«عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم مقدمة كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» المقدمـــة: الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وأنزل عليه الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا، فقام صلى الله عليه وسلم به حتى تفطرت قدماه[1]، وأقرأه أمته وبلّغهم إياه، وعلّمهم ما فيه من المعاني والهداية والأحكام، وأوصاهم قبل وفاته صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به... ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي...» الحديث[2]. فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي نبيًا عن أمته، فقد بلّغ الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فعليه من الله أزكى الصلاة، وأتم التسليم. ورضي الله عن صحابته الكرام، الذين كانوا إذا تعلموا عشر آيات من القرآن لم يتجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلّموا القرآن والعلم والعمل جميعًا[3]، تعلّموه، وعملوا بما فيه، وعلّموه من بعدهم، ونقلوه بحروفه ومعانيه وأحكامه إلى أقطار الدنيا كلها، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ورحم الله من جاء بعدهم، من سلف هذه الأمة من التابعين وتابعيهم، ومن تبعهم، الذين قاموا بخدمة هذا الكتاب، بما دونوا من مؤلفات فيها بيان معانيه وأحكامه، وحلاله وحرامه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وأسباب نزوله، ومكيِّهِ ومدنيِّهِ، وسائر علومه فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا. وعمّ بالرحمة كل من رفع بهذا الكتاب رأسًا، أو قدم له خدمة، مبتغيًا بذلك وجه الله والدار الآخرة، ونضمنا -بفضله- في سلكهم إنه جواد كريم- أما بعد: فقد لمست من خلال تدريسي للطلاب في الجامعة مدى الحاجة الملحة إلى أن يقدم لهم، بل للأمة كلها تفسير كتاب الله- عز وجل- بغاية من التحقيق والتهذيب، والاختيار للصحيح، أو الراجح والأظهر من الأقوال، وما تحتمله الآيات، مع استخراج ما فيه من الهدايات والفوائد والأحكام، والحكم والمواعظ، والدروس التربوية؛ لكي يؤدي تفسير كتاب الله وتدريسه وتعليمه ثماره المرجوّة؛ صلاحًا في أعمال الأمة، وسموًا في آدابها وأخلاقها وسلوكها، أسوة بخير البشرية صلى الله عليه وسلم الذي كان خلقه القرآن؛ لتنشأ أجيال الأمة الإسلامية تحمل القرآن الكريم لفظًا ومعنى، وأحكامًا وآدابًا، تطبيقًا وسلوكًا وأخلاقًا، وهذا ما قصدت التنبيه عليه، والتوجيه إليه في هذا التفسير، قدر جهدي وطاقتي، متمثلًا قول شعيب عليه السلام: ï´؟ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ï´¾ [هود: 88]. وقد سلكت في هذا التفسير مسلك البسط والإيضاح، وتسهيل العبارة؛ لأن هذا المسلك هو الأمثل لتربية المسلمين بالقرآن الكريم وأحكامه وآدابه وأخلاقه، والذي هو الغاية من إنزال القرآن الكريم، وهو حقيقة تدبره وثمرته. وحرصت كل الحرص على أن أختار من الأقوال أصحها وأرجحها وأعمها، وما تحتمله دلالة الآية وسياقها، معتمدًا في ذلك على مصادر التفسير المعتمدة، من تفسير القرآن بالقرآن والسنة، وأسباب النزول وأقوال السلف من الصحابة والتابعين، ولغة العرب، وعلى كلام محققي أهل العلم، من المفسرين وغيرهم. وإذا كانت الآية تحتمل معنيين أو أكثر ذكرت تلك المعاني، مع حمل الآية على المعنى الأعم الأوسع؛ لأن من قواعد التفسير أن تحمل الآيات على أوسع معانيها. قال ابن القيم[4]: «والمعهود من ألفاظ القرآن كلها أن تكون دالة على جملة معانٍ». وقال الشنقيطي[5]: «تقرر عند العلماء أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها صحيحة تعيّن حملها على الجميع». كما حرصت أيضًا على اطّراح الأقوال الشاذة والضعيفة التي لا يؤيدها دليل، لا من السياق، ولا من غيره، بل إن جل هذه الأقوال لا يحتملها معنى الآية ولا سياقها، وما أكثر هذه الأقوال في كتب التفسير، والتي يجب إبعادها عن تفسير كلام الله عز وجل؛ لأنها لم تُبْنَ على دليل، بل هي قول على الله بغير علم، تشغل عن فهم معاني كلام الله- عز وجل- والمراد به، وتشتت القارئ، وتحول بينه وبين الوصول إلى المعنى الصحيح للآيات. قال ابن جرير الطبري[6]: «وغير جائز حمل كتاب الله ووحيه -جل ذكره- على الشواذ من الكلام، وله في المفهوم الجاري بين الناس وجه صحيح موجود». وقال ابن العربي[7]: «وأكثر أقوال المفسرين أضغاث، وآثار ضعاف». وقال ابن القيم[8]: «إن للقرآن عرفًا عامًا، ومعاني معهودة، لا يناسبه تفسيره بغيرها، ولا يجوز تفسيره بغير عرفه المعهود من معانيه، فتدبر هذه القاعدة، ولتكن منك على بال، فإنك تنتفع بها في معرفة ضعف كثير من أقوال المفسرين وزيفها، وتقطع أنها ليست مراد المتكلم تعالى بكلامه». وقال أيضًا[9]: «وكذلك كثير من المفسرين يأتون بالعجائب التي تنفر عنها النفوس، ويأباها القرآن أشد الإباء..». وصدق والله، وهذا مما يُعظم المسؤولية على من يتولى تفسير كلام الله -عز وجل- سواء في تفسير يؤلفه، أو مشافهة للناس في المساجد، أو المدارس والجامعات والمنتديات وغير ذلك. وقد أسميت هذا التفسير: «عون الرحمن في تفسير القرآن، وبيان ما فيه من الهدايات والفوائد والأحكام»، فلولا عونه -عز وجل- وتوفيقه ما كتب لهذا العمل التمام. وقد اعتمدت -بعد الله تعالى- في هذا التفسير، على أمهات كتب التفسير وعلوم القرآن، وكتب السنة وعلومها، والفقه وأصوله، وكتب اللغة، والتاريخ والسير، وغير ذلك. وقد حرصت في بداية العمل على الإحالة في كل ما أكتب، ثم آثرت بعد ذلك الاكتفاء من ذلك بما لا بد منه، كتخريج الأحاديث، والآثار والأشعار، وتوثيق النصوص والأقوال المنسوبة، ونحو ذلك، تخفيفًا على الحواشي. وقد اعتمدت فيما لم أُحِل إلى مصدره من القراءات، على كتاب «النشر في القراءات العشر»، كما اعتمدت في الإحالة على «تفسير الطبري» على تحقيق شاكر، وعلى تحقيق التركي. هذا.. وقد بدأت هذه الرحلة مع كتاب الله -عز وجل- وتفسيره قبل ثلاثة عقود، وكانت باكورةَ هذا العمل ونواتَه دروسٌ في التفسير، كنت ألقيها في المساجد في محافظة الشماسية، ثم في بريدة. فقد ضمنت هذا التفسير كل ما ألفته ونشرته من الكتب والرسائل في التفسير؛ وهي: 1) «اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب». 2) «تفسير آيات الأحكام في سورة النساء». 3) «تفسير آيات الأحكام في سورة المائدة». 4) «انشراح الصدور في تدبر سورة النور». 5) «منحة الكريم الوهاب في تفسير آيات الأحكام في سورة الأحزاب». 6) «تنوير العقول والأذهان في تفسير مفصل القرآن». 7) «تنوير العقول والأفهام في تفسير آيات الأحكام»، والذي نشر بعد ذلك باسم «التحقيق والبيان في أحكام القرآن». 8) «حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء». 9) «أحكام المواريث كما جاءت في سورة النساء». 10) «وجوب أداء حقوق النساء ومعاشرتهن بالمعروف». 11) «التوبة وشروطها». 12) «المحرمات من النساء». 13) «آية الحقوق العشرة». 14) «وجوب أداء الأمانات إلى أهلها». 15) «التحية في الإسلام». 16) «أنواع القتل وجزاؤها في الإسلام». 17) «وجوب الهجرة في سبيل الله». 18) «قصر الصلاة في السفر والخوف». 19) «ربح أيام العمر في تدبر سورة العصر». 20) «تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر». 21) «الحرز الأمين في تدبر سورة الإخلاص والمعوذتين». وأسأل الله بمنه وكرمه أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم وأن يعم بنفعه، وأن يضاعف أجره ليَ ولوالديَّ ووالديهم، ولكل مَن استفدت منهم من علماء المسلمين في التفسير وغيره، وأن يبارك في ثوابه لأهلي وأولادي، ومشايخي، ومن أحبني في الله، ومن أحببته في الله، ولكل من قرأ فيه، واستفاد منه، فإن فضله عز وجل عظيم، وكرمه واسع، وجوده عميم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلــف الخميس 3 /3 /1441هـ [1] أخرج مسلم في «صفات المنافقين وأحكامهم» (2820) عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «يا عائشة: أفلا أكون عبدًا شكورًا». وأخرج البخاري معلقًا- في «التهجد» قول عائشة فقط بلفظ: «كان يقوم حتى تفطر قدماه». وأخرجا نحوه من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عند البخاري حديث (1130)، وعند مسلم حديث (2819). [2] أخرجه مسلم في «فضائل الصحابة»- فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه (2408). [3] أخرج هذا الطبري في «جامع البيان» (1 /80) من حديث ابن مسعود، وأبي عبدالرحمن السلمي بإسنادين صحيحين، الأثرين (81، 82/ تحقيق شاكر). [4] في «جلاء الأفهام» ص(308) [5] في «أضواء البيان» (3 /124). [6] في «جامع البيان» (4 /153/ تحقيق شاكر). [7] في «أحكام القرآن» (1 /329). [8] في «بدائع الفوائد» (3 /27-28). [9] في «الصواعق المرسلة» (2 /694). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
أركــــان الاســــتعاذة فضيلة الشيخ الدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم تتكون الاستعاذة- كما يقول بعض أهل العلم[1]- من خمسة أركان هي: أ- صيغة الاستعاذة ولفظها، وقد تقدم. ب- المستعيذ، وهو المؤمن الذي رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، ونطق بالاستعاذة، وواطأ عنده القلب اللسان، فأيقن أن هذه الاستعاذة تحميه، بإذن الله من الشيطان الرجيم. ج- المستعاذ به وهو الله- جل وعلا- الذي مَن استعاذ به أعاذه، وأجاره وعصمه، وحفظه وحماه، كما أعاذ مريم ابنة عمران وذريتها وعصمها بسبب دعاء والدتها امرأة عمران وإعاذتها إياها بالله من الشيطان الرجيم، كما قال تعالى: ï´؟ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ï´¾ [آل عمران: 36، 37]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخًا إلا ابن مريم وأمه»[2]. فالاستعاذة إنما تكون بالله -جل وعلا- وأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وكلماته التامة، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر. وأكثر ما ورد في القرآن الاستعاذة باسمه تعالى «الله». قال الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [الأعراف: 200]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ï´¾ [فصلت: 36]، وقال تعالى: ï´؟ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ï´¾ [غافر: 56]. وقال موسى عليه السلام فيما ذكر الله عنه: ï´؟ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ï´¾ [البقرة: 67]، وقال يوسف عليه السلام: ï´؟ مَعَاذَ اللَّهِ ï´¾ [يوسف:23، 79]. أي: عياذًا بالله. كما وردت الاستعاذة كثيرًا باسمه تعالى: «الرب». قال الله تعالى: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ï´¾ [الفلق: 1]، ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ï´¾ [الناس: 1]. وقال موسى عليه السلام: ï´؟ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ï´¾ [غافر: 27]، وقال عليه السلام: ï´؟ وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ï´¾ [الدخان: 20]. أو بمضمر يعود على الرب، قال تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ï´¾ [المؤمنون: 97، 98]. وقال نوح -عليه السلام: ï´؟ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ï´¾ [هود: 47]. وقالت امرأة عمران: ï´؟ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [آل عمران: 36]. ووردت الاستعاذة باسمه «الرحمن» مرة واحدة. قال الله تعالى عن مريم -عليها السلام: ï´؟ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ï´¾ [مريم: 18]. وفي الحديث: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»[3]. «أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق وذرأ وبرأ» الحديث[4]. ولا تصح الاستعاذة بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله لا تدفع شرًّا، ولا تجلب خيرًا، بل مما يزيد المستعيذ خوفًا ورهقًا، كما قال تعالى في سورة الجن: ï´؟ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ï´¾ [الجن: 6] [5]. د- الركن الرابع من أركان الاستعاذة: المستعاذ منه، وهو الشيطان الرجيم، أعاذنا الله منه. هـ- الركن الخامس من أركانها: المطلب الذي من أجله يستعيذ المسلم، وهو السلامة في دينه ودنياه، من الشيطان ووسوسته ومكايده وجميع شروره. قال الله تعالى: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ï´¾ [الناس: 1 - 4]. وقال تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ï´¾ [المؤمنون: 97، 98]. وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم»[6]. قال ابن القيم في «إغاثة اللهفان»[7] بعد أن ذكر هذا الحديث: «فتضمن هذا الحديث الشريف الاستعاذة من الشر وأسبابه، وغايته، فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس، أو من الشيطان، وغايته: إما أن يعود على العامل أو على أخيه المسلم...». وقال الطبري[8] في كلامه على معنى الاستعاذة: «أستجير بالله- دون غيره من سائر خلقه- من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي». وقال ابن كثير[9]: «أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه». المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن» [1] انظر: «التفسير الكبير» (1 /71)، «غرائب القرآن» (1 /16). [2] أخرجه مسلم في الفضائل- باب فضائل عيسى- عليه السلام (2366)، وأحمد (2 /233). [3] سيأتي تخريجه. [4] أخرجه الإمام أحمد (3 /419)، من حديث عبد الرحمن بن حبش رضي الله عنه. [5] انظر: «التفسير القيم» ص(542). [6] سيأتي تخريجه بتمامه. [7] (1 /146). [8] في «جامع البيان» (1 /111) تحقيق شاكر. [9] في «تفسيره» (1 /33). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
|
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
مكان الاستعاذة من القراءة فضيلة الشيخ الدكتور سليمان بن إبراهيم اللاحم قال الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]. ظاهر الآية أن الاستعاذة محلها بعد القراءة. وقد تمسك بهذا الظاهر بعض القراء، فنقل ذلك عن حمزة[1]، وأبي حاتم السجستاني[2]، ورُويَ ذلك- أيضًا- عن أبي هريرة[3]- رضي الله عنه، ومحمد بن سيرين[4]، وإبراهيم النخعي[5]، وداود الظاهري[6]، وحكاه القرطبي[7] وغيره عن مالك واستغرب ذلك ابن العربي[8]. واحتج بعضهم لهذا القول بأن الاستعاذة بعد القراءة تدفع الإعجاب بعد فراغ القراءة[9]، وتكون سببًا للاستفادة من التلاوة، وحفظها وثباتها[10]. وجمهور أهل العلم والتحقيق على أن الاستعاذة مشروعة قبل القراءة، وأن معنى قوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]، أي: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، كقوله تعالى: ï´؟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ ï´¾ [المائدة: 6]. أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة، وكقوله تعالى: ï´؟ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا ï´¾ [الأنعام: 152] أي: إذا أردتم القول، وكقوله تعالى: ï´؟ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ï´¾ [الأحزاب: 53] أي: إذا أردتم سؤالهن، فاسألوهن من وراء حجاب، وكقوله تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ï´¾ [المجادلة: 12]أي إذا أردتم مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم[11]. قال القرطبي[12]: «فأوقع الماضي، مكان المستقبل، كقول الشاعر: وإنـــي لآتيكــم لذكــر الــذي مضــى *** من الود واسـتئناف ما كـان في غد[13] أي ما يكون في غد». وعلى هذا المعنى دلت السنة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة بالليل كبَّر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرًا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه»[14]. وهذا القول هو الصحيح. قال الجصاص[15]: «وقول من قال: إن الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة شاذ، وإنما الاستعاذة قبل القراءة، لنفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال الله تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ï´¾ [الحج: 52]، فإنما أمر الله بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة». بل حُكي الإجماع عليه. قال مكي في كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع»[16]: «فإن قيل: فإن ظاهر النص أن يتعوذ القارئ بعد القراءة؛ لأنه قال: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ ï´¾ [النحل: 98] والفاء بعدما قبلها تتبعه هو أصلها، فالجواب: أن المعنى على خلاف الظاهر، معناه: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، ودل على ذلك الإجماع أن الاستعاذة قبل القراءة، ودليل هذا المعنى قوله تعالى: ï´؟ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا ï´¾ [الأعراف: 4]، فوقع في ظاهر التلاوة أن مجيء البأس بعد الهلاك، وليس المعنى على ذلك، إنما معناه: وكم من قرية أردنا إهلاكها، فجاءها بأسنا، فمجيء البأس بعد إرادة الهلاك وقبل الهلاك، وكذلك التعوذ المأمور به يكون بعد إرادة القراءة وقبل القراءة، على أصل الفاء». وقد ضعف ابن الجزري[17] صحة المروي في هذا، عن حمزة وأبي حاتم، وأبي هريرة وابن سيرين والنخعي، في أنها بعد القراءة، وقال: «محلها قبل القراءة إجماعًا، ولا يصح قول بخلافه، عن أحد ممن يعتبر قوله». واتفق القراء على مشروعية التعوذ قبل البسملة في ابتداء السور، واختلفوا فيما إذا ابتدأ القارئ بوسط السورة، هل يتعوذ، أو يبسمل، أو يجمع بينهما. والصحيح أنه يتعوذ فقط، ويقف بعد الاستعاذة ثم يقرأ، ويجوز أن يصل الاستعاذة بالقراءة[18]. واستثنى بعض أهل العلم مثل قوله تعالى: ï´؟ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ï´¾ [البقرة: 255]، وقوله تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ ï´¾ [الأنعام: 141]، وقوله تعالى: ï´؟ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ï´¾ [الروم: 54]، وقوله تعالى: ï´؟ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ï´¾ [فصلت: 47]، ونحوها من الآيات، نظرًا لما في الاستعاذة قبلها من قبح اللفظ، قالوا: ففي مثل هذه المواضع يستعيذ ثم يبسمل[19]. وهذا الاستثناء لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه؛ لأن الأمر بالاستعاذة عام لكل قراءة للقرآن، من أي موضع منه كانت القراءة، والبسملة- على الصحيح- لا تشرع إلا في أول السورة. والتعليل بقبح اللفظ لا يكفي مسوغًا للبسملة وسط السورة بلا دليل، لكن كما يشرع الوقف على كثير من آي القرآن لمراعاة اللفظ والمعنى، فكذلك ينبغي أن يقف القارئ بعد الاستعاذة، ويسكت قليلاً في مثل هذه المواضع المذكورة، وبهذا يزول القبح. المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن » [1] انظر: «غرائب القرآن» للنيسابوري (1/ 16). [2] انظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 29). [3] انظر: «التفسير الكبير» (20/ 114)، «المجموع» (3/ 325)، «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 88). [4] أخرج عبدالرزاق- في الصلاة- باب متى يستعيذ (2590)، وابن أبي شيبة- في الصلوات- في التعوذ كيف هو (1/ 238) عن ابن سيرين أنه كان يتعوذ قبل أن يقرأ أم القرآن وبعد قراءتها. [5] أخرجه عن النخعي عبدالرزاق- في الصلاة- متى يستعيذ (2593). [6] انظر: «التفسير الكبير» (1/ 59)، «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 88). [7] في «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 88). [8] انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي (3/ 1175-1176). [9] انظر: «التفسير الكبير» (1/ 59)، «تفسير ابن كثير» (1/ 29). [10] انظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 148). [11] انظر: «المصنف» لعبدالرزاق- الصلاة- باب متى يستعيذ- الآثار (2588-2593)، «جامع البيان» (14/ 173)، «أحكام القرآن» للجصاص (3/ 191). [12] في «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 86). [13] البيت للطرماح. انظر: «ذيل ديوانه» ص(572). [14] سبق تخريجه. [15] في «أحكام القرآن» (3/ 191). [16] (1/ 9). [17] في «النشر» (1/ 254). [18] انظر: «التبصرة» ص(246-250)، «الإقناع» (1/ 154)، «البرهان» (1/ 460)، «النشر» (1/ 157/ 265). [19] انظر: «البرهان» (1/ 460)، «النشر» (1/ 266). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
إعراب الاستعاذة، ومعناها الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم أ- إعرابهــا: لعل من المناسب إعراب الآية التي هي الأصل في مشروعية الاستعاذة عند القراءة. وهي قوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]؛ لأنها مشتملة -كما أشرت سابقًا- على جل ألفاظ صيغة الاستعاذة المختارة وهي: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقوله: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ï´¾ ï´؟ فَإِذَا ï´¾ الفاء للاستئناف، و«إذا»: ظرف للزمن المستقبل متضمن معنى الشرط، في محل نصب متعلق بمضمون الجواب. ï´؟ قَرَأْتَ ï´¾ قرأ فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بالضمير، والتاء ضمير للمخاطب مبني على الفتح في محل رفع فاعل.ï´؟ الْقُرْآنَï´¾: مفعول به منصوب. ï´؟ فَاسْتَعِذْ ï´¾ الفاء رابطة لجواب الشرط. استعذ: فعل أمر مبني على السكون الظاهر والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت. ï´؟ بِاللَّهِ ï´¾ الباء حرف جر، ولفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلقان بـ(استعذ). ï´؟ مِنَ الشَّيْطَانِ ï´¾ ï´؟ مِنَ ï´¾: حرف جر، وï´؟ الشَّيْطَانِ ï´¾ اسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلقان بـ(استعذ). ï´؟ الرَّجِيمِ ï´¾ صفة للشيطان مجرورة مثله، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها. ب- معناهــا: [ أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ] (أَعُوذُ) فعل مضارع، يقال: عذت أعوذ، كما يقال: عاذ يعوذ عوذًا وعياذًا، ومعاذًا. قال يوسف- عليه السلام: ï´؟ مَعَاذَ اللَّهِ ï´¾ [يوسف:23، 79] أي: عياذًا بالله. (أَعُوذُ بِاللهِ) بمعنى أعتصم بالله[1]، كما جاء في حديث أبي هريرة في الدعاء عند دخول المسجد: «اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم»[2]. قال الحصين بن الحمام يخاطب قبيلته[3]: وعــوذي بأفنــاء العشــيرة إنمــا *** يعــوذ الذليــل بالعزيـز ليعصمـا وقـال الراجــز[4]: قالـــت وفيهـــا حيــــدة وذعــــر *** عَـــوذي بربــي منكـــم وحـجــر أي: اعتصامي بربي. وبمعنى: ألتجئ إلى الله. قال ابن فارس[5]: «العين والواو والذال أصل صحيح، يدل على معنى واحد، وهو الالتجاء إلى الشيء». وبمعنى: أستجير بالله[6]، وأتحرَّز به[7]، واستعين به[8]. وأمتنع به من المكروه[9]، وأتعلق به[10]، وأتحيز إليه[11]، وألوذ به[12]. ويقال: إن العياذة لدفع الشر، واللياذة لطلب الخير. قال ابن كثير[13]: «والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير كما قال المتنبي[14]: يا من ألوذ به فيما أؤمله https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ومن أعوذ به ممّا أحاذره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لا يجبر الناس عظمًا أنت كاسره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا يهيضون عظمًا أنت جابره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لكن بعض أهل اللغة- كما تقدم- على أنهما بمعنى واحد. قال ابن منظور[15]: «الملاذ مثل المعاذ». (بِاللهِ) الباء للاستعانة[16]، وقيل: للإلصاق[17]. الله: علم على ذات الرب- جل وعلا- وأصل أسمائه سبحانه وتعالى، ومعناه: المألوه المعبود محبة وتعظيمًا. وسيأتي تفصيل الكلام فيه في البسملة- إن شاء الله. وجملة أعوذ بالله خبرية تتضمن طلب الإعاذة[18]. (مِنَ الشَّيْطَانِ) من لابتداء الغاية. (الشَّيْطَانِ): مأخوذ عند جمهور أهل اللغة ومحققيهم من شطن بمعنى: بَعُد، يقال: بئر شطون، أي: بعيدة القعر والمدى[19]. قال النابغة الذبياني[20]: نأت بسعاد عنك نوى شطون *** فبانت والفؤاد بها رهين والشَطَن الحبل، أو الحبل الطويل[21]. قال عنترة[22]: يدعون عنتر والرماح كأنها *** أشطانُ بئرٍ في لَبَان الأدهم فأشطان جمع «شَطَن» وهو الحبل الطويل. فالنون فيه أصلية. قال ابن فارس[23]: «الشين والطاء والنون أصل مطرد ويدل على البعد». والشيطان على وزن «فيعال»، للدلالة على أنه بلغ الغاية في البعد[24]. وقيل: إنه مأخوذ من «شاط يشيط»، إذا هاج واشتد غضبًا، وهلك واحترق وبطل، وعلى هذا فالنون فيه زائدة[25]. والصحيح القول الأول. قال سيبويه[26]: «العرب تقول تشيطن». وقال الطبري[27] بعدما ذكر القول بأنه مشتق من «شطن»: «ومما يدل على أن ذلك كذلك قول أمية بن أبي الصلت[28]: أيما شاطنٍ عَصاه عَكاه *** ثم يلقى في السجن والأكبال قال الطبري: ولو كان فعلان من شاط يشيط لقال: أيما شائطٍ، ولكنه قال: أيما شاطن؛ لأنه من شَطَن يَشْطُن فهو شاطن». و«ال» في «الشيطان» للجنس[29]، فهو كل متمرد، عات، خارج عن طاعة الله تعالى، من الجن، والإنس، والدواب، وكل شيء؛ قال تعالى: ï´؟ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ ï´¾ [الصافات: 7]. ولهذا جمع في قوله تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ï´¾ [المؤمنون: 97]. وهو يكون من الإنس والجن، كما قال الله تعالى: ï´؟ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ï´¾ [الأنعام: 112]، وقال تعالى: ï´؟ وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ï´¾ [الجن: 6]، أي: شياطين إنس يعوذون بشياطين جن. وقال تعالى: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ï´¾ [الناس: 1 - 6]. أي شياطين جن وإنس يوسوسون في صدور الناس. وقال تعالى: ï´؟ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ï´¾ [البقرة: 14] أي شياطين إنس بإنس. قال جرير[30]: أيامَ يَدْعُونني الشيطانَ من غَزَلٍ *** وهن يَهْوَيْنَني إذْ كنتُ شَيْطانَا ويكون من الحيوانات كما جاء في حديث أبي ذر- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع الصلاة الحمار والمرأة والكلب الأسود. قلت: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟! قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فقال: الكلب الأسود شيطان»[31]. وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- «ركب برذونا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترًا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي»[32]. وإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانًا لمفارقته لبني جنسه في أخلاقه، وأفعاله، وصفاته، وطباعه، ومباعدته لهم، وبسبب فسقه، وبعده عن الحق والهدى والخير، وعن رحمة الله تعالى[33]. «ï*»» «فعيل» بمعنى «مفعول» أي: مرجوم[34] كسعير بمعنى: مسعور، مأخوذ من الرجم: وهو الرمي بفعل أو قول. فمن الرجم بالفعل: الرجم والرمي بالحجارة. قال ابن فارس[35]: «الراء والجيم والميم، أصل واحد، يرجع إلى وجه واحد، وهو الرمي بالحجارة». ومن الرجم بالقول: قوله تعالى: ï´؟ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ï´¾ [الكهف: 22]، أي: قولاً بالظن. وقوله تعالى عن آزر أنه قال لإبراهيم- عليه السلام: ï´؟ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ï´¾ [مريم: 46] أي: لأرمينك بسيئ القول. قال المرقش الأصغر[36]: وإني وإن كلَّت قَلوصي لراجمٌ *** بها وبنفسـي يا فُطيْمُ المراجما ومنه القذف بالزنى، فإنه رجم ورمي بالقول. والشيطان مرجوم بالفعل والقول: أي فعلاً وقولاً، حسًّا ومعنى. فهو مرجوم فعلاً وحسًّا بإخراجه من الجنة وطرده عنها، وعن الملأ الأعلى وبإهباطه من السموا ت إلى الأرض[37]. قال الله تعالى: ï´؟ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ï´¾ [الأعراف: 13]، وقال تعالى: ï´؟ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا ï´¾ [الأعراف: 18]، وقال تعالى: ï´؟ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الحجر: 34، 35]، وقال تعالى: ï´؟ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [ص: 77، 78]. وهو مرجوم فعلاً وحسًّا بالشهب، قال الله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ ï´¾ [الملك: 5]. وقال تعالى: ï´؟ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ ï´¾ [الصافات: 6 - 10]. وقال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ ï´¾ [الحجر: 16 - 18]. وقال تعالى: ï´؟ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ï´¾ [الجن: 8، 9]. وهو مرجوم قولاً ومعنى؛ لأن الله بعد أن أبعده ورجمه بالفعل بإخراجه من الجنة، ومن بين الملأ الأعلى، وطرده من جواره، وسلط عليه الرمي بالشهب حكم عليه أيضًا باللعنة فهو ملعون بلعنة الله إلى يوم القيامة مقضي عليه بالخيبة والخسران، ومطرود عن رحمة الله، وعن كل خير[38]. قال الله تعالى: ï´؟ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الحجر: 35]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [ص: 78]، وقال تعالى: ï´؟ إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ ï´¾ [النساء: 117، 118]. وقيل: (الرَّجِيمِ) «فعيل» بمعنى «فاعل»؛ لأنه يوسوس للناس، ويُزين لهم المعاصي، وطرق الشر، ويحثهم عليها، ويُبعدهم عن الخير، ويكيد لهم في ذلك كله أنواع المكايد[39]. قال ابن كثير[40]: «والأول أشهر وأصح». هذا هو معنى أصح صيغ الاستعاذة: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». وقد جاء في الصيغ الأخرى بعض الزيادات. يتبع |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
ففي الصيغة الثانية زيادة: «السميع العليم». وهما اسمان من أسماء الله تعالى فـ«السميع» مشتق من صفة السمع وهو على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة، يدل على أنه- جل وعلا- ذو السمع الذي وسع جميع الأصوات. قال تعالى: ï´؟ لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ï´¾ [آل عمران: 181]، وقال تعالى: ï´؟ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ï´¾ [المجادلة: 1]. قالت عائشة- رضي الله عنها: «الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها، وما أسمع ما تقول. فأنزل الله: ï´؟ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ï´¾ [المجادلة: 1] »[41]. و«العليم»: اسم من أسماء الله مشتق من العلم. والعلم: إدراك المعلوم على ما هو عليه[42] إدراكًا جازمًا. و«العليم» على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة يدل على أنه تعالى ذو العلم الواسع التام المحيط بالأشياء كلها جملةً وتفصيلاً، في أطوارها الثلاثة، قبل الوجود، وبعده، وبعد العدم، كما قال موسى- عليه السلام- حينما سئل عن القرون الأولى ï´؟ قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى ï´¾ [طه: 52]. فلا يعتري علمه- جل وعلا- جهل سابق، ولا نسيان لاحق, قال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ï´¾ [طه: 98]. وجاء في الصيغة الثالثة والرابعة زيادة: «من همزه ونفخه ونفثه». فهمز الشيطان: المُوتة - بضم الميم، وهي الخنق: نوع من الجنون والصرع[43]. وقد أنكر كثير من العقلانيين صرع الجن للإنس، وملابسة الجني للإنسي، ودخوله في بدنه، وقد دلَّ الكتاب والسُّنَّة على ذلك. قال الله تعالى: ï´؟ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ï´¾ [البقرة: 275]. وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» متفق عليه. وقد ثبت عن الإمام أحمد -رحمه الله- أنه كان يقرأ على المصروع، فيتكلم الجني، ويعاهد، ويخرج، فيقوم المصروع ما به أذى. وقد حصل ذلك أيضًا لغيره من العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، ووقائع ذلك وشواهده أكثر من أن تحصر[44]. ولقد وصل الأمر ببعض المسلمين من الكُتَّاب وغيرهم، إلى إنكار وجودهم- شأن بعض أهل الكتاب، مع أن الله ذكرهم في كتابه في مواضع كثيرة، وأفرد لهم سورة كاملة تسمى سورة «الجن» وجاء ذكرهم في السُّنَّة في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الاستعاذة وغير ذلك، كحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثًا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان»[45]. فالواجب الإيمان بوجودهم، وبكل ما ذكر الله عنهم في كتابه وفي سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، مثل كونهم يتناسلون، قال الله تعالى عن الشيطان: ï´؟ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي ï´¾ [الكهف: 50]. ومثل كونهم يَرون الإنس، قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ï´¾ [الأعراف: 27]. وأن الرسل من الإنس أرسلوا إليهم وإلى الإنس, كما قال تعالى: ï´؟ يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ï´¾ [الأنعام: 130]. وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول لهم وللإنس، قال تعالى: ï´؟ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ï´¾ [الجن: 1، 2]. (ونفخه) الكبر[46]. (ونفثه): الشعر؛ لأنه ينفث من الفم[47]. وقيل: السحر[48] ولا مانع من حمله عليهما معًا فالشعر والسحر كلاهما من نفث الشيطان لكن المراد بالشعر هنا الشعر المذموم في الأغراض السيئة كنصرة الباطل وأهله، والهجاء المقذع، والغزل الماجن، والمدح المفرط، ونحو ذلك. أما الشعر المحمود، في الأغراض الشريفة السامية، كالانتصار للحق، والحث على الفضائل، ومكارم الأخلاق، والتحذير من الرذائل ومساوئ الأخلاق فهذا ليس من نفث الشيطان. قال تعالى: ï´؟ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ï´¾ [الشعراء: 224 - 227] أي انتصروا للحق وأهله. ولقد كان الشعر في صدر الإسلام من أقوى أسلحة الدعوة وأعظمها. فعن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل»، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: «اهجهم»، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذَنَبه، ثم أَدلعَ لسانهَ، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفرينهم بلساني، فري الأديم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي» فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأَسُلنَّك منهم، كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان: «إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله» وقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى». قال حسان: هجوت محمدًا فأجبت عنه *** وعند الله في ذاك الجزاء هجــوت محمــدًا بــرًّا تقيًّــا...*** إلخ»[49]. وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لحسان بن ثابت: «اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك» [50]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أن عمر مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحظ إليه، فقال: قد كنتُ أنشد وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم»[51]. وقد كان صلى الله عليه وسلم يردد مع أصحابه -رضوان الله عليهم- يوم الخندق: والله لولا أنت ما اهتدينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا تصدقنا ولا صلينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فأنزلن سكينة علينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وثبت الأقدام إن لاقينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إن الألى قد بغوا علينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وإن أرادوا فتنة أبينا[52] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكان يقول -أيضًا- يوم الخندق: «اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة». فقالوا مجيبين له: نحن الذين بايعوا محمدا *** على الجهاد ما بقينا أبدا[53] وكان عليه الصلاة والسلام يقول يوم حنين: أنا النبي لا كذب *** أنا ابن عبدالمطلب[54] ومما يدل على أهمية الشعر في صدر الإسلام، وأنه كان من أقوى أسلحة الدعوة، ما جاء في قصة الأعشى، عندما جاء ليسلم، حاملاً قصيدته المأثورة المشهورة: ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا *** وبت كما بات السليم مسهدا والتي جاء فيها: فآليت لا أرثي لها من كلالة https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا من حفى حتى تلاقي محمدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif متى ما تناخي عند باب ابن هاشم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تراحي وتلقي من فواضله ندا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نبيًا يرى ما لا يرون وذكره https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أغار لعمري في البلاد وأنجدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif له صدقات ما تغب ونائل https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وليس عطاء اليوم مانعه غدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أجدك لم تسمع وصاة محمد https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نبي الإله حيث أوصى وأشهدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولاقيت بعد الموت من قد تزودا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ندمت على ألا تكون كمثله https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأنك لم ترصد لما كان أرصدا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ... إلخ. فقد قابله المشركون، فعرضوا عليه أن يرجع تلك السنة وأعطوه مائة ناقة، وذلك اتقاء لسانه، وخوفًا أن يكون في جانب الدعوة إلى الله، فقبل ذلك، على أن يعود من العام القابل فيسلم، وفي رجوعه، سقط من دابته على رقبته، فمات[55]. المصدر: «عون الرحمن في تفسير القرآن» [1] انظر: مادة «عوذ» في «النهاية»، «لسان العرب»، وانظر: «إغاثة اللهفان» (1/ 147). [2] سيأتي تخريجه. [3] انظر: «المفضليات» ص(68)، المفضلية(12). [4] انظر: «إصلاح المنطق» ص(81)، «مجالس ثعلب» ص(181)، «المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة» ص(82)، «اللسان» مادة «عوذ». [5] في «مقاييس اللغة»: مادة «عوذ». [6] انظر: «جامع البيان» (1/ 111). [7] انظر: «التفسير القيم» ص(538). [8] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48). [9] انظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (1/ 7). [10] انظر: «المفردات في غريب القرآن»، مادة «عوذ». [11] انظر: «المحرر الوجيز» (1/ 48). [12] انظر: مادة «عوذ» في «النهاية»، «لسان العرب». [13] في «تفسيره» (1/ 33). [14] انظر: «ديوانه» (1/ 160-161). [15] في «اللسان» مادة «عوذ». [16] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48). [17] قال ابن كثير (1/ 33): «الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابه من شر كل ذي شر». وانظر: «غرائب القرآن» للنيسابوري (1/ 17). [18] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «التفسير الكبير» (1/ 96). [19] انظر: «الكتاب» لسيبويه ص(260، 286، 321)، «تفسير الطبري» (1/ 112). وانظر مادة «شطن» في «تهذيب اللغة». [20] انظر: «ديوانه» ص(362). [21] انظر: «النهاية»، «لسان العرب» مادة «شطن». [22] انظر: «ديوانه» ص(216)، «شرح القصائد» لابن الأنباري ص(359)- معلقة عنترة البيت الثامن والستون. [23] في «مقاييس اللغة» مادة «شطن». [24] انظر: «تفسير الطبري» (1/ 112)، «المحرر الوجيز» (1/ 49). [25] انظر: «مقاييس اللغة»، «المفردات في غريب القرآن» مادة «شطن». [26] في «الكتاب» (4/ 286، 321). [27] في «جامع البيان» (1/ 112). [28] انظر: «ديوانه» ص(445). ومعنى عكاه: شده، وأوثقه، والأكبال: القيود. [29] انظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (1/ 7)، «التفسير الكبير» (1/ 95، 20/ 115). [30] انظر: «ديوانه» ص(165) «لسان العرب» مادة «شطن». [31] أخرجه مسلم في الصلاة- باب قدر ما يستر المصلي (510)، وأبوداود في الصلاة- باب ما يقطع الصلاة (702). وأخرجه أيضًا مسلم في الموضع السابق (511) من حديث أبي هريرة بلفظ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل». ومعنى الكلب الأسود شيطان: أي أنه خبيث يتلون. [32] أخرجه الطبري الأثر (36)، وذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 34)، وقال: «إسناده صحيح». [33] انظر: «جامع البيان» (1/ 111)، «المحرر الوجيز» (1/ 49)، «تفسير ابن كثير» (1/ 33). [34] انظر: «تهذيب اللغة»، «لسان العرب» مادة «رجم». [35] في «مقاييس اللغة» مادة «رجم». [36] انظر: «المفضليات» ص(246)، المفضلية (56). [37] انظر: «جامع البيان» (1/ 112)، ومادة «رجم» في «المفردات في غريب القرآن»، «لسان العرب». [38] انظر: «جامع البيان» (1/ 112)، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (1/ 10)، «تفسير ابن كثير» (1/ 34). [39] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «لباب التأويل في معاني التنزيل» (1/ 10). [40] في «تفسيره» (1/ 34). [41] أخرجه ابن ماجه في المقدمة (188). وصححه الألباني حديث (155). وأخرجه أحمد (6/ 46). [42] انظر: «شرح صحيح مسلم» (16/ 213). [43] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «النهاية» مادة: «همز»، «إغاثة اللهفان» (1/ 154-155). [44] انظر: «مجموع الفتاوى» (19/ 9-65)، «زاد المعاد» (4/ 66)، «رسالة إيضاح الحق في دخول الجني في الإنسي» لابن باز، «الصحيح البرهان فيما يطرد الشيطان» ص(51). [45] أخرجه مسلم في السلام (2236)- من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [46] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48)، «النهاية» مادة «نفخ». [47] انظر: «النهاية» مادة «نفث». [48] انظر: «النكت والعيون» (1/ 48). [49] أخرجه مسلم- في فضائل الصحابة- فضائل حسان بن ثابت- رضي الله عنه (2490)، والبخاري في المغازي مختصرًا جدًا وليس فيه ذكر الشعر (4145). [50] أخرجه البخاري- في بدء الخلق- باب ذكر الملائكة (3213)، ومسلم في فضائل الصحابة- فضائل حسان بن ثابت (2486). [51] أخرجه البخاري- في بدء الخلق- باب ذكر الملائكة (3212)، ومسلم في فضائل الصحابة- فضائل حسان بن ثابت (2485). [52] أخرجه من حديث البراء- البخاري في الجهاد- باب حفر الخندق (2837)، ومسلم- في الجهاد والسير- باب غزوة الأحزاب (1803)، وهذه الأبيات لعامر ابن الأكوع. انظر: «السيرة النبوية» لابن هشام (2/ 328)، «شرح أبيات مغني اللبيب» (6/ 37-39) . [53] أخرجه من حديث أنس بن مالك- رضي الله عنه- البخاري- في الجهاد- باب الصبر عند القتال (2834)، ومسلم- في الجهاد والسير (1805). [54] أخرجه من حديث البراء- البخاري- باب من قاد دابة غيره في الحرب (2864)، ومسلم في الجهاد والسير- باب غزوة حنين (1776). [55] انظر: «ديوان الأعشى» ص(185-187)، «السيرة النبوية» (2/ 26-28)، «الشعر والشعراء» ص(275). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
حكم الاستعاذة عند قراءة القرآن، في الصلاة أو خارجها الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم اختلف أهل العلم في حكم الاستعاذة عند القراءة. فذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة في الصلاة وخارجها[1]، منهم عطاء[2]، واختاره ابن حزم في المحلى[3]، وانتصر له. وقد استدل من ذهب إلى هذا القول بظاهر الآية: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِï´¾ [النحل:98]. قالوا: فالأمر يقتضي الوجوب، كما استدلوا بمواظبة الرسول صلى الله عليه وسلم على التعوذ وتعليمه ذلك لأصحابه، وبأن شر الشيطان يجب دفعه بكل وسيلة، وأعظم وسيلة لدفعه هي اللجوء إلى الله، والاستعاذة به من شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. فعلى هذا إذا نسي القارئ أن يستعيذ قطع القراءة فتعوذ، وابتدأ من حيث وقف، وقيل من أول الحزب. وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن الاستعاذة مستحبة قبل كل قراءة للقرآن، سواء كان ذلك في الصلاة، أو خارجها. وهذا مروي عن ابن عمر، وأبي هريرة[4]، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، والثوري[5]. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه[6]، وأحمد بن حنبل، وأصحابه[7]، وإسحاق[8]، وهو الذي اختاره أكثر الشافعية، وصححوه عن الشافعي[9]. وحملوا الأمر في الآية: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِï´¾ على الندب والاستحباب، كقوله تعالى:ï´؟ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ ï´¾ [النساء:3]، وقوله تعالى: ï´؟ وَأَنْكِحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ ï´¾ [النور:32][10]. وقد استدلوا لهذا القول بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يذكر كثيرًا من الآيات ضمن الأحاديث التي صحت عنه، وما نقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ، فدل هذا على أن الأمر هنا ليس للوجوب. وقال الطبري[11]: «يستدل له بإجماع الجميع على عدم وجوبها». وقال السرخسي في «المبسوط»[12] بعد أن ذكر قول عطاء بوجوبها: «وهو مخالف لإجماع السلف فقد كانوا مجمعين على أنها سنة». وقال ابن عطية[13]: «أجمعوا على استحسان ذلك والتزامه في كل قراءة في غير الصلاة». وقال ابن هبيرة في «الإفصاح»[14]: «واتفقوا على أن التعوذ في الصلاة على الإطلاق قبل القراءة سنة إلا مالكًا، فإنه قال: لا يتعوذ في المكتوبة». وقال النووي في «التبيان»[15]: «ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو في غيرها». وقال ابن كثير[16]: «وجمهور العلماء على أن الاستعاذة مستحبة، ليست بمتحتمة يأثم تاركها». ومعلوم أن التعوذ إنما شرع للتلاوة المجردة، وشرع في الصلاة؛ لأجل التلاوة[17]، لا لأنه من واجبات الصلاة أو سننها، بل لأنه مستحب قبل قراءة القرآن مطلقًا؛ لعموم قوله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِï´¾ فذلك شامل للقراءة في الصلاة وفي غيرها. وإذا قطع القراءة في غير الصلاة لعذر كعطاس أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة فإنه لا يعيد الاستعاذة، وأما لو قطعها إعراضًا عن القراءة، أو لكلام لا يتعلق بالقراءة، فإنه يستأنف الاستعاذة استحبابًا[18]. ♦♦♦♦♦ المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن » [1] انظر: «المبسوط» (1/ 13)، «التفسير الكبير» (1/ 60)، «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 87-88)، «تفسير ابن كثير» (1/ 32)، «النشر» (1/ 258). [2] أخرجه عبدالرزاق في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة (2574). [3] (3/ 247-250). [4] انظر: «المجموع» (3/ 325). [5] انظر: «المغني» (2/ 145)، «المجموع» (3/ 325). [6] انظر: «المبسوط» (1/ 13)، «فتح القدير» لابن الهمام (1/ 291). [7] انظر: «التحقيق» (1/ 290)، «المغني» (2/ 145)، «إغاثة اللهفان» (1/ 152). [8] انظر: «المغني» (2/ 145)، «المجموع» (3/ 325). [9] انظر: «المجموع» (3/ 325-326). [10] انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (3/ 191)، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» لمكي (1/ 9). [11] انظر: «جامع البيان» (14/ 173) طبعة عيسى الحلبي. [12] (1/ 13). [13] في «المحرر الوجيز» (1/ 48). [14] (1/ 125). [15] ص(64-65). [16] في «تفسيره» (1/ 32). [17] انظر: «تفسير ابن كثير» (1/ 32). [18] انظر: «المجموع» (3/ 325)، «البرهان» (1/ 460)، «النشر» (1/ 259). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
الاستعاذة في الصلاة هل تكون في كل ركعة، أو في الركعة الأولى فقط؟ الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم أكثر أهل العلم، على أن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، يكفي فيها الاستعاذة مرة واحدة في الركعة الأولى؛ منهم عطاء[1] والحسن البصري[2] والنخعي[3]. والثوري[4] وابن سيرين[5] وطاوس[6]، وأبوحنيفة[7]، والشافعي[8]، وأحمد في رواية عنه[9]. وإذا نسي أن يتعوذ في الركعة الأولى، تعوذ في الركعة الثانية عند الشافعي[10]. وقال الإمام أحمد: «إن نسي التعوذ حتى شرع في القراءة لم يعد إليه لذلك»[11]. واستدلوا بعموم قوله تعالى: {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} وبحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة، ولم يسكت»[12]. قال ابن القيم في «زاد المعاد»[13] بعدما ذكر الرواية عن أحمد: «الاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر- ثم استدل بحديث أبي هريرة ثم قال: «وإنما يكفي استعاذة واحدة؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة، إذا تخللها حمد الله، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك». وعلى هذا فيكتفي المصلي بالاستعاذة في الركعة الأولى، ثم يبسمل، ويقرأ الفاتحة، فإن قرأ بعدها من أول سورة بسمل فقط، وإن قرأ من وسط السورة تركهما معًا، أما في بقية الركعات فيبسمل مع الفاتحة، وفي أول السورة فقط، ولا يستعيذ لا مع الفاتحة ولا مع ما يقرأ بعدها. وذهب بعض العلماء إلى أن المصلي يتعوذ في كل ركعة؛ لأن كل ركعة لها قراءة مستقلة، وهو مروي عن النخعي[14] وابن سيرين[15] وهو أحد الوجهين عند الشافعية[16]، بل صححه بعضهم. قال النووي في «التبيان»[17]: «ويستحب التعوذ في الصلاة كل ركعة على الصحيح من الوجهين عند أصحابنا». وهو رواية عن الإمام أحمد[18]. واختاره ابن حزم في «المحلى»[19]. وذهب الإمام مالك إلى أنه لا يتعوذ الرجل في المكتوبة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان، وفي رواية في النافلة[20]. المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن » [1] أخرجه عن عطاء عبدالرزاق- في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة (2576، 2584، 2585). [2] أخرجه عن الحسن عبدالرزاق- في الموضع السابق (2587)، وانظر: «سنن البيهقي» (2/ 36). [3] أخرجه عن النخعي- عبدالرزاق- في الموضع السابق (2586)، وانظر: «سنن البيهقي» (2/ 36). [4] ذكره عن سفيان الثوري- النووي في «المجموع» (3/ 326). [5] ذكره عن ابن سيرين الجصاص (3/ 191). [6] ذكره عن طاوس ابن حزم في «المحلى» (3/ 249). [7] انظر: «أحكام القرآن» للجصاص (3/ 191)، «فتح القدير» لابن همام (1/ 290). [8] انظر: «الأم» (1/ 107)، «المهذب» (1/ 79)، «المجموع» (3/ 322). [9] انظر: «المسائل الفقهية» (3/ 115-116)، «زاد المعاد» (1/ 241-242). [10] انظر: «المجموع» (3/ 324). [11] انظر: «المغني» (2/ 145). [12] أخرجه مسلم- في المساجد ومواضع الصلاة- باب ما يقال عند تكبيرة الإحرام والقراءة (599). [13] (1/ 242). [14] انظر: «المحرر الوجيز» (1/ 48)، «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 86). [15] أخرجه عن ابن سيرين عبدالرزاق في الصلاة- باب متى يستعيذ (2591). [16] انظر: «الأم» (1/ 107)، «المهذب» (1/ 79)، «المجموع» (3/ 322-326). [17] ص(65). [18] انظر: «المسائل الفقهية» ص(3/ 115-116)، «زاد المعاد» (1/ 241-242). [19] (3/ 247). [20] انظر: «المدونة» (1/ 64)، «المحرر الوجيز» (1/ 48)، «أحكام القرآن» لابن العربي (3/ 1176)، «الجامع لأحكام القرآن» (1/ 86). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
حكم الجهر أو الإسرار بالاستعاذة في الصلاة وفي غيرها الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم أولًا: حكم الجهر بالاستعاذة، أو الإسرار بها في غير الصلاة: ذهب جمهور القراء إلى أن القارئ يجهر بالاستعاذة في غير الصلاة. قال مكي في «التبصرة»[1]: «المختار لجميع القراء المعول عليهم أن يبدأ بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم» يعني جهرًا. وذهب بعض القراء إلى أن القارئ يُسر بالاستعاذة. وهو مروي عن حمزة[2]، ونافع[3]، وقيل: إن نافعًا لا يتعوذ[4]. قال مكي في «الكشف عن وجوه القراءات السبع»[5] بعدما ذكر القول بالإسرار: «لئلا يظن ظان أو يتوهم متوهم أنه من القرآن، أو أنه فرض لازم». أما الذين اختاروا الجهر بها فقالوا: قد عُلِمَ يقينًا أنها ليست من القرآن، فلا محذور في الجهر بها، وهو أولى لإغاظة الشيطان، ودفع وساوسه، وتعليم الجاهل، وتذكير المستمع إلى غير ذلك من فوائد الجهر بها. ثانيًا: حكم الجهر أو الإسرار بها في الصلاة: ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من القراء والفقهاء إلى مشروعية الإسرار بالاستعاذة في الصلاة: منهم الخلفاء الأربعة[6]، وعبدالله بن عمر[7]، وعبدالله بن مسعود[8]، وإبراهيم النخعي[9]. وبه قال أبوحنيفة[10]، وأحمد بن حنبل[11]، وهو قول للشافعي[12]، وقول مالك في قيام الليل[13]. وذهب بعض أهل العلم إلى الجهر بالاستعاذة في الصلاة وهو مروي عن أبي هريرة[14]. وهو اختيار الشافعي في «الإملاء»[15] قال: «يجهر بالتعوذ، وإن أسر فلا يضر». وقال بعضهم بالتخيير بين الجهر والإسرار. وهو قول للشافعي[16]. قال ابن أبي ليلى: «الإسرار والجهر سواء، هما حسنان»[17]. والصحيح من أقوال أهل العلم الإسرار بها، وعدم الجهر، إلا لحاجة كتعليم ونحوه. قال السرخسي[18]: «لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان يجهر به لنقل نقلاً مستفيضًا...». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[19]: «الجهر بالتعوذ أحيانًا للتعليم ونحوه لا بأس به، كما كان عمر بن الخطاب يجهر بدعاء الاستفتاح مدة[20]... وأما المداومة على الجهر بذلك فبدعة مخالفة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، فإنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائمًا، بل لم ينقل أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جهر بالاستعاذة والله أعلم». وقال ابن الجزري[21]: «المختار في الصلاة الإخفاء». ولكن إذا جهر الإمام ولم يسكت فهل يستعيذ المأموم أو لا، فيه قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد[22]؛ القول الأول يستعيذ، والثاني لا يستعيذ. قال ابن تيمية[23]: «وهو أصح، وهو قول أكثر العلماء كمالك والشافعي، وكذا أبوحنيفة فيما أظن». قلت: وقد اختار القول الأول بأنه يستعيذ كما يبسمل- وإن لم يسكت الإمام- تبعًا لقراءة الفاتحة بعض أهل العلم[24]. المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن » [1] ص(246). [2] انظر: «التبصرة» ص(245)، «الإقناع في القراءات السبع» (1 /152)، «النشر» (1 /252). [3] انظر: «الإقناع في القراءات السبع» (1 /152). [4] انظر: «التبصرة» ص(245)، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (1 /12)، «النشر» (1 /252-253). [5] (1 /11). [6] انظر: «المحلى» (3/249)، «مجموع الفتاوى» (22/405). [7] أخرجه عن ابن عمر الشافعي في «الأم» (1 /107)، والبيهقي في الصلاة- باب الجهر بالتعوذ والإسرار به. من طريق الشافعي (2/36). [8] انظر: «المحلى» (3 /249). [9] أخرجه عن النخعي عبدالرزاق- في الصلاة- باب ما يخفي الإمام (2596-2597). [10] انظر: «المبسوط» (1 /13)، «فتح القدير» لابن الهمام (1 /291). [11] انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبدالله ص(76)، «المغني» (3 /146). [12] انظر: «الأم» (1 /107)، «المهذب» (1 /79)، «المجموع» (3 /324). [13] انظر: «النشر» (1 /254). [14] أخرجه عن أبي هريرة- الشافعي- في «الأم» (1 /107)، والبيهقي في الصلاة- الجهر بالتعوذ والإسرار به من طريق الشافعي (2 /36). [15] انظر: «المجموع» (3 /324)، «تفسير ابن كثير» (1 /32). [16] انظر: «الأم» (1 /107)، «المجموع للنووي» (3 /324)، «تفسير ابن كثير» (1 /32). [17] انظر: «المجموع» (3 /326). [18] في «المبسوط» (1 /13). [19] انظر: «مجموع الفتاوى» (22 /405). [20] أخرج مسلم- في الصلاة (299)- عن عبدة أن عمر بن الخطاب كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك». كما جهر ابن عباس في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وقال: «لتعلموا أنها سنة» أخرجه البخاري- في الجنائز (6235). [21] في «النشر» (1 /253-254). [22] انظر: «المسائل الفقهية» (1 /116). [23] انظر: «مجموع الفتاوى» (22 /341)، وانظر: (23 /280-282). [24] انظر ما يأتي في حكم قراءة البسملة في الصلاة، وحكم قراءة الفاتحة في حق المأموم. |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تشرع الاستعاذة في مواضع كثيرة منها ما يلي: 1- عند قراءة القرآن، قال الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ï´¾ [النحل: 98]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ï´¾ [الحج: 52]. 2- عند حصول نزغ من الشيطان، ووسوسة للإنسان، قال الله تعالى: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [الأعراف: 200]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ï´¾ [فصلت: 36]. وقال تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ï´¾ [المؤمنون: 97، 98]. وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ï´¾ [الأعراف: 201]. 3- عندما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول: من خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته»[1]. 4- عندما يُلبس الشيطان على الإنسان في صلاته. فعن عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يلبسها عليَّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ذاك شيطان، يقال له خِنْزَب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ثلاثًا، قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني»[2]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان وله ضُرَاطٌ حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضيَ النداء أقبل، حتى إذا ثُوِّبَ بالصلاة أدبر، حتى إذا قُضي التثويب أقبل، حتى يَـخْطِرَ بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِـمَـا لم يكن يَذْكُر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى»[3]. 5- عند الغضب، فقد أخرج البخاري ومسلم عن سليمان بن صُرَد -رضي الله عنه- قال: «استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم». فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إني لست بمجنون»[4]. 6- عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرؤيا من الله، والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، ويتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره». وفي رواية: «وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها...، فإنها لن تضره»[5]. وعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، ويتحول عن جنبه الذي كان عليه»[6]. 7- عند دخول المسجد. فعن عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم»[7]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي، وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم»[8]. 8- عند سماع نهيق الحمار، ونُباح الكلاب. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا»[9]. وعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم نُباح الكلاب ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله، فإنهن يرين ما لا ترون»[10]. 9- عند نزول منزل. فعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك»[11]. 10- عند دخول الخلاء. فعن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»[12]. 11- عندما يجد الإنسان وجعًا في جسده. فعن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: بسمالله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأُحاذر»[13]. 12- عند الصباح والمساء وعند النوم. عن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، مُرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت، وإذا أمسيت، قال: «قل: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه. قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك»[14]. 13- عند الفزع من النوم. عن عمرو بن شعيبعن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا فزع أحدكم من النوم فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون»[15]. 14- كما يشرع للمسلم أن يعوّذ أولاده. فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين، ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة»[16]. إلى غير ذلك من المواضع والأوقات التي تتأكد فيها مشروعية الاستعاذة. قال الله تعالى: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ï´¾ [المؤمنون: 97، 98]. قال ابن زيد: «في كل شيء من أمري»[17]. المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن » [1] أخرجه البخاري في -بدء الخلق- باب صفة إبليس وجنوده (3276)، ومسلم في الإيمان - باب بيان الوسوسة في الإيمان (134). [2] أخرجه مسلم في السلام - باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة (2203). [3] أخرجه البخاري -في الأذان- باب فضل التأذين (608)، ومسلم في الصلاة- فضل الأذان (389). [4] سبق تخريجه. [5] أخرجه البخاري -في بدء الخلق- باب صفة إبليس وجنوده (3292)، ومسلم- في أول كتاب الرؤيا (2261). [6] أخرجه مسلم في الرؤيا (2262)، وكذا رواه أبوداود -في الأدب- باب ما جاء في الرؤيا (5022)، وابن ماجه -في تعبير الرؤيا- من رأى رؤيا يكرهها (3908). [7] أخرجه أبوداود -في الصلاة- باب فيما يقوله الرجل عند دخول المسجد (466)، وصححه الألباني (441). [8] أخرجه ابن ماجه -في الصلاة- باب الدعاء عند دخول المسجد (773)، وصححه الألباني. [9] أخرجه البخاري -في بدء الخلق- باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال (3303)، ومسلم- في الذكر- باب استحباب الدعاء عند صياح الديكة (2729). [10] أخرجه أبوداود -باب نهيق الحمير ونُباح الكلاب (5103)، وصححه الألباني (4256). [11] أخرجه مسلم -في الذكر والدعاء- باب التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء (2708). [12] أخرجه البخاري -في الوضوء- باب ما يقول عند الخلاء (142)، ومسلم- في الحيض- باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء (375). [13] أخرجه مسلم -في السلام- باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (2202). [14] أخرجه أبوداود -في الأدب- باب ما يقول إذا أصبح (5067)، والترمذي- في الدعوات (3392)، وأحمد (2 /297)، وصححه الألباني. [15] أخرجه أبوداود -في الطب (3893)، والترمذي- في الدعوات (3528)، وصححه الألباني. [16] أخرجه البخاري -في الأنبياء- باب (10) (3371)، وأخرجه أبوداود- في السنة- باب في القرآن (4737)، والترمذي- في الطب (2060)، وابن ماجه- في الطب (3525)، وأحمد (1 /236، 270). [17] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (18 /51)- الطبعة الثانية. |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم السبب في عدم كتابة البسملة في مطلع سورة براءة أجمَعَ المسلمون على ترك الفصل بالبسملة بين سورة الأنفال وسورة براءة؛ لإجماع المصاحف على ترك التسمية بينهما[1]. وإذا ابتدَأ القارئ بسورة براءة، فإنه يتعوَّذ فقط، كما لو قرأ من وسطها[2]. وقد اختُلِف في السبب الذي من أجله تُرِكت البسملة في مطلع سورة براءة: فذهب قوم إلى أن السبب هو كما جاء في حديث ابن عباس[3] عن عثمان رضي الله عنه من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبيِّنْ لهم في شأنها شيئًا، وكانت قصتها تُشبه قصة الأنفال، فقرَنوا بينهما، ولم يكتُبوا: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾. وقد اختار هذا الطحاوي[4]، وصحَّحه ابن العربي[5]. وقيل: إن ذلك من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد، فإذا أرادوا نقْضَه كتَبوا لهم كتابًا، فلم يكتُبوا فيه: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، فلما نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فقرأها عليهم في الموسم، ولم يبسمل على ما جرَتْ به عادتهم. وقيل: لأن ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ أمانٌ، وبراءة نزَلتْ بالسيف، ليس فيها أمان، روي هذا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه[6]. وقيل: لأن ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ رحمة، وبراءة سخط. وقيل: تُركت التسمية؛ إعظامًا لـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ من خطاب المشركين. وهذا فيه نظر؛ لأنه ورد في القرآن سور فيها خطاب المشركين ومع هذا بُدئت بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، منها سورة النبأ، وسورة الكافرون، وسورة المسد، وغير ذلك. وقيل: لأنهم اختلَفوا هل هما سورتان، أو سورة واحدة؟ فتُركت بينهما فُرْجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتُركت ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ لقول من قال: إنهما سورة واحدة، فرَضِي الفريقان، وثبتت حُجَّتاهما في المصحف[7]. قال القرطبي[8]: "والصحيح أن التسمية لم تُكتَب لأن جبريل عليه السلام لم ينزل بها في هذه السورة، قاله القشيري". قلت: وما ذكره القرطبي عن القشيري، هو الذي تطمئنُّ إليه النفس، بل يجب الجزم به، وهو أن جبريل لم ينزل بالبسملة مع هذه السورة، ولو نزلت مع هذه السورة لَحُفِظتْ مع ما حُفِظ، ونُقِلت إلينا؛ تحقيقًا لوعد الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]. ولما لم تُنقَل عَلِمنا يقينًا لا يخالجه شكٌّ أنها لم تنزل مع هذه السورة؛ لأن الله تَكفَّل بحفظ القرآن، وقد وصل إلينا بحمد الله كاملًا محفوظًا بحفظ الله، وهذا الذي يجب أن يعتقده كل مسلم. أما ما رُويَ عن ابن عباس عن عثمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُبيِّنْ لهم في شأن البسملة مع سورة براءة شيئًا، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، فقرَنوا بينهما، ولم يكتُبوا ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، فالحديثُ في هذا ضعيف - كما تقدم بيان ذلك. أما القول بأن الصحابة اختلَفوا: هل الأنفال وبراءة سورة واحدة، أو سورتان... إلخ؟ فإن الصحابة رضوان الله عليهم إنما أشكَلَ عليهم - فيما رُويَ عنهم - هل براءة سورة مستقلة، أو هي من سورة الأنفال؟ ولهذا فصَلوا بينهما، أما أن هناك شكًّا في نزول البسملة مع هذه السورة أم لا، فلا شك بل يجب القطع بأن ما وصل إلينا بين دفتي المصحف هو القرآن بكامله، من غير زيادة أو نقصان. أما بقية الأقوال التي قيلت في عدم ذكر البسملة، والتي سبق ذِكرُ جملة منها، فكلها يمكن حملُها على البحث عن العلة والسبب في عدم نزول البسملة مع هذه السورة، فهي مجرد تعليلات، تُقبَل حينًا وتُرَدُّ أحيانًا، وهي مجرد التماس للحكمة وللعلة في عدم نزولها مع هذه السورة، والتعليل قد يكون عليلًا، فالأَولى - والله أعلم - التوقُّفُ في هذا. [1] انظر: "التبصرة" لمكي ص(248)، "العنوان في القراءات السبع" ص(75)، "الإقناع في القراءات السبع" (1/ 157)، "النشر" (1/ 264). [2] في حال الوصل: الأولى الوقف بين الأنفال وبراءة؛ لأن أواخر السور من أتم التمام، ويجوز الوصل بينهما، ويجوز السكت. وكذا لو وصل براءة بالفاتحة، أو بالأعراف أو بغيرهما من السور، انظر: "النشر" (1/ 269-270). [3] حديث ابن عباس أخرجه - أبو داود - في الصلاة - باب من جهر بالبسملة (786-787)، والترمذي - في تفسير سورة التوبة (3086)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وأحمد (1/ 57)، والحاكم (2/ 330-331)، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، وقد ضعف أحمد شاكر هذا الحديث في شرحه للمسند (399)، كما ضعفه الألباني في "ضعيف سنن أبي داود" (168، 169)، وفي "ضعيف سنن الترمذي" (599). [4] في "مشكل الآثار" (2/ 155). [5] في "أحكام القرآن" (2/ 891-892). [6] أخرجه الحاكم (2/ 330). [7] انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج (2/ 472)، "مشكل الآثار" (2/ 155)، "أحكام القرآن" لابن العربي (2/ 891-892)، "زاد المسير" (1/ 389)، "الجامع لأحكام القرآن" (8/ 61-63)، "البرهان" للزركشي (1/ 262-263). [8] في "الجامع لأحكام القرآن" (8/ 63). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم أسماء سورة الفاتحة تعدَّدتْ أسماء الفاتحة، وقد أَوصَلَها بعضُهم إلى نحو من عشرين اسمًا[1]، منها ما يلي: 1 - السَّبع المثاني والقرآن العظيم: لقوله تعالى في سورة الحجر: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]. وقد فسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة، كما في حديث أبي سعيد بن المعلَّى، وأُبَيِّ بن كعب، وأبي هريرة، رضي الله عنهم[2]. وسمِّيت المثاني - والله أعلم - لأنها حمدٌ لله، وثناء عليه، وتمجيد له، ولأنها تُثنى في كل صلاة، بل في كل ركعة، ولأنها اشتملت على جميع المعاني التي اشتمل عليها القرآن الكريم - كما سيأتي بيانه - وهو مثاني تُثنَّى فيه المواعظ والقصص والأخبار والحِكَم والأحكام، كما قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ} [الزمر: 23]. وقيل: لأن الله استثناها لهذه الأمَّة فخصَّها بها من بين الأمم[3]، كما في حديث أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {والذي نفسي بيده، ما نزل في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مِثلُها}[4]. 2 - فاتحة الكتاب: عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {لا صلاة لمن لم يَقرأْ بفاتحة الكتاب}[5]. وعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعتين الأوليينِ من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين"، وفي رواية: "ويقرأ في الركعتين الأُخريينِ بفاتحة الكتاب"[6]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أمَرَني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي "أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد"[7]. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تَيسَّرَ"[8]. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((أَبْشِرْ بنورينِ أوتيتَهما لم يُؤتَهما نبيٌّ قبلَك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة))[9]. وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: "كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب"[10]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب"[11]. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خِداجٌ}[12]. وسُمِّيت بهذا الاسم؛ لأنها تُفتتَح بها المصاحف خطًّا وتلاوة، وتُفتتح بها القراءة في الصلاة[13]. 3 - الرُّقْية: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: "كنا في مسيرٍ لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سَلِيمٌ، وإن نفرنا غُيَّب، فهل منكم راقٍ؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه[14] برُقية، فرَقَاه، فبَرَأ، فأمر لنا بثلاثين شاةً، وسقانا لبنًا، فلما رجع، قلنا له: أكنت تُحسِن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأمِّ الكتاب، فقلنا: لا تُحْدِثوا شيئًا، حتى نأتي، أو نسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدمنا المدينة، ذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: {وما يُدريه أنها رقية؟ اقسِموا، واضربوا لي بسهم} [15]. وعن خارجة بن الصلت عن عمِّه أنه مرَّ بقوم فأتوه، فقالوا: إنك جئتَ من عند هذا الرجل بخير، فَارْقِ لنا هذا الرجلَ، فأتَوْهُ برجل معتوهٍ في القيود، فرقاه بأمِّ القرآن، ثلاثة أيام غُدْوةً وعَشِيَّةً، كلما ختمها جمع بُزاقَه، ثم تَفَلَ، فكأنما أُنْشِطَ مِن عِقَالٍ، فأعطَوْه شيئًا، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلْ؛ فلَعَمْري لمن أكَلَ بِرُقْيَة باطلٍ، لقد أكَلتَ بِرُقْيَة حَقٍّ» [16]"[17]. 4 - أم القرآن: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خِداج [ثلاثًا] غير تمام...» [18]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "في كل صلاة يُقرَأُ، فما أَسْمَعَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَسْمَعْناكم، وما أَخْفى عنا أَخْفَيْنا عنكم، وإن لم تَزِدْ على أمِّ القرآن أجزأَتْ، وإن زدتَ فهو خير"[19]. وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأُم القرآن» [20]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن» [21]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم»[22]. وفي رواية: (( «هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني» [23]. وفي رواية: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني [24]. وسمِّيت أم القرآن؛ لأنه ابتُدئ بها، فهي أصله وابتداؤه، ولأنها أيضًا اشتمَلتْ على معاني القرآن كلِّها[25]، كما سمِّيت مكة أُمَّ القرى؛ لتقدُّمِها أمام جميعها، وجمعها ما سواها، وقيل: لأن الأرض دحيت منها[26]. قال الطبري[27]: "سميت أم القرآن؛ لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخُّر ما سواها خلفها في القراءة والكتابة، وذلك من معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب، وإنما قيل لها بكونها كذلك: أم القرآن؛ لتسمية العرب كلَّ جامعٍ أمرًا، أو مقدِّمٍ لأمر - إذا كانت له توابعُ تتبعه، هو لها إمامٌ جامع -: "أُمًّا"؛ فتقول للجِلْدة التي تَجمَعُ الدماع: "أُمُّ الرأس"، وتُسمِّي لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش: "أُمًّا"، ومن ذلك قول ذي الرمة[28] يصف رايةً معقودة على قناة، يجتمع تحتها هو وصحبُه: على رأسِه أُمٌّ لنا نَقتدي بها = جِماعُ أمورٍ لا نُعاصِي لها أَمْرَا". 5 - الصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد» {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}[الفاتحة: 2]، «قال الله: حَمِدَني عبدي...» الحديث[29]. فالمراد بالصلاة في الحديث الفاتحة، كما قال تعالى: {وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110]؛ أي لا تجهر بقراءتك، ولا تخافت بها. قال ابن كثير[30]: "فدل على عظَمةِ القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها... كما أطلق لفظ القراءة والمرادُ به الصلاة في قوله تعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78]، والمراد صلاة الفجر...". 6 - أم الكتاب: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: { الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم» [31]. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلُّ صلاة لا يُقرَأُ فيها بأمِّ الكتاب، فهي خِداجٌ» [32]. وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة اللديغ[33] أن الرجل رقَاهُ بأمِّ الكتاب. قال البخاري[34]: "سميت أم الكتاب؛ لأنه يُبتدَأُ بكتابتها في المصاحف، ويُبدَأُ بقراءتها في الصلاة". وقد أخرج ابن الضُّرَيْسِ في "فضائل القرآن" عن محمد بن سيرين أنه كان يَكرَهُ أن يقول: أم الكتاب؛ يقول: قال الله تعالى: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، ولكن يقول: "فاتحة الكتاب"، ورُوي نحوه عن أنس بن مالك رضي الله عنه[35]. ورُويَ عن الحسن قال: "أم الكتاب الحلال والحرام، قال الله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]"[36]. وإنما كرهه هؤلاء؛ لأن الله سمَّى اللوحَ المحفوظ أمَّ الكتاب، في قوله: {وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39]، وفي قوله: {وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ} [الزخرف: 4]. كما سمَّى الآياتِ المحكمات المشتملة على الحلال والحرام وغيره "أمَّ الكتاب" في قوله: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7]. وهذه العلة لا تكفي حجة؛ إذ لا يلزم من تسمية الفاتحة "أمَّ الكتاب" ألا يُسمَّى غيرُها بذلك. قال القرطبي[37] بعدما ذكر ما رُويَ عن أنس والحسن وابن سيرين من كراهتهم تسميتها أمَّ الكتاب، وما رُويَ عن أنس وابن سيرين - أيضًا - من كراهيتهما تسميتَها أمَّ القرآن، قال: "والأحاديث الثابتة ترُدُّ هذين القولين". 7 - القرآن العظيم: لقوله تعالى في سورة الحجر: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]. ولما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلى، وأُبَيِّ بن كعب، وأبي هريرة رضي الله عنهم، من قوله صلى الله عليه وسلم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هي السبع المثاني والقرآن العظيم» [38]، على اعتبار أن الواو في الحديث لعطف الصفات، والتي بمعنى التفصيل؛ كقوله تعالى: {فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} [الرحمن: 68]، وقوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98]؛ وذلك لأن سورة الفاتحة تضمَّنتْ معانيَ القرآن كلَّها، كما سبقت الإشارة إلى ذلك[39]. ويحتمل أن تكون الواو لعطف التغاير، كما هو الأصل في العطف، فيكون المراد بالقرآن العظيم: أي الذي أوتيتُه زيادةً على الفاتحة[40]. 8 - الحمد لله رب العالمين: لما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلَّى رضي الله عنه[41]، قال صلى الله عليه وسلم: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}«هي السبع المثاني...» الحديث. هذه الأسماء الثمانية هي التي دلَّ عليها الدليلُ من الكتاب والسُّنة. وهناك أسماء عدة ذكرها بعض أهل العلم، منها ما يلي: 1 - الأساس، قيل: لأنها أساس القرآن؛ رُويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما: "إذا اعتللت أو اشتكيت، فعليك بالأساس"[42]. 2 - الشافية[43]، أو الشفاء[44]. 3 - الواقية: بالقاف المثناة[45]. 4 - الوافية: بالفاء الموحدة، قالوا: لأنها لا تُنَصَّف، ولا تحتمل التنصيف، ولا يجوز تنصيفها[46]. 5 - الكافية: قالوا لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي غيرُها عنها[47]. 6 - الكَنْزُ: رُويَ أنها نزلت من كنزٍ تحت العرش[48]. 7 - سورة السؤال[49]. 8 - الواجبة؛ لأنها تجب قراءتها في الصلوات، ولا تصح الصلاة إلا بها[50]. 9 - سورة النور. 10 - سورة التفويض [51]. 11 - سورة الحمد [52]. 12 - سورة المناجاة [53]. 13 - سورة تعليم المسألة [54]. إلى غير ذلك[55]. ♦♦ ♦♦ ♦♦ [1] انظر: "جامع البيان" (1/ 107)، "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 23 -24)، "معالم التنزيل" (1/ 37)، "الكشاف" (1/ 4)، "زاد المسير" (1/ 10)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 111)، "البحر المحيط" (1/ 32)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21)، "صحيح البخاري مع الفتح" (8/ 156)، "الإتقان" (1/ 187 -191). [2] سبق ذكر هذه الأحاديث وتخريجها. [3] انظر: "معالم التنزيل" (1/ 37)، "المحرر الوجيز" (1/ 62)، "فتح الباري" (8/ 158). [4] أخرجه الترمذي في "فضائل القرآن" (2875) - وقال: "حديث حسن صحيح". [5] أخرجه البخاري في الأذان - باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها (756)، ومسلم في الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (394). [6] أخرجه البخاري في الأذان - باب القراءة في الظهر (859)، ومسلم في الصلاة - باب القراءة في الظهر والعصر (451). [7] أخرجه أبو داود في الاستفتاح - من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (820)، والترمذي في الصلاة (312)، وصححه الألباني. [8] أخرجه أبو داود (818)، وأحمد (3/ 2)، والبخاري في جزء القراءة (12)، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (33، 34). وصححه الحافظ ابن حجر كما في "نيل الأوطار" (2/ 239) كما صححه الألباني. [9] سيأتي تخريجه بتمامه قريبًا. [10] أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة - القراءة خلف الإمام (843)، وصححه الألباني. [11] أخرجه الطبري في "جامع البيان" (134). [12] أخرجه ابن ماجه (841)، وقال الألباني: "حسن صحيح". [13] انظر: "مجاز القرآن" (1/ 20)، "جامع البيان" (1/ 107). [14] نأبنه: أي نعلم أنه يرقي فنعيبه بذلك. "النهاية" مادة: "أبن". [15] أخرجها البخاري - في الإجارة - ما يعطى في الرقية (2276)، ومسلم - في السلام - جواز أخذ الأجرة على الرقية في القرآن والأذكار (2201)، وأبو داود - في البيوع - في كسب الأطباء (3418، 3419)، والترمذي - في الطب - ما جاء في أخذ الأجر في التعويذ (2063، 2064)، وابن ماجه في الإجارات - أجر الراقي (2156)، وقد أخرجه البخاري - أيضًا - من حديث ابن عباس - في الطب - الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب (5737). وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن القصة واحدة، وقعت لهم مع الذي لدغ "فتح الباري" (4/ 455، 10/ 199). [16] هكذا ذكر كثير من المفسرين أن الرقية من أسماء الفاتحة، ويحتمل - والله أعلم - أن المراد برقية حق هي فعل الرقية، سواء بالفاتحة أو غيرها من القرآن، وكذا المراد بقوله في حديث سعيد: ((وما يدريه أنها رقية؟))؛ أي هذه الفعلة. قال ابن الأثير في النهاية: مادة "رقى": "الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة؛ كالحمى والصَّرَع، وغير ذلك من الآفات". [17] أخرجه أبو داود - في الإجارات - باب في كسب الأطباء (3420)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (2918)، وفي "الأحاديث الصحيحة" (2027). [18] أخرجه مسلم - في الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة (395)، وأبو داود في الصلاة - باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (821)، والنسائي في الافتتاح - باب ترك قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في فاتحة الكتاب (782)، والترمذي - في التفسير (2954). [19] أخرجه البخاري - في الأذان - القراءة في الفجر (772)، ومسلم - في الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة (396)، وأبو داود - في الصلاة - باب ما جاء في القراءة في الظهر (797)، وأحمد (2/ 258، 273، 285). [20] أخرجه مسلم في الصلاة - وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (394)، وأحمد (5/ 322)، والدارقطني (1/ 322). [21] أخرجه ابن خزيمة في الصلاة (490)، وابن حبان في "زوائده" (458) من "موارد الظمآن". وقال مقبل الوادعي في تعليقه على "تفسير ابن كثير" (1/ 28): "هذا على شرط مسلم". [22] لفظ البخاري (4704)، وأحمد (2/ 448). [23] لفظ الطبري (134). [24] لفظ أبي داود (1457)، والترمذي (3124). [25] انظر: "الكشاف" (1/ 4). [26] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 22). [27] في "جامع البيان" (1/ 107 -108). [28] انظر: "ديوانه" ص(1164). [29] أخرجه مسلم في الصلاة - وجوب قراءة الفاتحة (395). وأخرج الطبري نحوه مختصرًا من حديث جابر بن عبدالله (224). قال أحمد شاكر: "إسناده جيد صحيح"، وقد سبق ذكره بتمامه وتخريجه في الكلام على البسملة. [30] في "تفسيره" (1/ 27). [31] سبق تخريجه. [32] أخرجه ابن ماجه - في إقامة الصلاة - باب القراءة خلف الإمام (840)، وأحمد (6/ 142)، والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (90 -91)، وقال الألباني: "حسن صحيح". [33] سبق تخريجه. [34] في صحيحه. انظر: "فتح الباري" (8/ 155). [35] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 111)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [36] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 66)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [37] في "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 112). [38] سبق تخريج هذه الأحاديث. [39] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 112). [40] انظر: "فتح الباري" (8/ 159). [41] سبق ذكره وتخريجه، وانظر: "فتح الباري" (8/ 159). [42] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 113)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [43] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "مجموع الفتاوى" (14/ 5). [44] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 112)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [45] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [46] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 113)، "لباب التأويل في معاني التنزيل" (1/ 11). [47] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 113)، "مجموع الفتاوى" (14/ 5)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). واستُدل له بحديث أخرجه الدارقطني (1/ 322)، والحاكم في "المستدرك" (1/ 238)، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أم القرآن عوض من غيرها، وليس غيرها منها عوضًا))، قال الدارقطني: "تفرد به محمد بن خلاد عن أشهب عن ابن عيينة". [48] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21)، "فتح الباري" (8/ 156). [49] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32). [50] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 5). [51] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32). [52] انظر: "الكشاف" (1/ 4)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 111)، "البحر المحيط" (1/ 32)، "تفسير ابن كثير" (1/ 21). [53] انظر: "البحر المحيط" (1/ 32). [54] انظر: "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" (1/ 81)، "أنوار التنزيل" (1/ 5)، "البحر المحيط" (1/ 32). [55] أوصلها السيوطي في "الإتقان" (1/ 52 -53) إلى خمسة وعشرين اسمًا. |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس ومن النفس "المذمومة" أ- شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس: قال ابن كثير[1] في كلامه على الاستعاذة: "وهي استعانةٌ بالله، واعتراف له بالقدرة، وللعبد بالضَّعف والعجز عن مقاومة هذا العدوِّ المبين الباطني، الذي لا يقدر على منعه ودفعه إلا اللهُ الذي خلَقَه، ولا يَقبَل مُصانعة، ولا يُدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان، كما دلَّت على ذلك آياتٌ من القرآن في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ï´¾ [الإسراء: 65]. وقد نزلَتِ الملائكة لمقاتَلة العدوِّ البشري، فمن قتَلَه العدوُّ الظاهر البشري كان شهيدًا، ومن قتَله العدو الباطني كان طريدًا، ومن غلبه العدوُّ الظاهري كان مأجورًا، ومن قهَرَه العدو الباطني كان مفتونًا أو موزورًا، ولما كان الشيطان يرى الإنسان من حيث لا يراه؛ استعاذ منه بالذي يراه ولا يراه الشيطان". وقال ابن كثير أيضًا[2]: "فإن الشيطان لا يكُفُّه عن الإنسان إلا اللهُ، ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومُداراته بإسداء الجميل إليه؛ ليرُدَّه طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يَقبل رشوة، ولا يؤثِّر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع، ولا يكُفُّه عنك إلا الذي خلَقَه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن، لا أعلم لهن رابعةً: قوله: ï´؟ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ï´¾ [الأعراف: 199]، فهذا مما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [الأعراف: 200]، وقال تعالى في سورة ï´؟ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ï´¾: ï´؟ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ï´¾ [المؤمنون: 96 - 98]، وقال تعالى: ï´؟ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ï´¾ [فصلت: 34 - 36]". قال ابن الجزري[3]: شيطانُنا المُغوِي عدوٌّ فاعتَصِمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif باللهِ منه والْتجِئْ وتَعوَّذِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعدوُّك الإنسانُ دارِ وِدَادَهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تَملِكْه وادفعْ بالتي فإذا الذي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فشيطان الإنس قد ينفع فيه العفوُ، أو الأمر بالمعروف، أو الإعراض، أو الإحسان، أما شيطان الجن فلا يَعصم منه إلا الاستعاذةُ بالله منه؛ لأن شيطان الجن متسلِّط، لا يريد إلا إغواءَ الإنسان، وإهلاكه، وهو خفيٌّ لا يُرى؛ كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ï´¾ [الأعراف: 27]، ولأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يَجري من ابن آدم مجرى الدم))[4]. فأمرُه خطير، وكيدُه عجيب[5]، فهو يتدرج بالإنسان - إن وجد سبيلًا إليه - حتى يوقعه في الكفر ويكُبَّه في النار؛ قال تعالى: ï´؟ كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ ï´¾ [الحشر: 16]، وقال تعالى: ï´؟ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ï´¾ [مريم: 83]. وإن لم يستطع إيصاله إلى الكفر، بل إلى أعظم دركاته، فإنه لا يكُفُّ حتى يوصله إلى أقصى حدٍّ يمكنه إيصاله إليه، ولو كان دون الكفر، فيوقعه في البدعة، فإن لم يستطع أوقَعَه في الكبائر، فإن لم يستطع أوقعه في الصغائر، فإن لم يستطع ثبَّطه عن الطاعات وشغله بالمباحات، فإن لم يستطع شغَلَه بالمفضول عن الفاضل، فإن لم يستطع ذلك أتاه من باب الإعجاب والكِبر والرياء، وهذا - في الغالب - مدخلُه على كثير من العُبَّاد والعلماء وذوي الجاه والسلطان والكرم والشجاعة ونحوهم، فلْيَحذر العاقل اللبيب من ذلك؛ فإن الشيطان عندما يَعجِز عن حمله على ترك واجب أو انتهاك محرَّم ظاهرٍ، فإنه يأتيه من هذا المدخل الخفيِّ، فيحبط عمله وهو لا يدري. فإن لم يدرِك منه شيئًا من هذه المراتب وأعيته فيه الحيل، سلَّط عليه حِزبَه من شياطين الإنس والجن يُبَدِّعونه ويُفَسِّقونه؛ ليشوش عليه قلبه، ويمنع الناس من الانتفاع به، فيبقى في مُدافَعة وتسلُّط هؤلاء الشياطين لا يفتُر حتى يأتيَه من ربه اليقين[6]. ب- الشيطان أعظم ضررًا على الإنسان من النفس المذمومة[7]: بل إن النفس المذمومة كلُّ ما يحصل منها من شرٍّ وفساد إنما هو بسبب تزيين الشيطان ووسوسته؛ لأنها مَرْكَبُ الشيطان، والأداة لتنفيذ شره؛ ولهذا أكثَرَ الله في القرآن الكريم من ذِكر الشيطان، وذمِّه، والتحذير منه، في مواضع كثيرة جدًّا، وأمر بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن، بينما ذكَرَ النفس المذمومة في ثلاثة مواضع فقط: في قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ï´¾ [يوسف: 53]، وقوله: ï´؟ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ï´¾ [القيامة: 2]، وقوله: ï´؟ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ï´¾ [النازعات: 40]. ولم يأمُرْ بالاستعاذة منها في موضع واحد من القرآن، وإنما جاءت الاستعاذة من شرِّها بالسُّنَّة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر كلماتٍ يقولهن إذا أصبح، وإذا أمسى، وإذا أخذ مَضجَعَه، وفيهن أمره صلى الله عليه وسلم له أن يقول: "أعوذ بالله من شرِّ نفسي"[8]. وفي خطبة الحاجة كما في حديث ابن مسعود قال: عَلَّمَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة الحاجة: ((إن الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا... الحديث))[9]. [1] في "تفسيره" (1 /32). [2] في "تفسيره" (1 /33)، وانظر: "إغاثة اللهفان" (1 /155). [3] في "النشر" (1 /257). [4] أخرجه البخاري في الاعتكاف، وفي بدء الخلق (2035، 2038، 2039، 3281)، ومسلم في السلام (2175)، من حديث صفية رضي الله عنها، في قصة مجيئها إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف، وخروجه معها ليوصلها إلى البيت، وأخرجه أيضًا مسلم من حديث أنس رضي الله عنه (2174). [5] من أجود ما ألِّف في مكايد الشيطان ما كتبه ابن القيم في كتابه "إغاثة اللهفان" (1 /163) وما بعدها. وانظر: "التفسير القيم" ص(609-614). وانظر: "تلبيس إبليس" لابن الجوزي. [6] انظر: "بدائع الفوائد" (1 /260-262). [7] انظر: "إغاثة اللهفان" (1 /145). [8] سبق تخريجه. [9] أخرجه أبو داود في النكاح - خطبة النكاح (2118)، وصححه الألباني (1860). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم السبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده ابتلى الله آدم َوذريته بعداوة إبليسَ لهم عداوةً متأصلة قديمة منذ أن تَكبَّر عن السجود لآدم وحسَدَه، وتسبَّب في إخراجه من الجنة؛ قال الله تعالى: ï´؟ يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ï´¾ [الأعراف: 27]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ï´¾ [فاطر: 6]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ï´¾ [الإسراء: 53]، وقال تعالى: ï´؟ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ï´¾ [الكهف: 50]. وقد أقسَمَ - لعنه الله - على أنه سيعمل جاهدًا على إغواء بني آدم، فقال: ï´؟ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ï´¾ [ص: 82، 83]، وقال أيضًا: ï´؟ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ï´¾ [الحجر: 39]، وقال: ï´؟ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الأعراف: 16]. وقد جعل الله له سلطانًا على الذين يَتولَّوْنَه، فقال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ï´¾ [النحل: 100]، وقال تعالى: ï´؟ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ï´¾ [الإسراء: 64]. وقد طلَبَ أن يُنظَرَ إلى يوم القيامة، فأعطاه الله ذلك ابتلاءً واختبارًا للعباد، فقال تعالى: ï´؟ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ï´¾ [الحجر: 37، 38، وص:80، 81]. وهو ساعٍ بكل الوسائل والحِيَل إلى إغواء بني آدم وإهلاكهم، فعلى المسلم أن يحذر من هذا العدوِّ، وأن يعلم أن أسباب الخلاص منه وأسباب حفظ الله للعبد من شر الشيطان ومكايده تتلخَّص فيما يلي: أولاً: الإيمان والعمل الصالح، ولزوم الكتاب والسُّنَّة، وطاعة الله تعالى والتوكل عليه؛ قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ï´¾ [النحل: 99]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ï´¾ [الإسراء: 65]. وعن جُندَبِ بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن صلَّى الصبح فهو في ذمَّة الله...)) الحديث[1]. ومفهوم هذا الحديث وأمثالِه أن مَن لم يصلِّ الصبح فليس في ذمة الله، بل هو عُرضة لتخبُّط الشيطان. وهكذا - بلا شك - كلُّ تقصير في أداء ما أوجب الله تعالى، فهو سبب لفقدان الأمان، الذي وعَدَ الله به أهل الإيمان[2]، ومقرِّب من المخاوف ومصايد الشيطان. ثانيًا: البُعد عن معاصي الله؛ لأن ما يصيب الإنسانَ من مصائب - ومنها تسلُّط الشيطان - فهو بسبب الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ï´؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ï´¾ [الشورى: 30]، وقال تعالى: ï´؟ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ï´¾ [الروم: 41]. فينبغي تطهير القلب والنفس والجوارح عن كل ما نهى الله عنه من الاعتقادات والأعمال التي تكون مجلبة للشيطان، وسببًا لبُعد الملائكة عن الإنسان. كالتعلُّق بالغِناء والمزامير، قال تعالى مخاطبًا الشيطان: ï´؟ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ ï´¾ [الإسراء: 64]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الجرس مزامير الشيطان))[3]. وكاقتناء الصور والتماثيل والكلاب؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّا لا ندخُلُ بيتًا فيه صور ولا كلب))[4]. وعن أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة تماثيل))[5]. وكاقتناء الصليب؛ فعن عائشة رضي الله عنها "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليبُ إلا نقَضَه"[6]. إلى غير ذلك من المعاصي الظاهرة والباطنة، التي ينبغي البُعد عنها، والحذر منها. ثالثًا: الاستعاذة بالله من الشيطان وهَمَزاته ووساوسه، وجميع شروره، والحذر منه، والاعتصام بالله تعالى والالتجاء إليه، بالألفاظ التي صحَّت في الاستعاذة، وبالمعوِّذتين؛ فإنه ما تعوَّذ متعوِّذ بمثلهما. وملازمة ذلك في جميع المواضع والأوقات التي شُرِع فيها التعوذ - مع الاعتقاد الجازم بأن النفع والضر بيد الله، وأنه - جل وعلا - هو القادر على دفع شر الشيطان، مع قوة الاعتماد على الله والثقة به، وتيقُّن أن كيد الشيطان ضعيف، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ï´¾ [النساء: 76]، فغاية ما عنده الوسوسة كما قال صلى الله عليه وسلم: ((الحمد لله الذي ردَّ كيدَه إلى الوسوسة))[7]. ومع أن له تسلُّطًا على بني آدم، فهو لا يعلم الغيب؛ قال الله تعالى: ï´؟ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ï´¾ [سبأ: 14]، وقال تعالى: ï´؟ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ï´¾ [النمل: 65]، وقال تعالى: ï´؟ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ ï´¾ [البقرة: 255]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ ï´¾ [الشعراء: 212]. وأيضًا - وكما تقدم - فليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ï´¾ [النحل: 99، 100]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ï´¾ [الإسراء: 65]. وتسلُّطُه على كثير من المسلمين، وتزيينه لهم المعاصي، إنما هو بسبب ضعف إيمانهم، ووقوعهم في المعصية، المؤدية بهم إلى ما هو أعظم منها، كما قال تعالى عن الكفار: ï´؟ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ï´¾ [الأنعام: 110]، وقال تعالى: ï´؟ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ï´¾ [الصف: 5]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن))[8]؛ أي: إن إيمانه يضعُف فيتسلَّط عليه الشيطان، فيوقعه في الزنا والمعاصي المذكورة في الحديث، وغيرها. رابعًا: ملازمة قراءة القرآن؛ فذلك مما يحصِّن المسلم ويحفظه بإذن الله تعالى من الشياطين، قال تعالى: ï´؟ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ï´¾ [الإسراء: 46]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ï´¾ [الزخرف: 36]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجعلوا بيوتكم قبورًا؛ فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة))[9]. وإذا نفر الشيطان حفَّت الملائكة بالإنسان، كما في حديث أبي سعيد الخدري في قصة أُسَيْدِ بن حُضَير حين قام يقرأ القرآن، فجالَتْ فرسُه، وفيه ذكر شهود الملائكة لقراءته[10]. خامسًا: ملازمة الأذكار والأدعية والأوراد، والمواظبة اليومية عليها؛ كأدعية الصباح والمساء والنوم وغيرها؛ قال تعالى: ï´؟ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ï´¾ [الأعراف: 205]. فإن ملازمة هذه الأذكار مما يحفظ الله به المسلمَ من الشيطان؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ï´¾ [الأعراف: 201]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة مجيء الشيطان إليه عندما كان يحرس الطعام، وفيه: ((إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي؛ لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح))[11]. وفي حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ الآيتين من سورة البقرة كفَتاه))[12]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتِب له مائة حسنة، ومُحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحد بأفضل مما جاء به إلا رجلٌ عَمِل أكثر من ذلك))[13]. وكما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن الشيطان إذا سمع الأذان أدبَرَ وله ضُراطٌ[14]. سادسًا: أن يجعل المسلم شيئًا من صلاة النوافل في بيته، بل الأَولى أن تكون النوافل كلُّها في البيت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة صلاةُ المرء في بيته إلا المكتوبةَ))[15]. وذلك أن صلاة النوافل في البيت مما يطرُد الشيطانَ؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا))[16]. وذلك لأن المقابر والأماكن الخربة والمستقذرة مساكنُ الشياطين؛ حيث تخلو هذه الأماكن من ذكر الله. سابعًا: الإمساك عن فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الأنام؛ فإن الشيطان إنما يتسلَّط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب[17]. فهذه مجمل الأسباب التي بها يخلِّص الله الإنسان، ويحفظه من شر الشيطان ومكايده، والتي تبين بها ضعف كيد الشيطان أمام قوة الإيمان، والاعتصام بالملك الديان. وبهذا يردُّ على الذين يُهوِّلون من أمر الشيطان، سواءٌ كان ذلك منهم عن جهل مع حسن النية والمعتقد، أو كانوا ممن ابتُلوا بخدمة هؤلاء الشياطين لأغراض مادية ونحو ذلك، ولو كان ذلك على حساب دينهم، حتى صار فئام من الناس يتخوَّفون من الشياطين ويصدِّقونهم، ويعتقدون فيهم ما لا يجوز اعتقاده من أنهم يعلمون الغيب، ويستطيعون أن يفعلوا، وأن يفعلوا، وهذا باطل؛ قال تعالى: ï´؟ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ï´¾ [سبأ: 22]، وقال تعالى: ï´؟ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ï´¾ [النمل: 65]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ï´¾ [آل عمران: 175]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ï´¾ [الإسراء: 65]. [1] أخرجه مسلم - في المساجد ومواضع الصلاة - باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة (657). [2] كما في الحديث السابق، وكما في قوله تعالى: ï´؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ï´¾ [الأنعام: 82]. [3] أخرجه مسلم - في اللباس - باب كراهة الكلب والجرس في السفر (2113، 2114). وأخرج أبو داود - في الخاتم - باب في الجلاجل (4231) عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس))، وحسَّنه الألباني. [4] أخرجه البخاري - في بدء الخلق (3227). [5] أخرجه البخاري - في بدء الخلق (3225)، ومسلم - في اللباس (2106). [6] أخرجه البخاري - في اللباس - باب نقض الصورة (5952). [7] أخرجه أبو داود - في الأدب - باب في رد الوسوسة (5112)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أحدَنا يجد في نفسه، يعرض بالشيء، لأن يكون حممة أحَبُّ إليه من أن يتكلم به، فقال: ((الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر! الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة))؛ وصححه الألباني، صحيح سنن أبي داود، (4264)، وأخرجه الإمام أحمد (1/ 340). [8] أخرجه ابن ماجه - في الفتن - باب حرمة دم المؤمن وماله (3936)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني. [9] أخرجه مسلم - في صلاة المسافرين (780). [10] أخرجه البخاري - في فضائل القرآن (5018)، ومسلم - في صلاة المسافرين (796). [11] أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده (3275). [12] أخرجه البخاري - في المغازي (4008)، ومسلم - في صلاة المسافرين (808). [13] أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده (3293)، ومسلم - باب الذكر - باب فضل التهليل (2691). [14] سبق تخريجه. [15] أخرجه البخاري - في الأذان - باب صلاة الليل (731)، ومسلم في صلاة المسافرين - باب استحباب صلاة النافلة في بيته (781)، من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه. [16] أخرجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: البخاري في التهجد - باب التطوع في البيت (1187)، ومسلم في صلاة المسافرين (777). [17] انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 267). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم لفظ البسملة، وإعرابها أ- لفظهـا: لفظ البسملة المشروع هو: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ عند جميع القراء[1]، وباتفاق أهل العلم؛ فلا يصح أن يقال عند القراءة: باسمك اللهم أقرأ، ولا عند الذبح: باسمك اللهم أذبح...، ولا يصح استبدال لفظ الجلالة "الله" ولا اسمَي "الرحمن" "الرحيم" بغيرها من أسمائه جل وعلا. ولا يقال: "بَسْمَلَ" إلا لمن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال عمرو بن أبي ربيعة[2]: لقد بَسْـمَلَتْ ليلـى غداةَ لقيتُها *** فيا حبَّذا ذاك الحبيبُ المُبَسْمِلُ ب- إعراب ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ ï´¾: الباء حرف جرٍّ. (اسم): مجرور بالباء، وعلامة جرِّه الكسرة، وحُذفت منه الألف لفظًا وخطًّا؛ تخفيفًا لكثرة الاستعمال[3]، ولا تُحذف إلا مع لفظ الجلالة؛ ولهذا أُثبتت في قوله تعالى: ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾ [العلق: 1][4]. وهو نائب عن المصدر "تَسْميةٍ"؛ كقول القطامي[5]: أكفرًا بعد ردِّ الموتِ عني *** وبعد عطائِك المائةَ الرِّتاعَا أي: بعد إعطائك، فأناب "عطاء" عن المصدر "إعطاء"[6]، وهذا كثير في اللغة. والجار والمجرور ï´؟ بِسْمِ ï´¾ في محلِّ نصب متعلِّقان بفعل محذوف[7]، قدَّره الكوفيون متقدمًا، نحو: أَبتَدِئُ باسم الله، أو ابتَدِئْ باسم الله، على الأمر، كقوله تعالى: ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾ [العلق: 1]. وقدَّره بعضهم متأخرًا؛ نحو: باسم الله أبْتَدِئُ، باسم الله أقرأ. أو متعلِّق باسم محذوف وقع خبرًا، قدَّره البصريون وأكثر النحْويين متقدمًا؛ نحو: ابتدائي كائن أو مستقر باسم الله، أو ابتدائي باسم الله. وقدَّره بعضهم اسمًا متأخرًا، ومنه قوله تعالى: ï´؟ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [هود: 41]، فـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ ï´¾ متعلِّق بـï´؟ مَجْرَاهَا ï´¾. وكل هذه التقادير صحيحة، لكن الأَولى أن يكون المقدَّر فعلًا متأخرًا خاصًّا؛ أي: مناسبًا لما يسمَّى عليه. فكونه فعلًا؛ لأن الأصل في العمل هي الأفعال، فهي تعمل بدون شروط، أما الأسماء فما يعمل منها كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، إنما يعمل بشروط. وكونه متأخرًا؛ تيمُّنًا وتبركًا بالبداءة باسم الله، ولإفادة الحصر، وهو إثبات الحكم للمذكور ونفيُه عما عداه؛ أي: أَبتدئ بسم الله وحده دون سواه؛ لأن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر؛ كقوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5]، فالمعنى: لا أقرأ إلا باسم الله، ولا أتوضأ إلا باسم الله، ولا أذبح إلا باسم الله، وهكذا. وكونه خاصًّا مناسبًا لما يسمَّى عليه؛ ليكون أدلَّ على المقصود، وأبيَنَ للمراد. فعند القراءة يكون التقدير: باسم الله أقرأ، وعند الوضوء: باسم الله أتوضأ، وعند الذبح: باسم الله أذبح، وهكذا. ويدل على التخصيص قوله تعالى في الآيتين السابقتين: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ï´¾ [هود: 41]، وقوله: ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾ [العلق: 1]. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن لم يذبح فليذبح باسم الله))[8]. فقدّر في الآية الأولى اسمًا خاصًّا، وهو ï´؟ مَجْرَاهَا ï´¾، وفي الآية الثانية فعلًا خاصًّا، وهو ï´؟ اقْرَأْ ï´¾، وفي الحديث فعلاً خاصًّا وهو "يذبح". ï´؟ اللَّهِ ï´¾: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة جرِّه الكسرةُ الظاهرة على آخره. ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾: صفتان للفظ الجلالة، كل منهما مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها. [1] انظر: "الإقناع" (1 /163). [2] انظر: "ديوانه" ص(498). [3] قالوا: وطوِّلت الباء في البسملة في القرآن الكريم تعظيمًا لكتاب الله عز وجل، وقيل: لما أسقَطوا الألف ردُّوا طولها على الباء؛ ليدل على السقوط، وقيل: طوِّلت تقليدًا لكتاب نبي الله سليمان عليه السلام إلى بلقيس، والله أعلم. [4] انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للفراء (1/1-2)، "مشكل إعراب القرآن" لمكي (1 /65-66). [5] انظر: "ديوانه" (41). [6] انظر: "جامع البيان" (1 /116). [7] ذكر ابن القيم في "بدائع الفوائد" (1 /25) عدة فوائد لحذف العامل في ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ ï´¾. [8] أخرجه من حديث جندب بن عبدالله رضي الله عنه البخاري في العيدين (985)، ومسلم في الأضاحي - باب وقتها (1960). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم معنى البسملة ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ ï´¾: الباء للاستعانة؛ أي: باسم الله أقرأ، أو أتوضأ، مستعينًا به، ومتيمِّنًا، ومتبركًا[1]. و"الاسم" مأخوذ من "الوَسم"، وهو العلامة؛ لأن الاسم علامة على من وُضِع له، وهذا اختيار الكوفيين وطائفة من النحويين. وذهب البصريون وأكثر النحويين إلى أنه مأخوذ من "السمو"، وهو العلوُّ والارتفاع؛ لأن "الاسم" يسمو بالمسمى، فيرفعه عن غيره، وقيل: لأن الاسم علا بقوته على الفعل والحرف؛ لأنه الأصل. وقول الكوفيين أظهر من حيث المعنى، وهو أن الاسم علامة على من وُضع له، لكن تصريف "اسم" وجمعه يقوِّي قول البصريين: إنه من السمو، وهو العلو والارتفاع؛ فهو يجمع على "أسماء" و"أسامي"، ويصغر على "سُمَيّ"، ولو كان من السمة، لكان أصله "وسم"، وجُمع على "أوسام"، وصغِّر على "وُسَيْم"؛ لأن الجمع والتصغير يرُدَّانِ الأشياءَ إلى أصولها[2]. ولا مانع أن يكون الاسم مأخوذًا من المعنيين معًا؛ لأن الاسم يُظهِر المسمى، فيكون فيه معنى العلو والارتفاع، ويميِّزه عن غيره فيكون فيه معنى العلامة. و"اسم": اسم مفرد أضيف إلى لفظ الجلالة - كما تقدم - وهو معرفة، فاستفاد العموم، فيعُم جميع أسماء الله الحسنى، فالمعنى بكل اسم من أسماء الله[3]. و"الله": عَلَمٌ على "الربِّ" تبارك وتعالى خاصٌّ به سبحانه، ولا يجوز أن يسمى به غيره؛ قال تعالى: ï´؟ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ï´¾ [مريم: 65]. قال سيبويه: "وهو أعرَفُ المعارفِ". وهو أصل أسمائه الحسنى، ودالٌّ عليها جميعًا، وعلى صفاته العليا[4]. وقال بعض أهل العلم: إنه الاسم الأعظم[5]. وتأتي أسماء الله تعالى تابعةً لهذا الاسم، وأوصافًا له، ومضافة إليه[6]؛ قال تعالى: ï´؟ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ï´¾ [الحشر: 22 - 24]. وقال تعالى: ï´؟ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ï´¾ [الأعراف: 180]، وقال تعالى: ï´؟ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ï´¾ [الإسراء: 110]، وقال تعالى: ï´؟ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ï´¾ [طه: 8]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة))[7]. ولهذا يقال: "الرحمن" و"الرحيم" و"الحكيم" من أسماء الله، ولا يقال: "الله" من أسماء "الرحمن"، أو من أسماء "الرحيم"، أو من أسماء "الحكيم". وقد يأتي لفظ الجلالة "الله" تابعًا لغيره من الأسماء، كما في قوله تعالى: ï´؟ الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ï´¾ [إبراهيم: 1، 2]، فلفظ الجلالة "الله" على قراءة الجر عطفُ بيان، تابعٌ للاسم الذي قبله. واختُلِف هل لفظ الجلالة "الله" مرتجَلٌ أو مشتَقٌّ؟ فقيل: إنه مرتجل غير مشتق، والألف واللام لازمة له، لا لتعريفٍ، ولا لغيره، بدليل دخول حرف النداء عليه، وبدليل أنه لا يُثنَّى ولا يجمع، وهو اختيار الخليل وسيبويه والزجاج وأكثر الأصوليين والفقهاء. والصحيح أنه مشتق من "أله" إذا عبد، فهو مصدر في موضع المفعول، من أَلَه الرجل يَأْلَه إلهة: إذا تعبَّدَ وتألَّهَ وتنسَّكَ[8]؛ قال تعالى: ï´؟ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ï´¾ [الأنعام: 3]، وقال تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ï´¾ [الزخرف: 84]، وقال تعالى: ï´؟ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ ï´¾ [النمل: 60 -64]. قال رؤبة بن العجاج[9]: للهِ دَرُّ الغَانياتِ المُدَّهِ *** سَبَّحْنَ واسترجَعْنَ مِن تأَلُّهِي أي من تعبُّدي وطلبي لله بعملي[10]. وأصله "إله"؛ حُذفت منه الهمزة، وعُوِّض منها حرف التعريف[11]. ونظيره "الناس"، أصله "أناس"؛ قال الشاعر: إن المنايا يطلع *** ن على الأُناس الآمنينا[12] واختار سيبويه أن أصله "لاه"، فدخلت الألف واللام للتعظيم[13]. وأنشدوا قول ذي الإصبع العُدْواني[14]: لاهِ ابنُ عمِّك لا أفضَلتَ في حسَبٍ *** عني ولا أنت ديَّاني فَتَخْزُوني قال الزمخشري[15]: "الإله من أسماء الأجناس، اسم يقع على كل معبود بحقٍّ أو باطل، ثم غلب على المعبود بحقٍّ، أما "الله" بحذف الهمزة، فيختص بالمعبود بالحق، لم يُطلَقْ على غيره". ومعنى "الله": المألوه المعبود محبةً وتعظيمًا؛ أي المألوه المعبود بحق، الذي تعبُده الخلائق وتتألَّهُ له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب[16]؛ لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال[17]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية[18]: "فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لِذاتِه؛ لأنه المألوه المعبود الذي تألَهُه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد". وقال أيضًا[19]: "الله هو الإله المعبود، فهذا الاسم أحقُّ بالعبادة، يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه، وما خُلِق له، وما فيه صلاحه وكماله، وهو عبادة الله؛ ولهذا يقال: الله أكبر، الحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله". والمراد: المألوه المعبود بحق؛ لأن غيره من المعبودات إلاهيتُها ليست حقًّا، بل هي باطلة؛ كما قال تعالى: ï´؟ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ ï´¾ [الحج: 62]. ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾: اسمان من أسماء الله تعالى مشتقَّان من الرحمة. عن عبدالرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله: أنا الرحمن، وهي الرحم، شققتُ لها اسمًا من اسمي، من وصَلَها وصَلتُه، ومن قطَعَها قطَعتُه))[20]، ف"الرحمن" و"الرحيم" مشتقان من الرحمة، و"الرحم" مشتقة من اسمه تعالى "الرحمن". و"الرحمن" على وزن "فعلان"، و"الرحيم" على وزن "فعيل"، كل منهما صفة مشبَّهة، ومن صيغ المبالغة، لكن "فعلان" أبلَغُ من "فعيل"؛ لأن صيغة "فعلان" تدل على الامتلاء، يقال: رجل غضبان؛ أي: ممتلئ غضبًا؛ ولهذا قُدِّم "الرحمن" على "الرحيم". وكل منهما دالٌّ على إثبات صفة الرحمة الواسعة العظيمة لله تعالى، كما قال تعالى: ï´؟ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ï´¾ [الأنعام: 147]، وقال تعالى: ï´؟ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ï´¾ [الأعراف: 156]، وقال تعالى: ï´؟ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ï´¾ [الأنعام: 12]، وقال تعالى: ï´؟ فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ[21] كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ï´¾ [الروم: 50]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمْسَكَ عنده تسعة وتسعين، وأنزَلَ في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرَها عن ولدها؛ خشية أن تصيبه))[22]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما قضى الله الخلق، كتَبَ في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي))[23]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طَمِع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قَنَطَ من جنته أحد"[24]. وإذا اجتمع "الرحمن" مع "الرحيم" في مثل البسملة، والفاتحة، وقوله تعالى: ï´؟ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ï´¾ [البقرة: 163]، وقوله تعالى: ï´؟ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [فصلت: 2]، وقوله تعالى: ï´؟ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ï´¾ [الحشر: 22]: دلَّ "الرحمن" على إثبات صفة الرحمة الذاتية القائمة به سبحانه، كما قال تعالى: ï´؟ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ï´¾ [الأنعام: 133]، وقال تعالى: ï´؟ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ï´¾ [الكهف: 58]، وقال تعالى: ï´؟ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ ï´¾ [الأنعام: 147]. ودلَّ "الرحيم" على إثبات صفة الرحمة الفعلية لله عز وجل المتعلقة بالمرحوم؛ فهو تعالى فاعل الرحمة وموصِّلُها إلى من شاء من خلقه؛ رحمة عامة بجميع الخلق، ورحمة خاصة بالمؤمنين، كما قال تعالى: ï´؟ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ï´¾ [العنكبوت: 21]، وقال تعالى: ï´؟ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ï´¾ [الإسراء: 54]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [البقرة: 143، والحج: 65]. قال ابن القيم[25] بعدما ذكر قول السهيلي: "وفائدة الجمع بين الصفتين "الرحمن" و"الرحيم" الإنباءُ عن رحمة عاجلة وآجلة، وخاصة وعامة..."، قال: وهو أن "الرحمن" دال على الصفة القائمة به سبحانه، و"الرحيم" دال على تعلُّقِها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفتُه، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمَّل قوله: ï´؟ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 43] ï´؟ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [التوبة: 117]، ولم يجئ قط "رحمن بهم"، فعُلِم أن "الرحمن" هو الموصوف بالرحمة، و"رحيم" هو الراحم برحمته..." اه. أما إذا جاء كل منهما منفردًا عن الآخر، كما في قوله تعالى: ï´؟ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ï´¾ [الإسراء: 110]، وكما في قوله تعالى: ï´؟ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 43]، فإن كلًّا منهما - بمفرده - يدل على إثبات صفة الرحمة لله تعالى، باعتبارها صفة ذاتية لله، وباعتبارها صفة فعلية له عز وجل. وكما أن الرحمة صفة ثابتة لله عز وجل ذاتية وفعلية، فهي أيضًا تُطلَق على آثار هذه الرحمة، كما قال تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ï´¾ [الشورى: 28]، وقال تعالى في الحديث القدسي للجنة: ((أنتِ رحمتي، أرحم بك مَن أشاء))[26]. والفرق بين "الرحمن" و"الرحيم" من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن بينهما عمومًا وخصوصًا من حيث اللفظ؛ ف"الرحمن" اسم خاص بالله تعالى لا يجوز أن يسمى به غيره بالإجماع[27]، كاسم "الله"، و"الرزاق". قال ابن القيم[28]: "ولما كان هذا الاسم مختصًّا به تعالى، حسُن مجيئه مفردًا غير تابع كمجيء اسم الله كذلك"؛ يعني في نحو قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ ï´¾ [الرحمن: 1، 2]، وقوله: ï´؟ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ï´¾ [طه: 5]، وقوله: ï´؟ أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ ï´¾ [الملك: 20]، وغير ذلك. بل يُعَدُّ "الرحمن" ثاني اسم من أسماء الله تعالى؛ لقوله تعالى: ï´؟ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ï´¾ [الإسراء: 110]، وقوله تعالى: ï´؟ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ï´¾ [الزخرف: 45]. ولهذا لمَّا تسمى مُسَيْلِمةُ بذلك تعنُّتًا وكفرًا، أذَلَّه الله تعالى. قال ابن كثير[29]: "ولما تَجَهْرَمَ مُسيلِمةُ الكذَّابُ، وتسمَّى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب، وشَهَّرَ به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فصار يُضرَبُ به المَثَلُ في الكذب بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب". و"الرحيم" اسم عام يجوز أن يوصف به غير الله؛ كاسم "الرؤوف"، و"السميع"، و"البصير"، قال تعالى عن نبيِّه محمد صلى الله عليه وسلم: ï´؟ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [التوبة: 128]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ï´¾ [الإنسان: 2]. الوجه الثاني: أن بينهما عمومًا وخصوصًا من حيث المعنى[30]، ف"الرحمن" رحمة عامة لجميع الخلق؛ مؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وبهيمهم، في الدنيا والآخرة. فرحمته للمؤمنين في الدنيا هدايتُهم للحق وإلى الطريق المستقيم، إلى غير ذلك من نعم الله عليهم، مما هو دون ذلك، ورحمتُه لهم في الآخرة إدخالُهم جناتِ النعيم، ووقايتهم عذاب الجحيم. ورحمته للكافرين والبهائم في الدنيا، ما يتمتَّعون به من نعم الله، من الصحة والمآكل والمشارب ونحوها، ورحمته لهم في الآخرة العدلُ في حسابهم، كما قال تعالى: ï´؟ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ï´¾ [الأنعام: 164، الإسراء: 15، فاطر: 18، الزمر: 7]، وقال تعالى: ï´؟ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ï´¾ [الطور: 21]، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَتُؤَدَّنَّ الحقوقُ إلى أهلها يوم القيامة، حتى يُقادَ للشاة الجَلْحاءِ من الشاة القَرْناءِ))[31]. قال ابن كثير[32] - بعد أن ذكر القول بأن "الرحمن" لجميع الخلق، و"الرحيم" بالمؤمنين - قال: "ولهذا قال: ï´؟ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ ï´¾ [الفرقان: 59]، وقال: ï´؟ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ï´¾ [طه: 5]"، قال ابن كثير: "فذكر الاستواء باسمه الرحمن؛ ليعم جميع خلقه برحمته". وقال الشنقيطي[33] - بعد أن ذكر كلام ابن كثير السابق - قال: "ومثله قوله تعالى: ï´؟ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ ï´¾ [الملك: 19]، قال: أي: ومن رحمانيته لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافَّاتٍ وقابضات في جو السماء، ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ ï´¾ [الرحمن: 1، 2] إلى قوله: ï´؟ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ï´¾ [الرحمن:1 -13]". و"الرحيم" رحمة خاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ï´؟ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 43][34]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [التوبة: 117]. وهذا إنما يصح في حال اجتماع "الرحمن" و"الرحيم"، فيؤخذ من "الرحمن" الرحمةُ العامة، ومن "الرحيم" الرحمةُ الخاصة، أما في حال انفراد أحدهما عن الآخر، فيؤخذ من كل منهما إثباتُ الرحمة العامة والخاصة، ودليل العموم من "الرحيم" قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ [البقرة:143، الحج:65][35]. الوجه الثالث: أن "الرحمن" أبلغ من "الرحيم"[36]؛ ولهذا، ولكونه - أي: "الرحمنِ" - أخَصَّ من "الرحيم"؛ قُدِّم عليه في البسملة والفاتحة، وقُدِّم عليهما لفظ الجلالة؛ لأنه أخص منهما وأعرَفُ، وهما وغيرهما من أسمائه تعالى تبعٌ للفظ الجلالة "الله". قال ابن كثير[37]: "بدأ باسم الله، ووصَفَه بالرحمن؛ لأنه أخص وأعرف من الرحيم؛ لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف الأسماء؛ فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص". وقد كان اسم "الرحمن" معروفًا - والله أعلم - عند العرب قبل الإسلام، وقد ورد ذلك في أشعارهم. كقول سلامة الجعدي[38]: عَجِلْتُم علينا عَجْلَتَيْنا عليكمُ *** وما يَشَأِ الرحمنُ يَعْقِدْ ويُطْلِقِ وقول الآخر: ألا ضرَبتْ تلك الفتاةُ هَجِينَها *** ألا قَضَبَ الرحمنُ ربي يَمينَها[39] أما قوله تعالى عن المشركين: ï´؟ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا ï´¾ [الفرقان: 60]. وكذا قولهم في صُلح الحُدَيْبِيَةِ لما قال الرسول صلى الله عليه وسلم لعليٍّ: ((اكتب بسم الله الرحمن الرحيم)) قالوا: "ما ندري ما الرحمن، اكتب باسمِك اللهم"[40]. فذلك منهم محمول - والله أعلم - على الجحود والعناد، والتعنُّت في الكفر، كما قال كثير من المفسرين[41]. المصدر: « عون الرحمن في تفسير القرآن» [1] انظر: "البحر المحيط" (1/ 14)، "تفسير ابن كثير" (1/ 39)، "أنوار التنزيل" (1/ 6)، "شرح البسملة" لأبي زكريا الأنصاري (1/ أ)، "شرح البسملة والحمدلة" لأحمد بن عبدالحق (6/ أ)، "رسالة إسماعيل بن غنيم الجوهري في البسملة" (6/ أ)، "رسالة الصبان الكبرى في البسملة" (8/ ب). [2] انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي (1/ 66)، "الكشاف" (1/ 5)، "المحرر الوجيز" (1/ 55)، "التفسير الكبير" (1/ 108)، "الدر المصون" (1/ 19 -21)، "أنوار التنزيل" (1/ 6). [3] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 40). [4] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 56). [5] انظر: "التفسير الكبير" (1/ 115)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 102)، "تفسير ابن كثير" (1/ 40). وانظر الأحاديث الواردة في الاسم الأعظم ضمن الفائدة الخامسة والثلاثين من سورة الفاتحة. [6] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 56). [7] أخرجه البخاري - في الدعوات - باب لله مائة اسم غير واحد (6410)، ومسلم - في الذكر - باب في أسماء الله تعالى، وفضل من أحصاها (2677). [8] انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص(25). [9] "جامع البيان" (1/ 123)، "معالم التنزيل" (1/ 38)، "المحرر الوجيز" (1/ 57)، "لسان العرب" مادة "أله"، "لباب التأويل" (1/ 13)، "بدائع الفوائد" (1/ 22 -23)، "تفسير ابن كثير" (1/ 40). [10] انظر: "ديوانه" ص(165). [11] انظر: "اشتقاق أسماء الله الحسنى" للزجاجي ص(26 -42)، "الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس (2/ 433)، "الكشاف" (1/ 6)، "الدر المصون" (1/ 23 -29). [12] البيت لذي جرن الحميري، انظر: "اشتقاق أسماء الله الحسنى" ص (32)، وانظر: "الكشاف" (1/ 6). [13] انظر: "الكتاب" (2/ 195، 3/ 498). [14] انظر: "اشتقاق أسماء الله الحسنى" ص(34)، "المفضليات" (160)، "مجالس العلماء" (71). [15] في "الكشاف" (1/ 6). [16] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 56). [17] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (1/ 33). [18] انظر: "مجموع الفتاوى" (1/ 88). [19] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 12). [20] أخرجه أبو داود - في الزكاة - باب صلة الرحم (1694)، والترمذي في البر والصلة - ما جاء في قطيعة الرحم (1907)، وقال: "حديث حسن صحيح"، وأحمد (1/ 191)، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود"، وأخرجه أحمد (2/ 498) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [21] قد يكون المراد بالرحمة في الآية الرحمةَ التي هي صفة ذاتية من صفات الله تعالى غير مخلوقة، وقد يراد بها الرحمة التي هي المطر، فهذه رحمة مخلوقة، هي من آثار رحمة الله التي هي من صفاته، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((تحاجَّتِ الجنة والنار...))، وفيه قوله تعالى للجنة: ((أنتِ رحمتي، أرحَمُ بك من أشاء من عبادي... الحديث))؛ أخرجه البخاري - في التفسير (4850)، ومسلم - في الجنة ونعيمها وأهلها (2846)، فالجنة من الرحمة المخلوقة. [22] أخرجه البخاري - في الأدب - باب جعل الله الرحمة في مائة جزء (6000)، ومسلم - في التوبة - باب سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه (2752). وأخرجه أيضًا من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه (2753). [23] أخرجه البخاري - في بدء الخلق - ما جاء في قوله تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ï´¾ [الروم: 27] (3194)، ومسلم - في التوبة - سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه (2751). [24] أخرجه مسلم في الباب السابق (2755). [25] في "بدائع الفوائد" (1/ 24). [26] أخرجه البخاري في التفسير (4580)، ومسلم في الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2846)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [27] انظر: "جامع البيان" (1/ 134)، "معالم التنزيل" (1/ 38)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 105 -106). [28] انظر: "بدائع الفوائد" (1/ 23 -24). [29] في "تفسيره": (1/ 43). [30] انظر: "جامع البيان" (1/ 127 -129)، "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج ص(28)، "مقاييس اللغة" مادة "رحم". [31] أخرج مسلم - في البر والصلة والأدب - باب تحريم الظلم (2582). [32] في "تفسيره" (1/ 43). [33] في "أضواء البيان" (1/ 40). [34] انظر: "زاد المسير" (1/ 9)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 105)، "أنوار التنزيل" (1/ 7)، "تفسير ابن كثير" (1/ 43). [35] انظر: "تيسير العزيز الحميد" ص(31). [36] انظر: "جامع البيان" (1/ 133)، "الكشاف" (1/ 6). [37] في "تفسيره" (1/ 43). [38] انظر: "ديوانه" ص(19). [39] انظر: "جامع البيان" (1/ 131)، "تفسير ابن كثير" (1/ 44). [40] أخرجه من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - مطولًا -: البخاري في الشروط - باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط (2731 - 2732). [41] انظر: "جامع البيان" (1/ 131)، "الكشاف" (1/ 6)، "تفسير ابن كثير" (1/ 44). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم هل البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم أو من سورة الفاتحة، أو من كل سورة سوى براءة، أو ليست بآية؟ اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال عدة، بعد إجماعهم على أنها بعض آية من سورة النمل، في قوله تعالى: ï´؟ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [النمل: 30] [1]. وفيما يلي ذكر خلاصة لأقوالهم، وأدلتهم في هذه المسألة[2]. القول الأول: أن البسملة ليست آية من القرآن الكريم مطلقًا[3]، إلا في سورة النمل فهي بعض آية منها، وإنما كُتبت البسملة في أوائل السور؛ للاستفتاح بها، والابتداء والتبرك بها، والتيمُّن، والفصل بين السور. وهذا القول يُروى عن قراء المدينة والبصرة والشام[4]، وهو قول الإمام مالك[5] وعبدالله بن معبد[6]، ونُسب لأبي حنيفة، وبعض أصحابه[7]، والأوزاعي[8]، وحُكي رواية عن الإمام أحمد[9]، لكن قال ابن تيمية[10]: "لا يصح هذا عنه، وإن كان قولًا في مذهبه". واختاره الباقلاني[11]. ولم أقف على دليل صحيح صريح لهذا القول، ولا على تعليل مقبول إلا التمسُّكَ بأدلة وأحاديثَ لا تدل عليه؛ كحديث أنس بن مالك وعائشة رضي الله عنهما[12]، وما في معناهما من الأدلة، التي فيها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا يستفتحون القراءة أو الصلاة بالحمد لله رب العالمين... وسيأتي ذكر هذه الأحاديث - إن شاء الله - في القول الرابع من هذه الأقوال، وبيان أن غاية ما تدلُّ عليه هذه الأحاديثُ أنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة، لا أنهم يترُكونها، وليس عدم الجهر بها مما يُخرِجها من القرآن، كما زعم بعض من ذهب إلى هذا القول[13]. وقد احتج ابن العربي[14] لهذا القول بأن مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدينة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان الإمام مالك لم يَقرأ فيه أحدٌ قط (بسم الله الرحمن الرحيم) اتباعًا للسُّنَّة، وهذا إن أراد به أنهم لا يجهرون بها فصحيح، وأما إن أراد أنهم لا يقرؤونها أبدًا لا سرًّا ولا جهرًا، فالجواب عنه هو الجواب عن احتجاجهم بحديث عائشة وأنس المشار إليهما، وأن ذلك محمول على أنهم يُسِرُّونَ بها لا أنهم يتركونها. كما احتج الباقلاني[15] والقرطبي[16] لهذا القول بأن القرآن لا يثبُت إلا بالتواتر، ولا تواتُرَ هنا؛ فيجب القطع بنفي كونها من القرآن. وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية[17] عن هذا بقوله: "والتحقيق أن هذه الحجة مقابلَة بمِثلِها، فيقال لهم: بل يُقطع بكونها من القرآن حيث كُتبت، كما قطعتم بنفي كونها ليست منه، ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآنٌ، فإن التفريق بين آية وآية يرفع الثقةَ بكون القرآن المكتوب بين لوحي المصحف كلامَ الله، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتَبوا المصاحف نقَلوا إلينا أن ما كتبوه بين لوحي المصحف كلامُ الله الذي أنزله على نبيِّه صلى الله عليه وسلم، لم يكتُبوا فيه ما ليس من كلام الله...". ويكفي في ضعف هذا القول: أن فيه القولَ على الصحابة رضي الله عنهم أنهم أَودَعوا المصحفَ ما ليس من كلام الله، على سبيل التبرك[18]. قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي"[19]، بعد أن ذكر الخلاف في هذه المسألة: "القول الذي زعموا نِسبتَه إلى مالك ومن معه في أنها ليست آية أصلًا - قولٌ لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة". القول الثاني: أنها آية من سورة الفاتحة فقط. وهذا القول مرويٌّ عن طائفة من السلف، منهم سعيد بن جبير[20]، وأكثر القراء والفقهاء من أهل مكة[21] والكوفة[22]، وهو قول للشافعي[23]، ورواية عن الإمام أحمد[24]، ورُوي عن إسحاق[25]، وأبي عبيد[26]، وأبي ثور[27]، ومحمد بن كعب القرظي، والزهري[28] وعطاء[29]، وغيرهم[30]. واستدَلوا لهذا القول بأدلة، منها: 1- إثباتها في المصاحف في الفاتحة، وعدُّها من آياتها. 2- ما جاء عن أم سلمة رضي الله عنها أنها سُئلت عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: "كان يُقطِّع قراءته آيةً آية: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم"[31]. ووجهُ استدلالهم من هذا الحديث: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة مع الفاتحة، قالوا: فدلَّ هذا على أنها آية منها. والجواب عن هذا: أنه لا يلزم من قراءتها مع الفاتحة أن تكون منها؛ إذ لو لزم هذا لَلَزِمَ أن تكون آيةً من كل سورة؛ لأنها تُقرأ مع كل سورة، كما هو مثبت معلوم. 3- وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سُئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "كانت مدًّا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمُدُّ بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم"[32]. قالوا: فقراءة النبي صلى الله عليه وسلم للبسملة بالمدِّ تدلُّ على أنها آية من القرآن؛ إذ لو لم تكن آية من القرآن لَمَا قرأها الرسول صلى الله عليه وسلم بالمدِّ كما يقرأ القرآن. وهذا الاستدلال صحيح في الرد على الذين ينفون أن تكون البسملة آيةً من القرآن مطلقًا، لكن لا يلزم من قراءة الرسول صلى الله عليه وسلم لها بالمد كما يقرأ القرآن، أن تكون آيةً من سورة الفاتحة[33]، ولا من غيرها؛ فالحديث يدل على أنها آية تُقرأ - وهذا صحيح - لا أنها آية من سورة الفاتحة، أو من غيرها من السور. 4- حديث نُعَيمٍ المُجْمِرِ قال: "صليتُ وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأمِّ القرآن حتى بلغ (ولا الضالين) فقال: "آمين"، فقال الناس: "آمين"، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلَّم قال: والذي نفسي بيده، إني لَأَشبَهُكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم". ووجه استدلالهم من هذا الحديث أن أبا هريرة قرأ البسملة مع أم القرآن، ورفَعَ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال في آخر الحديث: "والذي نفسي بيده، إني لَأشْبهُكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم"، وهذا الحديث ضعَّفه جمعٌ من أهل العلم[34]. وأيضًا لو صح هذا الحديث، فليس فيه ما ينص صراحة على أن البسملة من الفاتحة، وغاية ما فيه أن يكون أبو هريرة قرأ البسملة مع الفاتحة، سواء كان ذلك جهرًا أم سرًّا، ولا يلزم من قراءتها مع الفاتحة على أي حال أن تكون منها، كما تقدم في الجواب عن استدلالهم بحديث أم سلمة. 5- ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسَّبع المَثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم أحد آياتها))[35]. والصواب أن هذا الحديث موقوف من كلام أبي هريرة، كما ذكر أهل العلم[36]؛ قال الزيلعي[37] بعدما صوَّب وقف الحديث على أبي هريرة: "فإن قيل: إن هذا موقوفٌ في حُكمِ المرفوع؛ إذ لا يقول الصحابي: إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف أو دليل قويٍّ ظهر له... قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرؤها فظَنَّها من الفاتحة... وأبو هريرة لم يُخبِرْ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: هي إحدى آياتها، وقراءتُها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك". وقال أيضًا: "فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري عن أبي هريرة في هذا الحديث عدمُ ذكر البسملة، كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحمد لله هي أمُّ القرآن، وهي السَّبْعُ المثاني والقرآن العظيم))[38] ". القول الثالث: أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى سورة براءة، وقد نُسب هذا القول لقُرَّاءِ مكة والكوفة وفقهائهما[39]. وحُكي هذا القول عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة، من الصحابة، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومكحول والزهري[40]. وهو المشهور من مذهب الشافعي[41]، ورواية عن الإمام أحمد[42]، ونُسب لأبي حنيفة[43]، وسفيان الثوري[44]، وعبدالله بن المبارك[45]، وإسحاق بن راهويه[46]، وأبي عبيد[47]، والأوزاعي[48]. واستدل أصحاب هذا القول بأدلة، منها ما يلي: 1- ثبوت البسملة في المصاحف، بخط المصحف، مع كل سورة، سوى براءة، مما يدلُّ على أنها آية، أو بعض آية من كل سورة[49]. والجواب: أنه لا يلزم من ثبوتها في المصاحف مع كل سورة، بل لا يلزم من قراءتها مع كل سورة أن تكون آية منها، فهناك سُوَرٌ ثبَتَ بالسُّنة وباتفاق العادِّينَ عدد آياتها، من غير احتساب البسملة منها كما سيأتي في ذكر أدلة القول الرابع. 2- ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "أغفى النبي صلى الله عليه وسلم إغفاءة، ثم تبسَّم ضاحكًا، فقال: ((أُنزِل عليَّ آنفًا سورة))، ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ï´؟ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ï´¾ [الكوثر: 1] إلى آخر السورة"[50]. ووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن البسملة آية أُنزِلت مع سورة الكوثر، فهي كذلك آية، أو بعض آية من كل سورة تنزل معها وتعدُّ منها. والجواب عن هذا أن يقال: صحيح أن البسملة تنزل مع كل سورة، لكن لا يلزم من نزولها مع السورة أن تكون آية منها؛ ولهذا اتفق العادُّون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات بدون البسملة؛ فالذين قالوا: البسملة آية مستقلة، أسعَدُ بهذا الدليل، من أصحاب هذا القول، كما سيأتي بيان ذلك. 3- كما استدلوا - أيضًا - بحديث أم سلمة السابق[51]، الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقطِّع قراءته آيةً آية: "بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم". ووجه استدلالهم به أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة مع الفاتحة، مما يدل على أنها آية منها، وكذلك ينبغي أن تكون آية من سائر السور سوى براءة؛ لأنها مثبَتة مع سائر السور كما أُثبتَت في الفاتحة، فهي آية من كل سورة، ينبغي أن تُقرأ معها، سواء الفاتحة وغيرها. والجواب: أن هذا الحديث إنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم يقرأ البسملة مع الفاتحة، ولا يدل على أنها آية منها - كما تقدم بيانه - فكيف تكون آية من غيرها؟! 4- كما استدلوا - أيضًا - بحديث أنس السابق أنه سُئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كانت مدًّا، يمُدُّ بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم". ووجه استدلالهم بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة مدًّا كما تُمَدُّ آيات القرآن، مما يدل على أنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى براءة. والجواب أن يقال: صحيح أن البسملة آية، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأها بالمد كما تقرأ آيات القرآن، لهذا الحديث ولغيره، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آية أو بعض آية من كل سورة، وقد يحتمل أن أنسًا رضي الله عنه ذكر هذا من باب التمثيل للسائل لكيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم[52]. 5- كما استدلوا بحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يَعرِفُ فصل السورة حتى تَنزل عليه: بسم الله الرحمن الرحيم"[53]. وكأنهم أخذوا من نزول البسملة مع السورة أن تكون آية منها، وهذا ليس بلازم، كما سيأتي بيان هذا في القول الرابع. القول الرابع: أن البسملة آية مستقلة من القرآن، وليست من السور، وإنما هي آية تنزل مع كل سورة؛ للفصل بينها وبين التي قبلها, سوى براءة. وهذا قول طائفة من أهل العلم، منهم الإمام أحمد في المنصوص الصريح عنه[54]، وعبدالله بن المبارك[55]، ومحمد بن الحسن الشيباني[56]، وأبو الحسن الكرخي[57]، وأبو بكر الرازي[58]، وداود الظاهري[59]، وغيرهم، واختاره الطبري فيما يظهر من كلامه[60]، واختاره ابن خزيمة[61]، والجصاص[62]، وابن قدامة[63]، وشيخ الإسلام ابن تيمية[64]، والزيلعي[65]. وهذا القول هو أصح الأقوال، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة، ومنها ما يلي: 1- إجماع الصحابة رضوان الله عليهم على إثباتها في المصحف، وكتابتهم لها بخطه، وقلمه، فنُقِلتْ نقْلَه، كما نُقِلت في سورة النمل، فلا يجوز الخروج عن إجماعهم؛ وذلك لأنهم جرَّدوا المصحف عن غير الآيات القرآنية، كالتفسير ونحوه[66]. 2- ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بيْنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهُرِنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: ((أُنزِلتْ عليَّ آنفًا سورة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ï´؟ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ï´¾ [الكوثر: 1]"[67]. ووجه الدلالة في هذا الحديث على أن البسملة آية مستقلة من القرآن: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأ بها، وأخبر أنها أُنزلت مع هذه السورة، ولم تُعَدَّ آيةً منها؛ فقد أجمَعَ الناس على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون (بسم الله الرحمن الرحيم)[68]، كما أجمعوا على أن سورة الإخلاص أربع آيات بدون البسملة[69]. 3- ما رواه عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يَعرِفُ فصل السورة، حتى تنزل عليه: بسم الله الرحمن الرحيم"[70]. فكونها تنزل يدل على أنها آية من القرآن، وكونها للفصل بين السور يدل على أنها ليست من السور؛ وإنما هي آية مستقلة[71]. 4- ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: "إن سورةً من القرآن ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غُفِر له، وهي سورة: ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ï´¾"[72]. قال: فهذا الحديث يدل على أن البسملة ليست آية من السور من وجهين: الوجه الأول: أنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ سورة المُلْك، بقوله: ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ï´¾ [الملك: 1] دون البسملة، مما يدل على أن البسملة ليست من السورة. يتبع |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
الوجه الثاني: أن أهل العلم والعادِّينَ لآيات القرآن اتفَقوا على أن سورة ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ï´¾ ثلاثون آية بدون البسملة[73]. 5- ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: ((من صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأُم القرآن، فهي خِداجٌ - ثلاثًا - غير تمام))، فقيل لأبي هريرة: إنَّا نكون وراء الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تعالى: قسَمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [الفاتحة: 3]، قال الله تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 4] قال: مجَّدَني عبدي، وقال مرة: فوَّض إليَّ عبدي، فإذا قال: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5]، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 6، 7]، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل))[74]. قالوا: فهذا الحديث كسابقه، يدل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة من وجهين: الوجه الأول: أن الله تعالى بدأ الفاتحة بقوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾، ولو كانت البسملة آية من الفاتحة لابتدأ بها، وعَدَّها آية منها[75]. الوجه الثاني: أن الله جعل الفاتحة بينه وبين عبده نصفينِ، وهي سبع آيات، باتفاق أهل العلم المعتدِّ بقولهم، كما جعل تعالى الآية: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ بينه وبين العبد، وهي منتصف السورة، فقوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ وما قبله ثلاثُ آيات ونصف، حمد وثناء وتمجيد وعبادة للرب، وقوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ وما بعده ثلاثُ آيات ونصف للعبد دعاء ومسألة، ويكون قوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ هو الآية الخامسة، وقوله: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ هو الآية السادسة، وقوله: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ هو الآية السابعة، وبهذا يتحقق التنصيف للفاتحة بين الرب وبين العبد، ولو كانت البسملة آية من الفاتحة لم يتحقَّق التنصيف، ولكان قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ وما قبله أربعَ آيات ونصف آية، وقوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ وما بعده اثنتين ونصفًا، فلا يتحقق التنصيف، بل يكون ما للربِّ في هذه القسمة أكثر مما للعبد، وهذا خلاف نص قوله تعالى في الحديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين))[76]. قال ابن عبدالبر في "الاستذكار"[77]: "وأما قوله في هذا الحديث: ((قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا، يقول العبد: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾))، فبدأ بـï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾، ولم يقل: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، فهذا أوضح شيء وأبيَنُه أن ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ ليست آية من الفاتحة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بـï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ فجعلها آية، ثم ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، ثم ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾، فهذه ثلاث آيات لم يختلف فيها المسلمون. وجاء في هذا الحديث أنها له تبارَكَ اسمُه، ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، ثم ثلاث آيات لعبده تتمة سبع آيات، فهذا يدل على أن ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ آيةٌ، ثم الآية السابعة إلى آخر السورة، وهكذا تكون نصفين بين العبد وبين ربه؛ لأنه قال في قوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ إلى آخر السورة: "فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل"، وهؤلاء إشارة إلى جماعة من يعقل وما لا يعقل، وأقل الجماعة ثلاثة، فعلمنا بقوله: (هؤلاء) أنه أراد هؤلاء الآيات، والآيات أقلُّها ثلاث؛ لأنه لو أراد اثنتين لقال: هاتان، ولو أراد واحدة لقال: هذه بيني وبين عبدي، وإذا كان من قوله: ï´؟ اهْدِنَا ï´¾ إلى آخر السورة ثلاثُ آيات، كانت السبع آيات من قوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ إلى قوله: ï´؟ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾، وصحت قسمة السبع على السواء، ثلاث وثلاث، وآية بينهما... وأجمع القُرَّاء والفقهاء على أنها سبع آيات، إلا أنهم اختلفوا؛ فمن جعل ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ آية من فاتحة الكتاب، لم يعُدَّ ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ آيةً، ومن لم يجعل ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ آيةً، عَدَّ ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ آيةً، وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام وأهل البصرة، وأما أهل مكة وأهل الكوفة من القرَّاء والفقهاء، فإنهم عَدُّوا فيها ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ آيةً، ولم يعُدُّوا ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾، وهذا الحديث أبْينُ ما يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم في سقوط ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ من آيِ فاتحة الكتاب، وهو قاطع لموضع الخلاف...". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[78]: "فهذا الحديث صحيح صريح في أنها ليست من الفاتحة، ولم يعارضه حديث صحيح صريح". قلت: وإذا كانت البسملة ليست من الفاتحة، فليست من غيرها من السور من باب أَولى. 6- حديث عائشة رضي الله عنها الطويل في قصة بدء الوحي، وفيه أن أول ما جاءه المَلَكُ قال: ï´؟ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ï´¾ [العلق: 1 - 3][79]. قال ابن تيمية[80] - بعدما أشار إلى هذا الحديث -: "فهذا أول ما نزل، ولم ينزل قبل ذلك ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾". وقال في موضع آخر[81]: "فالذين قالوا: ليست من السورة، قالوا: إن جبريل لما أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم لم يأمُرْه بقراءتها، بل أمَرَه أن يقرأ: ï´؟ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ï´¾، ولو كانت هي أول السورة لأمَرَه بها". 7- حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "صليتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكُرون بسم الله الرحمن الرحيم، لا في أول قراءة، ولا في آخرها"[82]. 8- حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين"[83]. 9- حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكُت"[84]. وهذه الأحاديث الثلاثة: حديث أنس برواياته، وحديث عائشة، وحديث أبي هريرة، كلُّها تدل - كما سيأتي بيان ذلك - على أن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه، كانوا لا يجهرون بالبسملة، لا أنهم يتركونها - كما زعم بعضهم. أما ما وجه الدلالة فيها على أن البسملة آية مستقلة؟ فهو كونهم لم يجهروا بها كبقية آيات الفاتحة؛ إذ لو كانت آية منها لَمَا فرَّقوا بينها وبين بقية آيات هذه السورة[85]، وإذا لم تكن آيةً من الفاتحة فالأَولى ألا تكون آية من غيرها من السور. 10- قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة؛ إذ لو كانت منها، لكان فيها تكرار قوله: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، والأصل عدم التكرار[86]، غالبًا[87]. 11- أنَّ جعْلَ قولِه تعالى: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ آيةً واحدة بهذا الطول - لا يناسب بقية الآيات؛ إذ إن غالب السور تكون آياتها متناسبة من حيث الطول والقصر، مما يقوِّي القولَ بأن هذه الآية آيتان، وأن البسملة ليست من آيات الفاتحة، خلافًا للعدد الموجود في المصاحف. وإذا لم تكن آية من الفاتحة، فالأَولى ألا تكون آية من غيرها من السور. 12- كما يُقال أيضًا لمن يقول: إنها آية من الفاتحة فقط: إن الفاتحة سورة من سور القرآن، والبسملة مكتوبة في أولها كلها، فلا فرق بينها وبين غيرها من السور في مثل ذلك، قال ابن تيمية[88]: "وهذا أظهر وجوه الاعتبار". قال القاضي أبو يعلى[89]: "إن أكثر أهل العلم وجمهورهم على أن قراءتها مستحبة فقط، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[90]: "وهو قول سائر من حقَّق القول في هذه المسألة، وتوسَّط فيها، وجمع بين مقتضى الأدلة وكتابتِها سطرًا مفصولًا عن هذه السورة". وقال أيضًا: "وهذا أعدل الأقوال"[91]. [1] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 8، 12)، "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 2)، "مجموع الفتاوى" (22/ 438)، "تفسير ابن كثير" (1/ 34)، "النشر" (1/ 271). [2] هناك أقوال تركتها لضعفها، أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال. [3] انظر: "الإقناع في القراءات السبع" لابن الباذش (1/ 163). [4] انظر: "معالم التنزيل" (1/ 38)، "الكشاف" (1/ 4)، "تفسير النسفي" (1/ 1). [5] انظر: "الاستذكار" (2/ 175)، "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 2)، "المحرر الوجيز" (1/ 52)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 93). [6] انظر: "المغني" (2/ 152). [7] انظر: "شرح معاني الآثار" (1/ 204-205)، "نصب الراية" (1/ 327). [8] انظر: "المغني" (2/ 152). [9] انظر: "المغني" (2/ 151-152). [10] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 434-438). [11] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 432). [12] انظر: "الاستذكار" (2/ 174-175، 182)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 95). [13] انظر: "شرح معاني الآثار" (1/ 204-205). [14] في: "أحكام القرآن" (1/ 3). [15] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 432). [16] في: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 93). [17] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 432-433). [18] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 406). [19] (2/ 22). [20] أخرجه عنه عبدالرزاق - في الصلاة - باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (2609). [21] انظر: "الاستذكار" (2/ 173)، "مجموع الفتاوى" (22/ 441)، "النشر" (1/ 270). [22] انظر: "جامع البيان" (1/ 109)، "النشر" (1/ 270). [23] انظر: "الأم" (1/ 107)، "المجموع" (3/ 332-333). [24] انظر: "التحقيق" لابن الجوزي (1/ 292)، "المغني" (2/ 151)، "مجموع الفتاوى" (22/ 435، 442). [25] انظر: "الاستذكار" (2/ 176)، "المغني" (2/ 151). [26] انظر: "الاستذكار" (2/ 176)، "المغني" (2/ 151). [27] أخرجه عن أبي ثور ابن عبدالبر في "الاستذكار" (2/ 176). [28] أخرجه عنهما أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص(114-115). [29] انظر: "الاستذكار" (2/ 176). [30] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 351). [31] أخرجه أبو داود - في الحروف - الباب الأول (4001)، وأحمد (6/ 302)، والدارقطني في الصلاة - وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم والجهر بها، حديث (37) وقال: "إسناده صحيح وكلهم ثقات"، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود" (2927). [32] أخرجه البخاري في "فضائل القرآن" - باب مد القراءة (5046)، وقد أخرجه مختصرًا دون ذكر "ثم قرأ... إلى آخره" أبو داود (1465)، والنسائي (970)، وابن ماجه (1353)، وأحمد (3/ 119، 192). [33] انظر: "فتح الباري" (9/ 91). [34] سيأتي تخريج هذا الحديث، وذكر كلام أهل العلم في تضعيفه في حكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار. [35] أخرجه الدارقطني - في الصلاة - باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، حديث (36)، والبيهقي - في الصلاة (2/ 45)، كلاهما من طريق أبي بكر الحنفي، عن عبدالحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، قال أبو بكر الحنفي: "ثم لقيت نوحًا، فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة، ولم يرفعه"، وقد ذكر الزيلعي كلام الأئمة عليه وصوَّب وقْفَه. "نصب الراية" (1/ 343). [36] انظر: "التحقيق" لابن الجوزي (1/ 293-298). [37] في "نصب الراية" (1/ 343-344). [38] سيأتي تخريجه. [39] انظر: "الكشاف" (1/ 4). [40] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 35). [41] انظر: "المجموع" (3/ 332-333)، "تفسير ابن كثير" (1/ 35)، "كتاب البسملة الصغير" لأبي شامة (2/ أ)، "رسالة الصبان الكبرى في البسملة" (27/ أ). [42] انظر: "المسائل الفقهية" (1/ 118). [43] انظر: "النشر" (1/ 270). [44] انظر: "معالم التنزيل" (1/ 39). [45] انظر: "المبسوط" (1/ 15)، "معالم التنزيل" (1/ 39)، "المغني" (2/ 151). [46] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 35)، "كتاب البسملة الصغير" لأبي شامة (2/ أ). [47] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 35). [48] انظر: "كتاب البسملة الصغير" لأبي شامة (2/ ب). [49] انظر: "الاستذكار" (2/ 179)، "لباب التأويل" (1/ 15)، "كتاب البسملة الصغير" لأبي شامة (3/ ب). [50] سيأتي هذا الحديث بتمامه وتخريجه، وانظر: "الاستذكار" (2/ 179). [51] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 11)، "المبسوط" للسرخسي (1/ 16)، "المغني" (2/ 153). [52] انظر: "فتح الباري" (9/ 91). [53] سيأتي تخريجه، وانظر: "الاستذكار" (2/ 179). [54] انظر: "مسائل الإمام أحمد" رواية النيسابوري (1/ 52)، "المسائل الفقهية" (1/ 118)، "المغني" (2/ 152، 153)، "مجموع الفتاوى" (22/ 353، 406، 434، 438-439)، وانظر: (13/ 418). [55] انظر: "مجموع الفتاوى". [56] انظر: "المبسوط" (1/ 16). [57] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 908)، "نصب الراية" (1/ 327). [58] انظر: "المبسوط" (1/ 15-16)، "الاستذكار" (2/ 176). [59] انظر: "المحلى" (13/ 251). [60] في "جامع البيان" (1/ 109، 146-147). [61] في "صحيحه" (1/ 249، 251). [62] في "أحكام القرآن" (1/ 8-12). [63] في "المغني" (2/ 153). [64] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 276، 350، 406). [65] في: "نصب الراية" (1/ 343). [66] انظر: "الكشاف" (1/ 21)، "مجموع الفتاوى" (22/ 433). [67] أخرجه مسلم - في الصلاة - باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة (400)، وأبو داود - في الصلاة - من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (784)، والنسائي - في الافتتاح - باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم (869). [68] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 11)، "المبسوط" (1/ 16)، "المغني" (2/ 153). [69] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 11). [70] أخرجه أبو داود - في الصلاة - من جهر بالبسملة (788)، قال ابن كثير (1/ 34): "إسناده صحيح". [71] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 276، 350، 351، 406، 439). [72] أخرجه الترمذي - في فضائل القرآن - ما جاء في فضل سورة الملك (2891)، وقال: "حديث حسن"، وابن ماجه - في الأدب - باب ثواب القرآن (3786)، وأحمد (2/ 299، 321)، وصححه الألباني. [73] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 11)، "مجموع الفتاوى" (22/ 277، 439)، وانظر: "التحقيق" لابن الجوزي (1/ 293). [74] أخرجه مسلم في الصلاة - باب وجوب قراءة الفاتحة (395)، وأبو داود - في الصلاة - باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (821)، والنسائي - في الافتتاح - باب ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب (872)، والترمذي - في التفسير - باب ومن سورة فاتحة الكتاب (2953)، وابن ماجه - في إقامة الصلاة - باب القراءة خلف الإمام - مختصرًا دون قوله: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم... إلى آخره" (838)، وأخرجه البيهقي برواياته في "جزء القراءة خلف الإمام" حديث (49-86). [75] انظر: "المبسوط" (1/ 16)، "الاستذكار" (2/ 172)، "التحقيق" (1/ 293)، "مجموع الفتاوى" (22/ 440). [76] انظر: "جامع البيان" (1/ 109)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 94). [77] (2/ 172-174)، وانظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 9-10)، "المبسوط" (1/ 16)، "المغني" (2/ 152). [78] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 277-278)، وانظر: (441). [79] أخرجه البخاري - في بدء الوحي (3)، ومسلم - في الإيمان (160). [80] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 277). [81] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 349). [82] سيأتي تخريجه. [83] أخرجه مسلم - في الصلاة - باب ما يجمع صفة الصلاة (498)، وأبو داود - في الصلاة - باب من لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (783). [84] أخرجه مسلم - في المساجد ومواضع الصلاة (599). [85] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 279، 441). [86] انظر: "جامع البيان" (1/ 146-147). [87] لأن بعض السور جاء فيها تكرار بعض الآيات لحِكَم، منها ما هو معلوم، ومنها ما لا يعلمه إلا الله، من ذلك قوله تعالى في سورة الرحمن: ï´؟ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ï´¾؛ فقد جاءت في واحد وثلاثين موضعًا في هذه السورة، ومن ذلك قوله تعالى: ï´؟ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ï´¾؛ فقد جاءت في عشرة مواضع من سورة المرسلات. [88] انظر: "مجموع الفتاوى" (2/ 441). [89] في "المسائل الفقهية" (1/ 118). [90] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 435). [91] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 439)، وانظر أيضًا: (276، 278، 350، 351، 406، 421، 438-439). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم حكم قراءة البسملة في غير الصلاة أجمَعَ أهل العلم على مشروعية التسمية، واستحبابها بعد الاستعاذة؛ تقديمًا للتخلية على التحلية عند قراءة أول السورة في غير الصلاة، سواء في ذلك سورة الفاتحة، أو غيرها من السور، سوى سورة براءة[1]؛ لأنها آية من القرآن الكريم، نزلت مع كل سورة سوى براءة. لكن اختَلَف القُرَّاء في قراءتها في حال الوصل بين السور؛ فقرأ ابن كثير، وقالون، وعاصم، والكسائي بالفصل بالتسمية بين السور، سوى الأنفال وبراءة[2]. ورُويَ عن بعض القراء تركُها في الوصل منهم حمزة، وروي عن ورش الفصل وعدمه، واختُلِف عن الباقين، وهم: خلف وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب ونافع، بين الفصل بالبسملة والوصل بين السورتين، أو السكت بينهما[3]. والأَولى الفصل بالتسمية بين جميع السور سوى سورة براءة، فلا يفصل بالتسمية بينها وبين ما يُقرأ قبلها من السور، سواء سورة الأنفال أو غيرها؛ لأن الله أنزل التسمية مع كل سورة سوى سورة براءة، وكذا لو كرَّر السورة فوصَلَ بين آخرها وأولها، فالأولى الفصلُ بالبسملة[4]، وإن كانت ليست آية من كل سورة، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يَعرِفُ فصل السورة، حتى تنزل عليه: بسم الله الرحمن الرحيم"[5]، ولأن ذلك هو الموافق لرسم المصحف، ومن شرط صحة القراءة موافقتُها لرسم المصحف[6]، باتفاق أهل العلم؛ ولهذا فأكثرُ القراء على الفصل بها بين السور، وكل من رُويَ عنه الوصل فقد رُويَ عنه خلافه. والأولى: في حال الابتداء بأول السورة أن يَستعيذ ثم يقف، ثم يُسمي ويقف، ثم يشرع في أول السورة؛ لأن الوقف على الاستعاذة تام، وكذا الوقف على البسملة، ولأن الثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها أنه كان يُقطِّع قراءته آيةً آية[7]. ويجوز أن يصل الاستعاذة بالبسملة، ثم يقف، ثم يشرع بأول السورة، ويجوز أن يستعيذ ثم يقف، ثم يسمِّي ويصل البسملة بالسورة، ويجوز وصل الجميع؛ وصل الاستعاذة بالبسملة، ووصل البسملة بالسورة[8]. وفي حال الوصل بين سورة وأخرى، الأولى الوقف على نهاية السورة الأولى؛ لأن أواخر السور من أتم التمام، ثم يسمِّي ويقف، ثم يبتدئ بأول السورة الأخرى، سواء كانت السورتان متواليتين في ترتيب المصحف أم غير متواليتين. ويجوز أن يقف على آخر السورة، ثم يبسمل، ويصل البسملة بأول السورة الأخرى، ويجوز وصل آخر السورة بالبسملة ووصل البسملة بأول السورة الأخرى، وهو دون الثاني. ويمتنع وصل البسملة بآخر السورة، ثم الوقف عليها؛ لأن البسملة إنما شُرِعت في الابتداء، لا في الانتهاء[9]. أما في أوساط السور، فيتعوذ فقط، ولا يبسمل عند أكثر أهل العلم، وهو الصحيح، وقيل: يستعيذ ويبسمل، وقيل: يبسمل فقط[10]. وقد تقدَّم هذا في الكلام على الاستعاذة. [1] انظر: "التبصرة" لمكي ص (249-250)، "الإقناع في القراءات السبع" (1/155)، "النشر" (1/263-264). [2] انظر: "التبصرة" لمكي ص (246)، "العنوان في القراءات السبع" ص(65)، "الإقناع في القراءات السبع" (1/158)، "النشر" (1/259). [3] انظر: "التبصرة" لمكي ص(247-248)، "العنوان في القراءات السبع" ص(65)، "الإقناع في القراءات السبع" (1/158-162)، "النشر" (1/259-260). [4] انظر: "النشر" (1/270). [5] سبق تخريجه. [6] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/352). [7] سبق تخريجه. [8] انظر: "الإقناع في القراءات السبع" (1/154)، "النشر" (1/265-268). [9] انظر: "التبصرة" لمكي ص(248-249)، "الإقناع في القراءات السبع" (1/158)، "النشر" (1/267-270). [10] انظر: "التبصرة" ص(249)، "الإقناع في القراءات السبع" (1/162-163)، "النشر" (1/265). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم حكم قراءة البسملة في الصلاة اختلَفَ العلماء في حكم قراءة البسملة في الصلاة على أقوال: القول الأول: أنها تجب قراءتُها في الصلاة وجوبَ الفاتحة؛ لأنها آية منها. وهو مرويٌّ عن ابن عباس، وابن عمر، والزهري، ومجاهد، ويحيى بن جعدة[1]، وإسحاق[2]، وأبي ثور، وأبي عُبيد[3]، وهو المشهور من مذهب الشافعي[4]، ورواية عن الإمام أحمد[5]؛ وهذا على أن البسملة آية من الفاتحة، فتجب قراءتها عندهم كما تجب قراءةُ بقية آيات الفاتحة، كما يُشرَع الجهر بها عندهم، كما يُجهر ببقية آيات الفاتح، وسيأتي ذكر أدلتهم ومناقشتها عند ذكر قول من قال بالجهر بالبسملة إن شاء الله تعالى. القول الثاني: أن قراءتها في الصلاة مستحبَّة مع الفاتحة، ومع كل سورة سوى سورة براءة، كما في المصحف، وهو قول جمهور أهل العلم[6]، منهم: أبو حنيفة[7]، وأحمد في المشهور عنه[8]، وأكثر أهل الحديث[9]؛ لأنها آية مستقلة من القرآن، وليست آية من السورة، لا من سورة الفاتحة، ولا من غيرها من السور، فلا تجب قراءتها، لا مع الفاتحة، ولا مع غيرها، لكن تُستحب قراءتها معها، ومع كل سورة سوى براءة؛ لإثباتها في المصحف معها، ومع بقية السور سوى براءة. وأيضًا فقد ثبت في حديث أنس وعائشة وأبي هريرة رضي الله عنهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه لا يَجهَرون بها[10]، فلو كانت قراءتها واجبة وجوبَ الفاتحة لَجَهَروا بها كما يجهرون ببقية آيات الفاتحة. القول الثالث: أنه لا تُشرَع قراءتها في المكتوبة، لا سرًّا ولا جهرًا. وهذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، إلا أنه قال بقراءة البسملة في النفل وقيام الليل، ولمن يَعرِضُ القرآن عرضًا[11]. ونُقل القول بعدم مشروعية قراءتها أيضًا عن الأوزاعي[12]. وهذا القول مبنيٌّ على أن البسملة ليست آية من القرآن، لا في أول الفاتحة ولا في أوائل السور، وليست آية مستقلة من القرآن، وقد تقدَّم بيان ضعف هذا القول. وقد استدل من ذهب إلى هذا القول بأحاديث أنس وعائشة وعبدالله بن مغفل رضي الله عنهم، التي فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا يستفتحون القراءة والصلاة بالحمد لله رب العالمين[13]. وحديث أبي هريرة الذي فيه قوله تعالى: "قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين..." [14]. لكن هذه الأحاديث ليس فيها نفيُ قراءتها مطلقًا؛ وإنما فيها نفي قراءتها جهرًا، كما جاء في بعض روايات حديث أنس قوله: "فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم"، وفي بعض الروايات "فكانوا يُسِرُّونَ ببسم الله الرحمن الرحيم". وسيأتي ذكر رواياته وتخريجها هو وحديث عائشة، وعبدالله بن مغفل، في الكلام على حكم الجهر بالبسملة والإسرار بها. قال أبو بكر بن خزيمة - بعد أن أخرج روايات حديث أنس، التي في بعضها التصريح بأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يُسِرُّونَ ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يجهرون بها - قال ابن خزيمة[15]: "هذا الخبر يصرِّح بخلاف ما توهَّم من لم يتبحَّر العلم، وادعى أن أنس بن مالك أراد بقوله: "كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين"، وبقوله: "لم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾" أنهم لم يكونوا يقرؤون ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ جهرًا، ولا خفيًا، وهذا الخبر يصرِّح أنه أراد أنهم كانوا يُسِرُّونَ به ولا يجهرون به عند أنس". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[16]، بعد أن نفى دلالة حديث أنس على ترك قراءة البسملة، وبيَّن أنه إنما يدل على ترك الجهر بها، قال: "وأما كون الإمام لم يقرأها، فهذا لا يمكن إدراكُه، إلا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة يمكن فيها القراءةُ سرًّا؛ ولهذا استدَلَّ بحديث أنس على عدم القراءة مَن لم ير هناك سكوتًا كمالك وغيره، لكن ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: "يا رسول الله، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ماذا تقول؟ قال: أقول: كذا وكذا... إلى آخره". وفي السنن وغيرهما من حديث عمران وأُبي وغيرهما أنه كان يسكت قبل القراءة، وفيها أنه كان يستعيذ، وإذا كان له سكوت لم يمكن أنسًا أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت، فيكون نفيُه للذِّكر، وإخباره بافتتاح القراءة بها إنما هو في الجهر، وكما أن الإمساك عن الجهر مع الذِّكر سرًّا يسمَّى سكوتًا، كما في حديث أبي هريرة، فيصلُح أن يقال: لم يقرأها، ولم يذكرها؛ أي: جهرًا، فإن لفظ السكوت ولفظ نفي الذكر والقراءة مدلولُهما هنا واحد". وقد اختلف العلماء فيما إذا جهر الإمام ولم يسكت، هل يُبسمِل المأموم أو لا؟ على قولين: منهم من قال: لا يبسمل ولا يقرأ، بل يجب عليه الإنصات، وقال بعض أهل العلم: بأنه يستعيذ ثم يبسمل ويقرأ الفاتحة؛ وذلك لأن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة، والاستعاذةُ والبسملة تُشرَع قراءتها تبعًا لها. وهذه المسألة مبنيَّة على اختلافهم في حكم قراءة الفاتحة في حقِّ المأموم. [1] انظر: "الاستذكار" (2/ 181). [2] أخرجه عن إسحاق ابن عبدالبر في "الاستذكار" (2/ 176). [3] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 96). [4] انظر: "الأم" (1/ 107، 108)، "المهذب" (1/ 79)، "المجموع" (3/ 332 -333). [5] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 353، 435، 439). [6] انظر: "المغني" (2/ 147)، "مجموع الفتاوى" (22/ 276، 436). [7] انظر: "المبسوط" (1/ 15)، "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 13 -14)، "فتح القدير" لابن الهمام (1/ 291، 293). [8] انظر: "مسائل الإمام أحمد" رواية النيسابوري (1/ 52 -53)، "المسائل الفقهية" (1/ 118)، "الإفصاح" (1/ 125 -126)، "المغني" (2/ 147، 151). [9] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 436). [10] سبق تخريجها. [11] انظر: "المدونة" (1/ 64)، "الكافي" لابن عبدالبر (1/ 170)، "الاستذكار" (2/ 154، 175، 182)، "بداية المجتهد" (1/ 89). [12] انظر: "الاستذكار" (2/ 177)، "الاعتبار" للحازمي ص(81). [13] انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 3)، "المغني" (2/ 147)، "مجموع الفتاوى" (22/ 413)، "تفسير ابن كثير" (1/ 36). [14] انظر: "الاستذكار" لابن عبدالبر (2/ 154). [15] في "صحيحه" (1/ 250). [16] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 413 -415). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم حكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار، في الصلاة، أو خارجها أ - حكم الجهر بها في غير الصلاة: أكثرُ القُرَّاءِ على الجهر بها خارج الصلاة[1]، ورُوي عن بعضهم إخفاؤها، منهم حمزة، ونافع[2]، ورُويَ عنهما الجهر بها[3]. وأخذ بعض أهل الأداء بالتسمية جهرًا لجميع القراء، وأخذ بعض أهل الأداء لهم إخفاءها[4]. ب - حكم الجهر بها في الصلاة: اختلَفَ أهل العلم في حكم الجهر بالبسملة في الصلاة على أقوال: القول الأول: أنه يُسَنُّ الجهر بها في الصلاة الجهريَّة، والإسرارُ بها في الصلاة السِّريَّة. وهو مرويٌّ عن عمر، وعليٍّ، وعبدالله بن الزبير[5]، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان[6]، وشداد بن أوس[7]؛ رضي الله عنهم. ومن التابعين: سعيد بن جبير[8]، ومحمد بن شهاب الزهري[9]، ومجاهد، وعطاء، وطاوس[10]. وحكاه ابن كثير - أيضًا [11]ــ عن عكرمة، وأبي قلابة، وعلي بن الحسين، وابنِه محمد، وسعيد بن المسيَّب، وسالم، ومحمد بن كعب القُرَظي، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر، ونافع مولى ابن عمر، وعمر بن عبدالعزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، وعبدالله بن معقل بن مقرن، وعبدالله بن صفوان، ومحمد بن الحنَفيَّة، وعمرو بن دينار. وهو المشهور من مذهب الشافعي[12]، ونُسِب لأحمد في رواية له[13]، ولكن قال ابن قدامة[14]: "ولا تختلف الرواية عن أحمد أن الجهر بها غير مسنون". وقال ابن تيمية[15]: "وقد حكى القول بالجهر عن أحمد وغيره، بناء على إحدى الروايتين عنه من أنها من الفاتحة، فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة، وليس هذا مذهبَه، بل يُخافت بها عنده". وروي عن الليث بن سعد[16]، وأبي عبيد[17]، وداود الظاهري[18]. وقد سبقت الإشارة إلى أن أدلة القائلين بوجوب قراءة البسملة في الصلاة هي نفسُها أدلة القائلين بالجهر بها، ومنها ما يلي: 1 - أن الصحابة كتَبوها في المصحف، مع أنهم جرَّدوه عما ليس من القرآن[19]، مما يدل على وجوب قراءتها والجهر بها. والجواب عن هذا: أنه إنما تجب قراءتها والجهرُ بها لو كانت من السورة، وبخاصة مع الفاتحة، والصحيح أنها آية مستقلة من القرآن، كما تَقدَّم بيان ذلك. 2 - ما رواه نعيمٌ المُجْمِرُ قال: "صلَّيتُ وراء أبي هريرة، فقرأ: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، ثم قرأ بأمِّ القرآن، حتى بلغ ï´؟ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾، فقال: آمين، فقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين، قال: الله أكبر، وإذا سلَّم قال: والذي نفسي بيده، إني لَأشبَهُكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم"[20]. قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم؛ لأن قوله: "فقرأ ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ يؤخذ منه أنه قرأها جهرًا، وإلا فكيف يعلم أن أبا هريرة قرأها؟ وحيث قال أبو هريرة في نهاية الحديث: "والذي نفسي بيده، إني لَأشبَهُكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم"، فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم يجهر بها. وقد أجاب أهل العلم من القائلين بعدم الجهر عن هذا الحديث بجوابين: الأول: من حيث صحة سنده، فقد ضعَّفه جمعٌ من أهل العلم. وقد أطال الزيلعي في "نصب الراية"[21] في ذكر كلام الأئمة في تضعيفه، وأجاب عنه، وأعَلَّه من وجوه عدة، وكذا أعَلَّه وأجاب عنه من وجوه عدة الزبيديُّ[22]، كما ضعَّف إسنادَه الألباني[23]. الجواب الثاني: أن دلالته على الجهر ليست صريحة - على فرض صحته - فيحتمل أن أبا هريرة أسَرَّ بها، ويحتمل أنه قصد تعليمهم، أو غير ذلك. قال الجصاص[24]: "حديث نعيمٍ المُجمرِ لا دلالة فيه على الجهر بها؛ لأنه إنما ذكر أنه قرأها، ولم ينقل عنه أنه جهر بها". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[25]: "فإن العارفين بالحديث يقولون: إنه عمدتهم في هذه المسألة، ولا حجة فيه... فقد يكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تُقرَأُ في الجملة، وإن لم يجهر بها، وحينئذٍ فلا يكون هذا مخالفًا لحديث أنس الذي في الصحيح وحديث عائشة الذي في الصحيح، هذا إذا كان الحديث دالًّا على أنه جهر بها، فإن لفظه ليس صريحًا بذلك من وجهين؛ أحدهما: أنه قال: قرأ ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ فيحتمل أنه قرأها سرًّا... الثاني: أنه لم يُخبِر أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها، وإنما قال في آخر الصلاة: "إني لأشبَهُكم صلاةً برسول الله صلى الله عليه وسلم". وفي الحديث: أنه أمَّنَ، وكبَّر في الخفض والرفع، وهذا ونحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبَهَهم برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الوجوه التي فيها ما فعَلَه الرسول صلى الله عليه وسلم وتركوه هم، ولعل قراءتها مع الجهر أشبَهُ بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من تركها". 3 - ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن معاوية لما قدم المدينة صلَّى بهم، فلم يجهر بالبسملة، فأنكر عليه المهاجرون والأنصار، فأعاد بهم الصلاة وجهر بها"[26]. قالوا: فإنكار المهاجرين والأنصار على معاوية ترْكَ الجهر بالبسملة، وإعادتُه الصلاة بهم، والجهر بها، يدلُّ على أن السُّنة الجهر. وهذا الحديث ضعَّفه من حيث سنده ومتنُه عددٌ من المحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية[27]، فقد ضعَّفه من وجوه ستة، ثم قال بعدها: "فهذه الوجوه وأمثالها، إذا تدبَّرَها العالِمُ، قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغيَّر عن وجهه، وأن الذي حدَّث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به حجة، لكان شاذًّا؛ لأنه خلاف ما رواه الناس الثقاتُ الأثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت ألا يكون شاذًّا، ولا معلَّلًا، وهذا شاذ معلل، وإن لم يكن من سوء حفظ بعض رُواته...". كما ضعَّفه الزيلعي[28] والزبيدي[29] من حيث سنده ومتنه من وجوه عدة، وذكرا كلامَ الأئمة في تضعيفه. 4 - ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سُئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "كانت مدًّا يمُدُّ (بسم الله)، ويمُدُّ بـ(الرحمن)، ويمُدُّ بـ(الرحيم)"[30]. 5 - ما روتْه أم سلمة رضي الله عنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطِّع قراءته تقطيعًا: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾... الحديث"[31]. قالوا: فهذان الحديثان يدلانِ على أنه صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالبسملة. والصحيح أنه لا حجة في هذين الحديثين؛ لأنه ليس فيهما ما يدل صراحة على أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك في الصلاة[32]. 6 - ما رواه المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم"[33]. وهذا الحديث - وإن صحَّحه الحاكم - ففيه نظر؛ لأنه يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس وغيره، من عدم جهر الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه بها - كما سيأتي في أدلة القول الثاني. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[34]: "يعلم أولًا أن تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم، وقد اتفق أهل العلم بالصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله، لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في الصحيح خلافُه...". إلى غير ذلك من الأحاديث التي استدلوا بها[35] وهي بين ضعيفٍ، أو موضوع، أو مما لا حجة لهم فيه، كما بيَّن ذلك جمع من المحققين. قال الدارقطني[36]: "كل ما رُويَ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الجهر، فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف". وقال ابن الجوزي في "التحقيق"[37] بعد أن ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية على الجهر وبيَّن ضعفها: "وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسُن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح... ويكفي في هجرانها إعراضُ المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها". وذكر قول الدارقطني السابق، ثم قال: "ثم إنَّا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين: إما أن يكون جهر بها للتعليم، كما رُويَ أنه كان يصلي بهم الظهر فيُسمِعهم الآية والآيتين بعد الفاتحة أحيانًا...". وقال ابن قدامة[38]: "وسائر أخبار الجهر ضعيفة؛ فإن رواتها هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء صحيح ثابت بغير خلاف فيه، فدلَّ على ضعف رواية الجهر". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[39]: "وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديثٌ صريح، ولم يروِ أهل السنن المشهورة؛ كأبي داود والترمذي والنسائي، شيئًا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء، الذين لا يميِّزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحُمَيْراء". وقال - أيضًا[40] - بعدما ذكر مذهب القائلين بالجهر بالبسملة: "واعتمدوا على آثار منقولة بعضها عن الصحابة، وبعضها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأما المأثور عن الصحابة كابن الزبير ونحوه، ففيه صحيح، وفيه ضعيف، وأما المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهو ضعيف أو موضوع، كما ذكر ذلك حفاظ الحديث، كالدارقطني وغيره...". وقال - أيضًا[41] ــ: "وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر؛ لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذَبُ الطوائفِ، فوضَعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينَهم؛ ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسُفيان الثوري أنهم يذكُرون من السنة المسحَ على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديمَ أبي بكر وعمر، ونحو ذلك؛ لأن هذا كان من شعار الرافضة؛ ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي إلى ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين". وقال ابن القيم[42] مشيرًا إلى أحاديث الجهر: "فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحُها غير صحيح". وقد أطال الزيلعي في "نصب الراية"[43] في ذكر كلام أهل العلم في تضعيف الأحاديث والآثار الواردة في الجهر بالبسملة، ثم قال[44]: "وبالجملة هذه الأحاديث كلُّها ليس فيها صريح، ولا صحيح، بل فيها عدمهما، أو عدم أحدهما، وكيف تكون صحيحة وليست مخرجةً في شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي روايتها الكذَّابون والضعفاء والمجاهيل...". كما ضعَّف أحاديثَ الجهر الزبيديُّ[45]. القول الثاني: أنه يسنُّ الإسرار بالبسملة في الصلاة مطلقًا، وهو قول جمهور أهل العلم من المحدِّثين والفقهاء وغيرهم[46]. وهو الثابت عن الخلفاء: أبي بكر وعمر وعثمان[47]، وعلي[48] رضي الله عنهم، وعن أنس[49]، وعائشة رضي الله عنهما[50]، ورُويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما[51]، وبه قال ابن مسعود، وعبدالله بن الزبير، وعمَّار بن ياسر رضي الله عنهم، وعروة بن الزبير، وأبو وائل، ومحمد بن سيرين، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي[52]، والحسن وقتادة وعمر بن عبدالعزيز[53]، وعكرمة[54]، والأوزاعي، وسفيان الثوري[55]، وسعيد بن جبير والأعمش والشعبي[56]، وأبو حنيفة وأصحابه[57]، وأحمد بن حنبل[58]، وعبدالله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه[59]، وأبو عبيد[60]، وجماعة من أصحاب الشافعي[61]، وغيرهم كثير[62]. واستدل أصحاب هذا القول بأحاديث صحيحة صريحة، منها: 1 - ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أنهم كانوا لا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم". وقد أخرجه الأئمة عن أنس رضي الله عنه بروايات وألفاظ متعددة، منها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما، كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين"[63]. وفي لفظ عن أنس رضي الله عنه قال: "صليتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ في أول قراءة، ولا في آخرها". وفي لفظ: "صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾"[64]. وفي لفظ قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يُسمِعْنا قراءة ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، وصلى بنا أبو بكر وعمر، فلم نَسمَعْها منهما"[65]. وفي لفظ قال: "صليتُ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان رضي الله عنهم، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾"[66]. وفي لفظ: "صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر، فلم يجهروا بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾"[67]، وفي لفظ بزيادة: "وعثمان"[68]. وفي لفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجهر بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان"[69]. وفي لفظ: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُسِرُّ بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ في الصلاة وأبو بكر وعمر"[70]. وفي لفظ: "لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أبو بكر ولا عمر رضي الله عنهما، يجهرون بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾"[71]. فحديث أنس هذا برواياته كلِّها، يدل على أن الثابت من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الإسرارُ بالبسملة، وعدم الجهر بها[72]. قال الدارمي في "سننه"[73] مُبَوِّبًا: "باب كراهية الجهر بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، ثم أخرج حديث أنس بلفظ: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين"، قال الدارمي: وبهذا نقول، ولا أرى الجهر بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾. وقال ابن خزيمة في "صحيحه"[74] مبوبًا: باب ذكر الدليل على أن أنسًا إنما أراد بقوله: "لم أسمع أحدًا منهم يقرأ: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾؛ أي: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، وأنهم كانوا يُسِرُّونَ بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ في الصلاة". وقال الطحاوي في "شرح معاني الآثار"[75] بعد أن ذكر روايات حديث أنس: "ففي ذلك دليل على أنهم يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذِكرِهم نفيَ الجهر معنى، فثبت بتصحيح هذه الآثار تركُ الجهر بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[76]: "أما حديث أنس في نفي الجهر، فهو حديث صريح.. فإنه قد رواه مسلم في صحيحه، فقال فيه: "صليتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ في أول قراءة، ولا في آخرها"، وهذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع. واللفظ الآخر في صحيح مسلم: "صليتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر، أو قال: يصلي بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾"، فهذا نفى فيه السماع، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ لم يجز تأويلُه بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ جهرًا ولا يسمع أنس؛ لوجوه... - وبعد أن ذكر ابن تيمية هذه الوجوه - قال: فتبيَّن أن هذا تحريف لا تأويل. وقال أيضًا[77]: "وأما اللفظ الآخر "لا يذكرون"، فهو إنما ينفي ما يمكن العلم بانتفائه، وذلك موجود في الجهر، فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا". وقال ابن حجر في "بلوغ المرام"[78] بعد أن ذكر حديث أنس، من رواية البخاري ومسلم، وبعد أن أشار إلى أن في رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة "لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم"، وإلى الرواية الأخرى لابن خزيمة: "كانوا يُسِرُّونَ"، قال: "وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم"؛ يعني قوله: "لا يذكُرون اسم الله في أول قراءة، ولا في آخرها". يتبع |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
2 - حديث عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءةَ بالحمد لله رب العالمين.." [79]. 3 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نهض إلى الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت"[80]. ووجه الدلالة من هذين الحديثين - كما تقدم في حديث أنس - هو أنهم يُسِرُّونَ بقراءتها، ولا يجهرون بها، لا أنهم يترُكونها. 4 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قال الله تعالى: قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾، قال الله: حمدني عبدي... الحديث"[81]. قال ابن قدامة[82]: "وهذا يدل على أنه لم يذكر ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ ولم يجهر بها". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[83] - بعد أن أشار إلى حديث أبي هريرة هذا -: "فيه دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة، ولا من القراءة المقسومة". فهذا يدل على أن البسملة ليست من السورة، فلا يجهر بها. إلى غير ذلك من الأدلة الصحيحة الصريحة على أن السُّنة الإسرارُ بالبسملة، وقد اختار هذا أكثرُ المحققين: قال الجصاص[84]: "والإخفاء أولى من وجهين: أحدهما: ظهور عمل السلف بالإخفاء دون الجهر، وقول إبراهيم: الجهر بها بدعة. والوجه الآخر: أن الجهر بها لو كان ثابتًا، لَوَرَدَ النقل به مستفيضًا متواترًا، كوُرودِه في سائر القراءة، فلما لم يَرِدِ النقل به من جهة التواتر، عَلِمْنا أنه غير ثابت؛ إذ الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها كَهِيَ إلى معرفة الجهر في سائر فاتحة الكتاب". وقال القرطبي[85]: "وهذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس ولا تتضاد، ويخرج به من الخلاف في قراءة ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[86]: "لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجهر بها، وليس في الصحاح ولا السنن حديثٌ صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلُّها ضعيفة، بل موضوعة؛ ولهذا لما صنَّف الدارقطني في ذلك مصنَّفًا قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها دائمًا لكان الصحابة ينقُلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون، ثم خلفاء بني أمية، وبني العباس كلُّهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة - وهم أعلم أهل المدائن بسنته - يُنكِرونَ قراءتها بالكليَّة سرًّا وجهرًا". وقال - أيضًا[87] -: "فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهممُ والدواعي على نقله، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة، لم يكن في العادة ولا في الشرع تركُ نقل ذلك، بل لو انفرَدَ بنقل مثل هذا الواحدُ والاثنان لَقُطِعَ بكذبهما؛ إذ التواطؤ فيما تَمنَعُ العادةُ والشرع كتمانَه كالتواطؤ على الكذب فيه". القول الثالث: التخيير بين الجهر والإسرار، وهذا القول يُروى عن الحكم بن عتيبة، وإسحاق بن راهويه[88]، وابن أبي ليلى[89]، وهو اختيار ابن حزم[90]. والذين رُويَ عنهم هذا القولُ كأنهم أرادوا الجمع بين أدلة الجهر وأدلة الإسرار، علمًا أن أدلة الجهر لا تكافئ أدلة الإسرار، بل وليس فيها دليل واحد صحيحُ النقل صريحُ الدلالة على الجهر - كما تقدم ذكر كلام الأئمة في ذلك. فالقول بالتخيير للمصلِّي بين الجهر والإسرار بالبسملة ليس بصحيح، وفرقٌ بين هذا وبين أن يقال: يجوز الجهر بها لحاجة كتعليم ونحوه، فهذا لا بأس به، أو أن يقال: تصح صلاة من أسَرَّ بها ومن جهر، فهذا - أيضًا - صحيح؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية[91]: "فإن الجهر بها والمخافتة سُنة، فلو جهر بها المخافت صحَّتْ صلاته بلا ريب". وقال الحافظ ابن كثير[92]: "أجمَعوا على صحة صلاة مَن جهر بالبسملة، ومن أسَرَّ بها، ولله الحمد والمنة". أمَّا أن يكون المصلي مخيَّرًا بين هذا وهذا على حد سواء، فليس بصحيح؛ فالجهر إنما يجوز أحيانًا لعارض؛ كتعليم المأمومين ونحو ذلك. كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية[93] أنه يستحب الجهر بها لمصلحة راجحة، وذكر عن أحمد أنه يُستحب الجهر بها في المدينة؛ لأنهم يُنكِرون على من لم يجهر بها، ثم ذكر ابن تيمية - أيضًا - أنه يجوز الجهر بها لبيان أن قراءتها سُنة، ثم قال: "ولهذا نُقل عن أكثر مَن روي عنه الجهر بها المخافتة...". وقال - أيضًا[94] -: "وكون الجهر بها لا يُشرَع بحال - مع أنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة - نسبةٌ للصحابة إلى فعل المكروه وإقرارِه، مع أن الجهر في صلاة المخافتة يُشرَع لعارِضٍ". وقال - أيضًا[95] -: "ومع هذا، فالصواب أن ما لا يجهر به، قد يشرع الجهر به لمصلحة أحيانًا؛ لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلِّين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانًا[96]، ويسوغ - أيضًا - أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة؛ خوفًا من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم بناء البيت على قواعد إبراهيم؛ لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك[97]، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف مقدَّمةٌ على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم". وقال ابن القيم في "زاد المعاد"[98]: "وكان - يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم - يجهر بـï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا ويَخْفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده، في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحلِ المحال، حتى يحتاج إلى التثبت فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية، فصحيحُ تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح". [1] انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" (1/ 11 -12)، "النشر" (1/ 265). [2] انظر: "الكشف عن وجوه القراءات السبع" (1/ 11 -12). [3] انظر: "التبصرة" لمكي ص(245)، "الكشف عن وجوه القراءات" (1/ 11 -12)، "النشر" (1/ 271). [4] انظر: "الإقناع في القراءات السبع" (1/ 162). [5] أخرجه عن عمر، وابن الزبير - ابن أبي شيبة في "المصنف" (1/ 412)، وأخرجه عنهما وعن علي - البيهقي - في الصلاة - باب قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" (2/ 48 -49). [6] أخرجه عن ابن عمر وأبي هريرة - ابن أبي شيبة (1/ 412)، وأخرجه عن ابن عمر وابن عباس - النحاس في "القطع والائتناف" (1/ 104 -105)، وأخرجه عنهم وعن معاوية - البيهقي (2/ 46 -50). [7] أخرجه عن شداد - النحاس في "القطع والائتناف" (1/ 14). [8] أخرجه عن سعيد بن جبير - عبدالرزاق - في الصلاة - باب قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" (2614)، وابن أبي شيبة (1/ 412)، والنحاس في "القطع والائتناف" (1/ 106). [9] أخرجه عن الزهري - البيهقي (2/ 50). [10] أخرجه عن مجاهد وعطاء وطاوس - ابن أبي شيبة (1/ 412)، وأخرجه النحاس عن مجاهد وعطاء في "القطع والائتناف" (1/ 106). [11] في "تفسيره" (1/ 35 -36). [12] انظر: "الأم" (1/ 107)، "المهذب" (1/ 79)، "الاعتبار" للحازمي ص(82)، "تفسير ابن كثير" (1/ 35). [13] انظر: "الاعتبار" ص(82). [14] في "المغني" (2/ 149). [15] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 442). [16] انظر: "الاستذكار" (2/ 176). [17] انظر: "الاعتبار" ص(81). [18] انظر: "الاستذكار" (2/ 177). [19] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 432). [20] أخرجه النسائي - في الصلاة - في الافتتاح - قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" (905)، وقال الألباني: "ضعيف الإسناد". وأخرجه ابن خزيمة - في الصلاة - باب ذكر الدليل على أن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والمخافتة به جميعًا مباح (499)، والدارقطني - في الصلاة - باب وجوب قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" حديث (14)، وقال: "صحيح، رواته كلهم ثقات"، والحاكم - في الصلاة - (1/ 232)، وقال: "صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه" والبيهقي (2/ 46)، وقال: "إسناده صحيح وله شواهد". [21] (1/ 335 -341). [22] في "الرد على من أبى الحق، وادعى أن الجهر بالبسملة من سنة سيد الخلق" (1/ 19 وما بعدها). [23] راجع تخريج الحديث. [24] في "أحكام القرآن" (1/ 16). [25] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 422، 425). [26] أخرجه - الدارقطني - في الصلاة - باب وجوب قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" والجهر بها (33)، وقال عن رجاله: "كلهم ثقات"، والشافعي في "الأم" (1/ 93 -94). والحاكم (1/ 232)، وقال: "صحيح على شرط مسلم". قال الخطيب فيما نقله الزيلعي في "نصب الراية" (1/ 353): "هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب". وانظر: "سنن البيهقي" (2/ 49)، "الاستذكار" (2/ 180). وقد ضعَّف هذا الحديثَ جمعٌ من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والزيلعي، والزبيدي، وغيرهم - كما هو مذكور بعاليه. [27] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 430 -432). [28] في "نصب الراية" (1/ 353 -355). [29] في "الرد على من أبى الحق" ص(43). [30] سبق تخريجه. [31] سبق تخريجه. [32] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 16). [33] أخرجه الدارقطني في الصلاة - وجوب قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" (26)، والحاكم (1/ 234)، وقال: "رواة هذا الحديث كلهم عن آخرهم ثقات"، ووافقه الذهبي. [34] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 426 -430)، وانظر: "الفتاوى الكبرى" لابن تيمية أيضًا (1/ 97 -100). [35] انظر: "الاستذكار" (2/ 177). [36] انظر: "التحقيق" لابن الجوزي (1/ 313). [37] (1/ 312)، وانظر: (301 -314). [38] في "المغني" (2/ 151). [39] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 415). [40] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 441). [41] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 423). [42] في "زاد المعاد" (1/ 206). [43] (1/ 325 -363). [44] (1/ 355 -356). [45] في "الرد على من أبى الحق" ص(18 -52). [46] انظر: "سنن الترمذي" (2/ 14)، "الاعتبار" للحازمي ص(81)، "المغني" (2/ 149). [47] بدليل حديث أنس الآتي قريبًا. وانظر: "سنن الترمذي" (2/ 14)، "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 17)، "الاستذكار" (2/ 177). [48] أخرجه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عبدالرزاق - في الصلاة (2601)، وابن أبي شيبة (1/ 411)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 204)، وابن عبدالبر في "الاستذكار" (2/ 178). [49] أخرجه عن أنس - ابن أبي شيبة (1/ 401)، وسيأتي ذكر روايته ذلك عن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه. [50] سيأتي ذكر حديثها. [51] أخرجه عن ابن عباس - عبدالرزاق (2605)، وابن أبي شيبة (1/ 411)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 204). [52] أخرجه عنهم جميعًا ابن أبي شيبة (1/ 410 -411)، وانظر: "الاستذكار" (2/ 179). [53] أخرجه عن الحسن وقتادة وعمر بن عبدالعزيز - عبدالرزاق (2604). [54] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 15). [55] انظر: "الاستذكار" (1/ 154، 176 -177)، "المغني" (2/ 149)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 96). [56] انظر: "زاد المسير" (1/ 8). [57] انظر: "المبسوط" (1/ 15)، "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 8، 9، 15)، "فتح القدير" لابن الهمام (1/ 291)، "نصب الراية" (1/ 328). [58] انظر: "مسائل الإمام أحمد" رواية النيسابوري (1/ 52، 53، 55)، "مسائل الإمام أحمد" رواية ابنه عبدالله ص(76)، "المغني" (2/ 149). [59] انظر: "سنن الترمذي" (1/ 14)، "المغني" (2/ 149). [60] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 96). [61] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 442). [62] انظر: "الاستذكار" (1/ 154)، "الرد على من أبى الحق" ص(64 -66). [63] أخرجه البخاري (782)، والنسائي (867)، والترمذي (246)، وابن ماجه (491). [64] أخرجهما مسلم في الصلاة - حجة من قال: لا يجهر بالبسملة (399). [65] أخرجه النسائي (870). [66] أخرجه النسائي (871)، والدارقطني في "سننه" كتاب الصلاة - اختلاف الروايات في الجهر بـ{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} حديث (1)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 202)، وابن خزيمة في "صحيحه" (494) إلا أنه قال: "فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}". [67] أخرجه أحمد في "المسند" (3/ 264)، وابن خزيمة في "صحيحه" (497). [68] أخرجه الدارقطني في الباب السابق (3، 4، 5)، وابن خزيمة في "صحيحه" (495). [69] أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (496). [70] أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (498). [71] أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (1/ 203). [72] انظر: "التحقيق" (1/ 298)، "المغني" (2/ 150). [73] (1/ 283). [74] (1/ 249). [75] (1/ 203، 204). [76] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 410 -413). [77] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 414، 415)، وانظر: "الفتاوى الكبرى" (1/ 88). [78] ص(56)، (297 -300). [79] سبق تخريجه. [80] أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة (599). [81] سبق تخريجه. [82] في "المغني" (2/ 150). [83] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 422 -423). [84] في "أحكام القرآن" (1/ 17). [85] في "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 96). [86] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 275 -276). [87] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 415)، وانظر: (408، 417 -420). [88] انظر: "القطع والائتناف" (1/ 106). [89] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 15)، "الاستذكار" (1/ 154). [90] انظر: "المحلى" (1/ 251). [91] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 442). [92] في "تفسيره" (1/ 36). [93] انظر: "مجموع الفتاوى" (22/ 407، 424). [94] انظر: "المصدر السابق" (22/ 408). [95] انظر: "المصدر السابق" (22/ 436). [96] رَوى النيسابوري في "مسائل الإمام أحمد" (1/ 53): "وسئل عن الرجل يصلي بالقوم، فيجهر بـ{بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}، أيصلى خلفه؟ قال: أرجو ألا يكون به بأس، إذا لم يكن يجهر به شديدًا، قد فعله الصالحون، لا يجهر به شديدًا". [97] أخرجه البخاري - في كتاب الأنبياء (3368)، وفي التفسير - باب {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: 127] (4484)، ومسلم في الحج - باب نقض الكعبة وبنائها (1333) - عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ألم تَرَيْ أن قومك لما بنَوُا الكعبة، اقتصروا على قواعد إبراهيم؟))، فقلت: يا رسول الله، ألا تردُّها على قواعد إبراهيم؟ فقال: ((لولا حدثان قومك بالكفر لفعلتُ)). [98] (1/ 206). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم المواضع التي تشرع فيها البسملة أ - تُشرَع البسملة، وهي قول: ï´؟ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، في مواضع، منها ما يلي: 1 - عند قراءة القرآن، وبخاصة عند الابتداء بأوائل السور سوى سورة براءة؛ لأنها آية كانت تنزل مع كل سورة سوى براءة؛ ولهذا أُثبتت في المصاحف مع كل سورة نزَلتْ معها، وإن كانت ليست آية من السورة مطلقًا. 2 - في بداية الكتب والرسائل والخُطَب والمسائل العلمية؛ تأسِّيًا بكتاب الله تعالى، وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد كان يبتدئ بها في كتبه صلى الله عليه وسلم للملوك، كما في كتابه إلى هرقل، فقد ابتدأه صلى الله عليه وسلم بقوله: ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم...))[1]. وكذا كان الأنبياء قبله، كما جاء في كتاب سليمان لبلقيس: ï´؟ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [النمل: 29، 30]. وقد درج على هذا سلف الأمة وخلَفُها في كتبهم ورسائلهم وخطبهم ومقالاتهم. وقد اختلفوا في حكم كتابتها مع الشِّعر، فذهب بعضهم إلى كراهة ذلك والمنعِ منه، وأجازه آخرون[2]، والذي يظهر - والله أعلم - أن الشِّعر لا يختلف عن النثر من حيث جواز كتابتها مع المحمود منهما، وعدمُ جواز ذلك مع المذموم منهما؛ لأن في ذلك استخفافًا بالله وأسمائه وصفاته. ب - وتُشرَع التسمية، وهي قول: "بسم الله"، في مواضع كثيرة، منها ما يلي: 1 - عند الوضوء؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه))[3]. 2 - عند الدخول في المسجد والخروج منه؛ فعن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد يقول: ((بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك))، وإذا خرج قال: ((بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك))[4]. 3 - عند الركوب؛ قال الله تعالى: ï´؟ وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [هود: 41]. وجاء في حديث جابر الطويل في قصة بعيره: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ((اركب باسم الله))[5]. وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه: "وأُتيَ بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب، قال: "بسم الله.." الحديث، ثم قال في آخره: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلتُ"[6]. 4 - عند الذبح، وعند الصيد[7]؛ لقوله تعالى: ï´؟ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ ï´¾ [الأنعام: 118]، وقوله: ï´؟ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ï´¾ [الأنعام: 119]، وقوله: ï´؟ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ï´¾ [الأنعام: 121]، وقوله: ï´؟ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ ï´¾ [المائدة: 4]. وعن عديِّ بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أرسلتَ كَلْبَك المعلَّم وذكرتَ اسم الله عليه، فكُلْ مما أمسَكَ عليك)) الحديث[8]. وعن أبي ثعلبة نحوه، وفيه زيادة: ((وما صِدتَ بقوسِك فذكرتَ اسم الله فكُلْ))[9]. 5 - عند الأكل؛ لحديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: كنت غلامًا في حَجْرِ النبي صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال: "يا غلام، سمِّ اللهَ، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك))[10]. وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشيطان يستحلُّ الطعام أن لا يُذكَرَ اسمُ الله عليه))[11]. وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا دخل الرجل بيته فذكَرَ الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مَبيتَ لكم، ولا عشاء))[12]. 6 - عند الجِماع؛ لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أمَا إن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنِّبْنا الشيطان، وجنِّبِ الشيطانَ ما رزَقتَنا، فرُزِقا ولدًا، لم يضُرَّه الشيطان))[13]. 7 - عند الخروج من البيت؛ لما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، قال: يقال حينئذٍ: هُديتَ وكُفيت وَوُقيت، فتتنحَّى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدي وكُفي وَوُقي؟!))[14]. 8 - في المساء والصباح؛ فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من قال: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم تُصِبْهُ فجأةُ بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي))[15]. 9 - عند النوم؛ فعن أبي الأزهر الأنماري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أخذ مضجعه من الليل، قال: ((باسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، وأَخْسِئْ شيطاني، وفُكَّ رِهاني، واجعلني في النَّدِيِّ الأعلى))[16]. 10 - عند دخول الخلاء؛ فعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سَتْرُ ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: باسم الله))[17]. 11 - إذا عثر المرءُ أو عثَرتْ دابَّتُه؛ لما رواه أبو تميمة الهُجَيْمي عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه، قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فَعُثر بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: تَعِسَ الشيطان! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تقل: تعس الشيطان؛ فإنك إذا قلتَ: تعس الشيطان، تَعاظَمَ، وقال: بقوَّتي صرَعتُه، وإذا قلتَ: باسم الله، تَصاغَرَ حتى يصير مثل الذباب))[18]. 12 - عندما يجد المسلم وجعًا في جسده، يُشرَعُ له أن يضع يده على موضع الألم، ويُسمِّي، ويذكر بقية الدعاء؛ لما رواه عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا في جسده منذ أسْلَمَ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ضَعْ يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: باسم الله، ثلاثًا... الحديث))[19]. 13 - عند وضع الميت في قبره؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: كان إذا وضع الميت في القبر قال: ((باسم الله، وعلى سنة رسول الله))[20]. 14 - عند إغلاق الباب، وإطفاء المصباح، وعند إيكاء السِّقاء، وتخمير الإناء؛ لما رواه جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا استجنح الليل، أو كان جُنح الليل، فكُفُّوا صِبيانَكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذٍ، فإذا ذهب ساعة من العِشاء فخَلُّوهم، وأَغْلِقْ بابَك واذكر اسم الله، وأَطفِئ مصباحك واذكر اسم الله، وأَوْكِ سِقاءَك واذكر اسم الله عليه، وخمِّرْ إناءك واذكر اسم الله، ولو تَعرِض عليه شيئًا))[21]. إلى غير ذلك من المواضع، بل إن الذي يُفهم من حديث جابر هذا أنه ينبغي أن يذكُرَ المسلم اسمَ الله على جميع أحواله، تبرُّكًا وتيمُّنًا واستعانة. أما حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد[22]، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل كلام، أو أمر ذي بال، لا يُفتَح بذكر الله عز وجل، فهو أبتر، أو قال: أقطع))، فهو حديث ضعيف[23]. [1] أخرجه البخاري في بدء الوحي (7)، ومسلم في الجهاد - باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام (1773)؛ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [2] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 97). [3] أخرجه أبو داود - في الطهارة - باب في التسمية في الوضوء (101)، وابن ماجه - في الطهارة - ما جاء في التسمية في الوضوء (399)، وأحمد (2/ 418). وطرق هذا الحديث كلُّها ضعيفة، لكن له شواهد من حديث أبي سعيد الخدري، وسعيد بن زيد، وأنس بن مالك وغيرهم؛ فقد أخرج: ابن ماجه (397)، وأحمد (3/ 41)، عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا وُضوءَ لمن لم يذكر اسم الله عليه)). وأخرج الترمذي - في الطهارة (25، 26)، وابن ماجه في الطهارة أيضًا (398)، وأحمد (4/ 70، 5/ 382، 6/ 382)، والدارقطني - في الطهارة - حديث (5 -10) عن سعيد بن زيد نحوه. وأخرج النسائي - في الطهارة (76)، والدارقطني - في الطهارة (1) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "طلب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وَضوءًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل مع أحد منكم ماء؟))، فوضع يده في الماء، ويقول: ((بسم الله...)) الحديث. وقد ضعَّف جمعٌ من أهل العلم هذه الأحاديثَ كلَّها؛ قال الإمام أحمد: "ليس فيه شيء يثبت، وقال: لا أعلم في التسمية حديثًا صحيحًا". وقال البزار: "كل ما رُويَ في هذا الباب فليس بقوي". وقد قوَّاه بعض أهل العلم؛ فقال أبو بكر بن أبي شيبة: "ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله"، وقال ابن حجر: "والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا". وأكثر أهل العلم على أن هذا الحديث، بمجموع طرقه وشواهده، إما حسن، وإما صحيح: منهم ابن الصلاح، والعراقي، وابن القيم، وابن كثير، والسيوطي، والصنعاني، والشوكاني، والألباني من المعاصرين. انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 38)، "سبل السلام" (1/ 70 -71)، "نيل الأوطار" (1/ 159 -161)، "إرواء الغليل" (81)، "صحيح سنن أبي داود" (90، 91). وقد استدل بهذه الأحاديث على وجوب التسمية في الوضوء بعضُ أهل العلم، منهم الإمام أحمد في رواية له اختارها أبو يعلى، وجمع من الحنابلة، وإسحاق، والحسن، وداود، وحملوا قوله في الحديث: "لا وضوء" على نفي الحقيقة الشرعية والصحة والإجزاء. وجمهور العلماء على أن التسمية في الوضوء سُنة، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، ورواية لأحمد اختارها بعض أصحابه كالخرقي وابن قدامة وابن تيمية، وحملوا الأحاديث المذكورة - على القول بصحتها - على نفي الكمال أو على الاستحباب. [4] أخرجه النسائي في الصلاة - الدعاء عند دخول المسجد (771) بهذا اللفظ، وصححه الألباني، والحديث ضعيف عند أ كثر أهل العلم. [5] أخرجه مسلم في المساقاة - باب بيع البعير - واستثناء ركوبه (715). [6] أخرجه أبو داود في الجهاد - ما يقول الرجل إذا ركب (2602)، وصححه الألباني. [7] واختلف العلماء في حكم التسمية عند الذبح وعند الصيد - مع إجماعهم على أنها مشروعة فيهما. وسيأتي تفصيله إن شاء الله في تفسير سورة المائدة. [8] أخرجه البخاري - في الذبائح - باب التسمية على الصيد، والأبواب بعده (5475، 5477)، ومسلم - في الصيد والذبائح - باب الصيد بالكلاب المعلَّمة (1929). [9] أخرجه البخاري (5478، 5488)، ومسلم (1930). [10] أخرجه البخاري - في الأطعمة - باب الأكل مما يليه (5377 -5378)، ومسلم - في الأشربة - آداب الطعام والشراب (2022). [11] أخرجه مسلم (2017). [12] أخرجه مسلم (2018)، وفي حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: بسم الله، فإن نسي في أوله فليقل: بسم الله في أوله وآخره))؛ أخرجه أبو داود (3767)، والترمذي (1858)، وصححه الألباني. [13] أخرجه البخاري - في الوضوء - باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع (141)، ومسلم - في النكاح - باب ما يستحب أن يقول عند الجماع (1434). [14] أخرجه أبو داود - في الأدب - باب ما يقول إذا خرج من بيته (5095)، والترمذي - في الدعوات - باب ما يقول إذا خرج من بيته (3426)، وصححه الألباني. وعند أحمد (1/ 66) - من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بسم الله، آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)). [15] أخرجه أبو داود - في الأدب - باب ما يقول إذا أصبح (5088)، والترمذي - في الدعوات - باب الدعاء إذا أصبح (3385)، وقال: "حسن صحيح غريب"، وابن ماجه - في الدعاء - باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح وإذا أمسى (3869). وصححه الألباني. [16] أخرجه أبو داود - في الأدب - ما يقول عند النوم (5054)، وصححه الألباني. وفي حديث حذيفة قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: ((اللهم باسمك أموت وأحيا))؛ أخرجه البخاري في الدعوات (6213)، وأخرج مسلم نحوه من حديث البراء. وأخرج البخاري (6230)، ومسلم (2714) - عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه)). [17] أخرجه ابن ماجه - في الطهارة وسننها - باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (297). وقد رُويَ هذا الحديث من حديث أنس وأبي سعيد وابن مسعود ومعاوية بن حيدة. وقد ضعَّفه جمعٌ من أهل العلم، وصحَّحه آخرون بمجموع طرقه وشواهده منهم الألباني. انظر: "إرواء الغليل" (50)، "صحيح الجامع الصغير" (3604 -3605). وقد قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (1/ 244) - في كلامه على حديث أنس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)) - قال ابن حجر: "وقد روى العمري هذا الحديث، من طريق عبدالعزيز بن المختار عن عبدالعزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: ((إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث))، وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية". [18] أخرجه أبو داود في الأدب (4982) ورجاله ثقات، وأخرجه أحمد (5/ 71). قال ابن كثير في "تفسيره" (1/ 38): "ورجاله رجال الصحيح". وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (4/ 292) وصحح إسناده ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في "صحيح الكلم الطيب" حديث (193). [19] أخرجه مسلم في السلام - باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (2022). [20] أخرجه أبو داود - في الجنائز - الدعاء للميت إذا وضع في قبره (3213)، والترمذي في الجنائز (1550)، وابن ماجه - في الجنائز (1406) وصححه الألباني. [21] أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده (3280) ومسلم - في الأشربة - الأمر بتغطية الإناء (2012). [22] "المسند" (1/ 359). [23] انظر: "إرواء الغليل" حديث (1)، "ضعيف الجامع الصغير" حديث (4222). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد البسملة والأحكام التي تضمنتها كثيرة، منها ما يلي: 1 - مشروعية البداءة باسم الله على كلِّ أمر، ديني أو دنيوي، استعانة وتبرُّكًا وتيمُّنًا. 2 - إثبات اسمه تعالى "الله"، الدال على أن له كمال الألوهية والعبودية سبحانه وتعالى. 3 - إثبات اسمَي الله: "الرحمن"، "الرحيم"، وما تضمَّناه من الصفة والأثر. قال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي[1]: "(الرحمن، الرحيم) اسمان دالانِ على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كلَّ شيء، وعمَّتْ كلَّ حي، وكتبها للمتقين المتَّبِعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فله نصيب منها. واعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها: الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلًا بأنه "رحمن رحيم" ذو الرحمة التي اتصف بها المتعلقة بالمرحوم، فالنِّعَمُ كلها أثرٌ من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء، يقال في العليم: إنه عليم، ذو علم يعلم به كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء". 4 - أن اسمه تعالى "الله" هو أصل أسمائه تعالى، تأتي بقية أسمائه تابعة له؛ لهذا جاء اسماه "الرحمن" و"الرحيم" تابعين لهذا الاسم. 5 - أن اسم "الله" أعظم من اسمه "الرحمن"؛ ولهذا قُدِّم عليه، وأن اسمه "الرحمن" أبلَغُ من "الرحيم" وأخَصُّ منه من حيث اللفظ؛ ولهذا قُدم عليه؛ تقديمًا للأعظم والأهم. 6 - الاعتراف بنعمة الله تعالى وفضله وإحسانه؛ لأن هذا كلَّه من آثار رحمته المذكورة في قوله تعالى: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾. 7 - الجمع بين الترهيب والترغيب؛ لأن في قوله (الله) دلالة على عظمة الله وقهره، وفي قوله: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ دلالة على فضل الله وإحسانه وإنعامه ورحمته. 8 - الدلالة على أن الاستعانة إنما تُستمَدُّ من الله تعالى، ويجب صرفُها له، فهو القادر على إعانة من استعان به، وهو ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ بعباده، أرحم من الوالدة بولدها، كما جاء في الحديث: ((الله أرحم بعباده، من هذه بولدها))[2]، فهو نِعْمَ النصيرُ والمُعين، ومفزع الخائفين، وأرحم الراحمين. 9 - إظهار مخالفة المشركين، الذين يفتتحون أمورهم باسم اللات والعُزَّى ومَناة، وغيرها من الأصنام والأنداد، من المخلوقين وغيرهم، ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من الكتَّاب من المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام يصدِّرون كتبهم وصحفهم باسم الشعب وباسم الحرية، وتَقرأُ الكتاب من أوله إلى آخره لا تجد فيه ذكر اسم الله. 10 - فيها الردُّ على القدَريَّة الذين يقولون: إن العبد يخلُقُ فِعلَ نفسِه؛ إذ لو كان ذلك كذلك لَما احتاج العبد إلى طلب العون من الله تعالى. 11 - أن ذكر اسم الله عونٌ للعبد على جميع أحواله، وسبب لحصول الخير والبركة، والحصول على مطلوبه، والنجاة من مرهوبه بإذن الله تعالى، والسلامة من الشيطان وهمَزاتِه وشروره، وإغاظته ودحره وطرده من أن يحُول بين العبد وبين قراءته، ويوسوس له فيها، أو في وضوئه، أو أن يشاركه في أكله وشربه، ودخوله وخروجه، وسائر أحواله[3]. [1] في "تيسير الكريم الرحمن" (1/ 33 -34)، وانظر: "بدائع الفوائد" (1/ 24)، "مدارج السالكين" (1/ 57)، "القواعد المثلى" ص (10 -11). [2] أخرجه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه البخاري - في الأدب (5999)، ومسلم - في التوبة (2754). [3] انظر: "أحكام القرآن" للجصاص (1/ 17 -18). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم مكان نزول سورة الفاتحة نزَلتْ سورة الفاتحة بمكة؛ بدليل أنها ذُكرت في سورة الحِجْرِ، وهي مكيَّة، وذلك في قوله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ï´¾ [الحجر: 87]، وسورة الحجر مكية بالإجماع[1]. وقد فسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم السَّبْعَ المثانيَ في هذه الآية بالفاتحة. فعن أبي سعيد بن المعلَّى رضي الله عنه، قال: "كنت أصلِّي في المسجد، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم أُجِبْهُ، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلِّي، فقال: ((ألم يقُلِ الله: ï´؟ اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ï´¾ الآية [الأنفال: 24]))، ثم قال لي: ((لأُعلِّمَنَّك سورة هي أعظم السور في القرآن قبل أن تخرُج من المسجد))، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج قلت له: ألم تقل: ((لأُعلِّمَنَّك سورة هي أعظم سورة في القرآن))؟ قال: ((ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيتُه))[2]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أمُّ القرآن، هي السبعُ المثاني والقرآن العظيم))[3]. وفي لفظ: ((هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني))[4]. وفي لفظ: ((ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾: أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني))[5] ، وفي لفظ بزيادة: ((والقرآن العظيم))[6]. وأيضًا فقراءتُها ركنٌ من أركان الصلاة - على الصحيح - لا تصحُّ الصلاة بدونها، وقد فُرِضت الصلاةُ بمكة عندما أُسْرِيَ بالرسول صلى الله عليه وسلم، وما حُفِظ أنه كان في الإسلام قط صلاةٌ بغير الفاتحة[7]. بل رُويَ أنها من أول ما نزل، وأنها أول سورة نزلت كاملة[8]. [1] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 61)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 115)، "مجموع الفتاوى" (17/ 190). [2] أخرجه البخاري في التفسير - باب قوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ï´¾ [الأنفال: 24] (4647). وفي باب ï´؟ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ï´¾ [الحجر: 87] (4703)، وفي فضائل القرآن - فضل فاتحة الكتاب (5006)، وأخرجه أبو داود - في الصلاة باب فاتحة الكتاب (1458)، والنسائي - في الافتتاح - باب تأويل قوله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ï´¾ [الحجر: 87] (876)، وابن ماجه - في الأدب - باب ثواب القرآن (3785)، وأحمد (4/ 211). وقد أخرجه أيضًا أحمد (2/ 413، 5/ 114)، وابن ماجه - في الفضائل (2875) من حديث أبي بن كعب بنحوه، وقد أخرجه عنه - مختصرًا - النسائي - في الموضع السابق (877)، والترمذي - في تفسير سورة الحجر (3125)، وصححه الألباني. وأخرجه مطولًا ومختصرًا ابن خزيمة - في الصلاة - باب قراءة الفاتحة (501)، والبيهقي في (2/ 376)، وفي "جزء القراءة خلف الإمام" ص(103 -105). [3] أخرجه البخاري في التفسير (4704)، وأخرجه أحمد بنحوه (2/ 448). [4]أخرجه الطبري في "جامع البيان" (134). [5] أخرجه أبو داود في الصلاة - باب فاتحة الكتاب (1457). [6] أخرجه الترمذي في تفسير سورة الحجر (3124)، وقال: "حديث صحيح". [7] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 61)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 115)، "البحر المحيط" (1/ 16). [8] انظر: "تفهيم القرآن" لأبي الأعلى المودودي ص(33). وقد قيل: إنها نزلت بالمدينة، وقيل: نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، وقيل: نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة. وكل هذه الأقوال ضعيفة لا دليل عليها. انظر: "معالم التنزيل" (1/ 37)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 115 -116)، "تفسير ابن كثير" (1/ 22). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم عدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها؟ عدد آيات الفاتحة سَبْعُ آيات بإجماع المسلمين[1]؛ لقوله تعالى في سورة الحجر: ï´؟ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ï´¾ [الحجر: 87]. وقد فسَّر الرسول صلى الله عليه وسلم السبعَ المَثانيَ والقرآن العظيم بالفاتحة - كما سبق ذكره - في حديث أبي سعيد بن المعلى وأُبَيِّ بن كعب وأبي هريرة، رضي الله عنهم. وهي سبع آيات بدون البسملة الآية: الأولى منها: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، والثانية: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [الفاتحة: 3]، والثالثة: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 4]، والرابعة: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5]، والخامسة: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 6]، والسادسة: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الفاتحة: 7]، والسابعة: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 7] [2]، والبسملة ليست آية منها، على الصحيح الذي تؤيِّده الأدلة الصحيحة الصريحة. أما الترقيم الموجود في المصاحف، فهو وفق قول قراء الكوفة وبعض أهل العلم، لكن الصحيح خلافه، وقد تَقدَّمَ بيان ذلك وبسطُ الأدلة فيه، في الكلام على البسملة. [1] انظر: "جامع البيان" (1/ 109)، "المحرر الوجيز" (1/ 89)، "أحكام القرآن" لابن العربي (1/ 5)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 114)، "مجموع الفتاوى" (22/ 351)، "تفسير ابن كثير" (1/ 22)، "فتح الباري" (8/ 159). وما قيل من أنها ست أو ثمان آيات، فذلك شاذ لا يعتد به. [2] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 89). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فضل ســورة الفاتحــة سورة الفاتحة من أعظم سور القرآن، وأفضلها، بل هي أفضل سورة في القرآن[1]، ومما يدل على فضلها: 1- قوله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ï´¾ [الحجر: 87]. 2- ما رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد بن المعلى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لَأُعلِّمَنَّك أعظَمَ سورةٍ في القرآن))، قال: ((ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾: هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه)). وقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما عن أُبَيِّ بن كعب نحوه. وفي بعض روايات حديث أُبيٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما أُنزِلَ في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مِثلُها، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أُوتيتُه"[2]. 3- ما رواه مسلم وغيره[3] عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فُتِح اليوم، لم يُفتَحْ قط إلا اليوم، فنزَلَ منه ملَكٌ، فقال: هذا ملَك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلَّم، وقال: أَبْشِرْ بنورينِ أوتيتَهما لم يؤتَهما نبيٌّ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تَقرَأَ بحرف منهما إلا أُعطيتَه"[4]. 4- ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا صلاةَ لمن لم يَقرَأْ بفاتحة الكتاب)). وغيره من الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة[5]، وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، مما يدلُّ على فضلها. 5- ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل صلاة لا يُقرَأُ فيها بأم القرآن، فهي خِداجٌ - ثلاثًا - غير تمام)). وكذا ما جاء من الأحاديث في معناه الدالة على أن من صلَّى صلاة لا يقرأ فيها بالفاتحة فصلاتُه ناقصة غير تامة، أو أنها غير مُجْزِئة، فهذا أيضًا يدل على فضلها. 6- ما رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: قسَمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل...)) الحديث. فقد سمَّى الله تعالى الفاتحة الصلاة، وقسمها بينه وبين عبده، فأولُها حمد وثناء وتمجيد للرب، وآخرُها للعبد دعاء ومسألة، وكلُّ هذا يدل على عِظَمِها وفضلها[6]. 7- ما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا يفتتحون الصلاة - وفي بعض الروايات: يفتتحون القراءة - بـï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾"[7]. 8- ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾"[8]. 9- ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة اللديغ، وأن رجلًا منهم رقَاهُ بأمِّ الكتاب، وفي بعض الروايات: "فقام الرجل كأنما أنشط من عِقال". وقوله صلى الله عليه وسلم: ((وما يُدرِيهِ أنها رُقْية، اقسِموا واضربوا لي بسهم)). وفي حديث خارجة عن عمِّه[9]: "أنه مر بقوم فأتَوْهُ برجُل معتوهٍ في القيود، فرَقَاهُ بأم القرآن"، وذكر نحوه. فأثرُها في إبراء المريض يدل على عظمها وفضلها؛ ولهذا سماها الرسول صلى الله عليه وسلم بالرُّقْية. 10- وعن عبدالله بن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أُخبِرُك بخير سورة في القرآن؟))، قلت: بلى يا رسول الله، قال: ((اقرأ: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ حتى تختمها))[10]. 11- ومما يدل على عِظَم سورة الفاتحة وفضلِها: اشتمالُها على معاني القرآن كلِّه، من حمد الله والثناء عليه وتمجيده، وأنواع توحيده، وإثبات الرسالات والبعث والجزاء، وذكر العامل وعمله، وأقسام الناس، وغير ذلك، كما سيأتي بسط ذلك قريبًا إن شاء الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[11] - في الكلام على الفاتحة -: "والصلاة أفضل الأعمال، وهي مؤلَّفة من كَلِمٍ طيِّب، وعملٍ صالح، أفضلُ كلمها الطيب وأَوْجَبُه أمُّ القرآن، وأفضلُ عملها الصالح وأوجبه السجودُ". وقال أيضًا: "وأم الكتاب كما أنها القراءة الواجبة، فهي أفضل سورة في القرآن..". وفضائلها كثيرة جدًّا، وقد جاء مأثورًا عن الحسن البصري، رواه ابن ماجه وغيره: "أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع عِلمَها في الأربعة، وجمع عِلمَ الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصَّل، وجمع علم المفصَّل في أمِّ القرآن، وجمع علم أمِّ القرآن في هاتين الكلمتين: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5]". فائدة: حيث ثبت بالأحاديث الصريحة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة أعظم سورةٍ في القرآن، فتجوزُ المفاضلةُ بين السُّوَر، خلافًا لمن منَعَ ذلك[12]. وقد أخرج مسلم وغيره عن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا المنذر، أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظَمُ؟))، قال: قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: ((ياأباالمنذر، أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظمُ؟))، قال: قلتُ: ï´؟ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ï´¾ [البقرة: 255]، قال: فضرب في صدري، وقال: ((والله لِيَهْنِكَ العِلمُ أبا المنذر))[13]. لكن التفضيل بين السور والآيات مقيَّدٌ بأن يكون ثبت بالنصِّ الصحيح الصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما المفاضلة بين السور والآيات بلا دليل صحيح، فإنها لا تجوز. [1] ولفضل هذه السورة وما حوَتْه من المعاني والفوائد والأحكام أفرَدَها بعض أهل العلم بالتأليف؛ كابن القيم في "مدارج السالكين بين منازل ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾"، وناهيك به من كتاب! كما خصها جمعٌ من المفسِّرين بجزء كبير من تفسيره؛ كالرازي مثلًا؛ فقد تكلم عليها في مجلد كبير من تفسيره، كما أطال الكلام في تفسيرها إمامُ المفسرين الطبري، والحافظ ابن كثير، والشيخ عبدالرحمن الدوسري، رحمهم الله تعالى، وغيرهم. [2] سبق تخريجهما. [3] أخرجه مسلم - في صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (806)، والنسائي - في الافتتاح - باب فضل فاتحة الكتاب (875). [4] أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أن جبريل - عليه السلام - لم ينزل بسورة الفاتحة، ولا خواتيم سورة البقرة، وإنما نزل بذلك ملَكٌ غيره، والحق أنه ليس في هذا الحديث ما يدل على أن الملك الذي نزل - وجبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم - هو الذي نزل بسورة الفاتحة وخواتيم سورة البقرة، وإنما الذي فيه بيان فضل هذه السورة وتلك الآيات؛ أي: التبشير بفضلهما وعظيم ثوابهما. والثابت أن ملك الوحي هو جبريل عليه السلام؛ قال الله تعالى عن القرآن: ï´؟ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ï´¾ [الشعراء: 193، 194]. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1 /116). [5] سبق تخريجه. [6] انظر: "دقائق التفسير" (1 /172 -173). [7] أخرجه البخاري في الأذان - ما يقول بعد التكبير (743)، ومسلم في الصلاة (399). [8] أخرجه مسلم - في الصلاة - ما يجمع صفة الصلاة (894)، وأبو داود - في الصلاة (783). [9] سبق تخريجهما. [10] أخرجه أحمد (4 /177). قال ابن كثير في "تفسيره" (1 /25): "هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا يحتج به الأئمة الكبار، وعبدالله بن جابر هذا هو الصحابي، ذكر ابن الجوزي أنه هو العبدي، والله أعلم. ويقال: إنه عبدالله بن جابر الأنصاري البياضي، فيما ذكره الحافظ ابن عساكر"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (6/31): "حديث حسن". [11] انظر: "دقائق التفسير" (1 /171 -172)، "مجموع الفتاوى" (14/5 -7، 17/14 -18). [12] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1 /109)، "تفسير ابن كثير" (1 /109). [13] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (810)، وأبو داود في الصلاة - ما جاء في آية الكرسي (1460). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم المعاني التي اشتملت عليها سورة الفاتحة اشتمَلَتْ سورةُ الفاتحة على جميع المعاني التي اشتمَلَ عليها القرآنُ الكريم. ففيها حمدُ الله والثناء عليه وتمجيده، وفيها توحيدُه بأقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات. وفيها الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وإثبات البعث والجزاء والعمل؛ أي: العملِ وجزائه، والعامل وعمله. وفيها: إرشاد الخلق إلى حمد الله والثناء عليه، وتمجيده وعبادته، والاستعانة به في جميع أمورهم الدينية والدنيوية، وإخلاص العمل لله، وإعلان البراءة من حَوْلِهم وقوَّتِهم، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم المؤدي بسالكه إلى سعادة الدارين. وفيها ذكر أقسام الناس الثلاثة: المنعَمُ عليهم، وهم الذين هداهم الله ووفَّقهم إلى العلم، ومعرفة الحق، والعمل به. والمغضوبُ عليهم: وهم الذين عَلِموا الحق وعرَفوه، ولم يعملوا به، والضالُّون: وهم الذين جَهِلوا الحق، فعَمِلوا بالباطل. وفيها إثبات الرسل والرسالات والوحي؛ إذ كيف يَحمَدُه العباد، وكيف يعبُدونه وفق ما شرَعَ، وكيف لهم بمعرفة طريق المنعَمِ عليهم واقتفائه، والحذر من طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين، والبعد عنهما، إلا من طريق الوحي والرسل والرسالات، وكيف يجازون على ذلك حسب أعمالهم إلا بعد البيان وإقامة الحُجة عليهم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، كما قال تعالى: ï´؟ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ï´¾ [النساء: 165]، وقال تعالى: ï´؟ مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ï´¾ [الإسراء: 15]. عن حُذَيفةَ بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان الناس يَسألون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافةَ أن يدركني"[1]، وكما قيل: عرَفتُ الشرَّ لا للشَّرْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif رِ لكنْ لِتَوَقِّيهِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ومَن لم يَعرِفِ الشرَّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif من الناس يقَعْ فيهِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كما تضمَّنت السورة الردَّ على جميع المبطِلين، وأهلِ البدع والضلال والإلحاد. قال ابن القيم في "مدارج السالكين"[2]: "اعلم أن هذه السورة اشتمَلتْ على أمهات المطالب العالية أتَمَّ اشتمال، وتضمَّنتْها أكمل تضمُّنٍ، فاشتمَلت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء، مَرجِعُ الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارُها عليها، وهي: "الله"، و"الرب"، و"الرحمن"، وبُنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة، فï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ [الفاتحة: 5] مبنيٌّ على الإلهية، ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5] على الربوبية، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة، والحمد يتضمَّن الأمور الثلاثة، فهو المحمود في إلهيَّتِه، وربوبيته، ورحمته، والثناءُ والمجد كمالانِ لجَدِّه. وتضمَّنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، حسنِها وسيئِها، وتفرُّد الرب تعالى بالحكم إذْ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل، وكل هذا تحت قوله: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 4]، وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة...". وقال - أيضًا - في كتابه "الفوائد"[3]: "فائدة: للإنسان قوتانِ: قوة عِلمية نظرية، وقوة عمَلية إرادية، وسعادتُه التامة موقوفةٌ على استكمال قوتَيْهِ العلميَّةِ والإرادية، واستكمال القوة العلمية إنما يكون بمعرفة فاطِرِه وبارئه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة الطريق التي توصِّل إليه، ومعرفة آفاتها، ومعرفة نفسه، ومعرفة عيوبها، فبهذه المعارف الخمس يحصل كمالُ قوَّتِه العِلميَّة، وأعلَمُ الناسِ أعرَفُهم بها، وأفقههم فيها. واستكمال القوة العمَليَّة الإرادية لا يحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد، والقيام بها، إخلاصًا وصدقًا، ونصحًا وإحسانًا، ومتابعة، وشهودًا لمنَّته عليه وتقصيره هو في أداء حقِّه، فهو مستحيٍ من مواجهته بتلك الخدمة؛ لعلمِه أنها دون ما يستحقه عليه، ودون دون ذلك. وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته، فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم، الذي هدى إليه أولياءَه وخاصَّتَه، وأن يجنِّبَه الخروج عن ذلك الصراط، إما بفساد في قوته العلمية، فيقع في الضلال، وإما في قوته العملية، فيوجب له الغضب. فكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور، وقد تضمَّنتْها سورة الفاتحة، وانتظمتها أكملَ انتظام؛ فإن قوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 2 - 4] يتضمن الأصل الأول، وهو معرفة الربِّ تعالى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله. والأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهو اسم "الله" و"الرحمن"؛ فاسم "الله" متضمِّن لصفات الألوهية، واسم "الرب" متضمِّن لصفات الربوبية، واسم "الرحمن" متضمِّن لصفات الإحسان والجود والبِرِّ، ومعاني أسمائه تدور على هذا. وقوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5] يتضمن معرفة الطريق الموصِّلةِ إليه، وأنها ليست إلا عبادتَه وحده بما يحبُّه ويرضاه، واستعانتُه على عبادته. وقوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 6] يتضمن بيان أن العبد لا سبيل إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بهداية ربِّه له، كما لا سبيل له إلى عبادته إلا بمعونته، فلا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته. وقوله: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 7] يتضمن طرفَي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد الطرفين انحرافٌ إلى الضلال، الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطرف الآخر انحرافٌ إلى الغضب الذي سببُه فساد القصد والعمل. فأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرُها نعمة، وحظُّ العبد من النعمة على قدر حظِّه من الهداية، وحظُّه منها على قدر حظِّه من الرحمة، فعاد الأمر كلُّه إلى نعمته ورحمته، والنعمةُ والرحمة من لوازم ربوبيته، فلا يكون إلا رحيمًا منعمًا، وذلك من موجبات إلهيَّتِه، فهو الإله الحقُّ، وإنْ جحَدَه الجاحدون، وعدَلَ به المشركون، فمتى تحقَّقَ بمعاني الفاتحة علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا، فقد فاز من كماله بأوفرِ نصيب، وصارت عبوديته عبوديةَ الخاصة، الذين ارتفَعتْ درجتهم عن عوام المتعبِّدين، والله المستعان". وقال ابن كثير رحمه الله[4]: "اشتملت هذه السورة الكريمة، وهي سبع آيات، على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المَعاد، وهو يوم الدين، وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله، والتضرُّع إليه، والتبرُّؤ من حَوْلِهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية تبارك وتعالى، وتنزيهه أن يكون له شريك، أو نظير، أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهدايةَ إلى الصراط المستقيم، وهو الدين القويم، وتثبيتَهم عليه حتى يُفضِيَ بهم ذلك إلى جواز الصراط الحسيِّ يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم، في جوار النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة؛ ليكونوا مع أهلها يوم القيامة، والتحذير من مسالك الباطل؛ لئلا يُحشَروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون". [1] أخرجه البخاري في المناقب (3606)، ومسلم في الإمارة - باب لزوم جماعة المسلمين (1847). [2] (1 /30). [3] ص(39 -40). [4] في "تفسيره" (1 /60). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير (الْحَمْدُ لِلَّهِ ) قال الله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ [الفاتحة: 2 - 7]. قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]. قوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾: مبتدأ مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره، وهو مصدر سماعي للفعل "حَمِدَ" دخلت عليه "أل". و"أل": إذا دخلت على الأوصاف وأسماء الأجناس، دلَّت على الاستغراق والشمول والاستقصاء[1]، وعلامتها صحةُ وضع (كل) الشموليةِ مكانها؛ أي: كل الحمد بجميع صنوفه وأجناسه لله تعالى. والحمد: وصفُ المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم، فإن لم يكن مع المحبة والتعظيم كان نفاقًا ورياءً، وكذبًا وتزلُّفًا ومدحًا مذمومًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[2]: "الحمد الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها، فلو أخبَرَ مُخبِرٌ بمحاسن غيره من غير محبة لها، لم يكن حامدًا، ولو أحَبَّها ولم يُخبِر بها، لم يكن حامدًا". قال ابن القيم[3]: "فالحمد لله: الإخبار عنه بصفات كماله سبحانه وتعالى، مع محبته والرضا به، فلا يكون المحبُّ الساكت حامدًا، ولا المُثنِي بلا محبة حامدًا؛ حتى تجتمع له المحبة والثناء". وإذا كرِّر الحمد مرة ثانية سمِّي ثناءً، وإذا كرِّر ثالثة سمي "تمجيدًا"؛ بدليل ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال العبد: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [الفاتحة: 3]، قال الله: أثنى عليَّ عبدي، فإذا قال: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 4]، قال الله: مجَّدَني عبدي.." الحديث؛ رواه مسلم[4]. فقوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ حمدٌ مطلق، وï´؟ الْحَمْدُ ï´¾ اسم جنس، والجنس له كمية وكيفية. فالثناء كميةُ الحمد وتكثيره، والتمجيد كيفيتُه وتعظيمه. وهذا أَولى مما درج عليه كثير من المفسِّرين وأهل اللغة من تفسير الحمد مطلقًا بالثناء[5]. الفرق بين الحمد والشكر: فسَّر بعض أهل العلم الحمد بمعنى الشكر، منهم المبرد[6] والطبري[7]؛ قال الطبري: "العرب تقول الحمد لله شكرًا". والصحيح أن الحمد غير الشكر؛ فالحمد كالمدح نقيضه الذم، والشكر نقيضه الكفران[8] وبين الحمد والشكر عموم وخصوص[9]. فالحمد أعمُّ من حيث ما يقع عليه، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية؛ أي: يكون لكمال المحمود، ولإنعام المحمود، تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه. وهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع باللسان فقط، قال تعالى: ï´؟ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ï´¾ [الإسراء: 111]. قال الزمخشري[10]: "وهو إحدى شُعَبِ الشكر". قلت: وليس معنى كونه يقع باللسان فقط أن يكون ذلك بدون مواطأة القلب وموافقته؛ لأن الحمد - كما تقدم - وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم في القلب، ومعلوم أن مدار الأعمال كلها صلاحًا أو فسادًا على القلب، قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى))[11] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن في الجسد مضغة إذا صلَحتْ صلَح الجسد كلُّه، وإذا فسَدتْ فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب"[12]. ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية[13]: "والحمد إنما يكون بالقلب واللسان...". والشكر أخصُّ من حيث ما يقع عليه؛ فهو لا يقع إلا على الصفات المتعدية؛ أي: ما يكون إلا في مقابلة نعمة؛ تقول: شكرته لكرمه، ولا تقول: شكرته لفروسيته وشجاعته، فهو لا يكون إلا جزاء على نعمة، بينما الحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ابتداءً. وهو - أي الشكر - أعمُّ من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع بالقلب واللسان والجوارح، كما قال الشاعر: وما كان شكري وافيًا بِنَوَالِكُم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولكنَّني حاولتُ في الجهد مذهبَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أفادتْكم النَّعماءُ مني ثلاثةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبَا[14] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ومن هذا قول ابن القيم في شيخه ابن تيمية رحمهما الله[15]: ولقد أتاحَ ليَ الإلهُ بفضله https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مَن ليس تَجزيهِ يدي ولساني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حَبْرًا أتى من أرض حَرَّانٍ فيا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أهلًا بمن قد جاء من حَرَّانِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فاللهُ يَجزيهِ الذي هو أهلُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif من جنةِ المأوى مع الرِّضوانِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أخَذتْ يداه يدي وسارَ فلم يَرِمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حتى أراني مطلعَ الإيمانِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فالشكر بالقلب بالاعتراف بالنعمة باطنًا، ونسبتِها إلى المنعِم بها ومُسديها. والشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا، والتحدث بها باللسان؛ قال الله تعالى: ï´؟ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ï´¾ [الضحى: 11]. وهذا على القول بأنه يدخل تحت معنى الآية التحدثُ بنعم الله عامة، والآية تحتمله بلا شك؛ لأنه لا ينافي القول بأن المراد بالنعمة هنا نعمة النبوة. والشكر بالجوارح بالاستعانة بالنعمة على طاعة المنعِم قولًا وعملًا، كما قال تعالى: ï´؟ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا ï´¾ [سبأ: 13]. وقام صلى الله عليه وسلم حتى تورَّمت قدماه، وقال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!))[16]. ويكون بظهور أثر النعمة على المنعَم عليه، كما في الحديث: ((إن الله يحب أن يَرى أَثَرَ نعمته على عبده))[17]. وفي حديث أبي مالك الجشمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا آتاك الله مالًا، فلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه))[18]. والمدح أعمُّ منهما جميعًا من حيث ما يقع عليه[19]، فإنه يُقال مما يقع من الإنسان بالتسخير، ومما يقع منه باختياره متعديًا أو لازمًا، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته، كما يُمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه، كما يُمدح بفروسيته وشجاعته، وهو يقع على الحي والميت، وعلى الحيوان والنبات والجماد، والزمان والمكان، وغير ذلك. وهو كالحمد من حيث إنه يقع بالقول باللسان لا غير. قال الراغب[20]: "فكل شكر حمدٌ، وليس كل حمد شكرًا، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا". ï´؟ لِلَّهِ ï´¾ اللام حرف جر، وهي تفيد معنى الاختصاص والاستحقاق، ولفظ الجلالة مجرور بها، والجار والمجرور متعلِّقان بمحذوف هو خبر ï´؟ الْحَمْدُ ï´¾، تقديره: مستحق، أو واجب أو ثابت لله. وقد تقدم في بحث البسملة الكلام مستوفًى على معنى لفظ الجلالة (الله) واشتقاقه. ومعنى ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ أن الحمد المطلق لله وحده، فهو المستحق له المختص به دون سواه. وحمده تعالى هو وصفه عز وجل بصفات الكمال اللازمة والمتعدية؛ كمال العظمة وكمال الإحسان والنعمة، مع المحبة والتعظيم له، والرضا عنه، والخضوع له؛ لأنه المنعِم بأكبر النعم وأعظمها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[21]: "والحمد نوعان: حمد على إحسانه إلى عباده، وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال، وهي أمور وجودية، فإن الأمور العدمية المحضة لا حمدَ فيها، ولا خير ولا كمال. ومعلوم أن كل ما يُحمَد فإنما يُحمَد على ما له من صفات الكمال، فكل ما يُحْمَد به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يُحمَد عليه هو أحَقُّ بالحمد، فثبَتَ أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحَقُّ من كل محمود بالحمد، والكمالِ من كل كامل، وهو المطلوب". وقال ابن القيم[22]: "الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يكون حامدًا من جحد صفات المحمود، ولا مَن أعرَضَ عن محبته والخضوع له، وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثرَ، كان حمده أكمل، وكلما نقص من صفات كماله، نقص من حمده بحسبها؛ ولهذا كان الحمد لله حمدًا لا يحصيه سواه؛ لكمال صفاته وكثرتها، ولأجل هذا لا يُحصي أحدٌ من خلقه ثناءً عليه[23]؛ لما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال، التي لا يحصيها سواه..". والذين قالوا: معنى الحمد الثناء، معناه عندهم: الثناء عليه تبارك وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا. قال القرطبي[24] رحمه الله تعالى: "الحمد في كلام العرب معناه الثناء الكامل... فهو سبحانه يستحق الحمدَ بأجمعه؛ إذ له الأسماء الحسنى والصفات العليا". وقال أيضًا: "الحمد ثناء على الممدوح بصفاته... وذكر عن جعفر الصادق في قوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ قال: من حمده بصفاته كما وصف نفسه، فقد حمد..." وقوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ جملة خبرية فيها معنى الأمر، فهو جل وعلا يُخبِرُ عن اتصافه بالحمد، ويأمر عباده أن يحمدوه، كما قال تعالى: ï´؟ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ [النمل: 59]. وإنما جاءت جملةً اسمية للدلالةِ على الاستمرار والدوام، فله سبحانه وتعالى الحمدُ في جميع الأوقات والأزمان والأماكن، في الدنيا والآخرة، وفي السموات والأرض، وهو المحمود بكل حال، على ما له سبحانه من المحاسن والإحسان، وعلى ما له من الأسماء الحسنى والمَثَلِ الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى[25]. افتتح كتابه بالحمد فقال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، وله الحمد على إنزاله، كما قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ï´¾ [الكهف: 1]. وله الحمد على خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات، قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ï´¾ [الأنعام: 1]، وقال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ï´¾ [فاطر: 1]. وله الحمد على ملك ما في السموات والأرض، قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ï´¾ [سبأ: 1]. وله الحمد في السموات والأرض، وفي جميع الأوقات، قال تعالى: ï´؟ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ï´¾ [الروم: 18]. وله الحمد في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ï´؟ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ï´¾ [القصص: 70]، وقال تعالى: ï´؟ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ï´¾ [سبأ: 1]. وحمده تعالى آخر دعوى أهل الجنة، كما قال تعالى: ï´؟ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [يونس: 10]. وشَقَّ لنبيِّه صلى الله عليه وسلم اسمًا من الحمد، فسماه: محمدًا. قال حسان بن ثابت رضي الله عنه[26]: وضمَّ الإلهُ اسمَ النبيِّ إلى اسمِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا قال في الخَمْسِ المؤذِّنُ أَشْهَدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وشَقَّ له مِنِ اسمِه[27] لِيُجِلَّهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فذو العرشِ محمودٌ وهذا محمدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فهو تعالى المحمود على الدوام في جميع الأحوال؛ ولهذا أمر عباده أن يحمدوه في آيات كثيرة، وكان نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يحب قال: ((الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال))[28]. كما رغَّب صلى الله عليه وسلم في حمد الله تعالى في أحاديث كثيرة، منها: ما رواه أبو مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطُّهورُ شطرُ الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان - أو تملأ - ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كلُّ الناس يَغْدو، فبائعٌ نفسَه فمُعتِقُها، أو مُوبِقُها"[29]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لَيَرْضى عن العبد أن يأكُل الأكلةَ فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها))[30]. وبما أن كل نعمة على العباد فهي من الله تعالى، كما قال تعالى: ï´؟ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ï´¾ [النحل: 53]، وبما أن نِعَمَ الله على العباد كثيرةٌ لا تحصى، كما قال تعالى: ï´؟ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ï´¾ [النحل: 18]، فإن العبد ليس بمقدوره أن يشكُرَ الله حقَّ شكره على هذه النعم، التي منها النعم الدينية من الإيمان والعلم والتقوى، والنعم الدنيوية كالصحة والمال، والنعم الأخروية، وهي الجزاء الكثير، على العمل القليل، في العمر القصير، ومضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. إذ كيف يمكن العبدَ أن يشكُرَ الله حقَّ شكره والشكرُ نفسُه نعمة من الله على العبد تستوجب الشكر؟! فما على العبد إلا أن يقوم بما يستطيع من الشكر ويقول: "سبحانك لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك"[31]. إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عليَّ له في مثلِها يجب الشكرُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فكيف بلوغُ الشكر إلا بفضلِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وإن طالتِ الأيامُ واتصَلَ العُمرُ[32] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif [1] انظر: "جامع البيان" (1/ 138)، "المحرر الوجيز" (1/ 63)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 133)، "مجموع الفتاوى" (1/ 89)، "البحر المحيط" (1/ 18). [2] انظر: "مجموع الفتاوى" (8/ 378). [3] في "الوابل الصيب من الكلم الطيب" (ص88). [4] سبق تخريجه. [5] انظر: "مجموع الفتاوى" (6/ 266)، وانظر: "جامع البيان" (1/ 139)، "الكشاف" (1/ 7)، "المحرر الوجيز" (1/ 63)، "زاد المسير" (1/ 11)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 133، 134)، "أنوار التنزيل" (1/ 7)، "لسان العرب" مادة (حمد)، "البحر المحيط" (1/ 18)، "أضواء البيان" (1/ 39). [6] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 133). [7] في "جامع البيان" (1/ 135 -138). [8] انظر: "الكشاف" (1/ 8)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 133). [9] انظر: "المفردات" مادة "شكر"، "معالم التنزيل" (1/ 39)، "الكشاف" (1/ 7، 8) "المحرر الوجيز" (1/ 63)، "تفسير النسفي" (1/ 3)، "مجموع الفتاوى" (11/ 133 -134 -135، 146)، "تفسير ابن كثير" (1/ 45). [10] في "الكشاف" (1/ 7). [11] أخرجه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: البخاري في بدء الوحي (1)، ومسلم في الإمارة (7091). [12] أخرجه من حديث النعمان بن بشير: البخاري - في الإيمان (52)، ومسلم - في المساقاة (1599). [13] انظر: "مجموع الفتاوى" (11/ 134). [14] انظر: "الكشاف" (1/ 7)، "مجموع الفتاوى" (11/ 133 -134)، "تفسير ابن كثير" (1/ 45). [15] في "النونية" (ص143). [16] أخرجه البخاري في التفسير (4836) عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قام النبي صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل له: غفَرَ الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا؟!)). وأخرجه أيضًا بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها (4837). [17] أخرجه الترمذي في الأدب (2819) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه وقال: "حديث حسن". وأخرجه أحمد (2/ 311) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، و(4/ 438) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. [18] أخرجه أبو داود - في اللباس (40634)، والنسائي في الزينة (4819) - وصححه الألباني. [19] انظر: "الصحاح" و"المفردات" مادة: "مدح"، "تفسير ابن كثير" (1/ 46). [20] في "المفردات" مادة "حمد". [21] انظر: "مجموع الفتاوى" (6/ 84). [22] في "مدارج السالكين" (1/ 48). [23] كما قال صلى الله عليه وسلم في الدعاء: ((اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك))؛ أخرجه مسلم في الصلاة - باب ما يُقال في الركوع والسجود (486) - من حديث عائشة رضي الله عنها. [24] في "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 133 -134). [25] انظر: "مجموع الفتاوى" (11/ 133). [26] انظر: "ديوانه" ص(338). [27] لم يرد في الكتاب والسنة أن من أسمائه تعالى "المحمود"، فمعنى "المحمود" في البيت الموصوف بالحمد. [28] أخرجه ابن ماجه في الأدب - باب فضل الحامدين (3803). وقال في "الزوائد": "إسناده صحيح ورجاله ثقات"، وصححه الألباني. [29] أخرجه مسلم في الطهارة - فضل الوضوء (223). [30] أخرجه مسلم في الذكر - استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل (2734). [31] أخرجه مسلم - في الصلاة - باب ما يُقال في الركوع والسجود (486) عن عائشة رضي الله عنها قالت: فقَدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمَستُه، فوقعتْ يدي على بطن قدمه وهو في المسجد، وهما منصوبتان، وهو يقول: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك))، وأبو داود في الصلاة - باب الدعاء في الركوع والسجود (879). [32] البيتان للشاعر محمود الوراق، انظر: "المستطرف" (1/ 53)، "تاريخ دمشق" (5/ 190). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم بيــان معنــى "الســورة" و"الآيــة" أ - بيان معنى "السورة": السورة: فيها لغتان: "سورة" بدون همز، و"سؤرة" بالهمز. أما "سورة" بدون همز، فهي لغة قريش وأكثر قبائل العرب، تُجمَع على "سُوَر"[1]. قال تعالى: ï´؟ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ ï´¾ [هود: 13]. وقال الراعي[2]: هنَّ الحرائرُ لا رَبَّاتُ أَحْمِرَةٍ *** سُودُ المَحاجِرِ لا يَقرَأْنَ بالسُّوَرِ ويجوز أن تجمع على سُورَات، وسُوَرَات[3]. وهي مأخوذة من معنى الإبانة والارتفاع، ومن معنى الإحاطة، ومعنى التمام. أما كونها مأخوذة من معنى الإبانة والارتفاع، فإن السورة بائنةٌ عن السورة الأخرى منفصلة عنها، ولأن منزلتها رفيعة وعظيمة وشريفة يشرُف بها القارئ، ويرتفع بها من منزلة إلى منزلة[4]، كما قال النابغة الذبياني[5]: ألم تَرَ أن الله أعطاكَ سُورةً *** تَرى كلَّ مَلْكٍ دونها يَتذبذبُ أي: أعطاك منزلة رفيعة قصَّرتْ عنها منازلُ الملوك. وأما كونها بمعنى الإحاطة، فلأنها محيطة بما احتوت عليه من الآيات، ومن قرأها بكاملها أشرَفَ واطَّلَع على ما فيها من الآيات؛ كَسُورِ البلدِ يكون عاليًا مرتفعًا ويحيط بما في داخله من العمران من المنازل والدور والبيوت وغيرها[6]، ومن صَعِد عليه شاهَدَ ما بداخله من ذلك العمران. وأما كونها بمعنى التمام، فلأنها تامة منفصلة عن السورة الأخرى، تامة بموضوعاتها وآياتها، كما تُسمِّي العرب الناقةَ التامة الكريمة: سورةً[7]. وأما اللغة الثانية: "سؤرة" بالهمز، فإنها لغة تميم، وتُجمَع على "سُؤَر" بهمز. والسؤرة في الأصل معناها: القطعة من الشيء، والبقية منه، ومنه "سُؤْرُ الشراب": أي بقيَّتُه. قال الأعشى[8]: فبانَتْ وقد أسأرَتْ في الفؤا *** دِ صَدْعًا على نَأْيِها مُستطِيرَا أي: أبقَتْ في الفؤاد. ومعنى السؤرة من القرآن: هي القطعة منه. والقرآن من سؤرة بعد سؤرة؛ أي: قطعة بعد قطعة، حتى كمل منها القرآن[9]. والسورة من القرآن في الاصطلاح: القطعة من كلام الله تعالى في كتابه، ذات بداية ونهاية معروفة، تشتمل على ثلاث آيات فأكثر. وسُوَرُ القرآن الكريم مائة وأربعَ عشْرةَ سورةً، أطولُها سورة البقرة، وأقصَرُها سورة الكوثر، وترتيبها توقيفيٌّ عن النبي صلى الله عليه وسلم. ب - بيان معنى "الآية": الآية لغةً: العلامة[10]؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ï´¾ [البقرة: 248]. وقال تعالى عن الحواريِّين أنهم قالوا: ï´؟ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ï´¾ [المائدة: 114]. وقال الأسير الموصي لقومه[11]: "بآيةِ ما أكلتُ معكم حَيْسًا". وقال النابغة الذبياني[12]: توهَّمتُ آياتٍ لها فعرَفتُها *** لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ وتُطلَق الآية بمعنى الجماعة، يقال: خرَجَ القوم بآيتِهم؛ أي: بجماعتهم[13]. قال برج بن مسهر الطائي[14]: خرَجْنا مِن النَّقْبَيْنِ لا حيَّ مِثلُنا *** بآيتِنا نُزجِي اللِّقاحَ المَطافَلَا والآية القرآنية مأخوذة من معنى العلامة؛ لأن الآية القرآنية علامةٌ على وجود الله وكماله في ذاته وصفاته، واستحقاقه العبادة وحده، وعلى صدق من جاء بها، وأنها من عند الله تعالى، كما أنها علامة للفصلِ بين ما قبلها وما بعدها[15]. ويحتمل أنها من المعنيين جميعًا: من معنى العلامة، ومعنى الجماعة؛ لأنها مع كونها من معنى العلامة، فهي أيضًا فيها معنى الجمع؛ لأنها تجمع حروفًا وكلمات من القرآن[16]. وتُجمَع الآية على آيات، وآياتُ الله تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية. فالآيات الشرعية: هي ما يتعلق بالوحي من كلام الله تعالى، وسمِّيت بذلك لمباينتها كلام البشر، وعجزهم عن الإتيان بمثلها، ولأن في إصلاح هذا الوحي لمن أنزل عليه حسب ما شرع الله علامةً ودلالة واضحة على أنه من عند الله ذي الكمال في ذاته وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، كما قال تعالى: ï´؟ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ï´¾ [النساء: 82]، كما أن فيه دلالة على صدق من جاء به من عند الله تعالى، وهم الرسل عليهم الصلاة والسلام. والآية الشرعية في الاصطلاح: هي القطعة من كلام الله تعالى ذات بداية ونهاية، منفصلة عما قبلها وعما بعدها، مندرجة تحت سورة من سور القرآن[17] الكريم. وأطول آية في القرآن آيةُ الدَّين ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ ï´¾ [البقرة: 282]، وأقصر آية: ï´؟ ثُمَّ نَظَرَ ï´¾ [المدثر: 21]، باستثناء الحروف المقطعة أوائل السور. ترتيب الآيات توقيفيٌّ بالإجماع؛ قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله[18]: "فترتيب القرآن من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى، وهو الموافق لإصلاح القلوب؛ ولهذا نرى من الخطأ الفادح أن يؤلِّف أحد القرآن مرتبًا على الأبواب والمسائل، كما صنعه بعض الناس؛ فإن هذا مخالف لنظم القرآن والبلاغة وعمل السلف، فالقرآن ليس كتاب فقه، ولكنه كتاب تربية وتهذيب للأخلاق، فلا ترتيب أحسن من ترتيب الله؛ ولهذا كان ترتيب الآيات توقيفيًّا لا مجال للاجتهاد فيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت الآية قال: ((ضَعُوا هذه الآية في مكان كذا وكذا))[19] ". والآيات الكونية: ما يتعلق بالخلق والتقدير، وهي تشمل كلَّ ما خلق الله في هذا الكون؛ من أرض وسماء، وليل ونهار، وشمس وقمر، وحجر وشجر، وجن وإنس، وحيوان ونبات، وسائر المخلوقات؛ لأن في إيجاد هذه المخلوقات وانتظامها علامةً ودلالة واضحة على وجود خالقها وباريها، وعلى قدرته وحكمته ووحدانيته ورحمته، وكماله في ذاته وفي ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. قال تعالى: ï´؟ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ï´¾ [الروم: 22]، وقال تعالى: ï´؟ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ï´¾ [الروم: 25]. وقال تعالى: ï´؟ وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ï´¾ [يس: 34، 35]. وقال تعالى: ï´؟ وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ï´¾ [يس: 37 - 39]. وقال تعالى: ï´؟ وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ ï´¾ [يس: 41، 42]. وقال تعالى: ï´؟ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ï´¾ [فصلت: 37]. وقال تعالى: ï´؟ وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ï´¾ [الذاريات: 20، 21]. [1] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 46)، "لسان العرب" مادة: "سور". [2] انظر: "ديوانه" ص(122). [3] انظر: "لسان العرب" مادة: "سور". [4] انظر: "مجاز القرآن" (1/ 20)، "جامع البيان" (1/ 104 -105)، "مشكل إعراب القرآن" (1/ 68). [5] انظر: "ديوانه" ص(56). [6] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 18). [7] انظر: "لسان العرب" مادة: "سور". [8] انظر: "ديوانه" ص(143)، شرح د/ محمد محمد حسين - بيروت 1983م. بانت: بعدت. صدع مستطير: تَصدَّع من أوله إلى آخره. ومستطير: متفرِّق، منتشر. النأي: البعد. والشاعر يصف امرأة فارقته فأبقت في قلبه من محبتها ووجدها بقية. [9] انظر: "مجاز القرآن" (1/ 2)، "جامع البيان" (1/ 105)، "لسان العرب" مادة: "سور". [10] انظر: "جامع البيان" (1/ 106)، "النهاية" مادة: "آية"، "تفسير ابن كثير" (1/ 18). [11] انظر: قصته في كتاب "الأمالي" لأبي علي القالي (1/ 6 -7). [12] انظر: "ديوانه" ص(162). [13] انظر: "النهاية" مادة: "آية". [14] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 47)، "تفسير ابن كثير" (1/ 18). ومعنى نزجي: نسوق، واللقاح: ذوات الألبان، والمطافلا: النوق معها أولادها. [15] انظر: "جامع البيان" (1/ 106)، "المحرر الوجيز" (1/ 47)، "تفسر ابن كثير" (1/ 18). [16] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 47)، "النهاية" مادة: "آية". [17] انظر: "جامع البيان" (1/ 106)، "تفسير ابن كثير" (1/ 18). [18] في "تفسير سورة البقرة" (2/ 449 -450). [19] أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (3/ 403). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ( رَبِّ الْعَالَمِينَ ) ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]: رب صفة أُولى للفظ الجلالة "الله"، أو بدل منه. وï´؟ رَبِّ ï´¾ مضاف وï´؟ الْعَالَمِينَ ï´¾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم. وï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾: خالِقُهم ومالكهم والمتصرِّف فيهم. وï´؟ رَبِّ ï´¾ في الأصل مأخوذ من التربية للشيء وتنميته، وتبليغه إلى كماله، كما قال تعالى: ï´؟ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ï´¾ [النساء: 23]؛ أي: اللاتي تُربُّونَهن في حجوركم. وهو بمعنى المالك والسيد، كما قال تعالى: ï´؟ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ï´¾ [يوسف: 41]؛ أي: مالكه وسيده، وفي الحديث: ((أن تَلِدَ الأَمَةُ ربَّتَها))[1] ؛ أي: مالكتها وسيدتها. وبمعنى: المعبود حتى لو كان بغير حقٍّ، كما قال تعالى: ï´؟ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ï´¾ [يوسف: 39]. وقال أحد المشركين وقد وجد الثعلب قد بال على صنمه: أَرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبَانُ بَرَأْسِه *** لَقَدْ هَانَ مَنْ بَالَتْ عَلَيْهِ الثَّعَالِبُ[2] وبمعنى القائم على الشيء ومدبِّره ومُصلِحه ومتولِّيه، ومنه اسم الله عز وجل: "القيوم". ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ((هل لك عليه من نعمة ترُبُّها؟))[3]؛ أي: تقوم بها وتُصلِحُها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "لأنْ يَرُبَّني بنو عمي أحَبُّ إليَّ من أن يَرُبَّني غيرهم"[4]؛ أي: يكون عليَّ ربًّا؛ أي: أميرًا يقوم بأمره، ويملك تدبيره، ويدخل تحت طاعته. ومنه قولهم: "أديم مربوب"[5] وقول النابغة الذبياني[6]: تخُبُّ إلى النُّعمـانِ حتى تَنالَه *** فَدًى لك مِن رَبٍّ طَرِيفِي وتالِدِي وبمعنى صاحب الشيء، كما قال تعالى: ï´؟ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ï´¾ [الصافات: 180]؛ أي: صاحب العزة. وكل هذه المعاني حقٌّ بالنسبة له تعالى؛ فهو تعالى مربِّي الخلق؛ خالِقُهم ومالكهم، ومدبِّرهم، وسيدهم، وهو معبودهم بحقٍّ، وهو القيوم على كلِّ شيء ومدبِّرُه ومُصلِحه، وهو صاحب العزة سبحانه وتعالى؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية[7]: "الرَّبُّ: هو المربِّي الخالق الرازق الناصر الهادي". واسمه تعالى: "الرب" يفيد أن الربوبية صفةٌ ذاتيَّة له تبارك وتعالى، وصفة فعليَّة[8]. وربوبية الله لخلقه نوعانِ: ربوبية خاصة، مقتضاها النصر والتأييد، واللطف والعناية، ونحو ذلك، وربوبية عامة، مقتضاها مطلَقُ التصرُّف. فالربوبية العامة: هي خَلْقُه للمخلوقين ومُلكُه لهم، وتدبيره الكَونيُّ لهم، ورزقُه لهم، وهدايتهم لمصالح دنياهم، ونحو ذلك. وهذه شاملة لجميع الخلق مؤمنِهم وكافرهم، ناطقهم وبهيمهم، حيِّهم وجمادهم، كما في قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، وقوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ï´¾ [البقرة: 21]، وقوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ï´¾ [النساء: 1]. والربوبية الخاصة: هي ربوبية الله تعالى لأوليائه بهدايتهم إلى الصراط المستقيم بالإيمان والعلم النافع، والعمل الصالح، وفعل الخيرات، وترك المنكَرات، وذلك ملاكُ الأمرِ مع توفيقهم وحفظهم. كما قال إبراهيم عليه السلام: ï´؟ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا ï´¾ [البقرة: 126]. وقال موسى عليه السلام: ï´؟ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ï´¾ [المائدة: 25]. وكما في قول المؤمنين: ï´؟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ï´¾ [البقرة: 285]، وغير ذلك. ولما كان من أخَصِّ معاني الربِّ المالك والمدبر والقائم بما يصلح الخلق؛ كان أكثر دعاء الأنبياء والمؤمنين باسمه تعالى "الرب"؛ لأنه أحَقُّ باسم الاستعانة والمسألة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[9]: "فعامة المسألة والاستعانة المشروعة باسم الربِّ". و"الرب" بالتعريف لا يُطلَق إلا على الله تعالى، و"ربُّ كذا" - بالإضافة - يطلق عليه وعلى غيره، فلزم إذا أُريدَ به غيرُ الله أن يُقيَّد بالإضافة، فيقال: ربُّ الدارِ، ورب الإبل[10]، كما قال يوسف عليه السلام: ï´؟ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ï´¾ [يوسف: 41]، وقال أيضًا: ï´؟ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ï´¾ [يوسف: 42]، وقال أيضًا: ï´؟ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ï´¾ [يوسف: 50]. وفي الحديث: ((أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها))[11]. ويظهر جليًّا من تعريف اسمه تعالى "الله"، و"رب العالمين" دخولُ اسم "الرب" في اسمه تعالى "الله"، وأن بينهما تداخُلًا وتلازُمًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[12] عن هذين الاسمين: "فالاسم الأول - يعني "الله" - يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه، وما خُلِق له، وما فيه صلاحه وكماله، وهو عبادة الله. والاسم الثاني - يعني "رب العالمين" - يتضمن خلْقَ العبد ومبتداه، وهو أنه يَرُبُّه ويتولاه، مع أن الثاني يدخل في الأول دخولَ الربوبية في الإلهية، والربوبية تستلزم الألوهية أيضًا". ï´؟ الْعَالَمِينَ ï´¾: جمع عالَم بفتح اللام، اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ كرَهْطٍ وقوم. والعالمين: كلُّ موجود سوى الله تعالى، وقد جُمِع ليشمل كلَّ جنس ممن سُمِّي به، فيعُم جميع المخلوقات في السموات والأرض، وما بينهما من الملائكة والإنس والجن والشياطين، والحيوانات والجمادات، وغير ذلك من سائر المخلوقات، كما دخلت عليه "أل" الدالة على الاستغراق؛ ليشمل كلَّ فرد من أفراد تلك الأجناس[13]. وهو مشتق من العلامة؛ لأن كل ما في الوجود من المخلوقات علامةٌ على وجود الله، وكماله بذاته وصفاته، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ï´¾ [آل عمران: 190]، وقال تعالى: ï´؟ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ï´¾ [الروم: 22]، إلى غير ذلك من الآيات. قال الشاعر[14]: فواعجبًا كيف يُعصى الإلـ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ـهُ أم كيف يجحَدُه الجاحدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تدلُّ على أنه واحدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ويقال: إنه مشتق من "العِلم" بكسر العين[15]. والقول بأنه مشتق من "العِلم" إنْ أُريدَ به أنه تعالى خلَقَ "العالَمين" عن عِلم منه - جل وعلا - بهم، كما خلقهم - أيضًا - عن قدرة تامة، فصحيح، كما قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ï´¾ [الطلاق: 12]. وإن أُريدَ به أن هذه المخلوقات سمِّيت عوالم؛ لأن عندها شيئًا من العِلم المحدود الناقص القليل، أو عندها ما يخصها من العلم؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ï´¾ [الإسراء: 44]، فهذا محتمل. والقول بأنه مشتق من العلامة هو الأظهر، ويحتمل أنه مشتق منها ومن العلم[16]، والله أعلم. وجمَعَ "العالمين" جمْعَ مَن يعقل، علمًا أنه يتناول العقلاء وغيرهم، مِن باب تغليب العقلاء على من سواهم؛ لأن العقلاء هم المعنيُّون بالخطاب والتكليف؛ لما ميَّزهم الله به عن الحيوان والجماد من العقل والإدراك، الذي هو مناط التكليف. وهذا كقوله تعالى: ï´؟ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ï´¾ [البقرة: 31]، وكقوله تعالى: ï´؟ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ ï´¾ [النور: 45]. فقد غلَّب العقلاء على غيرهم في الآية الأولى بقوله: "عَرَضَهُمْ"، "هَؤُلَاءِ"، وفي الآية الثانية بقوله: "فَمِنْهُمْ". أما قوله تعالى: ï´؟ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ï´¾ [الفرقان: 1] ونحوه، فالمراد به الإنس والجن فقط، فاستخدم لفظ: "العالمين" لبعض مدلوله. وإنما حُمِل على أنه خاص بهم؛ لأنهم هم المعنيُّون بالنِّذارة دون غيرهم من سائر المخلوقات. وهكذا فإن السياق نفسَه يحدِّد المراد بلفظة: "العالمين" أهو العموم لجميع المخلوقات، كما في أكثر المواضع الواردة في القرآن، أم الخصوص لبعضها، كما في آية الفرقان. وكما في قوله: ï´؟ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الشعراء: 165]، فالمراد بهذا الذكران من عالَمِي زمانِهم من الإنس، وهكذا. [1] أخرجه من حديث طويل من رواية أبي هريرة - البخاري في الإيمان (50)، ومسلم في الإيمان (9)، وأخرجه أيضًا مسلم مطولًا من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (8). [2] ذكر صاحب "شرح مغني اللبيب" للبغدادي (2/ 304 -309): أنه يُروى لراشد بن عبدربه، ولغاوي بن ظالم السلمي، ولأبي ذر الغفاري، وللعباس بن مرداس. [3] أخرجه مسلم في البر والصلة (2567)، وأحمد (2/ 262، 408) - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في التفسير (4666). [5] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 65). [6] انظر: "ديوانه" ص(92). [7] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 13). [8] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 137). [9] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 13)، "دقائق التفسير" (1/ 176 -177). [10] انظر: "الصحاح" مادة: "رب"، "معالم التنزيل" (1/ 40)، "الكشاف" (1/ 8)، "تفسير ابن كثير" (1/ 48). [11] سبق تخريجه قريبًا. [12] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 13)، "دقائق التفسير" (1/ 177). [13] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 133). [14] البيتان لأبي العتاهية. انظر: "ديوانه" (ص104). [15] انظر: "الكشاف" (1/ 8 -9). [16] انظر: "معالم التنزيل" (1/ 40). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ( الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ )[الفاتحة: 3] قوله: ï´؟ الرَّحْمَنِ ï´¾ صفةٌ ثانية للفظ الجلالة "الله"، وï´؟ الرَّحِيمِ ï´¾ صفة ثالثة له، وكلٌّ منهما مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، أو هما بدلانِ من لفظ الجلالة. وهذا بعد قوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2] ثناء على الله تبارك وتعالى؛ لقوله عز وجل في حديث أبي هريرة: ((فإذا قال العبد: ï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾، قال الله: أثنى عليَّ عبدي))[1]. وï´؟ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾: اسمانِ من أسماء الله تعالى يدلُّ كلٌّ منهما على إثبات صفة الرحمة وأثرها، وقد تقدَّم الكلام عليهما مستوفى في الكلام على البسملة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[2] بعدما بيَّن أن اسم "الله" أحَقُّ بالعبادة، وأن اسم "الرب" أحَقُّ بالاستعانة - قال: "والاسم ï´؟ الرَّحْمَنِ ï´¾ يتضمن كمال التعلُّقين، وبوصف الحالين فيه تتم سعادته - يعني العبد - في دنياه وأخراه؛ ولهذا قال تعالى: ï´؟ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ï´¾ [الرعد: 30]، فذكر هاهنا الأسماء الثلاثة: "الرَّحْمَن"، و"رَبِّي"، و"الإله"، وقال: ï´؟ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ï´¾ [الرعد: 30] كما ذكر الأسماء الثلاثة في أم القرآن..". [1] سبق تخريجه. [2] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/13)، "دقائق التفسير" (1 /177). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ) [الفاتحة: 4] قوله: ï´؟ مَالِكِ ï´¾ صفةٌ رابعة للفظ الجلالة "الله"، أو بدل منه مجرور مثله، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، وهو مضاف وï´؟ يَوْمِ ï´¾ مضاف إليه مجرور، وï´؟ يَوْمِ ï´¾ مضاف وï´؟ الدِّينِ ï´¾ مضاف إليه مجرور، وعلامة جرِّ كل منهما الكسرة الظاهرة على آخره. وهذا بعد قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ï´¾ [الفاتحة: 2، 3] تمجيدٌ لله تعالى؛ لقوله تعالى في حديث أبي هريرة: ((فإذا قال العبد: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾، قال الله: مجَّدَني عبدي)). قرأ عاصم والكسائي: (مالك) بالألف؛ اسم فاعل من "المِلك" بكسر الميم وسكون اللام؛ كقوله تعالى: ï´؟ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ï´¾ [آل عمران: 26]. ومعنى "المالك": المتصرِّف في الأعيان المملوكة كيف يشاء. وقرأ باقي السبعة: (مَلِك)، والملِك هو الحيُّ الذي يتصرف فيأمر وينهى ويطاع، مأخوذ من "المُلْك" بضم الميم؛ كقوله تعالى: ï´؟ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ï´¾ [البقرة:107، المائدة:40]، وقوله: ï´؟ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ï´¾ [المائدة: 18]، وقوله: ï´؟ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ï´¾ [فاطر: 13، الزمر: 6]، وقوله: ï´؟ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ï´¾ [التغابن: 1]، وقوله: ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ï´¾ [الملك: 1]، وقوله تعالى: ï´؟ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ï´¾ [الحشر: 23، الجمعة: 1]، وقوله: ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ ï´¾ [الناس: 1، 2]. و"مَلِك" على وزن "فَعِل" صفةٌ مشبَّهة تدل على ثبوت مُلكِه ودوامه، وأن له التصرف التام في الأمر والنهي. وقراءة "مَلِك" أعم وأشمل من قراءة "مالك"؛ إذ إن كلَّ مَلِكٍ مالكٌ، وليس كل مالك ملكًا. وقال بعضهم: بل قراءة (مالك) أعم وأشمل. قال في "لسان العرب"[1]: "روى المنذر عن أبي العباس أنه اختار ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾، وقال: كل من يملك فهو مالك؛ لأنه بتأويل الفعل، مالك يوم الدين؛ أي: يملك إقامته، ومنه قوله تعالى: ï´؟ مَالِكَ الْمُلْكِ ï´¾ [آل عمران: 26]". وكلٌّ من القراءتين سبعية وصحيحة ثابتة، نزل بها جبريل من عند الله على النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا صح في الآية أكثرُ من قراءة، فكل قراءة بمثابة آية، ولا تجوز المقارنة بين ألفاظ تلك القراءات من حيث الجودة والحسن؛ إذ ليس في كلام الله جيد وأجود، وحسن وأحسن، بل كل كلامه تعالى في غاية الجودة والحسن، وفي أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، قال تعالى: ï´؟ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ï´¾ [النساء: 82]. ï´؟ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾: "اليوم" في الأصل هو القطعة من الزمن، قليلة كانت أو كثيرة؛ أي: مطلق الوقت. فمن إطلاقه على الزمن وإن كان قليلًا قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ï´¾ [آل عمران: 155]؛ أي: ساعة التقى الجمعان. وقوله تعالى: ï´؟ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ï´¾ [الأنعام: 158]، وقوله تعالى: ï´؟ وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ï´¾ [مريم: 15]، ويُقال: "شاهدتك يومًا، أو سمعتك يوم كذا"؛ أي: لحظة من يوم[2]. كما يطلق على الزمن الطويل؛ قال تعالى: ï´؟ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ï´¾ [الحج: 47]. وقال تعالى: ï´؟ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ï´¾ [المعارج: 4]، وهو اليوم الآخر، ويوم القيامة، كما ذكره الله تعالى في آيات عديدة من كتابه العزيز. واليوم في الشرع: ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، ومنه قوله تعالى: ï´؟ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ï´¾ [البقرة: 184]، وقوله: ï´؟ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾ [البقرة: 184]، وقوله: ï´؟ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ ï´¾ [البقرة: 196]، وقوله: ï´؟ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى ï´¾ [البقرة: 203]، وقوله تعالى: ï´؟ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ï´¾ [المائدة: 89]. ومنه قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ï´¾ [يونس: 3]. لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه الأيام الستة كأيام الدنيا؛ لأن الله خاطَبَ العرب بما يَعرِفون. وأيام الله تعالى هي نِعَمُه تعالى، وثوابه للمطيعين، ووقائعه في العاصين، كما قال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ï´¾ [إبراهيم: 5]. وقال تعالى: ï´؟ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ï´¾ [الجاثية: 14]. وï´؟ الدِّينِ ï´¾ هو الحساب والجزاء على الأعمال خيرها وشرِّها، كما قال تعالى: ï´؟ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ï´¾ [النور: 25]؛ أي: جزاء أعمالهم، وقال تعالى: ï´؟ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ï´¾ [الواقعة: 86، 87]؛ أي: غير مجزيِّين بأعمالكم ومحاسبين عليها. وذكر الله عن الكفار قولهم: ï´؟ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ ï´¾ [الصافات: 53]؛ أي: لمجزيُّون، وقال تعالى: ï´؟ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ ï´¾ [الذاريات: 6]؛ أي: إن الجزاء على الأعمال لَواقعٌ حقيقة. وقال تعالى: ï´؟ كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ ï´¾ [الانفطار: 9]؛ أي: تكذِّبون بالحساب والجزاء على الأعمال، وقال تعالى: ï´؟ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ ï´¾ [الانفطار: 15]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ï´¾ [الانفطار: 17، 18]، وقال تعالى: ï´؟ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ï´¾ [التين: 7]؛ أي: فما يكذبك بالبعث والحساب والجزاء على الأعمال؟ وتفسير الدِّين بالمحاسبة والمجازاة معروفٌ مشهور في كلام العرب. قال شهل بن شيبان من قصيدة له في حرب البسوس[3]: ولم يَبْقَ سوى العُدْوا *** نِ دِنَّاهم كما دانُوا وقال آخر: واعلَمْ وأَيْقِنْ أن مُلْكَك زائلٌ *** واعلَمْ بأنك ما تَدينُ تُدانُ[4] وقال آخر: حصادك يومًا ما زرعتَ وإنما *** يُدانُ الفتى يومًا كما هو دائنُ[5] وفي المثل أو الأثر: "كما تَدينُ تُدانُ"[6]. والمراد بـï´؟ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ يوم القيامة، يوم قيام الناس من قبورهم، وقيام الأشهاد من الرسل والأنبياء والصالحين والملائكة، ويوم قيام الحساب، وقيام العدل الحقيقي، يوم إدانة الخلائق ومحاسبتهم ومجازاتهم بأعمالهم إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ، كما قال تعالى: ï´؟ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ï´¾ [غافر: 17]، وقال تعالى: ï´؟ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ï´¾ [الجاثية: 28]. قال عمر رضي الله عنه: "حاسِبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزَنوا، وتأهَّبوا للعِرْضِ الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ï´؟ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ï´¾ [الحاقة: 18]"[7]. ويطلَق الدِّين على المِلَّةِ والشريعة؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ï´¾ [البقرة: 132]، وقال تعالى: ï´؟ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ï´¾ [البقرة: 256]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ï´¾ [آل عمران: 19]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ï´¾ [آل عمران: 85]، وقال تعالى: ï´؟ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ï´¾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ï´؟ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ï´¾ [التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]، وقال تعالى: ï´؟ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ï´¾ [التوبة: 36، يوسف:40، الروم:30]، وقال تعالى: ï´؟ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ï´¾ [التوبة: 33، الفتح: 28، الصف: 9]. ويطلَق على الحُكْم والقضاء الشرعي؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ ï´¾ [النور: 2]؛ أي: في حُكمه وقضائه الشرعي. وقال تعالى: ï´؟ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ ï´¾ [يوسف: 76]؛ أي: في قضاء الملِك. ويطلَق على العادة والشأن والحال والخلق[8]. قال امرؤ القيس[9]: كدِينِك من أمِّ الحُوَيرثِ قبلَها *** وجارتِها أمِّ الرَّبابِ بمَأْسَلِ وقال المُثَقِّبُ العَبْدِيُّ[10]: تقول إذا دَرأتُ لها وَضِيني *** أهذا دِينُه أبدًا ودِيني ويطلَق على الطاعة[11]؛ قال زهير[12]: لئنْ حَلَلتُ بجوٍّ في بني أسد *** في دِينِ عمرٍو وحالتْ بيننا فَدَكُ أي: في طاعة عمرو. وفي السِّيَرِ أنه صلى الله عليه وسلم قال لقريش: ((كلمة واحدة تعطونيها تَملِكون بها العرب، وتَدِينُ لكم بها العَجَمُ))[13] ؛ أي: تطيعكم وتخضع لكم. ويطلَق على القهر، ومنه: المدين للعبد، والمدينة للأَمَة[14]، ومنه قول عمرو بن كلثوم[15]: وأيام لنا غرٌّ طِوال *** عصَيْنا المَلْكَ فيها أن نَدِينَا أي: أن نُقهَر. وقال ذو الإصبع العدواني[16]: لاهِ ابنُ عمِّك لا أفضَلتَ في حَسَبٍ *** عني ولا أنت ديَّاني فتَخزُوني والدَّين - بالفتح -: ما تَعلَّقَ بذِمَّةِ العبد من حقوق الله؛ كصيام نذر، أو من حقوق العباد؛ كثمن مبيع، أو ردِّ قرض، ونحو ذلك. قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ï´¾ [البقرة: 282]، وقال تعالى: ï´؟ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ï´¾ [النساء: 11]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: ((لو كان على أُمِّكَ دَيْنٌ، أكنتَ قاضيَه عنها؟))، قال: نعم، قال: ((فدَيْنُ اللهِ أحَقُّ أن يُقضى))[17]. وقال الشاعر: تُعَيِّرُني بالدَّينِ قومي وإنما *** تَدَيَّنْتُ في أشياءَ تُكْسِبُهم حَمْدَا[18] ومعنى ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾: أنه عز وجل مالكُ ذلك اليوم ومليكُه، لا مَلِك في ذلك اليوم ولا مالك سواه تبارك وتعالى؛ فهو تعالى المالك لجميع الأعيان، المتصرِّف فيها، لا ينازعه أحد في مملوكاته. وهو المَلِك الذي أمرُه ونهيه نافذ في جميع مملكته جل وعلا، كما قال تعالى: ï´؟ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ï´¾ [الأنعام: 73]، وقال تعالى: ï´؟ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ï´¾ [الحج: 56]، وقال تعالى: ï´؟ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ï´¾ [الفرقان: 26]، وقال تعالى: ï´؟ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ï´¾ [غافر: 16]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ï´¾ [يس: 82]، وقال تعالى: ï´؟ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ï´¾ [طه: 108]، وقال تعالى: ï´؟ يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ï´¾ [هود: 105]، وقال تعالى: ï´؟ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا ï´¾ [النبأ: 38]. وإنما أضاف "الملك" ليوم الدِّين، وخصَّه به، دون ملكِ أيام الدنيا، مع أنه تعالى مالكُ الدنيا والآخرة ومليكهما، كما قال تعالى: ï´؟ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى ï´¾ [الليل: 13]، وقال تعالى: ï´؟ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ï´¾ [طه: 114، المؤمنون: 116]، وقال تعالى: ï´؟ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ï´¾ [الإسراء: 111، الفرقان: 2]؛ لعظَمةِ ذلك اليوم، وتفرُّدِه تعالى بنفوذ الأمر فيه؛ حيث يظهر للخلائق تمامَ الظهور تفرُّدُه بالملك حقيقة، وتمام ملكه وعدله تعالى وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق الدنيوية، تلك الأملاك التي خوَّلها الله تعالى من شاء، كما قال تعالى: ï´؟ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ ï´¾ [آل عمران: 26]، وقال تعالى: ï´؟ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ï´¾ [البقرة: 247]. وكما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ï´¾ [البقرة: 247]، وقال تعالى: ï´؟ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ï´¾ [المائدة: 20]. وهذه الأملاك الدنيوية، ملوكُها وما ملَكوا ملْكٌ له جل وعلا. ولهذا حرُم أن يتسمَّى بملك الأملاك؛ لأن الله عز وجل هو مالك الأملاك كلِّها؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أخنعُ الأسماء عند الله رجلٌ تَسمَّى بملك الأملاك))[19]. وكثير من هؤلاء الملوك خارجون عن طاعته جل وعلا، مبارزون له في المعصية، كما قال تعالى: ï´؟ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ï´¾ [الكهف: 79]؛ أي: ملِكٌ عاصٍ لله ظالم للعباد. بل كثير منهم يحكمون ممالكهم بغير حكم الله، ويَظلِمون عباد الله، ويتخوَّضون في مال الله بغير ما يرضي الله. وقد حكَمَ الله تبارك وتعالى وقضى بزوال هذه الأملاك، ورجوعِ الملكِ له وحده في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ï´¾ [مريم: 40]، وقال تعالى: ï´؟ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ ï´¾ [الحجر: 23]. وذلك هو الملك الحقيقي، كما قال تعالى: ï´؟ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ ï´¾ [الأنعام: 73]، وقال تعالى: ï´؟ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ï´¾ [الحج: 56]، وقال تعالى: ï´؟ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ï´¾ [الفرقان: 26]، وقال تعالى: ï´؟ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ï´¾ [غافر: 16]، وقال تعالى: ï´؟ يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ï´¾ [الانفطار: 19]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يَقبِضُ الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا المَلِكُ، أين ملوك الأرض؟))[20]. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يطوي الله عز وجل السمواتِ يومَ القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملِكُ، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملِك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟))[21]. بل إن ذلك اليوم هو اليوم الحقيقي، قال تعالى: ï´؟ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا ï´¾ [النبأ: 39]. فمجيئه حقٌّ، وفيه يظهر الحق تمام الظهور، وهو اليوم الذي يستحق أن يُعمَل له، وأن يُحسَبَ له كلُّ حساب، لا أيام الدنيا، بل ولا الدنيا كلها. ولهذا نجد القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن بين الإيمان بالله تعالى والإيمان بهذا اليوم "اليوم الآخر"؛ لأنه أكبر حافز على الاستعداد بالأعمال الصالحة[22]. وقد رُويَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيتَ من الناس غير ما ترى"؛ أي: إن ذلك اليوم أعظمُ مانعٍ للناس من التهالك في الشر والمعاصي. وتلك الدار هي الدار الحقة، وتلك الحياة هي الحياة الحقيقية؛ قال الله تعالى: ï´؟ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ï´¾ [العنكبوت: 64]. لهذا كله أضاف الله تبارك وتعالى المُلكَ إلى يوم الدين، إضافة إلى أن في قوله قبل هذا: ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2] ما يدل على أنه مالك الدنيا. قال ابن كثير[23]: "وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه؛ لأنه قد تَقدَّمَ الإخبار بأنه ربُّ العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة...". [1] مادة: "ملك". [2] انظر: "البحر المحيط" (1/ 21). [3] انظر: "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي (1/ 35)، "الكشاف" (1/ 9). [4] انظر: "جامع البيان" (1/ 155). وقد نسب البيت ليزيد الكلابي في "الكامل" (1/ 191)، "جمهرة الأمثال" للعسكري (169)، "المخصص" (17/ 155)، ونسب في "اللسان" مادة: "دان" لخويلد بن نوفل الكلابي يخاطب الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان اغتصبه ابنته. ونسب في "مجاز القرآن" (1/ 23) إلى ابن نفيل يزيد بن الصعق، واسم الصعق: عمرو بن خويلد بن نفيل. [5] نسبه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 143 -144) للبيد، وليس في ديوانه. [6] انظر: "مجاز القرآن" (1/ 23)، "لسان العرب": مادة "دين"، "فتح الباري" (8/ 458). [7] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 51). [8] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 72)، "البحر المحيط" (1/ 21). [9] "ديوانه" ص(9). [10] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 73)، وانظر: "اللسان" مادة: "وضن". والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يُشَدُّ به الرحل على البعير. [11] انظر: "معالم التنزيل" (1/ 40)، "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 145). [12] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 73). [13] انظر: "سيرة ابن هشام" (2/ 59)، "اللسان" مادة: "دين". [14] انظر: "البحر المحيط" (1/ 21)، وانظر: "اللسان" مادة: "دين". [15] انظر: "شرح القصائد السبع الطوال" لأبي بكر بن الأنباري ص(388). [16] انظر: "البحر المحيط" (1/ 21) وهو في "اللسان" مادة "دين" بلفظ: لاه ابنُ عمِّك لا أفضلت في حسب = فينــا، ولا أنــت ديانــي فتخزونـــي قال ابن منظور: "أي: لست بقاهر لي فتسوسَ أمري". [17] أخرجه البخاري في الصوم - باب من مات وعليه صوم (1953)، ومسلم في الصيام - باب قضاء الصيام عن الميت (1148). [18] انظر: "لسان العرب" مادة: "دين". [19] أخرجه البخاري في الأدب - باب أبغض الأسماء إلى الله (6205، 6206)، ومسلم في الآداب - تحريم التسمي بملك الأملاك (2143). [20] أخرجه البخاري في التفسير - باب {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر: 67] (4812)، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم - كتاب صفة الجنة (2787). [21] أخرجه مسلم في الموضع السابق (2788)، وابن ماجه - في المقدمة (198)، وأخرجه البخاري مختصرًا - في التوحيد (7413). [22] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (1/ 44). [23] في "تفسيره" (1/ 51). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) [الفاتحة: 5] هذه الآية هي الآية الرابعة من الفاتحة، نِصْفُها للرب جل وعلا، ونصفُها للعبد، كما قال الله عز وجل في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((فإذا قال العبد: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾، قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفينِ، ولعبدي ما سأل...))، فقوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ للرب - تبارك وتعالى - مع ثلاث آيات قبلها، وقوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ للعبد، مع ثلاث آيات بعدها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[1] في قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾: "فهذا تفصيل لقوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يُعبَد أحد سواه، فقوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي، ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ إشارة إلى ما اقتضته الربوبية من التوكُّل والتفويض والتسليم". قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾: ï´؟ إِيَّاكَ ï´¾ في الموضعين ضمير بارز منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدَّم للفعل بعده، أو "إيا" ضمير مبني في محل نصب مفعول به، والكاف حرف خطاب لا محل له من الإعراب. وهذا مذهب الأخفش، واختاره الزمخشري[2]، وقال: "وعليه المحققون". وقُدِّم المفعول "إياك" على الفعل في الموضعين؛ للاهتمام، ولئلا يتقدم ذِكرُ العبد والعبادة على المعبود[3]؛ كقوله تعالى: ï´؟ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا ï´¾ [الأنعام: 164]، وقوله: ï´؟ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ï´¾ [الزمر: 64]. ولئلا يتقدم ذِكر الاستعانة والمستعين على المستعان به جل وعلا؛ كقوله تعالى: ï´؟ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ï´¾ [التوبة: 51]. وقُدِّم أيضًا لإفادة الحصر والاختصاص؛ لأن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصرَ والاختصاص؛ لأن في قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ تحقيقًا لمعنى "لا إله إلا الله"، ففي تقديم المعمول "إياك" في الموضعين نفيٌ للعبادة عن غير الله، ونفي للاستعانة بغيره. وفي قوله: "نعبد" و"نستعين" إثبات العبادة والاستعانة له سبحانه. قال ابن القيم في "مدارج السالكين"[4]: "فهو في قوة لا نعبد إلا إياك، ولا نستعين إلا بك.. مع أن في ضمير "إياك" من الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي "إياك قصدت وأحببت" من الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي، ما ليس في قولك: "قصدتك وأحببتك..". وكرر الضمير "إياك" مرة أخرى للاهتمام، ولأن ذلك أفصح[5]. قال ابن القيم[6]: "وفي إعادة "إياك" مرة أخرى دلالة على تعلُّق هذه الأمور بكل من الفعلين، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه، فإذا قلت لملك مثلًا: "إياك أحب، وإياك أخاف" كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره، ما ليس في قوله: "إياك أحب وأخاف". وفي قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ بعد الآيات الثلاث الأولى التفاتٌ من الغَيبة إلى الخِطاب؛ كقوله تعالى: ï´؟ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ï´¾ [الإنسان: 21، 22][7]. وعكسه قوله تعالى: ï´؟ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ ï´¾ [يونس: 22]. والغرض العام من الالتفات في جميع المواضع التي ورد فيها هو تنبيه القارئ والمستمع؛ لأن انتقال الكلام من الغَيبة إلى الخطاب أو التكلُّم أو العكس ونحو ذلك، مما ينبه القارئ والمستمع، وأدعى للإصغاء، وأبعث على النشاط[8]، بخلاف ما إذا جاء الكلام على وتيرة واحدة، فإن القارئ أو المستمع قد يغفل أو يمل. وهناك غرض خاص في كل التفات بكل موضع بحسبه، وقد يكون هذا الغرض ظاهرًا كما في قوله تعالى: ï´؟ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ï´¾ [عبس: 1، 2]، ثم قال: ï´؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ï´¾ [عبس: 3]، فقوله: ï´؟ وَمَا يُدْرِيكَ ï´¾ التفات للخطاب بعد الغيبة في قوله: ï´؟ عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى ï´¾. والغرض من مجيء الكلام أولًا بضمير الغيبة كراهيةُ مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك، فلم يقل: "عبست وتوليت أن جاءك الأعمى"، بينما خاطبه مواجهة بقوله: ï´؟ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ï´¾؛ إذ لا غضاضة ولا محذور في مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الخطاب؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ قال تعالى: ï´؟ قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ï´¾ [النمل: 65]. واختلف في الغرض الخاص من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ بعد الآيات الثلاث قبلها. فقد قيل: إنه لما أثنى على الله، فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى؛ فلهذا قال: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾[9]. وقيل: لما ذكر الحقيقَ بالحمد والثناء وصفاته العِظام، تعلَّق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالثناء والعبادة والاستعانة، فخوطب ذلك المعلومُ المتميِّز بتلك الصفات، فقيل: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾؛ أي: ï´؟ إِيَّاكَ ï´¾ يا من هذه صفاتُه نخص بالعبادة والاستعانة[10]، والله أعلم. ï´؟ نَعْبُدُ ï´¾: العبادة في الأصل: التذلُّل والخضوع، ومنه سمي العبد عبدًا؛ لِذِلَّتِه وخضوعه، وسكينته وخشوعه، وانقياده لمولاه. ومنه قولهم: بعير معبَّد؛ أي: مذلَّل بالركوب في الحوائج. قال طَرَفة بن العبد[11]: إلى أن تحامَتْني العَشيرةُ كلُّها *** وأُفرِدتُ إفرادَ البعير المعبَّدِ أي: المذلَّل. ومنه قولهم: طريق معبَّد؛ أي: مذلَّل بكثرة وطئه بالأقدام. قال طرفة بن العبد[12]: تُباري عِتاقًا ناجياتٍ وأتبعت *** وظيفًا وظيفًا فوق مَوْر مُعَبـَّـدِ فمعنى ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ أي نخصك دون غيرك بأقصى غاية التذلل والخضوع لك محبةً وتعظيمًا وخوفًا. والعبادة تُطلَق ويراد بها فعل العبادة؛ أي: التعبد، وهو التذلل والخضوع لله محبة وتعظيمًا، وتطلَق ويراد بها نفس العبادات، وهي بهذا الإطلاق: اسم جامعٌ لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة[13]. قال ابن القيم[14]: "وبني ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح، فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ حقًّا هم أصحابها. فقول القلب هو اعتقاد ما أخبَر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله، وملائكته، ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان الإخبار عنه بذلك، والدعوة إليه، والذب عنه، وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب؛ كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضا به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطُّمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضُها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحَبُّها أحَبُّ إلى الله من مستحَبِّها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة، أو قليل المنفعة. وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد، ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز، والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك، فـï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها". وعلى هذا فكل ما أمر الله به، بل كل ما تعبد له به سبحانه وتعالى، فهو عبادة، سواء كان ذلك مما يجب فعله؛ كالصلاة والزكاة والحج والصيام ونحو ذلك، أو مما يجب تركه من المحرَّمات؛ كالربا والزنا والسرقة ونحو ذلك، أو مما يُستحَبُّ فعله؛ كالصدقة والإحسان وإماطة الأذى عن الطريق، أو مما يستحب تركه؛ كتدخل الإنسان فيما لا يعنيه. كما يدخل في ذلك الأمورُ المباحة؛ كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك، فهذه المباحات مما يفعله الإنسان جِبِلَّةً، وهي مصلحة صرفة للنفس، إلا أن فعلها تقربًا إلى الله تعالى، وامتثالًا لأمره، وصيانة للنفس، وبهدف التقوِّي على طاعة الله تعالى، وإظهارًا لنعمته تعالى على العبد، كل ذلك عبادة لله تعالى. عن عوف بن مالك بن نضلة الجشمي رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دُونٍ، فقال: ((ألك مالٌ؟))، قال: نعم، قال: ((من أيِّ المال؟))، قال: آتاني اللهُ من الإبل والغنم والخيل والرقيق، قال: ((فإذا آتاك الله مالًا، فلْيُرَ أثرُ نعمة الله عليك وكرامتِه))[15]. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يُحِبُّ أن يرى أثر نعمته على عبده))[16]. وبهذه النية والقصد الحسن تكون جميعُ أعمال العبد المباحة من عادات ونحوها عباداتٍ، بينما قد تصبح عبادات كثيرين أشبهَ شيء بالعادات؛ بسبب الغفلة، وعدم استحضار النية والقصد الحسن؛ ولهذا قال بعض أهل العلم: "المُوَّفقون عاداتُهم عبادات، والمخذولون عباداتُهم عادات". ولا بد لصحة العبادة من توفر شرطين: الأول: الإخلاص لله تعالى؛ كما دل على ذلك قوله تعالى: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾: أي نخصك بالعبادة ونُخلِصها لك، ونتبرأ من الشرك وأهله ووسائله. وقوله تعالى: ï´؟ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ï´¾ [الزمر: 2]، وقوله تعالى: ï´؟ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ ï´¾ [البينة: 5]، وقوله تعالى: ï´؟ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ï´¾ [الزمر: 3]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرَكَ معي فيه غيري، ترَكتُه وشركه))[17]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات))[18]. والشرط الثاني: متابعة شرع الله؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((من أحدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو ردٌّ))[19]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((من عمل عملًا ليس عليه أمرنا، فهو رد))[20]. وذلك بأن تكون العبادة وفق ما شرع الله من حيث الجنس، والقدر، والصفة، والزمان، والمكان، والسبب؛ فمثلًا زكاة الفطر عبادة ولا بد أن يكون المُخرَجُ فيها من جنس ما أمَر الشرع بإخراجه، وهو الطعام، لا من الخضار، ولا بد من أن يكون المُخرَج عن الشخص الواحد بمقدار صاع على الصحيح. وأما موافقة الشرع في الصفة، فبأن تكون العبادة على الصفة التي شرع الله؛ كالصلاة مثلًا ركوعها قبل سجودها، ولو عكس لَما صحَّت صلاته. وأما الزمان، فبكون العبادة في وقتها كالصلاة مثلًا. وأما المكان، فتكون العبادة في مكانها كذبح الهَدْي. وأما السبب، فبأن يكون سبب العبادة قد وُجِد؛ كصلاة الكسوف لا تُصلى إلا عندما يحصل الكسوف أو الخسوف. ويَنتظم الشرطينِ معًا في الدلالة قولُه تعالى: ï´؟ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ï´¾ [البقرة: 112]، وقوله تعالى: ï´؟ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ ï´¾ [النساء: 125]، وقوله تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى ï´¾ [لقمان: 22]. فالمراد بإسلام الوجه لله الإخلاص له في العبادة، والمراد بقوله: ï´؟ وَهُوَ مُحْسِنٌ ï´¾ أي: متَّبِع لما جاء عن الله، لا مبتدع. وقال تعالى: ï´؟ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ï´¾ [الكهف: 110]، وقال تعالى: ï´؟ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ï´¾ [هود: 7، الملك: 2]. قال الفضيل بن عياض: "أي: أخلصه وأصوبه"[21]. وقد جعل الله تعالى العبودية وصفًا لأكمل خلقه وأحبهم إليه، وهم رسله وأنبياؤه عليهم السلام، كما جعلها وصفًا لمن اصطفاه من المؤمنين. فوصف بها نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم أفضل خلقه وخاتم رسله، في أشرف مقاماته، وهو مقام إنزال الكتاب عليه، فقال تعالى: ï´؟ وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ ï´¾ [البقرة: 23]، وقال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ï´¾ [الكهف: 1]، وقال تعالى: ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ ï´¾ [الفرقان: 1]. ووصفه بها في مقام دعائه صلى الله عليه وسلم ربَّه، وعبادته له، ودعوته إليه، فقال تعالى: ï´؟ وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ï´¾ [الجن: 19]. وأرشَدَه إلى القيام بالعبادة في أوقات الشدة والضيق، وأمره بالاستمرار عليها حتى الموت فقال: ï´؟ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ï´¾ [الحجر: 97 - 99]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تُطروني كما أَطْرَتِ النصارى ابنَ مريم؛ فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسولُه))[22]. وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "قرأت في التوراة صفة محمد صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سمَّيتُه المتوكل، ليس بفظٍّ ولا غليظ، ولا صخَّاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر"[23]. كما وصف الله بها سائر أنبيائه ورسله، فقال تعالى: ï´؟ وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ï´¾ [ص: 45]، وقال تعالى: ï´؟ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ï´¾ [ص: 17]، وقال عن سليمان: ï´؟ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ï´¾ [ص: 30]، وقال تعالى: ï´؟ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ ï´¾ [ص: 41]، وقال تعالى عن المسيح: ï´؟ إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ ï´¾ [الزخرف: 59]، وقال عنه وعن الملائكة: ï´؟ لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ï´¾ [النساء: 172]، وقال أيضًا عن الملائكة: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ï´¾ [الأعراف: 206]، وقال عنهم: ï´؟ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ï´¾ [الأنبياء: 19، 20]، وقال عنهم: ï´؟ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ï´¾ [الأنبياء: 26]. كما وصف الله بها الصالحين من المؤمنين، فقال تعالى: ï´؟ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ï´¾ [الفرقان: 63]، وقال تعالى: ï´؟ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ ï´¾ [الإنسان: 6]. وجعل لهم البشارة المطلقة، فقال تعالى: ï´؟ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ï´¾ [الزمر: 17، 18]. كما جعل لهم الأمن المطلق، فقال تعالى: ï´؟ يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ï´¾ [الزخرف: 68، 69]. وعزل عنهم سلطان الشيطان، فقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ï´¾ [الحجر: 42]. وجعل صلى الله عليه وسلم إحسان العبودية أعلى مراتب الدين، فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان، فقال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))[24]. [1] انظر: "مجموع الفتاوى" (1/ 89). [2] في "الكشاف" (1/ 9)، وانظر: "البحر المحيط" (1/ 23)، "أنوار التنزيل" (1/ 9)، "الجدول في إعراب القرآن" (1/ 19). [3] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 145)، "مدارج السالكين" (1/ 102). [4] (1/ 102). [5] انظر: "جامع البيان" (1/ 164). [6] في "مدارج السالكين" (1/ 103). [7] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 145)، "البحر المحيط" (1/ 24). [8] انظر: "الكشاف" (1/ 10). [9] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 52). [10] انظر: "الكشاف" (1/ 10). [11] انظر: "شرح القصائد السبع الطوال" لأبي بكر بن الأنباري ص(191). [12] ديوانه ص(11). ومعنى تباري: تجاري وتسابق، والعِتاق: جمع عتيق، وهو كريم الأصل، وناجيات: مسرعات. والوظيف: من رسغ البعير إلى ركبتيه في يديه، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبيه. والمراد بالوظيف هنا: الخف. والمور: الطريق. [13] انظر: "مجموع الفتاوى" (10/ 149). [14] في "مدارج السالكين" (1/ 126). [15] أخرجه أبو داود في اللباس - باب في غسل الثوب وفي الخلقان (4063) وصححه الألباني. [16] أخرجه الترمذي في الأدب - ما جاء أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (2819)، وقال: "حديث حسن". [17] أخرجه مسلم في الزهد والرقائق - باب من أشرك في عمله غير الله (2985). [18] أخرجه من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه - البخاري في بدء الوحي (1)، ومسلم في الإمارة (1907). [19] أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها - البخاري في الصلح - باب إذا اصطلحوا على صلح جَوْر فالصلح مردود (2697)، ومسلم في الأقضية - باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور (1718). [20] أخرجه البخاري معلقًا في البيوع - باب النجش قبل الحديث (2142)، وأخرجه مسلم عن عائشة موصولًا في الأقضية (1718). [21] انظر: "مجموع الفتاوى" (10/ 173). وقد ذكر ابن القيم أن الناس ينقسمون بالنسبة لهذين الأصلين، وهما الإخلاص والمتابعة، إلى أربعة أقسام: أحدها: أهل الإخلاص والمتابعة، وهم أهل ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ [الفاتحة: 5] حقيقة، والضرب الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة، والضرب الثالث: من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر، والضرب الرابع: من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله. انظر: "مدارج السالكين" (1/ 107 -109). [22] أخرجه البخاري في الأنبياء - باب ï´؟ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا ï´¾ [مريم: 16] (3445)، وأحمد (1/ 23، 24، 47) - من حديث عمر رضي الله عنه. [23] أخرجه البخاري في التفسير - تفسير سورة الفتح (4838). [24] أخرجه من حديث عمر بن الخطاب - البخاري في الإيمان - باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم (50)، ومسلم في الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان (1)، وأخرجه مسلم - أيضًا - من حديث أبي هريرة - الحديث (9). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:(وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وقوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ معطوف على ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾، وهو وما بعده من الآيات للعبد، كما سبق بيانه. ومعنى ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾: أي نخُصُّك بطلب العون منك في جميع أمورنا الدينية والدنيوية، في جميع الأوقات والأحوال، ونعتمد عليك في جلب المنافع ودفع المضار، مع تمام الثقة بك يا ربنا في تحصيل ذلك[1]، ونعلن لك عجزنا وضعفنا وبراءتنا من حَوْلِنا وقوتنا وحولِ كل مخلوق وقوته، فلا حول ولا قوة إلا بالله؛ ولهذا شُرِع للمسلم أن يقول عند قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح: "لا حول ولا قوة إلا بالله"[2]. وفي الدعاء: ((اللهم لا تَكِلْني إلى نفسي طرَفةَ عين))[3]. قال ابن القيم[4]: "فإن قلت: فما معنى التوكل والاستعانة؟ قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرُّده بالخلق والتدبير، والضر والنفع، والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان وإن لم يشأ الناسُ، وما لم يشأ لم يكن وإن شاءه الناسُ، فيوجب له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وطُمأنينة به، وثقة به، ويقينًا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه مليّ به، ولا يكون إلا بمشيئته، شاءه الناس أم أبَوْه. فتُشبه حالته حالةَ الطفل مع أبويه فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مَليَّان بهما، فانظر في تجرُّد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبسه همَّه على إنزال ما ينوبه بهما، فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله، فالله كافيه ولا بد، قال الله تعالى: ï´؟ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ï´¾ [الطلاق: 3]؛ أي: كافيه، والحسْبُ: الكافي، فإن كان مع هذا من أهل التقوى، كانت له العاقبة الحميدة". وذُكِرت الاستعانة بعد العبادة مع أن الاستعانة من العبادة، من باب ذكر الخاص بعد العام، وتقديم حقِّه تعالى على حق عباده وحاجتهم، ومن باب تقديم الغاية المقصودة على الوسيلة، وتقديم الأهم على المهم. والعبادة والاستعانة متلازمتان: فلا تتحقَّق أحدهما دون الأخرى فالعبادة لا تتحقق بدون الاستعانة بالله، وعونه للعبد، ولا يحصل العون من الله بدون عبادته، وطلب العون منه[5]. وبهما معًا يتحقق الإيمان، فبالعبادة الخالصة لله براءةٌ من الشرك، وبالاستعانة بالله دون سواه براءةٌ من الحَوْل والقوة، وتمام التفويض إلى الله عز وجل، وهما كمال الطاعة، وبهما تحصل السعادة الأبدية، والنجاة من جميع الشرور. قال ابن القيم[6]: "وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل؛ إذ العبادة غاية العباد التي خُلِقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ولأن ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ متعلِّق بألوهيته واسمه "الله"، وï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ متعلق بربوبيته واسمه "الرب"؛ فقدم ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ على ï´؟ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾، كما تقدم اسم "الله" على "الرب" في أول السورة[7]، ولأن ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول الذي هو الثناء على الله تعالى لكونه أولى به، وï´؟ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ قسم العبد، فكان من الشطر الذي له وهو ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 6] إلى آخر السورة؛ لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله تعالى عبوديةً تامة مستعينٌ به، ولا ينعكس؛ لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته، فكانت العبادة أكمل وأتم؛ ولهذا كانت قسم الرب، ولأن الاستعانة جزء من العبادة، من غير عكس، ولأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن العبادة حقُّه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته التي تَصدَّق بها عليك، وأداء حقه أهمُّ من التعرض لصدقته، ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يُشكَر، والإعانة فعلُه بك، وتوفيقه لك. فإذا التزمت بعبوديته، ودخلتَ تحت رِقِّها، أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رِقِّها سببًا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية، كانت الإعانة من الله له أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين: إعانة قبلها على التزامها، والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا حتى يقضي العبد نَحْبَه. ولأن ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ له، ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ به، وما له مقدَّمٌ على ما به؛ لأن ما له متعلقٌ بمحبته ورضاه، وما به متعلقٌ بمشيئته، وما تَعلَّقَ بمحبته أكمل مما تعلَّق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلِّق بمشيئته، والملائكة والشياطين، والمؤمنون والكفار، والطاعات والمعاصي، والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم؛ فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته؛ ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته، فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ï´¾ على ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾". وقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الاستعانة به والتوكل عليه، وأكد ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم. قال الله تعالى: ï´؟ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ï´¾ [هود: 123]، وقال تعالى: ï´؟ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ï´¾ [التوبة: 129]، وقال تعالى: ï´؟ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ï´¾ [الرعد: 30]، وقال تعالى: ï´؟ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ï´¾ [الفرقان: 58]. وقال شعيب عليه السلام: ï´؟ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ï´¾ [هود: 88]. وقال المؤمنون فيما ذكره الله عنهم: ï´؟ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ï´¾ [الممتحنة: 4]. وقال تعالى: ï´؟ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ï´¾ [المزمل: 9]، وقال تعالى: ï´؟ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ï´¾ [الرعد: 30]. [1] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 100)، "تيسير الكريم الرحمن" (1/ 1). [2] أخرجه البخاري في الأذان (613) من حديث معاوية، ومسلم (385) في الصلاة من حديث عمر بن الخطاب. [3] أخرجه أحمد (5/ 42) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. [4] في "مدارج السالكين" (1/ 106 -107). [5] ولهذا قال الطبري في "جامع البيان" (1/ 163): "إنه يستوي تقديم أحدهما على الآخر". [6] في "مدارج السالكين" (1/ 100 -102)، وانظر: "التفسير القيم" ص(66 -68)، "معالم التنزيل" (1/ 41)، "البحر المحيط" (1/ 25)، "تفسير ابن كثير" (1/ 53). [7] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 13)، "دقائق التفسير" (1/ 177). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) [الفاتحة: 6] قوله: ï´؟ اهْدِنَا ï´¾: فعل أمر معناه الدعاء؛ لأن الأمر إذا صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمرٌ، وأما إذا جاء من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء، وإن كان من المتساويينِ فهو التماسٌ. والفاعل: ضمير مستتر وجوبًا تقديره: "أنت"، و"نا" ضميرٌ متصل في محل نصب مفعول أول للفعل "اهدِ"، والمفعول الثاني: ï´؟ الصِّرَاطَ ï´¾، والأصل في الفعل "هدى" أنه يتعدى إلى مفعولين الأول بنفسه، ويتعدى إلى المفعول الثاني تارةً بنفسه كما في قوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾، ومنه قوله تعالى: ï´؟ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ï´¾ [الفتح: 2]، وقوله تعالى: ï´؟ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ï´¾ [البلد: 10]. وتارة يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، إما باللام؛ كقوله تعالى: ï´؟ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ï´¾ [الإسراء: 9]، وكقوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ï´¾ [الأعراف: 43]. وإما بـ (إلى)؛ كقوله تعالى: ï´؟ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [البقرة: 213، النور: 46]، وقوله: ï´؟ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [الحج: 54]، وقوله: ï´؟ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [الأنعام: 87]، وقوله تعالى: ï´؟ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [الأنعام: 161]، وقوله تعالى: ï´؟ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [النحل: 121]، وقوله تعالى: ï´؟ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [الشورى: 52]. قال الطبري[1]: "والعرب تقول: هدَيتُ فلانًا الطريقَ، وهدَيتُه للطريق، وهدَيتُه إلى الطريق". والهداية تنقسم إلى قسمين: هداية البيان والدَّلالة والإرشاد، كما قال تعالى: ï´؟ أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ ï´¾ [طه: 128]؛ أي: أفلم يتبيِّن لهم، وقال تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ï´¾ [الأنعام: 97]؛ أي: لتستدلوا بها وتسترشدوا. وهذه الهداية عامة؛ فالله تعالى هادٍ، بمعنى مبيِّن ومرشِد للعباد، كما قال تعالى: ï´؟ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ï´¾ [فصلت: 17]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ï´¾ [الإنسان: 3]، وقال تعالى: ï´؟ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ï´¾ [البلد: 10]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ï´¾ [الليل: 12]. والرسل هُداةٌ إلى الله تعالى، كما قال تعالى عن أفضلهم نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم: ï´؟ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [الشورى: 52]، وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال لأبيه: ï´؟ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا ï´¾ [مريم: 43]، وقال موسى عليه السلام مخاطبًا فرعون: ï´؟ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ï´¾ [النازعات: 19]. والدعاة إلى الله من المؤمنين هداةٌ، كما قال تعالى: ï´؟ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ ï´¾ [غافر: 38]. والقسم الثاني: هداية التوفيق والإلهام، وهذه خاصة بالله تبارك وتعالى، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ï´¾ [القصص: 56]، وقال تعالى: ï´؟ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ï´¾ [البقرة: 272]، فنفى عن رسوله صلى الله عليه وسلم هذه الهدايةَ التي بمعنى التوفيق، وأثبَتَها تعالى لنفسه، وقال تعالى: ï´؟ أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ï´¾ [الرعد: 31]، وقال تعالى: ï´؟ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ï´¾ [النحل: 9]، وقال تعالى: ï´؟ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ï´¾ [طه: 50]؛ أي: هدى كل شيء لما خُلق له وألهمه، كقوله: ï´؟ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ï´¾ [الأعلى: 3]؛ أي: هدى كلَّ مخلوق لما قدّر له. قال الشاعر: ولا تُعجِلَنِّي هَداكَ المَلِيكُ *** فإنَّ لكلِّ مَقامٍ مَقالَا[2] أي: وفَّقَك المليك، تبارك وتعالى. وهذه الهداية الحقَّة التي مَن وُفِّق لها ظَفِر بخيرَيِ الدنيا والآخرة، قال تعالى: ï´؟ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي ï´¾ [الأعراف: 178]، ويجمع الهدايتين قولُه تعالى: ï´؟ وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى ï´¾ [الضحى: 7]؛ أي: وجدك ضالًّا لا تدري ما الكتاب ولا الإيمان، فعلَّمَك ما لم تكن تعلم، ووفَّقك لأحسن الأعمال والأخلاق[3]. وكذا قوله تعالى هنا: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ يشمل الهدايتين، وينتظم القِسمين؛ لأن فعل الهداية إذا عُدِّي بحرف تَعيَّن معناه وتَخصَّص بحسب معنى الحرف؛ فإذا عُدِّيَ بـ(إلى) تَضمَّنَ الإيصال إلى الغاية المطلوبة، وإذا عُدِّي باللام تَضمَّن الاختصاص والتعيين، فإذا عُدِّي بنفسه كما في قوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾، تَضمَّن ما يجمع ذلك كلَّه؛ أي: بَيِّنْ لنا ودُلَّنا وأَرْشِدْنا إلى الصراط المستقيم، وأَلْهِمْنا ووفِّقْنا فيه وثبِّتْنا عليه[4]. وقد ذكر ابن القيم[5] أن للهداية عشرَ مراتب؛ الأولى: هداية العِلم والبيان للحق، والثانية: أن يُقْدِرَهُ الله عليه، والثالثة: أن يجعله مريدًا له، والرابعة: أن يجعله فاعلًا له، والخامسة: أن يثبِّتَه على ذلك، والسادسة: أن يَصرِف عنه الموانع والعوارض، والسابعة: أن يهديَه في الطريق نفسِها هدايةً خاصةً أخَصَّ من الأُولى، فإن الأولى هدايةٌ إلى الطريق إجمالًا، وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلًا، والثامنة: أن يُشهِدَه المقصود في الطريق فلا يُحجَب عنه بالوسيلة، والتاسعة: أن يُشهِدَه فقرَه وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة، والعاشرة: أن يُشهِدَه الطريقينِ المنحرفينِ عن طريقِها، وهما طريق أهل الغضب، وطريقُ أهل الضلال. ï´؟ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾: ï´؟ الصِّرَاطَ ï´¾ مفعولٌ ثانٍ لـï´؟ اهْدِنَا ï´¾ كما تَقدَّمَ، و"أل" في الصراط للعهد العلمي الذهني؛ أي: الصراط المعلوم المعهود؛ لأن اللام إذا دخلت على موصوف اقتضت أنه أحَقُّ بتلك الصفة من غيره. وإنما جاء الصراط معرَّفًا؛ لأن المَقام مَقامُ دعاء وطلب. ويأتي الصراط منكَّرًا إذا كان المقام مقامَ إخبار؛ كقوله تعالى: ï´؟ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ï´¾ [الفتح: 2]، وكقوله: ï´؟ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [الأنعام: 87]، وكقوله: ï´؟ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ï´¾ [الأنعام: 161][6]. قرأ ابن كثير: (السراط) بالسين في جميع القرآن، وقرأ حمزة بإشمام السين بين الزاي والصاد، وقرأ بقيةُ القراء (الصراط) بالصاد[7]. ومعنى الصراط: الطريق المسلوك، والسبيل الواضح؛ مأخوذ من الاستراط، وهو الابتلاع؛ لأنه يبتلع السائر فيه والماشي عليه؛ أي: يضمُّه بين جانبيه[8]. ï´؟ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾: صفة للصراط منصوبة مثله. والمستقيم: هو أقرب خطٍّ يصل بين نقطتين[9]. وهو المعتدل المستوي، الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء. قال جرير[10] يمدح هشام بن عبدالملك: أميرُ المؤمنين على صراطٍ *** إذا اعوَجَّ المَوارِدُ مستقيمِ وقال الآخر: .................................. *** فصُدَّ عن نهجِ الصـراطِ القاصِدِ[11] فالصراط المستقيم: هو الطريق المعتدل الواضح الذي لا اعوجاج فيه ولا التواء، وهو صراط الله، كما قال تعالى: ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ï´¾ [الأنعام: 153]، وقال تعالى: ï´؟ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ï´¾ [الشورى: 53]. وهو الصراط الذي عليه ربُّنا تبارك وتعالى، كما قال هود عليه السلام: ï´؟ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [هود: 56]. وهو الصراط المؤدي إلى الله تعالى، قال تعالى: ï´؟ قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ï´¾ [الحجر: 41]، وقال تعالى: ï´؟ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ï´¾ [النحل: 9]؛ أي: إن السبيل القاصد، وهو المستقيم المعتدل، يرجع إلى الله تعالى ويوصِّل إليه، كما قال طُفَيْلٌ الغَنَوِيُّ: مضَوْا سلفًا قصدُ السبيلِ عليهمُ *** وصَرْفُ المنايا بالرِّجالِ تَقَلَّبُ أي: ممرنا عليهم، ووصولنا إليهم. وقال الآخر: فهنَّ المَنايا أيَّ وادٍ سلَكْته *** عليها طريقي أو عليَّ طريقُها[12] قال ابن القيم[13]: "ولا تكون الطريق صراطًا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة، والإيصال إلى المقصود، والقُرب، وسَعَته للمارِّينَ عليه، وتعيُّنه طريقًا للمقصود، ولا يخفى تضمُّنُ الصراطِ المستقيم لهذه الأمور الخمسة: فوصفه بالاستقامة يتضمن قُربه؛ لأن الخط المستقيم هو أقرب فاصل بين نقطتين، وكلما تعوَّجَ طال وبعُد، واستقامته تتضمَّن إيصاله إلى المقصود، ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سَعَتَه، وإضافته إلى المنعَم عليهم ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقًا". والمراد بالصراط المستقيم: طريقُ الحقِّ والإيمان، والدين القيِّم، ومعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربِّه في الكتاب والسُّنة، والعمل به وفق ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم إخلاصًا لله، ومتابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم، كما قال الله تعالى: ï´؟ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ï´¾ [الكهف: 110]. وهو الطريق الموصِّل إلى ساحل النجاة، وإلى الغاية المنشودة والهدف المقصود، وهي السعادة في الدنيا والآخرة، والحصول على مرضاة الله وجنَّتِه، بأقلِّ وقت وأخصرِ طريق. قال ابن القيم[14] بعد أن ذكر قِسمَي الهداية، وهما هداية البيان والدلالة، وهداية التوفيق والإلهام - قال: "وللهداية مرتبة أخرى - وهي آخر مراتبها - وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة، وهو الصراط الموصِّل إليها، فمن هُدِيَ في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسَلَ به رسُلَه، وأنزَل به كتبه، هُدِيَ هناك إلى الصراط المستقيم الموصِّل إلى جنته ودار ثوابه، وعلى قدرِ ثبوت العبد على هذا الصراط الذي نصَبَه الله لعباده في هذه الدار، يكون ثبوتُ قدمِه على الصراط المنصوب على متنِ جهنم، وعلى قدرِ سيرِه على هذا الصراط، يكون سيرُه على ذلك الصراط". كما ذكر في كتابه "بدائع الفوائد"[15] أن الهداية أربعة أنواع: الهداية العامة المشتركة، كما قال تعالى: ï´؟ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ï´¾ [طه: 50]؛ أي: هداه لما خُلِق له من الأعمال، وهذه تشمل الحيوان والجماد. ثم ذكر هداية البيان والدلالة والتعريف لنَجْدَيِ الخيرِ والشر، وهداية التوفيق والإلهام، ثم قال: "والرابع غاية هذه الهداية، وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سِيقَ أهلُهما إليهما، قال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ï´¾ [يونس: 9]، وقال أهل الجنة: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا ï´¾ [الأعراف: 43]، وقال تعالى عن أهل النار: ï´؟ احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ ï´¾ [الصافات: 22، 23]"[16]. فالمعنى العام لقوله تعالى: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ أي: بيِّنْ لنا وأرشِدْنا ووفِّقْنا إلى سلوك الطريق المستقيم، بالعلم النافع، والعمل الصالح، بمعرفة الحق والعمل به، ووفِّقْنا فيه وثبِّتْنا عليه، وزِدْنا هدايةً وإيمانًا وعلمًا، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ï´¾ [الكهف: 13]، وقال تعالى: ï´؟ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ï´¾ [مريم: 76]، وقال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى ï´¾ [محمد: 17]، وقال تعالى: ï´؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ï´¾ [التوبة: 124]. فالعبد في كل لحظة، وفي كل حال، وعند كل مسألة - محتاجٌ أعظَمَ الحاجة إلى الهداية إلى الصراط المستقيم. وذلك بأن يهتديَ لمعرفة الحق والحكم في كل مسألة، ويُوفَّق للعمل بما طُلِب منه، سواء كان ذلك فعلًا أو تركًا. قال الطبري[17] في كلامه على قوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾: "ومعناه نظير معنى قوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5] في أنه مسألةُ العبدِ ربَّه التوفيقَ للثَّبات على العمل بطاعته، وإصابة الحق والصواب فيما أمَرَه به ونهاه عنه فيما يَستقبل من عمره". وقال شيخ الإسلام ابن تيمية[18]: "وأما سؤال من يقول: فقد هداهم الله فلا حاجة بهم إلى السؤال، وجواب من أجابه بأن المطلوب دوامُها - كلام من لا يعرف حقيقة الأسباب وما أمَرَ الله به؛ فإن ï´؟ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ أن يفعل العبد في كل وقت ما أُمِر به في ذلك الوقت من علمٍ وعمل، ولا يفعل ما نُهِي عنه، وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما أُمِر به في ذلك الوقت، وما نُهِي عنه، وإلى أن يحصل له إرادة جازمة لفعل المأمور، وكراهةٌ جازمة لترك المحظور، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يُتصوَّرُ أن تحصل للعبد في وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الصراطِ المستقيم. نعم حصل له هُدًى مجمل بأن القرآن حقٌّ، والرسول حق، ودين الإسلام حق، وذلك حق، ولكن هذا المجمل لا يُغنيه إن لم يحصُل له هدى مفصَّلٌ في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثرُ عقول الخلق، ويغلب الهوى والشهواتُ أكثرَ عقولِهم؛ لغلَبةِ الشهوات والشُّبهات عليهم". وقال ابن القيم[19] بعد أن ذكَرَ قِسمَي الهداية: "وهما هدايتان مستقلتان، لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمِّنتان تعريف ما لم نعلمه من الحقِّ تفصيلًا وإجمالًا، وإلهامنا له، وجعلنا مريدين لاتِّباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. قال: ومن هنا يُعلَم اضطرار العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة، وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسأل الهداية؟ فإن المجهول لنا من الحقِّ أضعافُ المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلًا مثل ما نريده، أو أكثر منه، أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمرٌ يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤالَ التثبيت والدوام". وقال ابن كثير[20]: "فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره وازدياده منها، واستمراره عليها، كما قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ ï´¾ [النساء: 136]". وقال السعدي[21]: "اهدنا إلى الصراط المستقيم، واهدنا في الصراط، فالهداية إلى الصراط لزومُ دين الإسلام وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط تشمل الهدايةَ لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا". [1] في "جامع البيان" (1/ 169). [2] ذكره الطبري في "جامع البيان" (1/ 167) بدون نسبة. ونسبه المفضل في "الفاخر" ص(253) لطرفة بن العبد، وليس في ديوانه. ونسبه الشنقيطي في "الدرر اللوامع" (1/ 162) إلى الحطيئة، وليس في ديوانه. وهو بغير نسبة في "المقتضب" للمبرد (3/ 224)، "العقد الفريد" (5/ 493). [3] انظر: "تيسير الكريم الرحمن" (7/ 642 -643). [4] انظر: "جامع البيان" (1/ 166 -169)، "المحرر الوجيز" (1/ 77)، "بدائع الفوائد" (2/ 20)، "تفسير ابن كثير" (1/ 54)، "تيسير الكريم الرحمن" (1/ 36). [5] في "مدارج السالكين" (3/ 553). [6] انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 12 -13). [7] انظر: "معالم التنزيل" (1/ 41)، "الكشاف" (1/ 11)، "المحرر الوجيز" (1/ 79)، "أنوار التنزيل" (1/ 11). [8] انظر: "مجاز القرآن" (1/ 24)، "المفردات في غريب القرآن" مادة: "سرط"، "الكشاف" (1/ 11)، "لسان العرب" مادة: "سرط"، "بدائع الفوائد" (2/ 16). [9] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 33)، "التفسير القيم" ص(60). [10] انظر: "ديوانه"ص (218)، والموارد: طرق الماء. [11] انظر: "جامع البيان" (1/ 171) تحقيق شاكر. [12] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 39)، "بدائع الفوائد" (2/ 44). [13] في "مدارج السالكين" (1/ 32). [14] في "مدارج السالكين" (1/ 32). [15] (2/ 35 -37). [16] كما ذكر ابن القيم في "مدارج السالكين" (1/ 62 -78): أن للهداية الخاصة والعامة عشر مراتب: مرتبة التكليم من الله لعبده، ومرتبة الوحي المختص بالأنبياء، ومرتبة إرسال الرسول الملَكي إلى الرسول البشري، ومرتبة التحديث، ومرتبة الإفهام، ومرتبة البيان العام، ومرتبة البيان الخاص والتوفيق، ومرتبة إسماع القلوب، ومرتبة الإلهام، ومرتبة الرؤيا الصادقة. [17] في "جامع البيان" (1/ 166) تحقيق شاكر. [18] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 37 -38). [19] في "مدارج السالكين" (1/ 31 -32). [20] في "تفسيره" (1/ 56 -57). [21] في "تيسير الكريم الرحمن" (1/ 36). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ... )[الفاتحة: 7] قوله: ï´؟ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾: ï´؟ صِرَاطَ ï´¾ بدلُ كلٍّ من (الصراط) في قوله: ï´؟ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ï´¾ [الفاتحة: 6]، أو عطف بيان، وï´؟ الَّذِينَ ï´¾ مضاف إليه، وما بعده صلة الموصول. وفائدة هذا التوكيدُ والإيضاح والبيان، فهو تفسير للصراط المستقيم، وبيان أنه صراط المنعم عليهم[1]، وفي ذلك شهادة له بالاستقامة على أبلغ وجه وآكده[2]. وإنما عرِّف الصراط في الموضع الأول "بأل"، وهنا بالإضافة؛ لأن طريق الحق واحد، أما طُرق الشر فهي كثيرة متعددة متشعبة، كما قال تعالى: ï´؟ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ï´¾ [الأنعام: 153]. وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنَبَتَيِ الصراط سُورانِ فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داعٍ يقول: يا أيها الناس، ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعُوجوا، وداعٍ يدعو فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تَلِجُه؛ فالصراطُ الإسلام، والسوران حدودُ الله، والأبواب المفتحة محارمُ الله، وذلك الداعي على الصراط كتابُ الله، والداعي من فوق الصراط واعظُ الله في قلب كل مسلم))[3]. وهكذا غالبًا ما يُذكَر طريق الحق بالإفراد، بينما يذكر طريق الباطل متعددًا، وقد يذكر أحيانًا طريق الخير بالتعدد، ويراد به فروع الشريعة. ï´؟ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾، الإنعام: إيصال النعمة، والنعمة في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من لِينِ العيش، والخفض والدعة، والمال، ونحوها[4]. والنعمة: اسم جنس يقع على القليل والكثير، وإذا أضيفت إلى معرفة دلَّت على الإنعام المطلق التام؛ أي: على عموم النِّعم الدينية والدنيوية والأخروية، كما في قوله تعالى: ï´؟ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ï´¾ [المائدة: 3]، وقوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ï´¾ [المائدة: 11]؛ ولهذا قال تعالى: ï´؟ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ï´¾ [إبراهيم: 34]. والإنعام خاص بإيصال النعمة والإحسان والخير إلى الغير من بني آدم، كما قال تعالى: ï´؟ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ï´¾ [الأحزاب: 37]. ولا يسمَّى الإحسان إلى غير الناطقين إنعامًا، فلا تقول: أنعمت على الفرس. ï´؟ عَلَيْهِمْ ï´¾ قرأ حمزة بضم الهاء ï´؟ عليهُم ï´¾، وقرأ الباقون بكسرها ï´؟ عليهِم ï´¾[5]. والمُنعَم عليهم: هم الذين وفَّقهم الله لسلوك الطريق المستقيم، للهدى ودين الحق، كما قال تعالى: ï´؟ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ï´¾ [الفتح: 28]؛ أي: إلى العلم النافع والعمل الصالح، إلى معرفة الحق والعمل به، إلى الإيمان بالله تعالى، إلى طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتلك أجَلُّ نعمة وأعظمها؛ فهي سبب للسعادة في الدارين، والفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم. وهم المذكورون في قوله تعالى: ï´؟ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ï´¾ [النساء: 66 - 70]. وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة مريم: ï´؟ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا ï´¾ [مريم: 58]. أي: الذين أنعم الله عليهم بأجلِّ نعمةٍ وأعظَمِها، وهي نعمة الإيمان، كما قال تعالى ردًّا على الأعراب: ï´؟ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ï´¾ [الحجرات: 17]. وï´؟ النَّبِيِّينَ ï´¾ جمع نبي، ويدخل فيهم الرسل من باب أولى؛ لأن كل رسول نبيٌّ ولا عكس، ويأتي في مقدمتهم أولو العزم، كما قال تعالى: ï´؟ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ï´¾ [الأحقاف: 35]. وهم المذكورون في قوله تعالى: ï´؟ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ï´¾ [الأحزاب: 7]. ï´؟ وَالصِّدِّيقِينَ ï´¾: جمع صِدِّيق، يدخل فيهم من ثبَتَ بالكتاب أو السنة وصفُه أو تسميته بذلك، منهم مريم ابنة عمران التي قال الله عنها: ï´؟ مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ï´¾ [المائدة: 75]. ومنهم أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم سماه "الصِّدِّيق"، وسيأتي الحديث في ذلك. ï´؟ وَالشُّهَدَاءِ ï´¾ جمع شهيد، وهو مَن قُتِل في سبيل الله، ويأتي في مقدمة الشهداء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما - حيث شهد لهما الرسولُ صلى الله عليه وسلم بذلك، كما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صَعِدَ أُحُدًا وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فرجَفَ بهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اسكن أُحُدُ؛ فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان))[6]. ومنهم أيضًا: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وطلحة بن عبيدالله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهم. كما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، فتحرَّكت الصخرة، وفي رواية "فتحرَّك"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اسكن حراءُ))، وفي رواية: ((اهدأ؛ فما عليك إلا نبي وصديق وشهيد))[7]. ومنهم أيضًا: حمزة عمُّ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنسُ بن النضر، ومصعب بن عمير رضي الله عنهم، وغيرهم ممن قُتِل أو يُقْتَل في سبيل الله، وكذا كل من قُتِل دون ماله، كما في حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: ((مَن قُتِل دون ماله فهو شهيد))[8]. لكن ينبغي أن يُعلَم أنه لا تجوز الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد، وإن قُتِل في المعركة؛ لأن النيات مغيَّبة عنا، لكن يرجى له ذلك، إلا من ثبت له الشهادة بذلك من النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد عقد البخاري: باب لا يُقال: فلان شهيد، وأخرج فيه عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التقى هو والمشركون فاقتَتَلوا، فلما مال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عسكره، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ لا يَدَعُ لهم شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا اتبعها يضربها بسيفه، فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أَحَدٌ كما أجزأ فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمَا إنه من أهل النار)) الحديث، وفيه: أنه استعجل الموت لما جُرِح فقتَلَ نفسه[9]. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لما كان يوم خيبر قُتل نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد، حتى مَرُّوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلا! إني رأيته في النار في بُردة غَلَّها، أو عباءة))[10]. وروى أبو العجفاء أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب، فقال: "تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا، ولعله يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات في سبيل الله أو قُتِل، فهو في الجنة))"[11]. [1] انظر: "جامع البيان" (1/ 177)، "بدائع الفوائد" (2/ 28 -29). [2] انظر: "الكشاف" (1/ 11). [3] أخرجه الترمذي في الأمثال باب (1) الحديث (2859)، وأحمد (4/ 182). قال ابن كثير في "تفسيره" (1/ 56): "إسناده حسن، وصححه الحاكم". [4] انظر: "لسان العرب" مادة: "نعم"، "البحر المحيط" (1/ 26). [5] انظر: "الإقناع في القراءات السبع" (2/ 595)، "المهذب في القراءات السبع" ص(46). [6] أخرجه البخاري في "فضائل الصحابة" - فضل أبي بكر رضي الله عنه، والأبواب بعده (3675، 3686، 3699). [7] أخرجه مسلم في "فضائل الصحابة" فضائل طلحة والزبير (2417). [8] أخرجه البخاري في المظالم (2480)، ومسلم في الإيمان (141). [9] أخرجه البخاري في الجهاد (2898)، ومسلم في الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه (112). وأخرج مسلم أيضًا نحوه من حديث أبي هريرة (111). [10] أخرجه مسلم في الإيمان - باب غلظ تحريم الغلول، وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون (114). [11] أخرجه النسائي في النكاح (3141)، وأحمد (1/ 41، 48)، وقال الحافظ ابن حجر: "وهو حديث حسن". وصححه الألباني. |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ( غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ )[الفاتحة: 7] ï´؟ غَيْرِ ï´¾ صفة للاسم الموصول ï´؟ الَّذِينَ ï´¾ مبيِّنة أو مقيدة، على معنى أنهم جمَعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الإيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وقيل: هي بدل من الاسم الموصول، على معنى أن المنعَم عليهم هم الذين سَلِموا من الغضب والضلال، والتقدير: غير صراط المغضوب عليهم[1]. والصحيح أنها صفة، وإنما صح مجيء ï´؟ غَيْرِ ï´¾ صفةً لمعرفة وهو الاسم الموصول مع أن "غيرًا" لا تتعرف لشدة إبهامها - لما فيها من الإبهام ورائحة النكرة - لأنها أُضيفت إلى ï´؟ الْمَغْضُوبِ ï´¾، وهي معرفة، ووقعت بين ضدين منعَم عليهم ومغضوب عليهم، فضعُف إبهامها، كما قال ابن هشام[2]، أو زال إبهامها وتعرَّفت، كما قال ابن السراج، واختاره ابن القيم[3]. وï´؟ غَيْرِ ï´¾ ملازمة للإفراد والتذكير، وللإضافة لفظًا أو تقديرًا، وهي لا تعرَّف وإن أُضيفت إلى معرفة عند أكثر أهل اللغة، ولا تدخل عليها الألف واللام[4]. وقد روي عن ابن كثير أنه قرأها بالنصب "غيرَ" على الحال، وثبت عنه وعن بقية القراء السبعة قراءتُها بالكسر "غيرِ"[5]. وï´؟ غَيْرِ ï´¾ مضاف وï´؟ الْمَغْضُوبِ ï´¾ مضاف إليه مجرور، وï´؟ عَلَيْهِمْ ï´¾ متعلق بـï´؟ الْمَغْضُوبِ ï´¾، قرأها حمزة بالضم "عليهُم"، وقرأها بقية السبعة بالكسر "عليهِم"؛ كقراءة "عليهُـِم" في قوله: ï´؟ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾. وإنما وصف الله تبارك وتعالى صراطَ المنعَم عليهم بقوله: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾؛ لتأكيد كمال صراط المنعم عليهم؛ لأن الصفات السلبية يؤتى بها لإثبات كمال ضدها، كما في قوله تعالى: ï´؟ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ï´¾ [الفرقان: 58]. فقوله: ï´؟ الَّذِي لَا يَمُوتُ ï´¾ صفة سلبية جيء بها لإثبات كمال ضدها، وهي الحياة. وكقوله تعالى: ï´؟ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ï´¾ [البقرة: 255]، فهو لإثبات كمال قيُّوميَّتِه، تبارك وتعالى. والغضب: ضد الرضا. وفي الحديث: ((ألا وإن الغضب جمرة توقد في ابن آدم؛ ألا تَرَوْنَ إلى حُمرة عينيه وانتفاخ أوداجه))[6]. والغضب صفة من صفات الله تعالى يجب إثباتها لله، كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تمثل بصفات المخلوقين. قال تعالى: ï´؟ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى ï´¾ [طه: 81]. وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الشفاعة: ((إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مِثلَه))؛ متفق عليه[7]. والمراد بـï´؟ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ï´¾ مَن استوجَبوا غضب الله، ووُصِفوا به، ممن فسدت إرادتهم فعدَلوا عن الحق بعد أن عرَفوه وعَلِموه، وفي مقدمتهم اليهود. قال عدي بن حاتم رضي الله عنه: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ï´¾ قال: ((هم اليهود))، ï´؟ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ قال: ((هم النصارى))[8]. وقد وصف الله تعالى اليهود بالغضب، وحكم عليهم به في مواضعَ من كتابه؛ قال تعالى: ï´؟ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ï´¾ [البقرة: 61]، وقال تعالى: ï´؟ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاؤُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ ï´¾ [البقرة: 90]، وقال تعالى: ï´؟ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ï´¾ [آل عمران: 112]، وقال تعالى: ï´؟ قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ï´¾ [المائدة: 60]، وقال تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ï´¾ [الأعراف: 152]، وقال تعالى: ï´؟ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ï´¾ [المجادلة: 14]، وقال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الممتحنة: 13]. وإنما وُصفوا بالغضب، ووُصموا به، واستوجبوه؛ لأنهم عرفوا الحق وتركوه كفرًا وحسدًا، كما قال تعالى: ï´؟ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ï´¾ [البقرة: 109]، وقال تعالى: ï´؟ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 146]، وقال تعالى: ï´؟ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ï´¾ [الأنعام: 20]، وقال تعالى: ï´؟ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [آل عمران: 71]، وقال تعالى: ï´؟ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ï´¾ [الجمعة: 5]. وعن زيد بن عمرو بن نفيل: "أنه خرج إلى الشام يَسأل عن الدِّين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لَعَلِّي أن أدين دينكم فأَخبِرْني، فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفرُّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا، وأنَّى أستطيعه؟! فهل تدلُّني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا، قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولا يعبد إلا الله، فخرج فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله، قال: ما أفرُّ إلا من لعنة الله..." الحديث[9]. [1] انظر: "معاني القرآن" للفراء (1/ 7)، "معاني القرآن" للأخفش (1/ 164 -165)، "جامع البيان" (1/ 180 -181، 184)، "الكشاف" (1/ 11). [2] انظر: "مغني اللبيب" (1/ 158). [3] انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 23 -28). [4] انظر: "البحر المحيط" (1/ 28). [5] انظر: "الكشاف" (1/ 11). [6] أخرجه الترمذي في الفتن باب ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة (2191). وقال: "حديث حسن صحيح"، وأحمد (3/ 19، 61) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. [7] أخرجه البخاري عن أبي هريرة مطولًا في الأنبياء (3340)، ومسلم في الإيمان (194). [8] إسناده صحيح. والحديث أخرجه الترمذي في تفسير سورة الفاتحة (2953، 2954)، وأحمد (4/ 378 -379)، والطبري في "جامع البيان" الأحاديث (193 -195، 207 -209)، والطيالسي (1040)، والطبراني في الكبير (7/ 98 -100). وقد أخرج الطبري - الأحاديث (196 -199، 210 -213) عن عبدالله بن شقيق أنه أخبره من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول نحو حديث عدي. قال ابن حجر في "الفتح" (8/ 159): "ورواه أحمد"، وأخرجه ابن مردويه فيما ذكر ابن كثير في "تفسيره" (1/ 59) من رواية عبدالله بن شقيق عن أبي ذر موصولًا، وقد أشار إلى رواية أبي ذر الحافظ ابن حجر في الموضع السابق وقال: "إسناده حسن". [9] أخرجه البخاري في "مناقب الأنصار" - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل (3827). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ( وَلَا الضَّالِّينَ) ï´؟ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾: أي ولا صراط الضالين. ف الواو: عاطفة، و"لا" زائدة إعرابًا عند البصريين، مؤكِّدة لمعنى النفي المفهوم من "غير"[1]؛ لئلا يُتوهَّم عطف ï´؟ الضَّالِّينَ ï´¾ على ï´؟ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ï´¾[2]، وليَدلَّ على أن ثم مسلكينِ فاسدين، وهما: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين[3]، ولرفع توهُّم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم، وأن ذلك من عطف الصفات بعضها على بعض[4]. وقال الكوفيون: هي بمعنى "غير" مؤكِّدةٌ أيضًا[5]. ويؤيده قراءة عمر: "غير المغضوب عليهم وغير الضالين"[6]. قال الحافظ ابن كثير[7]: "والصحيح من مذاهب العلماء أنه يُغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء؛ لقرب مخرجيهما.. لمن لا يميِّز ذلك". والضالين: جمع ضالٌّ، والضلال: التِّيهُ، والجهل، والبُعد عن الحق، والعدول عن الطريق المستقيم، والانحراف عن المنهج القويم. يقال: ضلَّ الطريق: أي تاهَ وانحرَفَ، كما يقال: ضال، بدون إضافة قرينة، وإذا أُطلق فالمراد به العدول عن الطريق المستقيم، طريقِ الحق. ويُطلَق الضلال على النسيان، كما قال تعالى: ï´؟ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى ï´¾ [البقرة: 282]؛ أي: أن تنسى إحداهما. ويطلق على الاختفاء وغياب الشيء، كما قال تعالى: ï´؟ وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ï´¾ [السجدة: 10]؛ أي: غُيِّبنا فيها، وصرنا ترابًا. ومنه قول الشاعر: ألم تَسألْ فتُخبِرك الديارُ *** عن الرَّكْبِ المُضَلَّلِ أين سارُوا[8] والمراد بالضالين: مَن فقَدوا العِلم، فتركوا الحق عن جهل، وعبَدوا الله على غير هدى، وعلى غير بصيرة، قال تعالى: ï´؟ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ï´¾ [يونس: 32]. ويأتي في مقدمة الضالِّينَ: النصارى[9]، كما في حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في قوله: ï´؟ وَلَا الضَّالِّينَ ï´¾ هم ((النصارى)). وهكذا وصَف اللهُ النصارى بالضلال في غير هذا الموضع، قال تعالى: ï´؟ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ï´¾ [المائدة: 77]. قال ابن كثير[10] بعد أن ذكر تفسير المغضوب عليهم باليهود، والضالين بالنصارى: "وقال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين في تأويل ذلك اختلافًا". وإذا كان سبب ضلال النصارى في الأصل هو الجهل، فلا يمنع أن يكون طرأ عليهم في هذا الزمن مع الجهل العنادُ والإصرار، واتباع الهوى، كما هو واقع الآن. وكلٌّ من اليهود والنصارى مغضوبٌ عليهم وضالُّون، وكذا كل من حادَ عن منهج الله عن علم، أو عن جهل، إلا أن أخَصَّ أوصاف اليهود الغضبُ، ومِثلُهم من ترك الحق بعد معرفته، وأخص أوصاف النصارى الضلالُ، ومِثلُهم مَن عَبَدَ الله على جهل. ولا يلزم من هذا ألا يوجد من بين اليهود من هو جاهل ضالٌّ، ومن بين النصارى من هو عالِم، ولا يمنع من هذا أن يكون نصرانيٌّ وهو يعرف الإسلام كما يعرف ابنه وزوجته. ولما كان اليهود ترَكوا الحق بعد معرفته، وكانوا أجرأ على محارم الله تعالى، وأقسى قلوبًا، كانوا أحقَّ بوصف الغضب، وأَولى بأن يُقدَّم وصفهم على النصارى الضالين، مصداقُ ذلك قوله تعالى: ï´؟ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ï´¾ [المائدة: 82]. قال ابن القيم[11]: "والمغضوب عليه ضالٌّ عن هداية العمل، والضالُّ مغضوب عليه؛ لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضالٌّ مغضوب عليه، ولكنَّ تارك الحق بعد معرفته أَولى بوصف الغضب وأحَقُّ به، ومن هنا كان اليهود أحقَّ به، وهو متغلظ في حقهم.. والجاهل بالحق أحقُّ باسم الضلال، ومن هنا وُصِف النصارى به...". وقد ذكر ابن القيم[12] من الوجوه في تقديم المغضوب عليهم على الضالين: أن اليهود متقدِّمون على النصارى من حيث الزمان، وأنهم كانوا هم الذين يَلُونَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين؛ لأنهم كانوا في المدينة، أما النصارى فكانت ديارهم نائية، ولأنه تَقدَّمَ ذِكرُ المنعَم عليهم، والغضب ضد الإنعام، والسورة هي السبع المثاني يُذكَر فيها الشيء وضده. وكل من كان عنده علم فلم يعمل به، بل اتبع هواه، وجانَبَ شرع الله عن علم وبصيرة ومعرفة، ففيه شبهٌ من اليهود، ومتوعَّدٌ بالغضب بقدر معصيته، وله منه نصيب بقدر شبهه فيهم. وكل من عَبَدَ الله على جهل وضلال، ففيه شبه من النصارى، وموصوف بالضلال على قدر معصيته، وله نصيب منه بقدر شبهه فيهم. ولهذا قال سفيان بن عُيينة رحمه الله: "من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادِنا ففيه شبه من النصارى"[13]. وما أكثَرَ مَن تَشَبَّهَ باليهود والنصارى من هذه الأمَّة، وصدق المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث قال: ((لَتتبعُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لاتبَعتُموهم))، قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟!))[14]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقةً، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمَّة على ثلاث وسبعين فرقة، كلُّها في النار إلا واحدة))، قلنا: من هي يا رسول الله؟ قال: ((من كان على مِثلِ ما أنا عليه وأصحابي))[15]. ومما يدلُّ على شمول الغضب لليهود وغيرهم، وشمول الضلال للنصارى وغيرهم: أن الله توعَّدَ بالغضب في القرآن الكريم مرتكبي بعض الكبائر والكفرة والمنافقين والمشركين من هذه الأمَّة، ووصف كثيرًا منهم بالضلال، كما وصفهم بذلك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ï´¾ [النساء: 93]. وقال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ï´¾ [الأنفال: 16]. وقال تعالى: ï´؟ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ï´¾ [النحل: 106]، وقال تعالى: ï´؟ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ï´¾ [النور: 9]. وقال تعالى: ï´؟ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ï´¾ [الفتح: 6]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئٍ مسلم، لقي الله وهو عليه غضبان))[16]. وقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا باتت المرأة هاجرةً فراش زوجِها، بات الذي في السماء ساخطًا عليها))[17]. وقال الله تعالى: ï´؟ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ï´¾ [البقرة: 108]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا ï´¾ [النساء: 116]، وقال تعالى: ï´؟ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ï´¾ [النساء: 113]، وقال تعالى: ï´؟ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ï´¾ [الكهف: 103، 104]، وقال تعالى: ï´؟ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ï´¾ [الأحقاف: 5]. وقال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة رضي الله عنه: ((ألا فلا تَرجِعوا بعدي ضُلالًا يضرب بعضكم رقابَ بعض))[18]. قال ابن القيم[19]: "والغضبُ نتيجة فساد القصد، والضلالُ نتيجة فساد العلم، فاعتلال القلوب ومرضها نتيجةٌ لأحد هذين الفسادين، وبالهداية للصراط المستقيم الشفاءُ من مرض الضلال، وبالتحقق بï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا الشفاءُ من مرض فساد القصد". [1] انظر: "جامع البيان" (1/ 189)، "مشكل إعراب القرآن" (1/ 72)، "الكشاف" (1/ 12). [2] انظر: "المحرر الوجيز" (1/ 87)، "البحر المحيط" (1/ 29). [3] انظر: "تفسير ابن كثير" (1/ 57، 58). [4] انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 34 -35). [5] انظر: "فتح الباري" (8/ 159). [6] أخرجها أبو عبيد في "فضائل القرآن"، وسعيد بن منصور في "سننه" فيما نقل ابن كثير (1/ 58). قال ابن كثير: "هذا إسناد صحيح"، قال: "وكذلك حكي عن أُبَيِّ بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير". [7] في "تفسيره" (1/ 59). [8] انظر: "الجامع لأحكام القرآن" (1/ 150). [9] درج كثير من الكُتَّاب المسلمين متأثرين بغيرهم من كُتَّاب غير المسلمين على تسمية النصارى بالمسيحيين، وهذا خطأ؛ لأن القرآن سمَّاهم النصارى، ولم يُسمِّهم المسيحيين، لأن المسيح منهم بريء. [10] في "تفسيره" (1/ 59). [11] في "مدارج السالكين" (1/ 33 -34). [12] انظر: "بدائع الفوائد" (2/ 33). [13] المصدر السابق (2/ 32)، "تفسير ابن كثير" (4/ 8). [14] أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري: البخاري في الأنبياء - باب ما ذكر عن بني إسرائيل (3456)، ومسلم في العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى (2669). [15] أخرجه أبو داود في السنة - باب شرح السنة (3842، 4596)، والترمذي في الإيمان - ما جاء في افتراق هذه الأمة (2640) وقال: "حديث صحيح"، وابن ماجه في الفتن وافتراق الأمم (3225، 3991) - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وقال الألباني: "حسن صحيح". [16] أخرجه البخاري في الشهادات (2666، 2667)، ومسلم في الإيمان (138) - من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. [17] أخرجه مسلم في النكاح - تحريم امتناعها من فراش زوجها (1436). [18] أخرجه البخاري في حديث طويل في خطبته صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع - في الأضاحي (5550)، ومسلم في القسامة - باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (1679). [19] في "مدارج السالكين" (1/ 79 -80). |
رد: كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله
كتاب «عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام (1) 1 - مشروعية الابتداء بالبسملة في الكتب والرسائل والخطب والمواعظ ونحوها؛ تأسيًا بكتاب الله تعالى، حيث ابتدأ عز وجل كتابه بها، ومشروعيةُ الاستفتاح بها عند قراءة أي سورة من سور القرآن؛ لأن الله افتتح بها سورةَ الفاتحة وغيرها من السُّوَر، عدا سورة براءة فلا تُشرع البسملة معها. 2 - مشروعية حمد الله تبارك وتعالى في افتتاح الكتب والرسائل والخطب والمواعظ ونحوها؛ تأسيًا بكتاب الله؛ حيث افتتحه جل وعلا بالحمد. 3 - حمد الله تعالى لنفسه، وثناؤه عليها، وتمجيده لها؛ لما له من صفات الكمال، قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ [الفاتحة: 2]، وقد جاء هذا كثيرًا في القرآن الكريم، قال تعالى: ï´؟ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ï´¾ [القصص: 70]، وقال تعالى: ï´؟ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ï´¾ [الروم: 18]. ولم يأذن في ذلك لأحد من خلقه، بل نهاهم في محكم كتابه فقال: ï´؟ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ï´¾ [النجم: 32]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((احثُوا في وُجوهِ المداحين الترابَ))[1] ، وقال صلى الله عليه وسلم: ((لا تُطرُوني كما أَطْرَتِ النصارى ابنَ مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله"[2]. 4 - أمر الله تعالى عباده أن يَحمَدوه ويُثنوا عليه ويُمجِّدوه؛ لما له من صفات الكمال، وتعليمهم كيفية ذلك؛ لأن قوله: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2] وإن كانت هذه جملة خبريَّة، فهي متضمِّنة لمعنى الطلب. وهكذا جل الآيات التي حَمِد الله تعالى بها نفسه هي متضمِّنةٌ تعليمَ عباده وأمْرَهم أن يحمدوه. ولهذا رغَّب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحمد لله؛ فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان - أو تملأ - ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجة لك أو عليك، كلُّ الناس يَغْدُو، فبائعٌ نفسه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها))[3]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله لَيَرْضى عن العبد أن يأكل الأكلةَ فيَحمَده عليها، أو يشرب الشَّربةَ فيحمده عليها))[4]. 5 - أن الوصف بصفات الكمال مستحقٌّ لله على الدوام، وفي جميع الأحوال؛ لقوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، فهي جملة اسمية تفيد الاستمرار والدوام والكمال، فهو المحمود على الدوام وبكل حال، كما قال تعالى: ï´؟ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ ï´¾ [القصص: 70]. 6 - في قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ [الفاتحة: 2] ردٌّ على الجبريَّة، الذين يقولون: إن الله جبر العبد على أفعاله، ومن ثم عاقَبَه عليها، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، ووجهُ الردِّ عليهم: أن في إثبات حمده ووصفه بصفات الكمال ما يقتضي أنه لا يعاقِب عبادَه على ما لا قدرة لهم عليه، ولا هو من فعلهم[5]. 7 - أن الحمد لا ينبغي أن يكون إلا لمن هو أهلٌ له، ولمقتضٍ لذلك، وإلا فهو زُورٌ وباطل؛ لأن الله لما حمد نفسه ذكَرَ ما يقتضي ذلك، وأنه تعالى أهل لذلك؛ لكونه تعالى الله ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 2 - 4][6]. قال ابن القيم[7]: "في ذِكر هذه الأسماءِ بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومعناها - ما يدلُّ على أنه محمود في إلهيَّتِه، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيَّتِه، محمود في ملكه، وأنه إلهٌ محمود، وربٌّ محمود، ورحمن محمود، ومَلِكٌ محمود، فله بذلك جميع أقسام الكمال؛ كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمالٌ من اقتران أحدهما بالآخر..". 8 - يؤخذ من قوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2] الإقرار والاعتراف من العبد لله جل وعلا بالكمال من جميع الوجوه، وبالفضل والإنعام والإحسان، والإقرار من العبد على نفسه بضعفه وفقره وحاجته إلى ربِّه في أمور دينه ودنياه. وهذا من أجلِّ أنواع العبادة لله وأفضلها، بأن يعترف العبد لله بالكمال المطلق من جميع الوجوه، ويدخل على ربِّه من باب الذل والانكسار، ولا يُعجَب بعمله، وهذا هو أصل معنى العبادة لله تعالى، كما تقدم. وقد كان هذا دأب الأنبياء والمرسَلين والصالحين من أممهم يدعون ربَّهم متذلِّلين خاضعين سائلين ربَّهم المغفرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((أنت ربي وأنا عبدُك، ظلَمتُ نفسي، واعترَفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت))[8]. 9 - إثبات توحيد الأسماء والصفات "توحيد العِلم"؛ لأن الله افتتح السورة بقوله تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ [الفاتحة: 2]، ومعناه - كما تقدم - وصفُه تعالى بصفات الكمال، كما ذكَرَ تعالى فيها خمسة من أسمائه، وهي: "الله"، و"الرب"، و"الرحمن"، و"الرحيم"، و"المَلِك"، وهذه الأسماء دالَّةٌ على بقية أسمائه تعالى، وكلٌّ منها يؤخذ منه إثبات صفة من صفاته تعالى؛ فاسمه تعالى "الله" يدل على إثبات صفة الألوهية له تبارك وتعالى، واسمه "الرب" يدلُّ على إثبات صفة الربوبية العامة له تعالى، صفة ذاتيَّة له تعالى وصفة فعليَّة، واسماه "الرحمن" "الرحيم" يدل الأول على إثبات صفة الرحمة الذاتية له تعالى، ويدل الثاني على إثبات صفة الرحمة الفعلية له عز وجل، كما قال تعالى: ï´؟ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ ï´¾ [العنكبوت: 21]. وقوله تعالى: ï´؟ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ï´¾ [الفاتحة: 4] على القراءتين يدل على أنه مالك يوم الدين ومليكه. وأن من صفاته تعالى الذاتية والفعلية أنه مالك ومَلِكُ يوم الدين. كما يدلُّ قوله تعالى: ï´؟ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ï´¾ [الفاتحة: 7] على إثبات صفة الغضب له تعالى، كما يليق بجلاله وعظَمتِه. وفي إثبات أسمائه تعالى وصفاته ردٌّ على نُفاتِها من المعطِّلة وغيرهم. وقد ذكر ابن القيم[9] اشتمال الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة، ثم ذكر أنه دلَّ من هذه السورة على توحيد الأسماء والصفات شيئانِ مجمَلٌ ومفصَّلٌ، قال: "أما المجمل، فإثبات الحمد له سبحانه، وأما المفصَّل، فذِكر صفة الإلهيَّة والربوبيَّة والرحمة والمُلْك، وعلى هذا مدار الأسماء والصفات. فأما تضمن الحمد لذلك، فإن الحمد يتضمَّن مدح المحمود بصفات كماله ونعوت جلاله، مع محبَّتِه، والخضوع له، فلا يكون حامدًا من جحَد صفات المحمود، ولا من أعرَضَ عن محبته والخضوع له، وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثرَ، كان حمدُه أكمل، وكلما نقَصَ من صفات كماله، نقَصَ من حمده بحسبها؛ ولهذا كان الحمد كلُّه لله حمدًا لا يُحصيه سواه؛ لكمال صفاته وكثرتها.. ثم ذكر دلالة هذه الأسماء الخمسة وغيرها من أسمائه تعالى على إثبات الذات والصفات له جل وعلا، ثم بيَّن دلالة اسمه تعالى "الله" على جميع أسمائه الحسنى وصفاته العليا؛ ولهذا تُضاف إليه جميعُ أسمائه، كما قال تعالى: ï´؟ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى ï´¾ [الأعراف: 180]، ثم ذكر ما هو أخص من الصفات بكل اسم من هذه الأسماء. 10 - إثبات توحيد الألوهية (توحيد العبادة)؛ يؤخذ ذلك من اسمه تعالى "الله"؛ لأن معناه كما تقدم: المَألوهُ المعبود محبةً وتعظيمًا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[10]: "والله هو الإله المعبود، فهذا الاسم أحَقُّ بالعبادة؛ ولهذا يقال: الله أكبر، والحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله". كما يؤخذ توحيد العبادة من قوله: ï´؟ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾ [الفاتحة: 5]، كما سيأتي إن شاء الله. 11 - إثبات توحيد الربوبية بقسمَيْه: العامِّ لجميع الخلق، والخاصِّ بأولياء الله تعالى؛ لقوله تعالى: ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]، وقوله: ï´؟ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ï´¾، فهو تعالى ربُّ جميع الخلق، خالقهم ومالكهم والمتصرِّف فيهم، ومربِّيهم بجميع النِّعم، وفي هذا ردٌّ على الملحدين الذين يُنكِرون وجود الله، تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا؛ إذ إن كلَّ ما في الكون من المخلوقات دليلٌ على وجوده وكماله في ذاته وصفاته، كما قيل: فواعجبًا كيف يُعصى الإلـ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ـهُ أم كيف يجحده الجاحدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تدلُّ على أنه واحدُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بل إنه تعالى دليلٌ على كل شيء؛ ولهذا قالت الرسل لأُمَمِهم: ï´؟ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ ï´¾ [إبراهيم: 10]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية[11]: "كيف يُطلَب الدليل على من هو دليل على كل شيء؟!"، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت: وكيف يصحُّ في الأذهان شيءٌ *** إذا احتاج النهارُ إلى دليلِ وهو تعالى مُرَبٍّ لأوليائه المتقين، وحزبه المفلحين، تربيةً خاصة؛ بتوفيقهم للإيمان والعمل الصالح، ودفعِ الصوارف عنهم، مما يبعث في قلوبهم الطُّمأنينةَ إلى رعاية الله الدائمة، وربوبيته القائمة، وحفظِه الذي لا يغيب. وإذا ثبتت الربوبيَّةُ صفةً عامة له تبارك وتعالى: صفةً ذاتية، وصفةً فعليَّة، وجب توجُّهُ جميع الخلق إليه في جميع حوائجهم، وفي جميع عباداتهم؛ لأن مِن لازِمِ ربوبيتِه لجميع خلقه أن يكون هو الإلهَ المعبود؛ لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيدَ الألوهية، كما أن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية؛ ولهذا لما قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ ï´¾ [الفاتحة: 2]، أَتْبع ذلك بوصفه تعالى بقوله: ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]؛ إشارة إلى أن المستحقَّ للعبادة هو المتفرِّد بالربوبية والمُلكِ والخلق والتدبير، وعلى هذا فما دلَّ من السورة على إثبات توحيد الألوهية، ففيه دلالة بالتضمُّن على توحيد الربوبية، وما دلَّ منها على توحيد الربوبية، ففيه دلالةٌ بالالتزام على توحيد الألوهية. كما أن في إثبات ربوبيته ردًّا على المشركين معه في إلهيَّتِه، الذين يعبدون غيره مع إقرارهم بربوبيته. كما أن في إثبات ربوبيته للعالمين دليلًا على مباينته لخلقه بذاته، وبربوبيته وصفاته وأفعاله، وفي هذا ردٌّ على من نفى مباينته لخلقه. كما أن في إثبات ربوبيته أيضًا ردًّا على أهل الإشراك في ربوبيته من المجوس والقدَريَّة وغيرهم، الذين يُثبِتون مع الله خالقًا آخَرَ، فالقدَريَّةُ المجوسية يقولون: العبد يخلُقُ فعل نفسه، فلا تدخُلُ أفعالهم تحت ربوبيته، تعالى الله عن ذلك[12]. 12 - إثبات علم الله تعالى الواسع، وقدرته التامة من قوله: ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2]؛ إذ إن مقتضى ربوبيته للعالمين وخلقِه لهم أن يكون عالمًا بهم وبأحوالهم، وأن يكون ذا قدرة تامة نافذة فيهم، كما قال تعالى: ï´؟ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ï´¾ [الطلاق: 12]. 13 - إثبات أنه تعالى الأول بلا بداية؛ لأن قوله تعالى: ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ معناه أنه خالقهم وموجِدُهم من العدم بعد أن لم يكونوا شيئًا، كما قال تعالى: ï´؟ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ï´¾ [الإنسان: 1]؛ أي: قد أتى على الإنسان، وهذا يدل على أنه تعالى هو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، كما قال تعالى: ï´؟ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ï´¾ [الحديد: 3]. 14 - أن الأحقُّ بالاستعانة والمسألة هو اسم "الرب"؛ لأن من معانيه المربِّيَ الخالق المالكَ الرازق المدبِّر الناصرَ الهادي. ولهذا كان جل دعاء الأنبياء والصالحين وسؤالهم بهذا الاسم. كما قال الأبوان عليهما السلام: ï´؟ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ï´¾ [الأعراف: 23]. وقال نوح عليه السلام: ï´؟ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ï´¾ [نوح: 28]. وقال الخليل عليه السلام: ï´؟ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ï´¾ [إبراهيم: 40، 41]. وقال موسى عليه السلام: ï´؟ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ï´¾ [القصص: 16]. وقال عيسى عليه السلام: ï´؟ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ï´¾ [المائدة: 114]. وقال تعالى لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ï´¾ [الإسراء: 80]. وقال نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أنت ربي وأنا عبدُك، ظلَمتُ نفسي، واعترَفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت))[13]. وذكَرَ الله عن المؤمنين قولَهم: ï´؟ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ï´¾ [البقرة: 286]. وقولهم: ï´؟ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ï´¾ [آل عمران: 147]، ï´؟ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ï´¾ [آل عمران: 193، 194]. 15 - في قوله: ï´؟ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [الفاتحة: 2] إشارةٌ إلى تَساوي الخلق في الربوبية العامة التي بمعنى الخلق والملك والتدبير، وهذا يدل على أن البشر تَجمَعُهم الربوبيةُ؛ فربُّهم واحد كما أن أباهم واحد، لا فخر لجنس على جنس إلا بالتقوى. وفي هذا ردٌّ على من يفتخر بحسَبِه ونَسَبِه، كما قال تعالى: ï´؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ï´¾ [الحجرات: 13]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل قد أذهَبَ عنكم عُبِّيَّةَ[14] الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمنٌ تقي، وفاجرٌ شقي، أنتم بنو آدم، وآدمُ من تراب، لَيَدَعَنَّ رجال فخرَهم بأقوام إنما هم فحمٌ من فحم جهنمَ، أو ليكونُنَّ أهوَنَ على الله من الجِعْلانِ، التي تَدفَعُ بأنفِها النَّتْنَ))[15]. 16 - في إثبات حمده وربوبيته للعالمين وتوحيده ردٌّ على من قال بقدم العالم؛ فإن في إثبات حمده ما يقتضي ثبوتَ أفعاله الاختيارية، والفعل متأخِّر عن فاعله، وفي إثبات ربوبيته للعالمين ما يقتضي أن كل ما سواه مربوبٌ مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وفي إثبات توحيده ما يقتضي عدم مشاركة شيء من العالم له في خصائص الربوبية، والقدرة من خصائص الربوبية، فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة، كما ينفي ثبوت الربوبية والإلهية لغيره[16]. 17 - في إثبات رحمته تعالى ورحمانيته ردٌّ على الجبريَّة في أن الله يعاقِب العبدَ على ما لا قدرة له عليه، ولا هو مِن فعله، بل يكلِّفه ما لا يطيق ثم يعاقِبه عليه، وهذا باطل؛ فإن في ثبوت رحمته ورحمانيته ما يقتضي أنه تعالى لا يكلِّف العبدَ ما لا قدرة له عليه، ولا يعاقِبه بما ليس من فعله، وما لا قدرة له عليه[17]، بل إنه تعالى برحمته يعفو حتى عن بعض أو كلِّ ما فعَلَه العبد، كما قال تعالى: ï´؟ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ï´¾ [الشورى: 30]. كما أن في إثبات صفة الرحمة لله تعالى صفةً ذاتية وصفة فعلية، عامةً وخاصة: الردَّ على نُفاة صفة الرحمة من الأشاعرة وغيرهم، الذين يفسِّرون "الرحيم" بالمنعِم أو مريد الإنعام، ويفسِّرون الرحمة بالإنعام والإحسان، ويقولون: إن الرحمة رقة ولِينٌ لا تليق بالخالق القويِّ. [1] أخرجه مسلم في الزهد (3302) من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه. [2] سبق تخريجه. [3] أخرجه مسلم في الطهارة - باب فضل الوضوء (223). [4] أخرجه مسلم في الذكر - باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب (2734). [5] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 91 -93). [6] انظر: "الكشاف" (1/ 9)، "أنوار التنزيل" (1/ 9). [7] في "مدارج السالكين" (1/ 59 -61). [8] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (771) من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه. [9] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 48 -59). [10] انظر: "مجموع الفتاوى" (14/ 12). [11] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 87). [12] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 48، 86 -90). [13] أخرجه مسلم في صلاة المسافرين (771) من حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه. [14] عبية الجاهلية: أي تكبُّرُها. [15] أخرجه أبو داود في الأدب - باب التفاخر بالأحساب (5116)، والترمذي في المناقب - باب فضل الشام واليمن (3955)، وأحمد (2/ 361، 524)، وقال الترمذي: "حسن غريب"، ونُقل عن المنذري تصحيحه، و"حسنه الألباني". [16] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 96 -97). [17] انظر: "مدارج السالكين" (1/ 92). |
| الساعة الآن : 03:45 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour