ذنوب القلوب
ذنوب القلوب «المحرمات التي على القلب أشد حرمة من الزنا وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر» (ابن القيم - مدارج السالكين: ج1- ص: 133). كنت على وشك مغادرة المجلس العائلي الأسبوعي يوم الخميس، حين سألني ابن أختي أحمد: - ما موضوع خطبة الغد؟ (ذنوب القلوب) إن شاء الله. - سمعنا عن طاعات القلوب، لا عن ذنوب القلوب. - كما للقلب طاعات، كذلك تقع منه المعاصي والذنوب، بل معاصي القلب أشد من معاصي الجوارح، معاصي القلب قد تكون كفرا مخلدا في نار جهنم، مثل النفاق والشرك والشك، ومنها ما يكون كبائر، مثل الرياء والكبر والعجب والخيلاء والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله، ومنها ما يكون صغائر مثل شهوة المحرمات وتمنيها، فعلى العبد أن يكون أحرص ألا يقع في المعاصي القلبية من الوقوع في المعاصي الظاهرة. طلبت مني أختي أن أجلس لتستوضح بعض النقاط. - ولماذا كانت هذه المعاصي القلبية أشد من الكبائر التي نهى عنها النبي -[؟ - سؤال جميل، والإجابة باختصار. أولاً: هذه الذنوب تتعلق بالقلب، والقلب هو أساس نجاة العبد يوم القيامة: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} (الشعراء:88-89)، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» (متفق عليه). ثانيا: ذنوب القلوب هي التي تؤدي إلى ذنوب الجوارح، فالأصل هو ما يصدر من القلب، من حسد أو كبر أو عجب، وغيرها. ثالثا: المعاصي الظاهرة، بينة واضحة، يعرفها العاصي، فيتوب منها أما معصية القلب فقلما يتوب صاحبها، وهذا هو الفرق بين معصية آدم في الجنة، ومعصية إبليس، فآدم نسي، وغفل وأكل من الشجرة التي نُهي عنها، فتاب، بمجرد أن رأي أثر المعصية وتذكر، فتاب الله عليه، أما إبليس فكانت معصيته (الكبر): {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:34)، فتمادى في غيه وكبره، كما قال -تعالى-: {قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ} (الأعراف:13). رابعا: الوعيد الشديد الذي ورد في القرآن والأحاديث الصحيحة على معاصي القلوب، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (مسلم). وحديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دب إليكم داء الأمم من قبلكم الحسد والبغضاء، والبغضاء هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين» (السلسلة الصحيحة)، وهذه معاصي قلبية، وأحاديث أخرى كثيرة تبين أن معصية القلب تحبط العمل كله! وفي حديث آخر، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثة لا تسأل عنهم: رجل ينازع الله إزاره، ورجل ينازع الله رداءه؛ فإن رداءه الكبرياء وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله والقنوط من رحمة الله» (الصحيحة). - وكيف النجاة من هذه المعاصي القلبية؟ قالتها متذمرة أختي الكبرى. - قبل أن نذكر السبيل للنجاة من هذه الذنوب يجب التنويه أنها تقع من أهل العبادة، أكثر من غيرهم، ولاسيما ممن لم يكن من أهل العلم الشرعي، فهذا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله -تعالى-: من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك» مسلم. وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار» قال أبو هريرة -]-: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. أما سبيل النجاة ففي أمور منها: أولا: الالتزام بطاعات القلوب قبل طاعات الجوارح. ثانيا: طلب العلم الشرعي الصحيح، والعمل به. ثالثا: قراءة القرآن بتدبر وتفكر. رابعا: المداومة على ذكر الله -عز وجل. خامسا: الدعاء والتضرع. في الحديث: عن معقل بن يسار قال: انطلقت مع أبي بكر - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا بكر للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر؟! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل، ألا أدلك إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيره؟! قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم» صحيح الأدب المفرد. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – إن الشرك لظلم عظيم - منذ بدأت التعمق في دين الله، قراءة، ودراسة، وتلمذة، وحضورا للندوات والمؤتمرات، وأنا أركز على العقيدة، والتوحيد؛ ذلك أنني رأيت أقرب الناس إلي يزورون الأضرحة، ويشدون الرحال إلى المشاهد، للتقرب إلى الله عند القبر وبحضرة الضريح، وينفقون الأموال نذرا لصاحب الضريح، ويعتقدون حازمين أنه يقضي حاجاتهم؛ فيشفي المريض، ويفرج الهم، ويخرج من الكربات، ويرجع الغائب، ورأيت أكثر من مرة من يرى بعد عمى، عندما تقرب أهله إلى الضريح ودعاه! ومن مشى على رجليه، بعد أن كان كسيحا! هكذا نقلوا لنا الخبر عندما كنا في إحدى الزيارات، سمعنا تهليلا وتكبيرا، إيذانا بهذين الحديثين، وإن كنا لا نعلم شيئا عن حقيقة الأمر. - إذًا اهتمامك بالعقيدة لم يكن من فراغ - كلا، بل من واقع عشته، مع أني لم أمارس شيئا من ذلك ولم يدخل قلبي شيء من هذه المعتقدات، إلا أن والدتي -رحمها الله- كانت حريصة على أن تأخذنا إلى هذه الأماكن؛ لأنها كانت (متدينة) وأرادت أن نتربى تربية دينية بعيدا عن الفواحش والمحرمات. استدعاني أحدهم للقاء إذاعي، بإيعاز من أحد المصلين في مسجدنا يعمل في الإذاعة، وكان اللقاء ضمن برنامج (واحة المستمعين). - وما الذي جعلك لا تتبنى هذه العقيدة التي كانت عليها والدتك؟ - الفضل أولا لله -عز وجل-، ومنذ كنت ربما في الصف السابع في سن الثانية عشرة من عمري، وأنا أتساءل، هل يعقل أن تنفع هذه الأمور، أعني المبيت عند الضريح، والذبح عنده، والنذر له؟ ولماذا لا يكون عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو الأجدر أن ينفع لو كان بمقدور مخلوق أن يجلب نفعا أو يدفع ضرا؟ وبالطبع بقيت هذه التساؤلات في قلبي ولم أطلع عليها أحدا، ثم بدأت بقراءة كل كتاب أحصل عليه في العقيدة، وأظن من أولها كتاب (الأصول الثلاثة)، وجدته في المسجد الذي أصلي فيه، وهكذا بدأت مسيرتي مع كتب العقيدة، ثم بدأت استمع إلى من أثق به من العلماء، وأحضر الندوات، وأزور المشايخ، أناقش، وأقارن، وأحاول أن أجمع وبعد انتهائي من المرحلة الجامعية الأولى، بدأت أجمع أهلي وأقاربي وأبيّن لهم، وكانوا يقبلون مني لثقتهم بي وحسن تعاملي معهم، وتفوقي في دراستي ورضا والدتي عني. - وما الذي كنت تركز عليه في البدايات؟ - كان كل همي أن أبيّن لهم خطورة الوقوع في الشرك، وأن الشرك يحبط العمل، وآتي بآيات من كتاب الله، مثل قول الله -تعالى-: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (الزمر:65)، وقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء:48). وأن الشرك ليس عبادة الأصنام، فحسب مع أن الأصنام لم تكن إلا رموزا لأناس صالحين ماتوا، وإنما الشرك عبادة قلبية واعتقاد في الوجدان بأن أحدا ينفع ويضر ويعطي ويمنع، لمكانته عند الله! كما قال الله عن مشركي قريش الذين بعث فيهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} (الزمر:3)، فهؤلاء لم يعبدوا غير الله اعتقادا بهذه المعبودات، وإنما ليقربوهم إلى الله، بمعنى أنهم واسطة بينهم وبين الله، وهذا الاعتقاد وصفه الله بالشرك، وأمر أن يكون التقرب إليه مباشرة، في الدعاء والاستغاثة، والنذر، والحلف، كما قال -تعالى-: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} (الجن:18)، والشفاعة أيضا، لا يملكها إلا الله كما قال -تعالى-: {مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} (يونس:3)، وكذلك {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} (البقرة:255)، حتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، لا يملك الشفاعة لأحد إلا بعد أن يستأذن ربه، ويأذن له ربه، أن يشفع لفئة معينة كما في حديث الشفاعة الطويل. قاطعني مقدم البرنامج: - وهل كانت هناك استجابة وقبول لما تقول؟ استأذنته أن آخذ جرعة ماء. - كان هناك تلقٍّ واستماع، وذلك أن الموضوع كان جديدا في وسط أسرتنا، وبفضل الله، ظهرت نتائجه بعد سنين، بأن الغالب فهم معنى التوحيد، والشرك، وأنه ينبغي أن يحذر المرء كل الحذر من الوقوع في الشرك. وماذا عن الفرق بين الكفر والشرك؟ - هذان لفظان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، الكفر معناه لغة التغطية؛ ولذلك يسمى الزراع (كفار)، كما قال -تعالى- في وصف أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح:29). فالكافر هو من يغطي الحق، وينكره، كمن ينكر شيئا من أركان الإيمان: الإيمان بالله، والملائكة والكتب الرسل واليوم الآخر، والقضاء، والقدر. والشرك صرف شيء مم اختص الله به لغير الله أو مع الله، كمن يعبد الله، ويعبد معه غيره، كمن يدعو الله، ويدعو المخلوق، فيقول: (يا الله.. يا رب)، ثم يقول (يا فلان)، ويعتقد أن هذا المخلوق ينفع وإلا لما دعاه، وكمن يسجد لله ويسجد لغير الله، وكمن ينذر لله، وينذر لغير الله، فهو يعبد الله ويعبد مع الله مخلوقا يعتقد فيه أنه ينفع في شيء من دخول الجنة أو النجاة من النار، أو الرزق، أو العافية، أو غير ذلك من أمور الدنيا أو الآخرة؛ ففي الحديث، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقول الله -تعالى-: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي غيري تركته وشركه» (مسلم). قاطعني مقدم البرنامج مرة ثانية: - لا أظن أن العامة بحاجة لمعرفة تفاصيل العقيدة ودقائقها وخلاف علماء السنة والفلاسفة والطوائف في المسميات، وإنما الرجل العامي المسلم يحتاج إلى مفاهيم عامة، كما كان عامة المسلمين في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبعده. - أحسنت، نعم لا ينبغي الخوض في نقاش كلامي أو فلسفي حول مفاهيم العقائد، بل العقيدة والتوحيد الذي أتى به النبي - صلى الله عليه وسلم - بسيط واضح، بدأ بـ(لا تعبدوا إلا الله)، لا تتقربوا إلى الأصنام، ولا إلى الأموات؛ فإنه لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا إلا الله، كما في حديث ابن عباس: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك» (صحيح الجامع)، على العبد ألا يدعو غير الله، فلا يدعو مع الله أحدا، ولا ينذر إلا لله، ولا يذبح تقربا إلا إلى الله، ولا يحلف بغير الله، ولا يتعلق قلبه حبا وتعظيما وخوفا ورجاء، بأحد مع الله، نعم نحب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحبه دين، ونحب أهل البيت وحبهم دين، ونحب الأولياء والصالحين وحبهم دين، ولكن حبهم ليس كحبنا لله -عز وجل-، وتعلقنا بالله، نسأل الله أن يشفعوا لنا بحبنا لهم، ولكنهم لا يملكون هم الشفاعة وإنما بإذن الله، ولا أحد يملك المغفرة إلا الله، ولا أحد يملك إدخال الجنة والنجاة من النار إلا الله، فإذا نقى العبد قلبه لله -عز وجل-، وصرف هذه العبادات لله وحده، ودعا الله مخلصا أن يوفقه للتوحيد الخالص وينجيه من الشرك، فهذا هو المطلوب من عامة المسلمين. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – النفاق من الأمور التي أحرص عليها عند جدولة السفر، ألا تفوتني صلاة الجمعة، ولاسيما إذا كان الترتيب مسؤوليتي، دون التزام بموعد مستشفى أو محاضرة في مؤتمر أو غير ذلك. كنت وصاحبي في رحلة لتفقد منزله في إسبانيا، أدينا صلاة الجمعة في مسجد جميل، واسع، خارج (ماربيا)، بعد الصلاة كان هناك (غداء خيري)، شاركنا فيه. جاورني شخص ملتح، بادرته بالسلام، عرفت بعد ذلك أنه من ليبيا، سألني:
اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الشــك (طارق) من الذين يلتزمون بصلاة الجماعة لفترة، ثم يختفي فترة أخرى، ثم يعود للمسجد لجميع الصلوات بما فيها صلاة الفجر ثم يختفي، انتظرني بعد صلاة عصر الجمعة، سألني: - هل يمكن أن آخذ من وقتك؟ - بالطبع، تعال نجلس في مكتبة المسجد. بعد فترة صمت، قال: - أخشى أن أقع في الكفر! أحيانا تأتيني أفكار لا أستطيع السيطرة عليها. قاطعته: - ما يأتيك ليس بكفر، ما يأتيك وسواس يأتي لأي مسلم، الكفر هو الشك في الله أو الملائكة أو اليوم الآخر أو غيرها من أركان الإيمان، أما الوسواس فلا شيء. استغرب إجابتي، وكأنني أهون من أمر عظيم! - وما الفرق بين الشك، والوسواس؟ - هذا السؤال، صحيح، والإجابة عنه ينبغي أن يتعلمها كل مسلم حتى لا يصبح فريسة سهلة للشيطان. اعتدل في جلسته، وأصغى منتبها، يريد أن يسمع التفصيل. أولا: الوساوس هي خواطر شيطانية، تأتي قلب الإنسان وفكره لا إراديا، ويمكن بل يجب التخلص منها، كما علمنا رسول الله - صلى الله عليه و سلم -، فقد شكا بعض الصحابة -رضي الله عنهم- لرسول الله - صلى الله عليه و سلم . قالوا: «يا رسول الله، إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال - صلى الله عليه و سلم -: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان»، بمعنى أنه إذا أتى ودفعتموه، فهذا هو الإيمان، وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: «يأتي الشيطان أحدكم فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه، فليستعذ بالله ولينته»، بمعنى أن يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ فإن هذا يوقفه، ولا يستمر مع هذا الوسواس، وهذه الوساوس لا أثر لها، ولا ذنب فيها، وتذهب بمجرد ذكر الله، والاستعاذة من الشيطان. أما الشك، فهذا أمر إرادي، يأتيه الإنسان، ويحاج به، وهو نقيض (اليقين)، وهو الذي فعله الكفار مع جميع أنبياء الله -تعالي-، كما قال -تعالى: {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9) قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ} (إبراهيم). فالعبد لا يخرج من دائرة الكفر ويدخل دائرة الإيمان، حتى يحقق اليقين بما جاء من عند الله -عز وجل-، ويجب عليه أن يكون صادقا متيقنا بأركان الإيمان، لا يشك في شيء منها، كما قال النبي - صلى الله عليه و سلم -: «لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة»، وفي رواية «مستيقنا بها قلبه» (مسلم). فالعبد يتعلم ما يجب عليه من أركان الإيمان، ويصدق بهذه الأركان ولا يتزعزع هذا العلم والتصديق أبدا؛ لأنه يكون يقينا لا يخالطه شك. سألني: - وما الفرق بين الريب والشك؟ - هاتان كلمتان إذا افترقتا كان لهما معنى واحد، وهو التردد بين شيئين، والنجاة لا تتحقق إلا بانتفاء الشك، والريب في دين الله -تعالى- وأركان الإيمان. الكفر الأكبر خمسة أنواع: كفر تكذيب، وكفر استكبار وإباء مع التصديق، وكفر إعراض، وكفر شك، وكفر نفاق. فأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار؛ فإن الله -تعالى- أيد رسله وأعطاهم من البراهين والآيات على صدقهم ما أقام به الحجة وأزال به المعذرة، قال الله -تعالى عن فرعون وقومه-: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْ هَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} (النمل:14)، وقال لرسوله -[-: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام:33)، وإن سمي هذا كفر تكذيب أيضا فصحيح؛ إذ هو تكذيب باللسان، وأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس؛ فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول - صلى الله عليه و سلم -، وأنه جاء بالحق من عند الله ولم ينقد له إباء واستكبارا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، كما حكى الله -تعالى عن فرعون وقومه-: {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} (المؤمنون:47)، وقول الأمم لرسلهم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} (إبراهيم:10). وقوله: {كذبت ثمود بطغواها} (الشمس:11)، وهو كفر اليهود، كما قال -تعالى-: {فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} (البقرة:89)، وقال: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} (البقره:146)، وهو كفر أبي طالب أيضا؛ فإنه صدقه ولم يشك في صدقه، ولكن أخذته الحمية وتعظيم آبائه أن يرغب عن ملتهم ويشهد عليهم بالكفر. وأما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول - صلى الله عليه و سلم -، لا يصدقه ولا يكذبه ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة، كما قال أحد بني عبد ياليل للنبي - صلى الله عليه و سلم -: والله أقول لك كلمة: إن كنت صادقا فأنت أجل في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أكلمك. وأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه بل يشك في أمره وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول - صلى الله عليه و سلم - جملة؛ فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها ونطره فيها: فإنه لا يبقى معه شك؛ لأنها مستلزمة للصدق، ولا سيما بمجموعها؛ فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار. وأما كفر النفاق: فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي بقلبه على التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر. وكفر الجحود نوعان: كفر مطلق عام، وكفر مقيد خاص. فالمطلق: أن يجحد جملة ما أنزله الله -عز وجل- وإرساله الرسول - صلى الله عليه و سلم -، والخاص المقيد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام، أو تحريم محرم من محرماته، أو صفة وصف الله -تعالى- بها نفسه أو خبرا أخبر الله -تعالى- به عمدا أو تقديما لقول من خالفه عليه لغرض من الأغراض، وأما جحد ذلك جهلا أو تأويلا يعذر فيه صاحبه، فلا يكفر صاحبه به، كحديث الذي جحد قدرة الله -تعالى- عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، ومع هذا فقد غفر الله -تعالى- له ورحمه لجهله؛ إذ كان ذلك الذي فعله مبلغ علمه، ولم يجحد قدرة الله -تعالى- على إعادته عنادًا أو تكذيباً. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الريــاء بعد صلاة الجمعة، اجتمعنا عند (أبي مشعل)، وكان قد رجع من رحلة علاج لزوجته، أقام مأدبة غداء لسلامتها بعد نجاح العملية، أراد خطيبنا، الاعتذار عن الحضور لحاجته إلي الراحة بعد الخطبة، ولكنه خضع لإصرارنا. لم يكن المجلس قد اكتمل، كان الضيوف يتوافدون من مساجد أخرى، نعرف أغلبهم، طلب صاحب الضيافة انتباهنا. - سوف يكون الغداء بعد ربع ساعة بحسب اتفاقي مع جميع المدعوين، وفي هذه الأثناء ليت شيخنا من الأردن يمتعنا بخاطرة نستفيد منها! كان المقصود دكتورا في كلية الشريعة، في الجامعة الأردنية، قضى فترة دراسته في المدينة المنورة. - يا (أبا مشعل)، للتو خرج الناس من صلاة الجمعة واستمعوا للموعظة والعلم الشرعي، فلا داعي لزيادة موعظة. ألح المضيف وبعض الحضور على ضيفنا فاستجاب. - إن أكبر هم للعبد الصادق مع الله، هو أن يرى ثواب عمله يوم القيامة حسنات وأجرا يدخله الجنة، ولعل أعظم ما يحبط العمل، (الرياء)، الشرك الخفي، الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: عن معقل بن يسار قال: انطلقت مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا أبا بكر: للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: وهل الشرك إلا من جعل مع الله إلها آخر؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده للشرك أخفى من دبيب النمل ألا أدلك على شيء إذا قلته ذهب عنك قليله وكثيرة؟! قل: «اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (صحيح الأدب المفرد). وفي مسند الإمام أحمد، عن محمود بن لبيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله -عز وجل-لأصحاب ذلك (الرياء) يوم القيامة إذا جازى الناس، اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟!» (السلسلة الصحيحة). يقول ابن القيم -رحمه الله-: «إن القلب يعرض له مرضان عظيمان، إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما الرياء والكبر، فدواء الرياء (إياك نعبد) ودواء الكبر (إياك نستعين)، وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (إياك نعبد) تدفع الرياء و(إياك نستعين) تدفع الكبرياء». همس الذي بجانب الشيخ في أذنه. تابع الشيخ حديثه. - يريد أبو مصعب أن نشرح هذه العبارة، بالطبع هي ما نقرؤه في الفاتحة في كل ركعة من كل صلاة فرض أو نافلة، فإذا حققنا (إياك نعبد)، بمعنى أن عباداتنا خالصة لك وحدك يا رب، وهذه العبارة كما تعلمون أبلغ من قولك (نعبدك)، قدم (إياك) على المعبود ، لحصر العبادة له وحده -سبحانه-؛ فمعناها لا نبعد سواك، بل عباداتنا كلها لك وحدك يا رب، وهذا يطهر العبادة من الرياء؛ لأن الرياء عمل قلبي، ينعكس علي الجوارح وغالبا ما يصاحب العبادة، إذا رآها الآخرون؛ ففي صحيح ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري قال: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نتذاكر المسيح الدجال؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قال: قلنا بلى يا رسول الله، قال - صلى الله عليه وسلم -: الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي فيزين صلاته لما يرى من نظرة الناس إليه». والرياء، غالبا يقع في أثناء العمل، ربما يبدأ العبد العبادة يريد وجه الله، فيدخل قلبه الرياء، فيعمل لأجل من يرى أو يسمع، فيحبط عمله، وذلك أن يريد أن يرى الناس حسن عمله! ففي صحيح مسلم عن جندب بن عبدالله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من سمّع سمّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به». ومعنى هذا الحديث، أن جزاء من أراد أن يسمع الناس عبادته، أو يرى الناس عبادته، يفضحه الله يوم القيامة، ويحبط عمله، ويدخله النار، وهذا مبين في حديث أول من تسعر بهم النار يوم القيامة. عن عقبة بن مسلم حدثه أن شفيا الأصبحي حدثه: أنه دخل المدينة، فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قالوا: أبو هريرة - رضي الله عنه -، قال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدث الناس، فلما سكت وخلا قلت له: أسألك بحق وبحق لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعقلته وعلمته، فقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علقته وعلمته، ثم نشغ أبو هريرة نشغة فمكثنا قليلا، ثم أفاق، فقال لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره، ثم نشغ أبو هريرة نشغة أخرى، ثم أفاق ومسح عن وجهه فقال: أفعل لأحدثنك حديثا حدثنيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا وهو في هذا البيت ما معنا أحد غيري وغيره ثم نشغ أبوهريرة - رضي الله عنه - نشغة شديدة ثم مال خارا على وجهه فأسندته طويلا، ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الله -تبارك وتعالى- إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية! فأول من يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله -عز وجل- للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال: بلى يا رب، قال: فما عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله -عز وجل- له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله -تبارك وتعالى-: بل أردت أن يقال فلان قارئ، وقد قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله -عز وجل-: ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد، قال بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال كنت أصل الرحم، وأتصدق، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله -تبارك وتعالى-: بل أردت أن يقال فلان جواد وقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له: في ماذا قتلت؟ فيقول أي رب أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك، ثم ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ركبتي فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة». أشار صاحب الدعوة بأن موعد الغداء قد حضر، فأراد الشيخ أن يختم حديثة. - أختم بأن العبد ينبغي أن يراقب قلبه دائما، ويجدد الإخلاص لله دائما، وأن يسأل الله النجاة من هذا الذنب القلبي. ففي صحيح الجامع قال - صلى الله عليه وسلم -: «من استطاع منكم أن يكون له خبيء من عمل صالح فليفعل»، والحمدلله رب العالمين، قوموا إلى غدائكم. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
كلمات في العقيدة – ذنوب القلوب – الغلو في الصالحين - الغلو في الأنبياء والأولياء والمشايخ والصالحين أول باب أدخل الجهلة في الشرك الأكبر, هذه عبارة قوية.. الشرك الأكبر؟ - نعم، الشرك الأكبر وذلك كما ورد في تفسير قوله -تعالى-: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} (نوح:23). في البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- «أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا كانوا من صالحي قوم نوح، فلما هلكوا أوحى، الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كان يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا: (فلم تعبد)، حتى إذا هلك أولئك وتفسخ العلم، عبدت! وصارت الأوثان التي كانت في قوم نوح إلى العرب، أما (ود) فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما (سواع) فكانت لهذيل، وأما (يغوث) فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما (يعوق) فكانت لهمدان، وأما (نسر) فكانت لحمير لآل ذي الكلاع...». -لقد تربينا ونحن نسمع آباءنا يعظمون بعض المشاهد والأماكن التي في آثار الصالحين، أو يظنون أنهم مروا بها، أو مكثوا فيها، مثل ما كان عندنا في الكويت وفي جزيرة فيلكا تحديدا مقام ينسب للخضر، يقدمون له النذور ويطلبون فيه شفاء المرضى، حتى هدم عام (1976) للميلاد. كنت وصاحبي في طريق عودتنا من المقبرة، وفي الشهر الحادي عشر الميلادي يكون النهار قصيرا، قررنا أن نوقف مركبتنا عند المسجد ونتريض، إلى أن يؤذن المغرب. عقب صاحبي: - لقد رأيت شيئا من ذلك في السودان، خلال زيارتي الوحيدة للخرطوم؛ فهناك يبنون قبابا من الطين للصالحين، ويضعون عليها سدنة أذكر منها: ضريح الشيخ الشريف الهندي وضريح (الكباشي)، إن لم تخني الذاكرة. - هذا باب عظيم للوقوع في الشرك الأكبر؛ لذلك نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مدحه وتعظيمه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولا عبدالله ورسوله» (متفق عليه). ونهى عن المبالغة في مدحه، كما في (شعب الإيمان) أن ناسا جاؤوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا له أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا فقال - صلى الله عليه وسلم -: «قولوا بقولكم أو بنحو قولكم هذا ولا يستجرينكم الشيطان، أنا محمد بن عبدالله ورسول الله». ومع الأسف لا يكاد يخلو بلد إسلامي من ضريح يزوره الناس وينذرون له ويدعون عنده، رجاء كشف ضر أو جلب نفع، وهذا من جهلهم بالعقيدة الصحيحة، وأن هذا شرك أكبر بالله -عز وجل. قام صاحبي بالبحث في هاتفه -كعادته- عندما يريد أن يأتي بالمعلومة الدقيقة. - دعني اقرأ لك ما ورد في هذا الأمر عن ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله. قال ابن تيمية -رحمه الله-: فإن اللات كان سبب عبادتها تعظيم قبر رجل صالح كان هناك، وقد ذكروا أن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح -عليهما السلام- يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم؛ فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وهم يسقون المطر فعبدوهم، قال قتادة وغيره: كانت هذه الآلهة يعبدها قوم نوح ثم اتخذها العرب بعد ذلك. وهذه العلة التي لأجلها نهى الشارع هي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك الأكبر أو فيما دونه من الشرك؛ فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين وبتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك؛ فلأن يشرك بقبر الرجل الذي يعتقد نبوته أو صلاحه أعظم من أن يشرك بخشبة أو حجر على تمثاله؛ ولهذا تجد أقواما كثيرين يتضرعون عندها ويتخشعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يعبدونها في المسجد، بل ولا في السحر، ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء مالا يرجونه في المساجد التي تشد إليها الرحال. فهذه المفسدة التي هي مفسدة الشرك كبيره وصغيره هي التي حسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة بصلاته كما يقصد بصلاته بركة المساجد الثلاثة ونحو ذلك، كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس واستوائها وغروبها؛ لأنها الأوقات التي يقصد المشركون بركة الصلاة للشمس فيها؛ فنهى المسلم عن الصلاة فيها، وإن لم يقصد ذلك سدا للذريعة واقتضاء الصراط المستقيم. وقال ابن القيم -رحمه الله- في (إغاثة اللهفان): وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما صالحين في قوم نوح -عليه السلام-، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد؛ فعبدوهم، فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل، وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق على صحته عن عائشة الله -رضي الله عنها-: أن أم سلمة -رضي الله عنها- ذكرت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها: مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أولئك قوم إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله -تعالى. وفي لفظ آخر في الصحيحين: أن أم حبيبة -رضي الله عنها- وأم سلمة -رضي الله عنها- ذكرتا كنيسة رأينها. فجمع في هذا الحديث بين التماثيل والقبور، وهذا كان سبب عبادة اللات؛ فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: {أفرأيتم اللات والعزى} (النجم: 19)، قال: كان يلت لهم السويق فمات؛ فعكفوا على قبره، وكذلك قال أبو الجوزاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: كان يلت السويق للحاج. فقد رأيت أن سبب عبادة ود ويغوث ويعوق ونسر واللات، إنما كانت من تعظيم قبورهم، ثم اتخذوا لها التماثيل وعبدوها كما أشار إليه النبي - صلى الله عليه وسلم . توجهت وصاحبي إلى أماكن الوضوء، استعدادا لصلاة المغرب. - لذلك كان من السنة طمس الصور، وتسوية القبور، وعدم البناء عليها، كما في حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عن أبي الهياج حيان بن حصين الأسدي قال: قال لي علي - رضي الله عنه -: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟: ألا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته، وفي رواية ولا صورة إلا طمستها» (صحيح مسلم). اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الغلو في الدين - مشكلة كثير من الذين يرجعون إلى الدين بعد سنوات من الغفلة والانغماس في الشهوات، أنهم يريدون أن يطبقوا كل شيء؛ وذلك لحماسهم في بادئ الأمر، مما يؤدي بهم -أحيانا- إلى انتكاسة أخرى! - والعلاج.. أو الحل؟ - الحل، اتباع هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - والعلم الشرعي الصحيح، والعقيدة الصحيحة، والعبادات وفق السنة، والأخلاق والعبادات القلبية، ودعاء الله، في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله. عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه؛ فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» (البخارى). والمعنى: النهي عن التشديد في الدين بأن يحمل الإنسان نفسه من العبادة ما لا يحتمله إلا بتكلف؛ فالدين لا يؤخذ بالمغالبة، (فسددوا) الزموا التوسط في العمل، ولا تهلكوا أنفسكم في طلب الكمال، وإنما اعملوا بما يقرب إليه. كنت وصاحبي في طريقنا إلى المقبرة نؤدي صلاة العصر، ونصلي على جنازة ونتبعها حتى تدفن رجاء أجر القيراطين! - بعض الناس يلزم أهله، ما لا يطيقون، بعد أن كان يسمح لهم بكل شيء، كان يسمح لهم بالفضائيات، والخروج إلى الأسواق، والمطاعم، وبعد تغير حاله، حرّم دخول التلفاز إلى بيته! - بصراحة معظم ما يعرض في التلفاز لا يتفق وتعاليم شريعتنا. - صدقت، ولكن بالحكمة، والحلم والأناة، وإذا رجعنا إلى تعاليم الإسلام، نجد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفها بـ(اليسر)، بل ونهى -صلى الله عليه وسلم - عن الغلو في الدين؛ ففي الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته-: «هات ألقط لي، (أي حصيات رمي الجمرات)، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين! فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (السلسلة الصحيحة). - بعض الناس يرى التزام هدي النبي -صلى الله عليه وسلم - (غلوا)، وكأن الأمر نسبي. - قطعا، ليس الأمر كذلك، هدي النبي -صلى الله عليه وسلم - هو الكمال في كل شيء، وتعرف حديث الثلاثة الذين أتوا يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم - فكأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم -، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ قال أحدهم أما أنا فأصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء ولا أتزوج، فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي، فليس مني» البخاري. دخلنا المسجد، وقد أذن للعصر، لاحظت أنهم يؤخرون إقامة الصلاة إلى نصف ساعة بعد الأذان، أدينا السنة وانتظرنا إقامة الصلاة، صلينا على جنازتين، وانتظرنا دفنهما، في طريق عودتنا تابعنا الحديث: - والغلو في الدين، مثل ألا يتكلم إذا صام، أو لا يصلي في مكان إلا أن يضع سجادته لأنه يشك في طهارة المكان، أو أن يغير ثيابه كلما دخل لقضاء حاجته، أو أن يمتنع عن الأكل إلا من طبخ بيته، وقد بيّن الله -عز وجل- أن هذا الغلو كان في أمم قبلنا؛ فقال -تعالى-: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ} (الحديد:27). {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} والرهبانية: العبادة، فهم ابتدعوا من عند أنفسهم عبادة، ووظفوها على أنفسهم، والتزموا لوازم ما كتبها الله عليهم ولا فرضها، بل هم الذين التزموها من تلقاء أنفسهم، قصدهم بذلك رضا الله -تعالى-، ومع ذلك {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا}، أي: ما قاموا بها ولا أدوا حقوقها، فقصروا من وجهين: من جهة ابتداعهم، ومن جهة عدم قيامهم بما فرضوه على أنفسهم، فهذه الحال هي الغالب من أحوالهم. وهذا ما بينه النبي -صلى الله عليه وسلم - في الحديث: «إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين»، وكذلك قال الله -تعالى-: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ}. - وكيف يكون الغلو في الدين من ذنوب القلوب، وهو زيادة في العبادة؟! - مصدر هذه الزيادة اعتقاد في القلب، بأن هذا أقرب إلى الله وأحب إلى الله وأثوب عند الله، وإلا ما فعله، دافع هذه العبادات أمر قلبي، فإذا استقام القلب، صلحت العبادة؛ لذلك هو من ذنوب القلوب. - وماذا عن حديث: «هلك المتنطعون؟». - هو حديث متفق عليه. عن الأحنف بن قيد بن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». أي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. وبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم - أن قوما أرادوا أن يختصموا وحرموا الطيبات واللحم على أنفسهم؛ فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأوعد في ذلك أشد الوعيد وقال: «لم أبعث بالرهبانية، وإن خير الدين عند الله الحنفية السمحة، وإن أهل الكتاب هلكوا بالتشديد، شدوا فشدد عليهم». - وماذا عن الغلو في الصالحين؟ - هذا أشد أنواع الغلو، وقد يؤدي إلى الشرك، وله شرح سيأتي -إن شاء الله. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الكبر - عندما نقرأ حديثا يبين فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - أن عملا ما من أعمال القلوب أو الجوارح، يمنع صاحبه من دخول الجنة، فإن ذلك لا يعني أنه مخلد في النار. كنت في مجلس عائلي ننتظر اكتمال العدد؛ لإحضار العشاء. - هل لك أن تبين لنا هذه القاعدة؟ كانت السائلة أصغر أخواتي، تعدت الأربعين بعامين. - نعم يا أم عبدالرحمن، مثلا قول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة قتات» صححه الألباني. «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردل من كبر» (الصحيحة). «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» (صحيح الترغيب). «لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري» (صحيح الترغيب). هذه الأحاديث وغيرها، لا يفهم منها أن صاحبها محروم من الجنة مطلقا، فيكون خالدا في النار؛ وذلك أن الخلود في النار لا يكون إلا للمشرك الكافر المنافق نفاقا اعتقاديا. فمعنى هذه الأحاديث، أنه لا يدخل الجنة دون عذاب، ولا يدخل الجنة ابتداء، إن لم يتب، وإن لم تكن له حسنات تغلب هذه الذنوب العظيمة، وإن لم يغفر الله له هذه المعاصي الكبيرة. فهذه الأحاديث تحذر من الوقوع في هذه الخطايا، التي بعضها في القلب مثل الكبر، وبعضها من الجوارح مثل النميمة. عقب أبو زكريا. - أول مرة أستوعب هذا المعنى؛ ربما لأني لا أتتبع مثل هذه المواضيع، أكمل شرحك وتوضيحك يا أبا معاذ. - لعلي أتبنى قولا لابن مسعود - رضي الله عنه - يقول: «ثلاث هن أصل كل خطيئة فاتقوهن واحذروهن: إياكم والكبر! فإن إبليس حمله الكبر على ألا يسجد لآدم، وإياكم والحرص! فإن آدم حمله الحرص على أن يأكل من الشجرة، وإياكم والحسد! فإن ابن آدم إنما قتل أحدهما صاحبه حسدا» (ابن عساكر)، والحديث ضعفه الألباني أي أنه لا يصح عن الرسول -صلى الله عليه وسلم - ولكن من كلام ابن مسعود - رضي الله عنه . وهذه الذنوب الثلاثة، الكبر والحرص والحسد، ذنوب قلبية عظيمة والقلب الذي يتشرب منها غير مؤهل أن يدخل الجنة ابتداء، ولعل أشدها الكبر، والحديث الصحيح في الكبر يرويه ابن مسعود - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، فقال رجل: يا رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: إن الله -تعالى- جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمص الناس»، وفي رواية: «بطر الحق وغمط الناس» (السلسلة الصحيحة). ففي هذا الحديث تعريف للكبر، الذي ينبغي على العبد ألا يكون في قلبه مثقال ذرة منه، و(بطر الحق): رده، ورفضه وعدم قبوله، وغمص أو غمط الناس: الترفع عليهم والاستعلاء والاستهانة بهم، هذا هو الكبر، وهو من أعظم ذنوب القلوب، وأول المتكبرين إبليس: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (الأعراف:١٢). ومن البشر فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} (القصص:٤)، وفي الزخرف: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}، يخبر عن تكبره على نبي الله موسى -عليه السلام- وفي سنن الترمذي: «لا يزال العبد يذهب بنفسه (أي يرتفع) ويتكبر حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم» (ضعفه الألباني). وفي سنن أبي داوود والترمذي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرأة بأنفه، إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء: إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم خلق من تراب» (صحيح الترغيب). فالكبر يبدأ صغيرا في القلب، وينمو حتى يطغى العبد، ويرى أنه خير من غيره، ويعظم في نفسه حتى لا يقبل الحق إن لم يكن وفق هواه، كما قال الله عن الكفار. {وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الأنفال:٣٢)، وكان الأولى أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا لاتباعه. عقب أبو فيصل على هذه الآية: - والله لقد سمعت أحدهم يقول: «إن كان هذا هو الضلال فإنه أحب إلي من الهدى الذي عند غيري، وإن كان هذا يؤوي بي إلى جهنم فإن جهنم أحب إلي من الجنة التي عند غيري..». - لنتابع حديثنا عن الكبر. - نعم، والآيات في ذم (الكبر) كثيرة، ولعلي قبل ذلك أذكر أن من أسماء الله -تعالى- الحسنى (المتكبر)، كما قال -تعالى-: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الحشر:23)، فهو -سبحانه- المتكبر، والكبرياء في حقه صفة كمال -عز وجل-، ولا تكون لغيره -سبحانه-؛ لذلك ورد في الحديث في صحيح مسلم: عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - وأبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله -عز وجل-: «العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئا منهما عذبته» وفي صحيح أبي داوود عن عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه - في وصفه لصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، فهذه الصفات لا تصرف إلا لله -عز وجل. بدأ الحضور يتوافد وكل دخل أحدهم ألقى السلام وجلس مستمعا طلبت شقيقتي أن تجهز العشاء. - والعبد إذا تذكر حاله فمم خلق؟ (من ماء مهين) وإلى أي شيء يصير؟ (جيفة تأكلها الديدان)، وبين هذا وهذا تصرعه أصغر المخلوقات (الجراثيم والميكروبات)، ويلزمه الفراش أضعف الأمراض، على ماذا يتكبر، وهو بهذا الضعف؟! ففي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بزق في كفه ثم وضع أصبعه السبابة يفرك البصقة في كفه ثم قال: (يقول الله -عز وجل-: يا ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذا؟ حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين، وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت التراقي أتصدق وأنى أوان الصدقة؟» (صحيح الجامع)، وأختم بهذا الحديث، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر (النمل) في صورة الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يساقون إلى سجن في جهنم، يقال له بولس، تعلوهم نار الأنيار، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال» (صحيح الترغيب والترهيب). اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
العُجب ذنوب القلوب - يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «واعلم أن كثيرا من الناس يسبق إلى ذهنه من ذكر الذنوب: الزنا والسرقة ونحو ذلك، ولا يعلم هذا المسكين أن أكثر العقلاء لا يسرقون ولا يزنون حتى في جاهليتهم وكفرهم، ولكن الذنوب تتنوع وهي كثيرة، ومنها الفخر والخيلاء والحسد والكبر والرياء» وهي أشد من ذنوب الجوارح. - ولماذا لا ينتشر هذا المفهوم بين المسلمين، أيامنا هذه لا أحد يذكر (ذنوب القلوب) وخطورتها، إلا ما نذر. - أظن هذا تقصير من الخطباء وطلبة العلم والدعاة، وربما لانتشار المعاصي الظاهرة، فيتكلمون عما يظهر للناس، أما العلماء السابقون فقد أجمعوا على خطورة ذنوب القلوب؛ ففي كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر)، يقول ابن حجر الهيثمي: (الباب الأول: في الكبائر الباطنة وما يتبعها وقدمتها لأنها أخطر ومرتكبها أذل العصاة وأحقر؛ ولأن معظمها أعمّ وقوعا وأسهل ارتكابا وأمّر ينبوعا فقلما ينفك إنسان عن بعضها، ولقد قال بعض الأئمة: كبائر القلوب أعظم من كبائر الجوارح؛ لأنها كلها توجب الفسق والظلم وتزيد كبائر القلوب بأنها تأكل الحسنات وتوالي شدائد العقوبات. - كلام خطير، ينبغي أن ينتشر بين عامة المسلمين حتى يحذروا هذه الذنوب. كنت وصاحبي في طريقنا لصلاة العشاء، مشيا على الأقدام في مسجد قريب من الواجهة البحرية؛ حيث كان لنا موعد للعشاء مع بعض الأصدقاء، بقي على الأذان سبع دقائق. - من هذه الذنوب العظيمة التي يغفل عنها كثير من الناس (العُجب)، وهو مرض دقيق خفي يتسلل إلى القلب، فإن تمكن منه انقلب إلى مرض أخطر وهو (الكبر). - أعوذ بالله. - هكذا كانت ردة فعل صاحي مباشرة. - نعم يا (أبا صالح)، العجب يدخل جميع القلوب، لأي سبب، المال، الشهادة العلمية، والعائلة والقبيلة، والمنصب، والهيئة والجمال، والرأي والمنطق؛ فيرى أحدهم أنه خير من غيره، فيترفع عليه، ويستهزئ به. - كنت قد قرأت حديثا، قبل أيام على ولوحة المسجد عن العجب وأنه من المهلكات. - نعم هو حديث صحيح: عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث مهلكات وثلاث منجيات، فأما المهلكات فشح مطاع، وهو متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فالعدل في الغضب، والرضا والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله -تعالى- في السر والعلانية..» (صحيح الجامع). والأحاديث في بيان خطوة (العجب) كثيرة، ومتنوعة ففي المسند عن أبي بن كعب -رضي الله عنه - قال: «انتسب رجلان على عهد موسى -عليه السلام- فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان حتى عد تسعة فمن أنت لا أم لك؟ قال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام، قال: فأوحى الله إلى موسى -عليه السلام- أن قل لهذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار فأنت عاشرهم، وأما أنت يا هذا المتنسب إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثهما في الجنة» (السلسلة الصحيحة). وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «بينما رجل يمشي في حُـلّة تعجبه نفسه مرجّلٌ جمته إذ خسف الله به فهو يتجلجل إلى يوم القيامة» (متفق عليه). فالعجب داء قلبي يفسد مآل الإنسان وإذا لم يتداركه العبد في بدايته، تحول إلى داء أعظم يصعب الخلاص منه: الكبر، انطلق أذان العشاء، فأمسكنا عن الحديث نردد ما يقول المؤذن وأجلنا حديثنا بعد الفراغ من الصلاة. أدينا السنة، فإذا بالمؤذن يقيم الصلاة! بعد الصلاة، تابعنا: - هذا أسرع مسجد يقيم الصلاة بعد الأذان، لم يكن بينهما سوى سبع دقائق. - هكذا هي المساجد التي في الأسواق وعلى الطرق تختلف عن المساجد التي في الأحياء السكنية. تابعنا حديثنا: - تذكرت الآن حديثنا عن أنس -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «لو لم تكونوا تذنبون خشيت عليكم أكثر من ذلك: العجب» (السلسلة الصحيحة). - إنه تحذير شديد من النبي -صلى الله عليه وسلم -، وكأن العجب بالدين أشد خطرا من العجب بالأمور الدنيوية. - نعم هو كذلك، من دخله العجب لأجل كثرة صلاته أو صيامه أو علمه الشرعي أو حفظه لكتاب الله، فهذا أشد ممن دخله العجب لأجل مال أو نسب أو منصب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكثيرا ما يقرن الناس بين الرياء والعجب: فالرياء من باب الإشراك بالخلق، والعجب من باب الإشراك بالنفس وهذا حال المستكبر، فالمرائي لا يحقق (إياك نعبد) والمعجب لا يحقق قوله: (إياك نستعين)» (مجمع الفتاوى ج١٠، ص217). وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلهكم» (مسلم)، و(أهلكهم) بضم الكاف. قال العلامة ابن عبدالبر في الاستذكار: «هذا الحديث معناه لا احتقارا للناس وازدراء بهم وإعجابا بنفسه». جمعنا المكان الذي نريد، وأرشدنا موظف الاستقبال إلى المائدة التي حجزت باسم صاحب الدعوة، كنا أول الواصلين. - فالعبد أول ما ينبغي أن يجاهد نفسه ويذكرها بتقصيرها في حق الله -عز وجل-، وأنه مهما بلغ من العبادة لن يؤدي حق الله عليه، وعليه أن يستعين بالدعاء حتى لا يدخل العجب قلبه. ولا يرى بألا شيء أفسد للأعمال من العجب ورؤية النفس ويعلم أنه لا يستغني بعمله عن رحمة الله، كما في الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «سددوا وقاربوا وأبشروا فإنه لن يدخل الجنة أحدا بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه...» (صحيح مسلم). اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – تزكية النفس أحرص دائما على أن ألبي دعوات الأفراح؛ اتباعا للسنة وتطييبا للخواطر، ولاسيما إذا كانت الدعوة من أفراد لا تربطني بهم علاقة قوية. وأذكر نفسي دائما، أن مسافة الطريق والتهنئة والعودة إلى البيت لا تحتاج أكثر من ساعة زمن، مقابل الأجر الذي يحتسبه العبد من الله الجواد الكريم.
اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الخيلاء - وما الفرق بين العجب والكبر والخيلاء؟ - أما الكبر فقد فسره النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» (مسلم). أي رد الحق، وظلم الناس والاستعلاء عليهم؛ فالكبر يحتاج إلى أناس يتكبر عليهم، وأما العجب، فلا يحتاج إلى غيره، فيعجب المرء بشيء عنده ولم يعرف به أحد، ويرجع ما يعجب به إلى نفسه ولا يرى فضل الله عليه، أما الخيلاء فهو أعلى من العجب، ودون الكبر، وهو أن يرى نفسه أفضل من غيره، فيكبر نفسه ويصغر غيره. كنت وصاحبي نتجاور في مكتبته التي تبرع بأكثر من ٩٠٪ من كتبها للجان الدعوة في أفريقيا، وأبدلها بجهاز حاسوب، فيه أكثر من عشرين ألف كتاب لا يحتاج للاتصال بالشبكة العنكبوتية، فضلا عن البحث الفوري في الشبكة. - وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيلاء في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبا، والإيمان يمان والحكمة يمانية، والسكينة في أهل الغنم والفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر..». وفي الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخير والإبل والفدادين في أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم» (صحيح البخاري). والفدادون: هم الذين يرفعون أصواتهم وهي عادة أهل الإبل في التعامل مع إبلهم، وقيل هم رعاة الإبل والبقر والحمير، وفي رواية في الصحيحين: «في الفدادين عند أصول أذناب الإبل»، ومن هذا الحديث نفهم معنى الخيلاء، وهو عكس السكينة، التي هي الطمأنينة والتواضع. جلس صاحبي خلف جهاز الحاسوب. دعني أقرأ لك بعض ما جمعت من هذا الموضوع: سميت الخيلاء والمختال مختالا؛ لأن المختال يتخيل في نفسه من عظمته وقدره ما لا حقيقة له، والله لا يحب كل مختال فخور. وأكثر ما يكون الخيلاء بالأفعال، كأن يتخايل في مشيته، أو في مركوبه، أو في ملبسه، أو نحو ذلك. في غزوة أحد ورد أن أبا دجانة أعلم بعصابة حمراء فنظر إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مختال في مشيته بين الصفين، «فقال إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع» (الطبراني في معجمه الكبير). وعن ابن جابر بن عتيك الأنصاري عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، ومن الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير الريبة وأما الخيلاء التي يحب الله أن يتخيل العبد بنفسه لله عند القتال وأن يتخيل بالصدقة» (تعليق شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء»، متفق عليه. وفي لفظ آخر عند البخاري: «من جر ثوبه مخيلة: لم ينظر الله إليه يوم القيامة». وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة». قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والأصل في ذلك قوله -تعالى-: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (لقمان:18)، وقوله -عز وجل-: {لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد:23)، وقول -تعالى-: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (الأنفال:47). فذم الله -سبحانه وتعالى- الخيلاء والمرح والبطر. قال ابن القيم عن العجب: «أصله: رؤية نفسه، وغيبته عن شهود منة ربه وتوفيقه». والخيلاء: أن يرى نفسه فوق ما هي عليه، أو ما تستحقه، أو يرى الناس عظمة نفسه. والفخر: هو التمدح بالخصال وذكر المناقب، بتفضيل نفسه على غيره. وهذه الخصال بينها من التداخل ما يجعلها مترابطة، ولاسيما الفخر والخيلاء؛ فلا يكاد يتصف أحد بخصلة منها، فيسلم من أختها. وكأن هذه الصفات قنوات تنبع من معين واحد وهو: الكبر، وتخيل عظمة نفسه وفضله، وإرادة تعظيم الخلق له، وحمدهم له. وقال ابن كثير: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: مختالا في نفسه، معجبا متكبرا، فخورا على الناس، يرى أنه خير منهم، فهو في نفسه كبير، وهو عند الله حقير، وعند الناس بغيض» انتهى من تفسير ابن كثير. - وما المخرج من هذه الآثام، والحفظ منها؟ - العلاج، دائما بنقض الأسباب، فينظر إلى النقض الذي فيه وعيوبه ويرجع الخير الذي فيه لله -عز وجل-، وأن الله يختبره بما أنعم عليه، ويذكر نفسه أن الله مطلع عليه وينظر إلى قلبه، ولا ينسى أن آثام القلوب وذنوبها أعظم عند الله من ذنوب الجوارح، ويدعو الله -عز وجل- صادقا مخلصا، كما في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم . «واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت» (رواه مسلم). اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – لا تأمن مكر الله دخل المسجد بعد صلاة المغرب، وقد غادر جميع المصلين، بادرني بعد السلام: - كنت على يقين أنني سألقاك هنا. ابتسمت لمقولته. - أصبح الوقت بين العشاءين أقل من ساعة، وخير ما يقضي به العبد وقته (كتاب الله)، حياك الله يا (أبا أحمد). - سوف أقطع عليك خلوتك اليوم، في موضوع لعلك تثاب عليه قدر أجرك بقراءة كتاب الله. رحبت به، ودعوته للمجلس الملحق خلف حرم المسجد. - سمعت حديثا في الإذاعة عن صفة (المكر) لله -عز وجل-، وأنها مقيدة، ولا تنسب لله إلا مع من يستحقها، كقوله -تعالى-: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (الأنفال:30). قاطعته: - أحسنت، نعم الآن الفكرة أوضح، وليس هذا سؤالي، وإنما سؤالي عن موضوع (الأمن من مكر الله) وأنه لا ينبغي لأحد أن يأمن مكر الله! كيف يمكن أن نفهم هذا الأمر؟ شاركنا المجلس (أبو يعقوب)، يأتي قبل الأذان لجميع الصلوات، وربما تولى مهمة الأذان إذا اعتذر مؤذننا، أو تأخر عن الموعد. أخذ (بويعقوب) مجلسه بعد السلام والاستئذان. - كنا نتحدث عن موضوع (الأمن من مكر الله). - موضوع جميل دعونا نتشارك الأجر. - أولا معنى (الأمن من مكر الله) أن يطمئن القلب ويضمن النجاة، ولا يخاف عقوبة الله -تعالى-، مع أنه مقصر في حق الله، معرض عن أوامره، كما قال -تعالى-: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} (الأعراف: 97-99). أي عذاب الله وبأسه ونقمته وقدرته عليهم. قاطعني (أبو حمد). - وماذا عن المؤمن؟ كيف يجب أن يكون حاله؟ - المؤمن في الدنيا يكون على وجل من أن يبتلى ويفتن؛ فيسأل الله الثبات على الدين، كما في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (حسنه الألباني- السلسلة الصحيحة)، وكذلك لا يقنط من رحمة الله، بل يسأل الله الثبات على الدين، ويعلم أن ما فيه من خير وصلاح وهدى إنما هو من فضل الله، وهكذا دعاء المؤمنين: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} (آل عمران:8). وسئل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن أكبر الكبائر فقال: «أكبر الكبائر: الشرك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله»، فالعبد الصالح يتقرب إلى الله بالطاعات ويسأل الله قبولها، ويخاف ألا تقبل لخلل في نفسه، كما في تفسير قوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون:60)، وفي الحديث عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على شاب وهو يحتضر فقال - صلى الله عليه وسلم -: «كيف تجدك؟ قال والله يا رسول الله، إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف» (حسنه الألباني). فالعبد المؤمن (لا يأمن مكر الله)، بمعنى لا يضمن الجنة بأعماله الصالحة، بل يخاف ألا تقبل، ويرجو رحمة الله ومغفرته على تقصيره، ويعلم يقينا أن سبيل دخول الجنة هي رحمة الله -عز وجل-، ومع ذلك يجتهد في الطاعات ويبتعد عن المعاصي، وهنا يحضرني حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن أبي هريرة وعائشة -رضي الله عنهما- وجابر وأبي سعيد الخدري -رضي الله عنهما- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة (مرتين أو ثلاثا) فسددوا وقاربوا وأبشروا» (السلسلة الصحيحة). - يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في قوله -تعالى-: {أفأمنوا مكر الله}: دليل على أن لله مكرا، والمكر هو التوصل إلى الإيقاع بالخصم من حيث لا يشعر، فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر مع أن ظاهره أنه مذموم؟، قيل المكر إذا نسب إلى الله فإنه محمود، ويدل على قوة الماكر وأنه غالب على خصمه؛ ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق؛ فلا يجوز أن تقول: إن الله ماكر، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحا لله -عز وجل-، مثل قوله -تعالى- {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} (النمل:50)، ومثل قوله -تعالى-: {ويمكرون ويمكر الله} (الأنفال)، والمعنى: «فمكر الله -عز وجل- فيمن يستحقه من أعدائه، وفيمن يمكر بأنبيائه وأوليائه، فهو صفة كمال ومدح لله -عز وجل-؛ لأنه يقع على من يستحقه». - وما خلاصة هذا الموضوع يا (أبا معاذ)؟ - خلاصته أن قلب العبد المؤمن ينبغي أن يكون على وجل من عذاب الله، وعلى خوف من سوء العاقبة، وأن يخلو من الاتكال على حوله وقوته، ويتعلق بالله -عز وجل-، في ثباته على الدين، والتزامه أوامر الله، ويكثر دعاء الله -عز وجل- أن يثبته على دينه، وأن يميته على الإسلام، وأن يرزقه حسن الخاتمة وألا يزيغ قلبه بعد الهداية، وأن يحفظه من الفتن وألا يجعل مصيبته في دينه، وأن يرزقه الصدق والإخلاص في العمل، ومع كل ذلك يحسن الظن بالله، بأنه لا يضيع أجر المحسنين. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – القنوط من رحمة الله بعد صلاة العشاء، رافقني (أبو أحمد) مشيا إلى مساكننا. - تحدثنا عن (الأمن من مكر الله)، وأنه لا ينبغي لعبد أن يأمن مكر الله، ولاسيما إن كان معرضا عن دين الله، غارقا في معصية الله، وماذا عن (القنوط من رحمة الله).؟ - ربما نستطيع أن نقول: «إن على المؤمن ألا يأمن مكر الله»، وعلى العاصي «ألا يقنط من رحمة الله»؛ وذلك لقول الله -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53). قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: «هذه أرجى آية في كتاب الله»؛ فالفقيه هو الذي لا يُيَئِس الناس من رحمة الله، ولا يجرئهم على معصية الله. - كلام جميل، زدنا من تفسير هذه الآية. - في تفسير ابن عاشور (يغفر الذنوب)، الألف واللام قد صيرت الجمع الذي دخلت عليه للجنس الذي يستلزم الاستغراق بمعنى إن الله يغفر كل ذنب كائنا ما كان إلا ما أخرجه النص القرآني وهو الشرك، ثم لم يكتف بذلك بل أكده بقوله (جميعا)، فيا لها من بشارة ترتاح لها النفوس! وما أحسن التعليل {إنه هو الغفور الرحيم}.! وهنا أذكر كلام ابن القيم في الأسماء الحسنى المقترنة التي تختم بها الآيات: «فإن لله -عز وجل- كمالا من اسم الغفور، وكمالا وجمالا من اسم الرحيم، وكمالا جديدا من اقتران هذين الاسمين فهو -سبحانه- (الغفور الرحيم)..»، فلا شك أن الغفور الرحيم لن يعذب عباده التائبين! - وما الفرق بين اليأس والقنوط؟ - (اليأس) و(القنوط) كلمتان إذا اجتمعتا افترقتا في المعنى، وإذا تفرقتا اجتمعتا في المعنى، و(اليأس) ورد في قوله -تعالى- عن يقعوب: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87). وقالوا القنوط أشد اليأس، وقال آخرون بل اليأس أشد من القنوط؛ لأنه صفة الكافرين، وقالوا اليأس يكون مع المصيبة، وهو انقطاع الأمل من زوالها، والقنوط مع المعصية وهو استبعاد مغفرتها، وعلى كل حال المؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، مهما كان ذنبه، ومهما كانت مصيبته! وفي الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رجلا قال: «يا رسول الله ما الكبائر؟ قال: الإشراك بالله واليأس من روح الله والقنوط من رحمة الله» (حسنه الألباني). منازلنا تبعد سبع دقائق مشيا إلى المسجد، ومنزل (أبي حمد) قبل منزلي بمئة متر تقريبا. - ولا ينبغي أن يكون (الرجاء) برحمة الله ومغفرته سببا في التهاون في المعصية فضلا عن الدوام عليها؛ فالعبد ينبغي أن يخوف نفسه من قصد المعصية والعزم عليها؛ فإن قصدتها فليخوفها من ارتكابها، فإن غلبته فليخوفها من الإصرار عليها وليأمرها بالتوبة، وأن الله يغفر الذنوب جميعا، فإن أصرت على الذنب فليذكرها بالاستغفار وأن الله يغفر الذنوب جميعا، فإن أصرت على الذنب قنوطا من رحمة الله فليذكرها أنه لا يقنط من روح الله إلا القوم الكافرون. اقترح علي صاحبي أن نقرأ ما ذكره ابن تيمية في مسألة القنوط. - لك ذلك فالكتب كلها -ولله الحمد- محمولة في جيبي! قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الآية السابقة: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر:53): المقصود بها النهي عن القنوط من رحمة الله -تعالى- وإن عظمت الذنوب وكثرت، فلا يحل لأحد أن يقنط من رحمة الله، ولا أن يقنط الناس من رحمته. والقنوط من رحمة الله بمنزلة الأمن من مكر الله -تعالى- وحالهم مقابل لحال مستحلي الفواحش؛ فإن هذا أمن مكر الله بأهلها وذاك قنط أهلها من رحمة الله، والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له؛ إما لكونه إذا تاب لا يقبل الله توبته ويغفر ذنوبه، وإما بأن يقول نفسه لا تطاوعه على التوبة بل هو مغلوب معها، والشيطان قد استحوذ عليه فهو ييأس من توبة نفسه، وإن كان يعلم أنه إذا تاب غفر الله له، وهذا يعتري كثيرا من الناس، والقنوط يحصل بهذا تارة وبهذا تارة، فالأول كالراهب الذي أفتى قاتل تسعة وتسعين أن الله لا يغفر له فقتله، وكمل به مائة، ثم دل على عالم فأتاه فسأله فأفتاه بأن الله يقبل توبته والحديث في الصحيحين، والثاني كالذي يرى للتوبة شروطا كثيرة، ويقال له: لها شروط كثيرة يتعذر عليه فعلها فييأس من أن يتوب» (مجموع الفتاوى). اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – قسوة القلب - وهذه صفة أخرى للقلب، كثيرا ما أقرأ وأسمع عنها أنها (أمراض القلوب)، وأنت تقول: إنها من (ذنوب القلوب). - نعم هي من (ذنوب القلوب)؛ لأنها تؤدي إلى اكتساب السيئات واستحقاق غضب الرب والعذاب يوم القيامة، دعني أورد لك ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الباب: «وسئل أيما أولى: معالجة ما يكره الله من قلبك مثل: الحسد والحقد والغل والكبر والرياء والسمعة ورؤية الأعمال وقسوة القلب، وغير ذلك، مما يختص بالقلب من درنه، وخبثه؟ أو الاشتغال بالأعمال الظاهرة: من الصلاة والصيام وأنواع القربات من: النوافل والمنذورات مع وجود تلك الأمور في قلبه؟ أفتونا مأجورين. فأجاب -رحمه الله-: الحمد لله، من ذلك ما هو عليه واجب، وأن للأوجب فضلا وزيادة، كما قال -تعالى- على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - : «ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه». ثم قال: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» (متفق عليه)، والأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب، فإن القلب ملك، والأعضاء جنوده؛ فإذا خبث الملك خبثت جنوده؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله». كنت وصاحبي بانتظار موعد إقلاع رحلتنا لأداء العمرة، قررنا الذهاب والرجوع في اليوم نفسه، بحجز أول رحلة في الصباح، والعودة مع آخر رحلة، كانت أول تجربة لنا بهذا الجدول السريع. - أليس (قسوة القلب) من الأمور التي توعد الله صاحبها بـ(الويل)؟! - بلى، أحسنت، وذلك في قوله -تعالى-: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الزمر:22). فهو من ذنوب القلوب التي توعد الله صاحبها بالويل، كما للمطففين، وكما للهمزة اللمزة، وكما قال العلماء: «كل ذنب جزاؤه الويل فهو من الكبائر»، نسأل الله العافية. والقلب القاسي، يمنع صاحبه من كل خير، فلا ينتفع بموعظة ولا يتذكر الآخرة، ولا يتورع عن معصية، حتى مع أولى الناس ببره والديه؛ لذا وجب على العبد أن يراقب قلبه، فإذا بدأت فيه علامات القسوة عالجها فور حدوثها. اقترح علي صاحبي أن نجلس في المقهى الموجود في صالة الانتظار نتناول شيئا قبل الإقلاع، فقد غادرنا بيوتنا بعد صلاة الفجر مباشرة، أخذنا حاجتنا. - وعلامات قسوة القلب؟! - الغفلة عن الطاعات والآخرة والموت، والانغماس في الشهوات والملذات، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يبغض كل جعظري جواظ سخاب بالأسواق جيفة بالليل حمار بالنهار عالم بأمر الدنيا جاهل بأمر الآخرة» (صحيح على شرط مسلم)، يسمع آيات الله فلا تتجاوز طبلة أذنه، ويرى الجنازة ولا يتجاوزه المشهد بؤبؤة عينه. ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، خلقت النّار لإذابة القلوب القاسية، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي. إذا قسا القلب قحطت العين، قسوة القلب من أربعة أشياء، إذا جاوزت قدر الحاجة الأكل والنّوم والكلام والمخالطة، كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطّعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ. ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته. القلوب المتعلّقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها. القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها، اشغلوا قلوبهم بالدنيا ولو شغلوها بالله والدّار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة، ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد. إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكّر ونقي من الدغل رأى العجائب، وألهم الحكمة»(الفوائد). «القلب المخبت ضد القاسي والمريض، والله -سبحانه- الذي جعل بعض القلوب مخبتا إليه، وبعضها قاسيا، وجعل للقسوة آثارا، وللإخبات آثارا، فمن آثار القسوة: تحريف الكلم عن مواضعه، وذلك من سوء الفهم وسوء القصد، وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب، ومنها نسيان ما ذكر به وهو ترك ما أمر به علما وعملا، ومن آثار الإخبات: وجل القلب لذكره -سبحانه- والصبر على أقداره والإخلاص في عبوديته والإحسان إلى خلقه» (شفاء العليل). ولعلك تذكرنا ببعض ما ورد في صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من لين القلب وهديه في هذا الأمر. - دعني أبحث لك في هاتفي: في أقل من دقيقة وجدت ضالتي، اسمع يا (أبا خالد): يقول -تعالى-: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران:159). عن عطاء بن يسار - رضي الله عنه - قال: «لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قلت: أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة، قال أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح بها أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» (البخاري). وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل يشكل قسوة قلبه، قال: «أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك» (حسن لغير) (صحيح الترغيب). إن العبد يحتاج أن يلين قلبه، ولاسيما مع انتشار الحياة المادية والمظاهر الدنيوية، التي أصبحت غاية كثير من الناس، يحتاج بين فترة وأخرى أن يتذكر الموت، والآخرة، والوقوف بين يدي الله، بل كلما ازداد العبد علما بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانا ولينا في قلبه، لأن العقيدة الصحيحة بالله هي مفتاح كل خير، من أعمال القلوب وأعمال الجوارح. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الحسد- غطى الحسد قلوبا.. فتركوا الحق وقد عرفوه بدأ ضيفنا حديثه في اجتماع الثلاثاء، بعد صلاة العشاء. - عن هشام عن الحسن البصري قال: «ليس من ولد آدم إلا وقد خلق معه الحسد؛ فمن لم يجاوز ذلك بقول ولا بفعل لم يتبعه شيء». استغرب كثير من الحضور هذه المقولة التي تجعل الحسد طبيعة بشرية! تابع حديثه: - نعم أعلم أن كثيرا منا يعد (الحسد) خطيئة، نعم هو كذلك إذا تلكم العبد أو فعل أما مجرد الشعور بألا تحب أن يرتفع عليك أحد، وألا ينال غيرك أكثر منك، فهذا ينسجم مع الفطرة، فعلى العبد أن يروض هذا الشعور، كما يروض شهواته الأخرى، ويجعله تحت سيطرته في بداياته، أما إذا تركه ينمو، ويكبر، فربما غلب الحسد الدين، وهذا هو المنهي عنه، والأمثلة على ذلك كثيرة أولها: حسد إبليس لآدم، وحسد قابيل لأخيه، وحسد إخوة يوسف له. استأذن منظم الاجتماع محدثنا: - يمكن لمن لديه سؤال أو تعقيب أن يسأل في أثناء الحديث، فهذا لقاء وحوار، وليس محاضرة واستماع، تابع محدثنا كلامه. - والحسد ركن من أركان الكفر، وأركانه: الكبر والحسد والغضب والشهوة، فهذا أمية بن أبي الصلت يقول: لا أؤمن برسول ليس من ثقيف، وأبو جهل يقول: والله ما كذب محمد قط! ولكن إذا كانت السدانة والحجابة في بني هاشم، ثم النبوة، فما بقي لنا؟ فالكبر يمنع الانقياد، والحسد يمنع قبول النصيحة، والغضب يمنع العدل، والشهوة تمنع العبادة. ومنشأ هذه الأربعة، جهل ذلك الحاسد بربه وجهله بنفسه. وكلكم يعرف حديث النبي - رضي الله عنه - الذي يرويه أبو هريرة -رضي الله عنه -: «إياكم والحسد! فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب أو قال العشب»، وهذا الحديث في سنن أبي داوود وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة. استغربت أن هذا الحديث ضعيف؛ لأني أذكر أني حفظته منذ المرحلة الثانوية، وما مر علي درس أو خطبة جمعة إلا وسمعته. تابع الشيخ: - والحديث الصحيح في ذلك، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - رضي الله عنه -: «لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا...». سأل أحدهم: - هل يمكن أن تذكر لنا مصدر هذه المقولة عن (أركان الكفر الأربعة)؟ ابتسم محدثنا: - كنت سأفعل وأحسنت بهذا السؤال. يقول ابن القيم في (الفوائد): واذا تأملت كفر الأمم رأيته ناشئا منها، وعليها يقع العذاب، وتكون خفته وشدته بحسب خفتها وشدتها؛ فمن فتحها على نفسه فتح عليه أبواب الشرور كلها عاجلا وآجلا، ومن أغلقها على نفسه أغلق عنه أبواب الشرور؛ فإنها تمنع الانقياد والإخلاص والتوبة والإنابة وقبول الحق ونصيحة المسلمين والتواضع لله ولخلقه. ومنشأ هذه الأربعة من جهله بربه وجهله بنفسه؛ فإنه لو عرف ربه بصفات الكمال ونعوت الجلال، وعرف نفسه بالنقائص والآفات، لم يتكبر ولم يغضب لها ولم يحسد أحدا على ما أتاه الله؛ فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله؛ فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه ويكره الله ذلك. فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته؛ ولذلك كان إبليس عدوه حقيقة؛ لأن ذنبه كان عن كبر وحسد. فقلع هاتين الصفتين بمعرفة الله وتوحيده والرضا به، وعنه والإنابة إليه، وقلع الغضب بمعرفة النفس، وأنها لا تستحق أن يغضب لها وينتقم لها، فإن ذلك إيثار لها بالغضب والرضا على خالقها وفاطرها، وأعظم ما تدفع به هذه الآفة أن يعودها أن تغضب له -سبحانه- وترضى له؛ فكلما دخلها شيء من الغضب والرضا له خرج منها مقابله من الغضب والرضا لها، وكذا بالعكس. وفي زاد المعاد يقول ابن القيم وفي سورة الفلق: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (1) مِن شَرِّ مَا خَلَقَ (2) وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (3) وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (4) وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}. المقصود أن العائن حاسد خاص، وهو أضر من الحاسد؛ ولهذا -والله أعلم- إنما جاء في السورة ذكر الحاسد دون العائن؛ لأنه أعم؛ فكل عائن حاسد ولا بد، وليس كل حاسد عائنا، فإذا استعاذ من شر الحسد دخل فيه العين، وهذا من شمول القرآن الكريم وإعجازه وبلاغته. فالحاسد عدو النعم وهذا الشر هو من نفس الحاسد وطبعها، ليس هو شيئا اكتسبه من غيرها بل هو من خبثها وشرها، بخلاف السحر فإنه إنما يكون باكتساب أمور أخرى واستعانة بالأرواح الشيطانية؛ فلهذا -والله أعلم- قرن في السورة بين شر الحاسد وشر الساحر؛ لأن الاستعاذة من شر هذين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن، فالحسد من شياطين الإنس والجن، والسحر من النوعين، وبقي قسم ينفرد به شياطين الجن وهو الوسوسة في القلب، فذكره في السورة الأخرى كما سيأتي الكلام عليها إن شاء الله -تعالى-؛ فالحاسد والساحر يؤذيان المحسود والمسحور بلا عمل منه، بل هو أذى من أمر خارج عنه، ففرق بينهما في الذكر في سورة الفلق. وكثيرا ما يجتمع في القرآن الحسد والسحر للمناسبة. ولهذا اليهود أسحر الناس وأحسدهم؛ فإنهم لشدة خبثهم فيهم من السحر والحسد ما ليس في غيرهم وقد وصفهم الله -تعالى- في كتابه بهذا وهذا فقال: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (البقرة:102). اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الغل - وما الفرق بين الغل والحسد؟ - تعرف أن الحسد هو (تمني زوال نعمة الآخر)، أما الغل فهو حقد وعداوة قلبية، تتولد غالبا من خلاف على أمر؛ فالحسد لا مسبب له، أما الغل فيكون بإساءة ولو متخيلة، وإذا اشتد الغلّ أصبح (حقدا)، وفي الحديث عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «صيام شهر الصبر وثلاثة من كل شهر يذهبن كثيرا من وحر الصدر» (صحيح الترغيب)، وفي رواية «من وغر الصدر»، (الوحر: الغل. والوغر: الغيظ). صاحبي حصل على الإقامة الدائمة في كندا، لبناني الأصل، مركز عمله في الكويت، ملتزم بشرع الله، حريص على تعلم الحلال والحرام فيما يعنيه من أمور معاشه. دعاني لتناول عشاء (خفيف) في أحد المطاعم اللبنانية. - ولماذا تصف هذه الأعمال بأنها ذنوب، وكثير من الكتب يصفها بأنها أمراض للقلوب؟ - أظن أن وصف ذنوب أدق؛ لأنها تؤدي إلى النار إن لم يتب العبد منها كما في ذنوب الجوارح؛ فهي ذنوب تسجل في صحيفة العبد يحاسب عليها يوم القيامة، يقول ابن القيم: «فإن ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاص قلبية، يستحق العقوبة عليها كما يستحقه على المعاصي البدنية؛ إذ هي منافية لعبودية القلب؛ فإن الكبر والعجب والرياء وسوء الظن محرمات على القلب، وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها فيستحق العقوبة على فعلها». - وهل كل غل ذنب؟ - (الغل)، كما (الحزن)، أمران موجودان في الدنيا لا يكاد يخلو قلب عبد منهما؛ ولذلك وصف الله -عز وجل- أنهما لا ينفيان إلا في الجنة، كما في قوله -عز وجل- عن أهل الجنة: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} (فاطر:٣٤)، وعن الغل قال -عز وجل-: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الأعراف:٤٣). وقال -سبحانه-: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (الحجر:٤٧)، وفي التفسير أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: «إني أرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ}»، وذلك بعد موقعة الجمل، فقد حصل بينهم ما حصل لدرجة الاقتتال وكلهم مبشر بالجنة! فلا تخلو الدنيا من (الغل) يزيد أو يقل. من الأمور التي تجذبني للمطاعم اللبنانية ما يقدمونه (ضيافة) قبل إحضار الأطباق المطلوبة، الزيتون اللبناني بنوعيه، وما يصحبه من مقبلات. طلب صاحبي عشاء خلا من اللحوم، كما اتفقنا. تابعت بياني: وفي الحديث: عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حجة الوداع: «نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها؛ فرب حامل فقه ليس بفقيه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مؤمن إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم؛ فإن دعاءهم يحيط من ورائهم» (صحيح لغيره). يقول ابن القيم -رحمه الله- : أي لا يبقى فيه غل، ولا يحمل الغل مع هذه الثلاثة، بل تنفي عنه غله وتنقيه منه، وتخرجه عنه؛ فإن القلب يغل على الشرك أعظم غل، وكذلك يغل على الغش، وعلى خروجه عن جماعة المسلمين بالبدعة والضلالة، فهذه الثلاثة تملؤه غلا ودغلا، ودواء هذا الدغل واستخراج أخلاطه بتجريد الإخلاص والنصح ومتابعة السنة . الرابع: أن يعزم على كف شره عن الناس، ويطهر قلبه من الغل لأي من المسلمين. وفي الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم - قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة، يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل، ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد» (البخاري). فضحك الله إلى هذين الرجلين؛ لأنه كان بينهما تمام العداوة في الدنيا، حتى إن أحدهما قتل الآخر، فقلب الله هذه العدواة التي في قلب كل واحد منهم، وأزال ما في نفوسهما من الغل؛ لأن أهل الجنة يطهرون من الغل والحقد؛ كما قال الله - تعالى- في وصفهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} (الحجر: (47). قال ابن الأنباري : ما مضى من التآخي قد كان يشوبه ضغائن وشحناء، وهذا التأخي بينهم الموجود عند نزع الغل هو تأخي المصافاة والإخلاص. قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (الحشر:10)، قال الشيخ عبدالرحمن بن سعدي -رحمه الله-: «هذا شامل لجميع المؤمنين، ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضهم لبعض، وأن يحبّ بعضُهم بعضاً؛ ولهذا ذكر الله في هذا الدعاء نفي الغل عن القلب الشامل لقليله وكثيره الذي إذا انتفى ثبت ضده وهو المحبة بين المؤمنين والموالاة والنصحُ ونحو ذلك مما هو من حقوق المؤمنين؛ وذلك أن الإنسان -وإن اقتص له ممن اعتدي عليه- فلا بد أن يبقي في قلبه شيء من الغل والحقد علي الذي اعتدي عليه، ولكن أهل الجنة لا يدخلون الجنة حتى يقتص لهم اقتصاصا كاملا، فيدخلونها علي أحسن وجه؛ فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة». اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الحرص على الدنيا – فقيرٌ كلُّ ذي حرصٍ مع دخول الشهر السابع من التقويم الميلادي يشتد الحر، ويطول النهار ويقصر الليل، ويفضل كثير من الناس السفر، ومن لا يستطيع يجعل نشاطاته الاجتماعية ليلية، ويصلي الفجر ثم ينام إلى الصباح، ويقيل ساعتين قبل العصر أو بعده. - الحمدلله، وبصراحة أنا من محبي أشهر الصيف، أشعر أنها صحية، ويمكن للمرء أ ن ينجز الكثير في فترة العصر الطويلة. استغرب (أبو سالم) وجهة نظر صاحبي! - أظنك تقول ذلك لأنك لا تحب السفر ابتداء. سبقت صاحبي في التعليق. - كثير من الناس يحرص حرصا شديدا على السفر، وإن اضطر إلى الاستدانة، وإن أرهق ميزانيته، وهذا النوع من الحرص ليس من التدبير الصحيح، وليس من الدين، فالحرص على الدنيا من أشد ما يضر العبد في دينه. كنا ثلاثة، نعود بعد صلاة العصر أخا لنا في المستشفى الصدري، أجرى فحوصات القلب وتبين ضرورة إجراء عملية قلب مفتوح بعد ثلاثة أيام. - ماذا لديك في موضوع الحرص؟ - الحرص نوعان أساسيان، حرص على المال، وحرص على الشرف، ولكل منهما قسمان، أما الحرص على الشرف فهو الحرص على الرئاسة والإمارة والوزارة وغيرها، والقسم الآخر هو الحرص على العلم والدين لأجل العلو والرفعة، وهذا هو الأسوأ، والحرص على المال قسمان، طلبه بشدة والاشتغال به من الوجوه المباحة؛ بحيث يشغله عن الآخرة، والثاني طلبه من الأبواب المحرمة ومنع حقوق من لهم حق فيه. قاطعني: - اسمح لي أن أعترض على القسم الثالث وهو طلب المال من الحلال وصرفه في حلال، هذا لا شيء فيه. - لعلك لم تنتبه إلى مقولتي، «بحيث يشغله عن الآخرة»، ودعني أورد لكما بعض الأحاديث في ذلك. الطريق إلى المشفى يستغرق قرابة الثلاثين دقيقة، استخرجت هاتفي وأخذت أقرأ. - عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لهما من حرص المرء على المال والشرف لدينه» (صحيح الرغيب - الترمذي). وعن زين بن ثابت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من كانت الدنيا همه، فرّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة» (السلسلة الصحيحة). وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله -تعالى- لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (صحيح أبي داود وابن ماجه). - ما المقصود بـ(عرف الجنة)؟ - ريحها. وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من جعل الهموم هما واحدا على المعاد، كفاه الله سائر همومه، ومن تشعبت به الهموم من أحوال الدنيا، لم يبال الله في أي أوديتها هلك» صحيح الجامع. فالقصد أن العبد مجبول على حب الدنيا وجمع المال، والتوسع في المباحات، وكما قال الله -تعالى-: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} (آل عمران:14). والآية التي بعدها مباشر: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} (15). فلا ينبغي أن تكون الدنيا هما، يشغل العبد ليل نهار، بل يعطي الدنيا ما تستحق والآخرة ما تستحق ويضع كل منهما في مكانه. وماذا عن الحديث في التحذير من طلب الإمارة؟ - نعم ، جزاك الله خيرا ذكرتي. في البخاري عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة؛ فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة !» . فهذه الغرائز جعلها الله في خلقه لتستقيم دنياهم كبقية الشهوات الأخرى، فعلى العبد أن يتعامل معها تعاملا إيجابيا، ويستفيد منها، وإلا أصبحت سببا لهلاكه، شهوة الأكل وشهوة النساء وشهوة المال، وشهوة الرئاسة، وشهوة العلو، والارتفاع، والبروز، وشهوة القوة والسيطرة، وغيرها من شهوات النفس. قال ابن القيم في (الفوائد): إذا أصبح العبد وأمسى وليس همه إلا الله وحده، تحمل الله عنه -سبحانه- حوائجه كلها، وحمل عنه كل ما أهمه، وفرغ قلبه لمحبته، ولسانه لذكره، وجوارحه لطاعته، وإن أصبح وأمسى والدنيا همه، حمله الله همومها وغمومها وأنكادها، ووكله إلى نفسه؛ فشغل قلبه عن محبته بمحبة الخلق، ولسانه عن ذكره بذكرهم، وجوارحه عن طاعته بخدمتهم وأشغالهم، فهو يكدح كدح الوحوش في خدمة غيره. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الطيرة - سمعت حديثا في المذياع، وأظنني لم أسمعه كاملاً، أو ربما كان هناك خلل في الإرسال. هكذا بدأ صاحبي حديثة بعد أن انتهينا من العشاء، وكنا في طريق العودة إلى منازلنا.. - وما الحديث؟ - كان عن الطيرة، أو التشاؤم؛ لأن المحاورة كانت حول هذا الموضوع، فذكر الضيف: «أن الطيرة شرك». أنقله بالمعنى. ثم قال: « وما منا إلا... ولكن الله يذهبه بالتوكل». - نعم الحديث صحيح أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأصحاب السنن والإمام أحمد، ونصه عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، وما منا إلا.. ولكن الله يذهبه بالتوكل». و(الطيرة) أصلها من الطير، وذلك أنهم في الجاهلية كانوا إذا أرادوا أمراً أطلقوا الطير، فإن اتجهت يميناً استبشروا وأقدموا، وإن انطلقت شمالا تشاءموا وأحجموا ! ثم توسعوا في الأمر، بأنهم إذا عزموا على أمر، فسمعوا كلمة (..ثم.. أفلح.. خير...) أقدموا على الأمر وإذا سمعوا (خاب.. انقطع.. عجز...) تشاءموا وأحجموا ! والتشاؤم ليس في دين الله، ووصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه (شرك)؛ لأنه من أعمال الجاهلية المتعارف عليها، وهو سوء ظن بالله -عز وجل-، أما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «وما منا إلا..» أي كل أحد يعتريه شيء من التشاؤم أو (فكر سلبي)، وهذا يذهبه الله بالتوكل عليه، أما من تصرف وفق ما يعتريه من تشاؤم، فقد وقع في باب من أبواب الشرك. - وما الآيات التي ذكر الله فيها الطيرة؟ - وصف الله موقف الأمم الكافرة من رسلها بقوله -سبحانه-: {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} (يس:18-19). ويقول -عز وجل عن قوم فرعون-: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (الأعراف:131). وعن قوم صالح يقول الله -تعالى-: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} (النمل:47). وعن معاوية بن الحكم العلمي - رضي الله عنه - قال: بينما أنا أصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ عطس رجل؛ فقلت: يرحمك الله، فعلمه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا ينبغي الكلام في الصلاة، فقال: إني حديث عهد بجاهلية، وقد جاء الله بالإسلام وإن منا رجالاً يأتون الكهان، قال - صلى الله عليه وسلم - فلا تأتهم، قال: ومنا رجال يتطيرون، قال: ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يعيدنهم» (صحيح مسلم). دعني، أخبرك بما فهمت: لا ينبغي التوقف عن عمل شيء لأجل التشاؤم؛ بسبب رؤية طائر أو حيوان أو سماع كلمة، بل يجب التوكل على الله، وعدم الالتفات إلى هذه الأمور، وربما ينتاب المرء شعور سيئ، فلا ينبغي النظر إليه؛ لأن الله يذهبه بالتوكل عليه -سبحانه. - نعم هذا هو الأمر باختصار. - وماذا عن الحديث الذي يذكر أن التشاؤم في المرأة والمركبة؟ نص الحديث: عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا عدوى، ولا طيرة والشؤم في ثلاث: في المرأة والدار، والدابة» (متفق عليه)، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن كان الشؤم في شيء ففي المرأة والدابة والسكن» (صحيح الجامع). ومعنى هذا الحديث: إن فرض وجود الشؤم، فيكون في هذه الثلاثة، والمقصود منه نفي صحة الشؤم ووجوده على وجه المبالغة فهو من قبيل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين»، فلا ينافيه حينئذ عموم نفي الطيرة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عدوى ولا طيرة»، قال الخطابي هو استثناء من غير الجنس، ومعناه إبطال مذهب الجاهلية في التطير؛ فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس يكره سيره فليفارقه، ومنها أنه ليس المراد بالشؤم في قوله: «الشؤم في ثلاثة»، معناه الحقيقي بل المراد من شؤم الدار ضيقها وسوء جوارها، ومن شؤم المرأة ألا تلد وأن تحمل لسانها عليك، ومن شؤم الفرس ألا يغزى عليه، وقيل حرانها (عدم انقيادها لصاحبها) وغلاء ثمنها. وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه إذا خرج لحاجة أن يسمع: «يا راشد» «يا نجيح» صحيح الترمذي. وجاء في «الموسوعة الفقهية الكويتية»: إن اعتقد المكلف أن الذي شاهده من حال الطير موجب لما ظنه، مؤثر فيه، فقد كفر؛ لما في ذلك من التشريك في تدبير الأمور. أما إذا علم أن الله -سبحانه وتعالى- هو المتصرف والمدبر وحده، ولكنه في نفسه يجد شيئا من الخوف من الشر؛ لأن التجارب عنده قضت أن صوتا من أصوات الطير، أو حالا من حالاته يرادفه مكروه، فإن وطن نفسه على ذلك فقد أساء، وإن استعاذ بالله من الشر، وسأله الخير، ومضى متوكلا على الله، فلا يضره ما وجد في نفسه من ذلك، وإلا فيؤاخذ؛ لحديث معاوية بن حكيم. وقال عكرمة: كنت عند ابن عباس - رضي الله عنه - فمر طائر يصيح؛ فقال رجل من القوم خيرا خيرا. فقال ابن عباس ما عند هذا لا خير ولا شر. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا طيرة وخيرها الفأل». قالوا: وما الفأل؟ قال: «الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم» متفق عليه. عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك، قالوا يا رسول الله، ما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول أحدهم اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك». تعليق شعيب الأرنؤوط : حسن اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الغفلة أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ركيزة أساسية في الحياة اليومية للغالبية الكبرى، بل أصبح جيل الألفية الثانية، لا يمكن أن يعيشوا دون هاتف ذكي، ومشاركة في وسائل التواصل، يعرفون كل شيء عن هذه البرامج، وكلما ظهر برنامج جديد أتقنوه، وأدمنوه. - لا أدري إلى ماذا سيؤدي هذا التسارع الكبير في هذه البرامج. - والله، لا أرى إلا زيادة فساد، وانتشار للأفكار غير المنضبطة، ودون حدود، تُلقى الفكرة في أقصى الشرق فتصل إلى أقصى الغرب بلمح البصر، يطلع عليها أحفادنا، ولا ندري مدى تأثرهم. نسأل الله الحفظ والرحمة لأجيالنا القادمة. - ما أستغربه هو سرعة إتقانهم لكل جديد، مع أن جيلنا بالكاد اعتاد على الرسائل، وبعض طرائق التواصل مثل (الواتس أب). - ألم تقرأ قول الله -تعالى-: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (الروم:7). يقول الحسن البصري: «والله ليبلغ أحدهم من دنياه أن يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي». - والله لقد صدق، هذا حال أغلب جيل أحفادنا، يعرفون أدق تفاصيل هذه البرامج، ولا يحسنون قراءة القرآن من المصحف! - إن الغفلة عن الآخرة هي السبب الأول في الانغماس في تفاصيل الدنيا وإتقانها. - كنت وصاحبي في حفل تخرج أحفادنا، في إحدى المدارس الخاصة، وكان أحد التلاميذ يستعرض مهاراته في الهاتف الذكي ضمن برنامج حفل التخرج. قررنا الذهاب خارج المسرح لنأخذ قهوتنا بعيدا عن الضوضاء. - الغفلة عن الآخرة، ظاهرة عامة في أيامنا هذه، كل الناس مشغول، الأطفال في مدارسهم، والآباء في أعمالهم، وجميعهم في المناسبات الاجتماعية، وأصبح التوجه إلى الله، شكليا وفي المواسم، مثل رمضان، والعشر الأواخر منه، فقط، وربما موسم الحج. - لا يمكن أن نعمم، ولكن هذا ملاحظ، والغفلة عن الآخرة سببها الأساس (جهل المرء بالله -عز وجل)، وذلك أن من عرف ربه بأسمائه وصفاته، لا يمكن أن يغفل لقاءه يوم القيامة. - وأظن أن صحبة الدنيا سبب مهم في الغفلة. - نعم، من كان يصاحب أهل الدنيا، فهو منهم، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل» (حسنه الألباني). ولا شك أن المجلس الذى يخلو من ذكر الله، وينشغل بالمباريات واللهو واللعب والأكل والمزاح وأحاديث الدنيا يشغل الشاب عن الآخرة، وكثير منهم يقضى الساعات الطويلة في مثل هذه المجالس، وربما لا يسمعون الأذان فلا يذهبون للمسجد، وأفضلهم من يؤدي الصلاة في المجلس ويرجع إلى لهوه. ولو أن أحدهم التزم أن يؤدي الصلوات في المسجد في أوقاتها لحفظه الله من الغفلة، كما في الحديث، عن أبى هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من حافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات لم يكتب من الغافلين» (رواه ابن خزيمة وصححه الألباني). والغفلة من صفات الكافرين، كما وصفهم الله -عز وجل- {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} (الأنبياء:1-2). ويقول -سبحانه-: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} (الأعراف:146). والغفلة سبيل لترك الواجبات، ونتيجة لها. استغرب صاحبي مقولتي! - ماذا تعني بأنها سبيل لترك الواجبات، ونتيجة لها ؟ - من غفل عن أداء الواجبات وتهاون في الفرائض، عاقبه الله بالغفلة في قلبه، كما في الحديث عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -[-: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين) مسلم. وربما تكون الغفلة ثمرة لحب الدنيا، والحرص عليها وطول الأمل فيها؛ فالإنسان يكبر، ولكن يزداد تعلقا بالدنيا إن لم يهذب نفسه ويلجمها ويذكرها الآخرة، كما في الحديث، عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر»، (مسلم)، وفي رواية، «الشيخ يكبر ويضعف جسمه وقلبه شاب على حب اثنتين: طول الحياة وحب المال» (حسن - السلسلة الصحيحة). فالعبد إن لم يرب نفسه على الالتزام بتعاليم الدين، وينشأ على ذلك، ويتمسك به، لن يجد السبيل إلى ذلك سهلاً إذا تقدم به العمر. سمعنا تصفيقاً، إيذانا ببدء توزيع الشهادات. - لذلك دلنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على أعمال نواظب عليها لنحفظ أنفسنا عن الغفلة، أولها -كما ذكرت-: المحافظة على الصلوات الخمس المكتوبات في وقتها جماعة.. والثانية كما في الحديث عن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» (رواه أبو داود وصححه الألباني). هذه والله سهلة، يعني لو قام أحدنا كل ليلة، بالفاتحة ثم سورة الإخلاص (أربع آيات) والفلق (خمس آيات) والناس (ست آيات) أي خمس عشرة آية، لم يكتب من الغافلين؟ - هذا من فضل الله وتيسيره، والحمدلله. ولا شك أن من وطن نفسه أن يقرأ كل يوم شيئاً من كتاب الله، والتزم الدعاء فإن الله -عز وجل- يوفقه لأن يحفظه من الغفلة، ومن أسباب إزالة الغفلة زيارة القبور بين فترة وأخرى كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة» ( مسلم). قال ابن القيم: فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم، ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور، ولا إلى أين يرحلون؟ وأين يستقرون؟ قل نصيبهم من العقل، وشملتهم الغفلة، وغرتهم الأماني، وخدعهم طول الأمل، وكأن المقيم لا يرحل. وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل، وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان، بالأمان من عذابه، والفوز بجزيل ثوابه، فأما اللذات الحسية، والشهوات النفسية، كيفما حصلت فإنهم حصلوها، ومن أي وجه لاحت أخذوها، غافلين عن المطالبة، آمنين من العاقبة، يسعون لما يدركون، ويتركون ما هم به مطالبون، ويعمرون ما هم عنه منتقلون، ويُخربون ما هم إليه صائرون، وهم عن الآخرة هم غافلون، ألهتهم شهوات نفوسهم، فلا ينظرون في مصالحها، ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها: {نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أَوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ}. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – حب الدنيا – وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور - لماذا ذكر الله اللعب قبل اللهو في آيات، وذكر اللهو قبل اللعب في آيات أخرى؟ - ابتداء ينبغي أن نؤمن بأن القرآن كلام الله، وأنه أكمل كلام باللغة العربية؛ لأن الله تكلم به، كل حرف فيه أتى في مكانه، بل كل نقطة وكل حركة وسكون، هو الكمال في اللغة العربية، وبالرجوع لسؤالك فقد جاءت كلمة (اللهو) قبل (اللعب) في آية واحدة من كتاب الله وهي: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} (العنكبوت:64)، وجاءت كلمة (اللعب) قبل (اللهو) في ثلاث آيات من القرآن هي: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} (الأنعام:32). {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ} (محمد:36). {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد:20). كان السائل أحد المصلين، مدرس إسلاميات للمرحلة الثانوية، والمجيب شيخنا إمام المسجد، خريج الأزهر، حافظ للقراءات الكبرى والصغرى ومؤهل لإجازة الحفاظ ومنحهم السند وفق قراءاتهم. كنا في مجلس المسجد، بين العشاءين. - وما الفرق بين اللهو واللعب؟ - (اللعب) شيء للترويج، و(اللهو) وليد الرغبة والشهوة، فاللعب قد يكون مباحا، ولا يكون من ا لضرورات لا في الحال ولا في المآل، فإذا شغله (اللعب) عن الواجبات، صار (لهوا)، وقدم اللعب على اللهو في ثلاث آيات؛ لأنه يكون في مقتبل العمر وللصبيان؛ فهو يحصل قبل اللهو، وأخر (اللهو)؛ لأنه يأتي بعد مرحلة الصبا، في الشباب وما بعده. - سبحان الله! بيان جميل، لكتاب الله. تابع شيخنا حديثه: - والأهم من ذلك أن الله حذر من أن تدخل الدنيا قلب المؤمن سواء باللعب أم باللهو، بل وحذر من الدنيا على إطلاقها وبين أنها (لا شيء)، مقابل الآخرة، ولو رجعنا إلى اللغة لنعرف معنى (الدنيا): (دنا) فعل ماض بمعنى قرب، وللمؤنث (دنت). و(دنؤ) فهو (دنيئ) بمعنى (حقير)، ويقال للرجل إذا طلب شيئا خسيسا (دنيئ). الدنيا قريبة الأجل، أي قصيرة وتنتهي بسرعة، أو أنها (دنيئة)، ووصفها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها متاع، والمتاع شيء مؤقت، ففي صحيح مسلم: عن عبدالله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة». والذم ليس للدنيا على الإطلاق، وإنما لمن استحب الحياة الدنيا، ولمن اغتر بالحياة الدنيا، يقول -تعالى-: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (107) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (النحل). وهذا الحب للدنيا يجر العبد إلى الرضا بها والاطمئنان إليها، كما قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} (يونس:7). هؤلاء غرتهم الحياة الدنيا، بمعنى خدعوا بها؛ فأصبحت غاية لهم، وأعلى مطالبهم، وباعوا آخرتهم لأجل الدنيا، كما قال -تعالى-: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} (البقرة:86). وفي كتاب الله، جاء ذكر (الدنيا) أكثر من مئة مرة، وليس في هذه المئة مدح لها ولا مرة واحدة، وإنما تحذير منها، وإظهار حقيقتها، ويمدح العبد الصالح إذا كانت دنياه مطية لآخرته كما في حق الأنبياء، مثل قوله -تعالى-: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (إبراهيم). والنبي -صلى الله عليه وسلم - وضع الدنيا في مكانها الصحيح، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» صحيح الألباني. قاطع الحديث (أبو سليمان). ولكن الله حبب إلينا أمورا من الدنيا لتستقيم الحياة، كما في الحديث: «حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» صحيح النسائي. - نعم أحسنت يا أبا سليمان، القصد ألا يغتر العبد بها، وتلهيه عن آخرته، هذا هو المحذور، كما في الحديث: «من كانت نيته الآخرة، جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت نيته الدنيا، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له» صحيح الجامع. ينبغي على العبد أن يضع الدنيا في مكانها الذي يليق بها، ولا يفرح بإقبالها ولا يحزن لإدبارها، ولنتدبر قول الله -تعالى-: {اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ} والاستحباب أشد من الحب، طلبوا حبها وسعوا إليه وبذلوا الجهد لأجله، وفي الآية الأخرى وصفهم الله -تعالى-: {اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ} دفعوا مصيرهم الأبدي ثمنا لحياتهم الزائلة! {فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ}، ولخص النبي -صلى الله عليه وسلم - حال الدنيا بكلمات قليلة؛ فقد أوتي جوامع الكلم، عن أبي هريرة وابن مسعود -رضي الله عنهما- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الدنيا معلونة معلون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالما أو متعلما» صحيح الجامع. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – حب المعصية من الآيات التي تقلقني أحيانا، قوله -تعالى-: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} (الحجرات:7). - ليتك أتبعتها بالآية بعدها: {فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (الحجرات:8)، أحسنت ولكن الجزء الذي أردت التركيز عليه هو قوله -تعالى-: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}، وذلك أن نفسي «تشتهي» أحياناً ارتكاب المعصية، حتى أكون صريحاً معك، من باب التجربة، وقد تكون من الكبائر أحيانا. - وهل تقدم على ارتكابها؟ - أحاول أحياناً، ولكن الله يعصمني، ولا أقع فيها، وأحياناً أؤنب نفسي، وأحتقرها إذا ارتكبتها، وأستغفر وأتوب، ولكن أشعر أن المؤمن لا ينبغي أن يفكر في ارتكاب المعصية. دعني أبين لك أولا، حديث النفس، لا شيء فيه، إن لم يترجم إلى عمل، والشيطان لا يدع أحداً إلا ويحاول أن يغويه، والله -عز وجل- يحفظ عباده المخلصين، فمن كان صادقاً مع الله، يأتيه حديث النفس ووسوسة الشيطان، ولكنه يذكر نفسه وينتهي، وفي ذلك آيات كثيرة، منها: قوله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} (الأعراف:201). وقوله -سبحانه-: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (ص)، وكذلك: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيَّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر). وفي الحديث: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يروي عن ربه -عز وجل- قال: قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك: فمن هم بحسنة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها وعملها، كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة» متفق عليه. وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» تعليق شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره. وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن عبدا أصاب ذنبا، وربما قال أذنب ذنبا فقال: رب أذنبت وربما قال: أصبت فاغفر لي؛ فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنبا، أو أذنب ذنبا فقال: رب أذنبت، أو أصبت آخر فاغفره فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبا وربما قال: أصاب ذنبا، قال: قال رب أصبت أو أذنبت آخر فاغفره لي؛ فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثلاثا فليعمل ما شاء» أخرجه البخاري. كان صاحبي -كعادته - يحدثني بما يدور في خاطره ويفكر بصوت عال، ولا يفعل ذلك إلا معي - كما يقول. - فالعبد المؤمن وإن وقع فى (الفاحشة)، لا يجاهر بها، ولا يحبها، ولا يدعو إليها، والجميع يقع في الذنب، والصالحون يستغفرون ويتوبون، وغيرهم يتمادى في الغي، ويتفاخر به ويدعو إليه، ويحب أن يرى الجميع ما يقع فيه؛ ولذلك يقول -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور:19)، القلب المؤمن لا يحب الفاحشة، وإن وقع فيها، ولا يجب أن ينتشر، وإن ارتكبها، وذلك أن قلب المؤمن يبقى على الفطرة السليمة، كما أخبر الله -عز وجل-، يكره الكفر والفسوق العصيان، أما القلب الذي يحب هذه الأمور فقد زاغ عن درب الراشدين، وسلك طريق الخائبين. ودعنى أقرأ لك من تفسير ابن عاشور في هذه الآية - أعني آيه سورة النور: لما حذر الله المؤمنين من العود إلى مثل ما خاضوا به من الإفك على جميع أزمنة المستقبل، أعقب تحذيرهم بالوعيد على ما عسى أن يصدر منهم في المستقبل بالوعيد على محبة شيوع الفاحشة في المؤمنين، فيعم المؤمنين والمنافقين والمشركين، فهو تحذير للمؤمنين وإخبار عن المنافقين والمشركين. وجعل الوعيد على المحبة لشيوع الفاحشة في المؤمنين تنبيها على أن محبة ذلك تستحق العقوبة؛ لأن محبة ذلك دالة على خبث النية نحو المؤمنين، ومن شأن تلك الطوية ألا يلبث صاحبها إلا يسيراً حتى يصدر عنه ما هو محب له، أو يسر بصدور ذلك من غيره، وتلك المحبة شيء غير الهم بالسيئة وغير حديث النفس؛ لأنهما خاطران يمكن أن ينكف عنهما صاحبهما، وأما المحبة المستمرة فهي رغبة في حصول المحبوب، ومعنى أن تشيع الفاحشة أن يشيع خبرها؛ لأن الشيوع من صفات الأخبار والأحاديث كالفشو وهو: اشتهار التحدث بها، فتعين تقدير مضاف، أي أن يشيع خبرها؛ إذ الفاحشة هي الفعلة البالغة حدا عظيماً في الشناعة. وشاع إطلاق الفاحشة على الزنا ونحوه، وتقدم في قوله -تعالى-: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ}. في سورة النساء. وتقدم ذكر الفاحشة بمعنى الأمر المنكر في وتقدم الفحشاء قوله: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا}. في سورة الأعراف في قوله -تعالى-: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء}. في سورة البقرة ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن ألا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، وصلنا إلى محل الخياطة الذي أراده صاحبي، ليأخذ (الدشاديش) التي خاطها لموسم الشتاء. - العبد المؤمن إن حدثته نفسه بمعصية، تذكر عظمة الله وشدة عقابه، فإذا وقع بها، تاب إلى الله واستغفر، وأكثر من الاستغفار والحسنات، ولا يستمر فى المعاصي، ولا يتوقف عن التوبة والاستغفار والرجوع إلى الله، ويبذل الأسباب بالابتعاد عن مواطن الفتن وأماكن الفاحشة وصحبة السوء، ويستعين بالله دائما صادقاً، وسوف يصل إلى بر الأمان بإذن الله -تعالى. اعداد: د. أمير الحداد |
رد: ذنوب القلوب
ذنوب القلوب – الحـزن لم يأت الحزن في القرآن إلا منهيا عنه - من مداخل الشيطان إلى قلب المؤمن، أن يوسوس له بالحزن، كما قال -تعالى عن النجوى-: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (المجادلة:10). وقطعا لهذا السبب نهى النبي -صلى الله عليه وسلم - أن يتناجى اثنان دون الثالث، وقال: «فإن ذلك يحزنه» مسلم. وهذا مجرد شعور مؤقت يدخل قلب المؤمن، فما بالك بذلك الحزن الذي يملأ قلب الإنسان فيجعله طريح الفراش عاجزا عن الحركة، تائه الذهن، مشوش التفكير، مسلوب الإرادة. - كثير من الناس يقع في هذه الحال؛ نتيجة عظم المصيبة والعجز عن التعامل معها، فيظنون أن ما يحصل لهم رغما عنهم، لا قدرة لهم على دفعه. - إنما ذلك من ضعف الإيمان وقلة العلم، وإلا فلا مصيبة أعظم من الموت، وبيّن لنا الله -تعالى- تفاصيل التعامل مع الحدث الجلل. كنت وصاحبي اللبناني، نتحاور، بانتظار وصول طلبنا من المأكولات اللبنانية، في مطعم صغير، وقد حرص صاحبه أن ينقل زبائنه إلى أجواء لبنان، بتفاصيل الديكورات، والخدمة، وقائمة الطعام! - ابتداء، ذكَّر الله -تعالى- عباده أن ما يصيبهم إنما هو بقدر الله -تعالى-: {قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التوبة:51)، تدبر هذه الآية، كله بأمر الله، وهو مولانا، بمعنى يتولى أمرنا، وهو اللطيف الخبير الرحيم العليم، وغير ذلك من صفات الكمال والرأفة والرحمة لله، فينبغي على العبد أن يذكر نفسه بذلك، ويسلم أمره لله، توكلا، {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}، فتطمئن النفس، أن ما أصابها لم يكن ليخطئها: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، وزيادة في تثبيت النفس، حتى لا يكون العمل مجرد أفكار وعقائد، أرشدنا الله -تعالى- فقال: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة)؛ فالعبد ينطق بلسان هذه العبارة الربانية: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}، ليثبت إيمانه حال المصيبة فلا يحزن الحزن المنهي عنه. استوقفني صاحبي: - وهل هناك حزن غير منهي عنه؟! - ورد في الحديث عندما توفي إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له بعض أصحابه: يا رسول الله تبكي وأنت رسول الله؟ فقال: «إنما أنا بشر، تدمع العين ويخشع القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، والله يا إبراهيم، إنا بك لمحزنون» صحيح ابن ماجه. فهذا الحزن، الذي لا يؤدي إلى قول أو فعل لا يرضاه الرب -عز وجل- الذي هو من الجبلة الإنسانية، لا بأس به، وهو لا يضعف الإنسان ولا يعجزه ولا يقعده عن عمل ما يجب عليه. أحضر النادل، المقبلات والمزات اللبنانية الباردة، وهي أشهى إلىَّ من الوجبة الرئيسية! - ذكرت في البداية أن الحزن لم يذكر في القرآن إلا منهيا عنه، هل تذكر لنا بعض هذه الآيات؟ رنّ هاتف صاحبي، استأذنني أن يرد؛ لأن المتصل (أبو عبدالله) شريكنا الثالث في هذه المأدبة، لم يستدل إلى مكان المطعم، ذهب صاحبي ليرشد (أبو عبدالله) إلى المكان، وكان قريبا جدا منه، بعد التحية، تابعنا حديثنا. - نعم، من الآيات التي ذكرها الله عن الحزن، قوله -تعالى-: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران:١٣٩)، وقوله -تعالى-: {لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (الحجر:88)، وقوله -عز وجل-: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} (النحل:127)، وكذلك قوله -تعالى-: {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40). قاطعني أبو عبدالله: - وماذا عن حزن يعقوب على يوسف -عليهما السلام- كما قال -تعالى-: {وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ} (يوسف:84). - كنت سأذكر شرح العلماء لموقف يعقوب في حزنه على يوسف -عليهما السلام- في تفسير (التحرير والتنوير) لابن عاشور، وأن إظهار الحزن كان مشروعا في الأمم السابقة، «وقد حكت التوراة بكاء بني إسرائيل على موسى أربعين يوما، وحكت تمزيق بعض الأنبياء ثيابهم من الجزع، وإنما التصبر على المصيبة كمال بلغت إليه الشريعة الإسلامية» انتهى. وفي موضع آخر قوله: {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يفيد قصر شكواه على التعلق باسم الله، فصارت الشكوى بهذا القصد ضراعة وهي عبادة؛ لأن الدعاء عبادة، وصار ابيضاض عينيه أثرا جسديا ناشئا عن عبادة مشروعة، مثل تفطر قدمي النبي - صلى الله عليه وسلم - من قيام الليل. - أحسنت. هكذا كانت ردة فعل أبي عبدالله. - وهنا نذكر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستعاذة من الحزن. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والجبن والبخل وضلع الدين وغلبة الرجال» (متفق عليه). - ودعني أقرأ لك بعض ما ورد في الموضوع ذاته. عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الرؤيا ثلاث، منها: أهاويل من الشيطان ليحزن بها ابن آدم، ومنها: ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه، ومنها: جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة»، قال: قلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال نعم أنا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم » (ابن ماجه). قال ابن القيم في (زاد المعاد): «وسن لأمته الحمد والاسترجاع، والرضا عن الله، ولم يكن ذلك منافيا لدمع العين، وحزن القلب؛ ولذلك كان أرضى الخلق في قضائه وأعظم له حمدا، وبكى مع ذلك يوم مات ابنه إبراهيم، رأفة منه ورحمة للولد، ورقة عليه، والقلب ممتلئ بالرضا عن الله -عز وجل- وشكره، واللسان مشتغل بذكره وحمده». المعتبر في تحريم الحزن إنما هو التسخط القلبي على أقدار الله -سبحانه-، سواء طالت مدته أم قصرت؛ فإن تجرد الحزن من التسخط، فلا يؤاخذ به صاحبه؛ إذ لا قدرة له على رفعه، ولا نعلم أصلا للتفرقة بين الحزن الطويل والقصير. فلا ريب في أن هناك فرقا بين الفائت من أمر الدنيا، والفائت من أمر الآخرة، فالحزن على الأول مضر مذموم غالبًا، وعلى الثاني نافع محمود مطلقًا، قال ابن الجوزي في كتابه (الطب الروحاني): العاقل لا يخلو من الحزن؛ لأنه يتفكر في سالف ذنوبه، فيحزن على تفريطه... فأما إذا كان الحزن لأجل الدنيا وما فات منها، فذلك الحزن... فليدفعه العاقل عن نفسه، وأقوى علاجه أن يعلم أنه لا يرد فائتًا، وإنما يضم إلى المصيبة مصيبة فتصير اثنتين، والمصيبة ينبغي أن تخفف عن القلب وتُدفَع ، فإذا استعمل الحزن والجزع، زادت ثقلا، قال -تعالى-: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}ٍ (الحديد (22-23). المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر، والتسليم لأمر الله، ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطغي الملهي عن الشكر، فأما الحزن الذي لا يكاد الإنسان يخلو منه، مع الاستسلام، والسرور بنعمة الله والاعتداد بها مع الشكر: فلا بأس بهما. اعداد: د. أمير الحداد |
| الساعة الآن : 08:43 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour