الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (1) خذوا عني هؤلاء الكلمات (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: أهمية الوصايا النبوية: - كان للرسول -صلى الله عليه وسلم- عناية بالغة بالوصية؛ لما لها مِن الأثر العظيم في التنبيه والتذكير. - وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يسألون الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يوصيهم، فيبادر إلى الوصية لكلٍ بما يناسب حاله: (بالصلاة على وقتها - بر الوالدين - الصيام - صلة الرحم - كثرة السجود - وغير ذلك). وصية اليوم: - هي وصية متعددة الجوانب: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟) فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَعَدَّ خَمْسًا وَقَالَ: (اتَّقِ المَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). - الإشارة إلى أسلوبه -صلى الله عليه وسلم- في إثارة السامعين إلى الاستجابة بأسلوب السؤال: (مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟). الكلمة الأولى: النهي عن انتهاك المحارم (اتَّقِ المحارمَ تَكن أعبدَ النَّاسِ): - الوقوع فيما حرَّم اللهُ علامة على عدم تعظيم الجليل المتعال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللهِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللهُ) (متفق عليه). - محارم الله معلومة، وما اشتبه عليك فسؤال العلماء هنا واجب، والا اجتنبته: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الحَلَالُ بَيِّنٌ، والحَرَامُ بَيِّنٌ، وبيْنَهُما مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ، ومَن وقَعَ في الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أنْ يُوَاقِعَهُ، ألَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألَا إنَّ حِمَى اللَّهِ في أرْضِهِ مَحَارِمُهُ) (رواه البخاري). - عدم الوقوع فيما حرَّم الله مقتضاه المحافظة على الواجبات والفرائض، ثم مع القليل من التطوع تصير من أكابر العباد: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تَكن أعبدَ النَّاسِ)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الله قال: (وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشَيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ، كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الَّذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) (رواه البخاري). الكلمة الثانية: الرضا بقضاء الله وقسمته (وارضَ بما قسمَ اللَّهُ لَك تَكن أغنى النَّاسِ): - الله قدَّر الأرزاق (المال - الصحة - الولد - الوظيفة - ... ) على درجاتٍ تتفاوت بين الناس لحِكَمٍ يعلمها ويريدها: قال -تعالى-: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (العنكبوت: 62). - الرضا بما قسم الله يورث الغِنَى في قلبك، والقناعة في نفسك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وارضَ بما قسمَ اللَّهُ لَك تَكن أغنى النَّاسِ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (قَدْ أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بما آتَاهُ) (رواه مسلم). - هناك مَن حُرِم من نِعَمٍ أنت فيها ولا تشعر (البصر - السمع - ... ): قال -صلى الله عليه وسلم-: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ) (رواه مسلم). الكلمة الثالثة: الحث على حسن الجوار (وأحسِن إلى جارِك تَكن مؤمنًا): - الإحسان الى الجار لحقِّه العظيم في الدِّين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما زالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بالجارِ، حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ) (متفق عليه). وفي رواية أبي داود عن عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو أنَّهُ ذبحَ شاةً فقالَ: أَهْدَيتُمْ لجاري اليَهوديِّ، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: (ما زَالَ جبريلُ يوصيني بالجارِ، حتَّى ظنَنتُ أنَّهُ سيُورِّثُهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). - إذا لم تقدر على الإحسان إليه فكف عنه أذاك: عن أبي شريح -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ، واللَّهِ لا يُؤْمِنُ) قيلَ: ومَن يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: (الذي لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوايِقَهُ) (رواه البخاري). - بل إن كان الجار مؤذيًا لزمك الصبر حتى يجعل الله لك فَرَجًا: قال -تعالى-: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) (الطلاق: 02)، وقال: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ . وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: 34-35). الكلمة الرابعة: حب الخير للمسلمين (وأحبَّ للنَّاسِ ما تحبُّ لنفسِك تَكن مسلِمًا): - حبك للمسلمين ما تحبه لنفسك من الخير يجعلك مسلمًا كامل الإسلام(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) (متفق عليه). - المسلمون جسد واحد يتأثر كل عضو فيه بألم الآخر: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ المُؤْمِنِينَ فِي تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سَائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى) (متفق عليه). الكلمة الخامسة: اجتناب كل ما يؤدي إلى الغفلة (ولا تُكثرِ الضَّحِك فإنَّ كثرةَ الضَّحِك تُميتُ القلبَ): - الإكثار من الضحك مضر بالقلب، وهو من فعل السفهاء والأراذل: ففي رواية: "وإياكَ وكثرةَ الضَّحِكِ؛ فإنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ فسادُ القلبِ"، وعن أنس -رضي الله عنه- قال: بَلَغَ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عن أَصْحَابِهِ شيءٌ فَخَطَبَ فَقالَ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَومِ في الخَيْرِ وَالشَّرِّ، ولو تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا)، قالَ: فَما أَتَى علَى أَصْحَابِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمٌ أَشَدُّ منه، قالَ: غَطَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَلَهُمْ خَنِينٌ، قالَ: فَقَامَ عُمَرُ -رضي الله عنه- فَقالَ: "رَضِينَا باللَّهِ رَبًّا، وَبالإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا" (متفق عليه)(2). خاتمة: - وصية جامعة لخصال عظيمة إذا اتصف بها المسلم نال من الخير العظيم، ثم إذا علمها غيره، زاد خيره وكثر فضله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن يأخذُ عنِّي هؤلاءِ الكلماتِ فيعملُ بِهنَّ أو يعلِّمُ من يعملُ بِهنَّ). فاللهم اجعلنا هداة مهديين، واغفر لنا ولآبائنا يا رب العالمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الخير: كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها. (2) ليس ذلك معناه حرمة الضحك، بل المنهي عنه كثرته، وإلا فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يضحك تبسُّمًا، وكان يمازح أصحابه؛ لا يكثر من ذلك، ولا يقول إلا حقًّا. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (2) (اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَاعْدُدْ نَفْسَكَ مَعَ الْمَوْتَى... ) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: قلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي، فَقَالَ: (اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، وَاعْدُدْ نَفْسَكَ مَعَ الْمَوْتَى، وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ، وَإِذَا عَمِلْتَ السَّيِّئَةَ فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً؛ السِّرُّ بِالسِّرِّ، وَالْعَلَانِيَةُ بِالْعَلَانِيَةِ)، ثم قال: (ألا أُخْبِرُكَ بأملك الناس مِنْ ذَلِكَ؟)، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بطرف لسانه، فقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ -كأنه يتهاون به- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا هَذَا؟) وَأَخَذَ بِطَرَفِ لِسَانِهِ. (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وحسنه الألباني). - الإشارة إلى تضمن الحديث لعدة وصايا، تحفظ على العبد دينه ودنياه. - الوصية الأولى: مراقبة الله (اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ): - وهي أن يعلم العبد أن الله تعالى يراه وينظر إليه، سامع لأقواله، عالم بأفعاله، مطلع على سره وعلانيته، بل لا يغيب عنه شيء من خطرات قلبه وبنات أفكاره: قال -تعالى-: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الملك: 13)، وقال -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (المجادلة: 7). - ومراقبة الله في السر والعلن هي أعلى مراتب الإيمان، وأسمى منازله: ففي حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ... ) (متفق عليه). - وثمرات مراقبة الله لا تُحصَى، فمَن راقب الله أحسن في عمله، واجتنب المحرمات بكل ألوانها (المال الحرام - الغش في البيع والشراء - عدم إتقان العمل والوظيفة - الغدر والخيانة - ذنوب الخلوات ووسائل الاتصالات - وغير ذلك): عن ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا)، قال ثوبانُ يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا، أن لا نكونَ منهم ونحنُ لا نعلمُ، قال: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). - الوصية الثانية: الاستعداد للموت (وَاعْدُدْ نَفْسَكَ مَعَ الْمَوْتَى): - من كان ينتظر الموت، قصر أمله في البقاء في الدنيا، وكثر عمله استعدادًا للآخرة، حيث العودة إلى الوطن الأول: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخَذَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بمَنْكِبِي، فَقَالَ: (كُنْ في الدُّنْيَا كَأنَّكَ غَرِيبٌ أوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)، وكانَ ابنُ عُمَرَ يقولُ: "إذَا أمْسَيْتَ فلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وإذَا أصْبَحْتَ فلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وخُذْ مِن صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، ومِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (رواه البخاري). - الخروج من الدنيا حتم لازم، والعمل اليوم والحساب غدًا، والعاقل مَن وعى ذلك: ففي وصية جبريل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (يا محمَّدُ! عِشْ ما شئتَ فإنَّك ميِّتٌ، وأحبِبْ من شئتَ فإنَّك مفارقُه، واعمَلْ ما شئتَ فإنَّك مجزِيٌّ به) (رواه الطبراني في المعجم الأوسط، والحاكم باختلاف يسير، وصححه الألباني). - الوصية الثالثة: الإكثار من ذكر الله(1) (وَاذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حَجَرٍ وَشَجَرٍ): - الذكر روح العبادات، وبكثرته تتفاضل، بل وبه يتفاضل أهل الطاعات: روي عن أنس الجهني عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ رجُلًا سأله، فقال: أيُّ الجِهادِ أَعظَمُ أجرًا؟ قال: "أَكثَرُهم للهِ تبارَك وتعالَى ذِكرًا"، قال: فأيُّ الصائمينَ أَعظَمُ أجرًا؟ قال: "أَكثَرُهم للهِ تبارَك وتعالَى ذِكرًا"، ثم ذكَرَ لنا الصلاةَ، والزكاةَ، والحَجَّ، والصدَقةَ؛ كلَّ ذلك رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "أَكثَرُهم للهِ تبارَك وتعالَى ذِكرًا"، فقال أبو بكرٍ لعُمرَ -رضي الله عنهما-: يا أبا حَفصٍ، ذهَبَ الذاكِرونَ بكلِّ خَيرٍ، فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أجَلْ" (رواه أحمد والطبراني في الدعاء واللفظ له، وضعفه الألباني). - لا عذر لأحد في ترك الذكر: عن عبد الله بن بسر أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كثُرت عليَّ فأخبِرني بشيءٍ أتشبَّثُ به، قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يزالُ لسانُك رطبًا من ذكرِ اللهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن الله تعالى لَمْ يَفْرِضْ عَلَى عِبَادِهِ فَرِيضَةً إِلَّا جَعَلَ لَهَا حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أَهْلَهَا فِي حال العذر، غير الذكر، فإن الله -تعالى- لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَلَمْ يَعْذُرْ أَحَدًا فِي تَرْكِهِ إِلَّا مَغْلُوبًا عَلَى تَرْكِهِ، فقال: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) (النساء: 103)" (ابن كثير في تفسير سورة الأحزاب). - الوصية الرابعة: إتباع السيئة بالحسنة (وَإِذَا عَمِلْتَ السَّيِّئَةَ فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً)(2): - إنه أعظم سبيل لمحو السيئات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقِ اللَّهِ حيثُ ما كنتَ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالقِ النَّاسَ بخلقٍ حسنٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). - من عظيم رحمه الله وفضله أن جعل الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها: قال -تعالى-: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) (هود: 114)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن عبدٍ يذنبُ ذنبًا، فيُحسنُ الطُّهورَ، ثمَّ يقومُ فيُصلِّي رَكْعتينِ، ثمَّ يستغفِرُ اللَّهَ، إلَّا غفرَ اللَّهُ لَهُ) ثمَّ قرأَ هذِهِ الآيةَ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: 135) (رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وصححه الألباني). - الوصية الخامسة: حفظ اللسان (ألا أُخْبِرُكَ بأملك الناس مِنْ ذَلِكَ؟): - إرشاد نبوي في الختام إلى أعظم أسباب تحقيق الوصايا السابقة: (ألا أُخْبِرُكَ بأملك الناس مِنْ ذَلِكَ؟). - فأقوال اللسان تحدِّد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 118)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن يَضْمَن لي ما بيْنَ لَحْيَيْهِ وما بيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنْ له الجَنَّةَ) (رواه البخاري)، والعامة يقولون: "لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن هنته هانك". - فاللسان سلاح ذو حدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ اتَّقِ اللهَ فِينَا، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). - خوف الصالحين من لسانهم: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه اطلع على أبي بكر -رضي الله عنه- وهو يمدُّ لسانه فقال: "ما تصنع يا خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: إن هذا أوردني الموارد!" (رواه أحمد في فضائل الصحابة، وأبو نعيم في الحلية). - خاتمة: عود على بدء. - إعادة الحديث المتضمن للوصايا، مع إشارة مجملة لما سبق. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ (1) قال بعض أهل العلم: أي: إذا عملت سيئة سرية فقابلها بحسنة سرية، وإن عملت سيئة علانية فقابلها بحسنة علانية. (2) من أمثلة الذكر: (التسبيح، والتهليل، والتكبير، والحمد، والحوقلة، والاستغفار، وقراءة القرآن). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (3) (عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: (يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ) (رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وصححه الألباني). - اشتملت هذه الوصية على وصايا عظيمة، هي للأمة كلها؛ فهذا هو الأصل في الخطاب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-. الوصية الأولى: الاستعداد للموت وفراق الأحبة: - (عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ): مهما طال عمرك في هذه الحياة الدنيا، فإن الموت مصير محتوم: قال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: 185)، وقال تعالى: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر:03)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أُرْسِلَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى عليه السَّلَامُ، فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ، فَقَالَ: أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عليه عَيْنَهُ وقَالَ: ارْجِعْ، فَقُلْ له: يَضَعُ يَدَهُ علَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بكُلِّ ما غَطَّتْ به يَدُهُ بكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ، قَالَ: أيْ رَبِّ، ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ المَوْتُ، قَالَ: فَالْآنَ... ) (متفق عليه). - (وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ): واعلم أن الموت مفرِّق الأحبة (زوجات، وأولاد، وآباء، وإخوة، وأصحاب)، ولن يخلد أحد في هذه الحياة الدنيا، فعلى الجميع أن يعمل بالصالحات حتى تجمعهم الجنة عند الله، قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) (الطور: 21)، وقال تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ) (الرعد: 23). - وإذا كان الموت حتم لازم، وفراق الأحبة لا بد حاصل، فينبغي على العبد أن يستعد للقاء ربه؛ لأنه قد يأتيه الموت بغتة؛ ولذا نبَّه بعدها الى الاستعداد للحساب والجزاء. الوصية الثانية: الاستعداد للحساب والجزاء: - (وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ): فالإنسان بعد الموت سيحاسب على كل ما عمل من خير وشر، قال تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 7-8)، وقال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (آل عمران: 30)، وقال تعالى: (وقالوا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: 49). - (وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ): الأعمال ستوزن بميزان دقيق جدًّا، قال تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47). - وعند ذلك سيعرف الجميع قيمة الحسنة الواحدة، وضرر السيئة الواحدة: قال تعالى: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ . فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ . وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ . وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ . نَارٌ حَامِيَةٌ) (القارعة: 6-11). - (وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ): فعلى العبد أن يكثر من العمل الصالح، ويتجنب العمل السيئ، فإنه رفيقه في قبره، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَتْبَعُ المَيِّتَ ثَلاثَةٌ، فَيَرْجِعُ اثْنانِ ويَبْقَى معهُ واحِدٌ: يَتْبَعُهُ أهْلُهُ ومالُهُ وعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أهْلُهُ ومالُهُ، ويَبْقَى عَمَلُهُ) (متفق عليه). الوصية الثالثة: ما يرفع العبد في الدنيا والآخرة: - (وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ): فقيام الليل يرفع قدر العبد عند الله وعند الناس؛ لأن آثاره تظهر على العبد في الدنيا والآخرة؛ سُئِل الحسن البصري -رحمه الله-: "مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ أَحْسَنَ النَّاسِ وُجُوهًا؟ فقَالَ: لأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ، فَأَلْبَسَهُمْ نُورًا مِنْ نُورِهِ" (إحياء علوم الدين للغزالي). وقال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ . كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات:15-18)، وقال تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: 16-17). - (وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ): ولذلك كان مِن أول ما فرض على المؤمنين، فعن سعد بن هشام بن عامر، قال: "قلت لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنه-: حدِّثيني عن قيامِ اللَّيلِ، قالت: ألستَ تقرأُ: (يَا أيُّهَا الْمُزَّمِّلُ؟)، قالَ: قلتُ بلَى، قالت: فإنَّ أوَّلَ هذهِ السُّورةِ نزلَت، فقامَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حتَّى انتفخَت أقدامُهُم، وحُبسَ خاتمتُها في السَّماءِ اثنَي عشرَ شَهْرًا، ثمَّ نزلَ آخرُها، فصارَ قيامُ اللَّيلِ تطوُّعًا بعدَ فريضةٍ... " (رواه أبو داود، وصححه الألباني). - (وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ): ولذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يتركه سفرًا ولا حضرًا، فعن عبد الله بن قيس قال: قالت لي عائشةُ -رضي الله عنه-: "لاَ تدع قيامَ اللَّيلِ؛ فإنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ لاَ يدعُهُ، وَكانَ إذا مرضَ أو كسلَ، صلَّى قاعدًا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني). الوصية الرابعة: الاستغناء عن الناس: - (وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ): التعلُّق بالناس يضعف الإيمان بالوكيل المنان سبحانه وتعالى، قال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة: 23)، وقال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) (الفرقان:58)، وقال: (وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا) (النساء: 81). - (وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ): التعلق بالناس وانتظار إحسانهم يورث الذل والمهانة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومَن يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ) (متفق عليه)، "وكان محمد بن واسع يَبِلُّ الخبزَ اليابس بالماء ويأكل، ويقول: مَنْ قنع بهذا، لم يَحْتَجْ إلى أحدٍ) (إحياء علوم الدين للغزالي). وقالوا: "الإنسان أسير الإحسان". - فعلى العبد أن يعلِّق قلبه بالغني الحميد: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). خاتمة: - إعادة ذكر الحديث وإشارة مجملة إلى فضل الوصايا التي اشتمل عليها. فاللهم اجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (4) التحذير من اتخاذ القبور مساجد (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن جندب -رضي الله عنه- قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قبْلَ أنْ يُتوفَّى بخمسِ ليالٍ خطَب النَّاسَ، فقال: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيكُمْ إِخْوَةٌ وَأَصْدِقَاءُ، وَإِنِّي أَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ أَنْ أَتَّخِذَ مِنْكُمْ خَلِيلًا، وَلَوْ أَنِّي اتَّخَذْتُ مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، فَلَا تَتَّخِذُوا قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ). (رواه مسلم، وابن حبان واللفظ له). - الإشارة إلى معنى الخلة، وهي أعلى أنواع المحبة، وأن الله لم يثبتها إلا لنبينا -صلى الله عليه وسلم- وإبراهيم -عليه السلام: قال الله -تعالى-: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: 125)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللهَ اتَّخَذني خليلًا كما اتَّخَذ إبراهيمَ خليلًا) (رواه مسلم). الوصية بعدم اتخاذ القبور مساجد: - هي من أهم وصاياه -صلى الله عليه وسلم- حيث جاءت قبل موته بزمن يسير، وكرر ذلك عند موته -صلى الله عليه وسلم-: فعن عَائِشَةَ وعَبْدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ قالَا: لَمَّا نَزَلَ برَسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً له علَى وجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ بهَا كَشَفَهَا عن وجْهِهِ، فَقالَ وهو كَذلكَ: (لَعْنَةُ اللَّهِ علَى اليَهُودِ والنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. (رواه البخاري). - اتخاذ القبور مساجد مشابهة لليهود والنصارى: عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ -رضي الله عنهما-، ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ) (متفق عليه). - الشيعة والصوفية تشبَّهوا باليهود والنصارى، وخالفوا وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- وتحذيره: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، فَلَا تَتَّخِذُوا قُبُورَهُمْ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من تشبَّهَ بقومٍ فهوَ مِنْهُمْ) (رواه أبو داود، وقال الألباني: "حسن صحيح"). حكمة تحريم اتخاذ القبور مساجد: 1- سد ذريعة الشرك بالله: حيث يقصد بعض الناس عبادة الله عند قبور الصالحين، فيسجدون ويركعون بحجة بركة المكان، فيقلدهم الجهلة ثم يصرفون ذلك لصاحب القبر! 2- ادِّعاء البركة للبقاع التي بها لقبور: فيتمسحون ويتلمسون البركة فيها، بصور يندى لها الجبين، مما يفضي إلى الشرك. 3- لعدم الغلو في صاحب القبر: لأن هذا الغلو يفضي إلى عبادة صاحب القبر، بصرف الدعاء والاستغاثة، وطلب جلب النفع ورفع الضر إليه من دون الله، وهو شرك أكبر، وهو سبيل المشركين في عبادة الأصنام. 4- إن أول شرك وقع على الأرض كان بسبب الغلو في الصالحين؛ فسدَّ الإسلام كل طريق يؤدي إلى ذلك: قال ابن كثير في تفسير قوله -تعالى-: (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) (نوح: 23)، "وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح -عليه السلام-، لما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها تصاوير -أنصابًا- وسموها بأسمائهم، ففعلوا، فلم تعبد، حتى إذا هلكوا ونُسِخ العلم عُبِدت" (فتح البارئ شرح صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة نوح). - القبور والأضرحة في المساجد من مظاهر الشرك في الأمة: - انتشرت القبور والأضرحة في الأمة بشكل خطير، وقد زيَّنوها بالذهب والفضة والأحجار الكريمة، وصارت لها مواسم وأعياد، وفاقوا في ذلك غلو اليهود والنصارى ومشركي العرب(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ) قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: (فَمَنْ؟) (رواه البخاري). - الشيعة والصوفية بطوائفهم يضعون الأحاديث في فضل زيارة القبور والأضرحة، ومِن كذبهم: "مَنْ زَارَ الحسينَ بَعد مَوتِه فَلَهُ الجَنَّة" (مصدر شيعي، تهذيب الأحكام)، ويقولون: قال الإمام الصادق -عليه السلام-: "زيارة الحسين عليه السلام تعدل مائة حجة مبرورة، ومائة عمرة متقبلة" (الأنوار البهية - الشيخ عباس القمي). - الشيعة والصوفية بطوائفهم يدعون محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- واتباعه، وهم أكثر الناس مخالفة له: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيْدًا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فاتخذوا القبور أعيادًا وموالد، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهي عن الصلاة عند القبور: (لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُم قُبُورًا) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فجعلوا أفضل الصلاة عند القبور! - وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن تشييد القبور، فقاموا يرفعونها ويزينونها: فعن جابرٍ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: "نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُجصَّصَ القبرُ، وأن يُقعَدَ عليه، وأن يُبنَى عليه" (رواه مسلم)، وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن إيقاد السرج عندها، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَائِرَاتِ القُبُورِ، وَالمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ" (رواه أبو داود والترمذي، وضعفه الألباني)، فقاموا يزينوها بالأضواء الكثيرة. - وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن التقرُّب عند أماكن ارتكاب الشرك: فعن ثابت بن الضحاك قال: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟) قَالُوا: لَا، قَالَ: (هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟)، قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، فقاموا يتقربون بالصلاة والدعاء والسجود، وغيره عند القبور، حيث مظاهر الشرك. - وكان -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن سؤال غير الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، فقاموا يسألون أهل الأضرحة الشفاء والحاجات! - ونهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن شَدِّ الرحال لغير المساجد الثلاث: (لاَ تُشَد الرحَالُ إِلا إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِي هذَا، وَمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الأَقْصَى) (متفق عليه)، فشدوا الرحال إلى القبور والأضرحة! وغير ذلك كثير. - الحذر من مخالفة وصية النبي -صلى الله عليه وسلم-: مَن اتخذ القبور مساجد؛ فقد خالف الوصية، فلينتظر النهاية المأسوية: قال الله -تعالى-: (وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: 115)، وقال -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ أُمَّتي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَن أَبَى)، قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَن يَأْبَى؟! قالَ: (مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَن عَصَانِي فقَدْ أَبَى) (رواه البخاري). - خاتمة: عود على بدء. - التذكير بالحديث المتضمن للوصية لتثبيت الوصية في الأذهان. نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا مِن المتبعين لهدي النبي -صلى الله عليه وسلم-. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ (1) تنتشر الأضرحة في البلاد الإسلامية بشكلٍ مخيفٍ؛ فعلى سبيل المثال: في مصر وحدها ستة آلاف ضريح على إحصائية قديمة، وفي القاهرة وحدها نحو ثلاثمائة ضريح، وفي مدينة صغيرة تسمى فوة بكفر الشيخ (81 ضريحًا)، وفي مركز تلا بالمنوفية (188 ضريح)؛ هذا بخلاف الأضرحة التي ليس بها أموات أصلًا، وغير معروفة بالجهات الرسمية. وهذه الأضرحة تُحْكَى عنها آلاف الروايات الخرافية التي تشتمل على الشرك والجهل في أسوأ صورة. ويحسن الإشارة الى بعض أكاذيب القبوريين وخرافاتهم: - كالقصة المشهورة في الإسكندرية بمصر حول القبر الذي في الطريق، وقد حاولوا توسعة الطريق، فشلت يد الرجل الذي حاول ذلك، فتحايلوا على الالتفاف حول القبر بالطريق، ويزعمون أنه قبر "أبي الدرداء". - وكقصة الرجل الذي مات حماره بالطريق فدفنه، ثم ذهب إلى أهل القرية، وزعم أن الولي الفلاني لقيه في الطريق وهو مشرف على الموت، وقال له: "سلِّم على أهل القرية، وقل لهم: استوصوا بقبري خيرًا، فقام أهل القرية ببناء الضريح وجعلوا الرجل عليه وصيًّا تهدى إليه النذور والقربات!". - وكقصة "سيدي أبو نبوت" الذي كان سارقًا، يتسلق على بيوت الناس ليلًا بواسطة عصا ملوية -يسميها أهل الصعيد: نبوت- وذات ليلة تسلق على جدار بيت ليسرقه، فلصقت عصاه بالجدار، وظل معلقًا بها حتى مات، فلما أصبح أهل القرية وجدوه كذلك، فعجبوا من ذلك، وكان القرار بالإجماع أن يتخذوا له ضريحًا مكانه! ومن يومها يعرف بضريح "سيدي أبو نبوت"، الذي تنسج حوله الخرافات الشركية كما هو الحال عند سائر الأضرحة. وإنا لله وإنا إليه راجعون، قال الله -تعالى-: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ) (الأحقاف: 5). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (5) (اغتنم خمسًا قبل خمس) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ - المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية. (مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجل وهو يعظه: (اغْتَنِمْ(1) خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ: شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ) (رواه الحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني). - شرح مختصر جدًّا لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خَمْسٍ): أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة أخرى، وهو تعمير الخمسة الأولى بالأعمال الصالحة، قبل حصول الخمسة الأخرى التي ربما لا يُقدَر معها على ذلك. - الغنيمة الأولى: الشباب قبل الكبر (شَبابَكَ قبلَ هِرَمِكَ): - اغتنم وقت الشباب؛ لأنه وقت القوة والنشاط، بخلاف ما يقوله بعضهم من أنه يفعل في الشباب ما يريد ثم يُحسِن في الكبر، فما يدريك أنك تعيش إلى الكبر؟! ثم ما يدريك أنك توفَّق للتوبة؟! قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي) (الفجر: 23-24). - فضل العمل في مرحلة الشباب عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: ... ) وذكر منهم: (وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ) (متفق عليه). - صور مشرفة لشباب نشأوا في عبادة الله: (علي بن أبي طالب - مصعب بن عمير - أسامة بن زيد - محمد الفاتح). - الغنيمة الثانية: (وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ): - اغتنم بالأعمال الصالحة وقت الصحة، قبل أن يحول بينك وبينها المرض، فالمرض ليس له زمان محدد، وعند ذلك لا تستطيع العمل لما نزل بك من آلام، أو عجز أو مشقة؛ لا سيما إذا طال زمان المرض، أو صار ملازمًا! قال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي). - عملك الصالح في زمان صحتك سينفعك في زمان مرضك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا مَرِضَ العَبْدُ، أوْ سَافَرَ، كُتِبَ له مِثْلُ ما كانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني). - الغنيمة الثالثة: (وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ): - اغتنم بالإنفاق في سبيل الله زمان غناك؛ فالأيام تتغير، والأحوال تتغير؛ فاغتنم المال الآن في مرضات الله، وابذله في وجوهه المباحة والمستحبة والواجبة، قبل يوم الفقر والندم: قال الله تعالى: (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ . وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ? وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: 10-11). - فضل إنفاق المال في سبيل الله عظيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسُلِّطَه علَى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ، فَهو يَقْضِي بهَا ويُعَلِّمُهَا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) (متفق عليه)، وفي الحديث القدسي: (يا ابْنَ آدَمَ أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ) (متفق عليه). - الغنيمة الرابعة: (وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ): - اغتنم بالإكثار من الأعمال الصالحة زمان سعة الوقت، قبل الانشغال بالأولاد والزوجات، وكثرة الحاجات، وضيق الأوقات: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) (التغابن: 14)، وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (الأنفال: 28). - احذر ضياع الأوقات في غير ما ينفعك في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تزولُ قدَما عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يسألَ عن عمرِهِ فيما أفناهُ، وعن عِلمِهِ فيمَ فعلَ، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبْلَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - الغنيمة الخامسة: (وحَياتَكَ قبلَ مَوْتِكَ): - اغتنم مُدَّة عمرك في الدنيا في الأعمال الصالحة، قبل أن تموت، وتسود في التراب، فالدنيا والعمر زمان العمل، وبعد الموت لا عمل: قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (المؤمنون: 99-100)، وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "اليومَ عملٌ ولا حساب، وغدًا حسابٌ ولا عملٌ". - خاتمة: عود على بدء: - التذكير بالوصية، وإشارة مختصرة إلى أن العامل المشترك في كل الوصايا هو التنبيه إلى قيمة الوقت، والذي هو بمعنى آخر: "العمر"؛ ولذا يحسن ذكر بعض ما يدل على قيمة الوقت، ومن ذلك: قوله -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ) (رواه البخاري)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "ما ندمتُ على شيءٍ كندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي!"، وقال تعالى: (يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى . يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي). فاللهم استعملنا في طاعتك، اجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ (1) اغتنِم: مِن الغنيمة، وهي المال الذي يحصل من حرب الكفار، وقد يجيء بمعنى الفوز بالشيء بلا مشقة. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (6) أمسك عليك لسانك (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ مقدمة: - التنبيه على فضل الوصايا النبوية (انظر مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، ما النَّجاةُ؟ قال: (أمسِكْ عليْكَ لسانَكَ، وليسعْكَ بيتُكَ، وابْكِ على خطيئتِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي رواية أحمد: قال: (يَا عُقْبَةُ، احْرُسْ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ). - الإشارة الي أن وصية اليوم تضمَّنت ثلاث نصائح، إذا اجتمعت في العبد يُرجَى له النجاة في الدنيا والآخرة. النصيحة الأولى: حفظ اللسان (أمسِكْ عليْكَ لسانَكَ)(1): - العاقل هو الذي يحذر كل الحذر مِن لسانه؛ لأنه سوف يُحَاسب على كل كلمة، بل كل ما يخرج من لسانه: قال -تعالى-: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18)، وفي حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، قال: قُلْت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - فاللسان هو المعبِّر عن الجوارح كلها، وبه يرفع الإنسان أو يوضع ويهان: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ) (متفق عليه). - الصالحون يخافون توابع اللسان وما يخرج منه: روى مالك في الموطأ، عن أسلم عن أبيه عمر بن الخطاب: "إن عمر دخل يومًا على أبي بكر الصديق، وهو يجبذ لسانه -يجره بشده-، فقال عمر: مه، غفر الله لك، فقال له أبو بكر: إن هذا أوردني الموارد". ورأى رجلا ابن عباس -رضي الله عنهما- آخذًا بثمرة لسانه، وهو يقول: "ويحك، قل خيرًا تغنم، واسكت عن شرٍ تسلم! فقال له الرجل: يا ابن عباس، ما لي أراك آخذًا بثمرة لسانك، وتقول كذا وكذا؟! قال ابن عباس: بلغني أن العبد يوم القيامة ليس هو على شيءٍ أحنق منه على لسانه" (حلية الأولياء)، وقال بعض السلف: "جعلت على نفسي بكل كلمة أتكلم بها فيما لا يعنيني صلاة ركعتين، فسهل ذلك عليَّ، فجعلت على نفسي بكل كلمة صوم يوم، فسهل عليَّ فلم أنتهِ، حتى جعلت على نفسي بكل كلمة أن أتصدق بدرهم، فصعب ذلك فانتهيت" (قوت القلوب في معاملة المحبوب). النصيحة الثانية: (وليسعْكَ بيتُكَ)(2): - (وليسعْكَ بيتُكَ): فهي سنة الأنبياء والصالحين عند الفتن: قال -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا) (مريم: 48)، وقال: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) (الكهف: 16). - (وليسعْكَ بيتُكَ): فالبيت في أيام الفتن أفضل لمَن أراد السلامة، فهو فيه يحفظ نفسه، ويأنس بربه: قال ابن القيم -رحمه الله-: "إِذا اسْتغنى النَّاس بالدنيا؛ فاستغنِ أَنْت بِاللَّه، وَإِذا فرحوا بالدنيا، فافرح أَنْت بِاللَّه، وَإِذا أنسوا بأحبابهم، فَاجْعَلْ أنسك بِاللَّه، وَإِذا تعرفوا إِلَى مُلُوكهمْ وكبرائهم وتقرَّبوا إِلَيْهِم لينالوا بهم الْعِزَّة والرفعة، فتعرف أَنْت إِلَى الله، وتودد إِلَيْهِ، تنَلْ بذلك غَايَة الْعِزّ والرفعة" (الفوائد لابن القيم)، وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "نِعْمَ صَوْمَعَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ بَيْتُهُ، يَكُفُّ لِسَانَهُ، وَفَرْجَهُ، وَبَصَرَهُ" (موسوعة ابن أبي الدنيا). - (وليسعْكَ بيتُكَ): فالبيت في أوقات الفتن يصبح جنة من الجنات، ويقيك من الشرور والآفات، ويعافيك من الجدال والمراء، والخصام والتنافس على الدنيا الذي يكون بين أهل الاجتماعات، ففي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِل: أيُّ النَّاسِ أفْضَلُ؟ فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مُؤْمِنٌ يُجَاهِدُ في سَبيلِ اللَّهِ بنَفْسِهِ ومَالِهِ، قالوا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: مُؤْمِنٌ في شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَتَّقِي اللَّهَ، ويَدَعُ النَّاسَ مِن شَرِّهِ) (متفق عليه). - تنبيه مهم جدًّا: ينبغي أن يعتزل كل ما يؤدي به إلى الخلطة المفسدة، كمواقع الإنترنت ووسائل التواصل، التي يخوض الناس من خلالها، فيكون في بيته ببدنه، ولكنه لا يزال يشارك الناس في خوضهم. النصيحة الثالثة: (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ): - (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ): واندم على ما ارتكبتَ من الذنوب، وتذكر أنها قد تغلب الحسنات؛ عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: يا رَسولَ اللَّهِ (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أَهوَ الَّذي يَزني ويَسرِقُ، ويَشرَبُ الخمرَ؟ قالَ: (لا، يا بِنتَ أبي بَكْرٍ أو يا بِنتَ الصِّدِّيقِ، ولَكِنَّهُ الرَّجلُ يَصومُ، ويتَصدَّقُ، ويُصلِّي، وَهوَ يَخافُ أن لا يُتقبَّلَ منهُ) (رواه الترمذي، وابن ماجه، وحسنه الألباني). - العاقل يحاسب نفسه ويعاقبها على تقصيرها، ويعرف أن ذلك طريقًا لنجاته من عذاب النار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثةٌ لا ترى أعينُهم النارَ: عينٌ حرستْ في سبيلِ اللهِ، وعينٌ بكتْ من خشيةِ اللهِ، وعينٌ كفتْ عن محارمِ اللهِ) (رواه الطبراني في المعجم الكبير، وقال الألباني: حسن لغيره). - (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ): في الدنيا قبل أن تبكي في الآخرة، (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا) (الكهف: 49). - (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ): فصدق البكاء دليل على الندم، والندم توبة وخشية ونجاة(3): قال عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: "لأن أدمع دمعة من خشية الله أحب إليَّ من أن أتصدق بمائة ألف درهم" (شعب الإيمان للبيهقي)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ القِيَامَةِ في ظِلِّهِ، يَومَ لا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: ...، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ في خَلَاءٍ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ...) (متفق عليه). - (وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ): فالبكاء من خشية الله سمة الصالحين، فما أحوج المذنبين إليه!: "كَانَ فِي وَجْهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ خَطَّانِ أَسْوَدَانِ مِنَ الْبُكَاءِ" (الرقة والبكاء لأبن أبي الدنيا)، وكان يقول: "لَيْتَنِي لَمْ أَكُنْ شَيْئًا" (رواه البيهقي في شعب الإيمان)، وعن الحسن البصري، قال: "لما حضرت معاذًا الوفاة جعل يبكي، قال: فقيل له: أتبكي وأنت صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنت وأنت، فقال: ما أبكي جزعًا من الموت أن حل بي ولا دينًا تركته بعدي، ولكن إنما هما القبضتان قبضة في النار وقبضة في الجنة، فلا أدري في أي القبضتين أنا؟!" (رواه البيهقي في شعب الإيمان). خاتمة: - التنبيه على ما تقدَّم مِن أن سبيل النجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة اتباع هذه الوصية الغالية من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. نسأل الله أن ينجينا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ (1) أي: احفظه عما لا خير فيه. (2) أي: تعرض لما هو سبب للزوم البيت، من الاشتغال بالله والأنس بطاعته، والخلوة عن الأغيار. وقيل: اعتزل في بيتك من الفتن. قال يوسف بن أسباط: (قال لي سفيان الثوري وهو يطوف بالكعبة: والله الذي لا إله إلا هو، لقد حلت العزلة!" (إحياء علوم الدين للغزالي)، وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: (الْعُزْلَةُ رَاحَةٌ مِنْ أَخْلاطِ السُّوءِ" (العزلة والانفراد لابن أبي الدنيا). (3) لقد كان ذلك سبب في توبة الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال -تعالى-: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة: 118). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (7) (أعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى أهمية الوصايا النبوية: (مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ علَى الطُّرُقَاتِ)، فَقالوا: ما لَنَا بُدٌّ، إنَّما هي مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قالَ: (فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ، فأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا)، قالوا: وَما حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قالَ: (غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ) (متفق عليه). - بيان إجمالي لمعنى الوصية: لا يجوز الجلوس في الطريق إلا بحقه وشرطه، وهو ما جاء في الحديث، فإذا لم يكن هناك بد، فعلى مَن يجلس أن يعطي الطريق حقها كما يأتي(1)، وهذا من محاسن شريعة الإسلام العظيمة. الحق الأول: غض البصر: - لأن الطريق تسلكها النساء لحاجتهن، وقد تفتح أبواب البيوت والنوافذ والشرفات، فيقع النظر على حريم الناس وعوراتهم: قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ) (النور: 30)، وقال: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عن نظر الفجأة: (اصرِفْ بصرَكَ) (رواه مسلم وأبو داود واللفظ له)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَكَ الأولى، وليسَت لَكَ الآخرَةُ) (رواه أبو داود والترمذي، وحسنه الألباني). - ولأن الطريق يمر بها عموم الناس، ومنهم مَن تظهر عليه النعم، أو يحمل مِن متع الدنيا، أو يركب من وسائل السير الفارهة وغيرها، فيقع النظر بما يؤذيهم بالحسد والتطلع لما عندهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وازهَدْ فيما عندَ النَّاسِ يحبُّكَ النَّاسُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وارضَ بما قَسَمَ اللهُ لكَ تكُنْ أغْنَى الناسِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال: (انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذا رأى أحدُكم من أخيهِ ما يعجبُهُ فليدعُ لَهُ بالبرَكةِ) (رواه النسائي في السنن الكبرى، وابن ماجه، وصححه الألباني). الحق الثاني: كف الأذى: - هي كلمة جامعة تتناول كل أنواع الأذى القولي والفعلي، (وضع البضائع خارج المحلات - إلقاء النفايات بأنواعها - غرس المواسير الحديدية والكتل الأسمنتية أمام المحلات - وضع الكراسي والسيارات في مداخل البيوت والمساجد وغيرها)(2): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ آذَى الْمُسْلِمِينَ فِي طُرُقِهِمْ، وَجَبَتْ عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني)، وعن أبي برزة -رضي الله عنه- قال: قُلتُ: يا نَبِيَّ اللهِ، عَلِّمْنِي شيئًا أَنْتَفِعُ به، قالَ: (اعْزِلِ الأذَى عن طَرِيقِ المُسْلِمِينَ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ، في شَجَرَةٍ قَطَعَها مِن ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا ضررَ ولا ضِرارَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وقال أبو طالب المكي: "وكان الورعون لا يشترون شيئًا ممَّن قعد يبيعه على طريق" (كتاب قوت القلوب لأبو طالب المكي). الحق الثالث: رد السلام: - مَن جلس بالطريق، فإنه يمر به المارة فيسلمون عليه، فيجب عليه رد السلام، والسنة الزيادة إكرامًا لمَن سلم: قال تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء: 86). - ومن سوء الأدب في ذلك ألا يرد إلا على مَن يعرفه، بل بعضهم لا يرد على العمال والبسطاء كبرًا وتعاليًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ) (رواه مسلم)، وفي الحديث: "أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ علَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عليهم" (متفق عليه). - المتأمل في ألفاظ السلام، يجدها دعوة كريمة من المسلِّم إلى المسلَّم عليه، وفيها من أسباب المغفرة لكل منهما ما فيها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ المسلمَ إذا صافَح أخاه تحاتَّتْ خطاياهُما كما يتَحاتُّ ورَقُ الشَّجَرِ) (رواه البزار، وصححه الألباني لغيره في صحيح الترغيب والترهيب). - الإشارة إلى بعض آداب السلام والرد: (التحذير من الاكتفاء بالإشارة، استحباب الرد بأكمل صورة، أفضلية رد الجماعة كلهم، الرد على غير المسلمين بـ"وعليكم" فقط، الحذر مِن استبدال تحية الإسلام بغيرها). الحق الرابع: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(3): - ما دام الإنسان يجلس في الطريق؛ فقد تحمَّل مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكلِّ ما يشاهده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن رَأَى مِنكُم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بيَدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذلكَ أضْعَفُ الإيمانِ) (رواه مسلم)، وفي رواية: (وليسَ وراءَ ذلكَ مِنَ الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ) (رواه مسلم). - هذا أصل في مجتمعات المسلمين: قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران: 110)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (والَّذي نَفسي بيدِهِ لتأمُرُنَّ بالمعروفِ ولتَنهوُنَّ عنِ المنكرِ أو ليوشِكَنَّ اللَّهُ أن يبعثَ عليكُم عقابًا منهُ ثمَّ تَدعونَهُ فلا يَستجيبُ لَكُم) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ? لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة: 78-79). خاتمة: - إعادة التنبيه على فضل الوصية، وأن مِن عظيم تشريع الإسلام وآدابه ما جاء فيها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ) (رواه أحمد والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني). - والتنبيه على أن مجتمعات المسلمين، هي الأصل فيما وصل إليه غيرهم من مظاهر تحضُّر، ونظام في شوارعهم وطرقهم (إعادة حديث الوصية). نسأل الله تعالى أن يصلح مجتمعات المسلمين، وأن يرزقهم العمل بتعاليم هذا الدِّين العظيم. والحمد لله رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ (1) خلاصة الكلام: أنه لا يجوز الجلوس في الطريق إلا بشرطين: الأول: قضاء المصالح (كالباعة، والحراس، والمنتظر غيره، ونحوهم)، والثاني: أن يؤدي حق الطريق. (2) ومن ذلك أيضًا: انبعاث أصوات الموسيقى والغناء مِن المحلات والبيوت والمقاهي، وغيرها؛ مما يتأذى به السليم؛ فكيف بالمريض السقيم؟! ومنه أيضًا: القاء أدوات البناء ومخلفاته في طرق الناس. (3) وصور المنكر في الطرقات في هذا الزمان تكاد لا تحصى! ولكن هذا ليس معناه سقوط هذا الحق عمَّن جلس في الطريق، وإنما معناه: زيادة الحرج من الجلوس في الطرقات؛ وإن لم تستطع إزالة المنكر فزل أنت عنه. ومِن صور ذلك: سماع المنكرات من السباب والشتم، وسب دين الله، والأغاني، والعري، والتدخين في حضوره، بل وترك إجابة نداء الصلاة من الجلساء، وغير ذلك، نسأل الله العافية؛ فكيف بمَن يجالسون بعضهم على شواطئ البحار، وما يسمونه الكورنيش، وهم متلبسون بأنواع من المنكرات؟! |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (8) التعزي في المصيبة بموت النبي -صلى الله عليه وسلم - (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنْها- قالت: فتح رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بابًا بينه وبين الناسِ، أو كشف سترًا، فإذا الناس يصلُّون وراءَ أبِي بكرٍ، فحمد اللهَ على ما رأى من حسنِ حالِهم، و رجا أن يخلِفَه اللهُ فيهم بالذي رآهم، فقال: "يا أيها الناسُ، أيما أحدٌ من الناسِ أو من المؤمنين أُصيبَ بمُصيبةٍ، فلْيعتزَّ بمصيبتِه بي عن المصيبةِ التي تصيبُه بغيري، فإنَّ أحدًا من أُمَّتي لن يُصابَ بمصيبةٍ بعدي أشدَّ عليه من مُصيبتِي" (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). - بيان المعنى الإجمالي للوصية، والغرض منها، ثم الإشارة إلى العناصر التالية. موت النبي -صلى الله عليه وسلم- أعظم مصيبة للبشرية: - الإشارة إلى أن بيان ذلك سيكون من وجهين: الأول: انقطاع الوحي وغياب سبب الرحمة الأعظم. والثاني: حال الصحابة يوم وفاته -صلى الله عليه وسلم-. أولًا: انقطاع الوحي وغياب سبب الرحمة الأعظم: - وجود النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا سبب للرحمة، والأمن من نزول العذاب العام: قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الأنبياء:107)، وقال -تعالى-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الأنفال: 33)، قال ابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عنْهما-: " كَانَ فِيهِمْ أَمَانَانَ: النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-، وَالِاسْتِغْفَارُ؛ فَذَهَبَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وبقي الاستغفار" (تفسير ابن كثير، والطبري). - لكن لا يعرف ذلك إلا مَن عرف قيمة الوحي، والنور الذي جاء به رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فأخرجنا من الظلمات والضلال إلى النور والهدى: قال -تعالى-: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ . يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة: 15-16). - الصحابة أعظم مَن عرفوا قيمة الوحي، وفضل بعثته -صلى الله عليه وسلم-: عن أنس -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: "أن أَبا بَكْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بنَا إلى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كما كانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَيْهَا بَكَتْ، فَقالَا لَهَا: ما يُبْكِيكِ؟ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقالَتْ: ما أَبْكِي أَنْ لا أَكُونَ أَعْلَمُ أنَّ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَكِنْ أَبْكِي أنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُما علَى البُكَاءِ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ معهَا" (رواه مسلم). وروي: "أن بلالًا كان يؤذن بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل دفنه فلما قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ارتج المسجد بالبكاء والنحيب، فلما دفن ترك بلال الأذان..." (لطائف المعارف لابن رجب). ولما حضرت الوفاة عمرو بن العاص -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- جعل يبكي بكاءً شديدًا، فسألوه، فكان من بين مما قال: "... إنَّ أفْضَلَ ما نُعِدُّ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللهِ، إنِّي قدْ كُنْتُ علَى أطْباقٍ ثَلاثٍ، لقَدْ رَأَيْتُنِي وما أحَدٌ أشَدَّ بُغْضًا لِرَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنِّي، ولا أحَبَّ إلَيَّ أنْ أكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ منه، فَقَتَلْتُهُ، فلوْ مُتُّ علَى تِلكَ الحالِ لَكُنْتُ مِن أهْلِ النَّارِ... " (رواه مسلم). ثانيًا: حال الصحابة يوم وفاته -صلى الله عليه وسلم-: - حالهم يدل على عظم المصيبة؛ فقد كان يوم موت النبي -صلى الله عليه وسلم- هو المصيبة الكبرى عندهم، ولأنهم كانوا يخافون على أنفسهم من بعده: قال أنس -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: "لمَّا كانَ اليومُ الَّذي دخلَ فيهِ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ أضاءَ منْها كلُّ شيءٍ، فلمَّا كانَ اليومُ الَّذي ماتَ فيهِ أظلمَ منْها كلُّ شيءٍ، ونفَضنا عن رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الأيدي، وإنَّا لفي دفنِهِ حتَّى أنْكَرنا قلوبَنا" (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - لقد كان هول الصدمة عليهم شديدًا؛ لأنهم أحبوه أكثر من كل شيء؛ لأنهم خير مَن وعى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ" (متفق عليه). - شواهد من ذلك يوم الوفاة: ذكر أصحاب السير: أن عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- جعل يقول: "إن رجالًا من المنافقين يزعمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توفي، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات، والله، ليرجعنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أنه مات. وأقبل أبو بكر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- على فرس من مسكنه بالسُّنح حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنْها- فتيمم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو مغشى بثوب حِبَرَة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبَت عليك فقد مِتَّهَا، ثم خرج أبو بكر، وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت، قال الله: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ) (آل عمران: 144)، قال ابن عباس: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها" (الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري). تعزوا في مصابكم بموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: - إن المصائب والمحن في هذه الحياة سنة كونية كالهواء والماء: قال -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد: 4)، وقال -تعالى-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7)، وقال: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) (الأنبياء:35)، وقال: (فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) (المائدة:106). (1) موت الأحبة من أعظم ما يبتلى به الإنسان في الدنيا، والأحبة يتنوعون بين الآباء والأمهات، والأبناء والأشقاء، والأزواج والأصحاب، وغيرهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الوالِدُ أوسطُ أبوابِ الجنَّةِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الأم: (... فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها) (رواه النسائي، وقال الألباني: حسن صحيح)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يقولُ اللَّهُ -تعالى-: ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِندِي جَزاءٌ، إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلَّا الجَنَّةُ) (رواه البخاري)، وقال عن الزوجة الصالحة: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) (رواه مسلم)، وقال عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- عن الشقيق الصالح الذي استشهد يوم اليمامة: "ما هبّت ريحُ الصَّبا، إلا وجدتُ منها ريح زيد"، وقال -صلى الله عليه وسلم- عن الصديق الصالح: (ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ، اجْتَمعا عليه وتَفَرَّقَا عليه) (متفق عليه). - من أعظم ما يصبِّر الإنسان على فقدان الأحبة: أن يتذكر مصيبة موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ، فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ) (رواه البيهقي، وصححه الألباني). وقال الشاعر -أبو العتاهية-: اِصـبـِـر لِـكُـلِّ مُـصـيـبَـةٍ وَتَجَـلـَّـدِ وَاِعلَم بِأَنَّ الـمـَرءَ غَـيـرُ مُخَـلَّــدِ أَوَما تَرى أَنَّ الـمـَصـائِـبَ جَـمَّـةٌ وَتَـرى المَـنِـيَّـةَ لِلعِـبـادِ بِـمَـرصـَدِ مَن لَم يُصِب مِمَّن تَرى بِمُصيبَةٍ هَــذا سَبـيـلٌ لَـسـتَ فـيهِ بِـأَوحــَدِ وَإِذا ذَكـَرتَ مُـحَـمَّــدًا وَمـَـصـابَهُ فـَاِذكُــر مُـصـابَـكَ بِالنَبِيِّ مُحـَـمِّـَدِ فاللهم هَوِّن علينا مصائب الدنيا، وأجمعنا بنبينا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- في جنات النعيم. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (9) الحث على الصدق والتحذير من الكذب (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية: (مقدمة الوصية الأولى). - وصية اليوم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إلى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إلى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إلى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) (راوه مسلم). - ذكر معنى الوصية إجمالًا، والإشارة إلى أنه سيأتي التفصيل: يحث النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصدق وملازمته وتحريه، وبيان ثمرته وعاقبته الحميدة في الدنيا والآخرة؛ فالصدق أصل البر الذي هو الطريق إلى الجنة، والرجل إذا لزم الصدق كُتِب مع الصديقين عند الله -تعالى-، وفي ذلك إشعار بحسن الخاتمة وإشارة إلى أنه يكون مأمون العاقبة، وحذر النبي -صلى الله عليه وسلم- من الكذب، وبيَّن مضرته وشؤم عاقبته؛ فهو أصل الفجور الذي هو طريق إلى النار. الحث على الصدق (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ): - الأمر بالصدق؛ لأنه يدل ويوصِّل إلى البر الذي هو جِمَاع الخير، والبر هو الطريق المستقيم للجنة: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إلى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إلى الْجَنَّةِ). - الصدق خُلُق كريم يحصل بالاكتساب والمجاهدة؛ فإن الرجل ما يزال يصدق ويتحرى الصدق، حتى يكون الصدق سجية له وطبعًا، فيكتب عند الله من الصديقين والأبرار: (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا). - الصدق جعل الصادقين يسبقون الشهداء وعموم الصالحين: قال -تعالى-: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) (النساء:69). - لذا جعله الله وصفًا لأحسن الناس بعد الأنبياء (المهاجرين): قال -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحشر:8). مجالات الصدق: أولًا: الصدق في الأقوال: معناه: مطابقة الأقوال للأفعال والنيات، فلا يكذب ولا يراوغ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه). - موقف في أهمية صدق الأقوال: (صدق الثلاثة الذين خُلِّفوا وأثره بعد ذلك)، وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "غَابَ عَمِّي أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ قِتَالِ بَدْرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالٍ قَاتَلْتَ المُشْرِكِينَ، لَئِنِ اللَّهُ أَشْهَدَنِي قِتَالَ المُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلاَءِ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: يَا سَعْدُ بْنَ مُعَاذٍ، الجَنَّةَ وَرَبِّ النَّضْرِ إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا مِنْ دُونِ أُحُدٍ، قَالَ سَعْدٌ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَجَدْنَا بِهِ بِضْعًا وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةً بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةً بِسَهْمٍ وَوَجَدْنَاهُ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ أَحَدٌ إِلَّا أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نُرَى أَوْ نَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَشْبَاهِهِ: (مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) (الأحزاب:23)، إلى آخِرِ الآيَةِ" (متفق عليه). ثانيًا: صدق الأفعال: معناه: مطابقة الأفعال للأقوال والنيات، فلا يكذب فعله قوله: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف:2-3). - موقف في أهمية صدق الأفعال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا...) (رواه البخاري). (لأنهم غير صادقين في طلب الشهادة ). ثالثًا: صدق النيات والإرادات: معناه: العزم الصادق في إرادة فعل الخيرات مع الأقوال والأفعال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نَوَى) (متفق عليه). - موقف في أهمية صدق النية: عن شداد بن الهاد -رضي الله عنه-: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَبْيًا، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: (قَسَمْتُهُ لَكَ)، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إلى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إلى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: (إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ). فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أَهُوَ هُوَ؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ)، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: (اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا، أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني). رابعًا: صدق الأحوال: معناه: مطابقة حاله الظاهر لأقواله وأفعاله ونيته (ظهور آثار الصدق على الوجه والجوارح وسائر التصرفات): عن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- المَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ" (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). التحذير من الكذب: (وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ): - النهي عن الكذب؛ لأنه يوصل إلى الفسق والفجور، فتصير أقواله وأعماله كلها على خلاف الحقيقة، خارجة عن طاعة الله، والخروج عن طاعته هو الهاوية التي تقود صاحبها وتزج به في النار: (وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إلى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إلى النَّارِ)، وقال -تعالى-: (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) (البقرة: 10). - الكذب خلق ذميم يكتسبه صاحبه من طول ممارسته، وتحريه قولًا وفعلًا، حتى يصبح خُلقًا وسجية، ثم يكتب عند الله -تعالى- كثير الكذب عديم الصدق: (وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا). - وإن الكاذب لمحذور في حياته لا يوثق به في خبر ولا معاملة، وإنه لموضع الوصف القبيح بعد وفاته: "سئل شريك بن عبد الله فقيل له: يا أبا عبد الله، رجل سمعته يكذب متعمدًا أأصلي خلفه؟ قال: لا" (تفسير القرطبي). - إن الإنسان لينفر أن يقال له بين الناس: يا كذاب؛ فكيف يقبل أن يكتب عند خالقه كذابًا؟ قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لأن يضعني الصدق أحب إليَّ من أن يرفعني الكذب" (أدب الدنيا والدين للماوردي). "وهذا أبو سفيان ذهب قبل أن يسلم في ركب من قريش تجار إلى الشام، فلما سمع بهم هرقل ملك الروم بعث إليهم ليسألهم عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال أبو سفيان: "فَوَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ!" (رواه البخاري). - فأين أولئك الذين يكذبون ليضحكوا الناس، أو الذين يقولون: "كذب أبيض!" مِن هذا؟! ففي الحديث: (وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني)، وعن عبد الله بن عامر -رضي الله عنه- قال: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟) قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا، كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). مجالات الكذب: - هي نفس مجالات الصدق التي تقدَّمت؛ فهو إن لم يصدق فيها كان من الكاذبين. خاتمة: ملخص الوصية: 1- أن للجنة أعمالًا توصل إليها، منها: الصدق، وأن للنار أعمالًا توصل إليها، منها: الكذب. 2- الأمر بالصدق؛ لأنه يدل ويوصل إلى البرِّ الذي هو جِمَاع الخير، والبر هو الطريق المستقيم للجنة. 3- أن الصدق خُلُق كريم يحصل بالاكتساب والمجاهدة. 4- أن الكذب خلق ذميم يكتسبه صاحبه من طول ممارسته، وتحريه قولًا وفعلًا، حتى يصبح خُلُقًا وسجية. 5- أن الكذب يوصل إلى الفسق والفجور، الذي يقود صاحبه إلى النار. فاللهم اجعلنا من الصادقين في الدنيا والآخرة. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (10) إياكم والدخول على النساء (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الخطبة الأولى). - وصية اليوم: عن عقبة بن عامر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إيَّاكُمْ والدُّخُولَ علَى النِّساءِ)، فقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسولَ اللَّهِ، أفَرَأَيْتَ الحَمْوَ؟ قالَ: (الحَمْوُ المَوْتُ) (متفق عليه). - شرح مجمل للوصية: قال النووي -رحمه الله-: "المراد في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، وإنما المراد الأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، وابن الأخت، ونحوهم مما يحل لها تزوجه لو لم تكن متزوجة، وجرت العادة بالتساهل فيه، فيخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبَّهه بالموت، وهو أَولى بالمنع من الأجنبي، فإن الخلوة بقريب الزوج أكثر من الخلوة بغيره، والشر يُتوقَّع منه أكثر من غيره، والفتنة به أمكنُ؛ لتمكُّنه من الوصول إلى المرأة والخلوة بها من غير نكيرٍ عليه، بخلاف الأجنبي، والله أعلم". - الإشارة إلى أهمية الوقوف على بعض جوانب الموضوع، على النحو التالي: الوقفة الأولى: خطر فتنة النساء: - المرأة أعظم فتن الدنيا التي يستعملها الشيطان في غواية الإنسان، ولذلك قُدِّمت في التحذير: قال -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ علَى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فإنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ في النِّسَاءِ) (رواه مسلم). - الشيطان وأعوانه يعملون ليل نهار على إفساد حياة المسلمين من خلال فتنة المرأة، وعلى إخراج المرأة المسلمة من بيتها، وتزيينها للرجال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ)(1) (رواه الترمذي وأبو داود، وصححه الألباني)، وقال -تعالى-: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب: 33). - الإسلام يسد منابع الفتنة بالنساء، بتدابير هي مِن باب: الوقاية خير من العلاج (فرض الحجاب - الأمر بغض البصر - تحريم سفر المرأة بغير محرم - تحريم تطيُب المرأة بين الأجانب): قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ) (الأحزاب: 59)، وقال: (قُل لِّلْمُؤْمِنِين َ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ . وَقُل لِّلْمُؤْمِنَات ِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ َ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 30-31)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (*أَيُّمَا *امْرَأَةٍ *اسْتَعْطَرَتْ *فَمَرَّتْ *عَلَى *قَوْمٍ *لِيَجِدُوا *مِنْ *رِيحِهَا، *فَهِيَ *زَانِيَةٌ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني). الوقفة الثانية: تحريم الخلوة والاختلاط: - ومن هذه التدابير الإسلامية لسدِّ منابع الفتنة بالمرأة: "تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية": قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: («لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ *ثَالِثَهُمَا *الشَّيْطَانُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وقال بعض السلف: "لو ائتمنوني على بيت المال لأمنت، ولو ائتمونوني على أمة شهواء أو سوداء لما أمنت نفسي"(2). - لقد حرَّم الله اختلاط الرجال بالنساء في الصلاة، وهي أشرف أحوال العبد؛ فكيف بالخلوة؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجالِ: أوَّلُها، وشَرُّها: آخِرُها، وخَيْرُ صُفُوفِ النِّساءِ: آخِرُها، وشَرُّها: أوَّلُها) (رواه مسلم)، وعن أمِّ حُميدٍ امرأةِ أبي حُميدٍ السَّاعديِّ: أنها جاءتِ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يَا رسولَ اللهِ، إنِّي أُحِبُّ الصَّلاةَ معك، قال: (قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكَ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، *وَصَلَاتُكِ *فِي *دَارِكِ *خَيْرٌ *مِنْ *صَلَاتِكِ *فِي *مَسْجِدِ *قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي) (رواه أحمد وابن حبان، وحسنه الألباني)(3). - لقد حَرَّم الله على الصحابة -الذين هم أفضل الرجال- سؤال أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم اللاتي هن أفضل النساء- إلا مِن وراء الجدر والستر؛ فكيف بنا؟! وكيف بنسائنا؟! قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنّ َ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ? ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) (الأحزاب: 53). - ولذا منع النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلًا من الخروج للجهاد والذي هو من أشرف الأعمال، ليكون مع امرأته المسافرة للحج حتى لا تكون بمفردها مع الرجال!: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إلَّا وَمعهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ) (رواه البخاري، ومسلم واللفظ له)، وفي الحديث: قام رجل فقال: يَا رسول الله، اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذا وكَذا، وخَرَجَتِ امْرَأَتي حاجَّةً، قالَ: (اذْهَبْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ) (متفق عليه). الوقفة الثالثة: أيها الرجال... أين الغيرة؟! - إن الذين يرضون بدخول الرجال الأجانب على نسائهم لا غيرة عندهم: وهم متوعدون بالجزاء الأليم في الأخرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ثلاثةٌ لا ينظرُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليهم يومَ القيامةِ: العاقُّ لوالِدَيهِ، والمرأةُ المترجِّلةُ، والدَّيُّوثُ) (رواه أحمد والنسائي، وقال الألباني: "حسن صحيح")، وخطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يومًا في الناس فقال: "أَلَا تَسْتَحْيُونَ أَوْ تَغَارُونَ؟ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ نِسَاءَكُمْ *يَخْرُجْنَ *فِي *الْأَسْوَاقِ *يُزَاحِمْنَ *الْعُلُوجَ!" (رواه أحمد، وصححه الشيخ أحمد شاكر). - الغيرة على الحريم من الإيمان: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ اللَّهَ يَغَارُ، وإنَّ المُؤْمِنَ يَغَارُ...) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ؟! واللَّهِ لَأَنَا أغْيَرُ منه، واللَّهُ أغْيَرُ مِنِّي) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم- لعمر -رضي الله عنه-: (رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الجَنَّةَ، ورَأَيْتُ قَصْرًا بفِنائِهِ جارِيَةٌ، فَقُلتُ: لِمَن هذا؟ فقالَ: لِعُمَرَ، فأرَدْتُ أنْ أدْخُلَهُ فأنْظُرَ إلَيْهِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ)، فقالَ عُمَرُ: بأَبِي وأُمِّي يا رَسولَ اللَّهِ، أعَلَيْكَ أغارُ؟! (متفق عليه). - الرجال الصالحون يغارون لخروج نسائهم للصلاة؛ فأين الذي يرضى بدخول الرجال على نسائه من هؤلاء؟!: قال ابن حجر -رحمه الله-: "ذكر أبو عمر في التمهيد: أن عمر بن الخطاب لما خطب عاتكة بنت زيد، شرطت عليه ألا يضربها ولا يمنعها من الحقّ، ولا من الصّلاة في المسجد النبويّ، ثم شرطت ذلك على الزّبير، فتحيل عليها أن كمن لها لما خرجت إلى صلاة العشاء، فلما مرّت به ضرب على عجيزتها، فلما رجعت قالت: إنا للَّه، فسد النّاس، فلم تخرج بعد" (الإصابة في تمييز الصحابة). خاتمة: عود على بدء وتحذير: - تذكير بوصية اليوم مرة أخرى: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إيَّاكُمْ والدُّخُولَ علَى النِّساءِ...) الحديث. - احذروا الموت، احذروا فساد البيوت، احذروا الهلاك، احذروا مخالفة أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وإلا فالندم في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (النور: 63). وقال الشاعر: أتبكي على لبنى وأنت قتلتها فقد هلكت لبنى فما أنت صانع؟! نسأل الله أن يحفظ على المسلمين بيوتهم وأعراضهم، والحمد لله رب العالمين. ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــــ ـــــــــــــ (1) فدعوات التحرر والتبرج والعري، يخدم عليها بكل الوسائل الممكنة (مزاحمة الرجال في كل المجالات - الأفلام الأغاني والنت - إلخ). (2) يفرِّط كثيرٌ من الرجال الذين لا غيرة لهم على نسائهم، فيقولون: هو مثل أخيها، أو تربَّى معها، أو هو الطبيب أو المدرس! ومن الصور المخالفة في ذلك: (دخول العمال والصناع - أو السكرتيرة والمدير - أو في المصاعد وأماكن العمل - ...). (3) مفهوم ذلك كله: أنكِ مأمورة باجتناب أماكن الرجال، وعليكِ بالصيانة والتعفف، والبُعد عن نظر الرجال ما استطعت. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (11) وصايا للمسافر (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الخطبة الأولى). - وصية اليوم: عن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- أَنَّ رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أريدُ أن أسافِرَ، فَأوصِني، قالَ: (عليكَ بتقوَى اللَّهِ، والتَّكبيرِ على كُلِّ شَرَفٍ)، فلمَّا ولَّى الرَّجُلُ، قالَ: (اللَّهُمَّ اطوِ لَه البُعدَ، وَهوِّن عليهِ السَّفرَ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). - الإشارة إلى أن هذه الوصية تضمنت بعض آداب السفر الإيمانية والعقدية، وعلى هامش ذلك سنقف على بعض الآداب الأخرى التي جاءت في سنته -صلى الله عليه وسلم-. الأدب الأول: الوصية بالتقوى: - والتقوى في مجموعها تعني خوف الله في السر والعلن: قال علي بن أبي طالب -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: "التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل" (سبل الهدى والرشاد للصالحي). - الوصية بالتقوى تكون في كل وقت، ولكنها تتأكد في السفر؛ لأن المسافر يكون غريبًا عن الناس، فربما اجترأ على المعصية، لعدم خوف الملامة، حيث لا يعرفه أحد(1): قال -تعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) (النساء: 131)، وقال -تعالى-: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: 197). الأدب الثاني: التكبير على كل شرف: - الصعود إلى الأماكن المرتفعة يشعر الإنسان بالعلو والكبرياء، فعند ذلك ينبغي عليه أن يستحضر أن الله أعلى وأكبر وأجل: قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع، أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس، لما فيه من استشعار الكبرياء، فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله -تعالى-، وأنه أكبر من كل شيء، فيكبره، ليشكر له ذلك فيزيده من فضله" (فتح الباري). - المسلم مرتبط بعقيدة التوحيد في كل حاله وترحاله: عن جابر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- قال: "كُنَّا إذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وإذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا" (رواه البخاري)، وعن ابن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- قال: "كانَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وجيوشُهُ إذا علَوا الثَّنايا كبَّروا وإذا هبَطوا سبَّحوا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني). ومن آداب السفر الأخرى: الأدب الثالث: التوبة والتحلل من المظالم: - ينبغي للمسافر أن يبدأ بالتوبة، ويخرج من المظالم، ويقضي ديونه إن لم يترك مَن يوفيها في موعدها، ويرد الأمانات إن كان سفره طويلًا، ويطلب مسامحة أصحاب الحقوق، ويتذكر بسفره خروجه من الدنيا: قال -تعالى-: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (البقرة: 281)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء: 58)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). الأدب الرابع: إرضاء الوالدين: - فلا يسافر إلا برضاهما، لا سيما إذا كان سفره يطول، ويتضرران به: عن أبي سعيد -رَضِيَ اللَّهُ عنْه-: أنَّ رجلًا هاجرَ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- منَ اليمَنِ فقالَ: (هل لَكَ أحدٌ باليمَنِ؟)، قالَ: أبوايَ، قالَ: (أذنا لَكَ؟) قالَ: لا، قالَ: (ارجِع إليهما فاستأْذِنْهما، فإن أذنا لَكَ فجاهِدْ، وإلَّا فبرَّهُما) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وعن معاوية بن جاهمة السلمي أنه جاءَ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أردتُ أن أغزوَ وقد جئتُ أستشيرُكَ، فقالَ: (هل لَكَ مِن أمٍّ؟)، قالَ: نعَم، قالَ: (فالزَمها فإنَّ الجنَّةَ تحتَ رِجلَيها) (رواه النسائي، وصححه الألباني). الأدب الخامس: توديع الأهل والأحباب: - وليتواصوا بالحق، وليدعوا كلٌّ للآخر: ففي وصية اليوم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ اطوِ لَه البُعدَ وَهوِّن عليهِ السَّفرَ)، وعن أنس -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- قال: جاءَ رجُلٌ إلى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أريدُ سفرًا فزوِّدني، قالَ: (زوَّدَك اللَّهُ التَّقوى)، قالَ زِدني، قالَ: (وغفرَ ذنبَك)، قالَ: زدني بأبي أنتَ وأمِّي، قالَ: (ويسَّرَ لَك الخيرَ حيثُما كنتَ) (رواه الترمذي، وقال الألباني: "حسن صحيح")، وكان ابن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عنْهما- يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ سَفَرًا: ادْنُ مِنِّي حَتَّى أُوَدِّعَكَ كمَا كَانَ رسولُ اللَّه -صلى الله عليه وسلم- يُودِّعُنَا، فيقُولُ: (أَسْتَوْدِعُ اللَّه دِينَكَ، وَأَمانَتَكَ، وخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). الأدب السادس: اختيار الرفيق: - السفر يُمتحَن فيه الناس في أخلاقهم: قال بعض علماء اللغة: "سُمِّي السفر سفرًا؛ لأنه يكشف عن أخلاق الرجال". - والرفيق في السفر إذا كان صالحًا كان عونًا ومؤنسًا، وإن كان فاسدًا كان همًّا وعبئًا على صاحبه، ولربما حَمَّله من الذنوب ما لا يعلمه إلا الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ، والجَلِيسِ السّوءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) (متفق عليه). - وإذا كانوا جماعة جعلوا عليهم أميرًا، يرجعون إليه إذا اختلفوا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ في سَفَرٍ فَلْيُؤمِّروا أَحَدَهُم) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). - ولا تسافر المرأة بغير محرم لها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تُسَافِرْ الْمَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ) (متفق عليه). الأدب السابع: التعجيل بالرجوع إلى أهله: - فلا يمكث في سفره فوق حاجته؛ مراعاة لحق أهله وعياله عليه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ، يَمْنَعُ أحَدَكُمْ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ونَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ، فَلْيُعَجِّلْ إلى أهْلِهِ) (متفق عليه)، وكان عمر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- يأمر في سفر الجهاد والغزو ألا يزيد على ستة أشهر، حتى لا تتضرر المرأة(2). الأدب الثامن: البدء بالمسجد عند الرجوع: - يفعل ذلك تبركًا، واقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-: فعن كعب بن مالك أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "كانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، بَدَأَ بالمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فيه رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ" (رواه البخاري). قال النووي -رحمه الله-: "فإن كان القادم مشهورًا يقصده الناس، استحب أن يقعد في المسجد، أو في مكان بارز، ليكون أسهل عليه وعلى قاصديه، وإن كان غير مشهور ولا يقصد، ذهب إلى بيته بعد صلاته الركعتين في المسجد" (المجموع). خاتمة: عود على بدء: - إعادة ذكر الوصية، مع الإشارة إلى فضل مراعاة ذلك عند السفر، حيث وَصَّى النبي -صلى الله عليه وسلم-. فاللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى في السفر وفي الحضر، والحمد لله رب العالمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) وما أكثر صور ذلك في السفر، كحال بعض الطلبة المبتعثين في بلاد الغرب، أو بعض المسافرين للتنزه والسياحة، بل وصل الأمر ببعضهم إلى إحداث مَثَل شعبي حول التحلل من الأخلاق في السفر، وهو قولهم: "إذا دخلت بلدًا لا يعرفك أحد فيها، فتجرد من ثيابك وأمشي فيها!"، نعوذ بالله من الفجور والضلال. (2) إن واقع الحياة يحمل الصور المأسوية الكثيرة على فساد وانهدام كثير من البيوت، نتيجة غياب الأزواج في الأسفار مدة طويلة. نسأل الله أن يحفظ بيوت المسلمين. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (12) اجتنبوا السبع الموبقات (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الخطبة الأولى). - وصية اليوم: عن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ)، قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ وما هُنَّ؟ قالَ: (الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّا بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَومَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ الغافِلاتِ) (متفق عليه). - الإشارة إلى سبب تسميتها موبقات: قال المهلب: "سُميت بذلك؛ لأنها سبب لإهلاك مرتكبها"، قال الحافظ: "الموبقة هي الكبيرة" (فتح الباري). أول وأعظم المهلكات: الشرك بالله: - الشرك بالله تبديل للفطرة وجحود لنعم الله؛ ولذا فهو أكبر الكبائر: ففي الحديث في قصة يحيى بن زكريا -عليهما السلام- أنه قال لبني اسرائيل: (وإنَّ مَثلَ مَن أشرَك باللهِ كمثَلِ رجلٍ اشترى عبدًا مِن خالصِ مالِه بذهَبٍ أو ورِقٍ، فقال: هذه داري وهذا عمَلي، فاعمَلْ وأدِّ إليَّ، فكان يعمَلُ ويُؤدِّي إلى غيرِ سيِّدِه؛ فأيُّكم يَرْضَى أن يكونَ عَبْدُه كَذَلِك؟!) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - والشرك بالله عاقبته الخلود في النار: قال -تعالى-: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (المائدة: 72). - من مظاهر الشرك في حياة المسلمين: 1- اعتقاد أن غير الله من الأولياء والصالحين والأنبياء والملائكة يدبرون الأمر! (الشيعة مع أئمتهم - الصوفية مع الأولياء). 2- اعتقاد البعض الحرية في قبول الشرع أو رفضه! (العلمانيون - الليبراليون - ... ). 3- دعاء غير الله من الأموات وأصحاب الأضرحة، وسؤالهم الحاجات وتفريج الكربات! 4- الذبح والنذر لغير الله! 5- إتيان الكهان والعرافين وتصديقهم! 6- تعليق التمائم على البيوت والسيارات ونحوها، اعتقادًا لجلبها النفع أو دفعها الضر! المهلكة الثانية: السحر(1): - السحر كفر بالله -عز وجل-؛ لأن الساحر يوهم الناس أنه قادر على النفع والضر بما يتسبب فيه بسحره: قال -تعالى-: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة:102). - السحرة لا يتوصلون إلى سحرهم إلا بالكفر والأقوال والأفعال الشنيعة: قال ابن تيمية -رحمه الله-: "يكتبون كلام الله بالنجاسة(2)، وقد يقلبون حروف كلام الله -عز وجل-، إما حروف الفاتحة، وإما حروف (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (الصمد:1)، وإما غيرهما، ويذكر أنهم قد يكتبون كلام الله بالدم أو بغيره من النجاسات، وقد يكتبون غير ذلك مما يرضاه الشيطان، أو يتكلمون بذلك" (مجموع الفتاوى). - ولذا كان إتيان السحرة خطر شديد على عقيدة المسلم وإيمانه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن أتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عن شيءٍ، لَمْ تُقْبَلْ له صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً) (رواه مسلم). المهلكة الثالثة: قتل النفس التي حَرَّم الله: - قتل النفس يضيق على العبد أمره في الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ في فُسْحَةٍ مِن دِينِهِ، ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) (رواه البخاري)، وعَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ قالَ: "إنَّ مِن ورَطَاتِ الأُمُورِ الَّتي لا مَخْرَجَ لِمَن أوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بغيرِ حِلِّهِ"(رواه البخاري). - لقد تبرأ النبي -صلى الله عليه وسلم- ممَّن يقتل المسلمين: قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن حَمَلَ عليْنا السِّلاحَ فليسَ مِنَّا) (متفق عليه). - دماء المسلمين أشرف الدماء، ولو استهان بها الفجار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لو أنَّ أَهلَ السَّماءِ وأَهلَ الأرضِ اشترَكوا في دمِ مؤمنٍ لأَكبَّهمُ اللَّهُ في النَّارِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وعن نافع قال: "نظرَ ابنُ عُمرَ يومًا إلى الكعبةِ فقال: ما أعظَمَكِ! وما أعظَمَ حُرْمَتَك! والمؤمِنُ أعظمُ حُرْمةً عند اللهِ مِنْكِ" (رواه الترمذي وابن حبان، وقال الألباني: "حسن صحيح"). المهلكة الرابعة: أكل الربا: - جريمة الربا حرب مباشرة مع الله ورسوله، نتيجتها محسومة خاسرة: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) (البقرة: 278-279). - المتعامل بالربا متوعد بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة: عن جابر -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- قال: لعنَ رسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- آكلَ الرِّبا وموكلَهُ وشاهديْهِ وَكاتبَه، وقال: (هُمْ سَوَاءٌ) (رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الربا ثلاثةٌ وسبعونَ بابًا، وأيسرُها مثلُ أنْ ينكِحَ الرجلُ أمَّهُ، و إِنَّ أَرْبَى الرِّبَا عرضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، وفي حديث الاسراء الطويل: (وأَمَّا الرَّجُلُ الذي أتَيْتَ عليه يَسْبَحُ في النَّهَرِ ويُلْقَمُ الحَجَرَ، فإنَّه آكِلُ الرِّبَا) (متفق عليه). - المتعامل بالربا متوعد بذهاب بركة المال، وحلول الخراب والوبال(3): قال -تعالى-: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) (البقرة: 276). المهلكة الخامسة: أكل مال اليتيم: - فقد الأب في الصغر يكسر قلب الصغير، ويضعفه بين الناس؛ ولذا جاء التحذير من إيذائه: قال -تعالى-: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) (الضحى: 9)، وقال: (كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) (الفجر: 17)، وقال عن الكافر: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ) (الماعون: 2). - وأوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- باليتيم والإحسان إليه: قال -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهمَّ إنِّي أحرِّجُ حقَّ الضَّعيفينِ: اليتيمِ، والمرأَةِ) (رواه ابن ماجه، والنسائي في السنن الكبرى، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أنا وكافِلُ اليَتِيمِ في الجَنَّةِ هَكَذا وأَشارَ بالسَّبَّابَةِ والوُسْطَى، وفَرَّجَ بيْنَهُما شيئًا) (متفق عليه). - فكيف بمَن يأخذ ماله أو يتلفه (كحال بعض الورثة - أو بعض الأولياء - أو غيرهم)؟! قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) (النساء: 10)، وقال: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) (الإسراء: 34). المهلكة السادسة: التولي يوم الزحف(4): - الفرار من ميدان الجهاد من الكبائر العظام؛ لما له من أثر سيئ على الصف المسلم: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ . وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ) (الأنفال: 15-16)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الأنفال: 45). - فلا يجوز الانسحاب إلا لمصلحة شرعية بأمر أمير الجيش: قال -تعالى-: (إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ) (الأنفال: 16)، ومن ذلك فعل خالد بن الوليد -رضي الله عنه- يوم مؤتة؛ لما رأى من خطر البقاء على المسلمين، وقد أثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على فعله فقال: (حتَّى أخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ، حتَّى فَتَحَ اللَّهُ عليهم) (رواه البخاري). المهلكة السابعة: قذف المحصنات الغافلات(5): - قذف الأعراض بغير بينة من الكبائر العظام لما له من أثر سيئ في إفساد المجتمع المسلم؛ ولذلك شرع حد القذف: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ? وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 4)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (النور: 23). - الحذر الحذر مما شاع بين كثيرٍ من الجهلة وأصحاب الألسنة البذيئة من سب وقذف الناس: قال -تعالى-: (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15). خاتمة: - تذكير بالوصية بالإشارة إلى خطر الوقوع في ذلك بإجمال. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال ابن قدامة -رحمه الله- في الكافي: "السحر عزائم ورقى وعُقَد تؤثِّر في الأبدان والقلوب، فيمرض ويقتل، ويفرِّق بين المرء وزوجه، ويأخذ أحد الزوجين عن صاحبه، قال الله -تعالى-: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (البقرة: 102)" (نقلًا عن فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، باب ما جاء في السحر). (2) كدم الحيض أو المني، أو غيرهما. (3) اسألوا عنابر السجون الممتلئة بمَن عجزوا عن سداد الديون الربوية. (4) التولي يوم الزحف: الانسحاب أثناء المعركة دون سبب مشروع، وهو يتضمن مفسدتين: الأولى: كسر قلوب المسلمين. والثانية: تقوية الكفار على المسلمين. (5) بأن يقول: هي زانية، وما أشبه ذلك. ومثله أن يقول عن رجل عفيف: هو زان، أو نحو ذلك. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (13) الحث على أكل الحلال (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الخطبة الأولى). - وصية اليوم: عن أبي هريرة -رَضِيَ اللَّهُ عنْه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّها النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ(1) لا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بما أمَرَ به المُرْسَلِينَ، فقالَ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: 51)، وقالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة: 172)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟!) (رواه مسلم). - شرح مجمل للوصية ثم التفصيل في عناصر: قال العلماء: بعد أن بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله لا يقبل الا طيبًا، وأن المرسلين والمؤمنين أمروا بالأكل مِن الطيبات، بيَّن أن مِن الناس مَن يخالف هذا المسلك، فلا يكون أكلة طيبًا، بل يعمد إلى اكتساب الحرام واستعماله في جميع شئونه من مأكل وملبس وغذاء، وأن ذلك من أسباب عدم قبول دعائه، مع كونه أتى بأسباب قبول الدعاء، وهي في هذا الحديث أربعة: السفر مع إطالته، وكونه أشعث أغبر، وكونه يمد يديه بالدعاء، وكونه ينادي الله بربوبيته مع الحاحه على ربه بتكرار ذلك، ومع ذلك لا تحصل الإجابة، لوجود مانع عظيم، وهو أكل الحرام. الحث على أكل الحلال الطيب: - أمر الله بأكل الحلال الطيب (الأمر في الوصية): قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: 172)، وقال -تعالى-: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ) (المائدة: 4)، وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ?) (البقرة: 168)(2). - وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأكل الحلال: (وصية اليوم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَتَصَدَّقُ أحَدٌ بتَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، إلَّا أخَذَها اللَّهُ بيَمِينِهِ، فيُرَبِّيها كما يُرَبِّي أحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، أوْ قَلُوصَهُ، حتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ، أوْ أعْظَمَ) (متفق عليه). - من أقوال السلف في الحث على أكل الحلال: قال سهل بن عبد الله: "النجاة في ثلاثة: أكل الحلال، وأداء الفرائض، والاقتداء بالنبي -صلى الله عليه وسلم-" (تفسير القرطبي)، وقال وهيب بن ورد: "لَوْ قُمْتَ قِيَامَ هَذِهِ السَّارِيَةِ مَا نَفَعَكَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا يَدْخُلُ بَطْنَكَ حَلَالٌ أَمْ حَرَامٌ" (حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبو نعيم الأصبهاني)، وقال بعضهم: "الحجر المغصوب في البناء أساس الخراب" (كتاب اللطائف لابن الجوزي). عاقبة أكل الحرام: - لقد شاع أكل الحرام في هذا الزمان، حتى تنافس الناس في طرقه ووسائله، دون مبالاة بعاقبته(3): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ زَمانٌ، لا يُبالِي المَرْءُ بما أخَذَ المالَ، أمِنْ حَلالٍ أمْ مِن حَرامٍ) (رواه البخاري). - أكل الحرام من أعظم أسباب هلاك الانسان في الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ... ) وذكر منها: (وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليَتِيمِ) (متفق عليه). بعض آثار وعواقب أكل الحرام: لا يقبل الله دعاءه: ففي وصية اليوم: (ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ، يا رَبِّ، يا رَبِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، وغُذِيَ بالحَرامِ، فأنَّى يُسْتَجابُ لذلكَ؟!) وقال بعض السلف: "لَا تَسْتَبْطِئِ الْإِجَابَةَ وَقَدْ سَدَدْتَ طَرِيقَهَا بِالذُّنُوبِ" (سير أعلام النبلاء للذهبي)، وعن وهب بن مُنبِّه قال: "من سرَّه أنْ يستجيب الله دعوته، فليُطِب طُعمته" (جامع العلوم والحكم)، وروي في الحديث: "يا سعدُ، أَطِبْ مَطْعَمَكَ؛ تَكُنْ مُستَجابَ الدَّعوةِ" (رواه الطبراني باختلاف يسير، وحكمه ضعيف). - محق البركة في حالة وماله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا) (البقرة: 276)، و(وهكذا في كل عمل محرم وكسب محرم). - استجلاب غضب الجبار سبحانه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَن حَلَفَ علَى يَمِينِ صَبْرٍ، يَقْتَطِعُ بها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبانُ) (متفق عليه). - وأعظم آثار أكل الحرام استحقاق النار: ففي سنن الترمذي بإسناد صحيح، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وفي رواية أحمد: (يَا كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ، أَوْلَى بِهِ) (رواه أحمد، وقال محققو المسند: إسناده قوي). الصالحون يتحرون الحلال الطيب: - الصالحون ينظرون أدق النظر فيما يتكسبونه ويدخلونه بطونهم وبطون أهليهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيَهَا) (متفق عليه)، وعن عائشة -رَضِيَ اللَّهُ عنْها- قالت: "كانَ لأبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخْرِجُ له الخَرَاجَ، وكانَ أبو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِن خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بشَيءٍ، فأكَلَ منه أبو بَكْرٍ، فَقالَ له الغُلَامُ: أتَدْرِي ما هذا؟ فَقالَ أبو بَكْرٍ: وما هُوَ؟ قالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لِإِنْسَانٍ في الجَاهِلِيَّةِ، وما أُحْسِنُ الكِهَانَةَ، إلَّا أنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فأعْطَانِي بذلكَ؛ فَهذا الذي أكَلْتَ منه. فأدْخَلَ أبو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَ كُلَّ شيءٍ في بَطْنِهِ" (رواه البخاري). الصالحون يجنون ثمار تحريهم أكل الحلال، واجتنابهم أكل الحرام: - لقد كانت المرأة في السلف الصالح حريصة ألا تأكل هي وأبناؤها إلا الحلال؛ خوفًا من هذا الحديث، فكانت الواحدة منهن توصي زوجها وهو ذاهب إلى عمله قائلة: "يا أبا فلان، إننا نصبر على ألم الجوع، ولا نصبر على ألم عذاب الله؛ فاتقِ الله فينا". - تعففوا عن الحرام فأغناهم الله من فضله -المبارك والد الإمام عبد الله بن المبارك-: "كان المبارك عبدًا رقيقًا أعتقه سيده، ثم اشتغل أجيرًا عند صاحب بستان، وفي ذات يوم خرج صاحب البستان مع أصحاب له إلى البستان، وقال للمبارك: ائتنا برمان حلو فقطف رمانات، ثم قدَّمها إليهم، فإذا هي حامضة، فقال صاحب البستان: أنت ما تعرف الحلو من الحامض؟ قال لم تأذن لي إن آكل حتى أعرف الحلو من الحامض، فقال له: أنت من كذا وكذا سنة تحرس البستان وتقول هذا! وظن أنه يخدعه، فسأل الجيران عنه، فقالوا: ما أكل رمانة واحدة، فقال له صاحب البستان: يا مبارك ليس عندي إلا ابنة واحدة فلمن أزوجها؟، فقال له: اليهود يزوجون للمال، والنصارى يزوجون للجمال، والعرب للحسب، والمسلمون يزوجون للتقوى، فمن الأصناف أنت زوج ابنتك للصنف الذي أنت منه، فقال: وهل يوجد أتقى منك! ثم زوَّجه ابنته". ومن هذا البيت العفيف خرج الإمام عبد الله بن المبارك الذي كان يقول: "أَنْ أَرُدَّ دِرْهَمًا مِنْ شُبْهَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَمِائَةِ أَلْفٍ حَتَّى بَلَغَ سِتُّمِائَةَ أَلْفٍ" (الورع لابن أبي الدنيا). - تعففوا عن الحرام فبورك في الذرية "والد الإمام البخاري": عن أحمد بن حفص قال: دخلت على أبي الحسن -يعني إسماعيل والد الإمام البخاري- عند موته، فقال: "لا أعلم من مالي درهمًا من حرام، ولا درهمًا من شبهة"، قال أحمد: فتصاغرت إليَّ نفسي عند ذلك، وقلتُ: وصلاح الآباء ينفع الأبناء؛ كما قال -تعالى-: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) (الكهف: 82) (حجية السنة النبوية ومكانتها في التشريع الإسلامي). - وقد ذُكِر أن جنيدًا البغدادي -رحمه الله- جاء يومًا إلى داره فرأى جارية جاره ترضع ولده، فانتزع ولده منها، وأدخل أصبعه في فيه (فمه) وجعله يتقيأ كل الذي شربه، فلما سُئِل، قال: جاري يأكل الربا، يأكل الحرام، وجارية جاري تعمل عنده فهي تأكل الحرام، وجارية جاري ترضع ولدي فهي ترضع ولدي الحرام، ورسول الله -عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام- يقول: (لا يربو لحمٌ نبتَ من سحتٍ إلَّا كانتِ النَّارُ أولى بِهِ ". (رواه الترمذي: (614)، وصححه الألباني). - فيا عبد الله، إذا كنت لا تبالي بمثل هذا الوعيد؛ فهلا راعيت فلذات كبدك، وتحريت الحلال من أجلهم! خاتمة: - تذكر -يا عبد الله- دائمًا مع إعداد الجواب أن أحد الأسئلة الإجبارية يوم القيامة عن كسبك: أمن الحلال أم من الحرام؟ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - تذكر حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما قال في الحديث الصحيح: (اتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ -تعالى- لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). - تذكر قول الله -تعالى-: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ) (المطففين: 1)، (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ . لِيَوْمٍ عَظِيمٍ) (المطففين: 4-5). فاللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال القاضي: الطيب صفة الله -تعالى-، بمعنى المنزه عن النقائص، وهو بمعنى القدوس، وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث (شرح مسلم للنووي). (2) يأتي هنا السؤال: ما مناسبة ذكر اتباع خطوات الشيطان بعد الأمر بأكل الحلال؟ الجواب: أن الانسان إذا كان كسبه من حرام فسد كلُّ حاله؛ فطعامه وشرابه سيكون من الحرام، ونكاحه سيكون من الحرام، وحجه، إلخ. (3) يحسن الاشارة إلى بعض الأعمال والوظائف التي يكون كسبها حرام، مثل: المؤسسات الربوية - الغش في البيع - بيع المحرمات - الموظفون المتهربون من أعمالهم - المقاهي والملاهي وقاعات الافراح المصحوبة بالمحرمات - بيع ملابس المتبرجات - حلاق السيدات - إلخ. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (14) عليك بالإياس مما في أيدي الناس (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - الإشارة إلى فضل الوصايا النبوية (مقدمة الموعظة الأولى). - وصية اليوم: عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، أوصني، قال: (عليكَ بالإياسِ مِمَّا في أيدي النَّاسِ، وإيَّاكَ والطَّمَعَ فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ، وصلِّ صلاتَكَ وأنتَ مودِّعٌ، وإيَّاكَ وما يُعتَذرُ منهُ) (رواه الحاكم والبيهقي، وقال الألباني: "حسن لغيره"). - الإشارة إلى أن هذه الوصية يرجى للمؤمن إذا أخذ بها، العزة والكرامة في الدنيا والآخرة: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون: 8). (1) عليكَ بالإياسِ مِمَّا في أيدي النَّاسِ(1): - إذا أردتَ أن تكون غنيًّا عن الناس، عزيزًا بينهم، محبوبًا مطلوبًا، فلا تمدن عينيك إلى ما في أيديهم من متاع الدنيا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وازْهَد فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يحبُّكَ النَّاسُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الالباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (واعلمْ أنْ شرفَ المؤمنِ قيامُهُ بالليلِ، وعزَّهُ استغناؤهُ عنِ النَّاسِ) (رواه الحاكم والبيهقي، وحسنه الألباني). - استغنِ عما في أيدي الناس ولو كنت أفقرهم، فإنك لا تزال بذلك سيدًا كريمًا: قال أعرابي لأهل البصرة: "مَن سيدكم؟ قالوا: الحسن البصري. قال: بمَ سادكم؟ فقالوا: احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم"، وقال الحسن البصري: "لا يزال الرجل كريمًا على الناس حتى يطمع في دنياهم، فإذا فعل ذلك؛ استخفوا به، وكرهوا حديثه وأبغضوه". وقال الشاعر: كن زاهدا فيما حوته يد الورى تـبـقـى إلـى كـل الأنـام حـبـيـبًا (2) وإيَّاكَ والطَّمَعَ فإنَّهُ الفقرُ الحاضرُ: - الإنسان إذا ابتلي بداء الطمع لا يشبع أبدًا مهما أعطاه الله -تعالى- من رزق: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغَى ثالِثًا، ولا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلَّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ علَى مَن تابَ) (متفق عليه). - علاج هذا الداء الوبيل هو الرضا بالقليل، ومجاهدة النفس وردها عن جعل الدنيا أكبر الهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ: فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ: جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، ورُوي أن موسى -عليه السلام- سأل ربه -تعالى- فقال: "أي عبادك أغنى؟ قال: أقنعهم بما أعطيته" (إحياء علوم الدين للغزالي). وقال أبو العتاهية: رَغيفُ خُبزٍ يَابِسٍ ... تَأكُلُهُ فِي زَاوِيَه وَكُوزُ مَاءٍ بَارِدٍ ... تَشْرَبُهُ مِنْ صَافِيَهْ وَغُرفَةٌ ضَيِّقَةٌ ... نَفْسُكَ فِيهَا خَالِيَهْ أَوْ مَسجِدٌ بِمَعزِلٍ ... عَنِ الوَرَى فِي نَاحِيَهْ تَقرَأُ فِيهِ مُصحَفًا ... مُستَنِدًا لُسَارِيَهْ مُعتَبِرًا بِمَنْ مَضَى .... مِنَ القُرُونِ الخَالِيَهْ خَيْرٌ مِنَ السَّاعَاتِ ... فِي فَيْءِ القُصُورِ العَالِيَهْ (3) وصلِّ صلاتَكَ وأنتَ مودِّعٌ: - إشارة إلى الاستعداد للموت في كل لحظة، والحرص على العمل الصالح ليكون آخر ما يلقى البعد به ربه: "التأمل لمشهد إنسان يعلم أن ملك الموت واقف أمامه ينتظر انصرافه من الصلاة! فكيف سيؤدي هذه الصلاة؟!". - مَن كان ينتظر الموت سيقصر أمله، ويكثر عمله الصالح: عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا، فَقَالَ: (مَا هَذَا؟) فَقُلْتُ: خُصٌّ لَنَا، وَهَى نَحْنُ نُصْلِحُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا أُرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي الْمَوْتَى) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني). - وفي التوجيه التنبيه على الإحسان في أداء الصلاة: قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون: 1-2)، وعن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ما مِنَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فيُحْسِنُ وُضُوءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها، إلَّا كانَتْ كَفَّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً وذلكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ) (رواه مسلم)، وعن عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ -رَضِيَ اللهُ عنه- قال: "رأيتُ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصلِّي وفي صدرِه أزيزٌ كأزيزِ الرَّحى مِنَ البكاءِ" (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إنَّ الرَّجلَ لينصرِفُ، وما كُتِبَ لَه إلَّا عُشرُ صلاتِهِ تُسعُها ثُمنُها سُبعُها سُدسُها خُمسُها رُبعُها ثُلثُها، نِصفُها) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أسوَأُ النَّاسِ سَرِقةً الذي يَسرِقُ مِن صَلاتِه)، قالوا: يا رسولَ اللهِ، وكيف يَسرِقُ مِن صَلاتِه؟ قال: (لا يُتِمُّ رُكوعَها، ولا سُجُودَها) (رواه أحمد، وقال الألباني: "صحيح لغيره"). (4) وإيَّاكَ وما يُعتَذرُ منهُ: - كن حكيمًا في كل تصرفاتك، ولا تقدم على شيء الا بعد تفكير؛ حتى لا ترتكب ما يضعك في موقف الاعتذار، لاسيما بين يدي اللئام(3): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (التأَنِّي مِنَ اللهِ، والعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشج عبد القيس: (إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ: الْحِلْمُ، وَالْأَنَاةُ) (رواه مسلم)، وقال بعض الحكماء: "مَن أسرع في الجواب أخطأ في الصواب، ومَن ركب العجل أدركه الزلل". خاتمة: عود على بدء: - تذكير بوصية اليوم مرة أخرى، مع الإشارة إلى مجمل فوائدها التي يرجى منها تحقق العزة للمؤمن. فاللهم أعزنا بالإسلام، وزيِّنا بالإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تنبيه: اعلم أن الغنى المقصود في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الغنى الحقيقي، وهو غنى النفس، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (ليسَ الغِنَى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ) (متفق عليه). (2) يعني: أنك قد لا تبقى في الدنيا إلى أن يسقط هذا الحائط، بل العمر أقصر وأسرع من ذلك. (3) لا مانع من الاعتذار عند الخطأ، ولكن هذا يجعل للناس عليك يدًا؛ فكيف إذا كان المعتَذَر إليه لئيمًا؟! |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (15) الوصية بالزواج (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عَلْقَمَةُ قال: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ فَلَقِيَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَخَلَيَا، فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مَا كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنْ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى هَذَا أَشَارَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، لَقَدْ قَالَ لَنَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ) (متفق عليه). مجمل الوصية: لما كان الزواج فيه المصالح العظيمة للإنسان في دينه ودنياه، أوصى به النبي -صلى الله عليه وسلم- -صلى الله عليه وسلم- أمته؛ لا سيما الشباب الذين هم عرضة لفتنة النساء أكثر من غيرهم؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ). أهمية الزواج في الإسلام(1): - الزواج فطرة ربانية: قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء:1)، وقال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) (الحجرات:13). - الزواج آية من آيات الله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم:21). - الزواج مصلحة اجتماعية عظيمة: قال -تعالى-: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً) (النساء:1)، وقال: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات:13)، وقال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل:72)، وقال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا) (الفرقان:54). - الزواج سنة شرعية قديمة: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً) (الرعد:38)، (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) (الحديد:27)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (متفق عليه)، وقال: (تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى) (رواه البيهقي، وصححه الألباني). - الإسلام يُرغِّب في الزواج: قال الله -تعالى-: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) (النور:32)، (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) (النساء:3)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ) (رواه مسلم). - الزواج سبب للغنى والعفاف: قال -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنُهُمْ... وَالنَّاكِحُ يُرِيدُ الْعَفَافَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ دِينِهِ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). فضل الزوجة الصالحة: - هي النصر والفوز: (تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ) (متفق عليه). - هي خير متاع الدنيا: قال -صلى الله عليه وسلم-: (الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ) (رواه مسلم)، وقال الله -تعالى-: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ) (آل عمران:14). - هي من أسباب السعادة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاثَةٌ مِنَ السَّعَادَةِ، وَثَلاثَةٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ؛ فَمِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ تَرَاهَا تُعْجِبُكَ وَتَغِيبُ عَنْهَا فَتَأْمَنُهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ... وَمِنَ الشَّقَاوَةِ: الْمَرْأَةُ تَرَاهَا تَسُوؤُكَ وَتَحْمِلُ لِسَانَهَا عَلَيْكَ، وَإِنْ غِبْتَ عَنْهَا لَمْ تَأْمَنْهَا عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِكَ) (رواه الحاكم، وحسنه الألباني). فضل الزوج الصالح: - من سعادة المرأة في الدنيا والآخرة أن ترزق زوجًا صالحًا: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وجاء رجل إلى الحسين بن علي -رضي الله عنهما- سائلًا فقال: "خطب ابنتي جماعة، فمَن أزوِّجها؟ قال: زوِّجها من التَّقي؛ فإنه إنْ أحبَّها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها" (شرح السنة للبغوي). - ومن سعادة الزوجين، التعاون على بناء البيت على الدِّين لتكون لهم السعادة الأبدية: قال -تعالى-: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ . لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ . سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (يس: 55-58). التيسير في الزواج: - كلمة إلى أولياء المرأة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) (رواه مسلم). "لا تغلق الباب في وجه شاب فقير - تخيَّل نفسك مكانه - سيكون لأولادك بعدك". - ليس المال شرطًا للرفض أو القبول: (وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ). - مهور نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن عكرمة قال: لما زوَّج النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًّا فاطمة، قال: (أَعْطِهَا شَيْئًا)، قال: مَا عِنْدِي مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: (فَأَيْنَ دِرْعُكَ الْحُطَمِيَّةُ؟) قُلْتُ: هِيَ عِنْدِي، قَالَ: (فَأَعْطِهَا إِيَّاهُ) (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني). - مهور نساء الصحابة: أم سليم -رضي الله عنها- كان مهرها: "لا إله إلا الله"؛ قالت لأبي طلحة: "إن أسلمت لم أرد منك من الصداق غيره". خاتمة الوصية: (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ): - الإكثار من الصيام لمن عجز عن الزواج ويخاف الفتنة: قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمَطْلُوب مِنْ الصَّوْم فِي الْأَصْل كَسْرُ الشَّهْوَة". - واستنبط بعض أهل العلم حكمة أخرى من الأمر بالصوم في هذا الحديث؛ إضافة إلى ما ذكر من كسر الشهوة: قال السبكي -رحمه الله-: "وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله -تَعَالَى-: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فَقِيلَ فِي تَفْسِيرِهِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) الْمَعَاصِيَ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ أَظَلْفُ لِنَفْسِهِ -أي: أمنع لها-، وَأَرْدَعُ لَهَا مِنْ مُوَاقَعَةِ السُّوءِ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَعَانِي فِي قَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم-: (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)؛ فَفَهِمَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ ذَلِكَ لِإِضْعَافِ الصَّوْمِ الْبَدَنَ فَتَضْعُفُ الشَّهْوَةُ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْمَعْنَى الْمَذْكُورُ زَائِدٌ عَلَيْهِ حَاصِلٌ مَعَهُ؛ وَهُوَ: أَنَّ الصَّوْمَ يَكُونُ حَامِلًا لَهُ عَلَى مَا يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ، إمَّا لِبَرَكَةِ الصَّوْمِ، وَإِمَّا لِأَنَّ حَقِيقًا عَلَى الصَّائِمِ أَنْ يَكُفَّ، فَإِنَّهُ إذَا أُمِرَ بِالْكَفِّ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ الْمُبَاحَيْنِ، فَالْكَفُّ عَنْ الْحَرَامِ أَوْلَى" (فتاوى السبكي). ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأجعلنا للمتقين إمامًا. والحمد لله رب العالمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) حكم الزواج: اختلف العلماء بين قائل بالوجوب لكلِّ قادر، وقائل بالاستحباب، وقائل باختلاف الحكم باختلاف حال الإنسان؛ وهو أرجحها، وبه قال المالكية في المشهور عنهم، وبعض الحنابلة والشافعية. - فيكون واجبًا في حقِّ القادر على الجماع الذي يَخشى على نفسه الفتنة، مع قدرته على نفقة النكاح. - ويكون محرمًا في حقِّ من يَخِل بحقوق الزوجة في الوطء والإنفاق، مع عدم قدرته على الوطء والنفقة. - ويكون مستحبًا في حقِّ مَن له شهوة ويأمن معها من الوقوع في الفاحشة. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (16) الوصية بالنساء (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عمرو بن الأحوص الجُشَمي، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع يقول بعد أن حمد الله -تعالى- وأثنى عليه، وذكَّر ووعظ: (واستَوصوا بالنِّساءِ خيرًا، فإنَّما هُنَّ عوانٍ عندَكم، ليسَ تملِكونَ مِنهنَّ شيئًا غيرَ ذلِكَ إلَّا أن يأتينَ بِفاحِشةٍ مبيِّنةٍ، فإن فعَلنَ فاهجُروهُنَّ في المضاجِعِ واضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ، فإن أطعنَكم فلا تبغوا عليهنَّ سبيلًا، ألا وإنَّ لَكم على نسائِكم حقًّا، ولنسائِكم عليكم حقًّا، فأمَّا حقُّكم على نسائِكُم فلا يوطِئنَ فُرُشَكم من تَكرَهونَ، ولا يأذَنَّ في بيوتِكم لِمن تَكرَهونَ، ألا وإنَّ حقَّهُنَّ عليكُم أن تُحسِنوا إليهِنَّ في كسوتِهنَّ وطعامِهِنَّ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). مجمل الوصية: هذه الوصية قالها النبي -صلى الله عليه وسلم- في آخر حياته، في حجة الوداع، وقيل لها: حجة الوداع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ودع أصحابه، أو كأنه ودعهم فيها، في أعظم مشهد اجتمع فيه المسلمون في حياته -صلى الله عليه وسلم-، فذكرهم فيها بأمور؛ منها: الوصية بالنساء، وهذا يدل على شدة عناية الإسلام بشأن المرأة. - حرص الإسلام على أن تكون العلاقة الزوجية قوية متماسكة، ووضع من الحلول العملية لضمان استمرار الحياة الزوجية، وبغض في الفرقة بأي سبيل، وجعل الطلاق آخر الحلول: قال -تعالى-: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ? إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21). ـ وضمانًا لاستمرار الحياة الزوجية شرع حقوقًا لكلٍّ من الزوجين، وواجبات على كل منهما تجاه الآخر: قال -تعالى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء: 19)، وقال: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ( (البقرة: 228)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ألا وإنَّ لَكم على نسائِكم حقًّا، ولنسائِكم عليكم حقًّا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). حقوق الزوجة على زوجها: تمهيد: تنقسم حقوق الزوجة على زوجها إلى قسمين: (حقوق مالية - حقوق معنوية). أولًا: الحقوق المالية: - المهر: وهو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها: قال -تعالى-: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النساء: 4). - النفقة: وهو ما تحتاجه الزوجة من طعام ومسكن وملبس، وغير ذلك: قال -تعالى-: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة: 233)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (دِينارٌ أنْفَقْتَهُ في سَبيلِ اللهِ، ودِينارٌ أنْفَقْتَهُ في رَقَبَةٍ، ودِينارٌ تَصَدَّقْتَ به علَى مِسْكِينٍ، ودِينارٌ أنْفَقْتَهُ علَى أهْلِكَ؛ أعْظَمُها أجْرًا الذي أنْفَقْتَهُ علَى أهْلِكَ ) (رواه مسلم). ثانيًا: الحقوق المعنوية: - وهذه الحقوق تتلخص في المعاشرة بالمعروف والإحسان إليها: قال -تعالى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى? أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء: 19). ويتمثل حسن المعاشرة في الآتي: 1ـ احتمال أذاها، والحلم عند طيشها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (واسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا؛ فإنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِن ضِلَعٍ، وإنَّ أعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أعْلاهُ، فإنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وإنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أعْوَجَ، فاسْتَوْصُوا بالنِّساءِ خَيْرًا) (متفق عليه). 2ـ مداعبتها وملاطفتها ومضاحكتها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لجابر -رضي الله عنه- لما أراد الزواج: (هَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ) (متفق عليه)، وفي رواية: (فَهَلَّا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ وَتُضَاحِكُهَا وَتُضَاحِكُكَ؟) (رواه البخاري). 3ـ تجنب ضرب الوجه والسب والشتم عند تقويمها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ) (رواه أبو داود، وقال الألباني: "حسن صحيح"). 4ـ تعليمها ما تحتاجه من أمر دينها أو السماح لها بذلك: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله) (متفق عليه)(1). 5ـ الاعتدال في الغيرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (منَ الغَيرةِ ما يحبُّ اللَّهُ ومِنها ما يُبغِضُ اللَّهُ، فأمَّا الَّتي يحبُّها اللَّهُ فالغيرةُ في الرِّيبةِ، وأمَّا الغيرةُ الَّتي يُبغِضُها اللَّهُ فالغَيرةُ في غيرِ ريبةٍ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). 6ـ العدل بين الزوجات في النفقة والمبيت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ يَمِيلُ لِإِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ) (رواه النسائي، وصححه الألباني). 7ـ عدم إساءة الظن بها: عن جابر -رضي الله عنه- قال: "نَهَى رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَطْرُقَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَتَخَوَّنُهُمْ، أَوْ يَلْتَمِسُ عَثَرَاتِهِمْ" (متفق عليه). حقوق الزوج على زوجته: 1- معرفة مكانته في الدين؛ فقد عظم الإسلام من مكانة الزوج: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَصْلحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَر وَلَوْ صَلحَ لِبَشَر أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَر لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني). 2- وجوب طاعته في المعروف: عَنْ حُصَيْنِ بن مِحْصَنٍ، عَنْ عَمَّتِهِ، أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَاجَةٍ، فَقَضَى لَهَا حَاجَتَهَا، ثُمَّ قَالَ: (أَذَاتُ بَعْلٍ أَنْتِ؟)، قَالَتْ: "نَعَمْ"، قَالَ: (فَكَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟) قَالَتْ: "مَا آلُوَهُ إِلا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ"، قَالَ: (فَانْظُرِي كَيْفَ أَنْتِ لَهُ فَإِنَّهُ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ) (رواه أحمد والطبراني في الأوسط، وصححه الألباني)، وقال الله -تعالى-: (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء:34). 3- إعانته على طاعة الله: قال الله -تعالى-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قَلْبٌ شَاكِرٌ، وَلِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ صَالِحَةٌ تُعِينُكَ عَلَى أَمْرِ دُنْيَاكَ وَدِينِكَ خَيْر مَا اكْتَنَزَ النَّاسُ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني). (إشارة إلى قصة الزوجين اللذين تحولا بعد الطاعة إلى التفريط والمال والدنيا؛ كانت النهاية: أنتِ طالق"؛ فاحذري أن تعينيه على المعصية. 4- استئذانه فيما لا بد من إذنه فيه: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ) (متفق عليه)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَلا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ) (متفق عليه). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إذا خرجت من داره بغير إذنه؛ فلا نفقة لها ولا كسوة". وقال أبو هريرة -رضي الله عنه-: "وَلاَ يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إِلاَّ بِإِذْنِهِ" (رواه أبو داود، وقال الألباني: "صحيح موقوفًا"). 5- حفظ ماله وعياله، وتدبير شئون منزله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ؛ أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ) (متفق عليه). 6- التبعل والتزين له وحده: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني). ـ المتبذلة مقصِّرة في حقِّ زوجها، ومخالِفة لفطرة الله في النساء: قال الله -تعالى-: (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ) (الزخرف:18). تقويم الزوجة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). خاتمة: ـ من سعادة الزوجين: التعاون على بناء البيت على الدِّين لتكون لهم السعادة الأبدية: قال -تعالى-: (إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ . لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ . سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (يس: 55-58). (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: 74). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ (1) قال النووي -رحمه الله-: "ولكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث؛ وهي: ألا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها، ممَّن يفتتن بها، وألا يكون في الطريق ما يخاف منه مفسدة ونحوها) (شرح النووي على مسلم). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (17) الوصية بالصحابة (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: إنَّ عمرَ خطبهم بالجابيةِ(1) فقال: يا أيُّها الناسُ، إنِّي قمتُ فيكم كقيامِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فينا، قال: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (متفق عليه). مجمل الوصية: في هذه الوصية يقولُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي)، أي: أعطوهم حقوقَهم وأنزلوهم منزلتَهم، وقدِّروهم، ولا تهينوهم ولا تسبُّوهم، ودافعوا عن أعراضهم، وأوصيكم أيضًا بالذين يأتون من بعدهم وهم أبناؤُهم وأتباعُهم من التابعين، وأوصيكم أيضًا بالجيلِ الثالثِ الذين يأتون من بعدهم وهم أتباعُ التابعين. الجزء الأول من الوصية: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي): - مجمل كلام العلماء في تعريف الصحابة -رضي الله عنهم-: هم كلُّ من لَقِيَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأسلم وبقي على الإسلام حتى مات؛ كما أنه يقصد بالصحابة حملة رسالة الإسلام الأولين، وأنصار النبي -صلى الله عليه وسلم- المدافعين عنه، والذين آمنوا بدعوته وماتوا على ذلك. ويقصد بهم الذين رافقوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في أغلب فترات حياته بعد الدعوة، وأعانوه على إيصال رسالة الإسلام ودافعوا عنه بأرواحهم وأموالهم. ثم بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- حملوا راية الدين، وتفرقوا في الأمصار لنشر تعاليمه وفتحوا المدن والدول، وعددهم -رضي الله عنهم- كبير، ولكن لا يمكن القطع به لتفرقهم في البلدان والقرى والبوادي، ولكن اتفقت كتب التاريخ والسير على أنهم كانوا في حجة الوداع مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، يزيدون على مائة ألف صحابي. فضل الصحابة في القرآن والسنة: - جاءت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة تبيِّن ذلك: قال -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100). وقال -تعالى-: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح: 18). وقال -تعالى-: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح: 29). - وجاءت كذلك الأدلة الكثيرة في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ)(2). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ). - عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ) (رواه مسلم). طبقات الصحابة -رضي الله عنهم-: - الصحابة درجات بعضها فوق بعض، فالسابقون الأولون الذين أسلموا وجوههم إلى الله، ولبوا مناديه إلى الإيمان، وكان كل من على سطح هذه المعمورة مخالف لهم هم المهاجرون، ويلي هؤلاء السابقين من المهاجرين، السابقون من الأنصار وهم الذين بايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة على أن يمنعوه من الأسود والأحمر، وآووه في ديارهم: قال -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). - وما سوى الصحابة الكبار طبقات بعضها أفضل من بعض: قال -تعالى-: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (الحديد: 10). الجزء الثاني من الوصية: (ثمَّ الذينَ يلونهم) (التابعون): - مجمل كلام العلماء في تعريف التابعين -رحمهم الله-: التابعون هم: الطبقة الثانية من المسلمين الذين أخذوا علمهم ودينهم من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقاموا خلفهم بحمل الرسالة والدعوة إليها، وقد التف التابعون حول الصحابة يأخذون عنهم القرآن والحديث وينهلون من علوم الشرع على الصورة التي نقلوها لهم عن رسول الله، وتتلمذوا على يد الصحابة بإقبال وشغف ومحبة، ثم كان لهم الشرف في حمل ذلك ونشره، وكان الصحابة قد تفرقوا في الأمصار واشتهر في كل بلد عدد معين من التابعين وكانوا حلقة مهمة ومؤثرة بين الصحابة وجيل أئمة المذاهب وتلاميذهم ومن جاء بعدهم؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَطُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَلِمَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي) (رواه الحاكم، وصححه الألباني). فضل التابعين: - أشار القرآن الكريم إلى فضلهم: قال -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). قال الشيخ حافظ الحكمي: "وقد رتَّب الله -تعالى- فيها الصحابة على منازلهم وتفاضلهم، ثم أردفهم بذكر التابعين؛ كما في قوله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ)". - وهم المقصودون بالثناء النبوي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (متفق عليه). والمقصود الصحابة ثم التابعون بعدهم. فضل التابعين في نشر الدين: - بعد أن تلقَّى التابعون علومهم على يدي الصحابة، وخالطوهم وعرفوا كل شيء عنهم، بدأت مرحلة تدوين الحديث: عن أبي قلابة قال: "خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر ومعه قرطاس، ثم خرج علينا لصلاة العصر وهو معه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما هذا الكتاب؟ قال: حديث حدثني به عون بن عبد الله فأعجبني فكتبته". ثم أمر -رحمه الله- بجمع حديث النبي في دواوين، وبهذا بدأ تدوين وكتابة الحديث من قبل التابعين. - لم يكتفِ عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- بالأمر بجمع السنة، بل حث العلماء على نشرها في المساجد: روى البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم يقول: "ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا"(3). الجزء الثالث من الوصية: (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (تابعو التابعين): - تابع التابعي هو: مَن لَقِيَ التابعي وأخذ عنه العلم والسنة، وعصر تابعي التابعين هو العصر الذي يلي عصر التابعين، وهو يبدأ من سنة مائة وسبعين تقريبً(4). ومن أشهر أتباع التابعين: الإمام مالك بن أنس، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق بالمدينة المنورة، وسفيان بن عيينة بمكة المكرمة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وأبو يوسف بالعراق. - ومع انقراض تابعي التابعين بدأت تظهر البدع، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها وامتحن أهل العلم بالقول بخلق القرآن، ولم يزل الأمر في نقص إلى هذا الزمان. واجبنا تجاه السلف الصالح: - كما جاء في مجمل الوصية: "أعطوهم حقوقَهم، وأنزلوهم منزلتَهم، وقدِّروهم، ولا تهينوهم ولا تسبُّوهم، ودافعوا عن أعراضهم، وانشروا فضائلهم، واقتدوا بهديهم؛ فإنهم خير الناس". فاللهم اجمعنا بالسلف الصالحين في جنات النعيم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) خطبة عمر -رضي الله عنه- هذه مشهورة، خطبها بالجابية -وهي قرية بدمشق-. (2) قال البيضاوي: "معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أُحُدٍ ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص، وصدق النية مع ما كانوا من القلة، وكثرة الحاجة والضرورة. وقيل السبب فيه: أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام، وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين، وقلة أنصارهم فكان جهادهم أفضل؛ ولأن بذل النفس مع النصرة، ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها". (3) من التابعين -على سبيل المثال لا الحصر-: هشام بن عروة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم كثير. (4) قال السيوطي -رحمه الله-: "والأصح أن القرن لا ينضبط بمدة، فقرنه -صلى الله عليه وسلم- هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرون سنة، وقرن التابعين من مائة سنة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين". |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (18) (عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فعن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، قال: أتينا العرباض بن سارية، وهو ممن نزل فيه: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حُزْنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) (التوبة: 92)، فَسَلَّمْنَا، وقُلْنَا: أَتَيْنَاكَ زَائِرِينَ وَعَائِدِينَ وَمُقْتَبِسِينَ، فَقَالَ الْعِرْبَاضُ : صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه الألباني). مجمل الوصية: (أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ): وذلك بفعل الواجبات وترك المُحَرَّمَاتِ. (وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ): أي: للأمراء. (وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا): أي: وإن كان هذا الأمير أو الوالي عَبْدًا حَبَشِيًّا. (فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي): أي: بعد موتي. (فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا): في الدِّين، وغيره. ثم أرشدهم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أنفع علاج عند وقوع الاختلاف الكثير، فقال: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي): أي: طريقتي ونهجي. (وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ) أي: الذين هداهم الله وأرشدهم إلى الحق، والمقصود بهم الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر الصِّدِّيقُ، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهم أجمعين-. (تَمَسَّكُوا بِهَا): أي: بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخلفاء، وأفرد لفظ: (بِهَا) مع أنها تعود على اثنتين؛ لأنهما كشيء واحد. (وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ): أي: آخر الأضراس؛ يعني بذلك الجد في لُزُومِ السُّنَّةِ والتَّمَسُّكِ بها. (وَإِيَّاكُمْ): أي: احذروا واجتنبوا. (وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ): أي: الأمور التي تُحْدَثُ بعد ذلك وتخالف أصل الدين. (فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ): في دين الله وشَرْعِهِ. (بِدْعَةٌ): أي: طريقة مُخْتَرَعَةٌ في الدين. (وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ): أي: مُوجِبَةٌ لِلضَّلَالَةِ والغَوَايَةِ، ويَضِلُّ بها صاحبها. الوصية الأولى: بتقوى الله -تعالى-: ـ تقوى الله: هي أن يَجْعَلَ الإنسان بينه وبين غضب الله وقايةً تَقِيهِ منه، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي، وتصديق الأخبار. ـ ولذا فهي وصية الله للأولين والآخرين: قال -تعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ) (النساء: 131). وقال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فأرع لها سَمْعَكَ؛ فإنها إما خير تؤمر به، وإما شر تُنْهَى عنه". ـ وتقوى الله -عز وجل- هي سبب كل خير وصَلَاحٍ وفَلَاحٍ في الدنيا والآخرة: قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) (الطلاق: 4)، وقال: (وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) (الطلاق: 5)، وقال: (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) (الأنفال: 29)، وقال: (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ) (البقرة: 282). الوصية الثانية: بالسمع والطاعة لولاة الأمر: ـ السمع والطاعة لولاة الأمور يكون في غير معصية الله ورسوله: قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: 59). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ) (رواه البخاري). وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ) (أخرجه أحمد بسند صحيح). ـ طاعة ولاة الأمور تُحَافِظُ على بقاء جماعة المسلمين وكيانهم وأمنهم: قال -تعالى-: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 46). وقال عمر -رضي الله عنه-: (مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَمُ الجَمَاعَةَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)(1). ـ تنبيه: العبد منافعه مملوكة لسيده، وقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أن يكون خليفة. وقد أجاب العلماء عن هذا بأجوبة؛ أرجحها: أن هذا للمبالغة في السمع والطاعة. الوصية الثالثة: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ): ـ المراد بسنته هنا، ما جاء في الكتاب والسنة، فكل ذلك سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم-: قال -تعالى-: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ) (الحشر: 7). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) (رواه البخاري). ـ ثم اتباع سنة الخلفاء الراشدين الأربعة -رضي الله عنهم-: عن سعيد بن جُمْهَانَ عن سفينة مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (خِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ المُلْكَ- أَوْ مُلْكَهُ- مَنْ يَشَاءُ) قَالَ سَعِيدٌ: قَالَ لِي سَفِينَةُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ: أَبُو بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَعُمَرُ عَشْرًا، وَعُثْمَانُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وَعَلِيٌّ كَذَا، قَالَ سَعِيدٌ: قُلْتُ لِسَفِينَةَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ بِخَلِيفَةٍ، قَالَ: كَذَبَتْ أَسْتَاهُ بَنِي الزَّرْقَاءِ -يَعْنِي: بَنِي مَرْوَانَ-" (رواه أبو داود، وصححه الألباني). ـ هذا هو طريق العِصْمَةِ من الاختلاف والضلال الذي يجب على الأمة ألا تَحِيدَ عنه قيد أنملة: قال -صلى الله عليه وسلم-: (تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ). الوصية الرابعة: التحذير من البدع: ـ لما رَغَّبَ -صلى الله عليه وسلم- في اتباع السنن وحثَّ عليها، رَهَّبَ بعد ذلك من خِلَافِهَا، ومما يُخَالِفُهَا من البدع المُحْدَثَةِ، فقال: (وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ). وقال مالك -رحمة الله-: "من أَحْدَثَ من هذه الأمة شيئًا لم يكن عليه سَلَفُهَا، فقد زعم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خان الرسالة"؛ لأن الله -تعالى- يقول: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3). ثم قال: "ما لم يكن يومئذٍ دينًا لا يكون اليوم دينًا". وروى الإمام الدارمي -رحمه الله- بسنده، عن عمرو بن يحيى، قال: سمعت أبي، يُحَدِّثُ، عن أبيه قال: "كنا نَجْلِسُ على باب عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-، قبل صلاة الغداة، فإذا خرج، مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري -رضي الله عنه- فقال: أخرجَ إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا بعد، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج، قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفًا أمرًا أنكرته ولم أرَ -والحمد لله- إلا خيرًا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قومًا حَلَقًا جُلُوسًا ينتظرون الصلاة في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حَصًى، فيقول: كَبِّرُوا مائةً، فيُكَبِّرُونَ مائةً، فيقول: هَلِّلُوا مائةً، فيُهَلِّلُونَ مائةً، ويقول: سَبِّحُوا مائةً، فيُسَبِّحُونَ مائةً، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئًا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: "أفلا أمرتهم أن يَعُدُّوا سَيِّئَاتِهِمْ، وضمنت لهم ألا يَضِيعَ من حَسَنَاتِهِمْ شيء". ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقةً من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: "ما هذا الذي أراكم تَصْنَعُونَ؟" قالوا: يا أبا عبد الرحمن حَصًى نَعُدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: "فَعُدُّوا سَيِّئَاتِكُمْ، فأنا ضامن أن لا يَضِيعَ من حَسَنَاتِكُمْ شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هَلَكَتَكُمْ هؤلاء صحابة نبيكم -صلى الله عليه وسلم- مُتَوَافِرُونَ، وهذه ثيابه لم تَبْلَ، وآنيته لم تُكْسَرْ، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى مِلَّةٍ هي أهدى من مِلَّةِ محمد -صلى الله عليه وسلم- أو مُفْتَتِحُو باب ضلالة"، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير. قال: "وكم من مُرِيدٍ للخير لن يُصِيبَهُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدَّثَنَا أَنَّ قَوْمًا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيهِمْ، وَايْمُ اللهِ مَا أَدْرِي لَعَلَّ أَكْثَرَهُمْ مِنْكُمْ" ثم تَوَلَّى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يُطَاعِنُونَا يوم النهروان مع الخوارج. <ينظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني (2005)>. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ (1) أين هي هذه الأمة اليوم؟ تفرَّقوا إلى سبع وخمسين دولة إسلامية، منها: اثنتان وعشرون دولة عربية؛ ولذا استضعفتهم أمم الأرض الأخرى. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ) (19) موعظة الأسبوع كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ عن أبي أُمَامَة رضي الله عنه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). مُجْمَلُ الْوَصِيَّةِ: أوَّلُ ما فُرِضَ من العِباداتِ في مكة، وأوَّلُ ما نُبِّهَ عليه في المدينة؛ لما له من عَظِيمِ الأثَرِ في الإعْدادِ والتَّرْبِيَةِ: عن سعد بن هشام بن عامر، قال: قلت لأم المؤمنين عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: "حَدِّثِينِي عن قِيامِ اللَّيْلِ"، قالت: ألستَ تَقْرَأُ: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) (المزمل: 1)؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن أوَّلَ هذه السُّورةِ نَزَلَتْ، فقام أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى انْتَفَخَتْ أقدامُهم، وحُبِسَ خاتِمَتُها في السَّماءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثم نَزَلَ آخرُها، فصار قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني). وعن عبد الله بن سَلامٍ قال: لما قَدِمَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينة انْجَفَلَ الناس إليه، وقيل: قَدِمَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فجِئْتُ في الناس لأنْظُرَ إليه، فلما اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَرَفْتُ أن وَجْهَهُ ليس بوَجْهِ كَذَّابٍ، وكان أوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ به أن قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). من فَضَائِل أهل قيام الليل: أهل القِيامِ شُرِّفُوا بذِكْرِهم في مُقَدِّمَة عِبادِ الرَّحْمن: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) (الفرقان: 63، 64). أهل القِيامِ هم أهل شَفاعَةِ القُرْآنِ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني). أهل القِيامِ هم أكْثَرُ الناس اسْتِحْقاقًا لإجابَةِ الدَّعَواتِ وتَفْرِيجِ الكُرُباتِ؛ لأنهم وافَقُوا للإجابَةِ أعْظَمَ الأوْقاتِ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ) (متفق عليه). أهل القِيامِ هم أصْحابُ الشَّرَفِ والجَمالِ والقَبُولِ بين الناس: عن سهل بن سعد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: جاء جبريل إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: (يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). وسُئِلَ الحسن البصري -رَحِمَهُ اللهُ-: "ما بالُ المُتَهَجِّدِينَ باللَّيْلِ أحْسَنَ الناس وُجُوهًا؟" قال: "لأنهم خَلَوْا بالرَّحْمنِ جَلَّ وَعَزَّ، فألْبَسَهُمْ نُورًا من نُورِهِ". أهل القِيامِ هم أكْثَرُ الناس تَأَهُّلًا لدُخُولِ الجِنانِ: قال -تَعَالَى-: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ . كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات: 15-18). من قِيام النبي -صلى الله عليه وسلم-: كان -صلى الله عليه وسلم- يَجْتَهِد في قيام الليل اجْتِهادًا شَدِيدًا، مع ما له من المَكانَةِ عند رَبِّهِ، وضَمانِهِ الجَنَّةَ: عن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: أن نَبِيَّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يَقُومُ من اللَّيْلِ حتى تَتَفَطَّرَ قَدَماهُ، فقالت عائشة: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رسول الله، وقد غَفَرَ اللهُ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قال: (أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟) (متفق عليه). بل كان لا يَدَعُهُ حَضَرًا ولا سَفَرًا، ولا صِحَّةً ولا مَرَضًا: عن عبد الله بن قيس، قال: قالت لي عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: "لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ، صَلَّى قَاعِدًا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وعن ابن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ" (متفق عليه). من قيام السلف -رضي الله عنهم-: أدْرَكُوا فَضْلَ القِيامِ بالأسْحارِ، فكانوا يَحْرِصُونَ عليه باسْتِمْرارٍ: قال معاوية بن خديج: قال لي عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "لَئِنْ نِمْتُ النَّهَارَ لَأُضَيِّعَنَّ الرَّعِيَّةَ، وَلَئِنْ نِمْتُ اللَّيْلَ لَأُضَيِّعَنَّ نَفْسِي، فَكَيْفَ بِالنَّوْمِ مَعَ هَذَيْنِ يَا مُعَاوِيَةُ؟" (الزهد لأحمد بن حنبل)، وعن عبد الله بن أبي مَلِيكَةَ قال: "صَحِبْتُ ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نَزَلَ قام شَطْرَ اللَّيْلِ" (حلية الأولياء)، وعن طارق بن شهاب قال: "أتيت سلمان الفارسي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قلت: لأنْظُرَنَّ كيف صَلاتُهُ؟ فكان يَنامُ من اللَّيْلِ ثُلُثَهُ" (المصدر السابق). بل يحتفلون بالنصر والفتح بقيام الليل فتفتح قلوب العباد لهم: ففي قِصَّةِ إسْلامِ هند بنت عتبة صَبِيحَةَ فَتْحِ مكة، قالت: "فأتيت أبا سفيان، فقلت: إنما أريد أن أتَّبِعَ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فقال: قد رأيتك تَكْرَهِينَ هذا الحَدِيثَ أمسِ. قالت: إني والله ما رأيت أن عُبِدَ الله حق عِبادَتِهِ في هذا المَسْجِدِ قبل اللَّيْلَةِ، والله إن باتوا إلا مُصَلِّينَ قِيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا" (حياة الصحابة). لماذا ثَقُلَ علينا قيام الليل؟! الأسْبابُ كَثِيرَةٌ، وهي تَتَضَمَّنُ أسْبابًا مادِّيَّةً، وأسْبابًا مَعْنَوِيَّةً، ولكن مُراعاةً لعدم الإطالَةِ وَقَفْنا على أبْرَزِها: - كَثْرَةُ الذُّنُوبِ والمَعاصي: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الحافظ ابن حجر)، وقال رجل للحسن البصري: "يا أبا سعيد، إني أبِيتُ مُعافًى، وأحِبُّ قِيامَ اللَّيْلِ، وأعِدُّ طَهُورِي، فما لي لا أقُومُ؟ فقال: ذُنُوبُكَ قَيَّدَتْكَ!". - كَثْرَةُ السَّهَرِ بلا فائِدَة: عن أبي بَرْزَةَ -رضي الله عنه- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) (متفق عليه)، وكان عمر -رضي الله عنه- يَضْرِبُ الناس بالدِّرَّةِ بعد العِشاءِ، ويقول: "أسْمَرٌ أوَّلَ اللَّيْلِ ونَوْمُ آخِرِهِ؟!" (رواه ابن أبي شيبة في مُصَنَّفِهِ). - كَثْرَةُ الطَّعامِ قبل النوم: قال بعض الصالِحِينَ: "لا تَأْكُلُوا كَثِيرًا فَتَشْرَبُوا كَثِيرًا، فَتَرْقُدُوا كَثِيرًا، فَتَنْدَمُوا عند المَوْتِ كَثِيرًا". أسباب معينة على قيام الليل: وهي كذلك كثيرة؛ فمنها: أسْباب مادية وأسباب معنوية، ولكننا مُراعاة لعدم الإطالَة نقف على أبرزها: - اسْتِحْضارُ فَضْلِ قِيام الليل وجَزاء ذلك عند الله: قال -تعالى-: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: 16، 17). - النوم على نية القيام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-) (رواه النسائي، وصححه الألباني). - مُجاهَدَةُ النَّفْسِ المَجْبُولَةِ على حُبِّ الراحَة وعدم الاسْتِسْلام: قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: 69)، وقال ثابت البناني: "كابَدْتُ نَفْسِي على قِيامِ اللَّيْلِ عِشْرِينَ سَنَةً، وتَلَذَّذْتُ به عِشْرِينَ سَنَةً" (سير أعلام النبلاء للذهبي). - اسْتِشْعارُ أن الله يَرى ويَسْمَعُ صَلاتَكَ بالليل ويُباهي بك ملائكته: قال -تعالى-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء: 217-220)، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي) (رواه أحمد، وصححه الألباني). خاتمة: في زمان الفتن والآلام تصبَّر بالقيام: قال محمد بن المُنْكَدِر -رحمه الله-: "ما بَقِيَ من لَذَّاتِ الدُّنْيا إلا ثَلاثٌ: قِيامُ اللَّيْلِ، ولِقاءُ الإخْوانِ، والصَّلاةُ في الجَماعَةِ" (إحياء علوم الدِّين للغزالي). فاللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (20) (كُنْ في الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ)، وكان ابن عمر يقول: "إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك" (رواه البخاري). ورواه الترمذي وزاد فيه: (وَعِدْ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ)، وزاد في كلام ابن عمر: "فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ غَدًا". مجمل الوصية: أن المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئن فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر: يهيئ جهازه للرحيل راجعًا إلى وطنه ومسكنه الحقيقي. قال ابن رجب -رحمه الله-: "هذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا" (جامع العلوم والحكم). الجنة هي وطن المؤمن الحقيقي: - لما خلق الله -تعالى- آدم -عليه السلام- أسكنه هو وزوجته الجنة، ثم أهبطهما منها ووعدهما والصالح من ذريتهما بالرجوع إليها: قال -تعالى-: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 38). - المؤمن أبدًا يحن إلى وطنه الأول، وحب الوطن شعور غريزي في الإنسان: وكما قيل: كم منزل للمرء يألفه الفتى وحـنيـنـه أبـدًا لأول مـنـزل فحي على جنات عدن فـإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى نـعـود إلـى أوطـانـنـا ونسلَم - اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم: قال -تعالى- حاكيًا عن مؤمن آل فرعون أنه قال: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) (غافر: 39). وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). ومن وصايا المسيح -عليه السلام- لأصحابه: "اعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا"، وروي عنه أنه قال: "مَنْ ذَا الَّذِي يَبْنِي عَلَى مَوْجِ الْبَحْرِ دَارًا، تِلْكُمُ الدُّنْيَا فَلَا تَتَّخِذُوهَا قَرَارًا" (جامع العلوم). - وبذلك تواترت تعبيرات السلف بما فهموه عن معلِّمهم -صلى الله عليه وسلم-: "دخل رجل على أبي ذر -رضي الله عنه- فجعل يقلِّب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر، أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتًا نوجِّه إليه"، "ودخلوا على بعض الصالحين، فقلَّبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنا نرى بيتك بيت رجل مرتحل، فقال: أمرتحل؟ لا أرتحل، ولكن أطرد طردًا". وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يقول: "إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل". وقال بعض الحكماء: "عجبت ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه؛ يشتغل بالمدبرة، ويعرض عن المقبلة!" (جامع العلوم والحكم). ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع الدنيا؟ - تمهيد: إذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطنًا، فينبغي للمؤمن أن يكون حاله فيها على أحد حالين: الأول: (كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غَريبٌ): - والغريب هو مَن قدِم بلدًا لا مسكن له فيه يؤويه، ولا ساكن يسلِّيه، خالٍ عن الأهل والعيال والعلائق، غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، وإنما هو مقيم في الغربة ليقضي مرمة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه. قال الفضيل بن عياض: "المؤمن في الدنيا مهموم حزين، همه مرمة جهازه" -الرمُّ: إصلاح الشيء الَّذِي فسد بعضه-. - فلا ينافس أهل البلد الذي هو غريب بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم: قال الحسن: "المؤمن كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافس في عزها، له شأن، وللناس شأن"؛ ولذا كان عطاء السليمي يقول في دعائه: "اللهم ارحم في الدنيا غربتي". - ومن كان في الدنيا كذلك، فلا هم له إلا في التزود بما ينفعه عند عوده إلى وطنه: قال -تعالى-: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة: 197). الثاني: (أو عابِرَ سبيل)(1): - وهو أن يُنزِل المؤمن نفسه في الدنيا كأنه مسافر غير مقيم البتة، وإنما هو سائر في قطع منازل السفر حتى ينتهي به السفر إلى آخره، وهو الموت: ومن كانت هذه حاله في الدنيا، فهمته تحصيل الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من متاع الدنيا، فهو في حالة تخفُّف دائمة من الأثقال حتى لا تعيقه أو تؤخِّره عن بلوغ مقصده. عن عبد بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حصير فقام وقد أثَّر في جنبه فقلنا يا رسول الله لو اتَّخذنا لك وطاء فقال: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). خاتمة: (وَعِدْ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ): - كن قصير الأمل "فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا": قال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: "قال بعض السلف: ما نمت نومًا قط، فحدثت نفسي أني أستيقظ منه. وكان حبيب أبو محمد يوصي كل يوم بما يوصي به المحتضر عند موته من تغسيله ونحوه. وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلها أن تكون منيتي التي لا أقوم منها، فكان هذا دأبه إذا أراد النوم. وقال بكر المزني: "إن استطاع أحدكم أن لا يبيت إلا وعهده عند رأسه مكتوب، فليفعل، فإنه لا يدري لعله أن يبيت في أهل الدنيا، ويصبح في أهل الآخرة. وكان أويس إذا قيل له: كيف الزمان عليك؟ قال: كيف الزمان على رجل إن أمسى ظن أنه لا يصبح، وإن أصبح ظن أنه لا يمسي، فيبشَّر بالجنة أو النار؟" (جامع العلوم والحكم). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــ (1) قيل: إنَّ (أو) للإضراب بمعنى (بل)، والمعنى: بل كن كأنك عابر سبيل، وهو ارتفاع به إلى منزلة أعلى في الزهد من منزلة الغريب. فعابر السبيل أشدُّ زهدًا في مغريات طريقه من الغريب؛ لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم فيها، بخلاف عابر السبيل. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (21) (كُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ) (رواه مسلم). وقد جاء في سبب الوصية: عن سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومعنا وائل بن حُجر، فأخذه عدوٌّ له، فتحرَّج القوم أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي فخُلِّيَ سبيلُه، فأتينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا، وحلفتُ أنه أخي، قال: (صَدَقْتَ، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ) (أخرجه أبو داود، وصححه الألباني). مجمل الوصية: الأخوة الإسلامية ليست مجرد علاقة شخصية، ولكنها رابطة متينة، قائمة على أساس من التَّقوى وحُسن الخُلق، والتعامل بأرقى صوره، وهي في الوقت ذاته معلم بارز، ودليل واضح على تلاحم لبنات المجتمع ووحدة صفوفه، وحسبك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ربط الأخوة بالإيمان، وجعل رعايتها من دلائل قوته وكماله، ولا عجب حينئذٍ أن يأتي الإسلام بالتدابير الكافية التي تحول دون تزعزع أركان هذه الأخوَّة. وفي ضوء ذلك جاءت هذه الوصية العظيمة تنهى المؤمنين عن جملة من الأخلاق الذميمة، والتي من شأنها أن تُعكِّر صفو الأخوة الإسلاميَّة، وتزرع الشحناء والبغضاء في نفوس أهلها، وتُثير الحسد والتدابر، والغش والخداع، وأخلاقًا سيئة أخرى جاء ذكرها في الحديث. قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَحَاسَدُوا): - الحسد هو تمنِّي زوال نعمة المحسود، وإن لم يحصل للحاسد مثلها، وقد يُقال: تمنِّي عدم حصول النعمة لغيره. رويَ في بعض الآثار الإلهية: "الحاسد عدوُّ نعمتي، متسخِّط لفعلي، غير راضٍ بقسمتي التي قسمتُ لعبادي". - الحسد أول ذنب وقع في السماء وفي الأرض: قال -تعالى-: (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدوا لِآدَمَ فَسَجَدوا إِلَّا إِبْليسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طينًا . قالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَومِ القِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَه إِلَّا قَليلًا) (الإسراء: 61-62)، وقال -تعالى-: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقينَ) (المائدة: 27). - من كلام العلماء والصالحين في التحذير من الحسد: قال عمر -رضي الله عنه-: "يكفيك من الحاسد أنه يَغتَمُّ وقتَ سرورك". وقيل: "ثلاثة لا يَهنأ لصاحبها عيش: الحقد، والحسد، وسوء الخُلق"، وقال أعرابي: "قاتل الله الحسد، ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله". قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولا تَناجَشوا): - النجش: اشتقاقه من نَجَشتُ الصيدَ إذا أثرته، كأن الناجش يُثير كثرة الثمن بنجشه، والمناجشة: أن يزيد في السلعة -أي: في ثمنها- في المناداة، وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد نفع البائع، أو الإضرار بالمشتري. - حكم النجش: قال العلماء: "النجش في البيع ممنوع حرام، ويأثم فاعله، وإن كان معروفًا بذلك أُدِّب، وهو أن يعطي الرجل ثمنًا في سلعة ليس له قصد في شرائها، بل ليقتدي به ويُغرِّيَ غيره". وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَن غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا) (رواه مسلم)؛ كما أنه تعاون على الإثم، قال -تعالى-: (وَلا تَعاوَنوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوانِ) (المائدة: 2). قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولا تَباغَضوا ولا تَدابَروا): - البُغض ضِدُّ الحُبِّ، فلا تتعاطوا أسباب البغضاء؛ فالبغض حرام إلا في الله -تعالى-؛ فإنه واجب، ومن كمال الإيمان: كما قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ) (أخرجه أبو داود، وصححه الألباني). - التدابر هو التهاجر والجفاء، فلا يَهجُر أحدكم أخاه، وإن رآه أعطاه دَبْرَه أو ظهره: قال -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَحِلُّ لِمسلم أن يَهجُرَ أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يَلتقيان فيُعرِضُ هذا ويُعرِضُ هذا، وخَيرُهما الذي يَبدأ بالسلام) (رواه البخاري). - والواجب على المسلمين أن يَسعَوا ويُسارِعوا في الإصلاح بين المتهاجرين منهم: قال -تعالى-: (إِنَّمَا المُؤْمِنونَ إِخْوَةٌ فَأَصلِحوا بَينَ أَخَوَيكُمْ ? وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرحَمونَ) (الحجرات: 10). قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ولا يَبِعْ بَعْضُكمْ على بَيعِ بَعْضٍ): - وهو أن يقول الرجل لمن اشترى سلعة في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط: افسخ لأبيعك خيرًا منها بمثل ثمنها، أو مثلها بأنقص، ومثل ذلك الشراء على الشراء، كأن يقول للبائع: افسخ البيع لأشتري منك بأكثر، وقد أجمع العلماء على أن البيعَ على البيع والشراءَ على الشراء حرامٌ. - وفي بعض الروايات: (ولا يَسُمْ على سَومِ أخيه)، وهو: أن يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقداه، فيقول آخر لصاحبها: أنا أشتريها بأكثر، أو للراغب: أنا أبيعك خيرًا منها بأرخص، وهذا حرام بعد استقرار الثمن، بخلاف ما يُباع فيمن يزيد فإنه قبل الاستقرار. - وفي بعض الروايات: (ولا يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبَةِ أخيه، حتَّى يَترُكَ الخاطِبُ قَبلَه أو يَأذَنَ له الخاطِبُ). قال النووي -رحمه الله- في شرح مسلم: "هذه الأحاديث ظاهرة في تحريم الخِطبة على خِطبة أخيه، وأجمعوا على تحريمها إذا كان قد صُرِّح للخاطب بالإجابة، ولم يَأذَن، ولم يَترُك... واتَّفقوا على أنه إذا تَرَكَ الخِطبة رغبة عنها، وأذِنَ فيها، جازت الخِطبة على خِطبتِه، وقد صُرِّح بذلك في هذه الأحاديث" (انتهى باختصار). الزموا ميزان التفاضل في الإسلام: - لما حذَّرهم من الأخلاق والمعاملات الرذيلة، جاء التحذير أيضًا من تحقير المسلم بناءً على المظاهر الدنيوية: فقال -صلى الله عليه وسلم-: (التَّقْوَى هَاهُنَا -ويُشيرُ إلى صَدرِه ثَلاثَ مَرَّاتٍ-. بِحَسبِ امرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أن يَحقِرَ أخاه المُسلِمَ). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ، وَأَعْمَالِكُمْ) (رواه مسلم). وقال -تعالى-: (إِنَّ أَكرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ خَبيرٌ) (الحجرات: 13). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنَّ اللهَ قد أذهبَ عنكم عُبِّيَّةَ الجاهليةِ وفَخرَها بالآباءِ، مؤمنٌ تَقِيٌّ، وفاجرٌ شَقِيٌّ، أنتم بَنو آدَمَ، وآدَمُ مِن تُرابٍ، لَيَدَعَنَّ رجالٌ فَخرَهم بأقوامٍ، إنَّما هم فَحمٌ مِن فَحمِ جَهنَّمَ، أو لَيَكونُنَّ أهونَ على اللهِ مِنَ الجِعلانِ التي تَدفَعُ بأنفِها النَّتِنَ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وكونوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا): - تعاملوا وتعاشروا بمعاملة الأخوة والمودة، والرفق والشفقة والملاطفة، والتعاون في الخير، مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال: قال -تعالى-: (إِنَّمَا المُؤْمِنونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات: 10). وقال -تعالى-: (وَاذْكُروا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعداءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِكُمْ فَأَصبَحتُمْ بِنِعمَتِه إِخْوانًا) (آل عمران: 103). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (والذي نَفسُ مُحَمَّدٍ بيدِه، لا يُؤمِنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسِه مِنَ الخَيرِ) (متفق عليه). - الإسلام علَّم البشرية كيف تكون الأخوة: عن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قال: لَمَّا قَدِمنا المَدينَةَ، آخى رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَيني وبَينَ سَعدِ بنِ الرَّبيعِ، فقالَ سَعدُ بنُ الرَّبيعِ: إنِّي أكثَرُ الأنصارِ مالًا، فأقسِمُ لكَ نِصفَ مالي، وانظُرْ أيَّ زَوجَتَيَّ هَويتَ نَزَلتُ لكَ عَنها، فإذا حَلَّتْ تَزَوَّجتَها. قالَ: فقالَ له عبدُ الرَّحمنِ: لا حاجَةَ لي في ذلكَ، هل مِن سوقٍ فيه تِجارَةٌ؟ قالَ: سوقُ قَينُقاعٍ. قالَ: فَغَدا إلَيهِ عبدُ الرَّحمنِ، فأتى بأَقِطٍ وسَمنٍ، قالَ: ثُمَّ تابَعَ الغُدوَّ، فَما لَبِثَ أن جاءَ عبدُ الرَّحمنِ عليه أثَرُ صُفرَةٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (تَزَوَّجتَ؟) قالَ: نَعَمْ، قالَ: (ومَن؟) قالَ: امرَأَةً مِنَ الأنصارِ، قالَ: (كَم سُقتَ؟) قالَ: زِنَةَ نَواةٍ مِن ذَهَبٍ -ثَلاثَةَ دَراهِمَ وثُلثٍ-، فقالَ له النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (أولِمْ ولو بشاةٍ) (رواه البخاري). فاللهم ألِّف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتَهم، وأصلح ذاتَ بينهم، وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (22) الوصية بالإكثار من الحج والعمرة (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجِّ الْمَبْرُورِ ثَوَابٌ دُونَ الْجَنَّةِ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني). مجمل الوصية: وَصَّى النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين بقوله: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ)، أي: أتبعوا أحدَهما الآخرَ، ولو تَخَلَّلَ بينهما زمانٌ، بحيث يَظْهَرُ مع ذلك الاهتمامُ بهما، ويُطْلَقُ عليه عُرفًا أنَّه رَدِفَه، وتَبِعَه؛ إذ القَصْدُ الإكثار منهما، والاهتمامُ بهما، وعدمُ الإهمالِ، فيَكُونُ الأمرُ بالمُتابعةِ بينهما للإرشادِ؛ فإنَّ ذلك -المُتابعةَ بين الحجِّ والعمرةِ- سَبَبٌ في زوالِ الفَقْرِ، وسببٌ لغُفرانِ الذُّنُوبِ. ما المقصود بكون الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب؟ -الإكثار من الحج والعمرة يُبْعِدُ عن فاعل ذلك ذنوبَه ويُزيلها: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) (متفق عليه). وفي حديث عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: فَلَمَّا جَعَلَ اللهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: (مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟) قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: (تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: (أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟) (رواه مسلم). -الإكثار من الحج والعمرة يبعدان عن صاحبهما الفقر، خلافًا لما يتصوره بعض الناس: قال -تعالى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: 39). قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، وأباحه لكم؛ فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: (قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)" (تفسير ابن كثير). وقال -تعالى-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261). وجاء صريحًا من قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ) (رواه أحمد والبيهقي بسندٍ حسن). -تنبيه مهم: أعمالُ الحجِّ والعمرةِ من الطاعاتِ إنَّما تُكفِّرُ الصغائرَ؛ فأما الكبائرُ فإنَّما تُكفَّرُ بالتوبةِ أو رحمةِ اللهِ وفضلهِ. فضل التكرير والمتابعة للحج والعمرة(1): -تعالوا نطالع فضل التكرير والمتابعة للحج والعمرة من خلال معنيين عظيمين؛ وهما: فضل البقعة -البلد الحرام-، وفضل رحلة الحج والعمرة. أولًا: من فضائل البلد الحرام: فيها أول مسجد وُجِدَ على ظهر الأرض: قال -تعالى-: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: 96). -اختار الله مكانه بخلاف جميع المساجد: قال -تعالى-: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) (الحج: 26). -رفع قواعده وبناه الملائكة والأنبياء: روى البيهقي في دلائل النبوة عن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: "بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى آدَمَ فَأَمَرَهُ بِبِنَاءِ الْبَيْتِ، فَبَنَاهُ آدَمُ ثُمَّ أَمَرَهُ بِالطَّوَافِ بِهِ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْتَ أَوَّلُ النَّاسِ، وَهَذَا أَوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ". وقال -تعالى-: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: 127). -فيه آيات بينات عظيمة تتعلق بها عبادات (الحجر الأسود - زمزم - مقام إبراهيم - الملتزم): قال الله -سبحانه وتعالى-: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) (آل عمران: 97). -العبادة فيه لا مثيل لها (صلاة واحدة بالعمر كله): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني). ثانيًا: فضل رحلة الحج والعمرة: إنها الرحلة إلى الله تلبية لأمره، مع هجر الأوطان وبذل الأموال، وتحمل المشاق؛ طلبًا للمغفرة: قال -تعالى-: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ . لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) (الحج: 27-28). وفي الحديث القدسي: (انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، جَاءُونِي شُعْثًا غُبْرًا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي وَمَغْفِرَتِي، فَلَوْ كَانَتْ ذُنُوبُكُمْ عَدَدَ الرَّمْلِ، أَوْ كَزَبَدِ الْبَحْرِ لَغَفَرْتُهَا، أَفِيضُوا عِبَادِي مَغْفُورًا لَكُمْ وَلِمَنْ شَفَعْتُمْ لَهُ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني). رحلة من أعظم سبل التكفير عن الذنوب، والبركة في الأموال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) (رواه الترمذي والنسائي، وصححه الألباني). رحلة النزول في ضيافة أكرم الأكرمين -سبحانه وتعالى-: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي، وَالْحَاجُّ، وَالْمُعْتَمِرُ) (رواه النسائي، وصححه الألباني). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني)(2). رسالة إلى الذين يخافون الفقر أو ضعف الاقتصاد من تكرير الحج والعمرة: - تمهيد: بعض الدول كانت منها قرارات خاطئة بفرض رسومٍ وضرائب على مَن أراد تكرير الحج والعمرة لتوفير ما يُسمَّى بالعملة الصعبة، مما يُؤَدِّي إلى الصدِّ عن هذه الفضيلة العظيمة! - اعلموا أن الله تكفَّل لأهل البلاد والقرى بالرزق الوفير إن هم أطاعوه وأعانوا على طاعته: قال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف: 96). -إذا كانت المتابعة بين الحج والعمرة سببًا في زيادة مال القاصدين؛ فكيف بمَن أعانهم على ذلك؟!: قال -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن: 60)، وقال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: 7). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً، كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) (رواه مسلم). - المتابعة بين الحج والعمرة طاعة لله، والطاعة سبب زيادة أرزاق العباد وصلاح اقتصاد البلاد: قال الله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: 96). - البيت الحرام مهوى أفئدة المسلمين، وليس لأحدٍ حق في التضييق عليهم في ذلك: قال -تعالى-: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (البقرة: 125). وقال: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: 96). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا يَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ وَيُصَلِّي أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). - تدابير إصلاح الاقتصاد وتوفير العملة الصعبة كثيرة بعد طاعة الله: (ترشيد الإنفاق الحكومي - ترشيد التمثيل الدبلوماسي والبعثات - تقليل الفعاليات الرياضية)، وغير ذلك كثير عند أهل التخصص الصالحين. - والرجوع عن الخطأ واجب، والتزام الحق فضيلة وشيمة النبلاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني). خاتمة: ولا يحيق المكر السيِّئ إلا بأهله: - سبحان الله! فبرغم القرارات، وارتفاع الأسعار، لا يزال الناس يُقْبِلُون على الحج والعمرة أكثر من ذي قبل: قال -تعالى-: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (البقرة: 125)، وقال -عز وجل-: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: 96). فاللهم ارزقنا زيارة بيتك الحرام حاجِّين ومعتمرين، مداومين غير منقطعين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قال الشوكاني -رحمه الله-: "وفي الحديث دلالة على استحباب الإكثار من الاعتمار خلافًا لقول من قال يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة -كالمالكية-، ولمن قال: يكره أكثر من مرة في الشهر من غيرهم". (2) شبهة: هل الإكثار من الحج والعمرة أفضل أم إنفاق المال على الفقراء والمساكين أفضل؟ قد نص العلماء على أن الحج (ومثله العمرة) أفضلُ من الصدقة بثمنه إلا إذا كان له أقارب محاويج، أو كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته؛ فالتصدق هنا أفضل. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الاختيارات الفقهية": "وأما إن كان له أقارب محاويج، فالصدقة عليهم أفضل، وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته، فأما إذا كان كلاهما تطوعًا، فالحج أفضل؛ لأنه عبادة بدنية مالية، وكذلك الأضحية والعقيقة أفضل من الصدقة بقيمة ذلك، لكن هذا بشرط أن يقيم الواجب في الطريق، ويترك المحرمات، ويصلي الصلوات الخمس، ويصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ولا يتعدَّى على أحد". ولا ينبغي للمستطيع أن يتأخر عن الحج أكثر من أربعة أعوام، لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنَّ عَبْدًا أَصَحَّحْتُ لَهُ جِسْمَهُ وَوَسَّعْتُ لَهُ فِي مَعِيشَتِهِ تَمْضِي عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ) (رواه أبو يعلى وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (23) التسوية بين الأولاد في الهدية (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ)، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. (متفق عليه). وفي لفظ مسلم: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟) قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: (أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ). مجمل الوصية: في هذه الوصية يُخْبِرُ النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ الأنصاريُّ -رضيَ اللهُ عنهما- أنَّ أباه بَشيرًا قدْ أعطاهُ عَطيَّةً، أي: هِبةً، وكانت العَطيةُ غُلامًا خادمًا، سَأَلَتْه أمُّ النُّعمانِ من أبيهِ لابْنِها، ثم قالتْ -رضيَ اللهُ عنها- لِزَوجِها بَشيرٍ: لا أرْضَى بهذه العطيَّةِ حتَّى تُشهِدَ عليها رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنَّكَ أعْطَيتَه ذلك على سَبيلِ الهِبةِ، وغَرَضُها بذلك تَثبيتُ العَطيَّةِ؛ فذَهَبَ بَشيرٌ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فذكَرَ له ما صَنَعَ، وأنَّ زَوجتَه أمَرَتْه أنْ يُشهِدَه، فسَأَلَه النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: هلْ أَعْطيتَ باقيَ أولادك مِثلَ ما أَعطيتَ وَلَدَك النُّعمانَ؟ فقال: لا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ)؛ وذلِكَ للتَّأليفِ بيْن الإخوةِ، وقَطْعِ مُسَبِّباتِ الشَّحْناءِ والبَغْضاءِ بيْنَهم، ولإعانَتِهم على حُسنِ بِرِّ أبيهم. فاستجابَ بَشيرٌ لأمْرِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ونَهيِهِ، فرَجعَ ورَدَّ العطيَّةَ الَّتي أعْطاها لابنِه؛ حتَّى يكونَ عادلًا بيْن أولادِه. أشهر أسباب التفضيل بالباطل بين الأبناء في المعاملة والعطية: البعض من الآباء قد يفضِّل بعض الأبناء على بعضهم لأسباب غير مشروعة، ومن ذلك: 1- أن يكون الابن من الجنس غير المرغوب فيه جهلًا؛ لكونه أنثى: فهو ممَّن قال الله فيهم: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) (النحل: 58)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. (رواه مسلم). 2- أن يكون الابن قليل الحظ من الجمال: قال -تعالى-: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32). 3- أن يكون محبوبًا دون الآخرين؛ لذكائه، أو لكثرة حركته أو قِلَّتها: فهذه كسابقتها؛ فالأمر كله من الله لحكمٍ يريدها. 4- أن يكون الابن مصابًا بعاهات جسدية ظاهرة (شلل - عرج - تخلُّف عقلي - ...)، وهذا يحتاج إلى الكثير من الحنان والمحبة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (وماذا لو كنتَ حُرِمتَ من الأولاد؟). 5- بعضهم يبغض ولده لشبهه بمن يكرهه من القرابات: قال -تعالى-: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (فاطر: 18). ويقال في الجميع: قال الله -تعالى-: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) (النساء: 11)(1). فائدة مهمة: لا يأثم الإنسان على المحبة القلبية (صِغَر سنٍّ - نَباهة - جمال - معاونة - ...)، لا سيما إذا كان سببها البِر والطاعة، مع الحذر من التفريق في المعاملة: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) (يوسف: 8). وجوب العدل بين الأولاد: - لقد أوصى الإسلام ببر الوالدين، ولو كانا كافرين: قال -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ? ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (لقمان: 14، 15). - ولما كان عقوق الوالدين محرَّمًا، كان كل ما يؤدي إليه محرَّمًا كذلك، ومن الأمور المؤدية إلى العقوق: عدم العدل بين الأبناء في الهبة والعطية: قال النبي لبشير -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ، فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ، فَقَبَّلَهُ وَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِنْتٌ لَهُ، فَأَجْلَسَهَا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: (فَهَلَّا عَدَلْتَ بَيْنَهُمَا؟) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القُبَل". - التفضيل بين الأبناء في العطية ظلمٌ يسبب الأحقاد، ويزرع الضغائن، ويزيد الأبناء العاقّين عقوقًا وتمردًا: ففي رواية مسلم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً). قَالَ: بَلَى. قَالَ: (فَلَا إِذًا). وقال يزيد بن معاوية: "أرسل أبي إلى الأحنف بن قيس، فلما وصل إليه قال له: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال: يا أمير المؤمنين، ثمارُ قلوبنا، وعمادُ ظهورنا، ونحن لهم أرضٌ ذليلة، وسماءٌ ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطِهم، وإن غضبوا فأرضِهم، يمنحوك ودهم، ويحبونك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلًا ثقيلًا، فيملوا حياتك، ويودوا وفاتك، ويكرهوا قربك" (إحياء علوم الدين). تنبيه مهم جدًّا: الظلم من الوالد لا يُسوِّغ مقابلته بالإساءة، أو الظلم من الولد؛ لأن حق الوالدين أعظم من حق الولد، وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر، حيث قرن الله بينه وبين الشرك؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ -ثَلَاثًا-: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاثَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلا عَدْلًا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني). أهمية معرفة الفرق بين النفقة والعطية: - الجهل بالفرق بين العطية والنفقة يتسبب في المشاكل والنزاعات الكثيرة. - النفقة تكون على قدر حاجة كل واحد من الأولاد وكفايته، وأما العطية فهي القدر الزائد على النفقة. (توضيح: نفقة الولد الكبير من الطعام والشراب والملبس والدراسة، والمواصلات، ونحوه، تكون أكثر من الصغير عادة؛ فلا يلزم التسوية). قال العلماء -رحمهم الله-: "فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه؛ مثل: اختصاصه بحاجة أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل؛ فلا بأس به إذا كان لحاجة، ويحرم إذا كان على سبيل الأثرة". - ويدخل في النفقة: تزويج المؤهَّل للزواج، وإعانة الطالب، والمريض، ونحوه. قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "إذا احتاج أحدهم إلى تزويجه، والآخر لا يحتاج، فما العدل؟ الجواب: أن يُعطى من يحتاج إلى التزويج ولا يُعطى الآخر..." (الشرح الممتع)(2). مسألة مهمة: هل يجوز منع العطية عن الولد العاق أو من يستعين بها على المعصية؟ قال العلماء: "لو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها؛ جاز"(3). كيفية تقسيم العطية بين الأولاد: - ذهب جمهور العلماء إلى التسوية بين الذكر والأنثى في العطية: لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لبشير بن سعد: (سَوِّ بَيْنَهُمْ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وعلل ذلك بقوله: (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟) قال: بَلَى. - والأنثى كالذكر في استحقاق برها، فكذلك في عطيتها؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ) (أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار)؛ ولأنها عطية في الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى: كالنفقة، والكسوة. نصيحة: احذر من توزيع مالك كله على عيالك في حياتك، فالموت في عِلْم الله، والقلوب تتقلب؛ قال الله -تعالى-: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) (النساء: 11). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ (1) الإشارة إلى بعض الحكايات عن أبناء ظلموا من الآباء، ثم كانوا هم العون لهم في الكبر. (2) قال -رحمه الله-: "فإذا فرضنا أن أحدهم في المدارس ويحتاج إلى نفقة للمدرسة من كتب ودفاتر، وأقلام وحبر، وما أشبه ذلك، والآخر لا يقرأ، وهو أكبر منه، لكنه لا يحتاج، فهل إذا أعطى الأول يجب أن يعطي الثاني مثله؟ الجواب: لا يجب؛ لأن التعديل في الإنفاق يعني أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج إليه. مثاله: لو احتاج الولد الذكر إلى غترة وطاقية قيمتهما مائة ريال، واحتاجت الأنثى إلى قُروط في الآذان قيمتها ألف ريال -يعني: تتجمل بها ليتقدم لخطبتها الخطَّاب-، فما هو العدل؟ الجواب: العدل أن يشتري لهذا الغترة والطاقية بمائة ريال، ويشتري للأنثى القُروط بألف ريال، أضعاف الذكر عشر مرات، هذا هو التعديل). (3) استثنى العلماء الولد العاق من العدل بين الأبناء في الأعطيات، قال الشربيني رحمه الله: "يُستثنى العاق والفاسق إذا عُلِم أنه يصرفه في المعاصي؛ فلا يُكره حرمانه" (مغني المحتاج). كما عدوا زيادة الفضل سببًا في التفضيل؛ لما روى الإمام مالك عن عائشةَ زَوجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "أن أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ كانَ نَحَلَها جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِن مَالِهِ بِالغَابَةِ" (الموطأ). قال ابن حجر -رحمه الله-: "لو حرم فاسقًا لئلا يصرفه في معصية، أو عاقًا، أو زاد أو آثر الأحوج، أو المتميز بنحو فضل كما فعله الصديق مع عائشة -رضي الله تعالى عنهما- لم يُكرَه" (تحفة المحتاج). وأجاز العلماء للأب أيضًا أن يعود في هبته لابنه العاق بعد إنذاره، قال الرملي -رحمه الله-: "فإنْ وجد (سببًا للرجوع في الهبة) ككون الولد عاقًّا، أو يصرفه في معصية، أنذره به (أي: باسترداد الهبة)، فإن أصر (الولد العاق أو العاصي) لم يُكره -أي: استرداد الهبة منه-" (نهاية المحتاج). فإذا كان استرداد العطية جائزًا، فمن باب أولى حرمانه منها ابتداءً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فلو كان أحد الأولاد فاسقًا، فقال والده: لا أعطيك نظير إخوتك حتى تتوب؛ فهذا حسن، يتعين استثناؤه، وإذا امتنع من التوبة؛ فهو الظالم. فإن تاب: وجب عليه أن يعطيه" (المستدرك على مجموع الفتاوى). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (23) التسوية بين الأولاد في الهدية (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ)، فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ. (متفق عليه). وفي لفظ مسلم: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يَا بَشِيرُ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟) قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: (أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟) قَالَ: لَا، قَالَ: (فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ). مجمل الوصية: في هذه الوصية يُخْبِرُ النُّعمانُ بنُ بَشيرٍ الأنصاريُّ -رضيَ اللهُ عنهما- أنَّ أباه بَشيرًا قدْ أعطاهُ عَطيَّةً، أي: هِبةً، وكانت العَطيةُ غُلامًا خادمًا، سَأَلَتْه أمُّ النُّعمانِ من أبيهِ لابْنِها، ثم قالتْ -رضيَ اللهُ عنها- لِزَوجِها بَشيرٍ: لا أرْضَى بهذه العطيَّةِ حتَّى تُشهِدَ عليها رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنَّكَ أعْطَيتَه ذلك على سَبيلِ الهِبةِ، وغَرَضُها بذلك تَثبيتُ العَطيَّةِ؛ فذَهَبَ بَشيرٌ إلى النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فذكَرَ له ما صَنَعَ، وأنَّ زَوجتَه أمَرَتْه أنْ يُشهِدَه، فسَأَلَه النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: هلْ أَعْطيتَ باقيَ أولادك مِثلَ ما أَعطيتَ وَلَدَك النُّعمانَ؟ فقال: لا، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (فَاتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ)؛ وذلِكَ للتَّأليفِ بيْن الإخوةِ، وقَطْعِ مُسَبِّباتِ الشَّحْناءِ والبَغْضاءِ بيْنَهم، ولإعانَتِهم على حُسنِ بِرِّ أبيهم. فاستجابَ بَشيرٌ لأمْرِ رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ونَهيِهِ، فرَجعَ ورَدَّ العطيَّةَ الَّتي أعْطاها لابنِه؛ حتَّى يكونَ عادلًا بيْن أولادِه. أشهر أسباب التفضيل بالباطل بين الأبناء في المعاملة والعطية: البعض من الآباء قد يفضِّل بعض الأبناء على بعضهم لأسباب غير مشروعة، ومن ذلك: 1- أن يكون الابن من الجنس غير المرغوب فيه جهلًا؛ لكونه أنثى: فهو ممَّن قال الله فيهم: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ) (النحل: 58)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ) وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. (رواه مسلم). 2- أن يكون الابن قليل الحظ من الجمال: قال -تعالى-: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف: 32). 3- أن يكون محبوبًا دون الآخرين؛ لذكائه، أو لكثرة حركته أو قِلَّتها: فهذه كسابقتها؛ فالأمر كله من الله لحكمٍ يريدها. 4- أن يكون الابن مصابًا بعاهات جسدية ظاهرة (شلل - عرج - تخلُّف عقلي - ...)، وهذا يحتاج إلى الكثير من الحنان والمحبة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ، فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). (وماذا لو كنتَ حُرِمتَ من الأولاد؟). 5- بعضهم يبغض ولده لشبهه بمن يكرهه من القرابات: قال -تعالى-: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (فاطر: 18). ويقال في الجميع: قال الله -تعالى-: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) (النساء: 11)(1). فائدة مهمة: لا يأثم الإنسان على المحبة القلبية (صِغَر سنٍّ - نَباهة - جمال - معاونة - ...)، لا سيما إذا كان سببها البِر والطاعة، مع الحذر من التفريق في المعاملة: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) (يوسف: 8). وجوب العدل بين الأولاد: - لقد أوصى الإسلام ببر الوالدين، ولو كانا كافرين: قال -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ . وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ? ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (لقمان: 14، 15). - ولما كان عقوق الوالدين محرَّمًا، كان كل ما يؤدي إليه محرَّمًا كذلك، ومن الأمور المؤدية إلى العقوق: عدم العدل بين الأبناء في الهبة والعطية: قال النبي لبشير -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- رَجُلٌ، فَجَاءَ ابْنٌ لَهُ، فَقَبَّلَهُ وَأَجْلَسَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ جَاءَتْ بِنْتٌ لَهُ، فَأَجْلَسَهَا إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: (فَهَلَّا عَدَلْتَ بَيْنَهُمَا؟) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني). وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القُبَل". - التفضيل بين الأبناء في العطية ظلمٌ يسبب الأحقاد، ويزرع الضغائن، ويزيد الأبناء العاقّين عقوقًا وتمردًا: ففي رواية مسلم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً). قَالَ: بَلَى. قَالَ: (فَلَا إِذًا). وقال يزيد بن معاوية: "أرسل أبي إلى الأحنف بن قيس، فلما وصل إليه قال له: يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟ قال: يا أمير المؤمنين، ثمارُ قلوبنا، وعمادُ ظهورنا، ونحن لهم أرضٌ ذليلة، وسماءٌ ظليلة، وبهم نصول على كل جليلة، فإن طلبوا فأعطِهم، وإن غضبوا فأرضِهم، يمنحوك ودهم، ويحبونك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقلًا ثقيلًا، فيملوا حياتك، ويودوا وفاتك، ويكرهوا قربك" (إحياء علوم الدين). تنبيه مهم جدًّا: الظلم من الوالد لا يُسوِّغ مقابلته بالإساءة، أو الظلم من الولد؛ لأن حق الوالدين أعظم من حق الولد، وعقوق الوالدين من أكبر الكبائر، حيث قرن الله بينه وبين الشرك؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ -ثَلَاثًا-: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (ثَلاثَةٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُمْ صَرْفًا وَلا عَدْلًا: عَاقٌّ، وَمَنَّانٌ، وَمُكَذِّبٌ بِالْقَدَرِ) (رواه الطبراني، وحسنه الألباني). أهمية معرفة الفرق بين النفقة والعطية: - الجهل بالفرق بين العطية والنفقة يتسبب في المشاكل والنزاعات الكثيرة. - النفقة تكون على قدر حاجة كل واحد من الأولاد وكفايته، وأما العطية فهي القدر الزائد على النفقة. (توضيح: نفقة الولد الكبير من الطعام والشراب والملبس والدراسة، والمواصلات، ونحوه، تكون أكثر من الصغير عادة؛ فلا يلزم التسوية). قال العلماء -رحمهم الله-: "فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه؛ مثل: اختصاصه بحاجة أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عائلة أو اشتغاله بالعلم، أو نحوه من الفضائل؛ فلا بأس به إذا كان لحاجة، ويحرم إذا كان على سبيل الأثرة". - ويدخل في النفقة: تزويج المؤهَّل للزواج، وإعانة الطالب، والمريض، ونحوه. قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: "إذا احتاج أحدهم إلى تزويجه، والآخر لا يحتاج، فما العدل؟ الجواب: أن يُعطى من يحتاج إلى التزويج ولا يُعطى الآخر..." (الشرح الممتع)(2). مسألة مهمة: هل يجوز منع العطية عن الولد العاق أو من يستعين بها على المعصية؟ قال العلماء: "لو صرف عطيته عن بعض ولده لفسقه أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله أو ينفقه فيها؛ جاز"(3). كيفية تقسيم العطية بين الأولاد: - ذهب جمهور العلماء إلى التسوية بين الذكر والأنثى في العطية: لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لبشير بن سعد: (سَوِّ بَيْنَهُمْ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، وعلل ذلك بقوله: (أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟) قال: بَلَى. - والأنثى كالذكر في استحقاق برها، فكذلك في عطيتها؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (سَوُّوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي الْعَطِيَّةِ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يُسَوُّوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ) (أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار)؛ ولأنها عطية في الحياة، فاستوى فيها الذكر والأنثى: كالنفقة، والكسوة. نصيحة: احذر من توزيع مالك كله على عيالك في حياتك، فالموت في عِلْم الله، والقلوب تتقلب؛ قال الله -تعالى-: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا) (النساء: 11). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ (1) الإشارة إلى بعض الحكايات عن أبناء ظلموا من الآباء، ثم كانوا هم العون لهم في الكبر. (2) قال -رحمه الله-: "فإذا فرضنا أن أحدهم في المدارس ويحتاج إلى نفقة للمدرسة من كتب ودفاتر، وأقلام وحبر، وما أشبه ذلك، والآخر لا يقرأ، وهو أكبر منه، لكنه لا يحتاج، فهل إذا أعطى الأول يجب أن يعطي الثاني مثله؟ الجواب: لا يجب؛ لأن التعديل في الإنفاق يعني أن يعطي كل واحد منهم ما يحتاج إليه. مثاله: لو احتاج الولد الذكر إلى غترة وطاقية قيمتهما مائة ريال، واحتاجت الأنثى إلى قُروط في الآذان قيمتها ألف ريال -يعني: تتجمل بها ليتقدم لخطبتها الخطَّاب-، فما هو العدل؟ الجواب: العدل أن يشتري لهذا الغترة والطاقية بمائة ريال، ويشتري للأنثى القُروط بألف ريال، أضعاف الذكر عشر مرات، هذا هو التعديل). (3) استثنى العلماء الولد العاق من العدل بين الأبناء في الأعطيات، قال الشربيني رحمه الله: "يُستثنى العاق والفاسق إذا عُلِم أنه يصرفه في المعاصي؛ فلا يُكره حرمانه" (مغني المحتاج). كما عدوا زيادة الفضل سببًا في التفضيل؛ لما روى الإمام مالك عن عائشةَ زَوجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "أن أبا بَكرٍ الصِّدِّيقَ كانَ نَحَلَها جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِن مَالِهِ بِالغَابَةِ" (الموطأ). قال ابن حجر -رحمه الله-: "لو حرم فاسقًا لئلا يصرفه في معصية، أو عاقًا، أو زاد أو آثر الأحوج، أو المتميز بنحو فضل كما فعله الصديق مع عائشة -رضي الله تعالى عنهما- لم يُكرَه" (تحفة المحتاج). وأجاز العلماء للأب أيضًا أن يعود في هبته لابنه العاق بعد إنذاره، قال الرملي -رحمه الله-: "فإنْ وجد (سببًا للرجوع في الهبة) ككون الولد عاقًّا، أو يصرفه في معصية، أنذره به (أي: باسترداد الهبة)، فإن أصر (الولد العاق أو العاصي) لم يُكره -أي: استرداد الهبة منه-" (نهاية المحتاج). فإذا كان استرداد العطية جائزًا، فمن باب أولى حرمانه منها ابتداءً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "فلو كان أحد الأولاد فاسقًا، فقال والده: لا أعطيك نظير إخوتك حتى تتوب؛ فهذا حسن، يتعين استثناؤه، وإذا امتنع من التوبة؛ فهو الظالم. فإن تاب: وجب عليه أن يعطيه" (المستدرك على مجموع الفتاوى). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (24) اذكروا محاسن موتاكم (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ -رضي اللهُ عنها-، قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا) (رواه البخاري)(1)، وعنها قالت: ذُكِرَ عندَ النَّبيِّ -صلى اللهُ عليه وسلم- هَالِكٌ بسوءٍ، فقال: (لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) (أخرجه النسائي، وصححه الألباني). وعندَ ابنِ حِبَّانَ: (فَإِنَّ مَا قَدَّمُوهُ مِنْ أَعْمَالٍ سَيُحَاسِبُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا)(2). مجمل الوصية: مَن ماتَ مِنَ النَّاسِ فقدْ أَفْضَى إِلَى رَبِّهِ سبحانه، وهو الذي يُحَاسِبُهُ على أَعْمَالِهِ، وقد أَوْصَى النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم- أُمَّتَهُ بِحُسْنِ المعاملةِ معَ الأَحْيَاءِ والأَمْوَاتِ كذلك. وفي هذا الحديثِ تَحْكِي أُمُّ المُؤْمِنِينَ عائشةُ -رضي اللهُ عنها- أَنَّهُ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبيِّ -صلى اللهُ عليه وسلم- شَخْصٌ مَيِّتٌ بِشَرٍّ، فقال -صلى اللهُ عليه وسلم-: (لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ)، أي: لا تَذْكُرُوا أَمْوَاتَكُمْ إِلَّا بِالْخَيْرِ؛ وذلك لأَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا إِلَى الجزاءِ والحسابِ. كلُّنا سيكونُ من الأمواتِ يومًا: فقد قَضَى اللَّهُ -جلَّ وعلا- على خَلْقِهِ بالموتِ، وجعلَ الموتَ حَقًّا على كلِّ حَيٍّ، لا مَحِيدَ عنه: قال اللهُ تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ? وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (آل عمران: 185). وعندَ الاحتضارِ تبدأُ حقوقٌ جديدةٌ للمسلمِ على إخوانِهِ، كَرَفِيقٍ صَالِحٍ يُؤْنِسُهُ ويُثَبِّتُهُ، ويُلَقِّنُهُ: "لا إلهَ إلا اللهُ"؛ طَلَبًا لِحُسْنِ الخاتمةِ، ثم إذا خَرَجَتِ الروحُ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يُغَمِّضُوا عَيْنَيْهِ، ويُغَطُّوهُ صِيَانَةً له، ثم تُنَفَّذُ وصيتُهُ، ويُغَسَّلُ ويُكَفَّنُ ويُصَلَّى عليه ويُدْفَنُ، وتُحِدُّ عليه زوجتُهُ، ويُسَدَّدُ دَيْنُهُ، وتُقْسَمُ تَرِكَتُهُ. وهكذا تنتهي الدنيا في حقِّ الإنسانِ، وقد أَقْبَلَ على الحسابِ والجزاءِ على ما قَدَّمَ في هذه الحياةِ الدنيا: قال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) (يس: 12). ولا تَنْقَطِعُ حقوقُ المسلمِ بالموتِ، بل تَبْقَى بعضُ حقوقه على الأحياءِ من أهلِهِ وغيرِهم إلى يومِ القيامةِ، ومنها هذا الحقُّ الكبيرُ (ذِكْرُهُ بِالْخَيْرِ): قال النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا)، وقال -صلى اللهُ عليه وسلم-: (لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ) (سبق). لماذا النَّهْيُ عن سبِّ الأمواتِ؟ الأمواتُ قد انقطعتْ علاقتُكَ المباشرةُ بهم، وسَبُّهُمْ إيذاءٌ لهم بغيرِ سببٍ: قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب: 58)، وقال رسول الله -صلى اللهُ عليه وسلم-: (كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ) (رواه مسلم). (هذا في حقِّ المسلمِ الحَيِّ؛ فكيف بالميتِ الذي لا يَمْلِكُ الدفاعَ عن نفسِهِ؟!). ذِكْرُ مساوئِ الموتى ليس من شِيَمِ الكرامِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ) (متفقٌ عليه). إنْ لم تَدْعُ للميتِ فلا تُؤْذِهِ بالسبِّ: ففي حديثِ عائشةَ -رضي الله عنها-: (إِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ، لَا تَقَعُوا فِيهِ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). بل سَبُّ الأمواتِ يَحْدُثُ حُزْنًا في قلوبِ أقاربِهم ويَتَسَبَّبُ في التَّشَاحُنِ والتَّبَاغُضِ: قال النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني). ثم هل تَرْضَى أنْ يَسُبَّكَ الناسُ بعدَ موتِكَ؟ قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ) (رواه مسلم). اتركْ أثرًا صالحًا قبلَ الرحيلِ: سؤالٌ وجِّهَهُ لنفسِكَ الآنَ: ما آثارُكَ الطيبةُ بعدَ الموتِ لِيَذْكُرَكَ الناسُ بالخيرِ؟ فكم غَرْسًا للخيرِ غَرَسْتَ؟ وكم ضَالًّا عن الحقِّ هَدَيْتَ؟ وكم سَبِيلًا من سُبُلِ الخيرِ سَبَلْتَ؟: قال -تعالى-: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ). سَلْ نفسَكَ: أين أنا من أصحابِ النَّبيِّ -صلى اللهُ عليه وسلم- الذين فَتَحُوا البلادَ ونَشَرُوا الإسلامَ والدينَ والسُّنةَ؟ وأين أنا من الأئمةِ الذين ملأوا الأرضَ عِلْمًا ودعوةً وتَصَانِيفًا وعُلُومًا، الذين ما زالتِ الدنيا تَتَرَضَّى وتَتَرَحَّمُ عليهم؟ (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ) (الحشر: 10). وقال الشاعرُ: قـد مـاتَ قـومٌ وما ماتَتْ مَكَارِمُهُـمْ وعاشَ قومٌ وهُمْ في الناسِ أَمْوَاتُ احذرْ أنْ تَتْرُكَ أَثَرًا فاسدًا بعدَ موتِكَ، فليس السِّبابُ واللعناتُ من الناسِ وحدها سَتُلاحِقُكَ، بل الآثارُ السيئةُ في الدنيا والآخرةِ: قال النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ) (رواه مسلم).مشروعية الكلامِ بالسوءِ في أعداءِ الدينِ والفاجرينَ: النَّهْيُ عن سَبِّ الأمواتِ متعلقٌ بالمسلمينَ المستورينَ، وأما الفاسقونَ منهم، والكافرونَ والمنافقونَ، فيجوزُ من بابِ التحذيرِ من حالِهم وفضحِ مَسْلَكِهِمْ وطَرِيقِهِمْ: وعن أَنَسٍ -رضي اللهُ عنه-، قال: مَرُّوا بِجِنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فقال النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (وَجَبَتْ)، ثم مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فقال: (وَجَبَتْ)، فقال عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ -رضي اللهُ عنه-: ما وَجَبَتْ؟ قال: (هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ؛ أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) (متفقٌ عليه). الفرحُ بِمَهْلَكِ أعداءِ الإسلامِ وأهلِ البدعِ المغلظةِ وأهلِ المجاهرةِ بالفجورِ أمرٌ مشروعٌ، وهو من نِعَمِ اللهِ على عبادِهِ وعلى الشجرِ والدوابِّ، بل يُشَرَّعُ الفرحُ بما يَحِلُّ بهم من مصائبَ: عَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى اللهُ عليه وسلم- مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: (مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: (الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ، وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ) (متفق عليه). خاتمة: عودٌ على بدءٍ: وصيةٌ غاليةٌ من أعظمِ ناصحٍ، بأنَّ حقوقَ المسلمِ لا تَنْقَطِعُ بالموتِ، بل تَبْقَى بعضُ حقوقه على الأحياءِ إلى يومِ القيامةِ، ومنها: قال النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم-: (لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ). اللهمَّ ارْحَمْ مَوْتَانَا وموتى المسلمينَ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ (1) ما ذُكِرَ في العنوانِ قد رَوَاهُ أبو داودَ والترمذيُّ والحاكمُ والبيهقيُّ عن ابنِ عمرَ -رضي اللهُ عنهما- عن النبيِّ -صلى اللهُ عليه وسلم- أنه قال: (اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ) (لكنه غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ في سنده عِمْرَانَ بنَ أَنَسٍ المكيَّ؛ قال فيه البخاريُّ: منكرُ الحديثِ. وقال العقيليُّ: لا يُتَابَعُ على حديثِهِ)، والرواية الصحيحة: (لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ). (2) قال العلماءُ: "فلم يَنْهَهُمُ النَّبيُّ -صلى اللهُ عليه وسلم- عن ذِكْرِ المَيِّتِ بالشَّرِّ، والنَّهْيَ عن سَبِّ الأمواتِ هو في غَيْرِ المنافقِ وسائرِ الكفَّارِ، وفي غَيْرِ المتظاهرِ بِفِسْقٍ أو بِدْعَةٍ؛ فأَمَّا المنافقُ والكافرُ والفاسقُ وصاحبُ البدعةِ فلا يَحْرُمُ ذِكْرُهُمْ بالشَّرِّ؛ لِلتَّحْذِيرِ مِنْ طَرِيقَتِهِمْ، ومن الاقتداءِ بِآثَارِهِمْ، والتَّخَلُّقِ بِأَخْلاقِهِمْ، ومنه ذلك الحديثُ الذي أَثْنَوْا على المَيِّتِ فيه شَرًّا؛ لأنَّه كان مَشْهُورًا بِنِفَاقٍ، أو نَحْوِهِ؛ إذَنْ فالدَّاعِي لذِكْرِ الأمواتِ بالشَّرِّ هو حاجةٌ شَرْعِيَّةٌ إلى جَرْحِهِ". |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (25) (تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا) (متفق عليه). مجمل الوصية: أمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في هذه الوصية بمُعَاهَدَةِ القرآنِ والمواظبةِ على تِلَاوَتِهِ كي لا يَنْسَاهُ المسلمُ بعد أن كان حَافِظًا له في صَدْرِهِ، وأكَّد ذلك بحَلِفِهِ -صلى الله عليه وسلم- على أنَّ القرآنَ أشدُّ تَخَلُّصًا وذَهَابًا من الصُّدُورِ من الإبلِ المَعْقُولَةِ وهي المَشْدُودَةُ بحَبْلٍ في وَسَطِ الذِّرَاعِ، إن تَعَاهَدَهَا الإنسانُ أمْسَكَهَا وإن أطْلَقَهَا ذَهَبَتْ وضَاعَتْ(1). فضل القرآن: - القرآنُ هو كلامُ اللهِ، أنْزَلَهُ على نَبِيِّهِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-: وهو كتابُ الإسلامِ الخَالِدِ، ومُعْجِزَتُهُ الكُبْرَى، فيه تَقْوِيمٌ للسُّلُوكِ، وتَنْظِيمٌ للحَيَاةِ، من اسْتَمْسَكَ به فقد اسْتَمْسَكَ بالعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انْفِصَامَ لها، ومن أعْرَضَ عنه وطَلَبَ الهُدَى في غَيْرِهِ فقد ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا: قال -تعالى-: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (إبراهيم: 1)(2). - ولقد تَعَبَّدَنَا اللهُ بتِلَاوَتِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وأطْرَافَ النَّهَارِ، ووَعَدَنَا على ذلك الأجْرَ العَظِيمَ: قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ) (فاطر: 29)، وقال -تعالى-: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) (الإسراء: 106). وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ آلم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - ويَكْتَمِلُ الفَضْلُ والأجْرُ لمن جَمَعَ بين القِرَاءَةِ والعَمَلِ: قال ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهما- تَكَفَّلَ اللهُ لمن قَرَأَ القرآنَ وعَمِلَ بما فيه ألَّا يَضِلَّ في الدُّنْيَا ولا يَشْقَى في الآخِرَةِ، ثم قرأ قوله -تعالى-: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى . قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا . قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) (طه: 123-126). فضل حُفَّاظِ القرآن: - هَنِيئًا لكم حُفَّاظَ كتابِ اللهِ الكَرِيمِ، هَنِيئًا لكم هذا الأجْرَ العَظِيمَ، والثَّوَابَ الجَزِيلَ: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ) (أخرجه مسلم). - فأنتم أهلُ اللهِ وخَاصَّتُهُ، أنتم خَيْرُ الناسِ للناسِ، أنتم أحَقُّ الناسِ بالإجْلَالِ والإكْرَامِ: فعن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ)، قالوا: يا رسولَ اللهِ من هم؟ قال: (هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ -تعالى- إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) (رواه البخاري). - أنتم يا أهلَ القرآنِ أعْلَى الناسِ مَنْزِلَةً في الدُّنْيَا والآخِرَةِ: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ) (أخرجه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ) (متفق عليه). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ حَلِّهِ، فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ، فَيَرْضَى عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ وَتُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً) (أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني). - بل من عَظِيمِ بَرَكَةِ القرآنِ، أن فَضْلَ الحُفَّاظِ يَتَعَدَّى إلى كل من أعَانَهُمْ على حِفْظِهِ: كما روي عن رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ، أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا" (رواه أبو داود). الوصية النبوية بتعاهد القرآن: - وصيةُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بتَعَاهُدِ القرآنِ بشكلٍ دَائِمٍ ومُسْتَمِرٍّ لأمَّتِهِ عَامَّةً، ولحَفَظَةِ كتابِ اللهِ خَاصَّةً: قال -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا) (أخرجه مسلم). - يُسْتَحَبُّ للمسلمِ خَتْمُ القرآنِ في كل شَهْرٍ، إلا أن يَجِدَ المسلمُ من نَفْسِهِ نَشَاطًا فلْيَخْتِمْ كل أُسْبُوعٍ: عن عبدِ الله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال لي رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (اقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ)، قال: قلتُ: إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قال: (فَاقْرَأْهُ فِي عِشْرِينَ لَيْلَةٍ)، قال: قلتُ: إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قال: (فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ) (رواه البخاري). وقال عبدُ الله بن أحمد بن حنبل: "كان أبي يَخْتِمُ القرآنَ في النَّهَارِ في كل أُسْبُوعٍ، يَقْرَأُ كل يَوْمٍ سَبْعًا لا يَكَادُ يَتْرُكُهُ نَظَرًا". - وأوْصَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- جميعَ المسلمينَ رِجَالًا ونِسَاءً، بحِفْظِ كتابِ اللهِ -تعالى- ما اسْتَطَاعُوا لذلك سَبِيلًا، وحَذَّرَ من هَجْرَانِهِ: قال -تعالى-: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30). وروى الإمامُ أحمدُ -رضي الله عنه- من حديث سَمُرَةَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رأى رَجُلًا مُسْتَلْقِيًا على قَفَاهُ، ورَجُلًا قَائِمًا بيَدِهِ فَهْرٌ أو صَخْرَةٌ، فيَشْدَخُ بها رَأْسَهُ، فيَتَدَهْدَهُ، فإذا ذَهَبَ ليَأْخُذَهُ عَادَ رَأْسُهُ كما كان، فيَصْنَعُ به مِثْلَ ذلك، فسَأَلَ عنه، فقيل له: رَجُلٌ أتَاهُ اللهُ القرآنَ فنَامَ عنه باللَّيْلِ ولم يَعْمَلْ به بالنَّهَارِ، فهو يُفْعَلُ به ذلك إلى يَوْمِ القِيَامَةِ. - ومن أشَدِّ أنْوَاعِ الهَجْرِ للقرآنِ نِسْيَانُهُ بسَبَبِ الانْشِغَالِ بالدُّنْيَا: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: (عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا الرَّجُلُ ثُمَّ نَسِيَهَا) (رواه أبو داود، وحسنه الألباني). خاتمة: - كثيرٌ هم الذين هَجَرُوا القرآنَ، وانْشَغَلُوا عنه بالأمْوَالِ والوَظَائِفِ والأهْلِ والخِلَّانِ، فأيْنَ هم من وَصِيَّةِ سَيِّدِ الأنَامِ؟: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا). - وكثيرٌ هم الذين هَجَرُوا القرآنَ، وانْشَغَلُوا عنه بالدُّونِ من الأمُورِ والأحْوَالِ: (الجَرَائِدِ والمَجَلَّاتِ وصَفَحَاتِ ومَوَاقِعِ شَبَكَةِ العَنْكَبُوتِ)؛ فأيْنَ هم يَوْمَ القِيَامَةِ من سُؤَالِ الجَلِيلِ المُتَعَالِ؟! قال عثمانُ -رضي الله عنه-: "لو طَهُرَتْ قُلُوبُكم ما شَبِعْتُمْ من كَلامِ رَبِّكم" (رواه أحمد في زوائد الزهد). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ (1) عَقْلُ الإبلِ: هو أن يُوضَعَ فيها رِبَاطٌ في وَسَطِ الذِّرَاعِ من يَدِهَا، فيُضَمُّ ذلك إلى العَضُدِ إذا بَرَكَ البَعِيرُ، ورُبِطَ ذلك المَحَلُّ منه، ثم تُرِكَ، فعند ذلك لا يَسْتَطِيعُ أن يَنْهَضَ، ولا يَسْتَطِيعُ أن يَقُومَ، ولا أن يَنْطَلِقَ ويَنْفَلِتَ من صَاحِبِهِ، ولكنها تُحَاوِلُ الانْفِلَاتَ؛ ولذلك تَحْتَاجُ إلى تَعَاهُدٍ، فلا يُتْرَكُ هذا البَعِيرُ مُدَّةً طَوِيلَةً، في غَفْلَةٍ عنه، فإنه قد يَنْفَلِتُ، ثم بعد ذلك يَنْطَلِقُ، فلا يُوقَفُ له على أثَرٍ، فيَتَخَلَّصُ. (2) روى عن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، هُوَ الَّذِي مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، فَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ أَنْ قَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، هُوَ الَّذِي مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" (أخرجه الدارمي). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (26) (لا تغضب) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلًا قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أوصني، قال: (لا تَغْضَبْ)، فردَّد مرارًا، قال: (لا تَغْضَبْ) (رواه البخاري). وعن جارية بن قدامة السعدي -رضي الله عنه- قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله! قل لي قولًا ينفعني، وأقلل علي، لعلي أعيه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَغْضَبْ)، فأعدت عليه مرارًا، كل ذلك يقول لي: (لا تَغْضَبْ)، قال: ففكرت حين قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله. (رواه أحمد، وصححه الألباني). مجمل الوصية: هذا رجل يطلب من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يوصيه وصيةً وجيزةً جامعةً لخصال الخير؛ ليحفظها عنه خشية ألا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبي -صلى الله عليه وسلم- ألا يغضب، ثم ردد هذه المسألة عليه مرارًا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يردد عليه هذا الجواب، أي: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه والعمل بما يأمر به؛ لأن الغضب جماع الشر، والتحرز منه جماع الخير. أقسام الغضب: ينقسم الغضب إلى قسمين: - الغضب المحمود: وهو أن يكون لله -عز وجل- عندما تنتهك حرماته، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُنْتَصِرًا مِنْ مَظْلِمَةٍ ظُلِمَهَا قَطُّ مَا لَمْ تُنْتَهَكْ مَحَارِمُ اللَّهِ، فَإِذَا انْتُهِكَ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ شَيْءٌ كَانَ أَشَدَّهُمْ فِي ذَلِكَ غَضَبًا، وَمَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا" (أخرجه الحميدي، والبخاري بمعناه مختصرًا)(1). وقال -تعالى-: (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) (الأعراف: 150). قال العلماء: فكانت تلك الحدة منه والغضب فيه صفة مدح له؛ لأنها كانت لله وفي الله. - الغضب المذموم: وهو الذي جاء النهي عنه في الوصية، وهو خلق سيئ؛ ومنه: الغضب للنفس أو عصَبيةً وحميةً -وهو موضوع حديثنا إن شاء الله-. آثار الغضب: للغضب آثار سيئة على عموم حال الإنسان(2): عن سليمان بن صرد -رضي الله عنه- قال: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ!" (متفق عليه). وجوانب آثار الغضب تتعدد: - في الظاهر: تغير اللون، وشدة رعْدة الأطراف، وخروج الأفعال عن الترتيب والانتظام، واضطراب الحركة والكلام، حتى يظهر الزبد على الأشداق، وتشتد حمرة الأحداق، وتستحيل الخلقة، ولو يرى الغضبان في حال غضبه صورة نفسه لسكن غضبه حياءً من قبح صورته؛ لاستحالة خلقته. - على اللسان: الأقوال المحرمة والقبائح، كالقذف والسب والفحش، والأيمان التي لا يجوز التزامها شرعًا، وطلاق الزوجة الذي يعقب الندم، وربما ارتقى الأمر إلى درجة الكفر، كما أن الغضبان لا ينتظم كلامه، بل يتخبط نظمه، ويضطرب لفظه، وقد يصيح صياحًا شديدًا أو يدعو على نفسه وأحب الناس إليه. - على الأفعال: كالضرب فما فوقه إلى القتل عند التمكن، وأنواع الظلم والعدوان، فإن عجز عن التَشفي رجع غضبه عليه، فمزق ثوبه، وضرب نفسه وغيره ممن ليس له ذنب، وربما سقط وعجز عن الحركة، واعتراه مثل الغشية؛ لشدة استيلاء الغضب عليه. - على صحة الإنسان: فهو سبب لأمراض صعبة مؤدية إلى التلف، (كالسكري، والذبحة الصدرية، والسكتة القلبية، وغيرها). على الدين والإيمان: وهذا أشد الآثار ضررًا(3). ولذا جاء النهي عن مزاولة الأمور المهمة إن كان الإنسان تحت تأثير الغضب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ) (متفق عليه)، وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الحَقِّ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ) (رواه النسائي، وصححه الألباني). قال ابن القيم -رحمه الله-: "إنما كان ذلك؛ لأن الغضب يشوش عليه قلبه وذهنه، ويمنعه من كمال الفهم، ويحول بينه وبين استيفاء النظر، ويعمي عليه طريق العلم والقصد". أسباب معينة على ترك الغضب عند حصوله: - تغيير الحال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الغَضَبُ؛ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني). - الوضوء: خطب معاوية يومًا، فقال له رجل: كذبت! فنزل مغضبًا فدخل منزله، ثم خرج عليهم تقطر لحيته ماءً، فصعد المنبر، فقال: "أيها الناس، سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إِنَّ الغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُطْفِئْهُ بِالمَاءِ، ثم أخذ في الموضع الذي بلغه من خطبته" (عيون الأخبار لابن قتيبة). - ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الغضب: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ) (متفق عليه). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: "قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ: يَا ابْنَ أَخِي، لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ، قَالَ: سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ، فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ: هِيْ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، فَوَاللهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَالَ لِنَبِيِّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (خُذِ العَفْوَ وَأْمُرْ بِالعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجَاهِلِينَ) (الأعراف: 199)، وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، وَاللهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللهِ" (رواه البخاري). - الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن الرجل الغضبان: (إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قالَها ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ، لَوْ قال: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ)، وقال -تعالى-: (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ) (الأعراف: 200). - السكوت: عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). - أن يذكر الله -عز وجل-: قال -تعالى-: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) (الكهف: 24). قال عكرمة: "يعني: إذا غضبت". وقال -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف: 201). قال سعيد بن جبير: "هو الرجل يغضب الغضبة، فيذكر الله -تعالى-، فيكظم الغيظ". قلتُ: وما أحسن قول العامة للغضبان: (وحِّد الله - صلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم). - أن يذكر ثواب من كظم غيظه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ؛ كَفَّ اللهُ عَنْهُ عَذَابَهُ) (أخرجه أبو يعلى، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة للألباني). وعن عبد الرزاق قال: "جعلت جارية لعلي بن الحسين تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله -عز وجل- يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) (آل عمران: 134)، فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: (وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: 134)، قال: قد عفا الله عنك. قالت: (وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134)، قال: فاذهبي فأنت حرة". ودخل عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- المسجد ليلةً في الظلمة، فمر برجل نائم، فعثر به، فرفع رأسه وقال: "أمجنون أنت؟ فقال عمر: لا. فهَمَّ به الحرس، فقال عمر: مه! إنما سألني أمجنون؟ فقلت: لا!" (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر في تاريخ دمشق). خاتمة: - وصية عظيمة تنفع الإنسان في الدنيا والآخرة: قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: يا رسول الله! قل لي قولًا ينفعني، وأقلل علي، لعلي أعيه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تَغْضَبْ)، فأعدت عليه مرارًا، كل ذلك يقول لي: (لا تَغْضَبْ). قال: ففكرت حين قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله. فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ (1) المقصود: أنه كان يسامح في حق نفسه... فأين نحن من ذلك؟ فكثير هم الذين يغضبون على الزوجات إذا تأخرت في إعداد الطعام، ولا يغضبون إذا أخرت الصلاة! وكثير هم الذين يغضبون إذا فرط الأولاد في الدراسة والمذاكرة، ولا يغضبون إذا فرطوا في الصلاة! وكثير هم الذين يغضبون إذا سبَّ أحدُهم أباه، ولا يغضبون إذا سَمِعوا من يسب الله أو دينه! وهلم جرًّا... (2) الناس في قوة الغضب على درجات ثلاث: إفراط، وتفريط، واعتدال؛ فلا يحمد الإفراط فيها؛ لأنه يخرج العقل والدين عن سياستهما، فلا يبقى للإنسان مع ذلك نظر ولا فكر ولا اختيار. والتفريط في هذه القوة أيضًا مذموم؛ لأنه يبقى لا حمية له ولا غيرة، ومن فقد الغضب بالكلية عجز عن رياضة نفسه؛ إذ الرياضة إنما تتم بتسليط الغضب على الشهوة، فيغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة، ففقد الغضب مذموم؛ فينبغي أن يطلب الوسط بين الطريقين. (3) من أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال: تسميتهم الغضب شجاعةً، ورجوليةً، وعزة نفس، وكبر همة! وتلقيبه بالألقاب المحمودة -غباوةً وجهلًا!- حتى تميل النَّفس إليه وتستحسنه، وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر في معرض المدح بالشجاعة، والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر، فيهيج الغضب إلى القلب بسببه. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (27) (تهادوا تحابوا) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا) (أخرجه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني). مجمل الوصية: يوصي النبي -صلى الله عليه وسلم- المسلمين بالتهادي بينهم؛ لأن التبادل بالهدايا بين الناس يورث المحبة والمودة بينهم، فالهدية لها أثر كبير في استجلاب المحبة وتأليف القلوب، والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يقبل الهدية ويثيب عليها، مما يدل على أهمية هذا الفعل في تقوية الروابط الاجتماعية. معنى الهدية: هي عبارة عما يعطيه الإنسان لغيره بقصد إظهار المودة، وحصول الألفة والثواب، وليست هي في مقابل ثمن، أو سلعة، أو نحو ذلك، بل هي ما يقدم بلا عوض بقصد إظهار المودة وحصول الألفة؛ ومن ثمّ كانت الهدية مفتاحًا للقلوب. مشروعية التهادي: - هي وصية من وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومحل ترغيبه: (وصية اليوم)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ مَنَحَ مَنِيحَةً: وَرِقًا أَوْ ذَهَبًا، أَوْ سَقَى لَبَنًا، أَوْ هَدَى زُقَاقًا، فَهُوَ كَعَدْلِ رَقَبَةٍ) (رواه أحمد بسند صحيح). - كان -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية من كلِّ مَن أهدى إليه، مهما كانت يسيرةً(1): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَجِيبُوا الدَّاعِيَ وَلَا تَرُدُّوا الهَدِيَّةَ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ، لَقَبِلْتُ) (رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ) (متفق عليه). - وكان -صلى الله عليه وسلم- يكافئ من أعطاه بهدية مثلها أو خيرًا منها؛ من باب رد الحسنى بأحسن منها أو مثلها، ولئلا يكون لأحد عليه مِنَّة: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا" (رواه البخاري). - وكان -صلى الله عليه وسلم- يقبل الهدية من المسلم والكافر بضوابطها(2): قد وردت أدلة على ذلك؛ منها: قبوله -صلى الله عليه وسلم- الهدية من كسرى، وقيصر، والمقوقس، وغيرهم. من فوائد التهادي: - الهدية تعبّر عن المودة والتقدير والاحترام: قال الله -تعالى-: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ) (النمل: 35). - الهدية تزيد من قوة الترابط والمحبة بين الناس: (الوالدين - الأزواج - الأشقاء - الأصدقاء - أصحاب الفضل) ويظل أثرها كبيرًا بين المتهادين؛ لا سيما في المناسبات التي يصعب نسيانها (كالشدائد، والمرض، والأعياد، والزواج، والنجاح، إلخ)، قال -صلى الله عليه وسلم-: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا). - الهدية تذهب الضغائن وتجعل القلوب تتآلف: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "تَهَادَوْا، فَإِنَّ الهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ" (رواه الترمذي، وضعفه الألباني). وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعطي للمؤلفة قلوبهم من الزكاة ليزداد حبهم للإسلام. قال صفوان بن أمية -رضي الله عنه-: "وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ" (رواه مسلم). وقال الهيثم بن عدي: "كان يقال: ما ارتضي الغضبان، ولا استعطف السلطان، ولا سلبت الشحناء، ولا دفعت البغضاء، ولا توقي المحذور، ولا استعمل المهجور بمثل الهدية والبر!"، وقال آخر: "تهادوا، فإن الهدية تثبّت المروءة، وتستل السخيمة". من آداب وأحكام التهادي: 1- ألا تكون من الهدايا المحرمة (كآلات الطرب، والألبسة المحرمة، وغيرها): فعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: رأى عمر بن الخطاب حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريتها فلبستها يوم الجمعة وللوفد، قال: (إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ) (رواه البخاري). 2- أن تتناسب الهدية مع الشخص المُهدى إليه؛ فهدية الصغير تختلف عن هدية الكبير، وهدية الفاضل تختلف عن هدية المفضول: عن ميمون بن أبي شبيب أن عائشة -رضي الله عنها- مر بها سائل فأعطته كسرة، ومر بها رجل عليه ثياب وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" (رواه أبو داود، وقد اختلف في تصحيحه وتضعيفه؛ إلا أن معناه صحيح). وذكر الإمام ابن حجر -رحمه الله- في الإصابة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مكة فاتحًا، ودخل المسجد الحرام، أتى أبو بكر -رضي الله عنه- بأبيه أبي قحافة يقوده، فلما رآه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: "هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى آتِيَهُ؟". 3- ألا يكون معها مَنٌّ أو أذى؛ فإن هذا من اللؤم وقلة المروءة: قال -تعالى-: (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ . يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى) (البقرة:263-264). (أهدى رجل إلى الأعمش بطيخة، فلما أصبح قال: يا أبا محمد، كيف كانت البطيخة؟ قال: طيبة! ثم أعاد عليه ثانيًا: كيف كانت البطيخة؟ قال: طيبة! فأعادها ثالثًا، فقال: إن خففت من قولك وإلا قئتها!) (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء)(3). 4- ألا يقصد بها التوصل إلى معنى فاسد (كإذلال المُهدى إليه والارتفاع عليه - أو أخذ حق للغير، كهدايا الموظفين والقضاة والرؤساء): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) (رواه البخاري ومسلم). وعن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- قال: استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلًا على صدقات بني سليم يدعى: ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال: هذا مالكم، وهذا هدية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (فَهَلَّا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا)، ثم خطبنا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ عَلَى العَمَلِ مِمَّا وَلَّانِي اللهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ هَذَا مَالُكُمْ وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي! أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ حَتَّى تَأْتِيَهُ هَدِيَّتُهُ؟ وَاللهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ إِلَّا لَقِيَ اللهَ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) (متفق عليه). 5- إبداء السرور بها، وشكر المُهدي، والدعاء له: قال -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ أَهْدَى لَكُمْ فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). 6- ألا يرجع الإنسان في هديته: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) (رواه البخاري). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ الْعَطِيَّةَ فَيَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). خاتمة: وصية عظيمة في كلمات يسيرة، تحمل الفوائد الاجتماعية والإيمانية الجميلة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تَهَادَوْا تَحَابُّوا). فاللهم انفعنا بوصايا نبي العالمين، واجمعنا به في الجنة مع المتحابين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) (كفاية أنك تذكرتني): هذه العبارة القصيرة التي تحمل في داخلها معاني الحب والألفة الكبيرة، وانظر ماذا فعلت الهدية اليسيرة في القلوب؟ فكم فعلت قارورة ماء صغيرة من ماء زمزم في القلوب؟ وكم فعلت زجاجة عطر صغيرة في القلوب؟ وكم... وكم... (2) يجوز قبول هدية الكفار في أعيادهم بشروط: 1- ألا تكون هذه الهدية من ذبيحة ذبحت لأجل عيدهم. 2- ألا تكون مما يستعان به على التشبه بهم في يوم عيدهم: كالشمع، والبَيض، والجريد، ونحو ذلك. 3- أن يكون قبول الهدية بقصد التأليف للإسلام، لا عن محبة أو مودة. (3) حصل بين شاب وأمه نقاش، فرفع صوته عليها، وأراد أن يهدي لها هدية لتصفح عنه، ويذهب ما في صدرها عليه، وفعلًا أتى بهديته، لكنه أتى بها ولم يسلّمها بيده، ولم يكن مبتسمًا، فوضعها أمامها، وقال بصوت أجش: "هذه هدية!"، فلم تتقبلها بقبول حسن، بل وقالت: "أنا لا أريد هديتك". |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (28) (الوصية بدعاء تفريج الكرب وصلاح الحال) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة -رضي الله عنها-: (مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ؟ أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) (رواه النسائي في الكبرى، والحاكم في المستدرك، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة). المعنى الإجمالي للوصية: هذه وصية نبوية بالتزام هذا الدعاء العظيم بصلاح الحال صباحًا ومساءً، بل في عموم يومه وحاله؛ لا سيما عند الكرب والمحن والشدائد. وقد جاء برواية أخرى: (دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ) (رواه أحمد، وأبو داود، وحسنه الألباني في صحيح الجامع). وقد اشتمل على جمل عظيمة تدل على عظيم استسلام وافتقار العبد، واعترافه بأنه لا مغيث له في شدته ومحنته إلا الله. مجمل شأن الإنسان: شأن الإنسان يتلخص في الأمور الثلاث العظيمة (الدين - الدنيا - الآخرة)، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ) (رواه مسلم). وكل الناس، مؤمنهم وكافرهم، يحتاجون إلى صلاح هذه الثلاث، فنقف مع كل منها وقفة، ثم نقف على ما جاء في الدعاء. الشأن الأول: الدِّين: - هو أعظم ما يملك المسلم، فهو الذي خُلِق من أجله: قال -تعالى-: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (سورة الذاريات: 56). - وهو الذي سيُحاسَب عليه من أول لحظة يُفارِق بها الدنيا: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذكر قَبْضَ روح المؤمن فقال: (يَأْتِيهِ آتٍ، يَعْنِي فِي قَبْرِهِ، فَيَقُولُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ ومَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-، قال: فَيَنْتَهِرُهُ فَيَقُولُ: مَا رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ عَلَى الْمُؤْمِنِ، فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) (سورة إبراهيم: 27)، فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ، فَيُقَالُ لَهُ: صَدَقْتَ) (رواه البخاري ومسلم). - فعندما يُصلح الله لك دينك؛ فهذا يعني أنه سيهديك إلى الصراط المستقيم، ويجعل دينك سَلِيمًا من الشبهات والشهوات (وهذا يشمل صلاح العقيدة، والعبادات، والأخلاق، والمعاملات): عن سعد بن هشام بن عامر -رضي الله عنه-، قال: "دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ -رضي الله عنها-، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، مَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، تَقْرَأُونَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَتْ: اقْرَأْ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) (سورة المؤمنون: 1)، قَالَ: فَقَرَأْتُ: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) إِلَى (لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) (سورة المؤمنون: 1-5)، قَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-" (أخرجه أحمد، والنسائي بلفظ مطول). - صلاح الدين هو أساس الفلاح والسعادة في الشأنين الآخرين (الدنيا والآخرة): قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) (فصلت: 30-31). الشأن الثاني: الدنيا: - الأصل فيها أنها دار امتحان وابتلاء للفوز بالجنة والنجاة من النار: قال -تعالى-: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه: 123-124). - أباح الله لنا منها الطيبات الكثيرة (مال - زوجات - أولاد - صحة - عشيرة - قوة - جمال - ...): (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162). - أكثر الناس فَسَدَتْ دنياهم بسبب كثرة الطيبات، فضيعوا دينهم وهم يتصورون أن ذلك صلاح الدنيا: (وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا) (الكهف: 34-36). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). - صلاح الدنيا مقرون بصلاح الدين: قال -تعالى-: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (سورة الجن: 16). - وإلا فأسعد الناس في الدنيا من صَلَح لهم دينهم، ولو حُرِمُوا طيبات الدنيا: مِنْ كلمات ابن تيمية -رحمه الله- الذهبية لما وُضِعَ في السجن: "مَا يَصْنَعُ أَعْدَائِي بِي؟ أَنَا جَنَّتِي وَبُسْتَانِي فِي صَدْرِي، إِنْ رُحْتُ فَهِيَ مَعِي لَا تُفَارِقُنِي، إِنْ حبسي خَلْوَة، وقتلي شَهَادَة، وَإِخْرَاجِي مِنْ بَلَدِي سِيَاحَةٌ" (الوابل الصيب)(1). الشأن الثالث: الآخرة: - أكثر الناس نسوا هذا الشأن: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (الحشر: 19)(2). - وأفجأتهم ملائكة الموت عند رؤوسهم: قال -تعالى-: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ . حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) (التكاثر: 1-2)، وقال: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (سورة المؤمنون: 99-100). - بل سيُفْجَأُون بالنار، وسينسون كل نعيم من طيبات الدنيا التي أفسدت الشأنين العظيمين (الدين والآخرة): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ) (رواه مسلم). - بخلاف من أصلح الله لهم شأنهم كله، فعاشوا في الدنيا بالدين ليضمنوا صلاح الآخرة، ولو فقدوا متاع الدنيا كله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ) (رواه مسلم). وقفة مع ما تضمنه الدعاء: - (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ...): توسل إلى الله -تعالى- بأسمائه وصفاته؛ فهو -سبحانه- الحي القيوم؛ قال بعض أهل العلم -وهو اختيار الحافظ ابن القيم رحمه الله-: "الْحَيَّ، الْقَيُّومَ هما الاسم الأعظم". فالْحَيُّ هو: ذو الحياة الكاملة من كل وجه، ليست مسبوقة بعدم، ولا يلحقها عدم، ولا يعتريها نقص؛ قال -تعالى-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) (الفرقان: 58). والْقَيُّومُ هو: القائم بنفسه، القائم على خلقه بأعمالهم وآجالهم وأرزاقهم، فلو تركهم عنهم طرفة عين لكان ذلك هلاكًا مُحَقَّقًا لهم، عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا كَرَبَهُ أمر قال: (يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وقوله: (وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ) أي: لا تتركني لضعفي وعجزي لحظة واحدة، بل أصحبني العافية دائمًا، وأعني بقوتك وقدرتك؛ فهو اعتراف بالفقر التام إليه -سبحانه-، والاستسلام الكامل لغناه عز وجل(3)؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ) ثُمَّ قَالَ: (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ) (رواه مسلم). خاتمة: - وصية عظيمة في كلمات يسيرة، يعبِّر بها العبد عن صلته الدائمة بربه الذي ليس له غنى عنه طرفة عين. - وصية جامعة بأعظم ما يطلبه الإنسان من المَلِك العَلَّام: صلاح شأنه كله (دينه، ودنياه، وآخرته). فاللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تعني هذه العبارة: أن السعادة الداخلية للإنسان وراحة قلبه لا تتأثران بظروفه الخارجية أو بأفعال أعدائه؛ فالسعادة الحقيقية تكمن في الإيمان والتقوى، وهما موجودتان في قلب المؤمن، ولا يمكن لأحدٍ أن يحرمه منهما. (2) التفسير: ولا تكونوا -أيها المؤمنون- كالذين تركوا أداء حقِّ الله الذي أوجبه عليهم، فأنساهم بسبب ذلك حظوظ أنفسهم من الخيرات التي تُنْجِيهِم من عذاب يوم القيامة. (التفسير الميسر). (3) إذا تُرِكَ الإنسان لنفسه، وتخلَّى الله -تعالى- عنه، بدأ التَّمَزُّق ينتابه من كل ناحية، فهو بحاجة إلى مثل هذه الألطاف الربانية التي تصل إليه من طريق رحمة الله -تبارك وتعالى-. وإذا أردت أن تَعْرِفَ قدرَ طرفة العين، فانظر إلى مريض الجلطة، في لحظة يتجمد هذا الدم في عرق، ثم بعد ذلك تتلاشى كل هذه القدرات والإمكانات العقلية والبدنية، فيصبح هذا الإنسان القوي المفتول العضلات الذي يهز الأرض إذا مشى في لحظة وقد انتهى كل شيء! فالخلق ضعفاء. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (29) (الوصية بصحبة الأخيار) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ) (رواه أبو داود، والترمذي، وحسنه الألباني). مجمل الوصية: في هذه الوصية إرْشَادٌ نَبَوِيٌّ لِمَنْ أَرَادَ سَلاَمَةَ نَفْسِه وَبَيْتِه وَعَلاَقَاتِه مَعَ النَّاسِ. وفيها يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لاَ تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا)، أي: لا تَتَّخِذْ صَاحِبًا ولا صَدِيقًا إِلَّا مِنَ المؤمنين؛ لأنَّ المؤمن يَدُلُّ صَدِيقَه عَلَى الإيمان وَالهُدَى وَالخَيْرِ، وَيَكُونُ عُنْوَانًا لِصَاحِبِه، وَأَمَّا غَيْرَ المؤمن فإنَّه يَضُرُّ صَاحِبَه، (وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ) أي: المُتَوَرِّعُ، والمراد: لا تَدْعُ أَحَدًا إِلَى طَعَامِكَ وَبَيْتِكَ إِلَّا الأتقياء؛ فإنَّ التقي يَعْرِفُ حُرْمَةَ البُيُوتِ وَيَحْفَظُ مَعْرُوفَكَ، بخلاف غَيْرِ الأتقياء؛ فَهُمْ عَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ. ففي الوصية: النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ الأَصْحَابِ مِنَ الفَسَقَةِ، وَالأَمْرُ بِاتِّخَاذِهِمْ مِنَ الأَتْقِيَاءِ المؤمنين، وكذلك النَّهْيُ عَنْ دَعْوَةِ الفَسَقَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَالأَمْرُ بِدَعْوَةِ الصَّالِحِينَ إِلَيْهِ. وسنقف مع كل واحدة منهما وقفة. أولًا: النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ الأَصْحَابِ مِنَ الفَسَقَةِ، وَالأَمْرُ بِاتِّخَاذِهِمْ مِنَ الأَتْقِيَاءِ المؤمنين: - (لاَ تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا): يَدُلُّ هذا الجزء من الوصية على أهمية انْتِقَاءِ الأصحاب من بين المؤمنين الصادقين، فالصاحب الصالح يُعِينُ عَلَى الخَيْرِ وَيَدْعُو إِلَى الإيمان والتقوى، وكما يقول الناس: "الصَّاحِبُ سَاحِبٌ". - الأصحاب الصالحون قُوَّةٌ وَعَوْنٌ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَمُوَاجَهَةِ المِحَنِ وَالأَزَمَاتِ: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي . هَارُونَ أَخِي . اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي . وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي . كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا . وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا . إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) (طه: 29-35). - الأصحاب الصالحون إذا نَسِيتَ ذَكَّرُوكَ، وإذا ذَكَرْتَ أَعَانُوكَ: قال الحسن البصري -رحمه الله-: "إخواننا أحب إلينا مِنْ أهلينا وأولادنا؛ لأنَّ أهلينا يُذَكِّرُونَنَا الدنيا، وإخواننا يُذَكِّرُونَنَا الآخرة". - الأصحاب الصالحون يُرْشِدُونَكَ إِلَى خَيْرِكَ، وَيُثَبِّتُونَكَ فِي مِحْنَتِكَ: كان ابن القيم -رحمه الله- يقول وهو يتكلم عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "وَكُنَّا إِذَا اشْتَدَّ بِنَا الخَوْفُ، وَسَاءَتْ مِنَّا الظُّنُونُ، وَضَاقَتْ بِنَا الأَرْضُ؛ أَتَيْنَاهُ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ نَرَاهُ وَنَسْمَعَ كَلاَمَهُ؛ فَيَذْهَبَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَيَنْقَلِبَ انْشِرَاحًا وَقُوَّةً وَيَقِينًا وَطُمَأْنِينَةً" (الوابل الصيب من الكلم الطيب). - الأصحاب الصالحون أنت بينهم سَالِمٌ رَابِحٌ، ولو كنت مِنَ المُقَصِّرِينَ: ففي حديث الملائكة السيارة أنهم يقولون: (رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ قَالَ: فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ) (متفق عليه). قال أبو الفضل الجوهري -رحمه الله-: "إنَّ مَنْ أَحَبَّ أهل الخير نَالَ مِنْ بَرَكَتِهِمْ؛ كلب أحب أهل فضل وصَحِبَهُمْ فذكره الله في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ". - مُرَافَقَةُ الأصحاب الصالحين تَجْعَلُكَ مَعَهُمْ فِي الجنة ولو كنت دُونَهُمْ فِي الأعمال: عن أنس -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: (وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟) قَالَ: لَا شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: (فَإِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ) (متفق عليه). - الأصحاب الصالحون فِي الآخرة لاَ يَنْسَوْنَ صُحْبَتَكَ، فهم يَشْفَعُونَ لَكَ لو كنت مِنَ المُقَصِّرِينَ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ فِي الْحَقِّ يَكُونُ لَهُ فِي الدُّنْيَا بِأَشَدَّ مُجَادَلَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ، قَالَ: يَقُولُونَ: رَبَّنَا، إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا، وَيَصُومُونَ مَعَنَا، وَيَحُجُّونَ مَعَنَا، فَأَدْخَلْتَهُمُ النَّارَ! قَالَ: فَيَقُولُ: اذْهَبُوا، فَأَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ مِنْهُمْ...) (رواه النسائي، وصححه الألباني). - وَأَمَّا الأَصْحَابُ الفاسدون، فأنت بينهم خَاسِرٌ ولو كنت مِنَ الصَّالِحِينَ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً) (متفق عليه). وفي حديث قاتل المائة نفس: (انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ، وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ، فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ) (رواه مسلم). - إِنَّ كَثْرَةَ المُخَالَطَةِ تَجْلِبُ المُشَابَهَةَ؛ فاحذر التأويلات الفاسدة في مُرَافَقَةِ الفاسدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني). قال ابن الجوزي -رحمه الله-: "رَفِيقُ التقوى صَادِقٌ، وَرَفِيقُ المعاصي غَادِرٌ"(1). - الأصدقاء على المعاصي في الدنيا يَتَبَرَّأُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يوم القيامة: قال -تعالى-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: 67). وقال -تعالى-: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا . يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا . لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا) (الفرقان: 27-29). ثانيًا: النَّهْيُ عَنْ دَعْوَةِ الفَسَقَةِ إِلَى الطَّعَامِ والبيوت: - (وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ): يُوَجِّهُ هذا الجزء من الوصية إلى ضرورة عَدَمِ إطعام غير الأتقياء وإكرامهم بالمُؤَاكَلَةِ. - الإطعام يُحْدِثُ المُلاَطَفَةَ وَالمَوَدَّةَ وَالأُلْفَةَ، فَيَجِبُ أَنْ يَنْتَوِي المُطْعِمُ بذلك المؤمنين والصالحين: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا . إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا) (الإنسان: 8-9). وَالنَّهْيُ يَزْدَادُ تَأْكِيدًا إذا كان الإطعام فِي البيوت، فمن نِعَمِ اللهِ -تعالى- الجليلة على عباده أَنْ هَيَّأَ لهم بيوتًا يَأْوُونَ إليها وَيَسْكُنُونَ فِيهَا؛ فلا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَهَا إِلَّا الأتقياء؛ قال -تعالى-: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا) (النحل: 80)(2). - فالتقي تَسْعَدُ بِزِيَارَتِهِ وَإِطْعَامِهِ؛ فهو يَتَقَوَّى بِطَعَامِكَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَكَ لَمْ يَتَطَلَّعْ إِلَى عَوْرَاتِكَ، وَإِذَا رَأَى شَيْئًا سَتَرَهُ عَلَيْكَ، وَإِذَا جَالَسْتَهُ ذَكَرَ اللهَ، وَإِذَا أَكَلَ دَعَا وَشَكَرَ، وَإِذَا فَارَقَ أَثْنَى بِجَمِيلِكَ وَذَكَرَ، فأنت رَابِحٌ بعد زيارته، أَمَّا غَيْرُ الأتقياء مِنَ الفاسقين فَهُمْ عَلَى العَكْسِ مِنْ ذَلِكَ، فَدُخُولُهُمْ يَجْلِبُ الشُّبُهَاتِ وَالمَحْظُورَاتِ، وَمُجَالَسَتُهُمْ تُؤْذِي النَّفْسَ بِمَا لَهُمْ مِنَ العَادَاتِ، وَإِكْرَامُهُمْ يَحْمِلُكَ التَّبِعَاتِ؛ قال -تعالى-: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) (الزخرف: 67)(3). خاتمة: وصية كريمة من الكريم -صلى الله عليه وسلم- لِمَنْ أَرَادَ سَلاَمَةَ نَفْسِه وَبَيْتِه وَعَلاَقَاتِه مَعَ النَّاسِ: (لاَ تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلاَ يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ). فاللهم إنا نسألك فِي الدنيا مُرَافَقَةَ الأتقياء، وَفِي الآخرة مُرَافَقَةَ الأنبياء. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) كثير مِنْ رُفَقَاءِ السَّوْءِ عِنْدَ الاخْتِلاَفِ يَتَحَوَّلُ إِلَى عَدُوٍّ لَدُودٍ، وَيَحْمِلُ رَايَةَ الحرب عَلَى مَنْ كَانَ صَاحِبًا لَهُ. (2) فالبيت في الإسلام يَحْظَى بِمَكَانَةٍ عَظِيمَةٍ، فهو ليس مجرد مكان للإقامة، بل هو أساس بناء المجتمع والأسرة الصالحة؛ فهو اللبنة الأساسية في بناء مجتمع ملتزم بتعاليم الإسلام. وهو المأوى للإنسان وأسرته، حيث يجد فيه الراحة والأمان والطمأنينة. وهو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الأبناء القِيَم والأخلاق الإسلامية، وهو الذي تَخْرُجُ مِنْهُ الأسرة الصالحة التي هي أساس المجتمع القوي والمتماسك. وهو مكان لإقامة الصلوات والقيام والأذكار التي تَرْفَعُ مِنْ شَأْنِ الإنسان، وهو موطن المودة والرحمة بين أفراد الأسرة. (3) قد يُسْتَثْنَى حال الضيوف الذين يُدْعَوْنَ إلى الطعام، إذا قَصَدَ المسلم بمخالطة أهل المعاصي ودعوتهم إلى طعامه أن يَتَأَلَّفَ قلوبهم ويَسْتَمِيلَهُمْ إليه؛ لأجل دعوتهم ونصحهم، فلا حرج في ذلك. وفي ذلك فقه للعلماء يتعلق بزمن التأليف وصورته ومدى أثره. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (30) (الوصية بكتمان النعم) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عروة بن الزبير عن أبي هريرة -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ)، وفي الرواية الأخرى: (اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ) (رواه الطبراني في الكبير والأوسط والصغير، وصححه الألباني). مجمل الوصية: (اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ) أي: كونوا لها كَاتِمِينَ عن الناس، واسْتَعِينُوا بالله على الظَّفَرِ بها، ثم عَلَّلَ طلب الكتمان لها بقوله: (فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ) يعني: إِنْ أَظْهَرْتُمْ حَوَائِجَكُمْ لِلنَّاسِ حَسَدُوكُمْ فَعَارَضُوكُمْ فِي مَرَامِيكُمْ. (الإشارة إلى ظاهرة نشر تفاصيل وأسرار البيوت وما فيها من النعم على وسائل التواصل؛ مما أَدَّى إلى إصابة كثير من أصحابها بالمصائب نتيجة حسد المشاهدين لها)(1). في كتمان النعم نجاة من الحسد: - في كتمان النعم نجاة من كَيْدِ الأشرار وَحَسَدِهِمْ: قال الله -تعالى- فِي نصيحة يعقوب لولده يوسف -عليهما السلام- بكتمان نعمة الرؤيا التي رآها عن إخوته خشية الحسد: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يوسف: 5). - حسد الغير على النعم كان أول ذنب وقع فِي السماء وفي الأرض: قال -تعالى- عن حسد إبليس لآدم: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا) (الإسراء: 61-62). - وقال -تعالى- عن حسد أحد ابني آدم لأخيه على نعمة الهدايا والقبول: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 27). - في كتمان النعم نجاة من الوقوع فِي إيذاء نُفُوسِ المَحْرُومِينَ منها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ) (رواه الطبراني والحاكم، وصححه الألباني). - فَعَلَى المسلم أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ بِالْكِتْمَانِ، وَلاَ يُفْشِي نِعْمَتَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ لأنه ربما يكون ذلك سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ حَسَدِهِ وَفَشَلِهِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ؛ قالوا: "أَحْزَمُ الناس مَنْ لاَ يُفْشِي سِرَّهُ إِلَى صَدِيقِهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا شَرٌّ فَيُفْشِيَهُ عَلَيْهِ". ما المقصود بالتحديث بالنعمة؟ لاَ تَعَارُضَ بين قوله -تعالى-: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى: 11) ووصية النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ). وقد وَفَّقَ العلماء بينهما من وجوه كثيرة: - الكتمان يكون قبل حُصُولِ الحاجة، فإذا حَصَلَتْ، وَأَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِبُلُوغِ مَا يُرِيدُ، فإنه يَتَحَدَّثُ بِالنِّعْمَةِ وَيَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهَا، مَا لَمْ يَخْشَ مِنْ حَاسِدٍ(2). - التحديث بالنعمة هو القيام بِشُكْرِهَا، وإظهار آثارها، فإذا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ شَكَرَ اللهَ -تعالى- على هذه النعمة، وَأَكْثَرَ مِنَ التَّصَدُّقِ وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ، حتى يَقْصِدَهُ الفقراء والمحتاجون(3). - التحديث بالنعم لاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التفصيل، بل قد يكون إجمالاً، بأن يقول: إنَّ اللهَ أَنْعَمَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ وَالْغِنَى وَالهِدَايَةِ، ولا يُفَصِّلُ في ذكر هذه النعم؛ قال السعدي -رحمه الله-: "(وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ): وَهَذَا يَشْمَلُ النِّعَمَ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ؛ أَيْ: أَثْنِ عَلَى اللهِ بِهَا، وَخُصَّهَا بِالذِّكْرِ، إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ، وَإِلَّا فَحَدِّثْ بِنِعَمِ اللهِ عَلَى الإطلاق، فإنَّ التحدث بنعمة الله دَاعٍ لِشُكْرِهَا، وَمُوجِبٌ لِتَحْبِيبِ القلوب إلى مَنْ أُنْعِمَ بِهَا؛ فإنَّ القلوب مَجْبُولَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ المُحْسِنِ". - التحديث لا يكون إلا للمُحِبِّ الصَّادِقِ فِي حُبِّهِ، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: كنت أرى الرؤيا تُمْرِضُنِي، حتى سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ فَلَا يُحَدِّثُ بِهَا إِلَّا مَنْ يُحِبُّ...) (متفق عليه). من أسباب الوقاية من حسد الحاسدين لنعمتك: 1- كتمان النعم وإخفاؤها عَمَّنْ يُعْرَفُونَ بِالْحَسَدِ أو العين: (وصية الباب). وقال -تعالى-: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) (يوسف: 67). 2- التَّعَوُّذُ بِاللهِ وَاللُّجُوءُ إِلَيْهِ، وَالتَّحَصُّنُ بِهِ، وَمَا تَعَوَّذَ المسلم بأفضل من المعوذتين: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) (الفلق: 1)، (وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) (الناس: 1). 3- تَقْوَى اللهِ وَحِفْظُهُ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ تَوَلَّى اللهُ حِفْظَهُ، وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى غَيْرِهِ: قال -تعالى-: (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران: 120)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني). 4- إطفاء شَرِّ الحاسد بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ: قال -تعالى-: (وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصلت: 34). 5- وَهُوَ الْجَامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ هَذِهِ الأَسْبَابِ هُوَ: تَجْرِيدُ التوحيد، وَالتَّرَحُّلُ بِالْفِكْرِ فِي الأَسْبَابِ إِلَى المُسَبِّبِ اللهِ العزيز الحكيم، وَالْعِلْمُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ يُحَرِّكُهُ كَيْفَ شَاءَ، وَلاَ يَنْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، قال -تعالى-: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) (الأنعام: 17). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الإشارة إلى أنَّ النعم تَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ: مَعْنَوِيَّةٍ وَحِسِّيَّةٍ؛ فالمعنوية: كَفَضْلِ القرآن أو نَيْلِ مَكَانَةٍ مَرْمُوقَةٍ، وَالْحِسِّيَّةُ: كَالْمَالِ وَالْوَلَدِ الصَّالِحِ وَنَحْوِهِ. (2) قال المناوي -رحمه الله-: "موضع الخبر الوارد في التحدث بالنعمة: ما بعد وقوعها، وأَمْنِ الحسد" (فيض القدير). وقال ابن كثير -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ...)، يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا، الأَمْرُ بِكَتْمَانِ النِّعْمَةِ حَتَّى تُوجَدَ وَتَظْهَرَ، كَمَا وَرَدَ فِي حديث: (اسْتَعِينُوا...)" (تفسير ابن كثير). مثال: عندك خطة للسفر أو دراسة أو للتجارة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- علَّمنا ألا ننشر الأمر قبل أن يكون؛ فإنَّ هذا يؤدي إلى العديد من السلبيات: - الحسد: وهذا هو المقصد الأصلي من الحديث، فبعض الناس وخاصة الأقران المتماثلين في مهنة أو في سنٍّ واحد دائمًا ما يكون بينهم الحسد، فيقول: هذا فلان عقله كذا وكذا، هذا فلان في نفس سني ويملك كذا وعنده كذا، وحاصل على شهادات كذا، وأنا كما أنا لم أتحرك! ثم يسخط على الله وعلى قَدَر الله، وينقم عليك بالحسد ولا حول ولا قوة إلا بالله. - التثبيط: بعض الناس عندهم النظرة السوداوية للأمور فما إن تعرض عليه شيئًا إلا ويفشله لك قبل أن يكون، فيذكر لك ألف مصيبة في هذا الأمر الذي تريده، سيحدث كذا وسيحدث كذا والسوق فيه كساد وفيه خسارة ولا تلقي بأموالك، وهذه النصائح إذا خرجت من خبير بالسوق وناصح أمين فهي مقبولة فالمستشار مؤتمن، وأنا إذا أردت أن أستشير أستشير أهل الثقة، أهل الخبرة وهناك شركات ومكاتب متخصصة الآن في عمل دراسة جدوى للمشاريع. - الكيد والمكر: بعض الناس تَلْمَعُ لَهُ الفكرة التي سمعها منك فَتَرُوقُ لَهُ فَيَسْرِقُهَا مِنْكَ، ثم يَسْبِقُكَ بِهَا. (3) قال القاسمي -رحمه الله-: "قال الإمام -يعني: الشيخ محمد عبده رحمه الله-: من عادة البخلاء أن يكتموا مالهم، لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل، فلا تجدهم إلا شاكين من القل، أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله، ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه؛ فلهذا صح أن يجعل التحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين، فهذا هو قوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) أي: إنك لما عرفت بنفسك ما يكون فيه الفقير، فأوسع في البذل على الفقراء، وليس القصد هو مجرد ذكر الثروة، فإن هذا من الفخفخة التي يتنزه عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولم يعرف عنه في امتثال هذا الأمر أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض، ولكن الذي عرف عنه أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاويًا" (محاسن التأويل). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (31) (الوصية بالاستقامة) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ) (رواه مسلم). مجمل الوصية: جاءت هذه الوصية لما سأل الصحابي سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عمل ينجيه ويكفيه، وأن يكون بقول جامع وشامل لأمر الإسلام، ويكون سببًا في نجاته من النار يوم القيامة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ)، أي: قل وأنت موقن بقلبك: آمنت بالله، ثم داوم على هذا الإيمان وأنت مستقيم على هديه ومقتضاه. المقصود بالاستقامة: - بداية؛ هذه وصية من روح الكتاب العزيز: قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت: 30)، وقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأحقاف: 13-14). - والاستقامة واجبة على كل مسلم إلى آخر لحظات عمره(1): قال -تعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود: 112). - ولقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بمثال توضيحي: فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: خط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطًّا بيده ثم قال: (هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا)، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: (هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ)، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام: 153) (رواه أحمد بسند صحيح). - لذا تنوعت أقوال السلف في وصف الاستقامة: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب". - وقال ابن رجب -رحمه الله-: "والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهي الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك" (جامع العلوم والحكم). تنبيه مهم: لا يلزم من الأمر بالاستقامة عدم الوقوع في المعاصي، وإلا ففي قوله -عز وجل-: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) (فصلت: 6)، إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيجبر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة، وهو كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: (اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). من نماذج الاستقامة: - عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على الاستقامة حتى الأنفاس الأخيرة: روى البخاري عن المسور بن مخرمة -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ، قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ- مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي، فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ، وَاللهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا، لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ -عز وجل- قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ". وفي رواية أخرى أن عمر قال لابن عباس: "أَتَشْهَدُ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ يَا عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ فَوَضَعْتُهُ مِنْ فَخِذِي عَلَى سَاقِي. فَقَالَ: أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ، فَتَرَكَ لِحْيَتَهُ وَخَدَّهُ حَتَّى وَقَعَ بِالْأَرْضِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ وَوَيْلَ أُمِّكَ يَا عُمَرُ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكَ. ثُمَّ قُبِضَ رحمه الله" (رواه الطبراني في المعجم الأوسط). وقفة: كلنا نرجو الكرامة، ونغفل عن الاستقامة: قال ابن تيمية -رحمه الله-: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة". من ثمرات الاستقامة عند الخاتمة: - لقد جعل الله -عز وجل- لمن آمنوا بدينه حقًّا، واستقاموا عليه صدقًا، فضائل عظيمة ومنازل رفيعة، جاء، ذكر بعضها في قوله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت: 30)، وذلك عند خروج الإنسان من الدنيا مقبلًا على الآخرة، ومنها: - تتنزل عليهم الملائكة بالبشرى من عند الله -سبحانه- بالسرور والحبور في المواطن العصيبة: قال وكيع -رحمه الله-: "البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث" (فتح القدير للشوكاني -رحمه الله-). - الطمأنينة والسكينة (أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا): قال العلماء: "لا تخافوا مما تقدمون عليه من أمور الآخرة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل وولد ومال"، وقال عطاء -رحمه الله-: "لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول، ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم". - البشرى بالجنة: (وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر: 74). - الولاية في الدارين: (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)، قال الشوكاني -رحمه الله-: "أي: نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة". وقيل: إن هذا من قول الملائكة. وقال مجاهد -رحمه الله-: "إذا كان يوم القيامة قالوا: لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة)"(تفسير فتح القدير). - مغفرة الذنوب قبل القدوم: (نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصلت: 32): قال ابن كثير -رحمه الله-: "(مِنْ غَفُورٍ) لذنوبكم، (رَحِيمٍ) بكم، حيث غفر وستر ورحم ولطف". من عوامل تحصيل الاستقامة: - فعل الواجبات والإكثار من النوافل: ففي الحديث القدسي: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ) (رواه البخاري). - الاشتغال بالعلم الشرعي والدعوة إلى الله، فذلك حصن حصين: قال -تعالى-: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28)، وقال: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) (فصلت: 33). - الإكثار من الدعاء بالاستقامة والثبات عليها: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأل ربَّه الثبات على الدين"، وقد أمرنا بقراءة الفاتحة في كل ركعة وفيها: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ . صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: 6-7). - الإكثار من قراءة القرآن وتدبره: قال -تعالى-: (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ . لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) (التكوير: 27-28). - الصحبة الصالحة؛ لأن الميل لأهل المعاصي يضعف الاستقامة(2): قال -تعالى-: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) (هود: 112-113). خاتمة: تذكير بالوصية إجمالًا، وأنها تشتمل على التوحيد والعمل، والتنبيه على أن كثيرًا من المسلمين قالوا: (رَبُّنَا اللَّهُ)، لكنهم تركوا الاستقامة التي هي العمل. فاللهم ارزقنا الاستقامة على دينك حتى الموت. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إن بعض الناس يستقيم فترات ويعوج فترات أخرى، وبعضهم يستقيم في أول التدين والالتزام، ثم يعوج في أواخره، كمن قال الله فيهم: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد: 16). (2) تأمل كيف أن الله -تعالى- بعد أن أمر بالاستقامة حذَّر من الركون إلى أهل المعاصي؛ لأن هذا يؤثر في الاستقامة. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (32) (الوصية بعدم تمني الموت من ضر أصابه) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) (متفق عليه)(1). مجمل الوصية: ينهى النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الوصية عن أن يتمنى أحد الموت نتيجة إصابته بضر دنيوي؛ فإن كان لا بد فاعلًا، أي: إن ضاقت به الأحوال واشتدت النَّوَائِب حتى اضطرته أن يتمنى شيئًا تنفيسًا عن نفسه وابتغاء لفرج الله، فليقل: (اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي) أي: ارزقني الحياة إذا كان في سابق علمك أن الحياة تكون زيادة لي في الخير؛ من التَّزَوُّد من الأعمال الصَّالِحَة، والبر، ونحو ذلك، (وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي) أي: أمتني إذا كنت تعلم أن الوفاة فيها خير لي، وهذا نوع تفويض وتسليم للقضاء، فيترك الاختيار لله -سبحانه وتعالى-. تمهيد: البعض يصيبهم الشيطان بالقنوط والإحباط إذا نزلت بهم المحن والمصائب؛ لا سيما إذا تكررت واشتدت (أمراض شديدة بتوابعها - فقر شديد بتوابعه - مصائب بأنواعها في الولد والأهل - ظلم وقهر من الغير - صدمات نفسية في أصحاب أو قرابات - ... والقصص في ذلك لا يحصى) فيتمنى معها الموت طلبًا للراحة من هذه الهموم والكروب والآلام، فكانت هذه الوصية النبوية لينضبط بها حال المؤمن مع هذه الأحزان والآلام، بنهيه عن ذلك، وأمره بتفويض الاختيار إلى ربه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ...). ولنا مع هذه الوصية العظيمة وقفات: أولًا: حياة المؤمن خير له من موته: - المؤمن كلما طال عمره في طاعة الله، زاد فضله وأجره في الآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الإِسْلَامِ؛ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقال: (لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا) (رواه مسلم). وعن طلحة بن عبيد الله -رضي الله عنه-: أن رجلين قدما على النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان إسلامهما جميعًا، وكان أحدهما أشد اجتهادًا من صاحبه، فغزا المجتهد منهما، فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة، ثم توفي، قال طلحة: فرأيتُ فيما يرى النائم كأني عند باب الجنة إذا أنا بهما وقد خرج خارج من الجنة، فأذن للذي توفي الآخر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجعا إلي فقالا لي: ارجع؛ فإنه لم يأن لك بعد. فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ. فَقَالَ: (أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟) قَالُوا: بَلَى. (وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟) قَالُوا: بَلَى. (وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟) قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). ثانيًا: تفويض الأمر إلى الله، مع إحسان الظن به -تعالى-: - (فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي...) فالأمر كله بيده -سبحانه وتعالى- فأحسن الظن بربك؛ قال -تعالى-: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس: 107). وفي الحديث القدسي: (قَالَ اللَّهُ -تعالى-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ) (رواه أحمد، وأصله في البخاري)، وقال -تعالى-: (فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (الصافات: 87). - يعقوب -عليه السلام- بعد طول السنين ينتظر الروح والفرج، ويبعث أولاده بالأمل في الله: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف: 87). ثالثًا: متى يجوز تمني الموت؟ الأصل عدم جواز تمني الموت للوصية معنا إلا في بعض الأحوال: أولها: خوف الفتنة في الدين: كان من دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ، فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبَلَاءُ) (رواه مسلم). - وعن سعيد بن المسيب -رحمه الله- قال: "لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- مِنْ مِنًى، أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةَ بَطْحَاءَ، ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضِيعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ" (رواه مالك في الموطأ). - ولما خافت مريم -عليها السلام- أن ترمى بالفاحشة قالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (مريم: 23). ثانيها: من اقترب أجله وكان في حالة من الطاعة والتقوى: قال -تعالى- حكاية عن يوسف -عليه السلام-: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101). وقال الله -تعالى- عن سليمان -عليه السلام-: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (النمل: 19). ثالثها: عند حضور أسباب الشهادة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ صَادِقًا بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ) (رواه مسلم). وكذلك أحوال الصحابة -رضي الله عنهم- وحبهم للموت في سبيل الله. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ) قال ذلك ثلاثًا. (متفق عليه). خاتمة: وصية عظيمة نافعة لمن فهمها وتدبرها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي). فاللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) سواء كان هذا الضر مما يتأذى منه ببدنه: كالآلام، والأمراض البدنية، أو كان ذلك مما تتأذى به النَّفْس: كالذي يصيبه الحزن الشديد، أو تنزل به مصيبة، أو يحصل له أمر يكرهه، كمن كان معظمًا وله مراتب ورتب، ثم بعد ذلك بين عشية وضحاها إذا هو يبعد عن كل شيء، فيحصل له شيء من الاكتئاب، والحزن، والجزع، ونحو ذلك، فيتمنى الموت على الحياة... وهكذا في كثيرٍ من الصور التي يجزع أصحابها. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (33) (اتَّقِ دعوةَ المظلوم) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بعَثَ معاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمن، فقال: (اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) (متفق عليه)، وفي الرواية المطولة: (فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ). مجمل الوصية: أوصى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- معاذَ بن جبلٍ، لما أرسله إلى اليمن لدعوة أهل الكتاب هناك، فقال: (فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ)؛ أي: أنه ينبغي ألا يأخذَ في الزكاةِ -إذا دخلوا في الإسلام- نفائسَ الأموالِ وأفضلَها عندهم، بل يأخذُ من أواسطِ المالِ؛ حتى تطيبَ نفسُ المزكِّي لذلك. ثم أوصاه رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بأن يتجنَّبَ الظُّلمَ؛ لِئَلَّا يدعوَ عليه المظلومُ، وفيه تنبيهٌ على المنعِ من جميعِ أنواعِ الظُّلمِ، والعلَّةُ في ذكره عقبَ المنعِ من أخذِ الكرائمِ الإشارةُ إلى أن أخذَها ظلمٌ، ثم بيَّنَ له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- خطرَ دعوةِ المظلومِ بقوله: (فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ)، يعني: إنها مسموعةٌ مستجابةٌ لا تُرَدُّ. صور من الظلم: 1- التطاولُ على أموالِ اليتامى والضعفاء. 2- التَّعدِّي على حقوقِ الغيرِ، أو التسويفُ والتأخيرُ في قضاءِ الدينِ مع القدرة. 3- حرمانُ المرأةِ من حقِّها في الميراثِ من أبيها أو زوجِها أو مُورِّثِها أيًّا كان، أو المماطلةُ في ذلك. 4- ظلمُ الأجراءِ والمستخدَمين من عمَّالٍ ونحوهم ببخسِهم حقوقَهم، أو تأخيرِها عن أوقاتها، أو تغييرِ الاتفاقِ المُبرَمِ معهم، أو إهانتهم بقولٍ أو فعل. 5- الأذى الجسديُّ أو اللفظيُّ أو النفسيُّ للغير. 6- ظلمُ الزوجةِ بالتَّقتيرِ عليها، أو سوءِ معاملتِها، أو إهانتِها، أو هجرِها، أو تهديدِها، أو عدمِ حسنِ الخُلُقِ معها. 7- الغشُّ والتدليسُ والغبنُ ونحوه في البيعِ والشراءِ. (مدخل للعنصر التالي): لا يظن أحدٌ أن ظلمَه للعبادِ سيضيعُ ويذهبُ دون حسابٍ ولا عقابٍ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم: 42)، بل قد يجعلُ اللهُ له من العقوبةِ العاجلةِ في الدنيا ما يردعه، أو يكونُ به عبرةً للظالمين(1). عاقبة الظلم والظالمين في الدنيا والآخرة: أولًا: عقوبة الظالم في الدنيا: - الظالمُ لا يحبُّه اللهُ -تعالى-، وهو مصروفٌ عن الهدايةِ محرومٌ من الفلاح: قال الله -عز وجل-: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: 57)، وقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (المائدة: 51)، وقال: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) (الأنعام: 21). - الظالمُ تطارده دعواتُ المظلومين الموعودةُ بالإجابة ليلًا ونهارًا: قال -صلى الله عليه وسلم-: (اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) (متفق عليه)، وقال: (دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ) (رواه أحمد، وحسَّنه الألباني). لا تـظـلمـنَّ إذا كـنـتَ مـقـتـدرًا فالظـلـمُ آخـره يأتـيـكَ بالـنـدم تـنـامُ عينـُكَ والمظـلومُ منتبهٌ يدعو عليكَ وعينُ اللهِ لم تنمِ - سعيدُ بن زيدٍ -رضي الله عنه- يدعو على امرأةٍ ظلمته بادِّعائها لجزءٍ من أرضه؛ ففوَّضَ الأمرَ إلى اللهِ تعالى، وقال: (دَعُوهَا وَإِيَّاهَا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ طُوِّقَهُ فِي سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً؛ فَأَعْمِ بَصَرَهَا، وَاجْعَلْ قَبْرَهَا فِي دَارِهَا). قال عروةُ: "فرأيتُها عمياءَ تلتمسُ الجدرانَ تقولُ: أصابتْني دعوةُ سعيدِ بن زيدٍ، فبينما هي تمشي في الدارِ مرَّتْ على بئرٍ في الدارِ، فوقعتْ فيها، فكانتْ قبرَها" (متفق عليه). - بل الأشدُّ أن يتركه اللهُ يزدادُ في ظلمه دون عقوبةٍ زمنًا طويلًا يغترُّ فيه بعمله، ثم فجأةً تنزلُ فوق رأسه المصائبُ والبلايا غير المتوقَّعةٍ، فضلًا عما ينتظره في الآخرةِ؛ قال -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف: 182)، وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ) ثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (رواه البخاري 4686). ثانيًا: عقوبة الظالم في الآخرة: - بيَّنَ الحقُّ -تعالى- أن الحقوقَ إن ضاعتْ في الدنيا، فإنها لا تضيعُ في الآخرةِ، وإن كانتْ كمثقالِ الذرِّ: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47). - وصفَ اللهُ -تعالى- أحوالَ الظالمين عند الموتِ: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) (الأنعام: 93). - وقد هدَّدهم الكبيرُ المتعالُ من قبلُ بسوءِ العاقبةِ، وطردِهم من رحمتِه: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (الشعراء: 227)، وقال: (فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (المؤمنون: 41). - فيخرجُ الظالمونَ من قبورِهم في رعبٍ وهلعٍ شديدٍ، قد نسوا كلَّ نعيمٍ في الدنيا، لا يذكرون إلا مشاهدَ ظلمِهم للعبادِ، وما ينتظرونه من العقابِ: (مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ) (إبراهيم: 43). - وأما في عرصاتِ القيامةِ، فهم في فضيحةٍ بما ظلموا، مطرودونَ من رحمةِ اللهِ: قال -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) (غافر: 52)، وقال: (وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: 18)، وقال: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (الأعراف: 44). - توعَّدهم القويُّ الجبارُ بأشدِّ ألوانِ العذابِ: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ) (الزخرف: 65). - وأما تفاصيلُ العذابِ فقد جاءَ في الكتابِ والسنةِ في كلِّ ظلمٍ عقوبتُه، إما صراحةً أو ضمنًا؛ فراجع عواقبَ الكبائرِ والمعاصي. خاتمة: خوف الصالحين من الظلم: - علموا أن حقوقَ العبادِ لا مسامحةَ فيها؛ لأن اللهَ لا بدَّ أن يوفِّيَ أصحابَ الحقوقِ حقوقهم يومَ الدينِ: قال سفيانُ الثوريُّ: "إن لقيتَ اللهَ بسبعين ذنبًا فيما بينك وبينه -تعالى-، أهونُ عليك من أن تلقاه بذنبٍ واحدٍ فيما بينك وبين العبادِ" (العقد الفريد). وكتب إلى عمرَ بن عبد العزيز -رحمه الله- بعضُ عمَّاله يستأذنه في تحصينِ مدينته؛ فكتب إليه: "حصِّنْها بالعدلِ، ونقِّ طرقَها من الظلمِ" (العقد الفريد). وكان شريحٌ القاضي يقول: "سَيَعْلَمُ الظَّالِمُونَ حَقَّ مَنِ انْتَقَصُوا؛ إِنَّ الظَّالِمَ لَيَنْتَظِرُ الْعَقَابَ، وَالْمَظْلُومَ يَنْتَظِرُ النَّصْرَ وَالثَّوَابَ". ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ (1) قال ابنُ القيمِ رحمه الله: "سُبْحَانَ اللَّهِ كَمْ بَكَتْ فِي تَنَعُّمِ الظَّالِمِ عَيْنُ أَرْمَلَةٍ وَاحْتَرَقَتْ كَبِدُ يَتِيمٍ، وَجَرَتْ دَمْعَةُ مِسْكِينٍ (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ) (المرسلات: 46) (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) (ص: 88) مَا ابْيَضَّ لَوْنُ رَغِيفِهِمْ حَتَّى اسْوَدَّ لَوْنُ ضَعِيفِهِمْ، وَمَا سَمِنَتْ أَجْسَامُهُمْ حَتَّى انْتَحَلَتْ أَجْسَامُ مَا اسْتَأْثَرُوا عَلَيْهِ. لَا تَحْتَقِرْ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَشَرَرُ قَلْبِهِ مَحْمُولٌ بِعَجِيجِ صَوْتِهِ إِلَى سَقْفِ بَيْتِكَ. وَيْحَكَ نِبَالُ أَدْعِيَتِهِ مُصِيبَةٌ وَإِنْ تَأَخَّرَ الْوَقْتُ قَوْسُهُ قَلْبُهُ الْمَقْرُوحُ، وَوَتَرُهُ سَوَادُ اللَّيْلِ، وَأُسْتَاذُهُ صَاحِبُ: لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ" (بدائع الفوائد). |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (34) (الوصية بأربع صفات) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ) (رواه أحمد، وصحَّحه الألباني). مجمل الوصية: حسنُ الخلقِ يرقى بصاحبِه إلى أعلى المراتبِ في الدنيا والآخرةِ، ومن رزقَ حسن الخلق فلا عليه مما فاته من الدنيا؛ ولذا أوصى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في هذه الوصيةِ بأربعِ خصالٍ وصفاتٍ، إذا اتَّصفَ المسلمُ وتخلَّقَ بهن، فلا بأسَ بما يضيعُ من الدنيا من متعٍ، إن كان قد اتَّصفَ بتلك الصفاتِ. فهي غنيمةٌ باردةٌ من حازَها لا ينبغي له أن يبكي ما فاته من حطامِ الدنيا، سواءٌ كان مالًا أو ولدًا أو عقارًا أو جاهًا، فخصالُ الخيرِ تبقى وحطامُ الدنيا زائلٌ، وخصالُ الخيرِ تنفعُ صاحبَها في الدنيا بمحبةِ الخلقِ له وحسنِ الثناءِ عليه، وتنفعُه في الآخرةِ بأن مكافأتها الجنة. الخصلة الأولى: (حِفْظُ أَمَانَةٍ): - المقصودُ بالأمانةِ: قال الكفويُّ في تعريفِ الأمانةِ: "كلُّ ما افترضَ على العبادِ فهو أمانةٌ، كصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وأداءِ دينٍ، وأوكدها: الودائعُ، وأوكدُ الودائعِ: كتمُ الأسرارِ". - فأهمُّ الأماناتِ حقُّ اللهِ في التوحيدِ والعبادةِ، وطاعةُ رسوله في الاتباعِ والموافقةِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الأنفال: 27). - ومن الأماناتِ في حقوقِ البشرِ: الأمانةُ في البيوعِ والديونِ والمواريثِ والرهونِ والودائعِ التي تُعطى للإنسانِ ليحفظَها لأهلِها، والأمانةُ في الشهادةِ، والأمانةُ في الكتابةِ، فلا يكونُ فيها تغييرٌ ولا تبديلٌ ولا زيادةٌ ولا نقصٌ، والأمانةُ في الأسرارِ التي يستأمنُ الإنسانُ على حفظِها وعدمِ إفشائِها: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا) (النساء: 58)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصحَّحه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) (متفق عليه). (الإشارةُ إلى قصةِ والدِ الإمامِ عبد الله بن المبارك، وكيف كانت الأمانةُ سببًا في زواجه من ابنةِ مولاه). - ومن الأمانة: الأمانةُ في استعمالِ السمعِ والبصرِ وسائرِ الحواسِ (فلا يستعملُها فيما يغضبُ اللهَ؛ فالعينُ أمانةٌ يجبُ عليه أن يغضَّها عن الحرامِ، والأذنُ أمانةٌ يجبُ عليه أن يجنِّبَها سماعَ الحرامِ، واليدُ أمانةٌ، والرجلُ أمانةٌ، واللسانُ أمانةٌ، إلخ)، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36). - حاجتُنا إلى نشرِ خلقِ الأمانةِ في زمانٍ قلَّتْ فيه الأمانةُ، وقلَّ أصحابُها كما أخبرَ الصادقُ المصدوقُ: (وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا) (رواه البخاري). الخصلة الثانية: (وَصِدْقُ حَدِيثٍ): - للصدقِ منزلةٌ عظيمةٌ وأهميةٌ كبيرةٌ، فقد أوصى اللهُ به عبادَه المؤمنينَ وأمرَهم بأن يكونوا مع أهلِ الصدقِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: 119). قال السعديُّ -رحمه الله-: "أي كونوا مع الصادقينَ في أقوالِهم وأفعالِهم وأحوالِهم". - وقد أوصى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بصدقِ الحديثِ وحذَّرَ من الكذب: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا) (متفق عليه). قال بعضُ الصالحينَ: "عليك بالصدقِ حيث تخافُ أنه يضرُّك فإنه ينفعُك، ودعِ الكذبَ حيث ترى أنه ينفعُك فإنه يضرُّك". - ومتى انتشرَ صدقُ الحديثِ في تعاملِ الناسِ بعضِهم مع بعضٍ عظمتِ الخيراتُ، وكثرتِ البركاتُ: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (محمد: 21). - وعاقبةُ صدقِ الحديثِ وآثارُه عظيمةٌ: قال يوسفُ بن أسباطَ: "يرزقُ الصدوقُ ثلاثَ خصالٍ: الحلاوةَ، والملاحةَ، والمهابةَ". وقال الفضيلُ: "لم يتزيَّنِ الناسُ بشيءٍ أفضلَ من الصدقِ وطلبِ الحلالِ" (شعب الإيمان). ورويَ أن ربعيَّ بن حراشٍ لم يكذبْ كذبةً قطُّ، فجاءَ عريفُ الحجاجِ، فقال: أيها الأميرُ، إن الناسَ يزعمونَ أن ربعيَّ بن حراشٍ لم يكذبْ كذبةً قطُّ، وقد قدِمَ ابناه من خراسانَ وهما عاصيانِ، فقال الحجاجُ: عليَّ به، فلما جاءَ قال: أيها الشيخُ، ما فعلَ ابناكَ؟ قال: المستعانُ اللهُ، خلَّفتُهما في البيتِ. قال: لا جرمَ واللهِ لا أسوؤُكَ فيهما، هما لكَ. (مكارم الأخلاق). الخصلة الثالثة: (وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ): - (وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ) هو من أعظمِ ما مُدِحَ به سيدُ الناسِ: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4). - (وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ) يثقِّلُ الميزانَ يومَ القيامةِ: عن أبي الدرداءِ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: (مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، فَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- لَيَبْغَضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ) (رواه الترمذي وصحَّحه الألباني). - (وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ) أكثرُ ما يدخلُ الناسَ الجنةَ حسنُ الخلقِ: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سئلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عن أكثرِ ما يدخلُ الناسَ الجنةَ، فقال: (تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ) (رواه الترمذي، وحسَّنه الألباني)(1). - (وَحُسْنُ الْخَلِيقَةِ) من أهمِّ عواملِ النجاحِ، فكثيرٌ من الناسِ (علماءُ، أذكياءُ، مبدعونَ) يتركُ الناسُ ما عندهم من الخيرِ بسببِ سوءِ خلقِهم؛ قال الفضيلُ بن عياضٍ -رحمه الله-: "لأن يصحبَني فاجرٌ حسنُ الخلقِ، أحبُّ إليَّ من أن يصحبَني عابدٌ سيئُ الخلقِ". وعن أمِّ الدرداءِ -رضي الله عنها- قالت: "كان أبو الدرداءِ ليلةً يصلِّي فجعلَ يبكي وهو يقولُ: اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي حَتَّى أَصْبَحَ. فَقُلْتُ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ مَا كَانَ دُعَاؤُكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ إِلَّا فِي حُسْنِ الْخُلُقِ؟ فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّرْدَاءِ، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ يُحَسِّنُ خُلُقَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ حُسْنُ الْخُلُقِ الْجَنَّةَ، وَيُسِيءُ خُلُقَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ سُوءُ خُلُقِهِ النَّارَ" (شعب الإيمان). الخصلة الرابعة: (وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ): - (وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ) طلبُ الحلالِ وتحرِّيه أمرٌ واجبٌ وحتمٌ لازمٌ، وإن حقًّا على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أن يتحرَّى الطيِّبَ من الكسبِ، والنزيهَ من العملِ، ليأكلَ حلالًا وينفقَ في حلالٍ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا) (المؤمنون: 51)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: 172)، (لَنْ تَزُولَ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - من العجبِ حالُ بعضِ الناسِ حيث يخافُ من أكلِ الحلالِ خشيةَ المرضِ، ولا يتورَّعُ ولا يخافُ من أكلِ الحرامِ الذي عاقبتُه النارُ: (لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) (رواه الترمذي وحسَّنه). - (عِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ) فيه: طيبُ المكاسبِ، وصلاحُ الأموالِ، وسلامةُ الدينِ، وصونُ العرضِ، وجمالُ الوجهِ، ومقامُ العزِّ. وعن وهبِ بن منبهٍ -رحمه الله- قال: "من سرَّه أن يستجيبَ اللهُ دعوتَه فليطيِّبْ طعمتَه". وسئلَ بعضُ الصالحينَ: "بم تلينُ القلوبُ؟ فقال: بأكلِ الحلالِ". - إن أكلَ الحرامِ يعمي البصيرةَ، ويضعفُ الدينَ، ويقسِّي القلبَ، ويقعدُ الجوارحَ عن الطاعاتِ، ويحجبُ الدعاءَ: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه-: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: 51)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة: 172). ثم ذكرَ الرجلَ يطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُه حرامٌ ومشربُه حرامٌ، وملبسُه حرامٌ، وغذيَ بالحرامِ، فأنى يستجابُ لذلكَ. قال الحافظُ ابن رجب -رحمه الله-: "فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْعَمَلُ وَلَا يَزْكُو إِلَّا بِأَكْلِ الْحَلَالِ وَإِنَّ أَكْلَ الْحَرَامِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ وَيَمْنَعُ قَبُولَهُ". خاتمة: عود على بدء: - أوصى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في هذه الوصيةِ بأربعِ خصالٍ وصفاتٍ، إذا اتَّصفَ المسلمُ وتخلَّقَ بهن، فلا بأسَ بما يضيعُ من الدنيا من متعٍ، إن كان قد اتَّصفَ بتلك الصفاتِ: (أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ). رزقَنا اللهُ وإياكم هذه الخصالَ، وطهَّرَنا وإياكم من قبيحِ الخصالِ والأقوالِ والأفعالِ. ـــــــــــــــــــــــــــــ (1) جمعَ بعضُ العلماءِ علامات حسن الخلق فقال: "هو أن يكونَ الإنسانُ كثيرَ الحياءِ، قليلَ الأذى، صدوقَ اللسانِ، قليلَ الكلامِ، كثيرَ العملِ، قليلَ الزللِ، برًّا وصولًا، وقورًا صبورًا، شكورًا رضيًّا، حليمًا رفيقًا، عفيفًا شفيقًا، لا لعَّانًا ولا سبَّابًا، ولا نمَّامًا ولا مغتابًا، ولا عجولًا ولا حقودًا، ولا بخيلًا ولا حسودًا، بشَّاشًا هشَّاشًا، يحبُّ في اللهِ، ويبغضُ في اللهِ، ويرضى في اللهِ، ويغضبُ في اللهِ". |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (35) الوصية بالخصال التي تدخل الجنة (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عبد الله بن سَلامٍ -رضي الله عنه- قال: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى الْمَدِينَةِ، انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ثَلاثًا، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني). مجمل الوصية(1): وصية عظيمة، جمعت جَلال الدين وجَمال الإسلام؛ لتؤسس منظومة المجتمع المتآخي الراقي، المتكاتف؛ مجتمع العطاء والرحمة والسخاء، الذي يتَّسم بمكارم الأخلاق ونُبل المعاملة. هذه الوصية ينقلها لنا الصحابي الجليل عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ -رضي الله عنه-، فيقول: "لَمَّا قَدِمَ" أي: جاء وهاجَر النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ "انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ" أي: اتَّجَه النَّاسُ ناحيته، وذَهَبوا إليه مُسرعين. "وَقِيلَ: قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلاثًا، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ؛ لِأَنْظُرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ"، أي: رأيتُ مَلامِحَه "عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ"؛ لِما يَبْدُو عليه مِنَ النُّورِ والجَمالِ والهَيْبَةِ الصَّادِقَةِ. "فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ، أَنْ قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ...). وذكر الخصال التالية التي بها يتربَّى النَّاسُ على الفَضائلِ والمكارمِ حتَّى يكونَ المجتمعُ مُتحابًّا متعاونًا، وبشَّر من حافظ عليها بالمكافأة العظمى، وهي الجنة. الخصلة الأولى: (أَفْشُوا السَّلَامَ): - السَّلامُ عَلَيْكُمْ: جملة قصيرة المبنى، عظيمة المعنى، تحمل في مضامينها رسالة محبة، وعنوان مودة، يحلو بها اللسان، يرسل قائلها إلى كل من سمعها الأمن والأمان، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ) (رواه مسلم). - السَّلامُ عَلَيْكُمْ: تحية من عند الله، وعبادة وثواب، وسمة المسلم التي يعلو بها على من سواه، فعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان، أيهما يبدأ بالسلام؟ فقال: (أَوْلَاهُمَا بِاللَّهِ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - السَّلامُ عَلَيْكُمْ: مِنْ مُوجِبات المغفرة والرحمة، فعن هانئ بن يزيد -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. قَالَ: (إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ بَذْلَ السَّلَامِ وَحُسْنَ الْكَلَامِ) (رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني). الخصلة الثانية: (وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ): (أَفْشُوا السَّلَامَ)، إحسان بالقول، و(أَطْعِمُوا الطَّعَامَ)، إحسان بالفعل، وترسيخ لقيمة البذل والتآلف، واستدعاء لمعاني الأخوة وحسن الجوار. عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: أن رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: أي الإسلام خير؟ قال: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) (متفق عليه). - (إِطْعَامُ الطَّعَامِ): يشمل الصدقة والهدية والضيافة ابتغاء وجه الله، بل يشمل فعله سائر الدواب والحيوانات. قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم لَأَجْرًا؟ فقال: (فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ) (متفق عليه). - (إِطْعَامُ الطَّعَامِ): بأيِّ مقدار، ولو كان شق تمرة، فإنها تَرْبُو في كف الرحمن، حتى تكون أعظم من الجبل. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ، حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) (متفق عليه). الخصلة الثالثة: (وَصِلُوا الْأَرْحَامَ): - (وَصِلُوا الْأَرْحَامَ): وهم كل من تربطك بهم رحم أو قرابة، من جهة الأب أو الأم، وحقهم في البذل والعطاء مقدم على اليتامى والفقراء؛ قال الله -سبحانه-: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) (البقرة: 215). - (وَصِلُوا الْأَرْحَامَ): الأرحام مِنْ نِعَم الله، فهم سند في الحياة متين، وعضد في النوائب معين، هم سرور في الحزن، وعز في الذل، وسعة في الضيق، وجبر نفس في المكسور. كان العرب يتناشدون بالرحم ويعظمونها؛ فأنزل الله -تعالى-: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1). - (وَصِلُوا الْأَرْحَامَ): تكون بالقول الطيب، والوجه النيِّر، وتعاهدهم بالزيارة والنصح، ومسانَدة المكروب، وعيادة المريض، والصفح عن عثراتهم، واجتناب الإضرار بهم قولًا أو فعلًا، فالثواب عليهم مضاعَف؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) (رواه النسائي، وصححه الألباني). الخصلة الرابعة: (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ): - (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ): وقت عظيم، تخلو فيه النفس وتناجي خالقها، في أعظم زمن لإجابة الدعاء. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَنْزِلُ رَبُّنَا -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟) (متفق عليه). - (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ): فأهل القِيامِ هم أصحاب الشَّرفِ والجَمالِ والقَبولِ بين الناس؛ فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: جاء جبريل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: (وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ) (رواه البيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني). وسُئِلَ الحسن البصري -رحمه الله-: "ما بالُ المتَهجِّدين بالليل أحسن الناس وجوهًا؟ قال: لأنهم خَلَوْا بالرحمن -جل وعز-، فألبسهم نورًا من نوره". - (وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ): فأهل القِيامِ هم أكثر الناس تَأَهُّلًا لدخول الجنات؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) (الذاريات: 15-18). المكافأة على الخصال: (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ): - (تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ): وصف بليغ طيب ناطق بالحفاوة، التي هي عطاء الله الخالص لخواص الناس، الذين أمضوا حياتهم في طريق السلام والإحسان، فالجزاء من جنس العمل؛ قال الله -تعالى-: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) (النحل: 30). وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا، وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا)، فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني). اللهم إنا نسألك الجنة وما قَرَّبَ إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قَرَّبَ إليها من قول وعمل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) هذه الوصية من أوائل أقواله -صلى الله عليه وسلم- أولَ مَقْدَمِه المدينةَ؛ ليؤكد على أهمية التكافل في المجتمع، وتقوية لحمته، ورَصِّ صفوفه قلبًا وقالبًا، وأن يَحْمِلَ الغنيُّ الفقيرَ، والميسورُ المعسرَ، وأن يَبْذُلَ المستطيعُ ما يستطيع من كلمة طيبة، وسلوك نَدِيٍّ، وصلة موصولة إلى الدرجات العلا، الغاية التي يسعى إليها كلُّ مسلم، ويتمنَّى بلوغَها كلُّ عاقل، وهي الجنة. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (36) الوصية بأصول في التربية (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عند جده قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ) (رواه أبو داود، وأحمد، وصححه الألباني في الإرواء). مجمل الوصية: في هذه الوصية توجيهان هما من أصول التربية: الأول: ترسيخ الجانب التعبدي في نفوس الأطفال من الصغر، لينشأ الغَرْسُ موصولًا بربه -سبحانه وتعالى-، وهو ما تضمنه قوله: (مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ...). الثاني: ترسيخ الجانب الأخلاقي، حيث تعويد الأطفال من الصغر على خُلُق العفة والحياء، وما يحيط بذلك من آداب. وهو ما تضمنه قوله: (وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ). بيان ذلك من خلال ثلاث وقفات: الأولى: أهمية تربية الأبناء على تعاليم الإسلام: - الأبناء نعمة من الله، تمناها الأنبياءُ والصالحون: قال -تعالى-: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف: 46)، وقال -تعالى- عن بعض أنبيائه: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) (مريم: 5). - الأولاد مسؤولية الآباء من يوم الولادة، فالأطفال لا حساب عليهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَصَابِ حَتَّى يُكْشَفَ عَنْهُ) (رواه أبو داود، والترمذي، وصححه الألباني). - مرحلة الطفولة هي مرحلة التعليم والغَرْسِ والتثبيت؛ قالوا: (التعليم في الصغر كالنقش على الحجر)، وقال الشاعر: قد ينفع الأدب الأحداثَ في مَهَلٍ وَلَـيْسَ ينـفـع عند الكِبَرَةِ الأدبُ إن الغصونَ إذا قَوَّمْتَها اعْتَدَلَتْ وَلَنْ يَلِينَ إذا قـَـوَّمْتَهُ الخَـشـَبُ - الحذر من ترك الأولاد لجهات غير أمينة (بيئة سيئة، التقنيات ووسائل الاتصالات الحديثة)(1)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ) (متفق عليه). الثانية: لِمَ البداية بالصلاة؟ - الصلاة هي الشعيرة والمعلم الأعظم في بناء الدين، وبغيرها يسقط وينهدم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ) (رواه أحمد (23496) والترمذي (2616)، وصححه الألباني). - الصلاة نجاة من هلاك الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ) (رواه النسائي، وصححه الألباني في صحيح النسائي)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - الصلاة هي العبادة الوحيدة التي لا عذر في تركها، حيث تؤدَّى على كل حال (في المرض والصحة، في السلم والحرب، في السفر والحضر)؛ قال -تعالى-: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا) (النساء: 103). - ولذا كانت أول ما يُربَّى عليه الصغار: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ(2). - مشروعيَّةُ ضَرْبِ الولد (ذكرًا أو أنثى) على التَّقصير في الصلاة والواجبات إذا بَلَغَ عَشْرَ سِنينَ حتَّى يعتادَ على أدائها، قال: (وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ)(3). الثالثة: سَدُّ كلِّ ذَرَائِعِ الْفِتْنَةِ بين الذُّكُورِ والإناثِ: - تعاليم الإسلام للحفظ والوقاية (وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ). قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "الحديث عام يعم البنين والبنات، والتفريق يكون بجعل كل واحد من البنين، وكل واحدة من البنات في فراش مستقل، ولو كانوا في غرفة واحدة؛ لأن وجود كل واحد مع الآخر في فراش واحد قد يكون وسيلة لوقوع الفاحشة، وفَّق الله الجميع لكل خير" (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز)، قال -تعالى-: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا) (التغابن: 16). التفريط ينشأ عنه الكوارث، ولا يجدي عند ذلك الندم (حوادث الزنا بين المحارم أكثرها بسبب ذلك). بل يُعَلَّمُ الأبناءُ تعاليم وآداب الإسلام عمومًا، وللوالدين أجر (آداب اللباس، آداب النوم، آداب الكلام، آداب السلام، آداب الطعام، آداب المسجد، إلخ). الخاتمة: الحثُّ على تعليم الأولاد كل ما ينفعهم ويصلحهم: كما يُؤْمَرُ الصَّبيُّ والجارية بالصلاة لسبع، ويُضْرَبَانِ عليها لعشر، كذلك يُؤْمَرَانِ بصوم رمضان، ويُشَجَّعَانِ على كل خير، من قراءة القرآن، وصلاة النافلة، والحج والعمرة، والإكثار من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، ويُمْنَعَانِ من جميع المعاصي. نسأل الله أن يحفظ أولادَنا وأولادَ المسلمين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) قبلَ عقودٍ يسيرة من الزمن، كان الأولادُ يتهافتونَ إلى الوالدِ مِنْ كلِّ مكانٍ تهافتَ الفراشة على الزَّهرة بمجرد دخوله إلى البيتِ، ويَهْرَعُونَ إلى الباب لاستقباله والسَّلامِ عليه، ويُحَاوِلُونَ الجلوسَ بالقرب منه وقتَ الأكلِ والشُّرْبِ، وكان الصِّغَارُ يتزاحمون على النَّومِ بجانب والدهم، ويمرحون ويفرحون لرؤيته وتقبيل يده. أما في عَصْرِ الإنترنت وانشغالِ مُعْظَمِ النَّاسِ بالهواتف (الغَبِيَّةِ) ووسائل (التَّقاطعِ) الاجتماعي -إنْ صَحَّ التَّعبيرُ-، فقد عَزَفَ أكثرُ الأطفال والمراهقين وحتى الشباب عن مُجَالَسَةِ آبائهم والحديث إليهم والاستفادة من تجاربهم، وفي حالات كثيرة يخرج الأبناءُ من الغرفة واحدًا بَعْدَ الآخر بمجرد دُخُولِ والدهم إليها، فيبقى وحيدًا فريدًا مع نفسه، وذلك بسبب انشغالهم بالصداقات الوهميَّة والألعاب الإلكترونية ومنصَّات التواصل الاجتماعي، أو ربَّما لكثرة غياب الوالد عن البيت، أو لأسباب أخرى. (2) وللصلاة في الصغر فوائد كثيرة تَعُودُ على الأطفال: منها: تقوية علاقته بالله -تعالى-. ومنها: غَرْسُ قيم التواضع والشكر عمليًّا من خلال السجود وعلة ذلك. ومنها: أنها تربية نفسية حيث السكينة من كثرة الحركة والتوتر. ومنها: تعويد على الجماعية واجتناب الوحدة. ومنها: التَّعَوُّدُ على الالتزام والانضباط من خلال مواعيد الصلاة. (3) ويُشْتَرَطُ في ضَرْبِ الصَّبيِّ على الصلاة أن يكون ضَرْبًا هَيِّنًا غير مُبَرِّحٍ، لا يَشُقُّ جلدًا، ولا يَكْسِرُ سِنًّا أو عَظْمًا، ويكون على الظهر أو الكتف وما أشبه ذلك، ويُتَجَنَّبُ الوجه؛ لأنه يُحَرَّمُ ضربه. والضرب نوع من العقوبة، وإلا فقد يكون غيره أنجع في العقوبة، فيُتَخَيَّرُ الأنسب. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (37) الوصية بآداب الحضور إلى الصلاة (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن أبي قتادة الحارث بن ربعي -رضي الله عنه-، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذْ سَمِعَ جَلَبَةَ رِجَالٍ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: (مَا شَأْنُكُمْ؟) قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ؟ قَالَ: (فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا) (رواه البخاري، ومسلم). مجمل الوصية: لَمَّا كانت الصَّلاة لقاءً بين العبد وربِّه، ناسب ذلك أن يستعدَّ العبد لهذا اللقاء، ويتأدَّب بالأدب اللازم مع الله -سبحانه وتعالى- عند الإتيان إلى الصَّلاة، فإنَّه -صلى الله عليه وسلم- أرشدَهم إلى ما يلزمهم مِن السكينة والوقار عند قدومهم إلى الصَّلاة، وأمرهم بالهدوء والتأنِّي، والحكمة في ذلك ما نبَّه عليه -صلى الله عليه وسلم- كما وقع عند مسلم: (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) (رواه مسلم: 603). وقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّته إلى كثيرٍ مِن آداب الحضور إلى الصَّلاة، منها ما في هذا الحديث، وهو: الحث على السكينة والوقار عند الإتيان إلى الصَّلاة، وهي فرصة لذكر بقية آداب الحضور إلى الصَّلاة. الخروج على أحسن هيئة: فينبغي للمصلي أن يلبس عند مناجاة ربِّه أحسن ثيابه في صلواته من غير تفريق بين صلاة ليليَّة أو نهاريَّة، صلاة فجر أو غيرها؛ لقوله -تعالى-: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) (الأعراف: 31). قال ابن عبد البر -رحمه الله-: "إن أهل العلم يستحبون للواحد المطيق على الثياب أن يتجمل في صلاته ما استطاع من ثيابه وطيبه وسواكه" (التمهيد). وأما الذين يأتون إلى المسجد في هيئة رثة، ورائحة كريهة، وثياب المهنة، ورداء العمل، وملابس النوم؛ فلا شك أن هؤلاء لم يكلِّفوا أنفسهم الاعتناء بأخذ الأدب اللازم في بيوت الله -تعالى-، وهم قد خالفوا قول الله: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، فيتأذَّى المصلون بالرائحة، وتزكم الأنوف بالنتن والعرق، ولو أن الإنسان أراد مقابلة شخص له جاه دنيوي لم يأتِ بهذه الملابس، بل إنه يرتدي أحسن ثيابه، ويتطيَّب بأحسن ما يجد، فكيف يهتم بالوقوف أمام المخلوق، ولا يهتم بالوقوف أمام الخالق! التبكير بالحضور: وذلك بانتظار إقامة الصَّلاة، والاشتغال بالذكر والنوافل في المسجد: قال -تعالى-: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) (آل عمران: 133)، وقال: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (المؤمنون: 61). وقد كان السلف -رحمهم الله- يهتمون بذلك جدًّا، وكانوا يشتاقون إلى الصَّلاة وقلوبهم متعلِّقة بالمساجد: قال عدي بن حاتم -رضي الله عنه-: "ما دخل وقت صلاة قط إلا وأنا أشتاق إليها"، وقال: "ما أُقيمت الصَّلاة منذ أسلمت إلا وأنا على وضوء"، وكذلك قال سعيد بن المسيب -رحمه الله-: "ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد". الدعاء عند الخروج إلى الصَّلاة: يستفتح خطواته إلى المسجد بالدعاء: عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الصَّلاة، وهو يقول: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ فَوْقِي نُورًا، وَمِنْ تَحْتِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا) (رواه مسلم). تقديم الرجل اليمنى عند الدخول: وخُصَّت اليمنى بالدخول لشرفها، واليسرى بالخروج للدنيا: عن أنس -رضي الله عنه- أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ إِذَا دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُمْنَى، وَإِذَا خَرَجْتَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلِكَ الْيُسْرَى" (أخرجه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم"). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ، فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ، فِي طُهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ" (متفق عليه). الدعاء عند دخول المسجد والخروج: فيسأل رحمة ربِّه عند الدخول، والفضل من الدنيا عند الخروج: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ) عند الدخول، وعند الخروج: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ) (رواه مسلم). وورد أيضًا في الحديث الصحيح: (أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) (رواه أبو داود بإسناد جيد). قال العلماء: (إنما طُلبت الرحمة في الدخول وطُلب الفضل في الخروج؛ لأن المصلي إذا دخل المسجد اشتغل بما يقرِّبه إلى الله -تعالى- وإلى رضوانه وجنته؛ من: الصَّلاة والذكر والدعاء، فناسب ذكر الرحمة، وإذا خرج اشتغل بابتغاء الرزق الحلال فناسب ذكر الفضل"، قال الله -تعالى-: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ) (الجمعة: 10). التقدُّم إلى الصف الأول، والقرب من الإمام: ففي الصف الأول مزايا عظيمة(1): قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا) (رواه مسلم). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ) (رواه مسلم). وينبغي لطلبة العلم والحفظة أن يتقدَّموا إلى الصف الأول قبل غيرهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (رواه مسلم). صلاة تحية المسجد: من عظيم فضلها، اختلف العلماء في حكمها هل هي سنة أو واجبة؟: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ) (متفق عليه). فائدة: تُصلَّى تحية المسجد ولو كانت أثناء خطبة الجمعة، والمسجد الحرام إذا دخله للطواف كان طوافه هو التحية، وإذا دخله للصلاة كان تحيته كبقية المساجد صلاة ركعتين. عدم رفع الصوت في المسجد: فلا يرفع صوته لا بقراءة القرآن ولا بغيره: عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: اعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فسمعَهم يجهرون بالقراءة، وهو في قُبَّةٍ له، فكشف الستْرَ وقال: (أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعَنَّ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ، أَوْ قَالَ: فِي الصَّلَاةِ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني). والنهي أشد إذا كان في المسجد النبوي أو المسجد الحرام: عن السائب بن يزيد -رحمه الله- قال: "كنت قائمًا في المسجد -المسجد النبوي- فحصبني رجل، فنظرت فإذا هو عمر -رضي الله عنه-، قال: اذهب فأتني بهذين، فجئته بهما -أشار إلى رجلين يتحدثان- فقال: من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعان أصواتكما في مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-!" (رواه البخاري). تسوية الصفوف: - وهو من كمال صلاة المصلي، وعلامة على اتفاق قلوب المصلين: قال -صلى الله عليه وسلم-: (سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ)، وفي رواية: (مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ)، وفي رواية: (اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ)، وقوله: (لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ) (متفق عليه). - وليحذر من تعمُّد ترك الخلل بين الصفوف: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللهُ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، (وَمَنْ سَدَّ فَرْجَةً رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) (رواه الطبراني في الأوسط، وصححه الألباني). - عظيم الأجر لمن وصل صفًّا وسدَّ فرجة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصُّفُوفَ) (أخرجه الإمام أحمد، وإسناده صحيح). وقال: (وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خُطْوَةٍ مَشَاهَا رَجُلٌ إِلَى فَرْجَةٍ فِي الصَّفِّ فَسَدَّهَا) (رواه الطبراني والبزار بإسناد حسن، وهو في صحيح الترغيب). عدم هجر المسجد القريب: - فلا يفعل إلا لغرض صحيح: لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِهِ وَلَا يَتَتَبَّعِ الْمَسَاجِدَ) (رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني)(2). خاتمة: تذكير بوصية اليوم، مع الإشارة إلى أهميَّة جميع الآداب السابقة معها ليحصل بذلك الأجر العظيم. فاللهم اجعلنا من الذين يحافظون على صلاتهم، وارزقنا حسن الأدب في بيوتك الطاهرة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ (1) ذكر ابن حجر -رحمه الله- بعضًا منها، فمن ذلك: المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق لدخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع القراءة، والتعلُّم منه، والفتح عليه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية مَن يكون قدامًا من المصلين، وسلامة موضع السجود من أذيال المصلين. (2) فالذهاب إلى مسجد أبعد يؤدي إلى سلبيات؛ منها: هجر المسجد الذي يليه، وخلو المسجد وعدم عمارته، وإيحاش صدر الإمام وإساءة الظن به، أما إذا وجد غرض صحيح لتخطي الإنسان مسجده إلى مسجد آخر، مثل أن يكون إمام مسجده لا يقيم الفاتحة، أو لا يطمئن في صلاته، أو يرتكب بعض المخالفات الشرعيَّة، أو يجاهر ببدعة، أو يجاهر بمعصية، فلا بأس بذلك. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (38) الحذر من صغائر الذنوب (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ)، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: (كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضًا فَلَاةً فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا) (رواه أحمد والطبراني، وحسنه الألباني). وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّمَا مَثَلُ مُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا فِي بَطْنِ وَادٍ، فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ، وَجَاءَ ذَا بِعُودٍ حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذُ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكُهُ) (رواه أحمد، وصححه الألباني). مجمل الوصية: في هذه الوصية يحذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من الذنوب الصغيرة؛ لأنه إذا كانت الكبائر ظاهرة، وأثرها واضحًا، فإن صغائر الذنوب قد تكثر في فعل الإنسان دون أن يشعر، فتصبح مهلكة له، فصغار الذنوب تجر بعضها بعضًا حتى تهلك المرء إذا لم يكفر عنها، ثم ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثلًا طلبًا لمزيد من الفهم، بقوم نزلوا صحراء، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا كمًّا كبيرًا فأججوا نارًا، فكذلك الذنوب الصغائر إذا انضمت وتراكمت استعظم أمرها، وكانت وبالًا على صاحبها، فالهلاك قد يكون بسبب أشياء صغيرة لا يراها الإنسان شيئًا بل يحتقرها. ـ فيا من تستهين بالذنوب.. احذر الاستصغار، والإصرار، فإنهما طريق الهلاك، ولنا مع ذلك وقفات. الوقفة الأولى: الهلاك بسبب الاستصغار(1): ـ الغافل يرى ذنوبه صغيرة، لضعف هيبة الله في قلبه وعدم مبالاته بذنبه، حتى لو كان كبيرًا: قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: "إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه قال به هكذا فطار" (رواه الترمذي واللفظ له، وأخرجه البخاري باختلافٍ يسيرٍ). وقال أنس بن مالك: "إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- من الموبقات" (رواه البخاري)(2). ـ الصغيرة قد يقترن بها من قلة الحياء وعدم المبالاة، وترك الخوف من الله، مع الاستهانة بها - ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في رتبتها: قال بلال بن سعد -رحمه الله-: "لا تنظر إلى صغر الخطيئة ولكن انظر إلى من عصيت". وقال ابن القيم: "ولا يزال الشيطان يسهل على الإنسان محقرات الذنوب حتى يستهين بها، فيكون صاحب الكبيرة الخائف منها أحسن حالًا منه" (التفسير القيم). وقال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: "بقدر ما يصغر الذنب عندك يعظم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك يصغر عند الله" (الداء والدواء). الوقفة الثانية: الهلاك بسبب الإصرار: ـ وهو المداومة على الذنب الصغير حتى يصير كبيرًا عند الله -تعالى-: قال ابن بطال -رحمه الله-: "المحقرات إذا كثرت صارت كبارًا مع الإصرار" (فتح الباري لابن حجر). وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار". ـ إشارة مجملة إلى قصة برصيصا العابد حيث تدرج به الشيطان من ذنب إلى ذنب حتى أوقعه في الكفر والعياذ بالله. الوقفة الثالثة: أهمية المراقبة في اجتناب المحقرات: ـ المراقبة هي دوام علم العبد وتيقنه باطلاع الحق -سبحانه وتعالى- على ظاهرك وباطنك: عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سئل عن الإحسان، فقال: (الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (رواه مسلم). وقال ابن المبارك لرجل: "راقب الله تعالى"، فسأله عن تفسيره، فقال: "كن أبداً كأنك ترى الله عز وجل" (إحياء علوم الدين). ـ كلما زادت مراقبة الله، زاد تعظيمه في النفوس، فيرى المؤمن ما يستهين به البعض عظيمًا: لما نزلت هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) (الحجرات: 2). قال ثابت بن قيس: "أنا والله الذي كنت أرفع صوتي عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أخشى أن يكون الله قد غضب علي فحزن واصفر، ففقده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسأل عنه فقيل: يا نبي الله إنه يقول: إني أخشى أن أكون من أهل النار إني كنت أرفع صوتي عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) فكنا نراه يمشي بين أظهرنا رجل من أهل الجنة" (أخرجه النسائي في الكبرى، والبخاري ومسلم بنحوه)(3). خاتمة: المحقرات تسجل على العبد: ـ الذنوب جراحات ورب جرح وقع في مقتل، وليس من رقع وخاط كمن ثوبه صحيح: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَا عَائِشَةُ، إِيَّاكِ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- طَالِبًا) (رواه أحمد، وصححه الألباني). وقال تعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: 8). وقال -تعالى-: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15). ـ تذكير بالوصية: قال: (إِيَّاكُمْ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ). اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فهذه معاصٍ من جهة السمع، وهذه معاصٍ من جهة البصر، وهذه معاصٍ من جهة اليد، إلخ، فتهلك صاحبها إن لم يتداركه الله. وهذه أمثلة للإشارة إليها: (الحلف بغير الله ـ عدم الطمأنينة في الصلاة ـ سبق الإمام ـ التدخين ـ النظر إلى النساء الأجنبيات ـ الدخول على النساء في غياب الأزواج ـ الخلوة بالنساء في المصاعد والعيادات والمحلات المغلقة ونحوها ـ مصافحة النساء الأجنبيات ـ لبس الذهب للرجال ـ التشبه بين الرجال والنساء ـ سماع الأغاني ـ مشاهدة الأفلام والمسرحيات والمسلسلات ـ إسبال الثياب للرجال ـ التطفيف في الميزان ـ ظهار الرجل من امرأته ـ الغيبة والنميمة ـ ... وهناك ذنوب هي من الكبائر باتفاق يستهين بها كثير من الناس ويحقرونها). (2) المقصود به: كأن المؤمن واقف عند سفح جبل ويرى ذنوبه مثل ذلك الجبل "يخاف أن يقع عليه"، أي: يخاف أن يقع هذا الجبل عليه، وهو في أسفله؛ وذلك لاستعظام المؤمن أمر معصية الله -عز وجل-، "وإن الفاجر"، أي: الفاسق "يرى ذنوبه كذباب"، أي: مثل تلك الحشرة الصغيرة في حجمها وأذاها؛ فذنبه سهل عنده لا يعتقد أنه يحصل له بسببه كبير ضرر، كما أن ضرر الذباب عنده سهل، "وقع على أنفه قال به هكذا فطار"، أي: عندما يقع على أنفه فيتأذى منه أزاحه بيده ليطير؛ وذلك لضعف هيبة معصية الله -سبحانه وتعالى- في قلب الفاجر. (3) فالجزاء من جنس العمل: خاف الله في الدنيا خوفًا أقعده عن الخروج من بيته، فجازاه الله بالأمن من هذا الخوف في الدنيا قبل الآخرة. |
رد: الوصايا النبوية
الوصايا النبوية (39) الوصية بالاستخارة (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود فعن جابر -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ -وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ- خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ-؛ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ. اللَّهُمَّ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ-؛ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ ارْضَنِي بِهِ). ويسمي حاجته، وفي رواية (ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) (رواه البخاري). مجمل الوصية(1): لما كان أهل الجاهلية إذا أرادوا أمرًا لجأوا إلى زجر الطير، والاستقسام بالأزلام والشرك(2)، شرع الله لنا على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الاستخارة بهذا الدعاء العظيم، الذي فيه أساس التوحيد، والاعتماد على الله -سبحانه وتعالى-، والإقرار بوجوده، وصفاته، وكماله، وقدرته، وإرادته، وربوبيته، وتفويض الأمر إليه، والاستعانة به، والتوكل عليه، والتبري من الحول والقوة، واعتراف العبد بعجزه عن معرفة مصلحة نفسه، وأن الأمور بيد الله الذي فطره. حاجتنا إلى الاستخارة في كل أمورنا: - يتعرض المرء في حياته لكثير من الأمور الغيبية النتائج، ويقدم على أمور مجهولة العواقب، لا يدري خيرها من شرها، ولا نفعها من ضرها، أيقدم على هذا العمل أم لا، ومن أهمية الاستخارة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعلمهم ذلك في الكبير والصغير؛ قال جابر -رضي الله عنه-: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن". - الإنسان لا يدري: هل في هذا الأمر خير له أم لا، فالغيب من خصائص الرب العلام(3): قال -تعالى- لأفضل الناس عقلًا وفهمًا: (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 188). - وتتأكد الاستخارة مع الأجواء التي تواكب القرارات المصيرية (اختلاف الآراء - ترتب الآثار العظيمة على القرار): فكم من قرارات تميل إليها النفس بدون الاستخارة، ولا تدري بأن الخير في غيرها؛ قال -تعالى-: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة: 216)، وقال -تعالى-: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء: 19). وقال عمر بن الخطاب: "ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره، وذلك لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره" (أخرجه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة). أدب المسلم عند الاستخارة: أيقن بأن الله -تعالى- سيوفقك لما هو خير، واجمع قلبك أثناء الدعاء وتدبره وافهم معانيه العظيمة، وارضَ بالمقدور؛ لأنه الخير الذي طلبته: روى من حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ اللَّهَ، وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ" (رواه أحمد بسند ضعيف). وقال مكحول: سمعت ابن عمر -رضي الله عنهما- يقول: "إن الرجل ليستخير الله -تبارك وتعالى- فيخار له، فيسخط على ربه -عز وجل- فلا يلبث أن ينظر في العاقبة، فإذا هو قد خير له" (التفسير الوسيط). - أيقِن أن في الاستخارة وقاية من الندم والتردد: قال ابن الحاج -رحمه الله-: "فعلى هذا فمن ترك الاستخارة والاستشارة يخاف عليه من التعب فيما أخذ بسبيله لدخوله في الأشياء بنفسه دون الامتثال للسنة المطهرة، وما أحكمته في ذلك؛ إذ إنها لا تستعمل في شيء إلا عمته البركات، ولا تترك من شيء إلا حصل فيه ضد ذلك. نسأل الله السلامة" (المدخل لابن الحاج). وقال ابن القيم -رحمه الله-: "وكان شيخنا -رضي الله عنه- يقول: المقدور يكتنفه أمران: التوكل قبله، والرضا بعده، فمن توكل على الله قبل الفعل ورضي بالمقضي له بعد الفعل فقد قام بالعبودية" (مدارج السالكين لابن القيم). تنبيهات من فقه الاستخارة: 1- إذا احتجت إلى الاستخارة في وقت نهي، فاصبر حتى تحل الصلاة، فإن كان الأمر الذي تستخير له يفوت؛ فصلِّ في وقت النهي واستخر. وإذا منع مانع من الصلاة -كالحيض للمرأة- فلتنتظر حتى يزول المانع، فإن كان الأمر الذي تستخير له يفوت وضروري، فاستخر بالدعاء دون الصلاة. 2- إذا كنت لا تحفظ دعاء الاستخارة فاقرأه من ورقة أو كتاب، والأولى أن تحفظه. 3- يجوز أن تجعل دعاء الاستخارة في السجود الأخير، أو قبل السلام من الصلاة -أي: بعد التشهد-، أو بعد السلام من الصلاة وهو أقربها. 4- إذا استخرت فأقدم على ما أردتَ فعله واستمر فيه، ولا تنتظر رؤيا في المنام أو شيء من ذلك. ويجوز تكرير الاستخارة ثلاثًا. استحسان مشاورة الصالحين وأهل الخبرة(4): - يحسن بعد الاستخارة استشارة أهل الرأي والصلاح والأمانة: قال -تعالى-: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159). قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ما ندم من استخار الخالق، وشاور المخلوقين، وثبت في أمره" (نقله عنه ابن القيم في الوابل الصيب). وقال النووي -رحمه الله-: "والاستخارة مع الله، والمشاورة مع أهل الرأي والصلاح، وذلك أن الإنسان عنده قصور أو تقصير، والإنسان خلق ضعيفًا، فقد تشكل عليه الأمور، وقد يتردد فيها فماذا يصنع؟" (رياض الصالحين). خاتمة: - وصية عظيمة ما أحوجنا إليها؛ لا سيما في زمان كثرت فيه الآراء والفتن والمغريات، وكل يدعو إلى وجهته بالترغيب والترهيب بالوسائل المختلفة مما يجعل كثيرًا من الناس في حيرة عند الاختيار: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ...). جعلنا الله وإياكم من المتوكلين عليه، المفوضين له أمرهم وشأنهم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الاستخارة لغة: طلب الخيرة في الشيء. يقال: استخر الله يخر لك. واصطلاحًا: طلب الاختيار. أي طلب صرف الهمة لما هو المختار عند الله والأولى، بالصلاة أو الدعاء الوارد في الاستخارة (فتح الباري في شرح صحيح البخاري). (2) بعض المسلمين يقلدون المشركين في ذلك، بالنظر في الأبراج والحظ، أو بالتخيير بين أوراق أو زهور أو نحوها من باب (أفعل - لا أفعل)، والبعض الآخر يتطير أو يتشاءم بأيام أو أشخاص، أو أحوال معينة؛ فأبطل الإسلام ذلك، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَا عَدْوَى وَلَا طِيرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ) (رواه البخاري). وشرع لنا صلاة الاستخارة. (3) قال العلماء: كثرة فعل العبد للاستخارة علامة على قوة توحيده؛ لأنه يظهر فقره وضعفه وحاجته لربه في كل صغير وكبير. (4) اختلف العلماء هل المقدم المشورة أو الاستخارة؟ والصحيح ما رجَّحه الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله- في شرح رياض الصالحين أن الاستخارة تقدم أولًا؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ... إِلَى آخِرِهِ). وقال البهوتي -رحمه الله-: "ولا يكون وقت الاستخارة عازمًا على الأمر الذي يستخير فيه أو على عدمه: فإنه خيانة في التوكل. ثم يستشير، فإذا ظهرت المصلحة في شيء فعله" (كشاف القناع). |
| الساعة الآن : 05:44 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour