا لرد كيد الأعداء، وحماية حوزة الدين، وصد من يقف بينه وبين نشره في الآفاق، وخاصةً في هذه الأزمان التي تكالبت فيها الأمم على المسلمين، كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. قال صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغْزُ، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق"[2]، وقال عليه السلام يوم الفتح: "لا هجرة، ولكن جهاد ونية، وإذا استُنفرتم، فانفروا"[3]. قال الإمام الزهري: "الجهاد واجب على كل أحد، غزا أو قعد؛ فالقاعد عليه إذا استُعين أن يعين، وإذا استُغيث أن يغيث، وإذا استُنفر أن ينفر، وإن لم يحتج إليه قعد"[4]. 3- من الذي يعصم الدم والمال من القتل؟ بين النبي صلى الله عليه وسلم العاصم للدماء والأموال وحددها فيما يلي: أولًا: النطق بالشهادتين: قال: "حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". قال ابن رجب: "ومن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلمًا، فقد أنكر على أسامة بن زيد قتله لمن قال: لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه"[5]. وسمح الإسلام لأهل الكتاب أن يبقوا على دينهم مقابل دفع الجزية، قال تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ [البقرة: 256]. ثانيًا: إقامة الصلاة: قال: "ويقيموا الصلاة". والمقصود الصلوات الخمس المفروضة. ثالثًا: إيتاء الزكاة: قال: "ويؤتوا الزكاة"؛ أي: إخراج حق الله للفقراء؛ ولذلك في زمن أبي بكر رضي الله عنه امتنع قوم من العرب عن دفع الزكاة، فعزم على قتالهم، فذكر له عمر رضي الله عنه الحديث الذي بين أيدينا، فرد عليه: "والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها" قال عمر رضي الله عنه: "فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضي الله عنه، فعرفت أنه الحق"[6]، قال تعالى: ﴿ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 5]، وهذا الذي ذكرناه من القتال أو القتل يكون لإمام المسلمين وليس لأفرادهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خُوطِب باعتباره إمامًا، ويكون في حال القوة والعزيمة واشتداد أمر الإسلام، لا في حال ضعفه، وليس لأحد قليل أن يقاوم وأن يقاتل الكثرة المتضافرة؛ فلا بد من الموازنة. فاللهم قوِّ شوكة الإسلام والمسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:عباد الله، من المستفادات أيضًا: 4- أن الحكم للظاهر والله يتولى السرائر: لقوله صلى الله عليه وسلم: "فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله"، فمن نطق بالشهادتين، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، ولم يرتكب ما به يكون مستباح الدم فقد حرم دمه وماله، وعومل معاملة المسلمين. وفيه دليل على أن الأعمال من الإيمان بخلاف المرجئة القائلين بأن الإيمان لا يحتاج إلى عمل. ومن قصد بإسلامه التقية من القتل فهو منافق، أمر سريرته إلى الله كما عامل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين فلم يقتلهم. ومن اعتبر نفسه من أصحاب الأعذار للتخلف عن الجهاد يقبل منه وأمره إلى الله، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل منهم ويكل سرائرهم إلى الله. ومن صلى بغير طهارة أو أفطر في رمضان في بيته وادَّعى أنه صائم يقبل منه وأمره إلى الله. وبعض علماء الإسلام قبلوا ممن أقر بوجوب الصلاة عليه فلم يحكموا بكفره- وإن كان لا يصلي في الظاهر - ففسقوه وأوكلوا أمره إلى الله. 5- إثبات الحساب:لقوله صلى الله عليه وسلم: "وحسابهم على الله". قال تعالى: ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ [الغاشية: 25، 26]، وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]. فما أحوجناإلى إعداد العدة للسفر البعيد والوقوف بين يدي الله لأجل الحساب، قال فضيل بن عياض لرجل: "كم أتت عليك، قال: ستون سنةً، قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك؟ توشك أن تبلغ، فقال الرجل: يا أبا علي، إنا لله وإنا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلم ما تفسيره؟ قال الرجل: فسِّره لنا يا أبا علي، قال: قولك إنا لله، تقول: أنا لله عبد، وأنا إلى الله راجع، فمن علم أنه عبدالله وأنه إليه راجع، فليعلم بأنه موقوف، ومن علم بأنه موقوف فليعلم بأنه مسؤول، ومن علم أنه مسؤول فليُعِدَّ للسؤال جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى وما بقي، فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي"[7]. فاللهم يسِّر حسابنا، ويمِّن كتابنا، وولِّ أمورنا خيارنا، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 25، ومسلم، رقم: 20. [2] رواه مسلم، رقم: 1910. [3] رواه البخاري، رقم: 1834. ومسلم، رقم: 1353. [4] تفسير ابن كثير: 1/ 573. [5] جامع العلوم والحكم: 228. [6] رواه البخاري، رقم: 1834. ومسلم، رقم: 1353. [7] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم: 8/ 113. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَةِ الحديث 9: "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ..." عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ: • رِوَايَةُ الْحَدِيثِ. • الْمَعْنَى الإِجْمَالِيُّ لِلْحَدِيثِ. • الْمُسْتَفَادَاتُ مِنَ الْحَدِيثِ وَالرَّبطُ بِالْوَاقِعِ. الْخُطْبَةُالْأُولَى: إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]،أَمَّا بَعْدُ: فَإنَّ أَصْدَقَ الْحَديثِ كِتَابُ اللهِ تَعالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ، أعَاذَنِي اللهُ وإيَّاكُمْ مِنَ النَّارِ. عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ"[1]. عِبَادَ اللهِ، هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ أَهَمِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ يَنُصُّ عَلَى تَرْك الْمَنْهِيَّاتِ النَّبَوِيَّةِ، وَفِعْلِ مَا يُسْتَطَاعُ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَحَذَّرَ مِنْ طَرِيقِ الْهَلَاكِ، وَسُلُوكِ مَسْلَكَ مَنْ قَبْلَنَا؛ فِي كَثْرَةِ مَسَائِلِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَمَا هِيَ الْفَوَائِدُ الَّتِي نَسْتَفِيدُهَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ؟ نَسْتَفِيدُ مِنَ الْحَدِيثِ لِوَاقِعِنَا مَا يَلِي: 1- وُجُوب اجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم:وَكَذَلِكَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى،فَقَولُهُ: (مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهُ) يُفِيدُ وُجُوبَ اجْتِنَابِ الْمَنْهِيَّاتِ النَّبَوِيَّةِ، مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ فَتُكْرَهُ. وَ(مَا) شَرْطِيَّةٌ؛ أَيْ: اجْتَنِبُوا كُلَّ مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الاجْتِنَابَ أَسْهَلُ مِنَ الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ النُّفُوسَ تَتَشَوَّفُ إِلَى فِعْلِ الْمَنْهِيَّاتِ؛ وَلِذَلِكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُعَلِّقْ تَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ بِالاسْتِطَاعَةِ، وَلَمْ يَقُلْ: قَدْر الْإِمْكَانِ. وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا نَهَى عَنْهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم قَولُهُ: "لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ"[2]، فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَهى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ بَعْضِ مَا يُسبِّبُ الْعَداوَةَ وَالْقَطِيعَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِمَا فِي تَبَاغُضِهِمْ مِنَ التَّفرُّقِ، ونَهَاهُمْ عَنِ التَّحَاسُدِ، وَهُوَ تَمنِّي زَوَالِ النِّعَمِ عَنِ الآخَرِينَ، ونَهَاهُمْ عَنِ التَّدابُرِ، وَهُو أنْ يُوَلِّي الْمُسْلِمُ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ظَهْرَهُ وَدُبُرَهُ؛ إمَّا حِسِّيًّا فَلا يُجَالِسُهُ وَلا يَنظُرُ إِلَيهِ، وَإمَّا مَعْنَوِيًّا فَلا يُظْهِرُ الاهْتِمَامَ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ: نَهْيُهُمْ عَنِ التَّقَاطُعِ وَالتَّهَاجُرِ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَكونُوا عَلَيْهَا، وهي الأُخُوَّةُ، كَأُخُوَّةِ النَّسَبِ فِي الشَّفَقةِ والرَّحْمَةِ، وَالْمَحَبَّةِ وَالْمُوَاسَاةِ، وَالْمُعَاوَنَةِ وَالنَّصِيحَةِ، فَأَمَرَهُمْ أَنَّ يَأْخُذُوا بِأَسْبَابِ كُلِّ مَا يُوصِلُهُمْ لِمِثْلِ الْأُخُوَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ مَعَ صَفَاءِ الْقَلْبِ. وَنَهَاهُمْ عَنْ هَجْرِ الْمُسْلِمِ وَتَرْكِهِ؛ زِيَارَةً، أَوْ كَلَامًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أَشْكَالِ الْهُجْرَانِ، فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ -إِنْ كَانَ الْخِلَافُ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا- وَكلُّ هَذَا لِأَجْلِ الْحِرْصِ عَلَى وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ أَفْرَادًا وَجَمَاعَاتٍ وَشُعُوبًا، وَلِأَجْلِ التَّآخِي وَالتَّعَاوُنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمَنْهِيَّاتُ النَّبَوِيَّةُ كَثِيرَةٌ. 2- وُجُوبُ فِعْلِ الْمُسْتَطَاعِ مِنْ أَوَامِرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: فِي قَولِهِ: "وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"، يُفِيدُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ، وَأَنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ؛ لِأَنَّ تَكَالِيفَهُ مِمَّا يُسْتَطَاعُ، فَلَا حُجَّةَ لِأَحَدِ بَالَتَذرُّعِ فِي تَرْكِ الْأَوَامِرِ جُمْلَةً - مَا دَامَتْ وَاجِبَةً وَغَيْرَ دَاخِلَةٍ فِي دَائِرَةِ الاسْتِحْبَابِ - أَنْ يَقُولَ: لَا أَسْتَطِيعُ فِعْلَهَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَصْلًا أَمَرَ بِالْمُسْتَطَاعِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ [التغابن: 16]، وَقَالَ: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]، وَأَوَامِرُ وَنَوَاهِي النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾[النجم: 3، 4]، وَكَمِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ الصَّلَاةُ؛ فَلَا يُمْكِنُ لِتَارِكِ الصَّلَاةِ الاحْتِجَاجُ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، أَوِ احْتِجَاجُ الْمُتَبَرِّجَةِ بِعَدَمِ قُدْرَتِهَا عَلَى الْحِجَابِ؛ لَكِنَّ الْفَهْمَ الصَّحِيحَ لِلْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ فِي أَنَّ هَذَا الْمُصَلِّي يَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى كَمَالِهَا، لَكِنْ قَدْ يَعُوقُهُ مَرَضٌ أَوْ خَوْفٌ أَوْ سَفَرٌ فَيَنْتَقِلُ إِلَى الْحَالَةِ الَّتِي يَسْتَطِيعُهَا وَلَا مَشَقَّةَ فِيهَا، قَالَصلى الله عليه وسلم: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ"[3]. وَمَنْ أَمْكَنَهُ الرُّكُوعُ فَإِنَّهُ يَرْكَعُ، وَمِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ يُومِئُ بِالرُّكُوعِ، وَهَكَذَا. وَقَصَّرَ صلى الله عليه وسلم الصَّلَاةَ فِي سَفَرِهِ، وَتَيَمَّمَ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْوُضُوءَ أَوِ انْعَدَمَ الْمَاءُ، وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَصَلَّى بِكَيْفِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْجِهَادِ. وَجَاءَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا الحَبْلُ؟"، قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لا حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ، صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ"[4]، وَالْأَمْثِلَةُ كَثِيرَةٌ. فَاللَّهُمَّ وُفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ وَطَاعَةِ نَبِيِّكَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَّى اللَّهُ وسَلَّمَ عَلَى عَبْدِهِ الْمُصْطَفَى وَآلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَن لآثَارِهِمُ اقْتَفَى، أمَّا بَعْدُ:عِبَادَ اللهِ، مِنَ الْمُسْتَفَادَاتِ أَيْضًا: 3- التَّحْذِيرُ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ وَالاخْتِلَافِ: الْحَلَال بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَالْغَوْصُ فِي الْكَثِيرِ مِنَ الْأُمُورِ الْفَرْعِيَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ فِيه نَوْعٌ مِنَ النَّهْيِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّرِيعَةِ الْإِجْمَالُ، وَخَاصَّةً فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ تَحْرِيمَ شَيْءٍ لَمْ يحرَّمْ أَوْ إِيجَاب شَيْءٍ لَمْ يَجِبْ؛ وَلِذَلِكَ حَذَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ، وَالشَّيْطَانُ يَكْمُنُ فِي التَّفَاصِيلِ. وَقَدْ وَرَدَ فِي سَبَبِ وُرُودِ الْحَدِيثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا"، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ"[5]. تَصَوَّرُوا مَعِي- عِبَادَ اللَّهِ - لَوْ فُرِضَ عَلَيْنَا الْحَجُّ كُلَّ عَامٍ بِسَبَبِ مَسْأَلَةِ هَذَا الرَّجُلِ! هَلْ نَسْتَطِيعُ؟ الْآنَ مَرَّةً فِي الْعُمْرِ وَيَتَعَذَّرُ عَلَى الْكَثِيرِ، وَنَقِيسُ عَلَى هَذَا الْكَثِيرَ مِنَ الْمَسَائِلِ فَلَا يُسْتَحَبُّ الْغَوْصُ فِيهَا. وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمَّا أَمَرَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً، لَأَجْزَأَتْهُمُ أَيُّ بَقَرَةٍ وَجَدُوهَا، وَلَكِنْ مَاذَا قَالُوا؟ قَالُوا: ﴿ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ﴾[البقرة: 68] وَقَالُوا: ﴿ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا ﴾[البقرة: 69] حَتَّى عَسَّرُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، حَتَّى قَالَ تَعَالَى:﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [البقرة: 71]، وَمَنِ انْحَرَفَ عَنِ الْقِبْلَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّ الدِّقَّةَ فِي الْإِصَابَةِ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُسْتَطَاعُ. فَنَجِدُ- مع الْأَسَفِ- مَنْ يَهْدِمُ الْمَسَاجِدَ لِانْحِرَافٍ بَسِيطٍ فِي الْقِبْلَةِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ﴾[البقرة: 115]. إِذَنْ فِي مِثْلِ هَذَا إِذَا جَاءَ الْأَمْرُ عَلَى سَبِيلِ الْإِجْمَالِ عَلَيْنَا أَلَّا نَبْحَثَ عَنْ مَزِيدِ تَفْصِيلٍ - مَا سَكَتَ الشَّارِعُ عَنْهُ - لِأَنَّ الْإِجْمَالَ مَقْصُودٌ لِلتَّيْسِيرِ عَلَى النَّاسِ، وَالْغَوْصُ فِي التَّفْرِيعَاتِ وَالتَّفَاصِيلِ تُؤَدِّي إِلَى كَثْرَةِ الِاخْتِلَافَاتِ، وَكَثْرَتُهَا تُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاكِ، كَمَا لَحِقَ بِالْأُمَمِ مِنْ قِبَلِنَا. فَاللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ كَثْرَةِ الْمَسَائِلِ وَالِاخْتِلَافَاتِ، وَجَنِّبْنَا أَسْبَابَ الرَّدَى وَالْهَلَاكِ، آمِين؛ (تَتِمَّةُ الدُّعَاءِ). [1] رواه مسلم، رقم: 1337. [2] رواه البخاري، رقم: 6056. [3] رواه البخاري، رقم: 1117. [4] رواه البخاري، رقم: 1117. [5] رواه مسلم، رقم: 1337. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 10: ((إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا...)) عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، إن الله طيِّبٌ لا يقبل إلا طيِّبًا، وإن الله أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يُطيل السفر أشعثَ أغْبَرَ، يمُدُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمُه حرام، ومَشْرَبُه حرام، ومَلْبَسُه حرام، وغُذِّيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه ينص على أهمية أن تكون الأعمال التي يتقرب بها العباد إلى الله عز وجل طيبةً، وأنه شرطٌ في قبول الأعمال الصالحة، كما حثَّ على الأكل والشرب واللُّبس من الحلال الطيب، وحثَّ على البعد عن الحرام الخبيث؛ لأنه سبب في عدم استجابة الدعاء، فما هي الفوائد التي نفيدها من هذا الحديث العظيم؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي: 1- تنزيه الله تعالى عن النقائص: الله منزَّه عن النقائص والعيوب كلها؛ فنزَّه نفسه عن الولد فقال: ﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ﴾ [الإخلاص: 3]، ونزَّه نفسه عن النوم؛ فقال: ﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾ [البقرة: 255]، وهنا في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب)) تنزيه لله عن جميع النقائص؛ لأن الطيب هو الطاهر المقدَّس المنزَّه عن العيوب والنقائص كلها، فالعمى نقص والله بصير، والجهل نقص والله عليم، والضعف نقص والله قويٌّ، والبخل نقص والله كريم، وهكذا. 2- الطِّيبة شرط في قبول الأعمال كلها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقبل إلا طيبًا))، فالله لا يقبل من الأعمال والأقوال إلا الطيب؛ وذلك لوقوع صاحبها بمحظور أو تقصير لشرط أو ركن من العمل الذي يتقرب به إلى الله عز وجل، ونَفْيُ القَبول يأتي بمعنى نفي الأجر والثواب، ويأتي بمعنى نفي صحة العمل وبطلانه؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُقبَل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))[2]؛ أي: لا تصح منه، وفي الحديث الذي بين أيدينا نفي حصول الأجر والثواب والرضا، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به؛ وعليه من تصدَّق بالمال المستفاد من السرقة أو الغش، أو الربا أو تجارة المخدرات، أو غيرها من الطرق المحرَّمة، نقول له كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا))، وقوله: ((من تصدق بعِدلِ تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يُربِّيها لصاحبه، كما يُربِّي أحدكم فَلُوَّه، حتى تكون مثل الجبل))[3]. ولذلك يرى الإمام الشافعي رحمه الله أن المال الحرام يُحفظ حتى يُعرف صاحبه، ولا يُتصدق به، ويرى غيره أنه يُتخلص منه بإنفاقه في وجوه البر وأعمال الخير، ومصالح المسلمين، هذا إذا لم يُعرف له صاحبُ حقٍّ، مع التوبة الصادقة في عدم العَودِ إلى أكل الحرام. 3- الأمر بالكسب الطيب والأكل من الحلال: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((وإن الله أمَرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]))، وأتعجب ممن يستهويه الحرام ودائرته ضيقة وقليلة، ولا يبحث عن الحلال على رغم أن دائرته واسعة وكثيرة، لماذا لا يتحرَّى العبدُ الحلالَ في عمله، فيدخل مع الوقت ويؤدي عمله أحسن قيام، ويخرج في الوقت فيُطعم أبناءه ونفسه من الحلال؟ لماذا بعض الموظفين والعمال يسرقون من وقت العمل، مع ضمان أجرهم كاملًا؟ نقول: ما تسرقونه يجعل أجركم فيه شُبهة من الحرام، لماذا يُصِرُّ البعض على أخذ رُشوة وهي مال حرام، ويُطعم بها أبناءه وعياله؟ لماذا بعض أصحاب المهن - ميكانيكي، بناء، نجار، حداد، رصاص، صباغ، وغيرهم - لا يُتقنون أعمالهم، ويخالفون المتعاقد عليه في العقد، مع أخذهم لأجرتهم كاملة؟ إنما يأكلون السُّحت، فهؤلاء وأمثالهم يصدُق عليهم قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾ [يونس: 59]، فالواجب تحرِّي أكلِ الحلال في العمل والمطعم، والمشرب والملبس، فاللهم ارزقنا أكل الحلال، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد:4- فمن مواقف السلف في تحري أكل الحلال: قال صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمان، لا يبالي المرء ما أخذ منه، أمن الحلال أم من الحرام))[4]، وبذلك حرَص السلف على الأكل من الحلال وتجنُّب الحرام؛ فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "إنْ كنَّا نترك تسعة أعشار الحلال؛ مخافة الوقوع في الحرام"، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخَراج، وكان أبو بكر يأكل من خَراجِهِ، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسان في الجاهلية، وما أُحسن الكَهانة، إلا أني خدعتُه، فلقِيَني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كلَّ شيء في بطنه"[5]، وكانت المرأة من السلف إذا خرج زوجها لطلب الرزق تأخذ بثوبه وتقول: "يا عبدالله، اتَّقِ الله فينا، فوالله إنَّا لَنصبرُ على الجوع، ولا نصبر على النار"، وهناك اليوم من نسائنا من تدفع زوجها بكثرة طلباتها إلى الاستدانة المحرَّمة، أو تلمُّس اكتساب المال بطرق غير مشروعة، إرضاءً لها، نتيجة ضعف الوازع الديني لديه، فهل لنا من معتبر في تحري سلفنا للحلال؟ عباد الله: من المستفادات أيضًا: 5- استجابة الدعاء من آثار الرزق الحلال: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعثَ أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟))، فهذا في الذي يأكل الحرام، لا يُستجاب دعاؤه، ومفهومه أن من يأكل الحلال يكون مستجاب الدعاء. فاللهم استجب دعاءنا، وطيِّب أرزاقنا، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 1015. [2] رواه مسلم، رقم: 225. [3] رواه مسلم، رقم: 224. [4] رواه البخاري، رقم: 2059. [5] رواه البخاري، رقم: 3842. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 11: ((دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ)) عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب، سِبْطِ[1] رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته[2]رضي الله عنهما قال: حفِظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك))[3]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم، ومعدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الدين والشريعة، وقد سبق معنا معناه في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الحلال بيِّنٌ، وإن الحرام بيِّنٌ، وبينهما أمور مُشتبهات لا يعلَمُهُنَّ كثير من الناس، فمن اتَّقى الشُّبهات استبرأ لدينه، وعِرْضِهِ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام))[4] ، فهما معًا أصلٌ في الأخذ باليقين وترك المشتبهات، وأصل في الوَرَعِ والبعد عن الشكوك. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي: 1- البعد عن الشُّبُهات؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((دَعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يريبك))؛ أي: ابتعد عن الأمور المشكوك فيها، وخُذْ بالأمور المتيقَّن منها، وبهذا نحفظ أنفسنا من الوقوع في الحرام، ونحفظ عِرْضَنا من ألسنة الناس، وتحصُل طمأنينة للقلب، ونتخلَّق بخُلُقِ الوَرَعِ. والوَرَعُ هو الكفُّ عن الشُّبهات وما يؤدي إلى الحرام، وقال بعض أهل العلم: "الورع ترك ما لا بأسَ به مخافةَ ما به بأس، أو هو ترك المباح خشيةَ الوقوع في الممنوع"؛ مثل: ترك التعامل مع شخص أمواله مختلطة دخل فيها الحلال والحرام، فإن السلامة في ترك التعامل معه، أو أطعمة مشكوك في احتوائها على بعض المحرَّمات؛ كالكحول أو لحم الخنزير، فالسلامة في ترك تناولها، دَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك، وقِسْ على هذا أمورًا كثيرةً. 2- أمثلة من ورع السلف الصالح وتركهم للشُّبهات: سلف هذه الأمة الصالح كانوا يتميزون بخلق الورع، وأذكر لكم بعض النماذج؛ علَّنا نقتفي أثرهم ونتشبه بهم. • من ورع النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطةً على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقةً، فألقيها))[5] ، فيه دليل على تحريم الصدقة على النبي عليه السلام مطلقًا، سواء كانت فرضًا أو تطوعًا؛ لعموم اللفظ؛ قال المهلب: "إنما تركها صلى الله عليه وسلم تورُّعًا وليس بواجب؛ لأن الأصل أن كل شيء في بيت الإنسان على الإباحة"[6]. • من ورع الصحابة رضوان الله عليهم؛ عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجِهِ، فجاء يومًا بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهَّنتُ لإنسان في الجاهلية، وما أُحسِن الكَهانة، إلا أني خدعته، فلقِيَني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه"[7]. • ومن الورع في قصص الصالحين؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اشترى رجلٌ من رجلٍ عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرَّةً فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خُذ ذهبك مني، إنما اشتريتُ منك الأرض، ولم أبْتَعْ منك الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بِعْتُك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجل، فقال الذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ قال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أنكحوا الغلامَ الجاريةَ وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا))[8] ، فليسأل كل واحد منا نفسه لو وجد في شيء اشتراه ذهبًا أو نقودًا، كيف سيتصرف؟ فاللهم زيِّنَّا بخُلُقِ الوَرَعِ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك أن: 3- مدار الفتوى فيما لا دليل عليه على القلب؛ في هذا الحديث إشارة إلى أن الإنسان فيما لم يدل عليه الدليل يرجع في ذلك إلى نفسه ويستفتيها، أو إذا استوت الأمور وكانت حينئذٍ من المتشابهات، فإن الإنسان يرجع في ذلك إلى ما يجده في نفسه؛ فقد يعطيك المفتي - مثلًا - رخصةً في معاملة ربوية بناءً على الضرورة التي بيَّنتَها له، ولكن في قرارة نفسك أنك لست من أهل الضرورة، فلا تعمل بهذه الفتوى، واعمل بما أفتاك قلبك؛ لأن قلب المؤمن ينظر بنور الله إذا كان قويَّ الإيمان؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوابصةَ: ((جئت تسأل عن البِرِّ والإثم؟ قال: قلت: نعم، قال: فجمع أصابعه فضرب بها صدره، وقال: استفْتِ نفسك، استفْتِ قلبك يا وابصة - ثلاثًا - البِرُّ ما اطمأنَّت إليه النفس، واطمأنَّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردَّد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفْتَوك))[9] ، أما في حالة معرفة الدليل، أو في إمكان الحصول عليه، فلا بد من الوقوف على الدليل. فاللهم أرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرِنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، آمين. (تتمة الدعاء). [1] أي: ابن بنته فاطمة رضي الله عنها. [2] وذلك لسرور النبي صلى الله عليه وسلم به وإقباله عليه. [3] رواه الترمذي، رقم: 2518، وقال: حديث صحيح، والنسائي، رقم: 5201. [4] رواه مسلم، رقم: 1718. [5] رواه البخاري، رقم: 2432. [6] فتح الباري شرح صحيح البخاري: 4/294. [7] رواه البخاري، رقم: 3842. [8] رواه البخاري، رقم: 3472. [9] رواه الدارمي، رقم: 2575، وصححه الألباني في تحقيق صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، ص: 55. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 12: ((مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيهِ)) عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حُسْنِ إسلام الْمَرْءِ تركُه ما لا يَعْنِيه))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم، ومعدود من أصول الأدب؛ قال الإمام الجليل أبو محمد عبدالله بن أبي زيد، إمام المالكية بالمغرب في زمنه: "جِماع آداب الخير يتفرع من أربعة أحاديث؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيَقُل خيرًا أو ليصمت))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه))، وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له الوصية: ((لا تغضب))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه))"[2]. والمعنى الإجمالي للحديث يفيد أن من كمال محاسن إسلام المسلم وتمام إيمانه، ابتعاده عما لا يخصه، ولا يُهِمُّه، وما لا يفيده من الأقوال والأفعال، وعدم تدخله في شؤون غيره، وعدم تطفُّلِهِ على غيره فيما لا ينفعه ولا يفيده. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي: 1- ترك ما لا يعني من درجات الإحسان، ودليلٌ على كمال الإسلام؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((من حسن إسلام المرء))؛ أي: من تمام وكمال دينه، ومن جماله وحسنه، تركه ما لا يعنيه من الفضول في الأقوال والأفعال، والابتعاد عما لا يعني مما حرَّم الله عز وجل، وما كرهه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما لا يُحتاج إليه من فُضول المباحات من الكلام والأفعال والأحوال؛ فمما لا يعني الإنسان ليس محصورًا في الأمور الدنيوية، بل إن مما لا يعنيه أيضًا، ما هو متعلق بأمور أُخْرَوِيَّة؛ كحقائق الغيب، وتفاصيل الحِكَمِ في الخَلْقِ والأمر، ومنها السؤال والبحث عن مسائل مقدَّرة ومفترضة لم تقع، أو لا تكاد تقع، أو لا يُتصوَّر وقوعها. 2- عدم ترك ما لا يعني سببُ الكثير من المشاكل: كم من أناس تتبَّعوا زوجًا وزوجته حتى فرَّقوا بينهما! فكم من غِيبة أو نميمة أو قذف بغير بيِّنة، أو عمل سحر أو غير ذلك من الموبقات كان سببًا في التفريق بين الأحِبَّة، وسببًا في الكثير من الخصومات! قال حماد بن سلمة: باع رجل عبدًا وقال للمشتري: ما فيه عيب إلا النميمة، قال: رضيت، فاشتراه"، فانظروا كيف هوَّن من أمر النميمة وهي من الاشتغال بما لا يعني، فكيف كانت النتيجة؟ قال حماد: فمكث الغلام النمَّام أيامًا، ثم قال لزوجة مولاه: إن سيدي لا يُحبُّكِ، وهو يريد أن يتسرَّى عليكِ، فخُذي الْمُوسَى واحلِقي من شعر قَفاه عند نومه شعراتٍ حتى أسحُرَه عليها فيحبكِ، ثم قال للزوج: إن امرأتك اتخذت خليلًا وتريد أن تقتلك، فتناوَمَ لها حتى تعرف ذلك، فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى، فظنَّ أنها تريد قتله، فقام إليها فقتلها، فجاء أهل المرأة، فقتلوا الزوج، ووقع القتال بين القبيلتين[3]، أرأيتم إلى نتائج الدخول فيما لا يعني؟ وشواهد الخصومات بين الأُسَرِ والعمَّال، وفي المدارس بين التلاميذ، وبين الأقارب والجيران وغيرها، سببها عدم ترك ما لا يعني، والاشتغال بالفضول في الأقوال والأفعال. فمن تكلم في الغير بما يكره، فقد اعتدى على عِرْضِهِ، وتدخَّل فيما لا يعنيه، فعليه أن يعلم بأن لسانه مراقَب؛ قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، وقد أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بلسان معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال له: ((اكْفُفْ عليك هذا، فقلت: يا رسول الله، أَوْ إنَّا لَمَأْخُوذُون بما نتكلم؟ قال: ثكِلتك أمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم - أو قال: على مناخِرِهم - إلا حصائدُ ألسنتهم؟))[4]؛ قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "من عدَّ كلامه من عمله، قلَّ كلامه فيما لا يعنيه". فاللهم إنا نعوذ بك من الاشتغال بما لا يعنينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك أن: 3- من حسن إسلام المرء الدخولُ فيما يعنيه؛ وهذا بالمفهوم المخالف من الحديث، فالرسول صلى الله عليه وسلم القائل هذا الحديث لم يسكت عما يعنيه، وعلينا اقتفاء أثره في ذلك، فكان صلى الله عليه وسلم يدعو الناس إلى الإسلام؛ تطبيقًا لقول ربه: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]، وحاول المشركون إسكاتَه بالإغراء أحيانًا، وبالتهديد أحيانًا أخرى، فما استطاعوا، ورسم له ربُّه منهجًا واضحًا في الآية السابقة، وفي قوله: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94]، فيتعين على المؤمنين تبليغُ دينِ ربِّهم للعالمين، فهو مما يعنيهم. وكان صلى الله عليه وسلم يقدِّم النصيحة لمن يحتاجها؛ كما رأينا في حديث: ((الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم))[5]، وصحَّح للمسيء صلاتَه، وعند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم ((رأى خاتمًا من ذهب في يد رجلٍ، فنزعه فطرحه، وقال: يعمِد أحدكم إلى جمرةٍ من نار فيجعلها في يده، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم: خُذ خاتمك انتفع به، قال: لا والله، لا آخُذه أبدًا، وقد طرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم))[6]. وكان يتدخل للصلح بين المتخاصمين، ويتدخل في أمور أخرى؛ ومن أمثلتها قوله صلى الله عليه وسلم: ((كل سُلامى من الناس عليه صدقة، كلَّ يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين الاثنين صدقة، وتُعين الرجل في دابته فتحمله عليها، أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتُميط الأذى عن الطريق صدقة))[7]. فالحاصل أنه لا يجب ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ترك الواجبات وحتى المستحَبَّات، ويقرر علماؤنا في قواعدهم أنه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فحينما فُرضت الصلاة والحج مثلًا، بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم بسُنَّتِهِ القولية والعملية كيفية أداء الصلاة والحج، ولم يتأخر عن البيان. فاللهم وفِّقنا لعدم السكوت عما لا ينبغي، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مالك في الموطأ، رقم: 3352، والترمذي، رقم: 2518، وقال: حديث غريب، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع، رقم: 5911. [2] شرح النووي على مسلم: 2 /19. [3] إحياء علوم الدين: 3 /158. [4] رواه الترمذي، رقم: 2616، وقال: حديث حسن صحيح. [5] رواه مسلم، رقم: 1718. [6] رواه مسلم، رقم: 2090. [7] رواه مسلم، رقم: 1009. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ حديث: ((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)) عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن أبي حمزة أنسِ بن مالك رضي الله عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم، حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِه صلى الله عليه وسلم، ومعدودٌ من أصول الأدب، كما ينصُّ على الضابط لمعاملة الآخرين، ويفيد عمومًا أن ما يحبه الإنسان لنفسه من قول أو فعل، فعليه أن يُحِبَّه للآخرين، وما يكرهه لنفسه من قول أو فعل، فعليه أن يكرهه للآخرين، وأن يعامل الناس كما يُحِبُّ أن يعاملوه. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي: 1-الفهم الصحيح لمعنى (لا يؤمن أحدكم)؛ قال العلماء: ليس المراد ذهاب الإيمان كليةً، وإنما المراد نفي كمال الإيمان؛ أي: لا يؤمن إيمانًا تامًّا بحيث يبلغ حقيقة الإيمان ونهايته، وهذا النفي معروف في كلام العرب، وكلام الناس كما نقول في الكلام الدارج: (نتا ماشي بنادم)، وتقول العرب: "فلان ليس بإنسان"[2]، فالمقصود نفي صفة من صفاته، وهنا نفي صفة من صفات الإيمان فيه؛ وهي: عدم حبِّه للناس مثل ما يحب لنفسه، فأصبح ناقصًا لافتقاده صفة: أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهذا يدلُّكم على أن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي. 2- يجب نشر المحبة بين أفراد المجتمع، وتركُ الحقد والحسد، والكراهية والأنانية: لا يمكن لحقود أو حاسد، أو مُحِبٍّ لذاته أن يُحِبَّ لأخيه ما يحب لنفسه؛ لأن تلك الأمراض تُورِث الكراهية والبغضاء بين الناس؛ ولذلك يرتقي في مدارج الإيمان من يحب الخير للناس، ويبذل ما في وسعه وطاقته لنفعهم، ويُحزنه آلام إخوانه، فيمرض لمرضِهم، ويحزن لحزنهم، ويفرح لفرحهم. وهذ لا يقتصر على إخوانه في الإيمان، بل في الإنسانية، فيحب للكافرِ دخولَه في الإسلام، كما يحب لأخيه الثباتَ على الدين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بالهداية للمشركين، فقد حاصر أهلَ الطائف فجاءه أصحابه فقالوا: يا رسولَ الله، أحرقتنا نِبالُ ثقيفٍ، فادْعُ الله عليهم فقال: ((اللهم اهدِ ثقيفًا))[3]، كما أن المؤمن يدعو بالهداية للعُصاة، ويحب لهم التوبة؛ كما فرِح الصحابة رضوان الله عليهم بنزول توبة الثلاثة الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك؛ قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ [التوبة: 118]. قال كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين نزلت توبتهم: "وآذَنَ - أي أعلَم - رسول الله صلى الله عليه وسلم الناسَ بتوبة الله علينا حين صلَّى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب نحو صاحبيَّ مبشِّرون، وركض رجل إليَّ فرسًا، وسعى ساعٍ من أسْلَمَ، حتى أوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمِعت صوته يبشرني، نزعت ثوبي، فكسوتهما إياه بشارةً، والله ما أملك يومئذٍ غيرهما، واستعرت ثوبين فلبِستُهما، ثم انطلقتُ أتيمَّمُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقَّاني الناس يبشرونني بالتوبة، يقولون: لِيَهْنِكَ توبةُ الله عليك، حتى دخلت المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ حوله الناس، فقام إليَّ طلحة بن عبيدالله، فحيَّاني وهنَّأني، ووالله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب بن مالك لا ينساها لطلحةَ، قال كعب: فلما سلَّمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ووجهه يبرُق من السرور: ((أبْشِرْ بخيرِ يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك))[4]، وهكذا فرِح الرسول صلى الله عليه وسلم وفرِح الصحابة بنزول توبتهم؛ لأنهم يُحِبُّون لإخوانهم مثل ما يحبون لأنفسهم. فاللهم اجعلنا ممن يحبون لإخوانهم مثل ما يحبون لأنفسهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك: 3- التشبُّهُ بالسلف الصالح في هذه الخَصلة العظيمة، وقد سبق معنا فرح الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بنزول توبة الثلاثة الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك؛ ومن نماذج الاقتداء كذلك: • حبُّه صلى الله عليه وسلم لصحابته ما يحب لنفسه: عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا أبا ذرٍّ، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين، ولا تَوَلَّيَنَّ مالَ يتيم))[5]؛ قال ابن رجب رحمه الله: "وإنما نهاه عن ذلك؛ لِما رأى من ضعفه، وهو صلى الله عليه وسلم يحب هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولى أمور الناس؛ لأن الله قوَّاه على ذلك، وأمره بدعاء الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم"[6]. • وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "ما ناظرتُ أحدًا قطُّ فأحببتُ أن يُخطئ"[7]، ويقول: "وددت أن الناس تعلَّموا هذه الكتب ولم ينسبوها إليَّ"[8]، فانظروا - رحمكم الله - إلى تواضع هذا الإمام، وحبِّه لخصمه إصابةَ الحق كما يحب لنفسه، فأين علماؤنا وطلبة العلم من هذا الخُلُقِ؟ حتى أصبح الانتصار للنفس والمذهب هو ديدن أكثرهم، إلا من رحم ربك، وقليلٌ ما هم. • وكان محمد بن واسع يبيع حمارًا له، فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيتُه لم أبِعْهُ، وهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضى لنفسه[9]، وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين، فأين هذا ممن يبيع سلعةً ثم يسكت عن عيوبها، فهل تحب أن يعاملك الناس بالمثل؟ فاللهم أوْرِثْنا خُلُقَ أسلافنا في التواضع والمحبة، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 13، ومسلم، رقم: 45. [2] فتح الباري: 1/ 57. [3] رواه الترمذي، رقم: 3942. [4] سيرة ابن هشام: 2/ 535، 536. [5] رواه مسلم، رقم: 1826. [6] جامع العلوم والحِكم: 1/ 305. [7] رواه ابن حبان في صحيحه: 5/ 496. [8] رواه ابن حبان في صحيحه: 5/ 496. [9] رواه مسلم، رقم: 1826. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 14: ((لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ...)) عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحِلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاثٍ: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارِق للجماعة))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم، ومتعلِّق بأخطر الأشياء؛ وهو الدماء، ويؤكِّد على أن الأصل في الدماء العِصمةُ؛ كما في حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دَمُهُ، وماله، وعِرْضُه))[2]، كما يُبيِّن عقوبة مقترفي الجرائم المذكورة لحماية المجتمع ووقايته؛ وهي حدُّ القتل، وحد الزاني المحصَن، وحد الرِّدَّة، وتطبيق هذه الحدود مردُّه إلى أولياء الأمور، وليس لآحاد الناس، فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- تشريع حد الزنا لحفظ الأعراض: الذي تزوَّج وإن طلَّق أو طُلِّقت يُسمَّى عند الفقهاء بالثَّيب، وأجمعوا على أنه إذا زنى يُرجم بالحجارة حتى الموت، وقد ثبت في السُّنَّة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزًا والغامدية لمَّا زَنَيَا، وكان مما نزل من القرآن ثم نُسِخ نَسْخَ التلاوة دون الحكم ما رُوِيَ عن زرٍّ، قال: ((قال لي أُبَيُّ بن كعب: يا زرُّ، كأيِّن تقرأ سورة الأحزاب؟ قال: قلت: كذا وكذا آيةً، قال: إن كانت لَتُضاهي سورة البقرة، وإن كنَّا لنقرأ فيها: والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتةَ نكالًا من الله ورسوله، فرُفع فيما رُفع))[3]، والشيخ والشيخة: الثيب والثيبة، أما الزاني البِكر؛ فحكمه واضح في قوله تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: 2]، ولو طبَّقنا هذا التشريع الربانيَّ، لَحُفِظتِ الأعراض، ولما انتشر الزنا والخيانات الزوجية، وما ينجُم عنها من اختلاط الأنساب، وظهور أبناء الزنا، وما يترتب عن وجودهم من تكلفة لاحتضانهم، ومن مشكلات نفسية لهم عند كِبَرِهم والسؤال عن نسبهم. 2- تشريع القِصاص لحفظ الأنْفُسِ: قتل النفس بغير وجه حقٍّ جُرمٌ عظيم عند الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دَمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُه))[4]، وهو من كبائر الذنوب؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 93]، هذا في عذاب الآخرة، أما في الدنيا، فالقِصاص إذا لم يرضَ أولياء المقتول بالدِّيَةِ، أو العفو عن القاتل؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 178، 179]، وقال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45]، فلو طُبِّق القِصاص في واقعنا، لأمِنَ الناس على أنفسهم وأرواحهم، واستراح الناس من فظائع الجرائم التي يرتكبها الأفراد والعصابات، وهذا التشريع الربانيُّ يدحض مزاعمَ دُعاة إلغاء عقوبة الإعدام؛ لأن الجزاء ينبغي أن يكون من جنس العمل، وهم ينظرون إلى العطف على الجاني وحقه في الحياة، وينسَون حقَّ الضحية وحقه في العيش، فما أعدل تشريع الإسلام! فاللهم اجعلنا ممن يحتكمون إلى كتابك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك: 3- تشريع حد الرِّدَّة لحفظ الدين، فمن دخل في الإسلام ثم ارتد عنه وترك جماعة المسلمين، فقد أجمع أهل العلم أنه يُقتَل؛ بدليل هذا الحديث: ((التارك لدينه المفارِق للجماعة))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من بدَّل دينه فاقتلوه))[5]، وبدليل قتال أبي بكر رضي الله عنه للمرتدين الذين ارتدوا بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، ولو طبَّقنا هذا التشريع الرباني لَقطعنا الطريق على المجاهرين بالكفر، والملاحدة، وقُمنا بصيانة الدين من تلاعب اللادينيين. ويجدر التنبيه في الختام أن المسلم قد يُقتَل - حال تطبيق حدود الله - من طرف وليِّ أمر المسلمين بغير هذه الثلاثة؛ ومنها: • اللواط: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من وجدتموه يعمل عَمَلَ قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به))[6] ؛ حتى لا تنتشر هذه الآفة بين المسلمين. • العصابات المحاربون: لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [المائدة: 33، 34]. • الساحر: وهو عند أبي حنيفة ومالك وأحمد أنه يكفُر بسِحْرِه، فهو في حكم المرتدِّ. • من يريد تفريق وحدة المسلمين: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أتاكم وأمرُكم جميع على رجل واحد، يريد أن يشُقَّ عصاكم، أو يفرِّق جماعتكم، فاقتلوه))[7]. عباد الله: دمُ المسلم الذي لا يحل إلا بحقِّه عند الله أصبح في زماننا من أرخص الدماء، كما ترَون في فلسطين وغيرها من البُلدان؛ نتيجة ضعف المسلمين وترك دينهم وتفرقهم، فأصبحوا أذلاء بين الأمم، ولا عزَّةَ لهم إلا بالرجوع إلى دينهم حتى يجمع الله شملهم، ويأخذوا بأسباب القوة. فاللهم انصر دينك وأعزَّ أولياءك، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 6878، ومسلم، رقم: 1676. [2] رواه مسلم، رقم: 2564. [3] رواه أبو داود الطيالسي، رقم: 2564. [4] رواه مسلم، رقم: 2564. [5] رواه البخاري، رقم: 3017. [6] رواه أبو داود، رقم: 4462. [7] رواه مسلم، رقم:1852. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث 15: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر..." عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]،﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]،﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، واشتمل على أمور ثلاثة جمعت مكارم الأخلاق؛ وهي: قول الخير أو الصمت، وإكرام الجار، وإكرام الضيف. والالتزام بها دليل كمال الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن معنى نفي الإيمان في الحديث ليس نفي الإيمان بالكلية؛ وإنما نفي كماله وتمامه، أو المبالغة؛ كما لو قلت لابنك: إن كنت ابني فأطعني؛ للمبالغة في حثِّه على الطاعة، وفي جميع الحالات فهو ابنك حتى ولو لم يطعك. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- التكلُّم بالخير أو الصمت: قالصلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". ومن قول الخير إفشاء السلام والنصيحة، قال الشافعي رحمه الله في معنى الحديث: "إذا أراد أن يتكلم فليفكر، فإن ظهر له أنه لا ضرر عليه تكَلَّم، وإن ظهر له فيه ضرر أوشك فيه أمسك"[2]. فينبغي إذن التفكير قبل الكلام، فإن علم أنه لا يترتب عليه مفسدة ولا يجرُّ إلى مُحرَّم ولا مكروه؛ فليتكلَّم، وإن كان مباحًا فالسلامة في السكوت؛ لئلا يجر المباح إلى المحرم والمكروه [3]. قال الشافعي رحمه الله: إذا رمت أن تحيا سليمًا من الرَّدَى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ودينُك موفورٌ وعرضك صين https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فلا ينطقَنَّ منك اللسانُ بسوأة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فكلك سوءات وللناس ألسن https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعيناك إن أبْدَتْ إليك معائبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَدَعْها وقل يا عين للناس أعين https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ودينُك موفورٌ وعرضك صين https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقد سبق معنا في الحديث الثاني عشر"من حُسْن إسلامِ المرءِ تركُه ما لا يعنيه"، الحديث عن فضيلة ابتعاد المسلم عما لا يخصه ولا يهمه وما لا يفيده من الأقوال والأفعال، وعدم تدخُّله في شؤون غيره، ومنها في هذا الحديث الصمت والسكوت عما ليس فيه خير؛ كالكلام الفاحش والغيبة والكذب وقول الزور. 2- إكرام الجار: قالصلى الله عليه وسلم: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره"، فالجار الذي يجاورك في المسكن أو العمل كأصحاب الدكاكين، أو جاورك في مركب أو في حافلة أو طائرة. فإذا كان الجار من أقربائك فله ثلاثة حقوق: حق الجوار، والقرابة، والإسلام، وإن كان مسلمًا غير قريب فله حق الجوار والإسلام، وإن كان غير مسلم فله حق الجوار. ومن حقوقه إكرامه كما في الحديث، وإكرام الجار يكون بـ: الأمن من شرورك:قالصلى الله عليه وسلم: "والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن" قيل: من يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه"[4]؛ أي: لا يسلم جاره من كيده وآذاه، كالذي يرمي بالقمامة أمام منزله، أو يزعجه برفع صوت التلفاز مثلًا، أو يترك أطفاله يقلقون راحته، أو غير ذلك، أو يعتدي على عرضه بالتحرش ببناته أو زوجته. عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" قال: قلت له: إن ذلك لعظيم، قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ثم أن تزاني حليلة جارك"[5]. وهذالأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته وإفسادها عليه مع تمكُّنه منها على وجه لا يتمكَّن غيره منه كان في غاية من القبح. الانتفاع بك: كأن تُسلِّم إذا مررت عليه، أو تهدي له إذا كان غنيًّا، أو تتصدَّق عليه إذا كان فقيرًا، وتشاركه في أفراحه وأحزانه، وتسأل عنه إذا غاب عنك، وتعوده إذا مرض، وتُسخِّر سيارتك مثلًا لقضاء بعض أغراضه، وأوجه إكرامه كثيرة. فاللهم اجعلنا ممن يتكلمون بالخير، ويكرمون جيرانهم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد: عباد الله، نستفيد كذلك: 3-إكرام الضيف؛ قالصلى الله عليه وسلم: "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"، فإذا جاءك ضيف فأكرمه، والإكرام يكون بالطعام من غير إسراف، قال تعالى: ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، وبعض الناس لا يفهم من الإكرام إلا الإسراف. ولا بأس ببعض التكلف، كما فعل إبراهيم عليه السلام مع أضيافه قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾ [هود: 69]. ومن إكرامه إيثاره على نفسك وأبنائك في المأكل والمشرب، وعدم ترك الأبناء يقلقون راحته، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يضم أو يضيف هذا"، فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني، فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاءً، فهيأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلما أصبح غدًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "ضحك الله الليلة، أو عجب، من فعالكما" فأنزل الله: ﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9][6]. وعلى الضيف احترام زمن الضيافة والكرم؛ وهي ثلاثة أيام فقط، وألا يحرج أهل البيت، وألا يتدخل فيما لا يعنيه كما رأينا في الحديث الثاني عشر، ولا يتجسَّس على أهل البيت فللبيوت أسرار. فاللهم اجعلنا ممن يكرمون ضيفهم، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 6878، ومسلم، رقم: 1676. [2] شرح النووي على مسلم: 2/ 19. [3] فتح الباري: 10/ 532. [4] رواه البخاري، رقم: 6016. [5] رواه مسلم، رقم: 86. [6] رواه البخاري، رقم: 3798. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 16: لا تغضب عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصِني، قال: لا تغضب، فردَّد مرارًا، قال: لا تغضب))[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِه صلى الله عليه وسلم، الذي أوجز وصيته لهذا الصحابي في كلمة جامعة؛ وهي: ((لا تغضب))؛ قال الخطابي: "معنى قوله: ((لا تغضب))، اجتَنِبْ أسبابَ الغضب، ولا تتعرض لِما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتَّى النهي عنه؛ لأنه أمر طبيعي لا يزول من الجِبْلَةِ"[2]، والغضب جِماع الشرِّ، والتحرُّز منه جماع الخير، وهو ينشأ بدافع النفس للانتقام، أو دفع الأذى؛ ما يتولد عنه الكثير من الشرور؛ كالقتل والضرب، والسب والنطق بالكلام الفاحش، وغيرها، وهو نقيض الرضا والسَّكِينة والطمأنينة. فما الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي: 1- الغضب المذموم وعلاجه: وهو الذي نهى عنه وحذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث التي وردت، ومنها هذا الحديث، وهو خُلُقٌ سيئ؛ لأنه يُخرِج العقل والدين من سياستهما، فلا يبقى للإنسان مع ذلك نظرٌ ولا فِكْرٌ ولا اختيار. ومن أمثلته: الغضب لأجل الدنيا والمصالح، والغضب للنفس، أو الغضب عصبيةً أو للقبيلة، أو الحزب أو الجماعة، أو للأسرة والأقارب، فتجد الغضبان يغضب لأتفه الأسباب، فتنتفخ أوداجه وتحمرُّ عيناه، ويُطلِق للسانه العِنان في السَّبِّ والشتم والقذف، وربما يؤذي المغضوبَ عليه بالضرب أو القتل، وكم من غاضب حوَّل العيش داخل الأُسرة إلى جحيم، وربما طلَّق زوجته فيندم، لكن حيث لا ينفع الندم! ويزداد الأمر سوءًا إذا ظنَّ الغاضبُ أنه قوِيٌّ بتصرفاته، ويستطيع فرض احترامه، ونفسه التي بين جنبيه ضعيفٌ أمامها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس الشديد بالصُّرَعَةِ، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))[3]؛ أي: ليس الشديد الذي يصرع الناس بقوته البدنية، أو يمارس فنون القتال والمصارعة، ولكن الشديد الذي يضبط نفسه، فلا ينطق إلا بما يوافق الحق والصواب. ويُعالَج الغضب: • بدعاء الله عز وجل على إذهاب غضبك في غير محله؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]. • بملازمة ذكر الله عز وجل، أكْثِرْ من قراءة القرآن، ومن التسبيح والتهليل وغيرها من الأذكار؛ لأنها تُطَمْئِنُ القلب؛ قال تعالى: ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]. • بلزوم الصالحين والرفقة الطيبة؛ لأن مجالستهم سَكِينة، بخلاف مجالسة الرفقة السيئة التي تتوفر عندها دواعي الغضب المذموم وكثرته. • بالتعوُّذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنه مصدر الغضب من خلال وسوسته؛ عن سليمان بن صرد، قال: ((استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فغضِب أحدهما، فاشتد غضبه حتى انتفخ وجهه وتغيَّر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني لَأعلمُ كلمةً، لو قالها لذهب عنه الذي يجد، فانطلق إليه الرجل فأخبره بقول النبي صلى الله عليه وسلم وقال: تعوَّذ بالله من الشيطان، فقال: أترى بي بأسٌ؟ أمجنونٌ أنا؟ اذهب))[4]. • بتغيير الوضع الذي أنت عليه حال غضبك؛ فإن كنت تمشي فتوقَّف، وإن كنت واقفًا فاجلس، وإن كنت جالسًا فاضطجع؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إذا غضِب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع))[5]، وغيرها من الأسباب المشروعة. فاللهم إنا نعوذ بك من الغضب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك أن هناك: 2- الغضب المحمود؛ وهو أن يكون لله عز وجل عندما تُنتهك حرماته، والغضب على أعدائه من الكفار والمنافقين، والطغاة والمتجبرين؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التوبة: 73]، ومنه غضب الله عز وجل كغضبه على المنافقين والمشركين؛ كقوله تعالى: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [الفتح: 6]. كيف لمن يسمع الدين والملة تُسَبُّ ولا يحرك ساكنًا، وإذا سُبَّ هو أو أحد أقربائه، انتفض انتفاضة الثور؟! وكيف لمن يرى أو يسمع نبيه صلى الله عليه وسلم يُستهزَأ به، وتُنشر له رسوم مسيئة، أو نفي سنته بدعوى الاقتصار على القرآن، ثم لا يغضب؟ وكيف لمن عنده أبناء لا يُصلُّون ثم لا يغضب ولا يحرك ساكنًا؟! أو يرى زوجته أو ابنته تخرج سافرةً، ولا يأمر أو ينهى؟ وكيف لمن يرى إخوانه يُقتلون ويُذبحون ويجوعون، وأعراض المؤمنات تُنتهك، ولا يغضب ولا ينفر بما يستطيع؟ والله عز وجل يقول: ﴿ انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 41]. فالغضب إذا كان في محله، فهو مطلوب لحماية الدين والأنْفُسِ والأعراض، وانظروا كيف غضب أناس من المشركين حينما حُوصِرَ النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ومَن معهم مِن أقربائهم مِنَ المشركين في الشِّعب بدافع العصبية، وقالوا: "يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبَس الثياب، وبنو هاشم هَلْكَى، لا يُباع ولا يُبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تُشَقُّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة"[6]، فسَعَوا لنقضها، فقيمة الغضب المحمود تنفع لإزالة الظلم، ووضع الأمور في نصابها. فاللهم اجعلنا ممن يغضب لك، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 6116. [2] فتح الباري: 10 /520. [3] رواه البخاري، رقم: 6114، ومسلم، رقم: 2609. [4] رواه البخاري، رقم: 6048. [5] رواه أبو داود، رقم: 4782. [6] سيرة ابن هشام: 1 /376، والقائل هو زهير بن أبي أميَّة. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 17: ((اتَّقِ اللهِ حَيْثُمَا كُنْتَ...)) عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن أبي ذرٍّ جندب بن جنادة، وأبي عبدالرحمن معاذ بن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اتَّقِ الله حيثما كنتَ، وأتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ الناس بخُلُقٍ حسن))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِه صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو إلى تقوى الله، وفِعْلِ الحسنة بعد السيئة مباشرةً، والتخلُّق بالخلق الحسن مع الناس، فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي: 1- الوصية بتقوى الله تعالى: والتقوى هي أن تُطيع الله فتفعل ما أمرك به، وتجتنب ما نهاك عنه، وبذلك تجعل بينك وبين الله وقاية، وهي وصية الله للأولين والآخرين؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131]، والنبي صلى الله عليه وسلم يفتتح خُطَبَه بالتذكير بالتقوى ويقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، والنبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: ((اتَّقِ الله حيثما كنت))؛ أي: اتَّقِ الله في سرِّك وعلانيتك، اتَّقِ الله في البرِّ والبحر، في البيع والشراء، في الدار، في الطريق، في المدرسة، في السيارة، في السفر، فهو أمرٌ بالإحساس بمراقبة الله في كل زمان ومكان. فمن يتَّقِ الله أمام الناس، ثم إذا كان خاليًا انتهك المحرمات، ومن يتَّقِ الله في رمضان، فإذا خرج عصى ربه، ومن يتَّقِ الله أمام الصالحين، وإذا كان مع رفقة سيئة سايرهم في باطلهم؛ هؤلاء جميعًا ومن على شاكلتهم لم يُطبِّقوا الوصية النبوية. 2- الوصية بفعل الحسنة بعد السيئة مباشرةً: قال صلى الله عليه وسلم: ((وأتْبِعِ السيئة الحسنة تَمْحُها))، وهي من التقوى أيضًا فممحاة السيئات فِعْلُ العمل الصالح بعدها، لمن وفَّقه الله لذلك، فالإنسان ليس بمعصوم، وقد تصْدُرُ منا أخطاء ومعاصٍ، ومن رحمة الله بنا أن أرشدنا إلى طريقة للتخلص من الذنوب والآثام؛ قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾ [هود: 114]، ووَرَدَ في سبب نزولها عن ابن مسعود رضي الله عنه، ((أن رجلًا أصاب من امرأة قُبْلةً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ [هود: 114]، فقال الرجل: يا رسول الله، أَلِي هذا؟ قال: لجميع أُمَّتي كلهم))[2]. أنواع الشرك؛ كالحلف بغير الله، والذهاب عند الكُهَّان والمشعوذين سيئة، والحلف بالله بعدها، والندم، والعزم على عدم العودة إلى الكُهَّان حسنة وتوبة. تَرْكُ الصلاة بالكُلية أو التهاون في أوقاتها سيئة، والقيام بها، والمحافظة على أوقاتها حسنة وتوبة؛ قال تعالى: ﴿ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]. الاشتغالُ بالعمل أو البيع وقت النداء للجمعة سيئة، والسعي للصلاة وترك البيع وما يُلهي عن الصلاة حسنة وتوبة؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: 9]. خروج المرأة بدون حجاب سيئة وجاهلية، والتستُّر بعد التبرُّج حسنة وتوبة. السرقة سيئة، وإرجاع المسروق لصاحبه حسنة وتوبة. شرب الخمر وجميع أنواع المخدِّرات والتدخين سيئة، وتركها والابتعاد عن الرفقة السيئة حسنة وتوبة، وعلى هذا القياس. فاللهم اجعلنا من عبادك المتقين الذين يُتبِعون السيئةَ الحسنةَ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فمن المستفادات كذلك: 3- الوصية بالتخلُّق بالخُلُق الحسن مع الناس: قال صلى الله عليه وسلم: ((وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن))، والخلق الحسن من تقوى الله، وخَصلة من أعمال الحسنات، ومن الخُلُقِ الحسن مع الناس: • مخالطتهم والصبر على أذاهم؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، أعظمُ أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم))[3] ؛ لأن الذي يخالط الناس لا بد له من أذِيَّةٍ، يسمع كلامًا يؤذيه، لا بد أن يرى فعلًا يؤذيه، لا بد أن يُهان، لكن يصبر على أذاهم ويصابر، ويقول: الذي لا يأتي اليوم يأتي غدًا؛ ويستحضر دائمًا قول الله عز وجل: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، وأمَرَ الله نبيَّه بالصبر على أذى المشركين؛ فقال له: ﴿ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ ﴾ [ق: 39]؛ ولذلك وصفه ربه بقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]. • أن تنفعهم بما تستطيع، وتكُفَّ أذاك عنهم؛ فتُعاملهم بالإحسان القولي والإحسان الفعلي، كبشاشة الوجه؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((وتبسُّمك في وجه أخيك صدقة))[4] ، ولُطفُ الكلام، والقول الجميل المؤنِس للجليس، وقد يحسُن المزح أحيانًا إذا كان فيه مصلحة، لكن لا ينبغي الإكثار منه، وإنما بقدر الْمِلْحِ في الطعام، وتتجنب السخريةَ منهم، أو غشَّهم في المعاملة، أو أكل أموالهم بالباطل، وغيرها، والخلاصة تفقَّه في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم من كل جوانبها، فتعرف كيف تأدَّب مع ربه؟ وكيف تأدب مع الناس؟ وكيف تأدب مع أزواجه؟ وكيف تأدب مع الحيوان؟ وكيف تأدب مع البيئة؟ وكيف تأدب مع غير المسلمين؟ وصاحَبَ الأخيار، وتجنَّب رفقاء السوء؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((المرء على دين خليله، فلينُظر أحدكم من يخالل))[5]. فاللهم حسِّن أخلاقنا، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 1955. [2] رواه البخاري برقم: 4687. [3] رواه ابن ماجه برقم: 4032. [4] رواه البخاري في الأدب المفرد برقم: 891. [5] رواه أحمد في المسند برقم: 8417. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث 18: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي يعلى شداد بن أوس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، فليُرِحْ ذبيحته»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، قال الإمام النووي رحمه الله: "وهذا الحديث من الأحاديث الجامعة لقواعد الإسلام"[2]؛ لإشارة النبي صلى الله عليه وسلم لعموم الإحسان وشموليته. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1-الإحسان إلى ما يُذبح أو يُقتل: قال صلى الله عليه وسلم: «فإذا قتلتم فأحسِنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح»، والمعنى: أحسنوا هيئة القتل والذبح لما يجوز قتله أو ذبحه من الدوابِّ، ومن تأمل في آداب الذبح في الإسلام فكلها إحسان، ومن ذلك: 1- الذبح بآلة حادة إحسان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «وليُحِدَّ أحدكم شفرته، فليُرِح ذبيحته»، أساليب الذبح عند مَن يدَّعي الرفق بالحيوان بشعة، لا تقرها شريعة ولا خلق ولا دين؛ كالصعق بالكهرباء، والضرب حتى يفقد الحيوان وعيه، والذبح من القفا في اتجاه الحلق، وغيرها -والحمد لله في بلادنا لا يوجد هذا- وعلى جاليتنا في الغرب الحرص على الذبح وفق الشريعة الإسلامية. والحكمة من شحذ السكين –كما في الحديث- هو إراحة الذبيحة بسرعة الإمرار عليها، فتموت سريعًا، وهذا هو جانب الرحمة بالحيوان في شريعة الإسلام. 2- إحداد السكين بعيدًا عن أعين البهيمة إحسان؛ في الحديث الصحيح أن رجلًا أضجع شاةً وهو يحد شفرته، فقال له النبيصلى الله عليه وسلم: «أتريد أن تميتها موتات؟ هلا أحددت شفرتك قبل أن تضجعها؟»[3]. 3- سوق الذبيحة إلى مذبحها برفق إحسان؛ وتجنب جرها بالعنف، أو الضرب. وللعلم فإن الحديث يؤكد أن توتُّر الحيوان قبل ذبحه يؤدي إلى انخفاض ضغط دمه بدرجة ملحوظة، ومن ثمَّ بقاء الدم في عروقها مما يؤثر على جودة اللحم. 4- عرض الماء عليها قبل الذبح إحسان؛ فلعلها أن تكون عطشانةً فتشرب، وذكروا علةً في ذلك فقالوا: عندما تكون شاربةً للماء تنتفخ قليلًا، وهذا يساعد على سهولة سلخ الجلد. 5- عدم قطع شيء منها حتى تبرد وتزهق روحها إحسان؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما -وإن ضعَّفه أهل العلم- لكن معناه يوافق مقصود الشارع، ويوافق الحديث الصحيح السابق في الإحسان، قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذبيحة أن تُفْرَس قبل أن تموت"[4]، وقد صرح المالكية بكراهية ذلك، فأين هؤلاء ممن يفترسون الحيوانات قبل موتها بأظفارهم؟ وأين من يتسلون بالعجول ويغرسون فيها الآلات الحادة، أمام مرأى الناس، ويسمون ذلك رياضةً؟ فاللهم إنا نبرأ إليك من هذه الرياضة التي تُعَذِّب الحيوان. 6- إضجاعها على شقها الأيمن عند الذبح إحسان؛ والحكمة من ذلك تسهيل الأمر على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار، وسرعة الإجهاز عليها. 7- توجيه الذبيحة (أي مكان الذبح) لجهة القبلة إحسان؛ والحكمة من ذلك أنها جهة الرغبة إلى طاعة الله عز شأنه، كما نفعل في الصلاة. 8- التسمية قبل الذبح إحسان؛ قال تعالى:﴿ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنعام: 118]، وقال:﴿ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 121]. فاللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى. أما بعد:عباد الله، من المستفادات كذلك: 2- عموم الإحسان في كل شيء؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». الإحسان قد يأتي بمعنيين: إيصال النفع للآخرين؛ فمن الإحسان الذي كتبه الله: الإحسان للوالدين، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، والإحسان للأقارب والجيران بمختلف أنواعهم، قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴾ [النساء: 36]، والإحسان في القول للناس، قال تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]، والإحسان لليتيم والسائل، قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ ﴾ [الضحى: 9، 10]، وغيرها من أنواع الإحسان والنفع للناس. ويأتي بمعنى الإتقان؛ فمن الإحسان إتقان الوضوء: قال صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده، حتى تخرج من تحت أظفاره»[5]، وإتقان الصلاة إحسان كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيءصلاته بالإعادة، وتجويد القرآن إحسان قال صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم»[6]، وإتقان العمل والمهنة إحسان، قالصلى الله عليه وسلم: «إن الله تبارك وتعالى يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»[7]. وهكذا في كل أمور الحياة. فاللهم اجعلنا ممن يحسنون في أعمالهم كلها، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 1955. [2] شرح النووي على مسلم: 13/ 107. [3] رواه الحاكم في المستدرك برقم: 7563، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه". [4] السلسلة الضعيفة: 4717. [5] رواه مسلم: 245. [6] رواه البخاري: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الماهر بالقرآن مع الكرام البررة». [7] رواه البيهقي في شعب الإيمان: 4929. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 19: ((احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ...)) عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عن أبي العباس عبدالله بن عباس رضي الله عنهما، قال: كنتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: ((يا غلامُ، إني أعلمك كلماتٍ، احفَظِ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَتِ الأقلام، وجفَّت الصحف))[1]، وفي رواية غير الترمذي: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إليه في الرخاء، يعْرِفْك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليُصيبك، وما أصابك لم يكن ليُخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفَرَجَ مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا))[2]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم؛ قال ابن رجب رحمه الله: "هذا الحديث يتضمن وصايا عظيمةً، وقواعدَ كليةً من أهم أمور الدين، حتى قال بعض العلماء: تدبَّرت هذا الحديث، فأدهشني وكِدتُ أطِيشُ، فوا أسفا من الجهل بهذا الحديث، وقلة التفهُّم لمعناه"[3]. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يأتي: 1- من حفِظ الله يحفظه الله: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((احفَظِ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك))، وقوله: ((احفظ الله تجده أمامك، تعرَّف إليه في الرخاء، يَعْرِفْك في الشدة))؛ أي: مَن حفِظ أوامره بفعلها، ونواهيَه باجتنابها، وحدودَه بعدم التعدي عليها، وحقوقه بالقيام بها؛ حفِظَه الله؛ كقوله تعالى: ﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ [ق: 32، 33]، وقوله في المحافظة على الصلاة: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾ [المعارج: 34]، وقوله في حفظ الفُرُوج: ﴿ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ ﴾ [الأحزاب: 35]، والشواهد كثيرة معلومة، فهذا شرط وجوابه؛ حفِظه الله في دينه ودنياه، وحفِظه في نفسه وأولاده وماله، وغيرها من أنواع الحفظ؛ فالجزاء من جنس العمل. كقوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ [البقرة: 40]، والوفاء بعهد الله هو الإيمان به، والعمل بشرائعه، ووفاء الله بعهده هو تحقيق الوعد بالحياة الطيبة في الدنيا والآخرة. وقوله في الذكر: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرتُه في ملأ خيرٍ منهم، وإن تقرَّب إليَّ بشبرٍ، تقرَّبت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليَّ ذراعًا، تقرَّبت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي، أتيتُه هرولةً))[4]. وقوله في سنن النصر على الأعداء: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]، ونصر الله يكون بنصر نبيِّه ودينه، وقتال الكفار، ونصره للمؤمنين بالغلبة على الكفار، وتثبيت أقدامهم في الحرب؛ ولذلك قال في رواية الترمذي: ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفَرَج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا)). 2- الدعاء والاستعانة لا تكون إلا بالله: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله))؛ قال تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]، وقال تعالى: ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]، وقال تعالى: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [الفاتحة: 5]، فمن سأل قضاء الحوائج من المقبورين، أو سأل الناس ما لا يقدر عليه إلا اللهُ؛ كالشفاء والرزق، فهو في ضلال مبين؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ [الأحقاف: 5]. فاللهم احفظنا بحفظك، واسترنا بسترك، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فمن المستفادات كذلك: 3- الإيمان بالقضاء والقدر: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((واعلم أن الأُمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعت الأقلام، وجفَّت الصحف))، وقوله: ((واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليُصيبك، وما أصابك لم يكن ليُخطئك))، فأقدار الخير والشر كُتبت قبل خلق السماوات والأرض؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قال: وعرشه على الماء))[5]. فلماذا النياحة عند موت قريب، أو لطم الخدود، أو شق الثوب، أو التمرغ في التراب؟ فهذا كله وأمثاله عند وقوع قدر الموت يدل على عدم الرضا بالأقدار المؤلمة؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ((مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة تبكي عند قبر، فقال: اتقي الله واصبري، قالت: إليك عني؛ فإنك لم تُصَب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فأتت باب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تجد عنده بوَّابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى))[6] ، وعلى هذا القياس في كل ما يصيب الإنسان من شرٍّ، عليه الصبر، وما يصيبه من خير، عليه الشكر؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]. فاللهم اجعلنا من عبادك الشاكرين الراضين بقضائك، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه الترمذي، رقم: 2516، وقال: حديث حسن صحيح. [2] انظر: مسند أحمد، رقم: 2803. [3] جامع العلوم والحكم: 1/ 462. [4] رواه البخاري، برقم: 7405. [5] رواه مسلم، برقم: 2653. [6] رواه البخاري، برقم: 1283. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 20: ((إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ...)) عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تَسْتَحِ فاصنع ما شئت))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كَلِمِه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يدعو إلى خُلُق الحياء، الذي هو خلق الأنبياء، وهو خلق عظيم يبعث على ترك القبيح، والتحلي بالفضائل، وعدم التقصير في أداء الحقوق، والأمر هنا ليس للوجوب بمعنى: اصنع ما تريد من الشرور والآثام إذا لم تستحِ، ولكنه خرج مخرج التهديد والوعيد، بمعنى: إذا لم يكن عندك حياء، فاعمل ما شئت؛ فإنك معاقَب على صنيعك؛ كقوله تعالى: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [فصلت: 40]، فليس المعنى: اعمل ما شئت، ولكن تهديد ووعيد. وقد يقصد بالأمر هنا الإباحة؛ أي: إذا أردت فِعْلَ أمرٍ ولم تستحِ في فعله من الله ولا رسوله، ولا الناس، لجوازه؛ فافْعَلْه. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- إرث الأنبياء قبلنا يُستفاد منه: لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى...))، فاستدل النبي صلى الله عليه وسلم بما كانت عليه النبوة الأولى من أمر الحياء، فبقِيَ إلى قيام الساعة، ويعبِّر عنه العلماء بشرع مَن قبلنا، وينبغي أن يُعلَم أن ما ثبت في شريعة من الشرائع، فهو من شريعة الإسلام في أمور ثلاثة: في العقائد: قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، فالدعوة إلى عبادة الله دعوةُ كلِّ الرسل، وهكذا في باقي المعتقدات. في الأخلاق: قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما بُعِثْتُ لأُتمِّمَ صالح الأخلاق))[2]، فالأخلاق الصالحة كالصدق والأمانة والحياء أمَرَ بها الأنبياء، وضدها الكذب والخيانة نهى عنها الأنبياء. في الأخبار: كالإخبار عن الدَّجَّال؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ما بُعِث نبيٌّ إلا أنذر أُمَّتَه الأعورَ الكذَّاب، ألَا إنه أعور، وإن ربَّكم ليس بأعورَ، وإن بين عينيه مكتوب كافر))[3]، أو إخبار الرسل بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم قبله، فعدمُ التصديق تكذيبٌ للأنبياء. 2- الحياء كله خير ومن الإيمان: قال صلى الله عليه وسلم: ((الحياء لا يأتي إلا بخير))[4]، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: ((مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم على رجلٍ، وهو يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لَتستحيي، حتى كأنه يقول: قد أضرَّ بك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ؛ فإن الحياء من الإيمان))[5]، فمدح النبي صلى الله عليه وسلم خُلُقَ الحياء، الذي يجب أن يتحلَّى به الرجال والنساء على السواء؛ لأنه يمنع المرء من الوقوع في الآثام، وفي الحديث أن: ((الحياء شعبة من الإيمان))[6] ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ((أشدَّ حياءً من العذراء في خِدرْها))[7] ، وكان موسى عليه السلام ((رجلًا حَيِيًّا ستِّيرًا، لا يُرى من جِلْدِهِ شيءٌ استحياءً منه، فآذاه مَن آذاه من بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستُّر، إلا من عَيبٍ بجلده))[8]. وقد يظن بعض الناس أن الحياء منافٍ للرجولة، وأنه من طِباع النساء، وهذا فهم خاطئ؛ لأن من استحيا من الناس أن يرَوه يأتي الفجور، ويرتكب المحارم؛ عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((لَأعلَمَنَّ أقوامًا من أُمَّتي يأتون يوم القيامة بحسناتٍ أمثالِ جبال تِهامة بيضًا، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثورًا، قال ثوبان: يا رسول الله، صِفْهم لنا، جلِّهم لنا؛ ألَّا نكون منهم، ونحن لا نعلم، قال: أمَا إنهم إخوانكم، ومن جِلدتِكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خَلَوا بمحارم الله انتهكوها))[9]. والمجتمع الذي ينتشر فيه الحياء تقِلُّ فيه الشرور والمعاصي؛ قال مجاهد: "إن المسلم لو لم يُصِب من أخيه إلا أن حياءه منه يمنعه من المعاصي، لكفاه"[10]. فاللهم ارزقنا خُلُقَ الحياء والستر، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فسؤال أخير: 3- هل استحيينا من الله حقَّ الحياء؟ هذا الذي يسمع المؤذن ينادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فيُسارع لاستجابة المنادي، فاز بالخير، والمتخلِّف إذا لم تكن امرأةً أو صاحبَ عذرٍ مقبول، فلا حياء له، فليسارع إلى التوبة ولزوم الجماعة، أو الشروع في الصلاة، إن كان من التاركين لها. وهذه التي تخرج مُتبرِّجة، أو تذهب إلى الشواطئ والمسابح المختلطة بلِباس السباحة – زعموا - فيطلع الناسُ على عورتها - امرأةٌ منزوعةُ الحياء. والذي - أو التي - يُمسك الهاتف، أو أمام شاشة التلفاز، وينظر إلى ما حرم الله من النظر إليه، بعيدٌ عن الحياء، كبُعدِ السماء عن الأرض؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ [النور: 30، 31]؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "من قلَّ حياؤه قلَّ وَرَعُه، ومن قل ورعه مات قلبه"[11]. والخلاصة: أن من قصَّر في حقٍّ من الحقوق، سواء كان حقًّا لله، أو حقًّا للعباد، أو حقًّا للحيوان، أو حقًّا للبيئة، أو غيرها من الحقوق، فقد أضاع حق الحياء، ويجب علينا أن نستحي من الله حق الحياء؛ عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استَحْيُوا من الله حقَّ الحياء، قال: قلنا: يا رسول الله، إنا نستحيي والحمد لله، قال: ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حقَّ الحياء أن تحفظَ الرأس وما وعى، والبطنَ وما حوى، ولْتذْكُرِ الموت والبِلى، ومن أراد الآخرة تَرَكَ زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله حق الحياء))[12]. فاللهم اجعلنا ممن يستحي منك حق الحياء، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 6120. [2] رواه البخاري، رقم: 7405. [3] رواه البخاري، رقم: 7405. [4] رواه البخاري، رقم: 6117. [5] رواه البخاري، رقم: 6118. [6] رواية البخاري، رقم: 9، قال: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)). [7] رواه البخاري، رقم: 3562. [8] رواه البخاري، رقم: 3404. [9] رواه ابن ماجه، رقم: 4245. [10] حلية الأولياء: 3/ 280. [11] مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا: 20. [12] رواه الترمذي، رقم: 6117. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث 21: ((قل: آمنت بالله ثم استقم)) عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي عمرو - وقيل أبي عمرة سفيان بن عبدالله – رضي الله عنه، قال: ((قلت: يا رسول الله، قُلْ لي في الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: قُلْ: آمنت بالله ثم استقم))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة لأنه من جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جمع للسائل بهاتين الكلمتين قواعد الدين، فأمره بالإيمان أولًا، ثم بالاستقامة ثانيًا؛ أي: الاعتدال على طاعة الله عقدًا وقولًا وفعلًا، مع المداومة على ذلك. فما الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الترغيب في طلب النصيحة والوصية: لقول الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله: قل لي في الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا غيرك)، فتطلب من أهل الفضل والصلاح والدين، وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم، كثيرًا ما يأتون النبي صلى الله عليه وسلم لسؤال أو طلب نصح، ويأتون إلى أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق معنا[2]: ((الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))[3]، وقال عمر رضي الله عنه وهو أمير للمؤمنين في النصيحة: "لا خير فيهم إذا لم يقولوها لنا، ولا خير فينا إذا لم تُقَل لنا"[4]. 2- لا إيمان بدون استقامة: لأن الإيمان مع الاستقامة هو الدين الكامل؛ قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112]، وقال له أيضًا: ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ﴾ [الشورى: 15]، والإيمان محله القلب، والاستقامة محلها الجوارح - وإن كان للقلب منها نصيب - ولذلك الاستقامة قسمان: • استقامة القلب: فأعظم ما ينبغي الاهتمام باستقامته هو القلب؛ لأنه متى استقام استقامت الجوارح، فهو كالملك لباقي الأعضاء؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((... ألَا وإن في الجسد مضغةً، إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله؛ ألَا وهي القلب))[5]، فتعاهَدْ نيتك وإخلاصك لربك قبل العمل، واسأل سؤالًا: ماذا أريد بهذا العمل؟ فإن كان لله فأمضِه، وإن كان لغيره فتوقف حتى تصلح نيتك، وتعاهد معتقداتك في الله وملائكته، وكتبه ورسله، وقدره خيره وشره، وسائر الأمور الغيبية كأشراط الساعة، ونعيم القبر وعذابه، والجنة والنار وغيرها، حتى تكون وفق المعتقد الصحيح، وتجنب العقائد الفاسدة. وعاهِد قلبك في علاقتك بالناس، فتُحب لهم مثل ما تحب لنفسك، وتتجنب الحسد والبغضاء والكراهية، وهكذا إخواني بالمجاهدة تستقيم قلوبنا. • استقامة الجوارح:وهي تُعبِّر عما في القلب، فيستقيم لساننا فلا ينطق إلا بما يُرضي الله من الكلام الطيب؛ كإفشاء السلام، وقول كلمة الحق، وشكر الناس وغيرها، ويتجنب ما يجلب سخط الله؛ كالغِيبة، والنميمة، والكذب، وشهادة الزور، والكلام الفاحش وغيرها. ويعلم أنه مراقب؛ قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد لَيتكلم بالكلمة من رضوان الله، لا يُلقي لها بالًا، يرفعه الله بها درجات، وإن العبد لَيتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم))[6]. فاللهم ارزقنا استقامةً في القلب واللسان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فكما ينبغي للسان أن يستقيم بالنسبة للجوارح، كذلك ينبغي للبصر أن يُغَضَّ عما حرم الله؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ [النور: 30، 31]، وينبغي لليد أن تستقيم فلا تسرق، ولا تغش أو تزوِّر، ولا تعتدي على الغير بالضرب أو القتل، ولا تقبض بها سيجارةً أو مخدرًا أو خمرًا، وبالمقابل تقدم يد العون للآخرين، وينبغي للرِّجل أن تستقيم فلا تذهب برجليك، أو تسافر بها إلى ما حرم الله، وبالمقابل تذهب بها إلى الصلاة الجماعية في المسجد، وتذهب لطلب العلم المشروع؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ [التوبة: 122]. وهكذا لتعلموا - رحمكم الله - أن الإنسان مسؤول عن كل حواسه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36]. 3- فضل الاستقامة: إذ تحققت استقامة القلب والجوارح - عباد الله كما أسلفنا - حصدنا ثمارها باستقامة أحوالنا في الدنيا، وعِشنا حياةً آمنةً مطمئنةً سعيدةً، وأفاض الله علينا من خزائنه؛ قال تعالى: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴾ [الجن: 16]؛ أي: ماءً كثيرًا، وهو سبب للرزق الواسع، وأما في الآخرة، فإن المستقيم تنزل عليه الملائكة عند الموت والقبر وعند البعث، تؤمِّنهم من الخوف، وتبشرهم بالجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ [فصلت: 30 - 32]. فاللهم إنا نسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، ونسألك شكر نعمتك، ونسألك حسن عبادتك، ونسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا، ونسألك من خير ما تعلم، ونعوذ بك من شر ما تعلم، ونستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم وغيره، رقم: 38، ولفظ مسلم: ((قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ)). [2] الحديث السابع. [3] رواه مسلم، رقم: 1718. [4] تاريخ المدينة، عمر بن شبة: 2 /773. [5] رواه مسلم، رقم: 1718. [6]رواه البخاري، رقم: 6478. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سلسلة شرح الأربعين النووية الحديث 22: ((أرأيت إذا صليت... أأدخل الجنة؟ قال: نعم)) عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي عبدالله جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنهما: ((أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيتَ إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصُمتُ رمضان، وأحللت الحلال، وحرَّمت الحرام، ولم أزِدْ على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟ قال: نعم))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهميةٌ عظيمةٌ؛ لأنه من جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم، لأنه إذا أحلَّ الشخص الحلالَ، وحرَّم الحرام، فقد أدَّى ما عليه، وسيُوفِّيه الله ما وعده؛ وهو الجنة. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- إقامة الصلاة أولى الواجبات بعد التوحيد: لأنها شرطٌ في تحقق جواب الشرط؛ أي: دخول الجنة، والمقصود بالصلوات المكتوبات: الصلواتُ الخمس المفروضة في اليوم والليلة، والجمعة، ويجب فيها مراعاة ما يلي: • الإخلاص فيها لله تعالى بأن نؤديها لله؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]. • أداؤها بالطريقة التي صلَّى بها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي))[2]، فمن أدَّاها بطريقة غير طريقته، فهي مردودةٌ عليه، كمن لا يطمئن في ركوعه وسجوده، أو لا يعتدل في قيامه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته، عن أبي هريرة رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، فدخل رجلٌ، فصلى، ثم جاء، فسلَّم على النبي صلى الله عليه وسلم، فردَّ النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلامَ، فقال: ارجِعْ فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ، فصلى، ثم جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ارجع فصلِّ، فإنك لم تصلِّ؛ ثلاثًا، فقال: والذي بعثك بالحق، فما أُحسن غيره، فعلِّمني، قال: إذا قمت إلى الصلاة، فكبِّر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها))[3]. • الحرص على الصلاة في المسجد جماعةً، وهذا للرجال دون النساء؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن أثقلَ صلاةٍ على المنافقين صلاةُ العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوهما ولو حبوًا، ولقد هممتُ أن آمُرَ بالصلاة، فتُقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حُزُمٌ من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأُحرِّق عليهم بيوتهم بالنار))[4]، بهذا إخواني ستؤهلنا هذه الصلوات الخمس للدخول إلى جنة عرضها السماوات والأرض. 2- صوم رمضان واجبٌ: وهو أيضًا فرضٌ عيني لمن تحققت فيه الشروط وانتفت الموانع؛ ودليل وجوبه قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ [البقرة: 183، 184]، فلا بد من الصوم الذي يحقق التقوى ويقرِّب من الله، ويجب ألَّا نفهم من الصوم الإمساكَ عن الطعام والشراب والشهوات فقط، يعني الصوم الفقهي، بل لا بد أن نترقى في صومنا إلى صيام الجوارح عما حرم الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابَّك أحدٌ أو جهِل عليك، فلتقُل: إني صائمٌ، إني صائمٌ))[5]. فاللهم اجعلنا من المصلِّين والصائمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك: 3- وجوب إحلال الحلال وتحريم الحرام: فالحلال هنا أوسع مما عند علماء الأصول، فيدخل فيه الواجب كالزكاة والحج، وسائر الواجبات التي لم تُذكر في الحديث، ويدخل فيه المستحب والمندوب غير الواجب كنوافل الصلاة والصيام، ويدخل فيه الحلال الذي يستوي فيه الفعل والترك؛ كأنواع الطعام الطيب، واللباس المشروع، والسفر المباح. عباد الله: الويل لمن يسعى لإفساد الدين، وإفساد مجتمعات المسلمين، بإحلال ما حرَّم الله، أو تحريم ما أحله الله، اعتقادًا منهم أن شريعة الله غير صالحة لهذا الزمان، وتراهم يستبدلونها بتشريعات بشرية يستوردونها من هنا أو هناك، تصادم شريعة الرحمن في الظاهر والمقاصد؛ عن عدي بن حاتم قال: ((أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليبٌ من ذهب فقال: يا عديُّ، اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 31]، حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرِّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويُحِلُّون ما حرم الله فتستحلونه؟ قلت: بلى، قال: فتلك عبادتهم))[6]. أما من هو مسرفٌ على نفسه بالمعاصي معتقدًا حرمتها وغير مستحلٍّ لها، فهذا أحسن حالًا من الطائفة السابقة، وعليهم بالمسارعة إلى التوبة والرجوع إلى الله قبل فوات الأوان؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ [الزمر: 53، 54]. والكمال في الإيمان – إخواني - في الوقوف على حدود الله وعدم انتهاك محرماته، وفعل الواجبات والمستحبات، وعدم حرمان النفس من المباحات والأخذ بالعزيمة في موضعها، وبالرخصة في موضعها، وخير الأمور أوسطها، وهذا الذي يُدخل الجنة، وينجي من النار. فاللهم اجعلنا ممن يُحلون حلالك ويحرِّمون حرامك، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم وغيره، رقم: 38، ولفظ مسلم: ((قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ)). [2] رواه البخاري، رقم: 631. [3] رواه البخاري، رقم: 793. [4] رواه مسلم، رقم: 651. [5] رواه ابن خزيمة في صحيحه، برقم: 1996. [6] رواه الطبراني في الكبير، رقم: 218 |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سلسلة شرح الأربعين النووية عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 23: الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائعٌ نفسه؛ فمعتقها أو موبقها))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنه اشتمل على أبواب عظيمة؛ حيث رغَّب في الطهارة، والذكر، والصدقة، والصلاة، والصبر، والاهتمام بالقرآن وإنقاذ النفس. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الاهتمام بالطهارة: والمقصود بها الطهارة الحسية من الحدَث؛ كالوضوء والاغتسال، أو من الخبث؛ كالحرص على طهارة البدن والثوب والمكان، وهذه الطهارة شرط في صحة الصلاة؛ ولذلك فالمقصود بـ(الإيمان) هنا: الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: صلاتكم، وهذه الطهارة الحسية مع الصلاة تؤدي إلى حصول الطهارة المعنوية؛ أي: طهارة القلب؛ قال تعالى: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]. 2- الإكثار من الذكر وقراءة القرآن: قال تعالى: ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35]، وقال صلى الله عليه وسلم هنا في بيان فائدة الذكر: ((والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السماوات والأرض))، وقال تعالى في بيان فائدته أيضًا: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((والقرآن حجة لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو، فبائعٌ نفسه؛ فمعتقها أو موبقها))؛ أي: شفيع لمن يقرؤه ويعمل به، فيُعتقه من النار، ومن هجر تلاوته والعمل به، فهو حجة عليه وسبب في هلاكه في النار، وعلى سبيل المثال قال النبي صلى الله عليه وسلم عن سورة البقرة وآل عمران: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوَين؛ البقرة، وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غَمَامتان - أو كأنهما غَيَايتان - أو كأنهما فِرْقان من طير صوافَّ، تحاجَّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البَطَلَةُ، قال معاوية: بلغني أن البطلة: السَّحَرة))[2]. 3- الصلاة نور للمؤمن في الدنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ [النور: 40]، فمن عاش بدون صلاة فهو يعيش في ظلام، وأنتم تعلمون نتيجة من يسير في الظلام، وقد نبَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: ((من حافظ عليها، كانت له نورًا، وبرهانًا، ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها، لم يكن له نور، ولا برهان، ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأُبَيِّ بن خلف))[3]؛ أي: إن الصلاة نفسها تضيء لصاحبها في ظلمات الموقف بين يديه، وبسببها يعلو النور وجه المؤمن، وقيل: النور معنوي؛ لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصواب، فتصد عن المهالك، وتوصل إلى طريق السلامة، كما يُستضاء بالنور، فتصوروا معي - عباد الله - حينما تستيقظ وتصلي صلاة الفجر، كأنك تزودت بالطاقة والنور، كما نزود السيارة بالوقود، ثم تنطلق في أعمالك، ويبدأ إيمانك ونورك يضعف قليلًا بسبب المخالطة للناس، وتربُّص الشيطان بك، فتأتي صلاة الظهر فتتزود بالنور من جديد، وهكذا مع بقية الصلوات في يومك، وهكذا مع عمرك - ما حافظت على الصلاة إلى الممات - وتنير قبرك فتفرح بها، وحينما تُبعث بين يدي ربك فتُسر بصلاتك؛ لأنها حبل الصلة بينك وبينه، ولهذا كانت آخر وصية النبي صلى الله عليه وسلم وهو على فراش الموت، قال: ((الصلاةَ الصلاةَ، وما ملكت أيمانكم))[4]. فاللهم اجعلنا من المصلِّين والصائمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك: 4- الصدقة برهان على صدق الإيمان: الصدقة سواء كانت واجبةً كالزكاة، أو مستحبةً كأن تُحسن إلى شخص في طريقك بمال أو لِباس، والمراد بكلمة (برهان)؛ أي: إن الصدقة دليل واضح على صحة إيمانه وصدقه، ونبذ الشح والبخل؛ لأن النفس مجبولة على حب المال، فإذا أنفق الإنسان ما هو محبوب إلى قلبه، فهذا دليل على قوة يقينه بربه، وأنه سيُخلف له ما أنفقه، بخلاف البخيل الذي يخشى الفقر؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملَكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ مُمسكًا تلفًا))[5]. 5- الصبر نور وانشراح للصدر: حينما يتعرض المؤمن لأقدار الله المؤلمة؛ كالمرض أو موت قريب، أو تعرض لأذى الناس، أو يجتهد في أداء ما افترض الله عليه من العبادات، أو ترك ما نهى عنه من المحرمات، ثم لا يتضجر ولا يتسخط، ولا ينتصر لنفسه؛ فهذا من علامات الصبر الذي يورث الضياء، ومعنى الضياء: هداية للإنسان وانشراح صدره، ونور في قلبه، يُورثه الله عز وجل إياه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [فصلت: 35]. فاللهم اجعلنا من الصابرين والصابرات، والمتصدقين والمتصدقات، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 38. [2] رواه مسلم، رقم: 804. [3] رواه أحمد في مسنده، رقم: 6576. [4] رواه أحمد في مسنده، رقم: 26483. [5] رواه البخاري، رقم: 1442. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ الحديث 24: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي)) عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا، يا عبادي كلُّكم ضالّ إلا من هديتُه، فاستهدوني أَهدكم، يا عبادي كلكم جائع، إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسُكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسَكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أُحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرًا، فليحمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسه))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم، واشتمل على بعض قواعد الدين؛ منها: تحريم الظلم، والدعاء بالهداية، وإثبات بعض صفات الله، وبعض الآداب الأخرى. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- تحريم الظلم: بكل أشكاله وأنواعه؛ وهو نوعان: الأول: ظلم العبد لنفسه: كمن يشرك بالله؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]، أو من يتجاوز حدود الله بعصيانه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [الطلاق: 1]. الثاني: ظلم العبد غيره: كقوله تعالى في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا))، ومن أبشع أنواع الظلم في وقتنا احتلال اليهود لأرض فلسطين، والتنكيل بأهلها قتلًا وتشريدًا وتهجيرًا، وأسوأ منه خذلان المسلمين لإخوانهم، والاكتفاء بموقف المتفرج؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الناس إذا رأوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه، أوشك أن يعمَّهم الله بعقابه))[2]. ومن أكل أموال الناس بالباطل فقد ظلمهم؛ كمن يسرق، أو يغش في السلعة، أو يقبض رشوةً، أو يعاملهم بالربا؛ قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [النساء: 29]. ومن يعتدِ على المسلمين بإزهاق أرواحهم بالقتل، أو الضرب، أو الاعتداء على أعراضهم بالتشهير، أو الغِيبة، أو قذف المحصنات المؤمنات؛ فقد ظلمهم. ومن يؤذِ جاره بأي نوع من أنواع الأذى، فقد ظلمه، ومن قطع رحِمه وأقاربه، فقد ظلمهم؛ قال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [محمد: 22]. ألَا فاتقوا الله - عباد الله - في حقوق المسلمين؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يَبِعْ بعضكم على بيع بعضٍ، وكونوا - عبادَ الله - إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقِره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقِر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمُهُ، وماله، وعِرضُه))[3]. وتشبَّهوا بالله ربكم في عدله؛ حيث حرَّم الظلم على نفسه؛ فقال: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ﴾ [يونس: 44]، وقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90]. فاللهم إنا نعوذ بك أن نَظلم أو نُظلم، أو نَجهل أو يُجهل علينا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد عباد الله:فنستفيد كذلك: 2- غِنى الله المطلق عن خلقه، وافتقار العباد إلى مولاهم: ويدل على ذلك في الحديث أمور؛ منها: • حاجتنا إلى هداية الله: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ((يا عبادي كلكم ضالٌّ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم))، فالله تعالى يوفق من يشاء؛ قال تعالى: ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾ [الكهف: 17]؛ ولذلك نطلب الهداية منه: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]. • حاجتنا إلى إطعامه ورزقه: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ((يا عبادي كلكم جائع، إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم))، وقال تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ [هود: 6]. • حاجتنا إلى كسوته ولِباسه: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ((يا عبادي كلكم عارٍ، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسُكم))، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ ﴾ [النحل: 81]. • حاجتنا إلى مغفرته: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ((يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم))، وقال تعالى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [الأعراف: 23]. • لا تنفعه عبادتنا ولا تضره معصيتنا: قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه: ((يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي، فتنفعوني...))، فالمنتفع حقيقةً بالطاعة هو العبد، لأن الله يرحمه ويعطيه الجزاء الأوفى على عبادته، والمتضرر من المعصية هو العاصي، لأنه هو من سيصلى نارًا ذات لهب؛ قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزلزلة: 7، 8]. فاجتهدوا – إخواني - في العبادة، واعلموا أن الله يحصي لكم أعمالكم، ثم يوفيكم إياها يوم القيامة، فمن وجد خيرًا، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه. فاللهم إنا مفتقرون إلى هدايتك فاهدنا، وإلى رزقك فارزقنا، وإلى رحمتك فارحمنا، وإلى مغفرتك فاغفر لنا، اللهم يسر حسابنا، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 2577. [2] رواه أحمد في المسند، رقم: 30. [3] رواه مسلم، رقم: 2564. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 25: «ذهب أهل الدثور بالأجور...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللهُ عَنْهُ، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: "أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ"[1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، واشتمل على بعض الأمور المهمة في الدين. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- أمور الآخرة هو المجال الذي ينبغي أن يكون فيه التنافس الحقيقي: الناس في الغالب يتنافسون في أمور الدنيا وحطامها، وإذا تحول التنافس فيها إلى تجاوز الحدود؛ كانت سببًا في هلاك الإنسان، كمن يتنافس مع الآخرين في بناء المنازل والقصور وزخرفتها والتباهي بها، أو التنافس في استبدال أنواع السيارات أو الهواتف وغيرها، بل قد يكون التنافس في المحرمات- والعياذ بالله- كمن ينافس غيره في القمار أو شرب الخمور أو أيهما أكثر إيذاءً للإنسان أو الحيوان وغيرها. وهذا الحديث يبين ما كان عليه السلف الصالح من تنافس في أمور الآخرة وما يقربهم إلى الله. فهؤلاء من فقراء الصحابة حزنوا على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء منهم يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء. وأمثلته كثيرة؛ كما صور القرآن الكريم حزنهم على التخلف عن الخروج في الجهاد؛ لعدم القدرة على آلته، قال تعالى: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ ﴾ [التوبة: 92]. فلنتشَبَّه بهم في ميدانهم-أيها الإخوة المؤمنون- قال تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ [المطففين: 26]. ولنعمل مثل أعمالهم، قال تعالى: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ [الصافات: 61]. 2-اغبط ولا تحسد: الغبطة أن يتمنَّى العبد مثل حال المغبوط من غير أن يتمنَّى زوالها عنه؛ لأنه إذا تمنَّى زوالها، سواء استفاد هو من هذه النعمة أو آلت إلى غيره؛ أصبحت حسدًا. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في قوله: "لا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا"[2]. والمقصود بالحسد هنا: الغبطة. فتتمنى أن يكون لك مال، فتتغلب على البخل، وتنفق منه في وجوه الخير كما عند فلان، وتتمنَّى أن يكون لك علم مما ينتفع به فتعلمه الناس كما يفعل العالم الفلاني. وشكوى فقراء الصحابة في الحديث الذي بين أيدينا شكوى غبطة، لا شكوى حسد، ولا اعتراض على الله عز وجل، ولكن يطلبون فضلًا يتميزون به عمَّن أغناهم الله. فاللهم اجعلنا من المتنافسين في الخيرات، ونعوذ بك من الحقد والحسد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:عباد الله، نستفيد كذلك: 3- طرق الخير كثيرة ومتنوعة: والفائدة من هذا التنوُّع أمور منها: الأول: طرد الملل على الإنسان؛ مما يحفزه على المداومة على العمل والاستمرار فيه. الثاني: يأتي منها الإنسان بحسب وسعه وطاقته. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فقراء الصحابة إلى صدقات يقدرون عليها، وسمَّى أمورًا بالصدقة-وإن لم تكن مالًا- مما ينبغي معه تصحيح مفهومنا للصدقة، وذكر من ذلك: أولًا: ذكر الله: لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ"؛ أي: قول: سبحان الله مرة واحدةً تحتسب أجرًا صدقة للمسبح، ومعناها: تنزيه وتبرئة الله من كل سوء ونقص وعيب. «وكل تكبيرة صدقة»؛ أي: قول: الله أكبر، «وكل تحميدة صدقة»؛ أي: قول: الحمد لله، ومعناه: الثناء على الله وشكره على نعمه. «وكل تهليلة صدقة»؛ أي: قول: لا إله إلا الله. وهذه كنوز لمن لا يملك المال، فلينفق بكثرة الذكر، وكنز لمَنْ يتصَدَّق بالمال ويكثر من ذكر الله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، قال تعالى: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: 46]. ثانيًا: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لقوله صلى الله عليه وسلم: "وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة". والمعروف: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله تعالى، والإحسان إلى الناس. فالأمر به يحتسب أجرًا للآمر. والمنكر: هو كل ما قبح من الأفعال والأقوال وأدَّى إلى معصية الله عز وجل، وهو اسم شامل لجميع أبواب الشر. والنهي عنه يحتسب أجرًا للناهي، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صدقة يتعدَّى نفعها إلى الغير؛ لأنه إحسان للناس إذا كان بضوابطه وأصوله، قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110]. وهو دعوة إلى الله إذا كان بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. ثالثًا: إعفاف الزوجة: لقوله صلى الله عليه وسلم: "وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ". أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا أتى امرأته- لأن البُضْع كناية عن جِماع الرجل زوجته ومعاشرتها- فإن ذلك يكون صدقةً، فتعجبوا، وقالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته من الجِماع، ويكون له فيها أجر؟! فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم القياس لتوضيح الأمر لهم فقال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟»؛ يعني: لو زنى ووضع الشهوة في الحرام؛ هل يكون عليه إثم وعقوبة؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر؛ فإن المباحات تصير طاعات وقربات بالنية الصالحة. فاجتهدوا -إخواني- في المنافسة في الخيرات، وأكثروا من العمل الصالح يكن لكم ذخرًا بين يدي ربكم. فاللهم وفِّقْنا للخير، واجعلنا هداةً مهتدين. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 1006. [2] رواه البخاري، رقم: 2 |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 26: «كل سُلامى من الناس عليه صدقة» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ"[1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، يدعو إلى اتخاذ أسباب الائتلاف والمحبة، من عدل وإصلاح بين المتخاصمين، وتعاون في أمور الدين والدنيا، وحفظ اللسان إلا من طيب الكلام، وإزالة الأذى عن طريق المسلمين. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الإكثار من شكر الله على نعمة الخلق والإيجاد:قال صلى الله عليه وسلم: " كل سُلامى من الناس عليه صدقة ". والسُّلاميات: هي عظام الجسد ومفاصله التي يتركب منها الإنسان، وعددها 360 عظمًا ومفصلًا، ولولاها لما استطاع الإنسان القيام ولا التحرُّك، ولا يقدر هذه النعمة إلا من فقدها؛ كالمقعدين أو المصاب بالشلل، أو أصحاب أمراض المفاصل أو كسور العظام وغيرهم. ونبهنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة شكر هذه النعمة بالتصدُّق عليها في كل يوم، وهذا من نوع الشكر المستحب، فصدقة النفل مستحبة، وشكرها تبع لها، كما أن صدقة الواجب واجبة وشكرها واجب، وشكرها يكون بإخراج زكاة المال. ونبَّهنا الله عز وجل إلى هذا النوع من الشكر (شكر نعمة الخلق) في كتابه بقوله: ﴿ يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ [الانفطار: 6، 7]، وقوله: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، وقوله: ﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ﴾ [البلد: 8، 9]. 2-أنواع الصدقات:ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أنواع الصدقات على سبيل التمثيل لا الحصر، والتي- إن فعلها العبد في يومه- يكون من الشاكرين والمتصدِّقين على سُلاميات جسده؛ ومنها: 1- الإصلاح بين المتخاصمين بالعدل:قال صلى الله عليه وسلم: "يعدل بين الاثنين صدقة". والعدل بين المتخاصمين صدقة يتعدى نفعها للغير، وقد اعتبر الله التناجي لأجل الإصلاح من خير النجوى؛ قال تعالى: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 114]، وهذا كمن يصلح بين زوجين متخاصمين، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} [النساء: 35]، أو الصلح بين طائفتين من المؤمنين اختصما في أمر ما بالعدل؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون ﴾ [الحجرات: 9، 10]. 2- التعاون:قال صلى الله عليه وسلم: "ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة". فإذا أعنت الرجل على ركوب السيارة أو الحافلة، أو حملت مريضًا للنوم على سريره، أو ركوب سيارة الإسعاف، أو أعنت إنسانًا على رفع أمتعته الثقيلة على دابته أو سيارته، أو غير ذلك من أوجه التعاون، فهذا يعتبر صدقة، وينمي روح الجماعة والتضامن والأخوة بين المسلمين فتنتشر المحبة بينهم؛ قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]. فاللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمك، المصلحين بين الأحبة، المتعاونين على البر والتقوى، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:من أنواع الصدقات كذلك الواردة في الحديث: الكلمة الطيبة: قال صلى الله عليه وسلم: "والكلمة الطيبة صدقة"؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وذكر الله كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق من الأربعين: "إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ"[2]. وإلقاء التحية وردها كلمة طيبة، وكل كلمة تدخل بها السرور على الناس، وقول: (شكرًا) لمن قدم إليك معروفًا، وغيرها. قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: 10]. المشي إلى المسجد لأجل الصلاة:قال صلى الله عليه وسلم: "وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة". ففي هذا ترغيب في صلاة الجُمَع والجماعات، وحضور دروس العلم بالمساجد. وكلما بعدت الدار عن المسجد كثر الأجر نتيجة كثرة المشقة والخطى. ومثل هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَطَهَّرَ في بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إلى بَيْتٍ مَن بُيُوتِ اللهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِن فَرَائِضِ اللهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إحْدَاهُما تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً" [3]. إماطة الأذى عن الطريق:قال صلى الله عليه وسلم: "ويميط الأذى عن الطريق صدقة". والإماطة: إزالة كل ما يؤذي الناس؛ كشوك أو حجر أو مسمار أو زجاج أو غصن شجرة متدلٍّ على الطريق، أو نجاسة أو ملء حفرة، أو وضع علامة للدلالة على خطر ما، وغيرها. قال صلى الله عليه وسلم: "الإِيمانُ بضْعٌ وسَبْعُونَ، أوْ بضْعٌ وسِتُّونَ، شُعْبَةً، فأفْضَلُها قَوْلُ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأَدْناها إماطَةُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والْحَياءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإيمانِ"[4]. فاجتهدوا- إخواني- في المنافسة في الخيرات، وأكثروا من العمل الصالح يكن لكم ذخرًا بين يدي ربكم. فاللهم وفقنا للخير واجعلنا هداةً مهتدين. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 2989. ومسلم، رقم: 1009. [2] رواه مسلم، رقم: 1006. [3] رواه مسلم، رقم: 666. [4] رواه مسلم، رقم: 35. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ» عَنَاصِرُ الْخُطْبَةِ: • رِوَايَةُ الْحَدِيثِ. • الْمَعْنَى الإِجْمَالِيُّ لِلْحَدِيثِ. • الْمُسْتَفَادَاتُ مِنَ الْحَدِيثِ وَالرَّبطُ بِالْوَاقِعِ. الخطبة الأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يُضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أَمَّا بعدُ: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإيَّاكم من النار. عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك، وَكَرِهْت أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»[1]. وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَن الْبِرِّ؟»، قُلْت: نَعَمْ. فقَالَ: «استَفْتِ قلبَك، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك»[2]. عبادَ اللَّهِ، هذا الْحَدِيثُ لَهُ أَهَمِّيَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ البِرَّ كلمة جامعة لجميع أفعال الخير والطاعة، والإثم كلمة جامعة لجميع أفعال الشرِّ والمعاصي؛ ولذلك قابَل النبي صلى الله عليه وسلم بينهما. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحدِيث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- بعض علامات البِرِّ:وأشار النبيصلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إلى علامتين من علامات البرِّ وهما: العلامة الأولى: حُسْنُ الخُلُق: فأعظم علامات البرِّ حُسْن الخُلُق مع الناسِ، وحُسْن المعاملة معهم، قالصلى الله عليه وسلم: «وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ»[3]. وقالصلى الله عليه وسلم: «إنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ»[4]. عامل الناس بأخلاقك الطيبة لا بأخلاقهم، أحِبَّ لهم من الخير مثل ما تحب لنفسك، اكره لهم من الشرِّ مثل ما تكره لنفسك، خالطهم واصبر على أذاهم، قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمِنُ الذي يُخالِطُ الناسَ ويَصبِرُ على أذاهُمْ، أفضلُ من المؤمِنِ الَّذي لا يُخالِطُ النَّاسَ ولا يَصبرُ على أذاهُمْ»[5]. إذا كنت تاجرًا مثلًا: فكُن رحيمًا في بيعك وشرائك، قال صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَى»[6]، فلا ترفعِ السعر إذا كنت بائعًا، ولا تُبخس قيمة السلعة إذا كنت مشتريًا، ولا تُشدِّد في طلب دُيونك إذا كان المَدين مُعسرًا، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]، وعلى هذا القياس، فحسن الخلق جماع أنواع البر. العلامة الثانية: ما اطمأنَّت إليه النفس واطمأنَّ إليه القلب: بعض الأمور تُحسُّ من أعماق قلبك أنَّك مُرتاح لفعلها، ويسكُن قلبُك إليها، خاصة لمن سلِمت حواسُّه، وصَفي قلبه، وخلُصت فِطرته. فهذه الأشياء التي تجد فيها قلبك مستأنِسًا بها، استمر عليها، وداوِم عليها، فهي من البر والطاعة. ومن أمثلة ذلك: ذكر الله، والإكثار منه، وقراءة القرآن، فمن ذا الذي يُجادل أنه طمأنينة، قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: 28]. والذِّكر فيه حياة لقلوبنا كما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يُحيي البلاد إذا ما مسَّها المطرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأنت حينما تخشع في صلاتك تحسُّ بالرضا عنها. حينما تُحسِن إلى أحدٍ من الناس وتساعده، فتفك عنه ضائقةً أو كُربةً؛ تحس بالانشراح والسَّعادة تغمُرك على القيام بهذا العمل. حينما يفوتك أمر أنت حريص عليه فتستحضر الرضا بقضاء الله وقدره، فيطمئن قلبُك بعد هذا الإيمان. حينما نستقيم عمومًا على منهج الله يرزقنا الله نورًا في قلوبنا نُبْصِر به الحق رغم كثرة المُفتين، ورغم كثرة الاختلافات، ورغم كثرة المُلبِّسين الحق بالباطل. فاللهم حسِّن أخلاقنا، وارزقنا طُمَأْنينة القلب والنفس، وآخر دعوانا الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلَّم على عبدِه المُصطفى وآلِهِ وصحْبه، ومن لآثارهم اقتفى، أمَّا بعدُ:بعد ذكر علامتي البر، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: 2- بعض علامات الإثم: وأشار إلى علامتين وهما: العلامة الأولى: ما حَاك في النفس وتردَّد في الصدر: وهذه علامة داخلية بها تَعرف الإثم، فتُحس في قلبك عند اقترافه بالحَيرة والاضطراب والقلق وعدم الرضا، وتحسُّ بنكتة سوداء نكتة في قلبك. الزاني حين يزني، السَّارق حين يسرق، الغاشُّ حين يغش، الظالم حين يظلم، الرَّاشي حين يُعطي رشوة والمُرتشي حين يقبضها، هؤلاء جميعًا وغيرهم من أصحاب المعاصي، حينما يقترفونها؛ يحسُّون ويشعرون بعُقدة الذنب، وبألم داخلي، وبنفس لوَّامة، إذا كانت فيهم بقية الفطرة، وبقية الخير. حينما يسألون العلماء ويزيِّنون لهم الأسئلة ليفتُوهم على حسب أهوائهم، ويفتوهم برأي معيَّن يستطيعون بفطرتهم معرفةَ أن هذه الفتوى لا تنطبق عليهم، فعليهم أن يتقوا الله. تسأل العالم ليرخِّص لك في الرِّبا وتقول بأنك من أصحاب الضرورة، وأنت تعلم يقينًا بأنك لست منهم. وحينما تسأل العالم بأنك مريض تريد الفطر في رمضان، وأنت تعلم بأنك مريض مرضًا تستطيع معه الصيام، فلا تأخذ بهذه الفتوى فإنك تأخذ جَمرة من نار «فَاستفت قلبك، (ولو) أَفْتَاك النَّاسُ وَأَفْتَوْك»، وعلى هذا القياس. العلامة الثانية: ما كرهت أن يطَّلِع عليه الناس: وهذه علامة خارجية بها تعرف الإثم، فتُخفيه عن الناس مخافة أن يطَّلِعوا عليه؛ لأنَّك تعلم يقينًا أن النَّاس تستنكر فِعْلك شرعًا أو عُرْفًا، إذا كان هذا العُرْف موافقًا للشرع. فلماذا يتستَّر شارب الخمر حينما يشربها؟ ولماذا يتستر الزَّاني حينما يزني؟ ولماذا يسرق السَّارق خفية؟ ولماذا يُحاول الغشَّاش ستر غشِّه عن أعيُن المراقب في الامتحان؟ ولماذا يحاول التاجر الغشاشُ ستر السِّلْعة المغشُوشة وعيوب السِّلعة عن أعين المشتري؟ ولماذا الأبناء يحاولون تغيير القناة إذا دخل أحدُ الوالدين؟ ولماذا الزوجة تشفِّر هاتفها، وتمنع الزوج من الاطِّلاع عليه أو العكس؟ أسئلة كثيرة. سبب هذا التخفي والسِّتر كراهية اطِّلاع الغير عليه؛ لأنه منكر. فاتقوا الله-عباد الله- واعلموا بأن أحقَّ من تستحي منه هو خالقك،قال تعالى: ﴿ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴾ [النساء: 108]. فاللهم اجعلنا ممن يخافك في السر والعلن. آمِين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 2553. [2] رواه أحمد في المسند، رقم: 17999، وحسَّن النووي إسناده. [3] رواه الترمذي، رقم: 1987. [4] رواه البخاري، رقم: 6032. [5] رواه ابن ماجه، رقم: 4032. [6] رواه البخاري، رقم: 2076. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 28: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل، فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: صلَّى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، ثم وعظنا موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع؟ فأوصنا. فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم. اشتمل على وصية عظيمة جامعة شاملة، أوصى فيها بتقوى الله، وطاعة أولي الأمر، والاعتصام بالسُّنَّة، والتحذير من البدعة، لأجل سعادة الدارين. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- أهمية الوعظ والإرشاد الديني: قال العرباض بن سارية: «صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر، ثم وعظنا موعظةً بليغةً ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. فقال قائل: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع؟ فأوصنا". وقال تعالى آمرًا نبيه: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾[النحل: 125]، فالوعظ مهمة نبوية، ومهمة العلماء الدعاة من بعده، وهكذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يتخولهم بالموعظة والنصيحة بعد الصلاة، أو في مناسبات، ولا يكثر مخافة السآمة عليهم. وعلينا إحياء هذه السُّنَّة؛ سُنَّة الوعظ، وتوظيف الوسائل المعاصرة في التواصل للوصول إلى أكبر عدد من الناس، مع مراعاة الأسلوب البليغ وباللغة المفهومة للفئات المستهدفة، واختيار الأوقات المناسبة، والمواضيع المهمة، والحرص على الاختصار والإتقان، وأن تكون مؤثرة. والدال على تأثير هذه الموعظة النبوية؛ أن عيونهم ذرفت، وقلوبهم وجلت، حتى قال قائل منهم: كأنها موعظة مودع؟ وليحرص الواعظ على فهم موضوع موعظته جيدًا، مؤمنًا ومطبقًا لما يقول، قدوة لسامعيه في القول والفعل، مستحضرًا قول شعيب عليه السلام: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾[هود: 88]. 2- الوصية بتقوى الله: قال صلى الله عليه وسلم: "أوصيكم بتقوى الله"، ورأينا في الحديث الثامن عشر من الأربعين قوله صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت". والتقوى طاعة الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهي وصية الله للأوَّلين والآخرين، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾[النساء: 131]، فاتقوا الله عباد الله بفعل ما يجلب رضاه، وابتعدوا عن كل ما يجلب سخطه تفلحوا وتسعدوا. 3- الوصية بطاعة أولي الأمر: قال صلى الله عليه وسلم: "(أوصيكم بـ) السمع والطاعة وإن كان عبدًا حبشيًّا، فإنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافًا كثيرًا"، وقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾[النساء: 59]. وطاعة ولي الأمر مشروطة بالمعروف، فلا طاعة له إذا أمر بمعصية الله أو معصية رسوله. قالصلى الله عليه وسلم: "لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف"[2]. فأطيعوا عباد الله ولاة أموركم، فإن عدم طاعتهم بالمعروف مجلبة للفتن والفوضى، وقد عشنا حتى رأينا هذه الفوضى الناتجة عن الخروج عن ولي الأمر بدون مسوغ شرعي كما أخبر الحبيب صلى الله عليه وسلم، وتجنبوا التعصُّب لشخص أو شيخ أو عالم أو مذهب أو حاكم أو مسؤول مهما علت مكانته، وضعوا الحق نصب أعينكم تعرفوا أهله، فالرجال يُعرَفون بالحق، ولا يُعْرَف الحق بالرجال. فاللهم اجعلنا من الواعظين المتعظين، ومن عبادك المتقين، والطائعين لولاة أمورهم في المعروف، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:أوصى النبي صلى الله عليه وسلم كذلك بـ: 4- الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة ونبذ الخلاف والفرقة: قال صلى الله عليه وسلم: "فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ"، وقال تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾[الحشر: 7]. والاعتصام بالسُّنَّة؛ يعني التمسك بها، واتِّباعها، والعمل بها، وهي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم. وهو واجب على كل مسلم، وسبيل النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة. قال صلى الله عليه وسلم: "إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله، وسُنَّة نبيِّه"[3]. وقال الإمام مالك: "السُّنَّة سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلَّف عنها غرق"[4]. فأين قول مالك رحمه الله ممن يدعون أنفسهم (بالقرآنيين)، والقرآن منهم براء؟ فيدعون إلى الاكتفاء بالقرآن فقط كمصدر للتشريع وإهمال السُّنَّة. هؤلاء يريدون إغراق سفينة الأمة، والنظر إلى الدين بعين واحدة. والنبي صلى الله عليه وسلمقال: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله"[5]. فاجتهدوا- إخواني- في تعلم سُنَّة نبيِّكم، وتطبيقها، والتأسي بها في حياتكم، والذود والدفاع عنها. 5- التحذير من الابتداع في الدين: أما في أمور الدنيا والحياة فالواجب الاجتهاد، والاختراع، والإبداع، حتى يتفوق المسلمون على غيرهم. أما في الدين فقال صلى الله عليه وسلم: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة". ومحدثات الأمور أو البدعة تعني تحريم استحداث أي أمر في الدين لم يشرعه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والتحذير من الوقوع فيها، بعد الكمال والتمام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. والبدعة خروج عن المنهج الصحيح واتباع للهوى، وهي مردودة على صاحبها؛ قال صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو ردٌّ"[6]، فمن اعتزل الناس لأجل التعبُّد وترهبن فقد ابتدع؛ قال تعالى: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ﴾[الحديد: 27]، ومن زاد في شرع الله ما ليس منه في الكيفية والعدد كمن زاد ركعة في الصلاة دون سهو؛ فهو مبتدع، ومن أتى بقول مخالف لإجماع المسلمين كما سبق معنا عن (القرآنيين)، فهو مبتدع، وعلى هذا القياس. فالمبتدع نصب نفسه معاندًا للشرع ويتهمه بالنقصان وعدم الكمال؛ قال تعالى:﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾[الشورى: 21]. فاللهم اجعلنا من المعتصمين بكتابك وسُنَّة نبيِّك، المجتنبين للمحدثات البدائع في الدين. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه الدارمي في مسنده، رقم: 96. وأبو داود، رقم: 4607. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 2735. [2] رواه البخاري، رقم: 7257. [3] رواه الحاكم، رقم: 318. [4] تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي: 8/308. [5] رواه أبو داود، رقم: 4604. [6] رواه البخاري، رقم:2697. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 29: «أخبرني بعمل يدخلني الجنة...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أَمَّا بعدُ: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: "لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسيرٌ على مَنْ يَسَّره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماءُ النارَ، وصلاة الرجل من جوف الليل قال، ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16]، حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كُفَّ عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أُمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم"[1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، اشتمل على جواب لسؤال عظيم عن الأعمال التي تُدخِل الجنة وتُبْعِد عن النار. فما هي هذه الأعمال والفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- أهمية السؤال في تعلُّم أمور الدين والحرص على الأعمال الصالحة: لسؤال معاذ رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أخبرني بعمل يُدخِلني الجنة ويُباعِدني عن النار". فالسؤال طريق للعلم؛قال تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 43]، وكثيرًا ما تجدون في القرآن:﴿ يَسْأَلُونَكَ ﴾، ويرشد الله نبيَّهصلى الله عليه وسلم للجواب. وفي السُّنَّة كثيرًا ما نجد أسئلة الصحابة أو الأعراب للنبيصلى الله عليه وسلم، فيجيبهم بما ينفعهم في أمور دينهم. وقيل لابن عباس رضي الله عنهما: كيف أصبت هذا العلم؟ قال: "بلسان سؤول، وقلب عقول"[2]. فعلينا إحياء هذه السُّنَّة بسؤال العلماء عن أمور ديننا وعدم الخجل؛ حتى نتفقه في ديننا، شريطة التزام الأدب في ذلك، وسؤال سؤال الجاهل الذي يريد أن يعرف، وعدم السؤال لأجل تتَبُّع الرُّخَص. 2- أهمية الجواب على أسئلة الناس وإضافة ما ينتفعون به من غير أن يسألوه والتدرُّج في تعليمهم: فالنبي صلى الله عليه وسلم أجاب معاذًا، بل أضاف أسئلةً أخرى لم يطلبها وأجاب عنها، حتى يفيده ويستفيد غيره، فقال: "ألا أدلُّك على أبواب الخير؟"، وقال: "ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده، وذروة سنامه"، وقال: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟"، ثم تدرَّج معه في الجواب، فبدأ بالفرائض والأصول والقواعد، ثم النوافل؛ فعلى العلماء والدُّعاة إلى الله الاستفادة من المنهج النبوي في طرح أسئلة على المستمعين، بهدف التشويق وتحفيز ذاكرتهم، وإضافة ما لا يتضمنه السؤال، إذا كان فيه فائدة للسائل وغيره. 3- الأعمال الصالحة وأبواب الخير التي تدخل الجنة وتبعد من النار: منها: الحفاظ على أركان الإسلام الخمسة: وحدَّدها النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه قائلًا: "تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت". وقد سبق الحديث عنها في الحديث الثالث من الأربعين (بُني الإسلام على خمس). وتم إعادة ذكر رأس الأمر وهو الإسلام، ويقصد به الشهادتين؛ لأنها بمنزلة الرأس من الجسد بالنسبة للدين، وكما أنه لا بقاء للجسد من دون رأس، فكذلك لا بقاء للدين من دون شهادتين. كما تم ذكر عمود الدين وهو الصلاة تشبيهًا لها بعمود الفسطاط (خيمة كبيرة)، فالدين لا يقوم بدون صلاة، وهذا التكرار لأجل التأكيد على منزلة الشهادتين، والصلاة ضمن أركان الإسلام. ومنها: الحفاظ على النوافل والمستحبات: والمعبر عنها في الحديث بأبواب الخير، وحددها النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه قائلًا: "الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل، قال: ثم تلا: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16]، حتى بلغ ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]". والصوم هناك صوم غير رمضان المفروض؛ كصيام الاثنين والخميس، وعاشوراء، وعرفة، وثلاثة أيام من كل شهر، وستة أيام من شوال وغيرها، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فائدته في كونه جُنَّة- أي: وقاية لصاحبه من المعاصي والنار وغيرها- كالفوائد الصحية للصيام. والصدقة هناك صدقة غير الزكاة المفروضة؛ كالتصدُّق على المساكين، وسقي الماء، وغيرهما من أنواع الصدقات التطوعيَّة، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فائدتها في كونها تطفئ خطايانا كما يطفئ الماءُ النارَ. وقيام الليل من النوافل التي أجْرُها عظيم، قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بقيام الليل، فإنه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد"[3]. فاللهم اجعلنا من المحافظين على حدودك، القائمين بفرائضك، المتطوعين بنوافل الخير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله عليه وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:ومن الأعمال الصالحة وأبواب الخير التي تُدخِل الجنة وتُبعِد من النار؛ إحياء فريضة الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام: وشبه بسنام الجمل، وهو أعلى شيء فيه، فكذلك أعلى ما في الدين هو الجهاد؛ لأن به تعلو راية الدين على سائر الأديان، وبه يُعَزُّ الإسلام والمسلمون، ويُذَلُّ الشرك والمشركون؛ ولذلك حينما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله"[4]. وما لحق المسلمين اليوم من الذل والهوان واستباحة بيضتهم من الأعداء، ما هو إلا بسبب تركهم للجهاد، وترك الأخذ بأسباب الإعداد والقوة في شتى الميادين، فأصبحوا يشترون أسلحتهم من أعدائهم. فأيُّ عِزٍّ يُرجى لمن يعتمد على عدوِّه في سلاحه؟ وهل عدوُّك سيبيع لك ما يجعلك تتفوَّق عليه؟ وقد يشترط عليك أن يتوجه هذا السلاح لمقاتلة إخوانك في الدين حتى يضمن تفرُّق كلمة المسلمين وتناحرهم فيما بينهم. ولله الأمر من قبل ومن بعد. ومنها: كف شر اللسان عن الناس: قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: كُفَّ عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمُّك يا معاذ، وهل يكُبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم". قال تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، وقال:﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24]. فسلامةُ الناس من شرِّ لسانك دليلُ الإسلام؛ قال صلى الله عليه وسلم: "المسلم مَنْ سَلِم المسلمون من لسانه ويده"[5]، فالسلامة والنجاة في ضبط اللسان، فمن ضبط لسانه ملك زمام أمره، واللسان عضلة صغيرة كثيرة الكلام، به تزرع الخير أو الشر، والحصاد يكون في الدنيا والآخرة. وهذا ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بلسانه ويقول: "قل خيرًا تغنم أو اسكت عن شرٍّ تسلم، وإلا فاعلم أنك ستندم"[6]. ورحمة الله على الشافعي إذ يقول: إذا رمت أن تحيا سليمًا من الردى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ودينك موفور وعرضك صين https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لسانك لا تذكر به عورة امرئ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فكُلُّك عورات وللناس ألْسُنُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعيناك إن أبدت إليك معايبًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فَدَعْها وقل يا عين للناس أعين https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ودافع ولكن بالتي هي أحسن https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فاللهم احفظ ألسنتنا من السوء، وأعِنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه الترمذي، رقم: 2616. وقال: حديث حسن صحيح. وانظر: صحيح الجامع، رقم: 5136. [2] فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل، رقم: 1903. [3] صحيح الجامع، رقم: 4079. [4] رواه البخاري، رقم: 2518. [5] رواه البخاري، رقم: 10. [6] الصمت وآداب اللسان، ابن أبي الدنيا، رقم: 439. وحلية الأولياء، لأبي نعيم، رقم: 1 /327. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 30: «إن الله عز وجل فرض فرائض...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أَمَّا بعدُ: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدَّ حدودًا فلا تعتدوها،وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها»[1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ورغم تضعيف بعض العلماء له من حيث إسناده، فإن مرادنا وتركيزنا على معانيه، ومعانيه صحيحة بشواهد أخرى. والحديث في بيان أحكام الدين، وهي أربعة أقسام: فرائض، وحدود، ومحارم، ومسكوت عنه. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- عدم تضييع الفرائض: الفرائض هي ما أوجبه الله على عباده، ومنها في باب العبادات؛ كالتوحيد، والصلاة، وصوم رمضان، والزكاة، والحج، وغيرها. وكل عبادة لها فرائض بالمعنى الفقهي عند الفقهاء التي لا تصحُّ بدونها؛ كالنية في كل العبادات وقراءة الفاتحة في الصلاة. والفرض منه ما هو عيني؛ كإقامة الصلوات الخمس، فتجب على كل واحد توفَّرت فيه شروط الصلاة بعينه. وفرض كفاية؛ بحيث لو قام به البعض يكفي؛ كصلاة الجنازة، والجهاد في سبيل الله. وهناك فرائض في أبواب المعاملات والعلاقات بين الناس؛ كَبِرِّ الوالدين؛ قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]. والعدل والوفاء بالعقود والعهود والالتزامات وغيرها؛ قال تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ [المائدة: 1]. وهذه الفرائض يجب عدم تضييعها؛ بل من أفضل ما يتقرب به العبد إلى ربِّه، قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه"[2]، فحافظوا على فرائض الله- عباد الله- تنالوا وتفوزوا بمحبَّة الله. 2- عدم الاعتداء على حدود الله: قال تعالى: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 229]. وحدود الله هي أوامره ونواهيه، وهي تشمل الفرائض والمحرَّمات والحدود الشرعية (يعني العقوبات المحددة)؛ فمثلًا: حد الزاني والزانية الجلد إذا كانا غير محصنين؛ قال تعالى:﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [النور: 2]، وحد السارق قطع اليد من الرسغ (المعصم) إذا تحققت فيه الشروط؛ كأن تكون قيمة المسروق ربع دينار فصاعدًا؛ قال تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ ﴾ [المائدة: 38]، والتي توفي عنها زوجها تعتدُّ أربعة أشهر وعشرة أيام؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾ [البقرة: 234]. فعلى الأمة الرجوع إلى حدود الله، وعدم الاعتداء عليها بتحكيم شرعه في العقوبات والجنايات، وعدم استنساخ قوانين غيرها، وترك شريعة ربها وراءها ظهريًّا. 3- عدم انتهاك المحرمات: والمحرمات هي الأمور المنهي عنها في كتاب ربنا أو في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم. وهي قسمان: كبائر الذنوب التي فيها وعيد شديد؛ كالشرك، وقتل النفس المحرمة، وعقوق الوالدين، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وشهادة الزور، وشرب الخمر، والسحر، والزنا، والسرقة، وغيرها؛ فوجب اجتنابها، قال تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ﴾ [النساء: 31]، وصغائر الذنوب وهي التي ليس فيها وعيد شديد؛ كنظر الفجأة، والتأخُّر عن صلاة الجماعة، وكثرة الكلام بما لا فائدة فيه، وإساءة الأدب في الكلام دون سبٍّ أو قذف، وسماع الكلام الباطل؛ كالغيبة دون المشاركة فيها، وتطويل الأظافر، وغيرها. وإدمان الصغائر يجعلها من الكبائر، ومن المكفِّرات لها ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر"[3]. فاللهم اجعلنا من المحافظين على فرائضك، الواقفين عند حدودك، المجتنبين لمحارمك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:أوصى النبي صلى الله عليه وسلم كذلك بـ: 4- عدم البحث عن المسكوت عنه: وهي الأمور التي لم يرد فيها نصٌّ بإيجاب أو تحريم، وسكتت عنها الشريعة تخفيفًا على العباد؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "وسكت عن أشياء رحمةً بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها"، فوجب السكوت عنها حتى لا تأتي أحكام تكون فيها المشقة، وهذا النهي خاص بزمان نزول الوحي، أو السؤال عن تفاصيل دقيقة وأمور غير مهمة لا تنفع السائل في شيء؛ قال تعالى:﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴾ [المائدة: 101، 102]. ومثال الأمور المسكوت عنها: السؤال عن اسم كلب أصحاب الكهف، أو تعيين عددهم، أو اسم الغلام الذي قتله الخضر، أو اسم مؤمن آل فرعون، أو موضع جبل الطور، أو التشدُّد في تعيين ليلة القَدْر، أو تعيين وقت قيام الساعة، أو وقت زوال دولة الاحتلال الإسرائيلي، أو مكان دفن الأنبياء، أو تعيين أسماء المنافقين، أو تعيين وقت النفخ في الصور، وغيرها؛ إذ لو كان فيه فائدة في معرفتها لوجدنا الجواب في القرآن أو السُّنَّة. ومثالها كذلك السؤال عن حكم الأطعمة التي لم يرد نص في تحريمها، أو حكم ركوب السيارة والطائرة أو استعمال الوسائل الحديثة المبتكرة، أو الألعاب المبتكرة إذا خلت من القمار أو المحرمات، فهذه الأمور وغيرها على قاعدة "الأصل فيها الإباحة ما لم يرد دليل في التحريم، أو يترتب عنها ضرر"، وقاعدة "ما سكتت عنه الشريعة فهو عفو". والفائدة في هذا السكوت، إلى جانب الرحمة والشفقة، توجيه الأمة الى الاشتغال بما ينفعها، والابتعاد عن الجدال العقيم الذي لا يثمر عملًا، وتحقيق علم الله المطلق لكل الأشياء، فيشعر العبد بضعفه وجهله، فتجنَّبوا- رحمكم الله- كثرة السؤال، أو البحث بتكلُّف في الأمور المسكوت عنها، ولا تُضيِّقوا ما وسَّعه الله عليكم، ولا تتشددوا فيشدد الله عليكم، والتزموا الوسط، فشريعة الله عدل وسط، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه. فاللهم اجعلنا من المشتغلين بما ينفعهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه الدارقطني، رقم: 4396. وحسَّنه شعيب الأرناؤوط في تخريجه لرياض الصالحين، رقم: 1832. وضعَّفه الألباني في تحقيقه لرياض الصالحين، رقم: 1841. [2] رواه البخاري، رقم: 6502. [3] رواه مسلم، رقم: 233. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 31: «ازهد في الدنيا يحبك الله...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أَمَّا بعدُ: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبَّني الله وأحبَّني الناس؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، بين فيه سبب محبة الله للعبد، وسبب محبة الناس للعبد. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الحرص على الخير: فالصحابة- رضوان الله عليهم- من أحرص الناس على الخير، ولا أدلكم على ذلك من هذا السؤال لسهل بن سعد الساعدي- رضي الله عنه- للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله، دلني على عمل إذا أنا عملته أحبَّني الله وأحبَّني الناس؟". وقد رأينا في الحديث التاسع والعشرين سؤال معاذ بن جبل- رضي الله عنه- للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "أخبرني بعمل يُدخِلني الجنة ويُباعِدني عن النار"[2]؛ فدلَّ على حرص معاذ على هذا العمل الذي يُدخِل الجنة ويُبعِد من النار. وسهل بن سعد الساعدي في هذا الحديث يسأل عن سبب نيل محبة الله، وسبب نيل محبة الناس، ولا شك أنه سؤال عظيم يدلُّ على الحرص على الخير؛ لأن من أحبَّه الله يضع له القبول في الأرض، ومن أبغضه يضع له البغضاء في الأرض، ومن أحبه الناس أكرموه وسمعوا لدعوته وألفوه، ومن أبغضه الناس تركوا الأخذ عنه، فتخسر دعوته. ونستفيد من هذا- إخواني- أن نحرص على السؤال عما ينفعنا من أمور ديننا ودنيانا، وأن نأخذ بأسباب نيل محبة الله ومحبة الناس. فما هي هذه الأسباب؟ 2- السبب الأول: ازهد في الدنيا يحبك الله: الزهد أن تترك في الدنيا ما لا ينفع في الآخرة، والورع أن تترك ما تخاف ضرره في الآخرة [3]. وليس من الزهد ترك الدنيا بالكلية ولبس الخشن من الثوب، وأكل الرديء من الطعام، أو ترك الزواج، أو الزهد في العلم الشرعي، وغيرها من مظاهر الزهد الظاهري، كلا، بل الزهد الحقيقي في زهد القلب عن حب الدنيا والركون إليها، ولو كان من أغنى الناس، فهذا سليمان عليه السلام طلب الدنيا وقال: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [ص: 35]؛ فسخَّر الله له الجن والريح وغير ذلك من مظاهر الملك والرياسة، ومع ذا كان أزهد الناس، فلما ألهته الدنيا- ومنها الخيل- عن ذكر ربه، وعن صلاة العصر ضربها بالسيف؛ قال تعالى: ﴿ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴾ [ص: 32، 33]، وبهذا نال محبة الله فجمع له بين النبوَّة والملك؛ قال تعالى: ﴿ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ [ص: 39، 40]. والنبي صلى الله عليه وسلم إمام الزاهدين، وله تسع نسوة، وبعض الصحابة كانوا من أزهد الناس، ولهم من المال الشيء الكثير؛ كأبي بكر الذي تصدَّق بكل ماله، وعمر الذي تصدَّق بنصف ماله، وعثمان الذي جهَّز جيش العسرة رضي الله عن الجميع. فالأنبياء والصالحون من العلماء العارفين عرَفوا معنى الزهد الحقيقي، وأخذوا بأسباب النجاة يوم القيامة، وفقهوا خطاب ربهم الذي يبين حقيقة الدنيا في قوله تعالى: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل: 96]. فالزاهد يعلم أن ما عنده من زخرف الدنيا إلى زوال. وقوله تعالى:﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20]، فالزاهد يعلم أنها لعب ولهو وزينة، وأنها متاع الغرور. وقوله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 23]، فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود، ولا يأسف منها على مفقود. فقهوا هذه الآيات وغيرها في معنى الزهد، وفقهوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: "وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها"[4]. فهموا من الحديث أن موضع العصا خير من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها، بكل ما فيها من نعيم وترف. فهل يفضل عاقل- بعد هذا- الدنيا؟ وكيف يؤثر أقوام الدنيا على الآخرة؟ وكيف ينغمسون في شهواتهم، ويتكاسلون عن الصلوات، ويتثاقلون عن ذكر الله، ويخونون الأمانات؟ وكيف يعملون لها ويحبون من أجلها ويبغضون من أجلها وهم يعلمون أنهم عنها راحلون؟ فاللهم اجعلنا ممن آثروا الآخرة على الدنيا، وآتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:أوصى النبي صلى الله عليه وسلم كذلك بـ: 3- ازهد فيما عند الناس يحبك الناس: مفتاح السعادة الحقيقية في العلاقة مع الناس، ومفتاح جلب محبتهم، هو الزهد مما في أيديهم من حطام الدنيا؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس"؛ لأن الناس مجبولون على كره من ينازعهم ما في أيديهم. قال الشافعي رحمه الله: فإن تجتنبها كنت سلمًا لأهلها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وإن تجتذبها نازعتك كلابها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وليس كذلك من الزهد مما في أيدي الناس، رفض مساعدتهم فيما يقدرون عليه، فهذه مخالفة لسنن الله، الذي سخَّر البعض لخدمة البعض؛ قال تعالى: ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [الزخرف: 32]، فلا نقول: من الزهد إذا مرضت أن تزهد في خدمات الطبيب، وإذا تعطلت سيارتك أن تزهد في خدمات الميكانيكي، فهذا زهد أعوج لا تستقيم معه الحياة. وذم سبحانه الذين يمنعون الماعون؛ قال تعالى: ﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ [الماعون: 7]، فلا تمتنع من تقديم خدماتك ومهاراتك لمساعدة إخوانك وما يسهم في تقدم الإسلام والمسلمين؛ لكن بالمقابل لا تطمع في أحد، ولا تطمع فيما ليس من حقك؛ كأكل الميراث، أو الغش في المعاملة، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو التنافس والغضب لأجل دنيا الناس، أو مجاملتهم على حسب دينك، قال صلى الله عليه وسلم: "من التمس رضا الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه، وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس"[5]. فاللهم اجعلنا من الزاهدين مما في أيدي الناس، المتعاونين مع إخوانهم على البر والتقوى. آمين. (تتمة الدعاء)... [1] رواه ابن ماجه، رقم: 4102. وصححه الألباني في تحقيقه لرياض الصالحين، رقم: 476. [2] رواه الترمذي، رقم: 2616. وقال: حديث حسن صحيح. وانظر: صحيح الجامع، رقم 5136. [3] انظر: مدارج السالكين، ابن القيم: 2/ 12. [4] رواه البخاري، رقم: 2892. [5] صحيح الترغيب، رقم: 2250. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 32:((لا ضرر ولا ضرار)) عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله، فلا مضلَّ له، ومن يضلل، فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]؛ أما بعد: فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهَدْيِ هَدْيُ محمد صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحْدَثاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي سعيد الخدري سعد بن سنان رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا ضرر ولا ضرار))[1]. عباد الله: هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلِمه صلى الله عليه وسلم، ومن الأحاديث الذي يدور عليها الفقه، وأصل لقاعدة الفقهاء: (لا ضرر ولا ضرار)، ومعناها: (لا ضرر)؛ أي: لا يصدر منك الضرر كيفما كان تجاه نفسك، أو تجاه أخيك المسلم بدون حقٍّ، و(لا ضرار)؛ أي: لا تعامل بالمثل مع من ضرك، فتلحق به الضرر بناءً على ضرره الأول، فهو – إذًا - تحقيق لمصالح العباد، ودفع المفاسد عنهم، وحث على مكارم الأخلاق، ونهي عن الظلم والاعتداء؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا))[2]، وهذا الحديث له فوائد عظيمة وتطبيقات في واقعنا. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- النهي عن الضرر: وله أمثلة كثيرة في الواقع؛ منها: • عدم الغلو والتشدد والإفراط في العبادة؛ لأن فيه ضررًا بالنفس، ويفضي إلى عدم الاستمرار، فوجب التزام منهج الوسط والاعتدال، كمن يصوم صوم الوصال - يعني يصوم يوميًّا ولا يفطر - أو من يقوم الليل كله دائمًا ولا ينام، أو يترك الزواج للتفرغ للعبادة رغم حاجته إليه؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: ((إن الدين يُسر، ولن يشادَّ الدين أحد إلا غلبه، فسدِّدوا وقاربوا، وأبشروا)))[3]، فالمظاهر السابقة غلو، وإضرار بالنفس وربما بمصالح الغير، تصوروا معي موظفًا يقوم الليل، ولا يأخذ قسطًا من الراحة، ويأتي إلى عمله كسلانًا، ألَا يضر هذا بمصالح الناس وحوائجهم؟ • في مجال الأسرة والحياة الزوجية؛ قد يضر الإنسان بزوجته إذا امتنع عن الإنفاق، وتضر به إذا امتنعت عن فراش الزوجية؛ ولذلك قال تعالى: ﴿ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ [النساء: 34]، وقد يقع بينهما شقاق، ولا سبيل إلى الإصلاح، فيتركها الزوج معلَّقة، فلا هي بزوجة ولا مطلَّقة، وهذا فيه ضرر؛ قال تعالى: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: 231]، وقد ترفض المطلقة إرضاع ابنها إضرارًا بأبيه، وهذا ضرر بالأب والابن؛ قال تعالى: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ [البقرة: 233]، وقد يضر الاب ابنته فيمنعها من الزواج ممن تحب - إذا كان صالحًا - أو يزوجها ممن تكره، أو يزوجها بغير إذنها أو رضاها، وهذه الصور كلها من الضرر لا تقرها الشريعة؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، وقد يوصي الأب بأكثر من ثلث ماله إضرارًا بباقي الورثة، كما منع النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص من الوصية بأكثر من الثلث، أو يوصي لوارث؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث))[4]. • وفي العلاقات الاجتماعية والتجارية؛ قد يضر الإنسان بجاره فيلقي – مثلًا - القمامة أمام منزله، أو يُقلق راحته برفع الأصوات، أو يتجسس على عورة بيته، وغيرها من أنواع الضرر مخالفًا لوصية النبي صلى الله عليه وسلم بالجار؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه))[5]، والبوائق هي الشرور والظلم والتعدي، وقد يغش البائع في السلعة، أو يخفي عيوبًا في المبيع، أو يحتكر سلعًا عن الناس في وقت الحاجة إليها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((من احتكر فهو خاطئ))[6]، أو يقرض المقرض بالربا، أو يعطي الراشي رشوةً لإبطال حق أو استحقاق ما ليس له، وكل هذا من الضرر وأكل أموال الناس بالباطل. • وفي التكنولوجيا والإعلام المعاصر؛ من ينشر الشائعات على وسائل التواصل، أو يخترق حسابات الآخرين، أو يسرق بياناتهم، أو ينشر صورًا بغير إذنهم، أو يشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ بنشر صور أو فيديوهات مخلة بالحياء، وغيرها، كل هذا من صور الإضرار بالآخرين، وهي صور كثيرة في مختلف المجالات، وقصدنا التنبيه على بعضها لأجل تجنبها. فاللهم إنا نعوذ بك من إلحاق الضرر بالآخرين، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى؛ أما بعد:فمن المستفادات في الحديث كذلك: 2- النهي عن الضرار: والضرار هو التعامل بالمثل مع من ضرَّك، فتلحق به الضرر بناءً على ضرره الأول – كما أسلفنا - أو تزيد بضرر أكبر مما ضرك به، وله أمثلة كثيرة في الواقع؛ منها: • أن تضرب من سبَّك؛ كثيرًا ما نعاقب من أساء في حقنا بأكثر مما فعل بنا، وهذا ظلم؛ لأن المعاملة بالمثل عدل تقره الشريعة لمن أراد سلوك هذا المسلك، وترك المعاقبة بالمثل مندوب وخير ومستحب؛ قال تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [البقرة: 232]، ولا شك أن الضرب أكثر من السب وفوقه في الرد، فلا يجوز لك أن تضرب من سبَّك، لأنه نوع من الإضرار بأخيك. بل إذا ترتب عن المعاملة بالمثل إلحاق الضرر بجهة أخرى لا يجوز، كمن يسبك وتسب أنت والديه، فما دخل الوالدين في الموضوع؟ وهذا كثير في الواقع، بل من الكبائر أن تتسبب في لعن والديك من غير قصد؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه))[7] ، ونهى الله المسلمين من سب آلهة المشركين وهي باطل، حتى لا يفضي ذلك إلى أن يسبوا الله الحقَّ؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: 108]. • توسيع دائرة الضرر عن طريق المعاملة بالمثل دون فائدة؛ فإذا تسبَّب لنا الجار في رمي نُفاياته أمام المنزل وعاملناه بالمثل، وإذا أتلف لنا شخص مالًا أو محصولًا زراعيًّا وعاملناه بالمثل دون المطالبة بالضمان، وإذا كنت أسوق سيارتي وأضرني سائق بسبب عدم احترامه لقانون السير، أو التهور في السياقة، فعاملته بنفس التهور، وإذا قاطعني قريب أو لم يستجب لدعوتي إياه لوليمة، وعاملته بنفس المقاطعة وعدم الاستجابة، وعلى هذا القياس، فمتى يصلح حال الأمة والأفراد؟ ومتى نعدل علاقاتنا فيما بيننا؟ ومتى سينتهي الفعل ورد الفعل؟ بل من طبيعة البشر في الرد؛ أن يرد الصاع صاعين، ويكيل بمكيالين، وينتقم شرَّ انتقام؛ فاحفظوا وصية نبينا صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار))، وتجنبوا البدء بالضرر، وتجنبوا مقابلة الضرر بالضرر، فمن ضارَّ ضرَّ الله به، ومن شاقَّ شقَّ الله عليه. فاللهم إنا نعوذ بك من إلحاق الضرر بالآخرين، ونعوذ بك من مقابلة الضرر بالضرر، آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مالك في الموطأ، رقم: 600، وابن ماجه، رقم: 2341، والدارقطني، رقم: 3079، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 250. [2] رواه مسلم، رقم: 2577. [3] رواه البخاري، رقم: 39. [4] رواه البخاري، رقم: 39. [5] رواه البخاري، رقم: 6016. [6] رواه مسلم، رقم: 1605. [7] رواه البخاري، رقم: 5973. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 33: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أَمَّا بعدُ: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعَى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءهم، ولكن البيِّنة على المدَّعي، واليمين على من أنكر» [1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، ومن الأحاديث التي يدور عليها الفقه، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام. وضع أسس الحكم بين الناس حتى تُصان الحقوق، وتُحفظ الأعراض، ويُقام العدل، ويأخذ كلُّ ذي حقٍّ حقَّه. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- بعض تطبيقات القاعدة في مجال الدعوة إلى الله: من ذلك: تأييد الله رسله بالبينات والمعجزات:الله عز وجل أرسل الرسل، ومن طبيعة البشر طلب البينة على الدعوى؛ دعوى الرسالة، فأيَّد الله رُسُلَه بالبيِّنات حتى يصدقهم الناس؛ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ [الحديد: 25]؛ ولذلك طلب فرعون من موسى البينة، فقال: ﴿ قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [الأعراف: 106]، فأيَّده الله بالعصا وغيرها. وصالح عليه السلام قال لقومه: ﴿ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ﴾ [الأعراف: 73]. ورسولنا صلى الله عليه وسلم أعطاه الله القرآن كدليل وبرهان على رسالته، وتحدَّى قومه بأن يأتوا بمثله، أو بسورة، أو آية؛ فلم يستطيعوا، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء نبي إلا أُعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة"[2]. فالله عز وجل أيَّدهم بالبينات الدالة على صدق دعواهم بالرسالة، فالبينة على المدعي. وعلى الدعاة إلى الله عز وجل التسلُّح بالعلم والحجة والبينة والدليل في مخاطبة الناس؛ حتى يكون لكلامهم صدق وقوة وجاذبية، فإذا أرادوا تقرير عقيدة البعث، أو تحريم شيء من المحرمات؛ كالربا والخمر وغيرهما، أيَّدوا كلامهم بالأدلة من القرآن والسُّنَّة، والاستعانة بالأدلة العقلية كذلك؛ حتى يستطيعوا تفنيد الشبهات، واستمالة الناس بقوة الحجة والبيان. بطلان دعوى من لا بينة له، ومن ذلك: بطلان دعوى أدعياء النبوَّة: هناك أدعياء النبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم؛ كمسيلمة الكذَّاب، والأسود العنسي، وغيرهما، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يبعث دجَّالون كذَّابون، قريبًا من ثلاثين، كلهم يزعم أنه رسول الله"([3]). والمقرر في عقيدتنا أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء؛ قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [الأحزاب: 40]، ولأن هؤلاء دجَّالون كذَّابون فقد عجزوا عن إثبات دعواهم بالبيِّنة، وإنما دفعهم لذلك الهوى وحب الزعامة والسلطة وغيرها من الأسباب. وقد قبض على أحدهم يدَّعي النبوَّة، فقيل له: لمن بعثت؟ فأجاب: ما تركتموني حتى أبعث، بعثت في الصباح وقبضتم عليَّ في المساء! فهؤلاء وأمثالهم أحقر من أن يقيموا البينة على دعواهم. بطلان دعوى اليهود والنصارى: نقرأ في القرآن الكريم بعض ادِّعاءات اليهود والنصارى، وهي ادعاءات باطلة ومرفوضة؛ لأنها غير مسنودة بالبينة والدليل، ومن ذلك مثلًا قول اليهود والنصارى كما حكى الله عنهم: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [المائدة: 18]، وهذه دعوى تحتاج إلى بينة ودليل؛ ولذلك أمر الله رسوله بالرد عليهم فقال له: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [المائدة: 18]، فالله عز وجل لا يعذب من أحب؛ بل أنتم بشر كالبشر، من أحسن منكم جازاه بالجنة، ومن أساء منكم عاقبه بالنار. كما ادعى اليهود أن عزيرًا ابنُ الله، وادعت النصارى أن عيسى ابنُ الله، وادعوا أنهم لن تمسهم النار إلا أيامًا معدودات، وهذا وغيره من ادعاءاتهم الباطلة المذكورة في القرآن؛ لأنه لا بيِّنة لهم فيها، بل كذَّبها الله عز وجل فيما كذَّب من تحريفاتهم لكتبهم. فاللهم إنا نعوذ بك من الادعاء والتقوُّل عليك، وعلى نبيِّك بغير علم ولا حق، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد: من المستفادات في الحديثكذلك: 2- بعض تطبيقات القاعدة في مجال الفقه والقضاء: فمن اتهم رجلًا أو امرأةً بالزنا فعليه أن يقيم البينة على دعواه، وإلا عُدَّ قاذفًا؛ فيطبق عليه الحد، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 4]، فلا بد من أربعة شهود من الرجال لإثبات شهادة الزنا. والزاني أو الزانية إذا اعترافا فهو بينة، أو ظهر حمل المرأة. ويطلب القاضي شهادة رجلين في الحدود؛ كالقتل والسرقة والخمر وغيرهما؛ قال تعالى: ﴿ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ﴾ [الطلاق: 2]. وفي الحقوق المالية؛ كالبيع والقرض، فلا بد من شاهدين أو شاهد وامرأتين؛ قال تعالى: ﴿ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ﴾ [البقرة: 282]. وفي الأمور التي لا يطَّلِع عليها إلا النساء تقبل شهادتهن بشرط أن تكون المرأة ثقةً؛ كأمور الرضاع والولادة والبكارة وغيرها. فإذا قالت المرأة أنها أرضعت فلانًا أو فلانة يسمع لها؛ لأن ذلك له أثر في الزواج، وغيرها من الأحكام. والمدعى عليه إذا لم يستطع المدعي إقامة الحجة، فإنه يحلف؛ لأن اليمين أقل حجةً من البينة، قال صلى الله عليه وسلم: «واليمين على من أنكر». والحلف يكون بالله، وإذا رفض المدعى عليه الحلف فهو اعتراف وإقرار بدعوى المدعي. عباد الله، اعلموا ما لهذه الشهادة وما لهذا الحلف واليمين من عواقب وخيمة في زمن انتشرت فيه شهادة الزور، وفسدت الذمم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجالٌ أموالَ قومٍ ودماءهم". واستهان كثير من الناس في هذا الزمان بأمر الحلف؛ نتيجة ضعف إيمانهم ودينهم. وأدوا الشهادة كاملةً من غير زيادة أو نقصان، ولا تحلفوا على الكذب والزور والبهتان، فهي يمين غموس تغمس صاحبها في النار؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من حلف على يمين صَبْرٍ (أي: يترتب عليها الحكم)، يقتطع بها مال امرئ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان»[4]. وعلى قضاتنا ومن يتولى الحكم بين شخصين تحرِّي الصواب بالاجتهاد، وعدم الجور في الحكم؛ قال صلى الله عليه وسلم: «القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة؛ رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار»[5]. وعليهم زجر ووعظ الشهود قبل أداء الشهادة، ووعظ الحالف قبل حلفه، بتذكيره بعاقبة الأيمان الكاذبة. فاللهم أصلح قضاتنا وولاة أمرنا، واجعلنا ممن يخشاك في الغيب والشهادة، ويقول كلمة الحق في الرضا والغضب. آمين. (تتمة الدعاء)... [1] رواه البيهقي في الكبرى، رقم: 21201. وحسنه النووي في الأربعين. [2] رواه البخاري، رقم 4981. [3] رواه البخاري، رقم 3609. [4] رواه البخاري، رقم: 6676. [5] صحيح ابن ماجه، رقم:1887. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 34: «من رأى منكم منكرًا فليغيره...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبة الأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أَمَّا بعدُ: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، نص على وجوب إنكار المنكر، والمنكر ضد المعروف، وهو كل ما يستقبحه الشرع ويحرمه؛ لفساده وضرره من كل المعتقدات والأقوال والأفعال والأحوال. وقد أمر الله بتغيير المنكر في قوله: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 104]. فكون فئة من الناس هي الآمرة والناهية، فيه دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية. وإذا كثر المنكر وترك الناس النهي؛ فسد المجتمع، فالمجتمع كسفينة يركب فيها الجميع، ولا ينبغي السماح للمفسدين أن يخربوها؛ وإلا سيغرق الجميع، ويوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده؛ الصالح والطالح؛ قال تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63]. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- إنكار المنكر باليد واللسان وضوابطه: قال صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه»، دلالة الحديث فيها وجوب إنكار المنكر على كل فرد، فهو بهذا فرض عين، لإرادة النصح للمسلمين، ولكن لا يتعيَّن إلا بشروط وضوابط ذكرها أهل العلم؛ ومنها: العلم: فقبل إنكار المنكر لا بد من العلم أنه منكر، حتى لا ينكر ما هو معروف أو يأمر بما هو منكر، فيشبه المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ [التوبة: 67]، فالعلماء ليسوا كغيرهم لعلمهم بالمنكر، ومن اشتبه عليه الأمر فليسأل العلماء قبل الإنكار. والمنكر الذي ينكر هو البارز الظاهر وليس بالبحث عنه والتجسس على الناس، وأن يكون مجمعًا عليه وليس مختلفًا فيه؛ إذ المعلوم عند العلماء أنه: لا إنكار في مسائل الخلاف. القدرة: أي إن الشخص يكون قادرًا على إزالة المنكر دون أن يترتب على هذه الإزالة ضرر أكبر؛ كمن له سلطة أو وجاهة. فالدولة بأجهزتها لها القدرة أكثر من غيرها، ووجهاء وأعيان البلد لهم القدرة أكثر من غيرهم، والمسؤول عن قطاع معين له القدرة على موظفيه أكثر من غيره، والأب له القدرة على زوجته وأبنائه أكثر من غيره، وهكذا. وفي الأثر عن بعض السلف: "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"؛ أي: يمنع بالسلطان من اقتراف المحارم أكثر مما يمنع بالقرآن؛ لأن بعض الناس ضعيف الإيمان. فإذا وجد الشرطي مثلًا طبق قانون السير والمرور، لكن إن لم يجده، خرق القانون. اختيار أحسن الطرق والوقت المناسب والصبر: لقوله تعالى: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]. ومراعاة الرفق في الإنكار وترك الفظاظة والغلظة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه»[2]، فالذين يفقدون الحكمة، والرفق، واختيار أنسب العبارات، وإنزال الناس منازلهم، يفسدون أكثر مما يصلحون، ثم لا بد من الصبر والحلم على رد فعل المدعو، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الأسوة في الصبر على أذى المشركين؛ قال بعض السلف: «لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيهًا فيما يأمر به، فقيهًا فيما ينهى عنه، رفيقًا فيما يأمر به، رفيقًا فيما ينهى عنه، حليمًا فيما يأمر به، حليمًا فيما ينهى عنه»[3]. * ألا يفضي تغيير المنكر إلى منكر أو فوضى أكبر منه: كمن يُجوِّز الخروج على السلطان بدعوى ارتكابه بعض المعاصي، فإن الخروج عليه غير جائز، وسيترتب عليها فوضى أعم تأتي على الأخضر واليابس، والواقع خير شاهد على هذا. وإذا كنت تعرف أن النكير على شاربي الخمر سيفضي إلى القتال وإزهاق الأرواح، تترك هذا النهي حتى لا يترتب عليه مفسدة أكبر، وهذا من القواعد الشرعية. وهذا ابن تيمية رحمه الله قال: "مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه، وقلت له: إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس، وسبي الذرية، وأخذ الأموال، فدعهم"[4]. هكذا كان فقه علمائنا – أيها الإخوة المؤمنون- فاجتهدوا في التفقه في الحلال والحرام، ومعرفة الخير؛ لتعملوا وتأمروا به، ومعرفة الشر لتحذروه وتحذروا منه. فاللهم فقهنا في ديننا، وبصرنا بما ينفعنا وما يضرنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:من المستفادات في الحديث كذلك: 2- إنكار المنكر بالقلب فرض عين على الجميع: إذا كان المنكر باليد واللسان يحتاج إلى قدرة واستطاعة، فإن الإنكار بالقلب في مقدور كل أحد، ولا يترتب عليه رد فعل من المنكر عليه، فالقلوب لا يَطَّلِع عليها إلا الله. ولأنه أدنى مراتب الإنكار، وقليل الأثر والفاعلية، عُدَّ من أضعف الإيمان؛ قال صلى الله عليه وسلم: «فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفائدة الإنكار بالقلب عدم تطبيع النفس مع المنكر، فالمطبع مع المنكر يألفه ولا ينكره ويتحوَّل عنده إلى معروف بالتدرج، ثم إن من أدمن إنكار المنكرات بقلبه يحمله ذلك على التدرُّج إلى مرتبتي الإنكار باليد واللسان حال توفر الاستطاعة، فضلًا عن وقاية نفسه من الانغماس فيه. قال صلى الله عليه وسلم: «تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا، فأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء (أي: نقطة)، حتى يصير القلب أبيض مثل الصفا، لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مُرْبَدًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا (أي: إناء معكوس)، لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا، إلا ما أشرب من هواه»[5]. فمن أنكر الفتن والمنكرات ولم يستجب لها، ترك في قلبه نقطة بيضاء حتى يصبح أبيض، ومن لم ينكر المنكرات ويتطبع معها يسودّ قلبه، وتنقلب عنده الموازين؛ فيصبح عنده المعروف منكرًا والمنكر معروفًا، فلا يعرف من المعروف إلا ما وافق هواه. فاللهم اجعلنا من الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، وارزقنا صفاءً في القلب. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 49. [2] رواه مسلم، رقم 2594. [3] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية، ص 21. [4] أعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن القيم: 3/13. [5] رواه مسلم، رقم 231. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 35: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70، 71]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبِعْ بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» [1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، وعظيم النفع، حثَّ على الأخوة الإيمانية وحذر من كل ما يناقضها؛ كالحسد والخداع والتباغض والتدابر والاحتقار وغيرها، وحرم دم المسلم وماله وعرضه. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: 1- الحث على الأخوة الإيمانية:لقوله صلى الله عليه وسلم: «وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم». وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]. فالرباط الذي يجمع المؤمنين رغم اختلاف أوطانهم ولغاتهم وألوانهم وأعراقهم وأجناسهم وقبائلهم، هو رباط العقيدة والإيمان، وهي أقوى الروابط كلها وتقدم عليها عند التعارض. كما تبرَّأ إبراهيم عليه السلام من أبيه لما كفر، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 114]. وعجيب أن نرى في واقعنا غياب اللحمة والتعاون والتآزر والتآخي بين المسلمين؛ بل أصبحت العصبية لروابط أخرى؛ كاللون واللغة والقبلية والوطن، وتهميش الرابطة الدينية. وما ذاك إلا لعدم الأخذ بأسباب تقوية هذه الرابطة والقيام بحقوقها، وهو موضوع الفائدة الثانية. 2- حقوق الأخوة الإيمانية والأخذ بأسباب تنميتها:ومما ذكر في الحديث من الحقوق والأسباب ما يلي: تجنب الحسد:لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تحاسدوا». فحينما تتمنَّى زوال النعمة التي أنعم الله بها على أخيك، حسدًا من عند نفسك، وتكون هذه النعمة إليك أو إلى غيرك، فأنت بهذا تعترض على قسمة الله، وتقضي على الرابطة الإيمانية بينك وبينه. وتأملوا- إخواني- حسد إخوة يوسف عليه السلام له وما آل إليه أمرهم، كما قصَّ الله علينا في سورة يوسف. وتأملوا الحسد الذي أدى إلى قتل قابيل لهابيل ابني آدم عليه السلام، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة: 27]. فاجتهدوا في أن تحبوا لإخوانكم مثل ما تحبون لأنفسكم تجلبوا المودة والمحبة بينكم. تجنب النجش: لقولهصلى الله عليه وسلم: «ولا تناجشوا». والنجش هو الذي يمكر ويحتال ويخادع أخاه عمومًا وفي البيع خصوصًا. وعند الفقهاء هو الذي يزيد في السعر رغم أنه لا نية له في شراء السلعة، فيتضرر المشتري بذلك؛ لأنه اشترى بغير الثمن الحقيقي. فعلينا التزام الصفاء والوضوح في معاملاتنا، وألا نغش إخواننا أو نأكل أموالهم بالباطل. تجنب التباغض: لقولهصلى الله عليه وسلم: «ولا تباغضوا». فكل ما ينشر التباغض بين المسلمين وجب تركه، فالغيبة والنميمة والظلم والغش والخداع والتجسس وغيرها تنشر الحقد بين المسلمين. وبالمقابل، كل ما ينشر المحبة والأُلْفة بينهم؛ كالإصلاح بين المتخاصمين والهدية وإفشاء السلام وجب القيام به. والأدلة على ما ذكرنا معلومة. تجنب التدابر: لقولهصلى الله عليه وسلم: «ولا تدابروا». فإذا تحدثت مع شخص وأهملتما الثالث وهو معكما، فإن هذا نوع من التدابر، والذي يهجر أخاه ولا يكلمه نوع من التدابر، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصد هذا، ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» [2]. تجنب البيع على بيع أخيك المؤمن: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يبِعْ بعضُكم على بيع بعض». فإذا عرفت أن أخيك المسلم مثلًا باع شيئًا بثمن محدد للمشتري، ثم تقول للبائع: أنا أزيدك فافسخ البيع معه؛ فهذا نوع من الإيذاء لأخيك المشتري. أو تقول للمشتري: ثمن ما اشتريت مرتفع فافسخ العقد وأنا أبيعك بثمن أقل. وهذا كله من صور الضرر التي لا تجوز. تجنب ظلم أخيك المسلم: لقولهصلى الله عليه وسلم: «لا يظلمه». فالظلم يجعل المظلوم يحس بالاحتقار؛ مما يفتح الباب للحقد على الظالم والدعاء عليه، ودعاء المظلوم مستجاب. تجنب خذلان أخيك المسلم: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا يخذله». فإذا احتاج أخوك المسلم إلى نصرته فلا تخذله، فنكوص الأمة عن نصرة إخوانهم في فلسطين نوع من الخذلان، وأي خذلان! والذي ينتظر أن تؤدي الشهادة بصدق ثم تشهد الزور في حقه نوع من الخذلان، والعياذ بالله. تجنب احتقار أخيك المسلم: فالاستهزاء وعيب أخيك المسلم في خلقته مثلًا أو احتقار نسبه أو قبيلته، فتح لباب العصبية والشر؛ ولذلك قالصلى الله عليه وسلم: «ولا يحقره، التقوى هاهنا» ويشير إلى صدره ثلاث مرات «بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم». فاللهم بصِّرنا بحقوق إخواننا، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى. أما بعد: من المستفادات كذلك من قولهصلى الله عليه وسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه» ما يلي: تجنب الاعتداء على نفسه: فلا يحل قتل المسلم بغير وجه حق؛ لأن حفظ الأنفس من الكليات الشرعية التي أمرنا بالحفاظ عليها، ضمانًا لحقها في الحياة. كما يحرم الاعتداء عليه بالضرب أو التعذيب أو الترويع أو التخويف. وشرع الإسلام القصاص لضمان هذا الحق، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179]. تجنب الاعتداء على ماله: فلا يحل الاعتداء على أمواله بالسرقة والنهب، أو أكل أمواله بالباطل عن طريق الغش، أو الرشوة، أو الربا، وغيرها من الطرق المحرمة. وحفظ المال من الكليات الشرعية التي أمرنا بالحفاظ عليها، بعدم ضياعه وتبذيره فيما لا ينفع، وبذله في الوجوه المشروعة. ولأجل الحفاظ على المال شرع الإسلام حَدَّ السرقة، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 38]. تجنب الاعتداء على عرضه: فلا يحل الاعتداء والطعن في شرف المسلم وسمعته وكرامته؛ كأن تقذف وتتهم المؤمنة بالزنا دون بيِّنة؛ ولذلك شرع الإسلام حَدَّ القذف لصيانة الأعراض، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4]. والغيبة والنميمة وسوء الظن نوع من الاعتداء على عرض أخيك المسلم. فأحسنوا الظن بإخوانكم، ولتسلم ألسنتكم من لحومهم. عباد الله،إن اجتناب ما سبق ذكره في هذه الخطبة من حسد ونجش وتباغض وتدابر وبيع على بيع أخيك، وتجنب ظلمه وخذلانه واحتقاره، وتجنب الاعتداء على دمه وماله وعرضه، كما أخبر الصادقصلى الله عليه وسلم، لهو كفيل ببناء الأخوة الإيمانية وبناء مجتمع متراحم متعاون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فاللهم اجعلنا إخوةً متحابِّين، وجنِّبْنا أسباب الشقاق والنفور. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 2564. [2] رواه البخاري، رقم: 6237. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 36: «من نفَّس عن مؤمن كربةً...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]،أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفَّس عن مؤمن كُرْبةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كُرْبةً من كرب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأَ به عملُه، لم يُسْرِع به نسبه»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، جامع لأنواع العلوم والقواعد والآداب، كما قال الإمام النووي عليه رحمة الله في شرحه لصحيح مسلم[2]: وفيه الترغيب بحقوق الأخوة الإيمانية، والاهتمام والعناية بطلب العلم وقراءة القرآن. فما هي الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من هذا الحديث لواقعنا ما يلي: الحث على الأخوة الإيمانية والترغيب فيها: ومنها في هذا الحديث: تنفيس كربة أخيك المؤمن: لقوله صلى الله عليه وسلم: «من نفَّس عن مؤمن كُرْبةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كُرْبةً من كُرَب يوم القيامة». والكُرْبة هي الضائقة والأزمة التي يمرُّ منها المسلم أو المسلمة. فمن حرص على المساعدة المادية لإخوانه في غزة بفلسطين في محنتهم هذه الأيام، لشراء ما يحتاجون إليه من طعام، ودواء، وغيرها، وتقديم ما يستطيع من العون بحسب طاقته، لهو من أعظم التنفيس عن الكُرْبة التي يعيشونها ويفرضها المحتل الذي فقد كل معاني الإنسانية. ومثله من يحتاج إلى عملية جراحية عاجلة ولا يملك مالًا أو شفاعةً لإجرائها، فساهمت من مالك أو توسَّطْت له للنظر في حالته المستعجلة فهذا تنفيس للكربة. ويتعدَّى تنفيس الكرب الجانب المادي إلى الجانب المعنوي والنفسي، فقد لا تملك حلًّا لمشاكل إخوانك، ولكنك تملك التخفيف عنهم بالكلمة الطيبة التي تدخل السرور عليهم، وترفع معنوياتهم، وتساعدهم في اتخاذ القرار، وتواسيهم بالحضور، وغيرها. وليبشر من يفعل هذا في الدنيا بأن ينفس الله عنه كُرْبةً من كُرَب يوم القيامة، ومهما تكن من كُرْبة في الدنيا فلا تداني كُرَب ذلك اليوم. التيسير على المعسر:لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن يسَّر على معسر، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة». ولنعطي مثالًا في مجال الديون، فقد تكون ميسورًا تقرض إخوانك قرضًا حسنًا، فأنت بهذا نفَّست كُرْبةً من كُرَب الدنيا- كما رأينا- ثم إذا كان هذا المقترض معسرًا، حضر الأجل ولم يستطع الوفاء، فزدته في الأجل دون رِبًا، أو وضعت عنه شطرًا من قيمة الدَّيْن، أو وضعته كله، فأنت بهذا يسَّرت على أخيك؛ قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 280]، فأبشر بالتيسير عليك في الدنيا والآخرة. ستر أخيك المؤمن: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن ستر مسلمًا، ستره الله في الدنيا والآخرة». الكمال لله وحده، وكلنا نخطئ، ومن حقوق أخيك إذا رأيته في معصية ألَّا تُعين الشيطان عليه بالتشهير والتشنيع، بل استر عليه ما دام يستخفي بمعصيته ولم يستعلن بها، وانصحه سرًّا بينك وبينه، عسى أن يرحمَه ربُّه ويمنَّ عليه بالتوبة النصوح، فلا يُعيَّر بعدها بالذنب القديم، ومن منهج النبيصلى الله عليه وسلم: "إذا بلغه عن الرجل الشيء لم يقل: ما بال فلان يقول؟ ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟"[3]. وكم ستر الله علينا ولم يفضحنا. قال ابن القيم رحمه الله في نونيته: وهو الحيي فليس يفضح عبده https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عند التجاهر منه بالعصيان https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لكنه يلقي عليه ستره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فهو الستير وصاحب الغفران https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فأبشر يا من هذا خلقه بستر الله عليك في الدنيا والآخرة. عون أخيك المؤمن:لقولهصلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ومن أمثلته ما رأيناه في الحديث السادس والعشرين من الأربعين، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «... ويُعين الرجل على دابَّتِه فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة...»[4]. فإذا أعنت رجلًا على ركوب سيارته، أو أعنته على رفع متاعه وغيرها من أوجه التعاون، فأبشر بمعونة الله لك في جميع أمورك. فاللهم بصِّرْنا بحقوق إخواننا، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:من المستفادات في هذا الحديث: الترغيب في طلب العلم: لقوله صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة». والعلم المقصود هو العلم الموصِّل إلى معرفة الله والإيمان به واتِّباع شريعته، وكثير ممن له شواهد مرموقة في تخصُّصات شتى، تجده ملحدًا، أو لا يصلي، أو لا يتورَّع عن منكر، بل يسخر علمه في المكر والخداع. فهذا علمه لا ينفعه، فالعلم الموصل إلى الجنة هو العلم المقرون بالعمل المورث للخشية، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: 28]. الأعمال هي التي تنفع يوم القيامة: لقولهصلى الله عليه وسلم: «ومن بَطَّأ به عَمَلُه، لم يُسْرِع به نَسَبُه». فالذي ينفع العبد يوم القيامة هو العمل والقلب السليم، قال تعالى:﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89]. وقالصلى الله عليه وسلم: «يتبع الميت ثلاثة، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله»[5]. فالنَّسَب لا يغني عن العمل، فلنحذر- إخواني- من الغرور، الاغترار بالمال أو النَّسَب أو القبيلة وغيرها مما يتفاخر الناس به في الدنيا، فكلها إلى زوال، ولا يثبت إلا العمل الصالح، فغدًا يقول من أوتي كتابه بشماله: ﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾ [الحاقة: 25 - 29]. فاغتنموا أوقاتكم في تقديم ما ينفعكم بين يدي ربكم. فاللهم إنا نسألك العلم النافع والزيادة منه، واجعلنا من أهل القرآن، ونسألك العمل الصالح. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه مسلم، رقم: 2699. [2] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: 17/21. [3] صحيح أبي داود، رقم: 4788. [4] رواه البخاري، رقم: 2989. ومسلم، رقم: 1009. [5] رواه البخاري، رقم: 2989. ومسلم، رقم: 1009. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 37: «إن الله كتب الحسنات والسيئات...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]،أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يروي عن ربِّه عز وجل قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئةً واحدةً»[1]. عباد الله،هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، يبين سعة رحمة الله على عباده وتفضله عليهم من خلال جزاء الحسنات والسيئات؛ حيث لم يجعل جزاءهما واحدًا، حتى يحفز عباده للعمل الصالح وترك الطالح. فما هي بعض الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- كتابة الله للحسنات والسيئات: قالصلى الله عليه وسلم: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بين ذلك». فالله عز وجل قدر المقادير قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والحسنات والسيئات من هذه المقادير في علمه سبحانه وتعالى، وشاء أن تقع بأمره الكوني والشرعي، والله عز وجل كتبها في اللوح المحفوظ، وأمر الملك- والعبد في بطن أمه- أن يكتب أربع كلمات: أجله، وعمله، ورزقه، وشقي أو سعيد. وعمله يشمل الصالح والطالح؛ أي: الحسنات والسيئات. وجعل على العباد في الدنيا ملائكةً يحفظون أعماله ويكتبونها، قال تعالى: ﴿ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 17، 18]. ولا ينبغي الاحتجاج بتقدير الله للحسنات والسيئات بترك العمل الصالح أو التبرير للعمل السيئ، بل على العكس، يجب أن تكون هذه الكتابة دافعًا لنا لزيادة الحسنات والاجتهاد في الطاعات، وسببًا لترك السيئات والبعد عن المعاصي. فالله عز وجل أمر بالطاعة ونهى عن المعصية وهو أعلم بخلقه، فالذي ينبغي أن يشغلنا هو أن كل إنسان مسؤول عن أفعاله، وعليه أن يجتهد في فعل الطاعات واجتناب المعاصي، فلم يُطلِعنا الله على علمه وماذا كتب وقدر علينا؟ ولا ينبغي التقول على الله بلا علم، والتبرير للعجز والكسل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذات يوم جالسًا وفي يده عود ينكت به، فرفع رأسه فقال: "ما منكم من نفس إلا وقد علم منزلها من الجنة والنار، قالوا: يا رسول الله، فلمَ نعمل؟ أفلا نتَّكِل؟ قال: لا، اعملوا، فكُلٌّ مُيَسَّر لما خُلِق له، ثم قرأ: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾ [الليل: 5، 6]، إلى قوله: ﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 10]"[2]. 2- جزاء الهمِّ بالحَسَنة دون فعلها: لقولهصلى الله عليه وسلم: «فمَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً». والهَمُّ هو النية وعقد العزم على الفعل. ومثال الهمِّ بالحسنة دون فعلها؛ هممت أن تتصدَّق على فقير، لكنك لم تتمكن من ذلك بسبب نفاذ ما عندك من مال، يكتب لك أجر الصدقة؛ لأنك عزمت على فعل حسنة التصدُّق. أو شخص نوى صيام يوم الاثنين أو الخميس، ولكنه مرض في ذلك اليوم، يكتب له أجر الصيام. أو شخص نوى مساعدة مريض، ولكنه لم يستطع الوصول إليه لظرف طارئ، يكتب له أجر المساعدة. فاجتهدوا- إخواني- في نوايا الخير، فإنه إن حيل بينكم وبين فعل الخير، تفوزوا بأجر النية، وهو الحسنة الكاملة. وهذا من فضل الرحمن. 3- جزاء الهَمِّ بالحسنة مع فعلها: لقولهصلى الله عليه وسلم: «فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مائة ضعف إلى أضعاف كثيرة». قال تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: 160]، وقال تعالى: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 261]. وهذا مثال واضح لمن هَمَّ بالحسنة فعملها، فهؤلاء في نيِّتهم الإنفاق في سبيل الله كتجهيز المجاهدين، أو بناء مسجد، أو إطعام مسكين وغيرها، ثم عزموا على ذلك، ثم قاموا بالفعل، فهؤلاء لهم الأجر المضاعف من عشرة فما فوق، يتفاوتون بحسب إخلاصهم وحجم الإنفاق، ووقت وحاجة المحتاج، وغيرها من الأسباب التي تجعلهم متفاوتين مما لا يعلمه إلا الله. فاللهم إنا نسألك في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:عباد الله، نستفيد كذلك: 4- جزاء الهَمِّ بالسيئة دون فعلها: لقولهصلى الله عليه وسلم: «ومن هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتَبَها الله له عنده حسنةً كاملةً». فقد يخطر ببالك فعل سيئة ثم تعزم وتُصمِّم على الفعل، ثم تستحضر رقابة الله فتتراجع، فهذا التراجع محمود شرعًا، ومرغوب فيه؛ ولذلك كان الجزاء حسنةً كاملةً، للتحفيز على التراجع عن الأمور المذمومة شرعًا بعد العزم عليها. ومثال الهم بالسيئة دون فعلها: أن يعزم شخص على السرقة أو القتل أو الغيبة أو الكذب أو شهادة الزور، وغيرها من المحرَّمات والكبائر، ثم يتذكر عاقبة وشناعة هذا الفعل فيتراجع. ولنا مثال واضح أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار فانحطت عليهم صخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، فقال أحدهم: «اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأةً من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء، فقالت: لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مئة دينار، فسعيت فيها حتى جمعتها، فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفضَّ الخاتم إلا بحقه، فقمت وتركتها»[3]. فهذا عزم على سيئة الزنا- والعياذ بالله- ولما ذُكِّر بالله تذكر واعتبر وتراجع وتاب وترك ما هو عازم عليه من السيئة، وهذا محمود؛ لأن التراجع عن الباطل خيرٌ من التمادي فيه. 5- جزاء الهمِّ بالسيئة مع فعلها: لقولهصلى الله عليه وسلم: «فإن هو هَمٌّ بها فعملها، كتبها الله له سيئةً واحدةً»، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: 160].ومثال الهمِّ بالسيئةمع فعلها: ما رأيناه في المثال السابق، فإنه لو زنا ذاك الرجل بالفعل بابنة عمِّه، فقد نفذ سيئة الزنا بالفعل. ومثال آخر: الطالب والتلميذ الذي يعزم على الغش في الامتحان، وأتى بهاتفه وأوراق الغش إلى مركز الامتحان بنية الغش ثم بدأ يتحيَّن الفرصة المواتية للغش، فغش بالفعل، فهذا له وزر الغش وسيئته. وعلى هذا القياس. عباد الله، اتقوا الله حق تقاته، واعملوا بقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"[4]. فمن ظلم نفسه باقتراف السيئات، فليجتهد في فعل الحسنات بعدها، فإن الحسنات يذهبن السيئات. فاللهم إنا نعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 6491. ومسلم رقم: 231. [2] رواه مسلم، رقم: 2647. [3] رواه البخاري، رقم: 2215. [4] صحيح الترمذي، رقم: 1987. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 38: «من عادى لي وليًّا...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾[آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]،أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، يبين طريق نيل محبة الله تعالى وولايته بأداء الفرائض والتقرُّب إليه بالنوافل، إلى جانب فوائد أخرى. فما هي بعض الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- من هم أولياء الله؟ وما واجبنا نحوهم؟ ولي الله هو كل مؤمن ومؤمنة تقي وتقية، قال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾[يونس: 62، 63]. فيستطيع كل واحد منا أن يكون وليًّا لله بشرط تحقيق الإيمان والتقوى. والولاية غير محصورة في أشخاص بعينهم؛ بل قد يكونون من الأخفياء الأتقياء الأصفياء الذين لا يتفطن لهم أحد، وقد يكونون شُعْثًا غُبْرًا، لو أقسموا على الله لأبرَّهم. والناس يتفاوتون في هذه الولاية بحسب إيمانهم وتقواهم وأعمالهم الصالحة، ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾[المطففين: 26]، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ﴾ [فاطر: 32]. فالظالمون لأنفسهم: هم المفرطون في بعض الواجبات، المرتكبون لبعض المحرمات؛ مثلًا: شخص يرتكب الكبائر؛ كالزنا وشرب الخمر، ولكنه لا يجحد بالله ولا ينكر وجوده. والمقتصدون: هم الذين يؤدون الفرائض ويجتنبون المحرمات، لكنهم يتركون المستحبات، ويقعون في بعض المكروهات؛ مثلًا: شخص يصلي ويصوم ويؤدي الزكاة، ولكنه لا يحرص على النوافل كصوم الاثنين والخميس، ولا يسعى لخدمة الناس. والسابقون بالخيرات: يقومون بالواجبات والمستحبَّات، ويتركون المحرَّمات والمكروهات. مثلًا: شخص لا يكتفي بأداء الفرائض، بل يسارع إلى فعل الخيرات، ويجتهد في طلب العلم، وينفق في سبيل الله، ويخدم المجتمع. فهؤلاء جميعًا أولياء لله، لكنهم متفاوتون في هذه الولاية، وأفضلهم على الإطلاق: الأنبياء ثم الصدِّيقون ثم الشهداء ثم الصالحون من الناس، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ [النساء: 69، 70]. فاجتهدوا في نيل أعلى مراتب ولاية الله، تفوزوا وتسعدوا. وينبغي عدم إيذاء أي مسلم؛ لأن الله يتولَّاه ويحرسه ويحفظه بمقدار حفظه لله، وعاقبة الاعتداء على أوليائه وخيمة؛ كما في الحديث الذي بين أيدينا: «إن الله قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب". والمسلمون اليوم إذ تأخر عنهم نصر الله، ويعيشون عيشة الذل بين الأمم، وتداعوا عليهم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن عليهم مراجعة ولايتهم وارتباطهم بربهم، وابتعادهم عن شريعته، فإذا تصالحوا مع ربهم جاءهم النصر، وقد تكون عليهم جولات ابتلاء لهم، ولكن العاقبة للمتقين. فاللهم اجعلنا من أوليائك ومن عبادك الصالحين، وأعِزَّ جندك، وانصر أولياءك، فإنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت. وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد:عباد الله، من المستفادات في هذا الحديث أيضًا: 2- أسباب نيل ولاية الله تعالى ومحبته: ومن ذلك في الحديث القدسي: أداء الفرائض: لقوله تعالى في الحديث القدسي: «وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضت عليه». وسبق أن رأينا في الحديث الثلاثين من الأربعين قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل فرض فرائض فلا تُضيِّعوها...»[2]. فأولياء الله يتقربون إليه أولًا بالفرائض، فالميزان عندهم ميزان صحيح، يحترمون الأولويات. فالعجب ممن يحرص على صلاة التراويح في رمضان- على أهميتها وأجرها- ويحرصون على قيام الليل، مع ما فيه من الفضل، ولكن تجدهم يهملون القيام لصلاة الفجر، أو يتركون الحضور لصلاة الجماعة في المسجد. فهؤلاء يحرصون على النفل، ويُضيِّعون الفرائض، فعكسوا ميزان الأولويات. ومثاله كذلك في واقعنا: الذي يتصدَّق ببعض ماله على الفقراء تطوعًا، ويظن المسكين أنه بهذا أخرج زكاة ماله المفروضة عليه، فالزكاة لها مقدار محدد، عليه أن يحصي أمواله، فإذا بلغت النصاب وحال عليها الحول (العام)، أخرج منها ربع العشر أو العشر أو نصف العشر، بحسب نوع المال المزكَّى. وهذا الذي يجب عليه أولًا، فإذا أدى ما عليه، تطوَّع بعد ذلك، وفي المال حق غير الزكاة. ومثاله كذلك في واقعنا؛ الذي ينفق بسخاء على أصدقائه ومع الفقراء من غير قرابته، وهذا شيء جميل ما لم يخرج عن حد الاعتدال إلى الإسراف، لكن المشكلة أنه يبخل ويكون شحيحًا مع زوجته وأبنائه، مع أن الإنفاق عليهم واجب، قال صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته»[3]. التقرُّب إلى الله بالنوافل: لقوله تعالى في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبه». فاجتهدوا في صلاة النوافل؛ كالسنن الرواتب وقيام الليل، واجتهدوا في صيام النوافل؛ كصيام ثلاثة أيام من كل شهر، واجتهدوا في صدقات التطوُّع ومساعدة المحتاجين، وغيرها من الأعمال الصالحة. 3- نتائج وآثار نيل ولاية الله تعالى: قال تعالى في الحديث القدسي: «فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنه». يعني أن الله يكون مسددًا له في هذه الأعضاء الأربعة؛ يسدده في سمعه، فلا يسمع إلا ما يرضي الله. ويسدده في بصره، فلا ينظر إلا إلى ما يحب الله النظر إليه، ولا ينظر إلى المحرم. ويسدده في يده، فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله. ويسدده في رجله، فلا يمشي إلا إلى ما يرضي الله. ولا يسعى إلا إلى ما فيه الخير. قال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [يونس: 62 - 64]. فاللهم اهدنا وسددنا، هدايةً للطريق المستقيم، وسدادًا للسهم. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 6502. [2] رواه الدارقطني، رقم: 4396. وحسنه شعيب الأرناؤوط في تخريجه لرياض الصالحين، رقم: 1832. وضعَّفه الألباني في تحقيقه لرياض الصالحين، رقم: 1841. [3] رواه مسلم، رقم: 996. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 39: «إن الله تجاوز لي عن أمتي...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، اشتمل على فوائد وأمور مهمة، تبين رحمة الله بعباده وفضله عليهم بالتجاوز عنهم حال الخطأ والنسيان والإكراه، والحديث عمدة الفقهاء في أمور كثيرة سنقف على بعضها. فما هي بعض الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- تجليات رحمة الله بعباده: وهذه الرحمة تتجلى في تجاوز الله عن عباده وعدم مؤاخذتهم فيما يلي: - حال الخطأ: الخطأ ما يقع فيه الإنسان دون قصد أو إرادة، بمعنى أنه لم يتعمد؛ قال تعالى: ﴿ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الأحزاب: 5]، وقال تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286]. وله أمثلة كثيرة منها: عدم مؤاخذة القاضي أو الحاكم أو المجتهد إذا اجتهد في نازلة أو حكم ثم أخطأ، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر" [2]. فالمخطئ يؤجر على اجتهاده؛ لأنه عبادة، ولا يؤجر على الخطأ، بل يوضع عنه الإثم فقط، وهذا في حق من تولى الحكم والاجتهاد، وله أهلية لذلك، أما المتطفلون على أحكام الشريعة بدعوى الاجتهاد، وليسوا من أهل العلم، فعليهم الوزر. ومنها: قصة الصحابي الجليل (عامر بن الأكوع) في غزوة خيبر، لما تبارز مع مشرك، فرجعت ضربته على نفسه فمات، فقال بعض الصحابة: إن عامرًا قتل نفسه فبطل وحبط عمله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "كذب (أي: أخطأ) من قالها، إن له لأجرين اثنين"[3]. ورفع الإثم والحرج عن المخطئ لا يعني أنه لا تترتب عليه الأحكام، فمن أفطر في رمضان خطأً بأن أكل أو شرب- مثلًا- وهو يظن بقاء الليل فتسحر، أو ظن غروب الشمس فأفطر، ثم بانَ خطؤه، وهو لم يتعمد ذلك، فجمهور أهل العلم ألزموه بالقضاء. ومن قتل مؤمنًا خطأً له أحكامه المذكورة في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92]. - حال النسيان: والنسيان أيضًا غير مؤاخذ عليه؛ قال تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ [البقرة: 286]، فإذا نسي الإنسان واجبًا أو محرمًا، فلا إثم عليه، ولكن إذا تذكر وجب عليه المبادرة إلى فعله أو تركه؛ فمن صلَّى بدون وضوء نسيانًا عليه الإعادة، ومن نسي صلاةً صلاها متى ما ذكرها، ومن أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم، عليه أن يكمل صومه، وأن يلفظ ما في فَمِه بمجرد التذكُّر، وسواء أكل مرةً واحدةً أو تعدَّدت المرات؛ فصومه صحيح، قال صلى الله عليه وسلم: «من أكل ناسيًا، وهو صائم، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه»[4]. لكن مالكًا- رحمه الله- فرَّق بين صوم رمضان وصوم النافلة، فمن نسي فأكل في رمضان فإنه يقضي دون النافلة [5]. - حال الإكراه: فمن أكره على فعل شيء لا يريده، فلا إثم عليه في هذه الحالة، قال تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ [النحل: 106]. والآية الكريمة نزلت في عمَّار بن ياسر، فعن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه رضي الله عنه، قال: «أخذ المشركون عمَّار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما وراءك؟ قال: شرٌّ يا رسول الله؛ ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًّا بالإيمان، قال: إن عادوا فعُدْ"[6]. فهنا عمَّار بن ياسر أُكْرِه على سَبِّ النبي صلى الله عليه وسلم فلم يؤاخذ على فعله، بخلاف الذين يسبُّونه أو ينشرون رسومًا مسيئةً له مختارين. فمن أكره أو أكرهت على الزنا، أو شرب الخمر، أو قول محرم، وغيرها من المحرمات، فلا حرج ولا إثم ولا حد ولا كفارة عليه- ما دام قلبه يكره ذلك- بخلاف من أكره على قتل غيره فلا يحل له ذلك بحال، ولو أدَّى امتناعه إلى أن يقتل. فاللهم فقهنا في ديننا وزدنا علمًا. وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى، وآله وصحبه ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد: عباد الله، من المستفادات في هذا الحديث أيضًا: 2- واجبنا تجاه رحمة الله: عدم المؤاخذة مظهر من مظاهر رحمة الله والتخفيف على عباده، ويجب علينا تجاه هذه الرحمة أمران: عدم التهاون: لا يعني عدم المؤاخذة حال الخطأ والنسيان والإكراه أن نتهاون أو أن ندعي ادعاءً كاذبًا أننا نسينا أو أخطأنا أو أكرهنا، فالله عز وجل مطلع على قلب كل واحد منا، وسيجازيه على ما في قلبه من الصدق أو الكذب، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»[7]. كما أنه ليس ذريعةً للتساهل في الأمور الشرعية. فعلى سبيل المثال: من أخطأ في توقيت الإمساك أو الإفطار في رمضان بناءً على خلل في ضبط ساعة الهاتف، أو الساعة اليدوية، فعليه بالمبادرة لإصلاح الخلل حتى لا يسقط في نفس الخطأ مرةً أخرى. ومن ينسى كثيرًا ويتهاون في أوقات الصلوات فعليه أن يستعين بالرفقة الطيبة أو بالتطبيقات على هاتفه المعينة له على التذكُّر، وهكذا. شكر الله: فنعم الله الحسية والمعنوية تستوجب منا الشكر، قال تعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]، فالشكر يبعث على المزيد، وكفر النعم يستوجب الحرمان والعقاب. فوجب شكر الله على نعمة التخفيف على هذه الأمة، التي رفع الله عنها الكثير من التشديدات التي كانت في الأمم قبلنا. نقرأ في الدعاء الذي ختمت به سورة البقرة، قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 286]. فاللهم لك الحمد على نعمك، لا نُحْصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، فاجعلنا لك من الشاكرين. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البيهقي في السنن الكبرى، رقم: 15094. وانظر: صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني، رقم: 1731. [2] رواه البخاري، رقم: 7352. [3] رواه البخاري، رقم: 6891. [4] رواه البخاري، برقم: 6669. [5] انظر: الكافي في فقه أهل المدينة، ابن عبدالبر: 1/343. [6] رواه الحاكم في المستدرك، برقم: 3362. [7] صحيح الجامع، برقم: 1862. |
رد: سلسلة شرح الأربعين النووية
سِلْسِلَةُ شَرح الأَربَعِينَ النَّوَويَّةِ عبدالعزيز محمد مبارك أوتكوميت الحديث 40: «كن في الدنيا كأنك غريب...» عناصر الخطبة: • رواية الحديث. • المعنى الإجمالي للحديث. • المستفادات من الحديث والربط بالواقع. الخطبةالأولى إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71]،أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أعاذني الله وإياكم من النار. عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي، فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل»، وكان ابن عمر، يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك»[1]. عباد الله، هذا الحديث له أهمية عظيمة؛ لأنه من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم، اشتمل على وصيتين عظيمتين في أخذ الحيطة من الدنيا والزهد فيها؛ الأولى: وصية نبوية، والثانية: وصية الصحابي الجليل عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. فما هي بعض الفوائد التي نستفيدها من هذا الحديث؟ نستفيد من الحديث لواقعنا ما يلي: 1- أدب المعلم مع التلميذ والطالب: لقول ابن عمر رضي الله عنهما: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي". المنكب: هو مجمع العضد والكتف. وأخْذُ النبي صلى الله عليه وسلم بمنكب عبدالله بن عمر يدل على معانٍ تربوية على الآباء والمعلمين والأساتذة والمربين الاستفادة منها؛ لأن وضع اليد على الكتف أو الرأس، أو مصافحته قبل الحديث، يشعر طالب العلم أو المتحدث إليه، بالاهتمام والحرص على إفادته، فيتهيَّأ لقبول ما يُلْقى إليه. وفيه تنبيه الغافل والكسلان إلى الانتباه إلى الدرس والحديث، وإذا لم يتمكَّن من الوصول إليه، فيمكن تنشيط الطلبة ببعض الأسئلة تُلقى إليهم. وفيه التعبير عن المحبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم عبَّر عن محبَّته لابن عمر بالأخذ بيده. 2- الزهد في الدنيا والاستعداد للرحيل: لقوله صلى الله عليه وسلم: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». وقول ابن عمر رضي الله عنهما: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء". الزهد في الدنيا هو ترك الرغبة فيها من متاع وزينة، والإعراض عن طلبها، مع عدم تحريم الحلال، بل هو قصر الأمل فيها، واليقين بأنها فانية، وأن ما عند الله خير وأبقى. والزاهد لا يضره ما فاته منها، ولا يغتر بما أعطي منها، ويعتبر ما في أيدي الناس كأنه ليس بيده، ولا يهمه ذم الناس ولا مدحهم. والزهد الحقيقي هو تعلُّق القلب بالآخرة، والرغبة فيما عندالله، مع أداء حق الله في الدنيا، قال تعالى: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾[القصص: 77]. وقد سبق معنا في الحديث الحادي والثلاثين من الأربعين قولهصلى الله عليه وسلم: «ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس»[2]. فمن عرف حقيقة الآخرة لا يركن إلى الدنيا، قال تعالى: ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾[التوبة: 38]. ومن عرف الجنة وما يعطى أهلها من النعيم لا يقارن بالدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: «وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما عليها»[3]. فلك أن تتخيل موضع عصاك في الجنة- يا عبدالله- فهو خير من الدنيا كلها من أولها إلى آخرها، وأن غمسةً واحدةً في الجنة تنسيك آلام الدنيا كلها؛ قالصلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة، فيُصْبغ في النار صبغةً، ثم يقال: يا بن آدم، هل رأيت خيرًا قطُّ؟ هل مَرَّ بك نعيم قطُّ؟ فيقول: لا والله يا رب، ويُؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا بن آدم، هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مَرَّ بك شدة قطُّ؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قطُّ، ولا رأيت شدةً قطُّ»[4]. فاللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل، وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين. الخطبة الثانية الحمد لله وكفى، وصلى الله وسلم على عبده المصطفى وآله وصحبه، ومن لآثارهم اقتفى، أما بعد: عباد الله، من المستفادات في هذا الحديث أيضًا: 3- اغتنام فرصة الصحة: لقول ابن عمر رضي الله عنهما: "وخذ من صحَّتِك لمرضك". ويوافق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتنم خمسًا قبل خمس: (وذكر منها) وصحتك قبل سقمك"[5]. فالصحة فرصة لا تدوم للإنسان، فكم من إنسان كان صحيحًا ثم أصبح مريضًا، وسيندم إذا فرط وقت صحته. فاعتبروا بغيركم. فكم من مريض أحب الصيام؟ لكن الطبيب نصحه بعدم الصيام، وكم من مريض أحب القيام لإتمام التراويح أو أحب السجود؟ لكن لم يستطِعْه، وكم من إنسان أحب تقديم المساعدة للآخرين في حمل متاع وغيره؟ ولكنه فاقد القوة لذلك. والعزاء- إخواني- لأصحاب الأعذار في بشارة النبيصلى الله عليه وسلم القائل: "إذا مرض العبد، أو سافر، كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا"[6]. ولكن علينا أن نعمل حال صحتنا لنفوز بهذه البشارة. 4- اغتنام فرصة الحياة: لقول ابن عمر رضي الله عنهما: "ومن حياتك لموتك"، ويوافق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اغتنم خمسًا قبل خمس: (وذكر منها) وحياتك قبل موتك"[7]. فالحياة فرصة لا بد أن تستغل في عبادة الله وطاعته قبل أن يأتي الموت؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾[الحجر: 99]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾[الفرقان: 62]. فالأيام خزائن للأعمال والأعمار، قال سفيان الثوري- رحمه الله-: من لعب بعمره ضيَّع أيام حرثه، ومن ضيع أيام حرثه ندم أيام حصاده[8]. وما دامت أعمار هذه الأمة قليلة، مقارنةً بغيرها، فينبغي الاهتمام بفضائل الأعمال، فنهتم بالفرائض قبل النوافل، وفي النوافل نهتم بأعلاها كقيام الليل. ونهتم بأفضلها في وقت دون وقت كالحرص على إدراك ليلة القَدْر في العشر الأواخر من رمضان. كما ينبغي الاهتمام بعبادة الكيف التي أجورها عظيمة كالتعبُّد بالنية، فالنية الصالحة تحول العادات إلى عبادات. كما ينبغي الاهتمام بالعبادات المتعدية النفع؛ كمساعدة الناس، وحسن المعاملة. فاللهم اجعلنا من المغتنمين لنعمة الصحة ونعمة الأوقات والأعمار. آمين. (تتمة الدعاء). [1] رواه البخاري، رقم: 6416. [2] رواه ابن ماجه، رقم: 4102. وصححه الألباني في تحقيقه لرياض الصالحين، رقم: 476. [3] رواه البخاري، رقم: 2892. [4] رواه مسلم، رقم: 2807. [5] صحيح الترغيب، رقم: 3355. [6] رواه البخاري، رقم: 2996. [7] صحيح الترغيب، رقم: 3355. [8] حفظ العمر، ابن الجوزي: ص65. |
| الساعة الآن : 07:24 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour