عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 4- الصِّيَامُ عَـمَّا حَرَّمَ اللهُ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن من آكد ما ينبغي على الصوَّام لزومُهُ والعنايةُ به حفظَهم لصيامهم من نواقص قدره ومذهبات أجره . روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا ؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))(1). فمع قيام هذا العبد بالصلاة والصيام والزكاة إلا أنه قد فقَدَ أجرها وخسِر ثوابها بما اقترفت جوارحه من الظلم والعدوان وبما اكتسب لسانه من الشتم والبهتان فكان من المفلسين . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ولهذا ؛ فإن مما ينبغي أن يفيده المسلم من صيامه ويجنيه من طاعته العظيمة هذه أن يعلم أن وجوب الصيام عن الطعام والشراب وسائر المفطرات محله شهر رمضان من طلوع فجره إلى غروب شمسه ، أما الصيام عن الحرام فمحله طيلة أيام السنة بل طيلة عمر الإنسان ، فالمسلم يصوم في أيام شهر رمضان عما أحلَّ الله له في غيره وعمّا حرَّم ، ويصوم طيلة حياته عن الحرام ، وذلك أن الصوم في اللغة : إمساكٌ وامتناع ، فإمساكُ وامتناع العين واللسان والأذن واليد والرجل والفرج عما مُنِعَت عنه من الحرام هو صيام من حيث اللغة ، وهو واجب على الإنسان مدة حياته وطول عمره . والله سبحانه لما تفضَّل على عباده بهذه النعم العظيمة - العين واللسان والأذن واليد والرجل والفرج وغيرها - أوجب عليهم استعمالُها فيما يرضيه ، https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وحرَّم عليهم استعمالها فيما يسخطه ، ومن تمام شكر الله على هذه النعم استعمالها فيما أمر الله أن تُستعمل فيه ، وكفُّها ومنعها عما حرَّم الله ، وإمساكها عن الوقوع في معصيةِ مَنْ تفضَّل بها وهو الله سبحانه . فالعين - مثلاً - شُرع استعمالها في النظر إلى ما أحلَّ الله ، ومُنع استعمالها في النظر إلى الحرام كالنظر إلى الأجنبيات ، أو النظر إلى ما تبثه كثير من الفضائيات والمرئيات من تمثيليات فاضحة وأفلام ساقطة ومناظر هابطة إلى غير ذلك، وامتناعها عن هذا النظر هو صيامٌ لها ، وحُكْمه مستمرٌّ دائم . والأذن شُرع استعمالها في استماع ما أمر الله به وما أباح لها ، وحُرِّم استعمالها فيما لا يجوز سماعه من لغوٍ أو لهوٍ أو غناءٍ أو كذبٍ أو غيبة أو غير ذلك مما حرَّم الله ، وامتناعها عن ذلك هو صيامٌ لها ، وحكمه مستمرٌ دائم . واليد شُرع استعمالها فيما أمر الله به وفي تعاطي ما هو مباح ، ومُنِع استعمالها فيما حرَّم الله ، وامتناعها عن ذلك صيامٌ لها ، وحكمه مستمرٌ دائم. وكذلك الفرج فقد شُرع استعماله في الحلال ، ومُنع من استعماله في الحرام كالزنا واللواط وغيرهما ، وامتناعه عن ذلك صيامٌ له ، وحكمه مستمرٌ دائم . وقد وَعَدَ الله من شكر هذه النعم واستعملها فيما يرضيه بالثواب الجزيل والأجر العظيم والخير الكثير في الدنيا والآخرة ، وتَوَعَّدَ سبحانه من لم يحافظ عليها ولم يراعِ الحكمة من خلْقها وما أريد استعمالها فيه بل أطلقها فيما يسخط الله ويغضبه بالعذاب والعقاب ، وأخبر سبحانه أن هذه الجوارح مسؤولة يوم القيامة عن صاحبها وهو مسؤول عنها ، قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء:36] ، وقال سبحانه: {الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يس: 65] ، وقال عز وجل: {وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت:19-21] . وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى معاذ بن جبل بحفظ لسانه فقال له معاذ : ((يَا نَبِيَّ اللَّهِ ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم - ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))(2) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ))(3)، ورواه الترمذي وحسَّنه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه : ((مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَشَرَّ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ))(4)، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ))(5)، وفي الصحيحين أيضاً من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه : ((قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)) (6) https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg فهذه النصوص وما جاء في معناها قد دلّت على أن الواجب على العبد أن يصون لسانه وفرجه وسمعه وبصره ويده ورجله عن الحرام ، وهو صيام من حيث اللغة ، وهذا الصيام لا يختص بوقت دون آخر ، بل يجب الاستمرار عليه حتى الممات طاعةً لله عز وجل ليفوز برضا الله وثوابه ويسْلَم من سخطه وعقابه ؛ فإذا أدرك المسلم أنه في شهر الصيام امتنع عما أحلَّ الله له لأن الله حرَّم عليه ذلك في أيام شهر رمضان فليدرك أيضاً أن الله قد حرَّم عليه الحرام مدّة حياته وطوال عمره ، وعليه الكفُّ عما حرَّم والامتناع عنه دائماً خوفاً من عقاب الله الذي أعدَّه لمن خالف أمره وفَعَلَ ما نهى عنه . ومن حفظ لسانه عن الفحش وقول الزور ، وفرجه عمّا حرَّم الله عليه ، ويده من تعاطي ما لا يحل تعاطيه ، ورجله عن المشي إلاَّ فيما يرضيه ، وسمعه عن سماع ما يحرُم سماعه ، وبصره عما حرَّم الله النظر إليه ، واستعمل هذه الجوارح في طاعة الله وما أحلَّ له وحفظها وحافظ عليها حتى توفاه الله فإنه يفطر بعد صيامه هذا على ما أعدَّه الله لمن أطاعه من النعيم المقيم والفضل العظيم مما لا يخطر على بال ولا يحيط به مقال ، وأول ما يلاقيه من ذلك : ما بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يجري للمؤمن عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة حيث يأتيه عند الموت وفي آخر لحظاته من الدنيا ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم كفن من الجنة وحنوط من الجنة يتقدمهم ملك الموت فيقول : ((أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ ، فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ ، قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ يَعْنِي بِهَا عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ ؟! فَيَقُولُونَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ ، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى ، قَالَ فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ ؟ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ ؟ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ ؟ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ : أَنْ صَدَقَ https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ ، قَالَ فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ ، قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرِّيحِ فَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ ، فَيَقُولُ لَهُ مَنْ أَنْتَ ؟! فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ ، فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ ، فَيَقُولُ رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي))(7). هذا هو ثواب الصائمين عما حرم الله ، الملازمين لطاعة الله ، المحافظين على أوامره ، المجتنبين لنواهيه . جعلنا الله وإياكم منهم ، وهدانا سلوك سبيلهم . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg --------------------- (1) مسلم (2581). (2) رواه الترمذي (2616) ، وابن ماجه (3973) ، واللفظ للترمذي . (3) رواه البخاري (6474). (4) سنن الترمذي (2409). (5) متفق عليه ؛ البخاري (6135) ، مسلم (47) . (6) متفق عليه ؛ البخاري (11) ، مسلم (42). (7) رواه الإمام أحمد في المسند (18534) . https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 5- سَلاَمَةُ القُلُوبِ وَالأَلْسُنِ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg روى الحاكم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَيْسَ الصِّيَامَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ، وَجَهِلَ عَلَيْكَ فَقُلْ : إِنِّي صَائِمٌ ))(1) ، وأخرج الإمام أحمد عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ))(2). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg إن من السمات العظيمة والصفات الكريمة الدالة على كمال إيمان الصائمين المخبتين ونُبل أخلاقهم سلامة صدورهم وألسنتهم تجاه إخوانهم المؤمنين ، فليس في قلوبهم غلٌّ أو حسدٌ أو ضغينة ، وليس في ألسنتهم غيبةٌ أو نميمةٌ أو كذبٌ أو وقيعة ، بل لا يحملون في قلوبهم إلا المحبة والخير والرحمة والعطف والإكرام ، ولا تجري على ألسنتهم إلا الكلمات النافعة والأقوال المفيدة والدعوات الصادقة ، فهم في زمرة من أثنى الله عليهم وزكَّاهم بقوله تعالى : {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر:10] ، فنعَتَهم ربهم بخصلتين عظيمتين وخلتين كريمتين : إحداهما تتعلق باللسان ؛ فليس في ألسنتهم تجاه إخوانهم المؤمنين إلا النصح والدعاء {يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} ، والخصلة الثانية تتعلق بالقلب ؛ فقلوبهم سليمة تجاه إخوانهم المؤمنين ليس فيها غلّ أو حسد أو حقد أو ضغينة أو نحو ذلك. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وسلامة الصدر واللسان هما من أوضح الدلائل وأصدق البراهين على تمام الصيام وكماله، وقد كان السلف رحمهم الله يعدّون الأفضل فيهم أسلمهم صدراً ولساناً ، قال إياس بن معاوية بن قرة : ((كان أفضلهم عندهم - أي السلف - أسلمَهم صدوراً وأقلهم غيبة))(3) ، وقال سفيان بن دينار : ((قلت لأبي بشير - وكان من أصحاب علي - : أخبرني عن أعمال من كان قبلنا ، قال : كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً ، قال قلت : ولم ذلك ؟ قال : لسلامة صدورهم))( 4) ورمضان فرصة ذهبية وهِبة إِلهِيَة لتسلَم الصدور والألسن من كل الكدورات والأدواء ؛ فليست العبرة من صيامك أن تمتنع عن الطعام والشراب ويفطر قلبك على الحقد والحسد والبغض لعباد الله ، أو يفطر لسانك على الغيبة والنميمة والغش والكذب والسباب والشتم ؛ لأن من كان هذا حاله فما استفاد من صيامه إلا الجوع والعطش، وفي الحديث: ((رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ))(5) رواه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ولقد كان السبب الأعظم لسلامة صدور أولئك الأخيار وألسنتهم هو قوة صلتهم بالله وشدة رضاهم عنه ، قال ابن القيم رحمه الله : ((الرضا يفتح له باب السلامة ؛ فيجعل قلبه سليماً نقياً من الغش والدغل والغل ، ولا ينجو من عذاب الله إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ، كذلك وتستحيل سلامة القلب مع السخط وعدم الرضا ، وكلما كان العبد أشد رضا كان قلبه أسلَم ، فالخبث والدغل والغش قرين السخط ، وسلامة القلب وبره ونصحه قرين الرضا ، وكذلك الحسد هو من ثمرات السخط ، وسلامة القلب منه من ثمرات الرضا))(6) وثمرات سلامة القلب التي هي ثمرة من ثمرات الرضا لا تُعَد ولا تُحْصى ؛ فسلامة الصدر راحةٌ في الدنيا وأنسٌ وطمأنينة ، وثوابه في الآخرة من أحسن الثواب ، وغنيمته إذ ذاك أكبر غنيمة . وفي الخبر قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : ((دُخِلَ عَلَى أَبِي دُجَاَنَةَ رضي الله عنه وَهُوَ مَرِيضٌ - وَكَانَ وَجْهُهُ يَتَهَلَّلُ - فَقِيلَ لَهُ: مَا لِوَجْهِكَ يَتَهَلَّلُ؟ فَقَالَ: مَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَوْثَقُ عِنْدِي مِنَ اثْنَتَيْنِ : كُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي ، وَالْأُخْرَى فَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمَا))( 7). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومما يعين المسلم على سلامة صدره ولسانه تجاه إخوانه : اللجوءُ إلى الله عز وجل وسؤالُهُ ذلك بصدق وإخلاص ، والنظرُ في العواقب الحميدة والنتائج المباركة في الدنيا والآخرة المترتبة على ذلك ، وكذلك النظرُ في العواقب السيئة والنتائج الوخيمة التي يجنيها ويحصِّلها من كان في قلبه غل أو حقد أو حسد أو نحو ذلك . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في أدعيةٍ كثيرة أُثِرَت عنه سؤالُ الله هداية القلب وسلامته وثباته ؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : ((اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا))(8)، وقوله : ((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ))(9)، وقوله: ((يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ))(10)، وقوله: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي فِي قَلْبِي نُورًا))(11). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ألا فلنغتنم هذا الشهر المبارك لعلاج أمراض القلوب والألسن ولنحرص كل الحرص على طهارتها وسلامتها ؛ لأن بسلامتها تسلم للمرء نفسه ودينه ودنياه ، وبفسادها يفسد الدين والدنيا ، ولقد علَّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم دعاءً عظيماً يقوله المسلم في صباحه ومسائه وإذا أوى إلى فراشه ، يستعيذ فيه المرء بالله من مصدري الشر اللذين يصدر عنهما ومن الغايتين اللتين يؤدي إليهما أحد هذين المصدرين أو كلاهما ؛ روى الترمذي وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ ؟ قَالَ : قُلْ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ قَالَ قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ))(12) ، وفي رواية أخرى: ((وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ)) (13). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg فتضمن هذا الحديث العظيم الاستعاذة بالله من الشر وأسبابه وغايته ؛ فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان ، فاستعاذ بالله منهما في قوله : ((أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ)) ، وغاية الشر إما أن تعود على العامل نفسه أو على أخيه المسلم فاستعاذ بالله من ذلك بقوله: ((وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرَّهُ إِلَى مُسْلِمٍ)) ، فلله ما أكمله من دعاء وما أعظم مقاصده وأروع دلالاته ، وما أجمل أن يوظفه الصائم في أذكار صباحه ومسائه وعند نومه في هذا الشهر المبارك وفي سائر أيام عمره . اللهم إنا نسألك قلوباً خاشعة ، وألسناً ذاكرة ، ونفوساً طائعةً مطمئنة ، ونعوذ بك اللهم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، ونعوذ بك من شر الشيطان وشركه وأن نقترف على أنفسنا سوءً أو نجرُّه إلى أحد من المسلمين. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ------------------------- (1) المستدرك للحاكم (1/595، رقم 1570) . (2) مسند الإمام أحمد (23070). (3) رواه الطبراني في مكارم الأخلاق . (4) رواه ابن السري في كتابه الزهد . (5) مسند الإمام أحمد (2/374، رقم 8842). (6) مدارج السالكين (فصل ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة الرضا). (7) الطبقات الكبرى لابن سعد (3/557)، سير أعلام النبلاء (1/205)، تاريخ الإسلام للذهبي (3/ 70). (8) رواه مسلم (2722) ، والنسائي (5460) ، وأحمد ( 19204). (9) رواه الترمذي (3482) ، والنسائي (5460). (10) رواه الترمذي (2140). (11) رواه البخاري (6316) مسلم (763). (12) رواه الترمذي ( 3529) ، وأبو داود (5067). (13) رواها الترمذي (3529) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص . https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 6- حِفـْظُ الْوَقْتِ فِي رَمَضَان الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم أو العذاب الأليم، وهو يمر مر السحاب، لم يزل الليل والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريب الآجال، صحبا قبلنا نوحاً وعاداً وثمود وقروناً بين ذلك كثيراً فأقدم الجميع على ربهم ووردوا على أعمالهم وتصرمت أعمارهم، وبقي الليل والنهار غضين جديدين في أمم بعدهم قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:62]. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg فينبغي على المسلم لاسيما في هذا الشهر المبارك والموسم العظيم والوقت الثمين أن يتخذ من مرور الليالي والأيام عبرة وعظة ، فكم من رمضان تحريناه فدخل ومضى سريعا ، فالليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويطويان الأعمار، ويشبان الصغار، ويفنيان الكبار، وهذا كله مشعر بتولي الدنيا وإدبارها ومجيء الآخرة وإقبالها، قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه : ((ارْتَحَلَتْ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتْ الْآخِرَةُ مُقْبِلَةً وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ ؛ فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلٌ))(1) ، وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله : ((إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِدَارِ قَرَارِكُم ، دَارٌ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهَا الْفَنَاءَ ، وَكَتَبَ عَلَى أَهْلِهَا مِنْهَا الظَّعن - أي الارتحال - ، فَكَمْ عَامِر موثق عَمَّا قَلِيلٍ يَخْرَبُ ، وَكَمْ مُقِيمٍ مُغْتَبطٍ عَمَّا قَلِيلٍ يَظْعَن ، فَأَحْسِنُوا رَحِمَكُمُ اللهُ مِنْهَا الرِّحْلَةَ بَأَحْسَنِ مَا بِحَضْرَتِكُمْ مِنَ النُّقْلَةِ ، وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)) (2). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg إن الإنسان في هدمٍ لعمره منذ خرج من بطن أمه بل هو - كما قال الحسن البصري - أيام مجموعة ؛ فكلما ذهب يوم ذهب بعض الإنسان وجزء منه، اليوم منه يهدم الشهر، والشهر يهدم السنة، والسنة تهدم العمر، وكل ساعة تمضي من العبد فهي مُدْنِيَةٌ له من الأجل ، وقال ابن مسعود رضي الله عنه : " ما ندمتُ على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي " وهذا من شدة حرصه على الوقت ، قال الحسن رحمه الله : "أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم " . ولهذا فإن مَنْ أَمْضَى يَوْمَهُ فِي غَيْرِ حَقٍّ قَضَاهُ ، أَوْ فَرْضٍ أَدَّاهُ ، أَوْ مَجْدٍ أَثَّلَهُ أَوْ حَمْدٍ حَصَّلَهُ ، أَوْ خَيْرٍ أَسَّسَهُ أَوْ عِلْمٍ اقْتَبَسَهُ ، فَقَدْ عَقَّ يَوْمَهُ وَظَلَمَ نَفْسَهُ وظلم يومه . إن الليالي والأيام هي رأس مال الإنسان في هذه الحياة ؛ رِبْحها الجنة ، وخسرانها النار ، السنة شجرة ، والشهور فروعها ، والأيام أغصانها ، والساعات أوراقها ، والأنفاس ثمارها ؛ فمن كانت أنفاسه في طاعة الله فثمرته طيبة مباركة حلوٌ مذاقها ، ومن كانت أنفاسه في معصية الله فثمرته خبيثة مذاقها مرٌّ وحنظل . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg لقد تكاثرت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان أهمية الوقت والحث على اغتنامه وعدم إضاعته وبيان أن العبد مسؤول عنه يوم القيامة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ))(3)، وعَنْ أَبِى بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ((لاَ تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمْرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَا أَبْلاَهُ))(4)، وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ؛ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ))(5). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg فلنغتنم في هذا الشهر المبارك والموسم العظيم كل ما يمكننا اغتنامه من الطاعات ولنسخره في الإقبال على الله ، ولنغتم حياتنا كلها قبل أن يباغتنا الموت ، وليغتنم الأصِحَّاء الذين عافاهم الله من الأمراض والأدواء عافيتهم وصحتهم قبل أن يبتليهم الله بأمراض تعوقهم وتضعف نشاطهم ، وليغتنم الذين حباهم الله بنعمة الوقت والفراغ وقتهم وفراغهم قبل أن تداهمهم الأشغال والهموم والصوارف ، وليغتنم الشباب شبابهم وقوتهم قبل أن يصيبهم داء الكبر والهرم الذي هو مظنة الضعف والفتور والعاهات والأمراض ، وليغتنم الأغنياء الذين وسَّع الله لهم في أرزاقهم ونالوا حظاً من هذه الأموال التي هي من حطام الدنيا الفانية أموالهم قبل أن ينزل عليهم الفقر وتُلِمَّ بهم الحاجات ، وليغتنم كل أولئك وهؤلاء هذا الموسم العظيم ليزدادوا فيه قرباً من الله ويتعرضوا فيه لنفحاته وبركاته ورحماته بتوبةٍ نصوح وإكثارٍ من فعل الخيرات وإحجامٍ عن اقتراف القبائح والمنهيات . قال ابن رجب رحمه الله : ((وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى فيه وظيفة من وظائف طاعته يُتقرب بها إليه، ولله لطيفة من لطائف نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته عليه ، فالسعيد من اغتنم مواسم الشهور والأيام والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات ، فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات فيسعُد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من اللفحات))(6) اهـ. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومن ضيَّع فراغه في مثل هذا الموسم العظيم ولم ينتفع من صحته في مثل هذا الشهر الكريم فمتى عساه أن ينتفع ويستقيم !! قال ابن الجوزي : ((مَنْ اسْتَعْمَلَ فَرَاغه وَصِحَّته فِي طَاعَة اللَّه فَهُوَ الْمَغْبُوط ، وَمَنْ اِسْتَعْمَلَهُمَا فِي مَعْصِيَة اللَّه فَهُوَ الْمَغْبُون ، لِأَنَّ الْفَرَاغ يَعْقُبهُ الشُّغْل وَالصِّحَّة يَعْقُبهَا السَّقَم))(7). ومما يؤثر عن بعض السلف قولهم: ((من علامة المقت إضاعة الوقت)) ، قال ابن القيم رحمه الله : ((إضاعة الوقت أشد من الموت ؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة ، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها))(8). والواجب على المسلم أن لا يغتر بالدنيا ؛ فإن صحيحها يسقم ، وجديدها يبلى ، ونعيمها يفنى ، وشبابها يهرم ، وهو فيها في سير إلى الدار الآخرة ، الآجال منقوصة ، والأعمال محفوظة ، والموت يأتي بغتة ؛ فمن زرع خيراً فيوشك أن يحصد ثوابه وأجره ، ومن زرع شراً فيوشك أن يحصد ندامة وحسرة ، ولكل زارعٍ ما زرع. اللهم بارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا وأعمالنا ، وهيئ لنا من أمرنا رشداً ، ووفِّقنا لاغتنام الأوقات في الباقيات الصالحات ، وحبب لنا فعل الخيرات وبُغض المنكرات ، واجعلنا ممن صام هذا الشهر صياماً يكون سبباً لنيل رضاك والفوز بجنانك . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ------------------- (1) رواه البخاري في صحيحه معلقا في كتاب الرقاق ، باب في الأمل وطوله . (2) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء (5/292). (3) رواه الحاكم في المستدرك (7846). (4) رواه الترمذي (2602). (5) صحيح البخاري (6412). (6) كتاب لطائف المعارف لابن رجب (ص: 6). (7) نقله ابن حجر في فتح الباري (11 / 230). (8) الفوائد لابن القيم (ص: 44). https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 8 - فَوَائِدُ الذِّكْرِ وَعَوَائِدُه الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg لقد تقدم معنا بيانُ أن ذكر الله هو أجل الأعمال وأفضلها، وأن العمل الذي يقوم به العبد كلما كان ذكره لله فيه أكثر كان أجره فيه أكثر. وذلك لما رواه الإمام أحمد والطبراني عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ أَيُّ الْمُجَاهِدِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا يَا رَسُولُ اللَّه ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرًا ، قَالَ فَأَيُّ الصَّائِمِينَ أَعْظَمُ أَجْرًا ؟ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالْحَجَّ وَالصَّدَقَةَ كُلُّ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَكْثَرُهُمْ لِلَّهِ ذِكْرًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ذَهَبَ الذَّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ !! ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَجَلْ )) (1) . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg قال ابن القيم رحمه الله : (( أن أفضل أهل كلِّ عملٍ أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل ؛ فأفضلُ الصوَّام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم ، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل ، وأفضل الحجاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وهكذا سائر الأعمال))(2). والله سبحانه لا يأمر بالإكثار من شيء إلا لأهميته وعظيم قدره وكثرة عوائده وفوائده التي يحصِّلها العبد الذاكر، والذكر له فوائدُ لا تحصى وثمراتٌ وعوائدُ لا تستقصى ، ولعل من المناسب في هذا المقام تذكير الصائمين بشيء من فوائد الذكر : فمنها: أنه يطرد الشيطان ويقمعه ويكسره قال تعالى: { وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ } [الزخرف:36] ، وقال سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ } [الأعراف:201] ، وثبت في وصية يحيى بن زكريا عليه السلام لبني إسرائيل كما في الحديث الطويل الذي أمرهم فيه أولاً بالتوحيد ثم بالصلاة والصيام والصدقة ثم قال : ((وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ ؛ كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللَّهِ ))(3). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومن فوائده : أنه يجلب لقلب الذاكر الفرح والسرور والراحة والطمأنينةَ قال تعالى: { الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ } [الرعد: 28] ، وحقيق بقلوب المؤمنين وحري بها أن لا تطمئن ولا ترتاح إلا بذكر الله لا بشيء سواه ، والذكر هو حياة القلب وقوته فلا تحيا القلوب ولا تتغذى إلا به يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء!! ))(4). ومن فوائده : أن صاحبه يحظى بذكر الله له ، قال تعالى: { فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ } [البقرة:152] ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ((فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُ))(5). ومن فوائد الذكر : أنه يحط الخطايا ويذهبها ، وينجي الذاكر من عذاب الله ، ففي المسند عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ))(6). ومن فوائده : أنه يترتب عليه من العطاء والثواب والفضل ما لا يترتب على غيره من الأعمال ، مع أنه أيسر العبادات ، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ )) (7) وهذا مثالٌ واحد لما يترتب على الذكر من العطاء والثواب. ومن فوائد الذكر: أنه غراس الجنة ، روى الترمذي من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ : أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ وَأَنَّهَا قِيعَانٌ ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا : سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ )) (8). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومن فوائده : أنه نور لصاحبه يسعى به في الدنيا ، ويضيء له قبره ، ويضيء أمامه على الصراط يوم القيامة ؛ { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ } [النور: 35ـ37] ، وقال سبحانه: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [الأنعام:122] ، فالمؤمن يستنير بالإيمان بالله وبمحبته وذكره ، والغافل عن ذلك في ظلمات بعضها فوق بعض ، فالفلاح كل الفلاح في الحصول على هذا النور ، والشقاء كلّ الشقاء في فواته وحرمانه ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثِر من سؤال الله تبارك وتعالى هذا النور بأن يجعله في جميع أعضائه وذرّاته الظاهرة والباطنة ، وأن يجعله محيطاً به من جميع جهاته . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ومن فوائد الذكر : أنه يوجب صلاة الله u وملائكته على الذاكر ، وهذا هو الفلاح والظفر بعينه قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا } [الأحزاب:41-43]. ومن فوائده : أنه شفاءٌ للقلب وأمانٌ من النفاق ، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ } [المنافقون:9] ، وقال عن المنافقين : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء:142] ، قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وقد سُئل عن أهل الجمل : أمنافقون هم؟ فقال: ((المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلاً)) (9) ، وقال مكحول بن عبد الله رحمه الله : ((إن ذكر الله شفاء، وإن ذكر الناس داء)) (10). ومن فوائد الذكر : أن إدامته تنوب عن الطاعات وتقوم مقامها سواءٌ كانت بدنية أو مالية، أو مالية بدنية كحج التطوع وقد جاء ذلك صريحاً فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث شكوى الفقراء للنبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الدثور قد ذهبوا بالأجور فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (( أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً )) (11) ، فجعل الذكر عوضاً لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد ، وفي حديث عبد الله بن بسر الذي خرجه الترمذي https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ((أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ ؟ قَالَ لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)) (12) ، فدله صلى الله عليه وسلم وهو الناصح على ما يتمكن به من شعائر الإسلام إذا أحبه وتعلق به . فهذا غيضٌ من فيض وقليلٌ من كثير من عوائد الذكر المباركة وثماره اليانعة ونتائجه العظيمة ؛ فحري بعباد الله المؤمنين أن يكثروا من ذكر الله لينالوا هذه الأجور العظيمة والأفضال الكريمة والثمار المباركة ولاسيما ونحن نعيش هذا الشهر الكريم والموسم العظيم شهر الذكر والقرآن وموسم الطاعة والإحسان ، ونسأل الله الكريم أن ينير قلوبنا بذكره ، وأن يستعمل أوقاتنا في طاعته ، وأن يجعل ألسنتنا دائماً رطبةً بذكره وشكره وحُسن عبادته. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ---------------------- (1) رواه الإمام أحمد في المسند (15553) والطبراني في الدعاء (1887 ) واللفظ له . (2) الوابل الصيب لابن القيم (ص: 152 السادسة والخمسون من فوائد الذكر) (3) رواه الترمذي (2863) وقال: حسن صحيح . (4) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (10/85) . ونقله ابن القيم عنه في الوابل الصيب(ص: 85 ) . (5) صحيح البخاري (7405)، ومسلم (2675). (6) مسند الإمام أحمد (21978) . (7) صحيح البخاري (3293)، ومسلم (2691). (8) رواه الترمذي (3462) . (9) رواه البيهقي في سنن الكبرى (16499) . (10) رواه البيهقي في شعب الإيمان (717) . (11) متفق عليه ؛ البخاري (843) ، ومسلم (595) واللفظ له . (12) سنن الترمذي (3375) . https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 9 - فَضْلُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَمَكَانَتُهُ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن شهر رمضان المبارك هو شهر القرآن فيه نزل قال تعالى: { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } [البقرة:185] ، وهو شهر الذكر وخير ما ينبغي للعبد أن يذكر الله به في هذا الشهر الكريم هو كلامه - تبارك وتعالى - الذي هو خير الكلام وأحسنه وأصدقه وأنفعه ، وهو وحي الله وتنزيله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو أفضل كتاب أنزله الله تبارك وتعالى على أفضل رسول ؛ على عبده ومصطفاه وخيرته من خلقه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، وكم هو جميل بنا أن نستشعر فضل القران وفضله وعظم مكانته ، لا سيما ونحن في الشهر الذي فيه أنزل . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg يقول الله تعالى في بيان شرف القرآن الكريم وفضله : { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا } [الفرقان:33] قال ابن كثير رحمه الله : (( في هذا اعتناء كبير لشرف الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، حيث كان يأتيه الوحي من الله بالقرآن صباحاً ومساءً ، ليلاً ونهاراً ، سفراً وحضراً ، فكل مرة كان يأتيه الملك بالقرآن كإنزال كتاب مما قبله من الكتب المتقدمة ، فهذا المقام أعلى وأجلُّ وأعظم مكانة من سائر إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالقرآن أشرف كتاب أنزله الله ، ومحمد صلوات لله وسلامه عليه، أعظم نبي أرسله الله )) (1) اهـ. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg إن فضل القرآن الكريم وشرفه ورفيع قدره وعلو مكانته أمرٌ لا يخفى على المسلمين ، فهو كتاب الله رب العالمين ، وكلام خالق الخلق أجمعين ، فيه نبأُ ما قبلنا ، وخبر ما بعدنا ، وحُكم ما بيننا ، هو الفصل ليس بالهزل ، من تركه من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم ، هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسن ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخْلَقُ على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم ، وقدرُ القرآن وفضله هو بقدر الموصوف به وفضله ، فالقرآن كلام الله وصفته ، وكما أنه تبارك وتعالى لا سميَّ له ولا شبيه في أسمائه وصفاته فلا سميَّ له ولا شبيه له في كلامه ، فله تبارك وتعالى الكمال المطلق في ذاته وأسمائه وصفاته ، لا يشبهه شيء من خلقه ، ولا يشبه هو تبارك وتعالى شيئاً من خلقه، تعالى وتقدَّس عن الشبيه والنظير { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى:11] . والفرق بين كلام الله وكلام المخلوقين هو كالفرق بين الخالق والمخلوقين ، قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله : ((فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الرب على خلقه، وذاك أنه منه)) (2) . وقد روي هذا اللفظ مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا أن رفعه لا يثبت كما أوضح ذلك الإمام البخاري رحمه الله في كتابه (خلق أفعال العباد) وغيره من أئمة العلم(3)، وأما معناه فحق لا ريب فيه ، ولا ريب في حُسنه وقوته واستقامته وجمال مدلوله ، وقد استشهد أهل العلم لصحة معناه بنصوص عديدة ، بل إن الإمام البخاري رحمه الله جعله عنواناً لأحد تراجم أبواب كتاب فضائل القرآن من صحيحه فقال في الباب السابع عشر منه : " باب فضل القرآن على سائر الكلام " . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg والواجب علينا معاشر المؤمنين أن نعظم القرآن الكريم الذي هو كلام ربنا ومصدر عزنا وسبيل سعادتنا ، ونحفظ له منزلته ومكانته ، ونقدره حق قدره ، ونحسن فهمه ، ونعمل به . يقول ابن مسعود رضي الله عنه : ((من كان يحب أن يعلم أنه يحب الله عز وجل فليعرض نفسه على القرآن ؛ فإن أحب القرآن فهو يحب الله عز وجل ، فإنما القرآن كلام الله عز وجل))(4)، ويقول رضي الله عنه : ((القرآن كلام الله عز وجل ، فمن رد منه شيئا فإنما يرد على الله عز وجل))(5). هذا وقد كان للسلف رحمهم الله عنايةٌ فائقة واهتمامٌ بالغ بالقرآن العظيم في شهر القرآن شهر رمضان المبارك، وأسوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يلقاه جبريل كل ليلة من رمضان يدارسه القرآن، روى البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ))(6) . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وقد كان صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره ، وهذا أمرٌ يُشرع لكل من أراد أن يزيد في القراءة ويطيل وكان يصلي لنفسه فليطوِّل ما شاء ، وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته ، أما ما سوى ذلك فالمشروع التخفيف ، قال الإمام أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان : ((إن هؤلاء قوم ضَعْفَى اقرأ خمساً ستاً سبعاً، قال فقرأتُ فختمتُ في ليلةَ سبع وعشرين)) (7) ، فأرشده رحمه الله إلى أن يراعي حال المأمومين فلا يشقُّ عليهم . وكان السلف رحمهم الله يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها ، فكان الأسود يقرأ القرآن في كل ليلتين في رمضان ، وكان النخعي رحمه الله يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث ، وكان قتادة رحمه الله يختم في كلِّ سبعٍ دائماً وفي رمضان في كلِّ ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة ، وكان الزهري رحمه الله إذا دخل رمضان قال: ((فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام)) ، وكان مالك رحمه الله إذا دخل رمضان يفرُّ من قراءة الحديث ومجالسةِ أهل العلم ويقبِل على تلاوة القرآن من المصحف ، وكان قتادة رحمه الله يدرس القرآن في شهر رمضان ، وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على تلاوة القرآن . والآثار عنهم في هذا المعنى كثيرة (8). رزقنا الله وإيّاكم حُسن اتباعهم والسير على آثارهم ، ونسأله تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يعْمُر قلوبنا بحب القرآن وتعظيمه وتوقيره والعمل به ، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg --------------- (1) تفسير ابن كثير (تفسير سورة الفرقان) . (2) رواه البيهقي في شعب الإيمان (2137) . (3) انظر الضعيفة للألباني (1334). (4) السنة لعبد الله بن أحمد (1/148، رقم125). (5) السنة لعبد الله بن أحمد (1/144، رقم119). (6) البخاري (6)، ومسلم (2308) واللفظ للبخاري . (7) ذكره ابن رجب في لطائف المعارف ص180 . (8) انظر لطائف المعارف لابن رجب ص181 . https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 10 - أَهَمِّيَّةُ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَالْعَمَلُ بِهِ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة:185] ، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوالْأَلْبَابِ} [ص:29] . إن تلاوة القرآن وتدبره هي أعظم أبواب الهداية ؛ لأنه يهدي للتي هي أقوم ، ويدل ويقود إلى فعل الصالحات وترك المنكرات ، ويملأ القلب إيماناً ومعرفة بالله ، ويرغِّب في الفوز والظفر بدار الكرامة ، ويخوِّف ويحذِّر من الخسارة والحرمان في دار الخزي والندامة ، وهو مشتمل على كثير من العبر والأمثال التي يضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ، والتالي للقرآن بتدبر وتعقل يدفعه ذلك للاستجابة لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيُعَظِّم الله ويُوَحِّده ويؤدِّي صلاته وزكاته ويحج فرضه ويصوم شهره إضافة إلى مسابقته ومنافسته https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg بالنوافل والقربات يرجو رحمة الله ورضوانه قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} [الإسراء:9] ، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29-30] . وتلاوة القرآن وتدبره والعمل به هو ديدن المؤمنين ووصْف أولياء الله الصالحين وسبب هداية الله لعباده المقربين، وترك تدبره والعمل به هو وصْف العصاة المعرضين وسبب ضلال الضالين والمستكبرين ؛ قال تعالى منكراً عليهم ذلك: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[محمد: 24] ، وقال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، وقال تعالى: {قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 66-68] أي: أنهم لو تدبروا القرآن لأوجب لهم الإيمان ولَمَنَعَهم من الكفر والعصيان، فدل ذلك على أن تدبر القرآن يدعو إلى كل خير ويعصم من كل شر . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ووصف الله القرآن بأنه أحسن الحديث ، وأنه تعالى ثنى فيه من الآيات وردد القول فيه ليفهم ، وأن جلود الأبرار عند سماعه تقشعر خشية وخوفاً فقال تعالى : {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ } [الزمر: 23] . وعاتب سبحانه المؤمنين على عدم خشوعهم عند سماع القرآن وحذَّرهم من مشابهة الكفار في ذلك فقال سبحانه {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد:16] . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وأخبر سبحانه عن القرآن أنه يزيد المؤمنين إيماناً إذا قرءوه وتدبروا آياته فقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2] . وأخبر عن صالح أهل الكتاب أن القرآن إذا تلي عليهم يخرون للأذقان سجداً يبكون ويزيدهم خشوعاً وإيماناً وتسليماً ، فقال سبحانه: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107-109] . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ثم مع هذا فإن الله تعالى قد حذَّر عباده من الإعراض عن القرآن الكريم أشد التحذير ، وبيَّن لهم خطورة ذلك وما يجنيه من فعل ذلك من الإثم والوزر الذي يحمله معه يوم القيامة بسبب إعراضه عن القرآن وعدم تلقيه بالقبول والتسليم ، يقول الله تعالى : {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} [طه: 99ـ 101] ، فإذا كان القرآن ذكراً للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته فيجب علينا تلقيه بالقبول والتسليم والانقياد والتعظيم ، وأن نهتدي بنوره إلى الصراط المستقيم ، وأن نُقبِل عليه بالتعلم والتعليم والعمل بتوجيهاته لننعم بطيب العيش في هذه الحياة ولنحظى بشفاعته بعد الممات وفي المعاد ، وأن مقابلته بالإعراض والصدود أو بما هو أخطر من ذلك من الإنكار والجحود فإنه زيغ وضلال وكفر وطغيان يستحق فاعله العقوبة في الدنيا بضنك العيش والشقاوة والحرمان ، ويوم القيامة ينسى ويحشر في النار مع العميان ، قال تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى} [طه: 123ـ 126] . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg فحريٌّ بكل مسلم ولاسيما في هذا الشهر المبارك والموسم العظيم أن يعظم القرآن الكريم ويقدره حق قدره ويتلوه حق تلاوته ؛ بتدبر آياته والتفكر والتعقل لمعانيه وبالعمل بما يقتضيه . يقول العلامة ابن القيم رحمه الله : ((فلا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر فإنه جامعٌ لجميع منازل السائرين وأحوال العاملين ومقامات العارفين، وهو الذي يورث المحبة والشوق والخوف والرجاء والإنابة والتوكل والرضا والتفويض والشكر والصبر وسائر الأحوال التي بها حياة القلب وكماله ، وكذلك يزجر عن جميع الصفات والأفعال المذمومة التي بها فساد القلب وهلاكه ، فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها ، فإذا قرأه بتفكر حتى مر بآية وهو محتاج إليها في شفاء قلبه كررها ولو مائة مرة ولو ليلة ، فقراءة آية بتفكر وتفهم خير من قراءة ختمةٍ بغير تدبر وتفهم ، وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن))(1). وكلامه رحمه الله وافي الدلالة عظيم الفائدة ، ومن كان في قراءته للقرآن على هذا الوصف أثَّر فيه القرآن غاية التأثير وانتفع بتلاوته تمام الانتفاع وكان بذلك من أهل العلم والإيمان الراسخين ؛ وهذا هو مقصود القرآن وغاية مطلوبه ، ولذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ((وَالْمَطْلُوبُ مِنْ الْقُرْآنِ هُوَ فَهْمُ مَعَانِيهِ وَالْعَمَلُ بِهِ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ هِمَّةَ حَافِظِهِ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ))(2). اللهم اجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء أحزاننا وذهاب همومنا وغمومنا ، وعلِّمْنا منه ما جهلنا وانفعنا بما علَّمْتنا ، وارزقنا حسن تلاوته وتدبره ووفقنا للعمل به واتباع أمره واجتناب نهيه ، وارفع به درجاتنا يوم العرض عليك ، وأعذنا اللهم من الغفلة والإعراض عنه. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ------------ (1) مفتاح دار السعادة (1/187). (2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/262). https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 12- رَمَضَانُ شَهْرُ الصَّبْر الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن الصبر هو الأساس الأكبر لكل خُلُقٍ جميل ، والتنزه من كلِّ خُلُقٍ رذيل ، وهو حبس النفس على ما تكره ، وعلى خلاف مرادها طلباً لرضا الله وثوابه ، ويدخل فيه الصبر على طاعة الله ، وعن معصيته ، وعلى أقدار الله المؤلمة ، فلا تتم هذه الثلاثة التي تجمع الدين كله إلا بالصبر : * فالطاعات - خصوصاً الطاعات الشاقة كالجهاد في سبيل الله ، والعبادات المستمرة كطلب العلم والمداومة على الأقوال النافعة والأفعال النافعة - لا تتم إلا بالصبر عليها ، وتمرين النفس على الاستمرار عليها وملازمتها ومرابطتها ، وإذا ضعف الصبر ضعفت هذه الأفعال وربما انقطعت . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg * وكذلك كفُّ النفس عن المعاصي - وخصوصاً المعاصي التي في النفس داعٍ قويٌ إليها - لا يتم الترك إلا بالصبر والمصابرة على مخالفة الهوى وتحمُّل مرارته . * وكذلك المصائب حين تنزل بالعبد ويريد أن يقابلها بالرضا والشكر والحمد لله على ذلك لا يتم ذلك إلا بالصبر واحتساب الأجر . ومتى مرّن العبد نفسه على الصبر ووطّنها على تحمُّل المشاق والمصاعب وجدّ واجتهد في تكميل ذلك صار عاقبته الفلاح والنجاح ، وقلّ من جدّ في أمر يطلبه واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر . وإن شهر رمضان مدرسة عظيمة وصرح شامخ يستلهم منه العباد كثيراً من العبر والدروس النافعة التي تربي النفوس وتقوِّمها في شهرها هذا وبقية عمرها ، وإن مما يجنيه الصائمون في هذا الشهر العظيم والموسم المبارك تعويد النفس وحملها على الصبر ؛ ولذا وصف النبي الكريم صلى الله عليه وسلم شهر رمضان بشهر الصبر في أكثر من حديث ، منها ما رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ))(1) ، وأخرج الإمام أحمد عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وذكر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ ))(2) ، وروى النسائي عن الباهلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((صمْ شهرَ الصبرِ وثلاثةَ أيامٍ من كلِّ شهر...))(3) . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ففي هذه الأحاديث الثلاثة وصف النبي صلى الله عليه وسلم شهر رمضان بأنه شهر الصبر وذلك لأن رمضان يجتمع فيه أنواع الصبر كلها ؛ الصبر على طاعة الله ، والصبر عن معصيته ، والصبر على أقدار الله المؤلمة : - فرمضان فيه الصيام، وفيه القيام، وفيه تلاوة القرآن ، وفيه البر والإحسان والجود والكرم وإطعام الطعام والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار وغير ذلك من أنواع الطاعات ، وهي تحتاج إلى صبر ليقوم بها الإنسان على أكمل الوجوه وأفضلها . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg - وفيه كفّ اللسان عن الكذب والغش واللغو والسب والشتم والصخب والجدال والغيبة والنميمة ومنع بقية الجوارح عن اقتراف جميع المعاصي ، وهذا يكون في رمضان وفي غيره ، والبعد عن هذه المعاصي يحتاج إلى صبر حتى يستطيع العبد حفظ نفسه عن الوقوع فيها . - ورمضان فيه ترك الطعام والشراب وما يتعلق بها ونفسه تتوق لذلك وكذلك حبس النفس عما أباحه الله من الشهوات والملذات كالجماع ومقدماته، وهذا لا تستطيع النفس إلا بالصبر . فاشتمل رمضان على أنواع الصبر كلها ، قال ابن القيم رحمه الله : (( والنفس فيها قوتان : قوة الإقدام ، وقوة الإحجام ؛ فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه ، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره ، ومن الناسمن تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباتُه عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي هواه إلى ارتكاب ما نُهي عنه ، ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات ، ومنهم من لا صبر له على هذا ولا ذاك ، وأفضل الناس أصبرهم على النوعين ، فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام ولا يصبر عن نظرة محرمة ، وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات إلى الصور ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين بل هو أضعف شيء عن هذا وأعجزه ، وأكثرهم لا صبر له على واحد من الأمرين ، وأقلهم أصبرهم في الموضعين ))(4) اهـ. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وقال أيضاً : ((فالإنسان منا إذا غلب صبرُه باعثَ الهوى والشهوة الْتحق بالملائكة ، وإن غلب باعثُ الهوى والشهوة صبرَه الْتحق بالشياطين ، وإن غلب باعثُ طبعه من الأكل والشرب والجماع صبرَه التحق بالبهائم))(5). وقد أمر الله بالصبر وأثنى على الصابرين، وأخبر أن لهم المنازل العالية والكرامات الغالية في آيات كثيرة من القرآن وأخبر أنهم يوفون أجرهم بغير حساب قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [آل عمران:200] ، وقال تعالى: { وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ } [البقرة:45] ، وقال سبحانه: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [155] الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [156] أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } [البقرة:155ـ 157]، وقال تعالى: { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }[البقرة:177] ، وقال عز وجل:{ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } [البقرة:153] ، وقال تعالى في جزاء الصابرين وأجرهم : { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [الزمر:10] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ))(6)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ))(7). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وحسبك من خُلُقٍ يسهِّل على العبد مشقة الطاعات ، ويهوِّن عليه ترك ما تهواه النفوس من المخالفات ، ويسليه عن المصيبات ، ويُمِدُّ الأخلاق الجميلةَ كلها ويكون لها كالأساس للبنيان ، ومتى علِم العبد ما في الطاعات من الخيرات العاجلة والآجلة ، وما في المعاصي من الأضرار العاجلة والآجلة ، وما في الصبر على المصائب من الثواب الجزيل والأجر العظيم ؛ سهل الصبر على النفس ، وربما أتت به منقادة مستحلية لثمراته ، وإذا كان أهل الدنيا يهوِّن عليهم الصبر على المشقات العظيمة لتحصيل حطامها ، فكيف لا يهون على المؤمن الموفق الصبر على ما يحبه الله لحصول ثمراته !! ومتى صبر العبد لله مخلصاً في صبره كان الله معه ؛ فإن الله مع الصابرين بالعون والتوفيق والتأييد والتسديد . اللهم وفِّقنا للقيام بحق هذا الشهر ، وطهرنا من وحر الصدر ، وألبِسنا فيه حلل اليقين والصبر . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ------------ (1) مسند أحمد (7567، 8965)، ومسلم (1162) واللفظ للإمام أحمد . (2) مسند الإمام أحمد (22965) . (3) سنن النسائي ( 2756) ، انظر صحيح الجامع (3794). (4) عدّة الصابرين وذخيرة الشاكرين (ص: 37). (5) نفس المرجع (ص: 44). (6) رواه البخاري (1469). (7) رواه الإمام أحمد في المسند (2666) والحاكم في المستدرك (6304). https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 13- رَمَضَانُ شَهْرُ الاسْتِغْـفَارِ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg قال تعالى: { قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }[الزمر:53] ، إن هذا الآية الكريمة تبين سعة رحمة الله ولطفه بعباده ، وفيها نداء من الرحمن الرحيم للمسرفين والمذنبين الذين ارتكبوا أعظم الذنوب وأشنعها - ويدخل في ذلك الشرك والكفر وكبائر الذنوب - أن يقلعوا من ذنوبهم هذه ويستغفروا ربهم الغفور الرحيم ؛ فإنه يغفر الذنوب جميعاً ولا يتعاظم ذنباً أبداً مهما كبُر وعظم طالما استغفر صاحبه وتاب ، روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً))(1). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وقد أمر الله عباده في القرآن بالاستغفار قال تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [المزمل:20] ، وقال تعالى {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود:3]، وبيَّن سبحانه أنه يغفر لمن استغفره فقال: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء: 110] ، ومدح الله عباده المستغفرين فقال: {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] ، وقال سبحانه: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } [الذاريات: 18]، وكان من هديه صلى الله عليه وسلم كثرة الاستغفار قال صلى الله عليه وسلم : ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ))(2) ، وفي حديث آخر: ((أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً))(3). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وإن شهر رمضان له مزيد خصوصية في مغفرة الذنوب ومحو السيئات ؛ فالسعيد من أدرك رمضان وقضى أيامه ولياليه في طاعة الله وما يرضيه فاستحق بذلك المغفرة والرضوان من الملك الديان ، والشقي المحروم ذاك الذي دخل عليه هذا الشهر العظيم ولم يعمل صالحاً يرقيه ، ولم يتب من ذنوبه التي تهلكه وتخزيه ، وأضاع شهره بأيامه ولياليه فيما يغضب ربه ويرديه ، ولم يتوجه إلى ربه طالبا غفران ذنوبه ومساويه ، حتى خرج شهر الغفران وهو باق على صدوده وتجنيه . روى الطبراني في معجمه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ آمِينَ ، قَالَ : يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَمَاتَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأُدْخِلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ آمِينَ ، قَالَ : وَمَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ، قُلْ آمِينَ ، فَقُلْتُ آمِينَ ))(4). وروى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ ))(5). والحري بالعبد المؤمن أن يغنم خيرات هذا الشهر وبركاته وأن يلازم الاستغفار ويكثر منه ليغنم عوائده المبارك وفوائده الجليلة ، وهي كثيرة لا تحصى ؛ في الدنيا والآخرة . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg فمن فوائده الدنيوية ما ورد في قوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [10] يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [11] وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا } [نوح: 10-12] ، وجاء في الأثر عن الحسن البصري - رحمه الله - أنّ رجلاً شكا إليه الجدبَ فقال : استغفر الله ، وشكا إليه آخر الفقر فقال : استغفر الله ، وشكا إليه آخر جفاف بستانه فقال : استغفر الله ، وشكا إليه آخر عدم الولد فقال: استغفر الله ، ثم تلا عليهم قول الله تعالى عن نوح عيه السلام :{فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا [10] يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [11] وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا } ؛ " أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه ؛ كثَّر الرزق عليكم ، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض ، وأنبت لكم الزرع ، وَأَدَرَّ لكم الضرع ، وأمدكم بأموال وبنين ، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخللها بالأنهار الجارية بينها " (6) ، فهذه الثمرات المذكورة هنا هي مما يناله العبد في دنياه جزاء استغفاره من الخيرات العميمة والعطايا الكريمة والثمرات المتنوعة . وأما ما يناله المستغفرون يوم القيامة من الثواب الجزيل والأجر العظيم والرحمة والمغفرة والعتق من النار والسلامة من العذاب فأمرٌ لا يحصيه إلا الله تعالى ، روى ابن ماجه في سننه عن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا))(7) وسنده صحيح ، وروى الطبراني في الأوسط والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( مَنْ أَحَبَّ أَنْ تُسِرَّهُ صَحِيفَتُهُ فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الاسْتِغْفَارِ ))(8). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg لكن مما ينبغي أن يعلم هنا أن المراد بالاستغفار ما اقترن به ترك الإصرار ؛ فهو حينئذ يعد توبة نصوحاً تَجُبُّ ما قَبْلَها ، وهذا هو الاستغفار الذي ندب الله إليه وكافأ أصحابه بالمغفرة ، قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [135] أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135-136] وللمغفرة ثلاثة أسباب عظيمة اجتمعت في حديث أنس المتقدم: https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg الأول: أن العبد إذا أذنب ذنباً لم يرجُ مغفرته من غير ربه ، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره ، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَبْدِي أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ فَقَالَ أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ قَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى لَا أَدْرِي أَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الرَّابِعَةِ اعْمَلْ مَا شِئْتَ وفي رواية قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ))(9). الثاني : الاستغفار ؛ ولو عظُمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء : وهو السحاب ، وقيل ما انتهى إليه البصر منها ، وفي الرواية الأخرى : ((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَغَفَرَ لَكُمْ)) (10) ، والاستغفار: طلب المغفرة ، والمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها . وإذا قُرن الاستغفار بالتوبة فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان ، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح . الثالث: التوحيد ؛ وهو السبب الأعظم ، فمن فقَدَه فقَد المغفرة ، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء: 48]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا كلها صغيرها وكبيرها ما علمنا منها وما لم نعلم ، واختم بالصالحات أعمالنا. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg -------------- (1) سنن الترمذي (3540) . (2) رواه مسلم (2702) . (3) رواه البخاري (6307). (4) المعجم الكبير (2023) . (5) جامع الترمذي (3545)، ومستدرك الحاكم (2016) . (6) تفسير ابن كثير (سورة نوح ، 8/233). (7) سنن ابن ماجه (3818) . (8) المعجم الأوسط للطبراني (839)، شعب الإيمان للبيهقي (639). (9) رواه مسلم (2758). (10) مسند الإمام أحمد (13427). https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 14- رَمَضَانُ شَهْرُ التَّوْبَةِ وَالْغُفْرَانِ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن هذا الموسم العظيم والشهر الكريم موسم رحمةٍ مهداة من رب العالمين للعباد لإقالة العثرات ومغفرة الزلات والتوبة عن الخطيئات والسيئات، فما أرحمه سبحانه وأحلمه هيّأ لعباده كل ما يقربهم منه ويردهم إليه ؛ فأمر عباده المؤمنين أمراً مطلقاً بالتوبة النصوح في كل حين وزمان ومكان ليحصل لهم تكفير السيئات وإقالة العثرات ورفع الدرجات والفوز بالجنات، فقال سبحانه: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } [التحريم:8] ، وقال سبحانه: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [النور:31] ، وروى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ)) وفي رواية له ((إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ )) (1) https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg بل الله يشتد فرحه بتوبة عبده إليه ، روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ))(2). والواجب على المسلم أن يدرك أهمية التوبة وشدّة احتياجه إليها وأن يدرك كذلك خطر الذنوب وشدّة ضررها على أهلها في الدنيا والآخرة ؛ فهي سبب لنزول المصائب والعقوبات والقوارع ، قال تعالى: { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [الشورى:30] ، وقال سبحانه: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [النور: 63] ، وقال سبحانه: { وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ } [الرعد:31] . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا وسببه الذنوب والمعاصي ؟! فما الذي أغرق أهل الأرض جميعاً حتى علا الماء رؤوس الجبال ؟ وما الذي سلط الريح على قوم هود حتى ألقتهم موتى كأنهم أعجاز نخل خاوية ؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم ؟ وما الذي قلب قرية قوم لوط فجعل عاليها سافلها ثم أتبعهم حجارة فأبادتهم ؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه ؟ وما الذي خسف بقارون وماله وأهله ؟ وما الذي بعث على بني إسرائيل قوماً أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيراً ؟ ؛ إن السبب لهذا كله إنما هو الذنوب والمعاصي ، قال تعالى: { فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } [العنكبوت:40] ، وقال سبحانه: { مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا } [نوح: 25]. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg قال ابن القيم رحمه الله في كلام عظيم له يوضح فيه شيئاً من آثار الذنوب الخطيرة وأضرارها العظيمة وعواقبها الوخيمة : (( اقشعرّت الأرض وأظلمت السماء وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة , وذهبت البركات وقلّت الخيرات وهزلت الوحوش وتكدرت الحياة من فسق الظلمة , بكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة , وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح . وهذا والله منذرٌ بسيل عذاب قد انعقد غمامه , ومؤذِنٌ بليلِ بلاءٍ قد ادلهمّ ظلامه ، فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح ، وكأنكم بالباب وقد أغلق وبالرهن وقد غَلِق وبالجناح وقد عَلِق {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227] . اشترِ نفسك اليوم فإن السوق قائمةٌ والثمن موجودٌ والبضائعَ رخيصةٌ , وسيأتي على تلك السوق والبضايع يومٌ لا تصل فيها إلى قليل ولا كثير { ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}[التغابن:9] , {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْه}[الفرقان:27] ))(3) اهـ. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg هذا وإن كثيراً من الناس غلبته الشواغل والمغريات والملهيات وأصبحت عائقاً وحجر عثرة له عن التوبة والرجوع إلى الله ؛ يصبح ويمسي وهو في ترفٍ وبذخ ، وإسرافٍ وتبذير، ولعبٍ وسهر، ونومٍ وكسل، وظلمٍ وفجورٍ وطغيان ؛ فشهر رمضان فرصة لأمثال هؤلاء الغافلين للتوبة النصوح والإقبال على الله ، وإذا لم تتحرك النفس في هذا الموسم العظيم للتوبة فمتى تتحرك !! وإذا لم يقبِل العبد على الله في هذا الشهر المبارك فمتى يقبل!! . والله عز وجل قد فتح باب التوبة لعباده ووعد بالقبول ، قال تعالى: { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25] ، وقال صلى الله عليه وسلم : ((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)) (4)، فليغنم المفرطون المقصرون شهر الغفران بالتوبة النصوح مستوفين شروطها ، وهي ثلاثة شروط إن فُقِد أحدها لم تصح التوبة: أولها : أن يقلع عن المعصية إقلاعاً تاماً ، وعلامته مفارقة الذنب فوراً . الثاني: الندم على فعلها ، وعلامته طول الحزن على ما فات . الثالث: العزم أن لا يعود إلى المعصية أبداً ، وعلامته التدارك لما فات وإصلاح ما هو آت. فإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي زاد شرط رابع وهو : أن يبرأ إلى الله من هذا الحق وذلك بِرَدِّه إلى صاحبه أو استحلاله منه . اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لنا مغفرة من عندك وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ---------------- (1) رواه مسلم (2702). (2) صحيح مسلم (2747). (3) الفوائد (ص 65-66). (4) صحيح مسلم (2759). https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 15 - شَأْنُ الصَّلَاةِ فِي رَمَضَان الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ))(1). لابد لنا ونحن في شهر الصيام أن نتحدث عن موضوع مهم وعظيم وهو لا يقل أهمية عن الصيام بل إنه يتقدم على الصيام في المرتبة والمكانة ألا وهو الصلاة ؛ فإن الصلاة من أعظم الواجبات التي أوجبها الله على عباده وأجلِّ الفرائض التي افترضها ، فهي عماد الدين وآكد أركانه بعد الشهادتين ، وهي الصلة بين العبد وربه ، وأوّل ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة ، فإذا صلحت صلح سائر عمله ، وإذا فسدت فسد سائر عمله ، وهي الفارقة بين الكفر والإسلام ؛ فإقامتها إيمان وإضاعتها كفر وضلال وعصيان ، فلا دين لمن لا صلاة له ، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة ، من حافظ عليها كانت له نوراً في قلبه ووجهه وقبره وحشره ، وكانت له نجاة يوم القيامة، وحُشر مع https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهان ولا نجاة يوم القيامة ، وحُشر مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف. (( قال الإمام أحمد رحمه الله : جاء في الحديث ( لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) ، وكان عمر بن الخطاب يكتب إلى الآفاق: " إن أهمَّ أموركم عندي الصلاةُ ؛ فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيَّعها فهو لما سواها أضيع، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة " . قال: فكل مستَخِفٍّ بالصلاة مستهين بها فهو مستخِفٌّ بالإسلام مستهين به ، وإنما حظهم في الإسلام على قدر حظهم من الصلاة ، ورغبتُهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة ، فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقى الله ولا قدر للإسلام عندك ، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك ، وقد جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( الصلاة عمود الدين ) ، ألست تعلمُ أن الفُسطاطَ إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع بالطنب ولا بالأوتاد ، وإذا قام عمود الفسطاط انتُفع بالطنب والأوتاد ! وكذلك الصلاة من الإسلام ، وجاء في الحديث: (إنّ أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن تقبلت منه صلاته تقبل منه https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg سائر عمله ، وإن ردت عليه صلاته رد عليه سائر عمله)، فصلاتنا آخر ديننا وهي أوّل ما نُسأل عنه غداً من أعمالنا يوم القيامة ، فليس بعد ذهاب الصلاة إسلام ولا دين إذا صارت الصلاة آخر ما يذهب من الإسلام))(2) اهـ. فتضييع الصلاة وإهمالها أمر جد خطير وليس بالهين ، وفما يلي وقفة مع بعض النصوص بشأن الصلاة : قال الله تعالى: { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ } [المدثر: 38-43] ، فأخبر سبحانه بأن تارك الصلاة من المجرمين السالكين في سقر ؛ وهو وادٍ في جهنم ، وقال تعالى: { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } [مريم: 59] ، وجاء عن ابن مسعود أن (غيّاً) نهر في جهنم خبيث الطعم بعيد القعر ، فيا عظم مصيبة من لقيه ويا شدة حسرة من دخله . وقال تعالى: { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } [التوبة:11] ، فعلَّق أخوَّتهم بفعل الصلاة ، فدل على أنهم إن لم يفعلوها فليسوا بإخوان لهم . وقال u: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ } [المرسلات: 48] ، ذكر ذلك بعد قوله: { كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ } [المرسلات: 46] . وأما الأحاديث في هذا الشأن فهي كثيرة منها: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ))(3) ، وروى أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح عن يزيد بن حبيب الأسلمي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ((الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ))(4)، https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وروى الإمام أحمد بإسناد جيد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ : مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ ، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ))(5)، وروى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ ))(6) ، وروى أحمد ومالك والنسائي بإسناد صحيح عن محجن الأسلمي رضي الله عنه (( أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ )) (7) . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وقد جاء عن الصحابة رضي الله عنهم في هذا المعنى آثار كثيرة منها: ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ((لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ))(8) ، وقال: (( لا إسلام لمن ترك الصلاة)) قاله بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد منهم، بل قال مثلَ قوله هذا غيرُ واحد من الصحابة منهم معاذُ بن جبل وعبدُ الرحمن بنُ عوف وأبو هريرة وعبدُ الله بن مسعود وغيرُهم . وروى مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَنَ الْهُدَى وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى ، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً ، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ))(9) . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg فإذا كان هذا شأن من لا يشهد الصلاة مع الجماعة يعده الصحابةُ منافقاً معلومَ النفاق فكيف إذن بالتارك لها !! - نسأل الله السلامة - ، وقد ورد في فضل المحافظة على الصلاة وشدّة عقوبة من تهاون فيها غير ما تقدم نصوص كثيرة لا يسع المقام لبسطها . ومع ذلك فإنَّ مما يلاحظ على بعض الصائمين إهمالهم للصلاة وعدم عنايتهم بها ؛ إما بتأخيرها عن وقتها ، أو بالتفريط ببعض الصلوات مع اهتمام وعناية بأمر الصيام ، ألم يعقِل هؤلاء مكانة الصلاة وعظم شأنها !! ألم يكن لهم في مدرسة الصيام ما يقودهم إلى المحافظة على الصلاة وتحقيق تقوى الله سبحانه !! ، بل بعضهم أساء الفهم وأبعد النجعة في فهم مدلول قول النبي صلى الله عليه وسلم (( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ )) حيث توهم أن هذا الصيام يكفيه لنيل الغفران ، فركن إلى ذلك وضيع الصلوات ، وما أسوأه من فهم وأبعده عن الحق والهدى ، وأين هذا من النصوص الواردة في الصلاة ترغيبا وترهيبا وهي كثيرة ، وقد تقدم شيء منها ، وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ (( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ )) وترك الصلاة كبيرة من الكبائر ، بل دلت النصوص المتقدمة على أنه كفر ، وأن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن تقبلت تقبل منه سائر عمله ، وإن ردت رد عليه سائر عمله . نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لإقام الصلاة وأدائها كما بينها رسولنا صلى الله عليه وسلم في المساجد مع الجماعة ، وأن يهدي ضال المسلمين ، ويحبب إلينا الصلاة وسائر العبادات إنه سميع قريب مجيب . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ------------ (1) صحيح البخاري (8)، ومسلم (16) واللفظ له . (2) حكم تارك الصلاة لابن القيم (ص: 9). (3) مسلم (82). (4) مسند الإمام أحمد (22833)، سنن الترمذي (2621 ) وقال: حديث حسن صحيح ، النسائي (463)، وابن ماجه (1079). (5) مسند الإمام أحمد (2/169، رقم 6576) وصحح إسناده أحمد شاكر . (6) صحيح البخاري (393). (7)مسند الإمام أحمد (16347) ، موطأ الإمام مالك (293) ، سنن النسائي (857). (8) موطأ الإمام مالك (74) ، سنن البيهقي (6291)، مصنف عبد الرزاق (3/125)، مصنف ابن أبي شيبة (8/581). (9) مسلم (654). https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 16 - رَمَضَانُ شَهْرُ الدُّعَاء الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg ثبت في السنن عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ ثُمَّ قَرَأَ : {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[غافر:60]))(1) . فالدعاء من أجل العبادات وأعظمها وهو حق لله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يُصرف لغيره كائناً من كان ، وله مكانة عظيمة في الدين ومنزلة رفيعة فيه ، وذلك لما في الدعاء من التضرع وإظهار الضعف والحاجة لله ، ولأن العبادة كلما كان القلب فيها حاضراً وأخشع فهي أفضل وأكمل ، والدعاء أقرب العبادات إلى حصول هذا المقصود، والدعاء فيه ملازمة للتوكل والاستعانة بالله ، والتوكل هو اعتماد القلب على الله وثقته به في حصول المحبوبات واندفاع المكروهات ؛ والنصوص في فضل الدعاء وعظيم شأنه كثيرة لا تحصر ، ولشهر الصيام شهر رمضان المبارك خصوصية في الدعاء ، فإن الصائم ممن لا ترد دعوته إذا أخلص في صيامه ونصح في عبادته وصدق مع الله ففي الحديث ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ : دَعْوَةُ الصَّائِمِ ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ))(2)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ لَا تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ))(3). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومما يبين مكانة الدعاء وعلو شأنه في شهر الصيام أن قوله تعالى في سورة البقرة : {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} قد جاء متخللاً لآيات الصيام وفي أثنائها ؛ فقبل هذه الآية قوله تعالى : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } وبعدها قوله تعالى: { أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } ، فجاءت هذه الآية الكريمة وهي مختصة بالدعاء متوسطة لآيات الصيام ومحفوفة بها ولعل في ذلك ما يدل على عظم قدر الدعاء وأهميته في هذا الشهر ؛ لأن العبد في هذا الشهر المبارك يملؤه الرجاء أن يوفقه الله للقيام بحق الله في هذا الشهر على أتم الوجوه وأكملها ؛ ولا سبيل له إلى ذلك إلا بسؤال الله ودعائه ، وهو كذلك يكثِر في هذا الشهر من الطاعات والعبادات والقربات وهو يرغب ويطمع أن يتقبلها الله منه ؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا بدعائه والانكسار بين يديه والتضرع له ، وكذلك قد يكون العبد مرتكباً لبعض الآثام قبل رمضان أو صدر عنه نقص أو تقصير أو تفريط أثناء رمضان وهو يرغب في توبة الله عليه ومغفرة ذنوبه ؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا بالدعاء ، فكأن الله يلفت عباده إلى ما يلوذون به ويهربون إليه وبه تجاب رغباتهم وتقضى حاجاتهم وتقال عثراتهم وتغفر زلاتهم. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg قال ابن القيم رحمه الله : (( أساس كلّ خير أن تعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ؛ فتتيقن حينئذ أن الحسنات من نِعَمِه ؛ فتشكره عليها وتتضرعَ إليه أن لا يقطعها عنك ، وأن السيئات من خذلانه وعقوبته؛ فتبتهل إليه أن يحول بينك وبينها، ولا يكِلَكَ في فعل الحسنات وترك السيئات إلى نفسك . وقد أجمع العارفون على أن كل خير فأصله بتوفيق الله للعبد، وكلَّ شرٍّ فأصله خذلانه لعبده ، وأجمعوا أنَّ التوفيق أن لا يكِلَك الله إلى نفسك، وأن الخذلان : هو أن يخلي بينك وبين نفسك، فإذا كان كلُّ خير فأصله التوفيق وهو بيد الله لا بيد العبد؛ فمفتاحه الدعاءُ والافتقار وصدق اللَّجإ والرغبةِ والرهبةِ إليه ، فمتى أعطَى العبدَ هذا المفتاح فقد أراد أن يفتح له ، ومتى أضلَّه عن المفتاح بقي بابُ الخير مُرْتَجاً دونه ... وما أُتي من أُتِيَ إلا من قِبَل إضاعة الشكر وإهمال الافتقار والدعاء ، ولا ظَفِرَ من ظفر - بمشيئة الله وعونِه - إلا بقيامه بالشكرِ وصدقِ الافتقار والدعاء))(4) اهـ. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg والدعاءُ شأنُه في الإسلام عظيمٌ، ومكانتُه فيه ساميةٌ، ومنزلتُه منه عالية؛ إذ هو أجلُّ العبادات وأعظمُ الطاعات وأنفعُ القربات، ولهذا جاءت النصوصُ الكثيرةُ في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم المبيِّنةُ لفضله والمُنَوِّهةُ بمكانته وعظم شأنه، والمرغِّبةُ فيه والحاثَّةُ عليه، وقد تنوَّعت دلالاتُ هذه النصوص المبيِّنة لفضل الدعاء، فجاء في بعضها الأمرُ به والحثُّ عليه، وفي بعضها التحذير من تركه والاستكبار عنه، وفي بعضها ذكرُ عِظم ثوابه وكبر أجره عند الله، وفي بعضها مدحُ المؤمنين لقيامهم به، والثناءُ عليهم بتكميله، وغيرُ ذلك من أنواع الدلالات في القرآن الكريم على عظم فضل الدعاء. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg بل إنَّ الله سبحانه قد افتتح كتابه الكريم بالدعاء واختممه به، فسورة «الحمد» التي هي فاتحة القرآن الكريم مشتملةٌ على دعاء الله بأجلِّ المطالب وأكمل المقاصد، أَلَا وهو سؤال الله عزَّ وجلَّ الهدايةَ إلى الصراط المستقيم والإعانةَ على عبادته، والقيامَ بطاعته سبحانه، وسورةُ «الناس» التي هي خاتمة القرآن الكريم مشتملةٌ على دعاء الله سبحانه، وذلك بالاستعاذة به سبحانه من شرِّ الوسواس الخنَّاس، الذي يوسوسُ في صدور الناس، مِنَ الجِنَّة والناس، وما من ريبٍ أنَّ افتتاحَ القرآن الكريم بالدعاء واختتامَه به دليلٌ على عِظم شأن الدعاء وأنَّه روحُ العبادات ولبُّها. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg بل إنَّ الله جلَّ وعلا سمَّى الدعاءَ في القرآن عبادةً في أكثر من آية، مِمَّا يدلُّ على عِظم مكانته، كقوله سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}[غافر: 60]، وكقوله فيما حكاه عن نبيِّه إبراهيم عليه السلام: {وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلا جَعَلْنَا نَبِيًّا } [مريم: 48 – 49]، ونحـوها من الآيات، وسَمَّى سبحانه الدعاءَ دِيناً كمـا في قوله: {فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 65]، ونحوها من الآيات. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وهذا كلُّه يُبيِّن لنا عِظمَ شأن الدعاء، وأنَّه أساسُ العبودية وروحُها، وعنوانُ التذلُّل والخضوع والانكسار بين يدي الربِّ، وإظهارِ الافتقار إليه، ولهذا حثَّ الله عبادَه عليه، ورغَّبهم فيه في آيٍ كثيرة من القرآن الكريم، يقول الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف: 55 – 56]، وقال تعالى: { هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 65]. وأخبر سبحانه ـ مرَغِّباً عبادَه في الدعاءِ ـ بأنَّه قريبٌ منهم يُجيب دعاءَهم، ويُحقِّقُ رجاءَهم، ويعطيهم سؤلهم، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة: 186] ، وقال تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ} [النمل: 62]. ولهذا فإنَّ العبدَ كلَّمـا عظُمت معرفتُه بالله وقويت صِلتُه به كان دعاؤُه له أعظمَ، وانكسارُه بين يديه أشدَّ، ولهذا كان أنبياءُ الله ورُسُلُه أعظمَ الناس تحقيقاً للدعاء وقياماً به في أحوالهم كلِّها وشؤونهم جميعِها، وقد أثنى الله عليهم بذلك في القرآن الكريم، وذَكَر جملةً من أدعيتهم في أحوالٍ متعدِّدةٍ ومناسبات متنوِّعةٍ، قال تعالـى في وصفهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]. فينبغي على المؤمن أن يعنى بهذه العبادة ، وأن يغنم أوقات هذا الشهر الشريف بالإقبال على الله بالدعاء والسؤال والإلحاح راغبا راهبا ، مع العناية بشروط الدعاء وآدابه ، راجيا أن يكون من الفائزين بثواب الله الناجين من النار ، فإن لله عتقاء من النار وذلك كلَّ ليلة من ليالي رمضان . اللهم تقبل صيامنا وقيامنا ودعاءنا ، ومنَّ علينا بالعتق من النار يا حي يا قيوم . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg -------------- (1) سنن أبي داود (1479)، سنن الترمذي (3247) وقال: هذا حديث حسن صحيح ، سنن ابن ماجه (3828) . (2) رواه الطبراني في الدعاء (1215) ، والبيهقي في شعب الإيمان (7513) . (3) رواه البيهقي في السنن الكبرى (3/345، 6185) . (4) الفوائد لابن القيم (ص:127- 128 ) https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 19- تَعْجِيلُ الْفَطُورِ وَتَأْخِيرُ السَّحُورِ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg لقد تعددت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بتعجيل الفطور وتأخير السحور وتنوعت هذه النصوص في دلالتها على أهمية ذلك ؛ فتارة بالأمر به ، وتارة ببيان فضله وعظيم ثوابه ، وتارة ببيان بعض الحِكَم العظيمة المترتبة عليه، وتارة بالنهي عن تركه ، إلى غير ذلك من أنواع الدلالة ، ومن هذه النصوص : ما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَا هُنَا ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَا هُنَا ، وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ))(1) ، وجاء في سنن أبي داود والترمذي عن أنس رضي الله عنه قال: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ))(2) ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ((كَانَ لَا يُصَلِّي الْمَغْرِبَ حَتَّى يُفْطِرَ ، وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ ))(3) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (( لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ ))(4)، وقال: ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ ))(5)، وكان ((إِذَا أَفْطَرَ قَالَ ذَهَبَ الظَّمَأُ ، وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ))(6)، وقال صلى الله عليه وسلم : https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ((هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ يَعْنِي السَّحُورَ )) (7) ، وقال: ((عَلَيْكُمْ بِغَدَاءِ السُّحُورِ فَإِنَّهُ هُوَ الْغَدَاءُ الْمُبَارَكُ))(8) ، وقال : ((السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلَا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ))(9)، وقال: ((إِنَّ السَّحُورَ بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُوهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلَا تَدَعُوهَا))(10)، وقال: ((تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ ))(11)، وقال: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصُومَ فَلْيَتَسَحَّرْ بِشَيْءٍ))(12)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((عَجَّلُوا الإِفْطَارَ، وَأَخَّرُوا السُّحُورَ ))(13)، وقال: ((بكّروا بالإفطار، وأخّروا السُّحور))(14) ، وقال: (( ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة))(15)، وقال: ((إِنَّا مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُعَجِّلَ إِفْطَارَنَا وَنُؤَخِّرَ سَحُورَنَا ، وَنَضَعَ أيمَانِنَا عَلَى شمائِلِنا فِي الصَّلاةِ))(16). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وهذه الأحاديث المتعددة والمتنوعة في الأمر بتعجيل الفطور وتأخير السحور تدل دلالة واضحة على أهمية هذا الأمر العظيم الذي غفل عنه كثير من الناس جهلاً بأهميته وبالحِكم العظيمة التي اشتمل عليها والآثار الحميدة التي تترتب عليه ، بل لو لم يكن في تعجيل الفطر وتأخير السحور إلا محض المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاستجابة لأمره وكونه عبادة عظيمة يتقرب فيها إلى الله سبحانه لكفى به سبباً في المحافظة عليه وعدم إهماله ، فإن محبة الله إنما تنال بذلك كما قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران:31] ، وقد ثبت في سنن الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا))(17) ، وذلك لحُسن متابعتهم وسرعة استجابتهم . ثمّ إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر عن أكلة السحور أنها أكلة مباركة وأن السحور غداء مبارك وأن فيه بركة ، وهذا فيه دلالة واضحة على عظيم قدر هذه الطاعة ، فالبركة تكتنفها من كل جوانبها ؛ بركة في الطعام، وبركة في الفعل نفسه، وبركة في الوقت ، فحريّ بالصائم أن يتحرى هذه البركة بأن يتسحر ويؤخر السحور ولو على شربة ماء إن لم يجد شيئاً يطعمه سواها . والبركة : هي تنزل الخير الإلهي على الشيء ، وزيادته ، وعموم نفعه ، وزيادة الأجر والثواب فيه ، فما أعظم السحور وأجلّ قدره !! ومع ذلك يتغافل عنه كثير من الناس ؛ إما جهلاً بفضله ومكانته ، أو إيثاراً للآجل على الآجل ، فيفضل النوم عليه وغالباً ما يكون سبب ذلك السهر ، والمصيبة في ذلك تعظم إن كان في أمرٍ محرَّم نسأل الله العافية والسلامة. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ثم إن وقت السحر من أفضل الأوقات وأوفرها بركة ؛ أثنى الله على المستغفرين فيه ، وهو وقت نزول الرب إلى سماء الدنيا ليغفر للمستغفرين ويجيب الداعين ويعطي السائلين ويثيب العابدين بأفضل الجزاء في الدنيا ويوم الدين، فكيف يحرم الإنسان نفسه من هذا الخير في هذا الشهر العظيم شهر الطاعة والاستغفار وشهر العتق من النار!! . والله وملائكته يصلَّون على المتسحرين وصلاة الله : ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى ، وصلاة الملائكة : دعاؤهم للعبد ، فما أجله من شرف وفضل يناله المتسحرون . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وفي المحافظة على تعجيل الفطور وتأخير السحور محافظة على الخيرية في الناس فإنه من أسبابها ، إضافة إلى ما فيه من تقوية الجسد وتنشيطه وطرد الضعف والكسل عنه فترة الصيام . وجاء في بعض النصوص تصريحٌ بحكمةٍ عظيمة من حِكَم تعجيل الفطور وتأخير السحور وتنبيه على أمر ينبغي المحافظة عليه أبداً حتى يكون هذا الدين ظاهراً وحتى تظل هذه الأمة محافظة على خيريتها ألا وهو : مخالفة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قال صلى الله عليه وسلم : ((فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ))(18)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ فَإِنَّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ))(19)، وقال صلى الله عليه وسلم : ((لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ ، لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ))(20) ، فإذا أوصى الشارع بمخالفة اليهود النصارى في هذا الأمر والذي قد يعده بعض الناس هيِّناً ، فما بالك بالأمور العظام التي بلي كثير من الناس فيها بالتشبه بهم والسير على منهجهم ومنوالهم كمشابهتهم في لباسهم وعاداتهم والافتخار بمحاكاتهم حتى في كلامهم ومأكلهم وشرابهم والفرح والتلذذ بالنظر إلى https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg قبائحهم من كلام ساقط وعقائد فاسدة وصور خليعة فاضحة ، ولا شك أن المشابهة الظاهرة تولد توافقاً وميلاً قلبياً في الباطن والله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [المائدة:51]، وأكثر الناس تأثراً في هذا التشبه الشبابُ والنساءُ ؛ ألا فلينتبه الصائمون وليعتبروا بهذا الشهر العظيم وليصْدُقوا مع الله ويعقدوا العزم على ترك هذا التشبَّه بأهل الكتاب فإن ذلك يضر بالفرد وبالمجتمع وبالأمة جمعاء ويؤثر على الدين كله . قال شيخ الإسلام في كلامٍ له عن هذا الحديث : ((وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى ، وإذا كان مخالفتهم سبباً لظهور الدين فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله ، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة ))(21) . اللهم مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، ووفِّقنا لاتباع شرعك ، وأعذنا من منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg (1) البخاري (1954)، ومسلم (1100) واللفظ للبخاري . (2) رواه أبو داود (2356)، والترمذي (696)، واللفظ لأبي داود . (3) رواه الحاكم في المستدرك (1577) . (4) رواه الإمام أحمد في المسند (21209، 21399). (5) رواه البخاري (1957) ، ومسلم (1098) . (6) رواه أبو داود (2357)، والحاكم (1536) . (7) رواه النسائي (2167) . (8)رواه النسائي (2166) ، والإمام أحمد (17126) . (9) رواه الإمام أحمد (11334) . (10)رواه الإمام أحمد في المسند (23036) . (11) رواه ابن حبان (3476) . (12) رواه الإمام أحمد في المسند (14991) . (13) رواه الطبراني في المعجم الكبير (21513) . (14) الكامل لابن عدي (6/323)، السلسلة الصحيحة (1773)، صحيح الجامع (2835). (15) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (2/105) وعزاه للطبراني في الكبير . (16) رواه الطيالسي (2654) ، والطبراني في المعجم الكبير (11323)، وابن حبان (1770) واللفظ للطيالسي. (17) الترمذي (700) . (18) رواه مسلم (1096). (19) رواه ابن ماجه (1698) . (20) رواه أبو داود (2353) ، والحاكم (1573) . (21) اقتضاء الصراط المستقيم (1/209). https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 20 - العَشْرُ الأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن شهر رمضان المبارك شهر ٌكله بركة ورحمة أيامه ولياليه ، وتختص عشره الأواخر بمزيد مزية على بقية أيامه ولياليه بخصائص عظيمة وفضائل جليلة اختصت بها عن غيرها ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم من بعده يعظِّمون هذه العشر الأواخر ويجتهدون فيها أكثر مما يجتهدون في غيرها ، روى الإمام أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ))(1) ، وروى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت : ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ ))(2) . ومعنى ((شَدَّ مِئْزَرَهُ)) : أي جدّ واجتهد في العبادة واعتزل النساء ؛ فلا يلتذ في تلك الليالي إلا بمناجاة ربه والتقرب إليه ، فما أباحه الله له من الجماع في ليالي رمضان يكون منشغلاً عنه بما سواه من العبادة والطاعة طمعاً في أن ينال ثواب هذه العشر ويوفَّق لإدراك ليلة القدر . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ومعنى (( أَحْيَا لَيْلَهُ )) : أي سهره منشغلاً فيه بالطاعة فأحياه بذلك ، وأحيا نفسه بسهره فيه تقرباً وتضرعاً وتعبداً لله ؛ لأن النوم أخو الموت ، ولا تحيا الأرواح ولا الأبدان ولا الأوقات ولا الأعمار إلا بطاعة الله وهذه هي الحياة الحقيقية قال تعالى: { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [الأنعام:122] فسمى هذه الأجساد مع أنها تدب في الأرض وتأكل وتشرب ميتة وذلك لِـبُعدها عن الإيمان والطاعة للرحمن وانشغالها بالغيّ والفسوق والطغيان . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومعنى (( أَيْقَظَ أَهْلَهُ )) : أي أقامهم للصلاة وللعبادة في هذه الليالي ، وهذا من تمام حرصه على أهله وعنايته بهم أداءً لواجب الرعاية التي استرعاه الله إياها ، وحرصاً منه في الدلالة على الخير والدال على الخير كفاعله ، إضافةً إلى أجره الذي يكتسبه باجتهاده بنفسه ، وفي ذلك أيضاً تشريع لأمته أن تحذو حذوه وتتأسى به في ذلك ، وفيه توجيه للآباء والأمهات وحثٌ لهم على العناية بتربية أبنائهم والاهتمام بهم خاصة في هذا الشهر الكريم وتعهدهم ومراقبتهم في عبادتهم وشدة المحافظة عليهم ، وتشجيعهم على المسابقة لفعل الطاعات واجتناب المنهيات ، والاستعانة بوسائل الترغيب والترهيب. قال ابن حجر: ((وَفِي الْحَدِيث الْحِرْص عَلَى مُدَاوَمَة الْقِيَام فِي الْعَشْر الْأَخِير إِشَارَة إِلَى الْحَثّ عَلَى تَجْوِيد الْخَاتِمَة ، خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بِخَيْرٍ آمِينَ ))(3). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ومما تميزت به هذه العشر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فيها ، واعتكف أصحابه من بعده ؛ والاعتكاف : لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله ، وهو من السنن الثابتة بالكتاب والسنة ، قال تعالى: { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } [البقرة:187] ، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((كَانَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ))(4). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وقد أوضح بعض أحكام الاعتكاف العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في مجالسه المشهورة المختصة بشهر رمضان التي نفع الله بها كثيراً - فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً ، وتغمده بواسع رحمته ، وكتب له في هذا الشهر المبارك مثل أجور كل من استفاد من هذا الكتاب وانتفع به وغيره من كتبه - ومما جاء فيه : قوله : " والمقصود بالاعتكاف : انقطاع الإنسان عن الناس ليتفرغ لطاعة الله في مسجد من مساجده طلبا لفضله وثوابه وإدراك ليلة القدر ، ولذلك ينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكر والقراءة والصلاة والعبادة ، وأن يتجنب ما لا يَعنيه من حديث الدنيا ، ولا بأس أن يتحدث قليلاً بحديثٍ مباحٍ مع أهله أو غيرهم لمصلحة ، لحديث صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : « كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ - أي : لأنصرف إلى بيتي - فَقَامَ - النبي صلى الله عليه وسلم – مَعِيَ... » الحديث(5) . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته من التقبيل واللمس لشهوة لقوله تعالى : { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } ، وأما خروجه من المسجد فإن كان ببعض بدنه فلا بأس به لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ))(6)، وفي رواية: ((كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ ))(7) . وإن كان خروجه بجميع بدنه فهو ثلاثة أقسام: https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg الأول: الخروج لأمر لابد منه طبعاً أو شرعاً ؛ كقضاء حاجة البول والغائط والوضوء الواجب والغسل الواجب لجنابة أو غيرها والأكل والشرب ، فهذا جائز إذا لم يمكن فعله في المسجد ، فإن أمكن فعله في المسجد فلا ، مثل أن يكون في المسجد حمام يمكنه أن يقضي حاجته فيه وأن يغتسل فيه أو يكون له من يأتيه بالأكل والشرب فلا يخرج حينئذ لعدم الحاجة إليه . الثاني: الخروج لأمر طاعة لا تجب عليه ؛ كعيادة مريض وشهود جنازة ونحو ذلك فلا يفعله إلا أن يشترط ذلك ابتداء اعتكافه ، مثل أن يكون عنده مريض يجب أن يعوده أو يخشى من موته فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجه لذلك فلا بأس به . الثالث: الخروج لأمرٍ ينافي الاعتكاف ؛ كالخروج للبيع والشراء وجماع أهله ومباشرتهم ونحو ذلك ، فلا يفعله لا بشرط ولا بغير شرط ؛ لأنه يناقض الاعتكاف وينافي المقصود منه) اهـ(8). ومما تميزت به هذه العشر واختصت به أن فيها ليلة القدر، قال صلى الله عليه وسلم : ((تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ))(9)، وسيأتي الحديث عن هذه الليلة المباركة وعن فضائلها وأهمية اغتنامها وعدم إضاعتها في الحديث القادم إن شاء الله . اللهم وفِّقنا للقيام بما يرضيك عنا في هذه العشر ، واختم لنا شهرنا بصالح الأعمال ، وتقبلها منا يا أكرم الأكرمين . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg (1) رواه مسلم (1175) ، والإمام أحمد (24409) . (2) رواه البخاري (2024) ، ومسلم (1174) واللفظ للبخاري . (3) فتح الباري (4/270، تحت حديث رقم 2024). (4) صحيح البخاري (2026)، ومسلم (1172). (5) متفق عليه ؛ البخاري (3281) ، مسلم (2175) . (6) رواه البخاري (2031) ، ومسلم (297) واللفظ للبخاري . (7) رواه البخاري (2046) . (8) مجالس شهر رمضان (ص: 118ـ 119). (9) رواه البخاري (2017). https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 22- تَصْفِيدُ الشَّيَاطِينِ فِي رَمَضَان الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن مما تميز به شهر رمضان المبارك تصفيد الشياطين ومردة الجنّ فيه ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ))(1) ، وروى أحمد والنسائي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ((هَذَا رَمَضَانُ قَدْ جَاءَكُمْ تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النَّارِ ، وَتُسَلْسَلُ فِيهِ الشَّيَاطِينُ )) (2) ، روى الترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ ))(3). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ فَضَعُفَتْ قُوَّتُهُمْ وَعَمَلُهُمْ بِتَصْفِيدِهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَفْعَلُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي غَيْرِهِ ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّهُمْ قُتِلُوا وَلَا مَاتُوا بَلْ قَالَ : " صُفِّدَتْ " وَالْمُصَفَّدُ مِنْ الشَّيَاطِينِ قَدْ يُؤْذِي لَكِنَّ هَذَا أَقَلُّ وَأَضْعَفُ مِمَّا يَكُونُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ ؛ فَهُوَ بِحَسَبِ كَمَالِ الصَّوْمِ وَنَقْصِهِ ، فَمَنْ كَانَ صَوْمُهُ كَامِلًا دَفَعَ الشَّيْطَانَ دَفْعًا لَا يَدْفَعُهُ دَفْعُ الصَّوْمِ النَّاقِصِ )) (4) اهـ. وكثير من الناس اليوم جهلوا أو تجاهلوا أمر الشيطان فلم يدركوا مدى كيده وعداوته لبني آدم وحرصه على إخراجهم من رحمة الله ورضوانه وإيقاعهم في سخطه وغضبه ونيرانه ، قال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } [فاطر:6] ، وهي عداوة مستمرة إلى يوم القيامة وكل من انشغل في هذا الشهر الكريم بغير طاعة الله من المعاصي والذنوب واللهو واللعب والسهر وفي القيل والقال والنظر في الفضائيات وما فيها من سموم فقد خلص الشيطان إليه ونال منه بغيته ؛ وإن كيده لا يكاد ينحصر . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه إغاثة اللهفان جملة كبيرة من مكائده التي كاد بها عباد الله : (( ومن كيده للإنسان : أنه يورده الموارد التي يُخيل إليه أنّ فيها منفعته ، ثم يُصدِرُه المصادر التي فيها عطبه، ويتخلى عنه ويُسْلِمُه ويقف يَشْمَتُ به ويضحك منه ، فيأمره بالسرقة والزنا والقتل ويدل عليه ويفضحه قال تعالى: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال:48] ؛ فإنه تراءى للمشركين عند خروجهم إلى بدر في صورة سراقة بن مالك وقال : أنا جار لكم من بني كنانة أن يقصدوا أهلكم وذراريَكم بسوء ، فلما رأى عدوُّ الله جنود الله تعالى من الملائكة نزلت لنصر رسوله فرّ عنهم وأسلمهم كما قال حسان: دَلَّاهُمُ بِغُرُورٍ ثَمَّ أَسْلَمَهُمْ إِنَّ الْخَبِيثَ لمنْ وَالَاهُ غَرَّارُ https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وكذلك فعل بالراهب الذي قتل المرأة وولدها ؛ أمره بالزنا ثم بقتلها ثم دلّ أهلها عليه وكشف أمره لهم ، ثمّ أمره بالسجود له فلمّا فعل فرَّ عنه وتركه وفيه أنزل الله سبحانه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ } [الحشر:16] ، وهذا السياق لا يختص بالذي ذكرتْ عنه هذه القصة، بل هو عام في كل من أطاع الشيطان في أمره له بالكفر لينصره ويقضي حاجته، فإنه يتبرأ منه ويسلمه كما يتبرأ من أوليائه جملة في النار ويقول لهم: {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ } [إبراهيم:22] ، فأوردهم شرّ الموارد وتبرأ منهم كل البراءة . ومن كيد عدو الله تعالى : أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه ؛ فلا يجاهدونهم ، ولا يأمرونهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، وهذا من أعظم كيده بأهل الإيمان، وقد أخبرنا الله سبحانه عنه بهذا فقال: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [آل عمران:175] ، المعنى عند جميع المفسرين: يخوفكم بأوليائه. قال قتادة: ( يعظمهم في صدوركم، ولهذا قال: { فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } ، فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوفُ أولياء الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوي خوفه منهم ) . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ومن مكايده أنه يسحر العقل دائماً حتى يكيده ، ولا يسلم من سحره إلا من شاء الله ، فيزين له الفعل الذي يضره حتى يخيل إليه أنه من أنفع الأشياء ، وينفر من الفعل الذي هو أنفع الأشياء له حتى يخيَّل له أنه يضره ، فلا إله إلا الله !! كم فُتن بهذا السحر من إنسان ، وكم حال بين القلب وبين الإسلام والإيمان والإحسان! وكم جلا الباطل وأبرزه في صورة مستحسنة، وشنّع الحق وأخرجه في صورة مستهجنة ! وكم بهرج من الزُّيوف على الناقدين، وكم روّج من الزغل على العارفين ! فهو الذي سحر العقول حتى ألقى أربابها في الأهواء المختلفة والآراء المتشعبة، وسلك بهم في سبل الضلال كل مسلك ، وألقاهم من المهالك في مهلك بعد مهلك ، وزين لهم من عبادة الأصنام وقطيعة الأرحام ووأد البنات ونكاح الأمهات ووعدهم الفوز بالجنات مع الكفر والفسوق والعصيان ، وأبرز لهم الشرك في صورة التعظيم ، والكفر بصفات الرب تعالى وعلوه على عرشه وتكلمه بكتبه في قالب التنزيه، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg في قالب التودد إلى الناس وحُسن الخلق معهم والعمل بقوله: {عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } [المائدة:105] ، والإعراض عما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في قالب التقليد والاكتفاء بقول من هو أعلم منهم ، والنفاق والإدهان في دين الله في قالب العقل المعيشي الذي يندرج به العبد بين الناس . فهو صاحب الأبوين حين أخرجهما من الجنة ، وصاحب قابيل حين قتل أخاه ، وصاحب قوم نوح حين أُغرِقوا ، وقوم عاد حين أهلِكوا بالريح العقيم ، وصاحب قوم صالح حين أهلكوا بالصيحة ، وصاحب الأمة اللوطية حين خُسف بهم وأتبِعوا بالرجم بالحجارة ، وصاحب فرعون وقومه حين أخِذوا الأخذة الرابية ، وصاحب عبَّاد العجل حين جرى عليهم ما جرى، وصاحب قريش حين دعوا يوم بدر، وصاحب كل هالك ومفتون)) (5) اهـ. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg فهذا هو العدو قد ظهرت أوصافه وبدت علاماته وملامحه ، يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ويأخذ بأي طريق يتحقق له به ذلك . قال بعض السلف : (( وما أمر الله عز وجل بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصيرٌ وتفريطٌ ، وإما إفراطٌ وغلوٌّ ، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين))(6)، فلينظر كل واحد إلى نفسه وأفعاله هل فيها استجابة للشيطان وحبائله ؛ فيتدارك نفسه بالتوبة إلى الله والإقلاع عما هو فيه من ضلالٍ وشرٍ ويعلن العداوة لهذا العدو اللدود ، أم أنه في حماية الله وحفظه ؛ فيشكر الله على ذلك ويسأله الثبات ويسعى في الاستزادة من فعل الصالحات ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ كثيراً بالله من الشيطان ويعلِّم أصحابه ذلك {وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ [97] وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97-98] ؛ اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفثه ونفخه. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg (1) البخاري (3277)، ومسلم (1079) واللفظ للبخاري . (2)سنن النسائي (2105) ، المسند (13408) . (3) الترمذي (682)، وابن ماجه (1642)، واللفظ للترمذي . (4) مجموع الفتاوى لابن تيمية (25/246). (5) إغاثة اللهفان لابن القيم (1/125ـ 128). (6) الوابل الصيب (ص: 29). https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 23- أَدَاءُ الزِّكَاةِ وَبَذْلُ الصَّدَقَات الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إن رمضان هو شهر الخيرات والبركات والطاعات ؛ فهو شهر الصيام ، وشهر الصلاة والقيام ، وشهر الذكر وتلاوة القرآن ، وشهر الجود والإكرام والزكاة والصدقة والبر والإحسان ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان ، وذلك أن الصيام له ارتباط وثيق بالإنفاق والصدقة ، فإن الأغنياء عندما يمتنعون في فترة زمنية محددة عن الطعام والشراب طاعة لله ويقاسون حرّ الجوع وألم العطش فإن هذا يجعلهم يتذكرون إخواناً لهم من المسلمين يقاسون هذه الآلام طيلة أيام السنة أو معظمها فيقذف الله بسبب ذلك الرحمة في قلوبهم تجاه إخوانهم فتجود نفوسهم ببذل الأموال وإخراجها ؛ سواء كانت من قبيل الزكاة الفرض ، أو الصدقات والنفقات المستحبة في أوجه الخير كلها . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وفيما يتعلق بالزكاة ؛ فقد فرض الله على المؤمنين ذوي الأموال الزكوية زكاةً تُدفع للمحتاجين منهم وللمصالح العامة النفع كما قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]. https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وفي القرآن آيات كثيرة في الأمر بإيتاء الزكاة والنفقة مما رزق الله ، والثناء على المنفقين والمتصدقين وذكر ثوابهم، وتواترت بذلك كله الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وبيَّن ما تجب فيه الزكاة من المواشي والحبوب والثمار والنقود والأموال المعدة للتجارة ، وذكر أنصبتها ومقدار الواجب منها ، وذكر الوعيد الشديد على مانعها ؛ واتفق المسلمون على نقصان إيمان تاركها ودينه وإسلامه ، وإنما اختلفوا هل يكفر تاركها أم لا ؟ وفي الزكاة والصدقة والإحسان عدد من الفوائد الضرورية والكمالية والدينية والدنيوية : منها : أنها من أعظم شعائر الدين وأكبر براهين الإيمان ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال : ((وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ))(1) أي على إيمان صاحبها ودينه ومحبته لله إذ سخى لله بماله المحبوب للنفوس . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومنها : أنها تزكِّي وتنمِّي المعطِي والمعطَى والمال الذي أخرجت منه ؛ أما تزكيتها للمعطي : فإنها تزكي أخلاقه وتطهره من الشح والبخل والأخلاق الرذيلة ، وتنمي أخلاقه فيتصف بأوصاف الكرماء المحسنين الشاكرين ، فإنها من أعظم الشكر لله ، والشكر معه المزيد دائماً ، وتنمي أيضاً أجره وثوابه ؛ فإن الزكاة والنفقة تضاعَف أضعافاً كثيرة بحسب إيمان صاحبها وإخلاصه ونفعها ووقوعها موقعها ، وهي تشرح الصدر وتُفرِح النفس وتدفع عن العبد من البلايا والأسقام شيئاً كثيراً ، فكم جلبت من نعمة دينية ودنيوية ، وكم دفعت من نقم ومكاره وأسقام ، وكم خفّفت الآلام ، وكم أزالت من عداوات وجلبت من مودة وصداقات ، وكم تسببت لأدعية مستجابة من قلوب صادقات . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وهي أيضاً تنمِّي المال المخرَج منه ؛ فإنها تقيه الآفات وتحل فيه البركة الإلهية ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ))(2) بل تزيده ، وقال تعالى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ }[سبأ:39] وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا ، وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا))(3)، والواقع يشهد بذلك ؛ فلا تكاد تجد مؤمناً يُخرج الزكاة وينفق النفقات في محلها إلا وقد أنزل الله له البركة في ماله ويسَّر له أسباب الرزق ، جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ ؛ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ لِلِاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ ، فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسْمِي ؟ فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ : اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا ؟ قَالَ أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ )) ، وفي رواية له ((وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ فِي الْمَسَاكِينِ وَالسَّائِلِينَ وَابْنِ السَّبِيلِ )) (4). https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وأما نفعها للمعطَى فإن الله تعالى قد أمر بدفعها للمحتاجين من الفقراء والمساكين والغارمين وفي الرقاب وللمصالح التي يحتاج المسلمون إليها في ضوء الآية المتقدمة ، فمتى وُضعت في محلها اندفعت الحاجات والضرورات واستغنى الفقراء أو خف فقرهم وقامت المصالح النافعة العمومية ، فأي فائدة أعظم من ذلك وأجلّ !! فلو أن الأغنياء أخرجوا زكاة أموالهم ووُضعت في محلها لقامت المصالح الدينية والدنيوية وزالت الضرورات واندفعت شرور الفقراء وكان أعظم حاجز وسد يمنع عبث المفسدين ، ولهذا كانت الزكاة من أعظم محاسن الإسلام لما اشتملت عليه من جلب المصالح والمنافع ودفع المضار . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ومما جاء في عقوبة تارك الزكاة قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [34] يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34-35] ، وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ -يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ : أَنَا مَالُكَ ، أَنَا كَنْزُكَ ثُمَّ تَلَا : {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } الآية [آل عمران :180] )) (5) . وإذا وفّق الله العبد لإخراج زكاته أو تصدق في سبيل الله فليحذر الرياء والسمعة والمنّ والأذى لأنها تبطل الأجر وقد تعقبه بالوزر قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264]. اللهم إنا نعوذ بك من مال لا يقرِّبنا إليك ، ونسألك طهارة نفوسنا وقلوبنا من الشح والبخل وجميع أمراض القلوب ، ونسألك أن تكتب للمنفقين والمتصدقين أجرهم وتجزِل لهم المثوبة . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg (1) رواه مسلم (223). (2) مسلم (2588). (3) البخاري (1442)، ومسلم (1010). (4) مسلم (2984). (5) البخاري (1403). https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 25- الْجَنَّةُ دَارُ الْمَتَّقِينَ الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ))(1) إن الجنة هي رحمة الله التي يرحم بها من يشاء من عباده ، وهي دار السلام دار الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، تجري من تحتها الأنهار ، قصورها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ، وملاطها المسك الأذفر ، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت ، وتربتها الزعفران وخيامها اللؤلؤ المجوف ، وهي نور يتلألأ ، وريحانة تهتز ، ونهر مطرد ، وفاكهة وخضرة ، وزوجات حسان ، فيها السدر المخضود ، https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg والطلح المنضود ، والظل الممدود والماء المسكوب ، أهلها يأكلون فيها ويتنعمون ، ولا يمتخطون ، ولا يتغوطون ولا يبولون بل مسك يَرشح ، يحيَوْن ولا يموتون ، ويشبُّون ولا يهرمون ، وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة فيها الجمال المبين ، فيها الأزواج من الحور العين ، كل نعيمها دائم ، وكل شيء فيها باسم ، فيها يرفع الحجاب وينظرون إلى وجه العزيز الوهاب ، ومهما أراد الواصفونالمبدعون أن يصفوا كُنْهَ الجنة ونعيمها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً فهي فوق ما يتخيله الخيال وأعلى مما يخطر بالبال ، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((قَالَ اللَّهُ عز وجل : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ :{ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ }[السجدة:17] )) (2) . وإن أهل الجنة يدخلونها زمراً زمراً قال تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا } [الزمر: 73] ، وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، وَالَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً ، لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتْفُلُونَ ، أَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ ، وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَمَجَامِرُهُمْ الْأَلُوَّةُ ، وَأَزْوَاجُهُمْ الْحُورُ الْعِينُ ، أَخْلَاقُهُمْ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ ))(3) . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وقد ثبت في السنة أن للجنة ثمانية أبواب ؛ روى الإمام أحمد في مسنده من حديث لقيط بن عامر عندما خرج وافداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفيه : ((وَإِنَّ لِلْجَنَّةِ لَثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مَا مِنْهُمَا بَابَانِ إِلَّا يَسِيرُ الرَّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا))(4) ومن هذه الأبواب باب الريان الذي لا يدخل منه إلا الصائمون وقد تقدم في حلقات ماضية الحديث عنه وذكر الأدلة عليه ، وأما بقية أبوابها فقد سمي بعضها ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا ؟ قَالَ نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ)) (5). https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg قال ابن القيم رحمه الله : (( لما سمت همة الصِّدِّيق إلى تكميل مراتب الإيمان وطمعت نفسه أن يُدعى من تلك الأبواب كلها فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يحصل ذلك لأحد من الناس ليسعى في العمل الذي ينال به ذلك ، فخبره بحصوله وبشره بأنه من أهله وكأنه قال: هل تكمل لأحد هذه المراتب فيدعى يوم القيامة من أبوابها كلها ؟ فلله ما أعلى هذه الهمة وأكبر هذه النفس))(6). وقال الحافظ ابن حجر : (( فِي الْحَدِيث إِشْعَار بِقِلَّةِ مَنْ يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَاب كُلّهَا ، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنَّ الْمُرَاد مَا يُتَطَوَّع بِهِ مِنْ الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة لَا وَاجِبَاتهَا لِكَثْرَةِ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ الْعَمَل بِالْوَاجِبَاتِ كُلّهَا ، بِخِلَافِ التَّطَوُّعَات فَقَلَّ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ الْعَمَل بِجَمِيعِ أَنْوَاع التَّطَوُّعَات ، ثُمَّ مَنْ يَجْتَمِع لَهُ ذَلِكَ إِنَّمَا يُدْعَى مِنْ جَمِيع الْأَبْوَاب عَلَى سَبِيل التَّكْرِيم لَهُ ، وَإِلَّا فَدُخُوله إِنَّمَا يَكُون مِنْ بَاب وَاحِد ، وَلَعَلَّهُ بَاب الْعَمَل الَّذِي يَكُون أَغْلَب عَلَيْهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ))(7) اهـ. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg وأهل الجنة لذاتهم لا تنفد ونعيمهم لا ينقطع { أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا }[الرعد: 35] ، وإن أعلى ما يتنعم به أهل الجنة وألذّه على الإطلاق رؤياهم الله تبارك وتعالى ونظرهم إليه في الجنة قال تعالى: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } [يونس: 26]، وقال تعالى: { وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } [ق: 35]، وقد فُسِّرت الزيادة والمزيد برؤيته سبحانه في الجنة ، ففي صحيح مسلم عن صهيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ قَالَ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا !! أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنْ النَّارِ !! قَالَ فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: { لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ } ))(8) . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg والجنة هي سلعة الله الغالية لا تنال بالتمني وإنما تنال بتوحيد الله والإيمان والأعمال الصالحة ؛ وهذا ما دلَّ عليه القرآن والسنة الصحيحة وأعمالهم كثيرة ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((عَمَلُ أَهْلِ الْجَنَّةِ : الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى ، وَعَمَلُ أَهْلِ النَّارِ : الْكُفْرُ وَالْفُسُوقُ وَالْعِصْيَانُ ، فَأَعْمَالُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ وَالشَّهَادَتَانِ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَحَجُّ الْبَيْتِ ، وَأَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك . وَمِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : صِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْإِحْسَانُ إلَى الْجَارِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَالْمَمْلُوكِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ . وَمِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالْمَحَبَّةُ لَهُ وَلِرَسُولِهِ وَخَشْيَةُ اللَّهِ وَرَجَاءُ رَحْمَتِهِ وَالْإِنَابَةُ إلَيْهِ وَالصَّبْرُ عَلَى حُكْمِهِ وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ . وَمِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَذِكْرُ اللَّهِ وَدُعَاؤُهُ وَمَسْأَلَتُهُ وَالرَّغْبَةُ إلَيْهِ . وَمِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ . وَمِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ الْجَنَّةَ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وَمِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ : الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ حَتَّى الْكُفَّارِ . وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأَعْمَالِ )) (9) اهـ. فليبادر كلُّ من عرف الجنة ونعيمها إلى المسابقة والمنافسة لتحصيلها والفوز بها ؛ فأبوابها مشرعة ومناراتها واضحة وسبلها بينة . اللهم إنا نسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ وعمل وسبيلها. https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ------------------- (1) البخاري (3277)، ومسلم (1079) واللفظ للبخاري . (2) البخاري (3244)، ومسلم (2824) واللفظ للبخاري . (3) البخاري (3327)، ومسلم (2834). (4) المسند (16155) . (5) البخاري (3666)، ومسلم (1027). (6) حادي الأرواح (ص: 222). (7) فتح الباري (7/35، كتاب فضائل الصحابة، باب لو كنت متخذا خليلا، حديث 3666). (8) مسلم (181). (9) مجموع الفتاوى ( 10/422). https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
https://i.imgur.com/FUCxTkU.gif 29 - مَاذَا بَعْـدَ رَمَضَان الشيخ عبد الرازق البدر https://i.imgur.com/dLph8aOm.jpg إنّ مما لا شك فيه أن كل صائم صام شهر رمضان وكل قائم قام لياليه ليرجو أن يكون صيامه وقيامه صالحاً مقبولاً وأن يكون سعيه مشكوراً ، ويبتهل إلى الله بالدعاء ليحقق له هذا المطلوب ويتمِّم له هذا المرغوب ، وللقبول علامات تشير إليه ودلالات تدل عليه وصفات يرجى معها حصول هذا المأمول ومن ذلك : أن يجِد الإنسان نفسه في الخير والاستقامة والطاعة بعد رمضان خيراً منها قبله ؛ مقبِلاً على العبادة برغبة ونهم ، محافظاً على الفرائض والواجبات ومؤدِياً للصلوات في المساجد مع الجماعة ، محباً للمعروف عاملاً به وآمراً ، ومبغضاً للمنكر ومجتنباً له ومحذراً . وأما من كان حاله بعد رمضان كحاله قبله أو أسوأ منه ؛ سادراً في غيِّه وضلاله، متكاسلاً عن أداء الواجبات ومضيِّعاً ، منغمساً في المحرمات ومحرِّضاً ، فهذه من علامات الخسران ودلالات عدم الربح ؛ فهو لم يغتنم الأوقات في موسم الطاعات ، ولم يتعرض للنفحات في موسم الهبات ، ولم يسأل الله المغفرة ويبذل أسبابها في شهر المغفرة والرضوان ، فيا عظم خسارته ، ويا فداحة مصيبته ، ويا هول عاقبته وعقوبته . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg لقد كان شهر رمضان المبارك موسماً عظيماً للتعوِّد على الطاعة والاجتهاد في العبادة والتنافس في فعل الخيرات ، وإنه لقبيح بالمسلم أن يتخلى عن العبادة بعد انقضاء هذا الشهر الكريم كما هو الحال من بعض الناس لا يعرفون الله وعبادته إلا في رمضان ، ولهؤلاء يقال: يا من عرفت في رمضان أن لك رباً تعبده وتطيعه وتخشاه وترجوه كيف نسيته بعد رمضان !! ويا من عرفت في رمضان أن الله قد أوجب عليك الصلوات الخمس في المساجد كيف جهلت ذلك أو تجاهلته بعد رمضان !! ويا من عرفت في رمضان أن الله حرَّم عليك المعاصي كيف نسيت ذلك بعد رمضان !! ويا من عرفت في رمضان أن أمامك جنة وناراً وثواباً وعقاباً كيف غفلت عن ذلك بعد رمضان!! ويا من كنتم https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg تملؤون المساجد في رمضان وتتلون القرآن كيف خلَت منكم المساجد وهجرتم القرآن بعد رمضان!! عجباً لقوم لا يعرفون الله إلا في رمضان ولا يخافون الله إلا في رمضان ، وقد سئل بعض السلف عن حال مثل هؤلاء فقال : "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان". إن رب الشهور واحد ؛ فرب رمضان هو رب شوال وشعبان وسائر الشهور ، والواجب على المسلم أن يعبد الله ويبتعد عن معصيته في كل وقت وحين كما قال سبحانه: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [الحجر: 99] أي داوم على عبادة الله والإنابة إليه حياتك كلها حتى تأتيك منيَّـتك وينتهي عمرك في هذه الحياة ، لأن حياة الإنسان ملك لله ، والله يريد من العبد أن يعمرها بطاعته وعبادته لا بشيء آخر قال تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [الأنعام: 162] ، فمن شغل وقته وعمره وصحته وفراغه وقوته وشبابه وعقله وفكره وقلبه ولسانه وسائر جوارحه بشيء لم يأمر به الله أو لم يشرعه رسوله صلى الله عليه وسلم من واجب أو مستحب أو مباح ينوي به التقرب لله فقد أساء لنفسه وظلمها ظلماً عظيماً وستكون عليه حسرة وندامة يوم القيامة بقدر تفريطه وتضييعه ، ومن حافظ على شيء وداوم عليه يموت عليه ويبعث عليه. وهذه سنة الله في خلقه ولذلك طلب من عباده وأوليائه الاستمرار على الإسلام والمداومة على أحكامه وشعائره حتى يموت عليه ، قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [آل عمران:102] . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg قال ابن كثير رحمه الله : " أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه ، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه ، ومن مات على شيء بُعث عليه ، فعياذًا بالله من خلاف ذلك " (1) اهـ. وروى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن مجاهد : أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَابْنُ عَبَّاسٍ جَالِسٌ مَعَهُ مِحْجَنٌ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } وَلَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنْ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ عَيْشَهُمْ فَكَيْفَ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا الزَّقُّومُ )) (2) . https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg ومن الدعوات الجامعة قول يوسف عليه السلام: { أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } [يوسف:101] ، ولا صلاح في الدنيا ولا سعادة فيها ولا أمْن ولا أمان إلا بالتمسك بهذا الدين والالتزام بكل تعاليمه وشرائعه وتوجيهاته ، بل صلاح الدنيا مرتبط بصلاح الدين ولذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه بينهم فقال : ((اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي ، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي ، وَاجْعَلْ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ ، وَاجْعَلْ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرٍّ))(3) . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg وكان صلى الله عليه وسلم يستفتح شهره بالدعاء المعروف عند رؤية الهلال وهو قوله: ((اللَّهُمَّ أَهْلِلْهُ عَلَيْنَا بِاليُمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلاَمَةِ وَالإِسْلاَمِ ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ ))(4) تنبيهاً منه صلى الله عليه وسلم إلى التلازم والارتباط بين الأمن والإيمان والسلامة والإسلام ، فكأنه يقول : إذا أراد الإنسان أن يعيش آمناً سالماً في شهره وفي سائر عمره فليتمسك بالإسلام وليحيا على الإيمان ، فإن من آمن بالله وتمسك بشرعه الذي أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ولم يعكر ذلك بشيء من الشرك أو الكفر أو البدعة أو المعاصي فإن الله قد ضمن له الأمن والسلامة والهداية في هذه الدنيا ويوم القيامة ، قال تعالى: https://i.imgur.com/iGHh7Dc.jpg { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [الأنعام: 82] ، وقال سبحانه : {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [30] نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [31] نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ [32] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ } [فصلت: 30-33] ، وقال سبحانه: { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [13] أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [الأحقاف: 13-14] . وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ)) (5). نسأل الله أن يحيينا على الإسلام ، وأن يميتنا على الإيمان ، وأن يثبتا على الحق والهدى إلى أن نلقاه سبحانه . https://i.imgur.com/0DM48mc.jpg ----------- (1) تفسير ابن كثير ( تفسير آل عمران:102 ، ج2 ص: 87 ). (2) المسند (2735) ، والترمذي (2585)، وابن ماجه (4325)، واللفظ للإمام أحمد. (3) رواه مسلم (2720). (4) رواه الترمذي (3451) . (5) مسلم (1844) . https://i.imgur.com/gUncf6R.gif |
رد: عن فضل أيام وليالى رمضان نتحدث --- متجدد إن شاء الله
|
| الساعة الآن : 02:09 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour