مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام (المياه) من بلوغ المرام الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب المياه 1- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في البحر: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُه، الحِلُّ مَيْتَتُهُ»، أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له، وصححه ابن خزيمة والترمذي، ورواه مالك والشافعي وأحمد. الطهارة في اللغة: التنزه عن الأدناس والأقذار، وفي الشرع: رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو التراب عند عدم الماء، قال الله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ï´¾ [المائدة: 6]. قوله: باب المياه: الباب في اللغة: معروف، وفي اصطلاح المصنفين: جملة من العلم تحتوي على مسائل مخصوصة، والمياه: جمع ماء، وجمع لاختلاف أنواعه. وهذا الحديث وقع جوابا عن سؤال، وهو أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته)، فأفاد صلى الله عليه وسلم أن ماء البحر طاهر مطهِّرٌ، وفيه مشروعية الزيادة في الجواب على سؤال السائل لقصد الإفادة، وذلك من محاسن الفتوى، قال الشافعي: هذا الحديث نصف علم الطهارة. 2- وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ المَاءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ». أخرجه الثلاثة وصححه أحمد. هذا الحديث وقع جوابا عن سؤال؛ وهو أنه قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء). 3- وعن أبي أُمَامَةَ الباهليّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ إلا ما غلبَ على رِيحهِ وطَعْمِهِ ولَوْنِهِ» أخرجهُ ابنُ ماجهْ وضعفه أبو حاتم، وللبيهقي: «الماءُ طَهورٌ إلا إنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ، أو طَعْمُهُ، أوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فيهِ». قال ابن المنذر: «أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس». 4- وعن عبد الله بن عُمر رضي الله عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذا كانَ الماءُ قُلّتين لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ» وفي لَفْظ: «لم يَنْجُسْ» أخرجه الأربعة.وصححه ابن خزيمة والحاكم وابن حبان. الحديث يدل على أن قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة؛ ويدل بمفهومه على أن ما دونهما ينجس بوقوع النجاسة وإن لم تغيره. والحديث له سبب؛ وهو أنه صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب فقال: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء»، وقوله: وما ينوبه من السباع والدواب، أي: فتنجسه بأبوالها وأزبالها. 5- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» أخرجه مُسْلِمٌ، وللبخاريِّ: «لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ في الماءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فيه»، ولِمُسْلِمٍ: «مِنْهُ». ولأبي داوُدَ: «ولا يَغْتَسِلْ فيهِ مِنَ الْجَنَابَةِ». قوله: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)، فيه دليل على المنع من الاغتسال في الماء الراكد للجنابة وإن لم يبل فيه. (قوله: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه)، قال القرطبي: «نبّه بذلك على مآل الحال لأن البائل يحتاج في مآل حاله إلى التطهر به فيمتنع ذلك للنجاسة». انتهى. ولأحمد وأبي داود: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة»، وفيه دليل على المنع من البول في الماء ومن الاغتسال فيه من الجنابة، قال الحافظ: «النهي عن البول في الماء لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا يسلبه الطهورية، وهذا كله محمول على الماء القليل عند أهل العلم؛ ولا فرق بين بول الآدمي وغيره خلافا لبعض الحنابلة. قال: ونقل عن مالك أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير، وهو قول الباقين في الكثير. 6- وعن رَجُلٍ صَحِبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أنْ تَغْتَسِلَ المَرْأةُ بفَضْلِ الرَّجلِ، أوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المرأةِ، ولْيَغْتَرِفَا جَميعاً». أخرجهُ أبو داودَ ، وإسْنَادُهُ صحيحٌ. النهي في هذا الحديث محمول على التنزيه للأحاديث الصحيحة في جواز ذلك. 7- وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ رضي الله عنها. أخرجه مسلمٌ، ولأصحابِ السُّنن: اغْتَسَل بَعْضُ أَزْواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في جَفْنَةٍ، فَجَاءَ لِيغْتَسِلَ مِنْها، فَقَالَتْ له: إنِّي كُنْتُ جُنُباً، فقالَ: «إنَّ الماءَ لا يَجْنُبُ»، وصححه الترمذي وابن خزيمة. فيه دليل على جواز اغتسال الرجل بفضل المرأة، ويقاس عليه العكس، وهو قول أكثر أهل العلم، وروي عن الإمام أحمد. 8- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طَهُورُ إناءِ أحدِكُمْ إذا وَلَغَ فيه الكَلْبُ أن يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاهُنَّ بالتُّرابِ» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وفي لَفظٍ لَ-هُ: «فَلْيُرِقْهُ». وللترمذيِّ: «أُخْراهُنَّ، أوْ أُوْلاهُنّ». فيه دليل على نجاسة الكلب، ووجوب غسل الإناء الذي ولغ فيه سبعا، إحداهن بالتراب، والأَولى أن تكون الأُولى. 9- وعن أبي قَتَادَةَ رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ - في الهِرَّةِ -: «إنّها ليْسَتْ بِنَجَسٍ، إنّمَا هي مِنَ الطَّوَّافين علَيْكُمْ». أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة. الحديث له سبب؛ وهو أن أبا قتادة سكب له وضوء، فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت، فقيل له في ذلك، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات». وفيه دليل على طهارة الهرة وسؤرها إذا لم تكن النجاسة ظاهرة في فمها. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه قيل له: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: «نعم، وبما أفضلت السباع كلها»، قال في نيل الأوطار: أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي في المعرفة، وقال: له أسانيد، إذا ضم بعضها إلى بعض كانت قوية. 10- وعَنْ أنَسِ بن مالك رضي الله عنه، قال: جاء أعْرَابِيٌّ فَبَالَ في طَائِفَةِ المَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا قضى بَوْلَهُ أمرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بذَنُوبٍ مِنْ ماءٍ، فَأُهْرِيقَ عليْهِ. مُتّفَقٌ علَيْهِ. الذنوب: الدلو الملأى ماء. وفي الحديث دليل على أن صب الماء على الأرض يطهرها، ولا يشترط حفرها، ولا تحجير الماء عليها، وفيه احترام المساجد لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الأعرابي بعد ما فرغ من بوله ثم قال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله -عز وجل- وقراءة القرآن»، وفيه دفع أعظم المضرتين بأخفهما لأنه لو قطع لأضرّ به، وانتشرت النجاسة في المسجد، وفيه الرفق بالجاهل، وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم. 11- وعن ابن عُمَرَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُحِلّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ. فأمّا المَيْتَتَانِ: فالجَرَادُ والحُوتُ، وأمّا الدَّمَانِ: فالطِّحَالُ والكَبِد»، أخرجه أحمد، وابن ماجه، وفيه ضعف. في الحديث دليل على حل ميتة الجراد والحوت على أي حال وجدت، وقد أكل صلى الله عليه وسلم من العنبرة التي قذفها البحر، والكبد حلال بالإجماع وكذلك الطحال. 12- وعن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقَعَ الذُّبَابُ في شرَابِ أحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثمَّ ليَنْزِعْهُ، فإنَّ في أحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً، وفي الآخَرِ شِفَاءً» أخرَجَهُ البخاريُّ وأبو داود، وزادَ: «وإنّهُ يَتَّقِي بجَنَاحِهِ الذي فيهِ الدَّاء». في الحديث دليل على أن الذباب إذا مات في مائع أنه لا ينجسه، ومثله الزنبور والعنكبوت وأشباه ذلك مما لا دم له سائل. 13- وعن أبي واقد الليْثيِّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ - وهيَ حَيّةٌ - فهُوَ مَيِّتٌ».. أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، واللفظ له. الحديث له سبب كما رواه أحمد والحاكم بلفظ: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وبها ناس يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل، فقال: «ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت». وفيه دليل على تحريم ذلك المقطوع ونجاسته كالميتة. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(2) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك مختصر الكلام على بلوغ المرام (1) باب الآنية 14- عن حُذَيْفَةَ بن الْيَمَانِ - رضي الله عنهما - قال: قال رَسُولُ الله- صلى الله عليه وسلم -: «لا تَشْرَبُوا في آنيةِ الذَّهَبِ والْفِضَّةِ، ولا تأكُلُوا في صِحَافِهمَا، فإنها لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ» متفق عليه. الآنية: الأوعية. وبوّب لها، لأن الشارع قد نهى عن بعضها. والحديث دليل على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة وصحافهما، سواء كان الإناء خالصا أو مخلوطا، للرجال والنساء، قال النووي: انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب فيها، وذكر المصنف هذا الحديث في باب الآنية لإفادة تحريم الوضوء في آنية الذهب والفضة. 15- وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها -، قالَتْ: قَالَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم -: «الّذي يَشْرَبُ في إناءِ الْفِضَّةِ إنّمَا يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نَارَ جَهَنّم» مُتّفَقٌ علَيْهِ. فيه دليل على تحريم الشرب في إناء الفضة كما في حديث حذيفة، وقوله: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، كقوله تعالى: ï´؟ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراًï´¾ [النساء: الآية: 10]. 16- وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما -، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «إذا دُبِغَ الإهَابُ فقدْ طَهُرَ» أخرجهُ مسلم ، وعند الأربعة «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ». الحديث له سبب، وهو: أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بشاة ميتة لميمونة، فقال: «ألا استمتعتم بإهابها فإن دباغ الأديم طهوره»، وروى البخاري من حديث سودة قالت: «ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ثم مازلنا ننتبذ فيه حتى صار شنًا». والحديث دليل على أن الدباغ مطهر لجلد الميتة، وأنه يستعمل في اليابسات والمائعات، وقوله: «أيُّما إهاب دُبغ» أي فقد طهر، واستدل به على طهارة كل إهاب بعد الدبغ، سواء كان مأكولا أو غيره، وهو مذهب أبي حنيفة، والراجح أنه خاص بجلد المأكول. 17- وَعَنْ سَلَمَةَ بن الْمُحَبِّقِ - رضي الله عنه -، قَالَ: قال رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «دِباغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهَا». صححهُ ابنُ حِبّان. الحديث يدل على ما دل عليه حديث ابن عباس، وفي لفظ عند أحمد وغيره: «دباغ الأديم ذكاته» وفي تشبيه الدباغ بالذكاة إعلام بأن الدباغ في التطهير بمنزلة التذكية في الإحلال، وعن عبدالله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل موته: «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب». قال الترمذي: وكان أحمد يذهب إليه ويقول: هذا آخر الأمرين، ثم تركه. 18- وعن ميْمُونَةَ - رضي الله عنها -، قالتْ: مَرَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بشاةٍ يجرُّونَها، فقال: «لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟» فقالوا: إنّها مَيْتَةٌ، فقالَ: «يُطَهِّرُهَا الماءُ والْقَرَظُ» أخرجه أبوداود والنسائي. قال النووي: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه كالشث[1] والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من الأدوية الطاهرة. 19- وعن أبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ - رضي الله عنه -، قال: قُلْتُ: يا رَسولَ الله، إنّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ في آنيَتِهمْ؟ قالَ: «لا تأكلُوا فيهَا، إلا أنْ لا تَجِدُوا غَيْرَها، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فيها» متفق عَلَيْه. استدل به على نجاسة آنية أهل الكتاب بجواز أكلهم الخنزير وشربهم الخمر، وفي رواية أبي داود وأحمد: «إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها». الحديث. 20- وعن عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ - رضي الله عنهما -: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وَأصْحَابَهُ توضَّأوا من مزادةِ امرأةٍ مشركةٍ». متفق عليه ، في حديث طويل. فيه دليل على طهارة آنية المشركين، وعلى طهور جلد الميتة بالدباغ، لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين وذبائحهم ميتة، وهذا الحديث ذكره البخاري بطوله في باب: (الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء). 21- وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه -: «أنَّ قَدَحَ النبيِّ انْكَسَرَ، فاتّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ». أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. فيه دليل على جواز تضبيب الإناء بالفضة، قال في سبل السلام: ولا خلاف في جوازه. [1] الشُث: نبت طيب الريح يدبغ به، ا.هـ، مصححه. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(3) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك مختصر الكلام على بلوغ المرام (3) (إزالة النجاسة وبيانها) من بلوغ المرام باب إزالة النجاسة وبيانها أي: بيان النجاسة ومطهراتها 22- عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: سُئِلَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الخَمْرِ: تُتّخَذُ خَلَّاً؟ فقال: ((لا)) أخْرَجَهُ مسلمٌ والترمذي، وقال: حسن صحيح. فيه النهي عن تخليل الخمر، فإن خللها لم تحل ولم تطهر بأي علاج كان، وإن تخللت بنفسها طهرت وحلت. 23- وعنه - رضي الله عنه - قال: لَمّا كان يَوْمُ خَيْبَر، أَمَرَ رَسُولُ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - أبا طَلْحَةَ، فَنَادَى: ((إنَّ الله ورَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأهْلِيّةِ، فإنها رِجْسٌ)) متفق عليه. فيه دليل على تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، وذكر المصنف لهذين الحديثين في باب النجاسات مبني على أن التحريم من لازمه التنجيس، وهو قول الأكثر، واستدل بعضهم بقوله: ((فإنها رجس)) أي نجس. 24- وعن عَمرو بن خارجةَ - رضي الله عنه - قَالَ: ((خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - بِمِنَىً، وَهُوَ على رَاحِلَتِهِ، ولُعَابُهَا يسيل على كَتِفِي)). أخرَجَهُ أحمد والترمذيُّ وصححه. فيه دليل على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر. 25- وعن عائشة - رضي الله عنها -، قالت: ((كانَ رَسُولُ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثم يخرُجُ إلى الصَّلاة في ذلك الثّوبِ، وأنَا أَنْظُرُ إلى أثَرِ الْغَسْلِ فيه)). متفق عليه، ولمسْلمٍ: ((لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرْكاً، فَيُصَلِّي فِيهِ)) وفي لفظ له: ((لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يابساً بظُفْري مِنْ ثَوْبِهِ)). فيه دليل على مشروعية غسل المني وفركه يابسا وحته، وعن ابن عباس أنه سئل عن المني يصيب الثوب فقال: إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق والبزاق، إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة. 26- وعن أبي السَّمْحِ - رضي الله عنه - قال: قالَ رَسُولُ اللهِِ- صلى الله عليه وسلم -: ((يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، ويُرشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلامِ)) أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم. فيه دليل على الفرق بين بول الغلام وبول الجارية في الحكم، وذلك قبل أن يأكلا الطعام كما قال قتادة راويه: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعا: أي إذا حصل لهم الاغتذاء بغير اللبن غسلا، والأكثر على أن بول الصبي نجس وإنما خفف الشارع في تطهيره. 27- وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أبي بكر - رضي الله عنهما -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ -في دَمِ الحَيْضِ يُصيبُ الثّوبَ-: ((تَحُتُّهُ، ثمَّ تَقْرُضُهُ بالمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فيهِ)) متفق عليه. فيه دليل على نجاسة دم الحيض، وعلى وجوب غسله والمبالغة في إزالته. 28- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالتْ خَوْلَةُ: يا رَسُولُ اللهِِ ، فإنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قالَ: ((يَكْفِيكِ الْمَاءُ، ولا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ)) أخرجه الترمذي وسنده ضعيف. هذا الحديث أخرجه أيضا أحمد وأبوداود عن أبي هريرة: (أن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله، ليس لي إلا ثوب واحد، وأنا أحيض فيه، قال: ((فإذا طهرت فاغسلي موضع الدم ثم صلي فيه))، قالت: يا رسول الله، إن لم يخرج أثره؟ قال: ((يكفيك الماء، ولا يضرك أثره)). وعن معاذة قالت: ((سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم؟ فقالت: تغسله، فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة، قالت: ولقد كنت أحيض عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث حيض جميعاً لا أغسل لي ثوبا)) رواه أبوداود. فيستفاد من مجموع هذه الأحاديث المبالغة في إزالة دم الحيض، وأنه لا يضر أثره بعد غسله، واستحباب تغيير أثره بصفرة ونحوها، وعدم وجوب غسل جميع الثوب، وطهارة عرق الحائض، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(4) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب الوضوء 29- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّهُ قال: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتي لأمرتُهُم بالسِّواكِ مَعَ كلِّ وُضُوءٍ». أخرجه مالك وأحمد والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وذكره البخاري تعليقا. الوضوء بالضم: الفعل، وبالفتح: ماؤه. وفي الحديث الصحيح: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». قوله: (لو لا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) أي: أمر إيجاب، وهو سنة عند جماهير العلماء، وقيل بوجوبه، وحديث الباب دليل على عدم وجوبه، وقد ورد في فضله أحاديث كثيرة: منها: «أنه من سنن المرسلين، ومن خصال الفطرة، وهو مطهرة للفم ومرضاة للرب، وفضل الصلاة التي يستاك لها على الصلاة التي لا يستاك لها سبعون ضعفا»، أخرجها أحمد وغيره، وهو مشروع في كل وقت، ويتأكد استحبابه عند الوضوء والصلاة وقراءة القرآن وتغير الفم والاستيقاظ من النوم. 30- وعن حُمْرَانَ - رضي الله عنه - أن عثمان دعا بوضوء فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم تَمَضْمَضَ واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ نحو وُضُوئي هذا. متفق عليه. (قوله: فغسل كفيه ثلاث مرات) هذا من سنن الوضوء باتفاق العلماء، (قوله: ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق) أي: مع المرفق، قال الشافعي: لا أعلم خلافا في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء، (قوله: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين) أي: العظمين الناتئين عند ملتقى الساق، وهما داخلان في الغسل. وفي الحديث وجوب الترتيب بين الأعضاء كما في الآية، واستحباب التثليث في غير الرأس. 31- وعن علي - رضي الله عنه - في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ومسح برأسه واحدة». أخرجه أبو داود. هذا الحديث نص في مشروعية مسح الرأس مرة واحدة. 32- وعن عبد الله بن زيد بن عاصم - رضي الله عنهما - في صفة الوضوء قال: «ومسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأسه فأقبل بيديه وأدبر». متفق عليه ، وفي لفظ لهما: «بدأ بمُقَدَّم رأْسِهِ حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه». هذا اللفظ يبين الإقبال والإدبار المذكورين في الحديث، قال في سبل السلام: والظاهر أن هذا العمل المخير فيه وأن المقصود من ذلك تعميم الرأس بالمسح. 33- وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - في صفة الوضوء قال: «ثم مسح - صلى الله عليه وسلم - برأسه وأدخل إِصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ في أُذُنَيهِ، ومسح بِإِبْهَامَيْهِ ظاهر أُذُنَيْه». أخرجه أبوداود والنسائي، وصححه ابن خزيمة. فيه مشروعية مسح الأذنين وصفته. 34- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رَسُولُ اللهِِ- صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يَبِيتُ على خيشومه». متفق عليه. فيه دليل على مشروعية الاستنثار عند القيام من النوم، وفي رواية للبخاري: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه». وأوجبه أحمد وجماعة. 35- وعنه «إذا استيقظ أحدُكُم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده». متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. الحديث يدل على مشروعية غسل اليدين لمن قام من نومه ليلاً أو نهاراً، وأوجبه أحمد من نوم الليل. 36- وعن لَقِيْط بن صَبِرَة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: « أَسْبغِ الوضوء، وَخَلِّلْ بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما» أخرجه الأربعة، ولأبي داود في رواية: «إذا تَوَضَّأتَ فَمَضْمِضْ». الحديث دليل على وجوب إسباغ الوضوء، وهو إتمامه، واستكمال الأعضاء، ووجوب تخليل الأصابع، ووجوب المضمضة والاستنشاق، واستحباب المبالغة فيهما لغير الصائم. 37- وعن عثمان - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُخلِّل لحيته في الوضوء». أخرجه الترمذي، وصححه ابن خزيمة. فيه دليل على مشروعية تخليل اللحية. 38- وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - قال: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أُتيَ بثُلُثي مد فجعل يَدْلُك ذراعيه». أخرجه أحمد، وصححه ابن حزيمة. هذا أقل ما روي أنه توضأ به - صلى الله عليه وسلم -. وفيه دليل على مشروعية الدّلك لأعضاء الوضوء. 39- وعنه - رضي الله عنه - أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ لأُذنيه ماءً خلاف الماء الذي أَخَذَهُ لرأسه، أخرجه البيهقي، وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: «ومسح برأسه بِمَاءٍ غيرِ فَضْلِ يديه» وهو المحفوظ. أخذ الماء الجديد للرأس لا بد منه وهو الذي دلت عليه الأحاديث وأنه - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه وأذنيه مرة واحدة، واستحب أحمد والشافعي أن يمسح أذنيه بماء جديد لهذا الحديث، قال في سبل السلام: وأقرب ما يقال فيه أنه لم يبق في يده بلة تكفي لمسح الأذنين فأخذ لهما ماءً جديداً. 40- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رَسُولَ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن أمتي يأتون يوم القيامة غُرّاً مُحَجَّلين من أَثَرِ الوُضُوء فمن استطاع منكم أن يُطِيلَ غُرَّتَهُ فليفعل». متفق عليه، واللفظ لمسلم. وفي رواية لمسلم: «فليطل غرته وتحجيله»، والحديث دليل على مشروعية إطالة الغرة والتحجيل؛ وإطالة الغرة في الوجه أن يغسل إلى صفحتي العنف. 41- وعن عائشة - رضي الله عنها -قالت: «كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التَّيمنُ في تَنَعُّلِه وتَرَجُّلِه وطَهُورِهِ وفي شأنه كله». متفق عليه. الحديث دليل على استحباب البداءة في لبس النعل باليمنى، والبداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل والغسل والحلق، وبالميامن في الوضوء والغسل والأكل والشرب وغير ذلك، قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزين، وما كان بضدها استحب فيه التياسر. (قوله: وفي شأنه كله) قال ابن دقيق العيد: هو عام مخصوص بدخول الخلاء والخروج من المسجد ونحوهما فإنه يبدأ فيه باليسار انتهى، ويبدأ باليسار أيضاً في خلع النعل والثوب ونحوهما، والله أعلم. 42- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: «إذا توضأْتُم فابدأوا بميامنكم». أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة. الحديث دليل على مشروعية البداءة بالميامن عند الوضوء في غسل اليدين والرجلين، واختلف في وجوب ذلك. 43- وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ، فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين». أخرجه مسلم. الحديث دليل على جواز الاقتصار على مسح الناصية، وفيه مشروعية مسح الخفين، قال ابن القيم: إنه- صلى الله عليه وسلم - كان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى الناصية والعمامة تارة، قال في سبل السلام: وأما الاقتصار على العمامة بالمسح فلم يقل به الجمهور. 44- وعن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال- صلى الله عليه وسلم -: «ابْدءُوا بما بَدَأَ الله به». أخرجه النسائي هكذا بلفظ الأمر، وهو عند مسلم بلفظ الخبر. لفظ الحديث عند مسلم: «ثم خرج» أي النبي - صلى الله عليه وسلم - من «الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر الله، نبدأ بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا لبداءة الله به في الآية، وآية الوضوء وهي قوله تعالى: ï´؟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ï´¾ [المائدة: 6] داخلة تحت الأمر بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ابدءوا بما بدأ الله به»، فيجب البداءة بغسل الوجه ثم ما بعده على الترتيب. 45- وعنه - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه». أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف. الحديث دليل على دخول المرفقين في الغسل، قال الشافعي: لا أعلم فيه خلافاً. 46- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، أخرجه أحمد وأبوداود وابن ماجه بإسناد ضعيف، وللترمذي عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه، وقال أحمد: لا يَثْبُتُ فيه شيء. لفظ الحديث: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» وعند الطبراني من حديث أبي هريرة: «إذا توضأت فقل: بسم الله والحمد لله، فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء». والحديث دليل على مشروعية التسمية في الوضوء، واختلف العلماء في وجوبها. 47- وعن طلحة بن مُصَرِّف عن أبيه عن جده - رضي الله عنه - قال: «رأيت رَسُولَ اللهِِ - صلى الله عليه وسلم - يَفْصِلُ بين المضمضة والاستنشاق».أخرجه أبو داود، بإسناد ضعيف. جدّ طلحة كعب بن عمران الهمداني، قال ابن عبدالبر: له صحبة انتهى. والحديث دليل على مشروعية الفصل بين المضمضة والاستنشاق، بأن يؤخذ لكل واحد ماء جديد. 48- وعن علي - رضي الله عنه - في صفة الوضوء: «ثم تمضمض - صلى الله عليه وسلم -، واستنثر ثلاثاً، يُمَضْمِضُ وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء». أخرجه أبوداود والنَّسائِيُّ. فيه دليل على مشروعية الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، قال في سبل السلام: ومع ورود الروايتين الجمع وعدمه فالأقرب التخيير، وأن الكل سنة، وإن كان رواية الجمع أكثر وأصح. 49- وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - في صفة الوضوء: «ثم أدخل - صلى الله عليه وسلم - يده فمضمض واستنشق من كف واحدة، يفعل ذلك ثلاثاً». متفق عليه. قال الحافظ: وقد ذكروا أن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه اعتبار أوصاف الماء، لأن اللون يدرك بالبصر؛ والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف. 50- وعن أنس - رضي الله عنه - قال: «رأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - رجلاً وفي قدمه مثل الظُّفُرِ لم يُصِبْهُ الماء، فقال: ارجع فَأحْسِنْ وُضُوءَكَ».أخرجه أبو داود والنسائي. الحديث دليل على وجوب استيعاب أعضاء الوضوء؛ وعلى وجوب الموالاة؛ حيث أمره أن يعيد الوضوء. 51- وعنه - رضي الله عنه - قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ بالمدِّ ويغتسلُ بالصَّاعِ إلى خَمْسَةِ أمداد». متفق عليه. الحديث دليل على مشروعية التخفيف وعدم الإسراف في ماء الوضوء والغسل، قال البخاري: وكره أهل العلم فيه أن يتجاوز فعل النبي- صلى الله عليه وسلم -. 52- وعن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: «ما منكم من أحد يتوضأ فَيسُبْغُ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، إلا فُتِحَتْ لـه أبوابُ الجنةِ الثمانيةُ يدخُلُ من أيِّها شاءَ» أخرجه مسلم والترمذي وزاد «اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين». لما كانت التوبة طهارة الباطن من أدران الذنوب، والوضوء طهارة الظاهر من الأحداث، ناسب الجمع بينهما في الدعاء وقد قال تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ï´¾ [البقرة: 222]. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(5) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب المسح على الخُفَّينِ المسح على الخف جائز عند عامة أهل العلم، قال الحسن: «حدثني سبعون من أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم - أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - مسح على الخف». 53- عن المُغِيرَةِ بن شُعْبَةَ - رضي الله عنه - قالَ: «كُنْتُ مَع النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَوَضَّأَ، فَأَهْوَيْتُ لأنْزِعَ خُفّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فمَسَحَ عَلَيْهِمَا». متفقٌ عليه. وللأربعة إلاّ النسائي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى الخفِّ وأسْفَلَهُ». وفي إسناده ضعفٌ. الحديث دليل على جواز المسح على الخفين. قال الإمام أحمد: ليس في نفسي من المسح على الخفين شيء، عندي فيه أربعون حديثاً عن النبي- صلى الله عليه وسلم - (قوله: كنت مع النبي- صلى الله عليه وسلم -): أي في سفر كما صرح به البخاري، وعند مالك وأبي داود: «أنه في غزوة تبوك». 54- وعن عليٍّ - رضي الله عنه -أنّهُ قال: «لَوْ كان الدِّينُ بالرأي لكان أسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلاهُ، وقَد رَأَيْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يَمْسَحُ على ظاهِر خُفّيْهِ». أخرجه أبو داود بإسنادٍ حَسَنٍ. الحديث دليل على أن محل المسح ظاهر الخفين لا غير، وصفته: أن يمسح بيده من مقدم الخف إلى أصل الساق مرة واحدة ويفرج بين أصابعه. 55- وعن صَفْوانَ بن عَسّالٍ - رضي الله عنه - قالَ: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمُرُنا إذا كنّا سَفْراً أنْ لا نَنْزَعَ خِفَافَنَا ثَلاَثَةَ أيّامٍ ولَيَالِيَهُنَّ، إلا مِنْ جَنَابَةٍ، ولَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ» أخرجه النسائيُّ والترمذيُّ، واللفظ له، وابن خزيمة، وصححاه. الحديث دليل على توقيت المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وفيه دلالة على اختصاصه بالوضوء دون الغسل، وهو إجماع، قال البخاري: ليس في التوقيت شيء أصح من حديث صفوان بن عسال المرادي. 56- وعن عليٍّ بن أبي طالب - رضي الله عنه - قالَ: «جَعَل رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثَةَ أيّامٍ ولَيَالِيَهُنَّ للمُسَافِرِ، ويَوْماً ولَيْلَةً للمُقِيم» ـ يعْني في المسْح على الخُفَّيْنِ ـ أخرجه مسلمٌ. الحديث دليل على مشروعية المسح على الخفين للمقيم أيضاً وعلى توقيته بيوم وليلة، وإنما زاد للمسافر في المدة لمشقة السفر. 57- وعن ثَوْبَانَ - رضي الله عنه - قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سَرِيَّةً، فأمَرهُمْ أنْ يَمسَحُوا على الْعَصَائِبِ ـ يعني العَمَائِمَ ـ والتّساخِين يعْني الخِفَاف». روَاه أحمد وأبوداود وصححه الحاكم. ظاهر الحديث جواز المسح على العمائم كالمسح على الخفين وبه قال الإمام أحمد وجماعة، وقال الجمهور لا يمسح عليها، وقيل لا يمسح إلا لعذر كالبرد ونحوه. 58- وعن عُمَرَ - رضي الله عنه - -مَوْقُوفاً- وعن أنسٍ –مَرْفوعاً-: «إذا تَوَضَّأَ أحَدُكمْ فَلَبـِسَ خُفّيْهِ فَلْيَمْسَحْ عليْهِمَا، ولْيُصَلِّ فِيهِمَا، ولا يَخْلَعْهُمَا إنْ شاء إلا مِنَ جَنَابَةِ» أخرجه الدار قطني والحاكم وصححه. الحديث دليل على شرطية الطهارة الكاملة قبل لبس الخفين كما في قوله في حديث المغيرة عند أبي داود: «فإني أدخلت القدمين وهما طاهرتان». 59- وعن أبي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - عن النّبيِّ- صلى الله عليه وسلم -: «أنّهُ رَخّص لَلْمُسَافِرِ ثَلاثَةَ أيَامٍ ولَيَاليَهُنَّ، وللمُقيمِ يَوْماً ولَيْلَةً، إذا تَطَهّرَ فَلَبِسَ خُفّيْهِ: أنّ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا». أخرجه الدارقطنيُّ وصححه ابن خزيمة. 60- وعنْ أُبيِّ بن عِمَارَةَ - رضي الله عنه -، أنّهُ قالَ: «يا رَسُولَ الله أَمْسَحُ على الْخُفّيْنِ؟ قال: «نَعَمْ» قَالَ: يوماً؟ قال: «نَعَمْ» قَال: ويَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قالَ: وَثلاثَةَ أيّامٍ؟ قالَ: «نعم وما شِئْتَ» أخْرَجَهُ أبو داود، وقالَ: لَيْس بالقَويِّ. استدل به على عدم توقيت المسح، والحديث لا يقاوم الأحاديث التي سلفت ولا يدانيها لضعفه، ولو ثبت لكان إطلاقه مقيداً بتلك الأحاديث كما يقيد بشرطية الطهارة. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(6) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب نواقض الوضوء النواقض جمع ناقض: وهو ما أبطل الوضوء، والخارج من أحد السبيلين ناقض بالإجماع؛ فأما غيره من النواقض فمختلف فيها، وقد ورد في ذلك أحاديث والعمل بها أحوط. 61- عن أنس بن مَالكٍ- رضي الله عنه - قال: ((كانَ أصْحَابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عَهْدِهِ يَنْتَظرُونَ الْعِشَاءَ حتى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ ولا يَتَوَضَّؤونَ)). أخرجه أبوداود وصححه الدارقطني، وأصْلهُ في مُسْلم. (قوله: وأصله في مسلم) أي من حديث أنس، ولفظه: ((أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشاء ذات ليلة إلى شطر الليل أو كاد يذهب شطر الليل ثم جاء فقال: إن الناس قد صلوا وناموا وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة))، والحديث دليل على أن النوم الخفيف الذي لا يستغرق العقل حتى لا يبقى معه إدراك لا ينقض الوضوء، وأما النوم المستغرق فهو ناقض للوضوء كما في حديث صفوان وغيره، وألحق العلماء بالنوم الإغماء والجنون والسكر. 62- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: ((جاءَتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيش إلى النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فقَالَتْ: يا رسولَ الله، إنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ قالَ: لا، إنّمَا ذلِكَ عِرْقٌ ولَيْسَ بحَيْضٍ، فإذا أَقْبَلَتْحَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وإذا أَدْبَرَتْ فاغْسِلي عَنْكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي)) متفق عليه، وللبخاريِّ: ((ثمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صلاةٍ)) وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمداً. الحديث دليل على وقوع الاستحاضة، وعلى أن لها حكماً يخالف حكم الحيض وقد بينه- صلى الله عليه وسلم - أكمل بيان، فإنه أفتاها بأنها لا تدع الصلاة مع جريان دم الاستحاضة، فإذا أقبلت حيضتها تركت الصلاة فيها، وإذا أدبرت غسلت الدم واغتسلت وصلت. ويأتي بيان ذلك في باب الحيض إن شاء الله تعالى. (قوله: وللبخاري ثم توضئي لكل صلاة) وأشار مسلم إلى أنه تركها عمدا فإنه قال: وفي حديث حماد حرف تركنا ذكره، وقد قدر المصنف في الفتح أنها ثابتة من طرق، وساق المصنف حديث المستحاضة في باب نواقض الوضوء لأجل هذه الزيادة وهي قوله: ((ثم توضئي لكل صلاة)) وفيها حجة على أن دم المستحاضة حدث من جملة الأحداث ناقض للوضوء. 63- وعن عليِّ بن أبي طالبٍ - رضي الله عنه - قال: كُنْتُ رَجُلا مَذَّاءً فأمَرْتُ المِقْدَادَ أنْ يَسْأَلَ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، فسَأَلَهُ، فقَالَ: ((فيهِ الْوُضُوءُ)) متفقٌ عليهِ، واللفظ للبخاري. الحديث دليل على أن المذي ينقض الوضوء، وعلى أنه لا يوجب غسلاً. وفي رواية أبي داود: ((يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ)) وفي حديث سهل بن حنين: ((فقلت: يا رسول الله كيف بما يصيب ثوبي منه؟ قال: يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضح به ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه)). رواه أبوداود والترمذي. 64- وعن عائشة - رضي الله عنها -: ((أنَّ النَّبي- صلى الله عليه وسلم - قَبّل بَعْضَ نِسائِهِ، ثمَّ خَرَجَ إلى الصَّلاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأ)). أخرجهُ أحمد، وضَعَّفَهُ البخاري. الحديث دليل على أن لمس المرأة وتقبيلها لا ينقض الوضوء، وذهب الشافعية إلى أنَّه ينقض لقوله تعالى: ï´؟ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ ï´¾ [النساء: الآية43] لكن فسرت الملامسة بالجماع كما ثبت ذلك عن علي وابن عباس. وقال الإمام أحمد: ينقض لمسها بشهوة. وهو الراجح. 65- وعن أبي هرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قالَ: قَالَ رسولُ الله: ((إذا وَجَدَ أَحَدُكُمْ في بطنِهِ شيئاً، فأَشْكل عليه: أَخَرَجَ مِنْهُ شيءٌ، أمْ لا؟ فَلا يخْرُجَنَّ مِنَ المَسْجِدِ حتَّى يَسْمَعَ صَوْتاً أوْ يَجِدَ ريحاً)) أخرجه مُسْلم. هذا الحديث أصل من أصول الإسلام وقاعدة من قواعد الفقه، وهو أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا أثر للشك الطارئ، والحديث عام لمن كان في الصلاة أو خارجها وهو قول الجمهور. 66- وعن طَلْقِ بن عليٍّ - رضي الله عنه - قالَ: ((قالَ رَجُلٌ مَسَسْتُ ذَكَرِي، أَوْ قَال: الرَّجُلُ يَمَسُّ ذَكَرَهُ في الصلاةِ، أَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ النّبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: لا، إنّما هُوَ بَضْعَةٌ مِنْك)) أخرجهُ الخمسَةُ، وصححه ابن حبان، وقالَ ابنُ المَديني: هوَ أحْسَنُ مِنْ حديث بُسْرَة. 67- وعن بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوانَ - رضي الله عنها -: أنَّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ((مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأ)) أخرجه الخَمْسَةُ وصححه الترمذي وابن حبان وقالَ البُخاريُّ: هُوَ أصَحُّ شيءٍ في هذا الْبَابِ. حديث طلق يدل على ما هو الأصل من عدم نقض الوضوء من مس الذكر، وقال به جماعة، وذهب الجمهور إلى أن مسه ينقض الوضوء لحديث بسرة لأنها متأخرة الإسلام، وحديث طلق قبلها فيكون ناسخاً له. قال البيهقي: يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أنه لم يخرجه صاحبا الصحيحين ولم يحتجا بأحد من رواته، وقد احتجا بجميع رواة حديث بسرة، وقال مالك: يتوضأ من مس الذكر ندباً لا وجوباً. 68- وعن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أصابَهُ قَيءٌ أَوْ رُعَافٌ، أَوْ قَلَسٌ، أَوْ مَذْيٌ فَلْينْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأ، ثمَّ ليَبْنِ على صلاتِهِ، وهُوَ في ذلك لا يَتَكَلّمُ)). أَخْرَجَهُ ابن مَاجَهُ وضَعَّفَهُ أحمد وغيره. اختلف العلماء في نقض الوضوء من القيء، والصحيح أنه من نواقض الوضوء، لما روى أبوداود أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قاء فتوضأ، رواه الأثرم والترمذي وقال هذا أصح شيء في هذا الباب، وأما القلس فقال في النهاية فيه: ((من قاء أو قلس فليتوضأ)) القلس بالتحريك وقيل بالسكون: ما خرج من الجوف ملأ الفم أو دونه وليس بقيء فإن عاد فهو القيء انتهى. ولا ينقض اليسير من القلس على الصحيح، وأما المذي فهو ناقض بالإجماع، وأما الرعاف ففي نقضه خلاف؛ والراجح أن كثيره ينقض، وروى الدارقطني عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ليس الوضوء من القطرة والقطرتين)) وقال ابن عباس في الدم إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة. (قوله: فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم) استدل به على أن الحدث لا يفسد الصلاة، والصحيح أنها تبطل به لحديث طلق بن علي الآتي في شروط الصلاة: ((إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة)) رواه الخمسة وصححه ابن حبان. 69- وعن جابر بن سَمُرةَ - رضي الله عنه -: ((أنَّ رجُلاً سألَ النّبيَّ- صلى الله عليه وسلم -: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ قالَ: ((إنْ شِئْتَ)) قالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإبل؟ قالَ: ((نَعَمْ)) أخرجه مسلمٌ. الحديث دليل على نقض لحوم الإبل للوضوء، وبه قال أحمد وجماعة، وحكي عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به، قال البيهقي: قد صح فيه حديثان: حديث جابر، وحديث البراء. 70- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قالَ: قالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ غَسّلَ مَيِّتاً فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلهُ فَلْيَتَوضَأ)) أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسّنهُ، وقالَ أحمدُ: لا يَصحُّ في هذا البابِ شيء. قوله: (من غسل ميتاً فليغتسل) الأمر فيه للندب لا للوجوب، وعن ابن عمر قال: ((كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل)) رواه عبدالله بن أحمد (قوله: ومن حمله فليتوضأ) يحمل على غسل اليدين، قال الحافظ: لا أعلم قائلاً يقول بأنه يجب الوضوء من حمل الميت ولا يندب. انتهى. وعن ابن عباس أنه- صلى الله عليه وسلم - قال: ((ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهراً وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)) رواه البيهقي، قال الموفق في المغني: اختلف أصحابنا في وجوب الوضوء من غسل الميت فقال أكثرهم: بوجوبه، وقال أبو الحسن التميمي: لا وضوء فيه، وهذا قول أكثر الفقهاء وهو الصحيح إن شاء الله، وما روي عن أحمد في هذا يحمل على الاستحباب. انتهى ملخصاً. 71- وعن عبدالله بن أبي بَكْرٍ - رضي الله عنهما -: ((أنَّ في الكتابِ الذي كَتَبَهُ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لِعَمْرِو بن حَزْمٍ: ((أنْ لا يَمسَّ القْرْانَ إلا طاهِرٌ)). رواه مالك مرسلاً، ووصله النّسائيُّ وابن حبان، وهُو مَعْلُولٌ. المعلول من أغمض علوم الحديث وأدقها، وكتاب عمرو بن حزم تلقاه الناس بالقبول، قال ابن عبدالبر: إنه أشبه بالمتواتر انتهى. وفيه دليل على النهي عن مس المصحف للجنب والحائض والمحدث. 72- وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَذْكُرُ الله عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ)). رَوَاه مُسْلِمٌ، وعَلَّقَهُ البخاري. فيه استحباب ذكر الله على كل حال متطهراً أو غيره، ويدخل في ذلك تلاوة القرآن ما لم يكن جنباً، والمراد بكل أحيانه معظمها لا حالة الغائط والبول والجماع. 73- وعن مُعَاويةَ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((الْعَينُ وِكَاءُ السّهِ، فَإذا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ)). رواهُ أحمد والطبراني، وزاد: ((ومَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأ))، وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث علي دون قوله: ((اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ)) وفي كلا الإسنادين ضعف. 74- ولأبي داودَ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مَرْفوعاً: ((إنَّما الوُضُوءُ على مَنْ نَامَ مُضْطَجِعاً)) وفي إسنادِهِ ضَعْفٌ أيضاً. (قوله: العين وكاء السه) أي الدبر ((فإذا نامت العينان استطلق الوكاء)) فيه دليل على أن النوم المستغرق ينقض الوضوء، ولهذا قال: ((ومن نام فليتوضأ)) والجمع بين ما تقدم وبين قوله: ((إنما الوضوء على من نام مضطجعاً)) أنه خرّج على الأغلب، فإن الغالب على من أراد النوم الاضطجاع، والله أعلم. 75- وعن أنس بن مالك- رضي الله عنه -: ((أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - احْتَجَمَ وصلّى، ولمْ يَتَوَضَّأ)). أخرجهُ الدارقطني، وبَيّنَه. الحديث دليل على أن خروج الدم من البدن غير الفرجين لا ينقض الوضوء، وقد اختلف العلماء في ذلك، وقال البخاري: باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر، وقول الله تعالى: ï´؟ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ ï´¾[النساء: الآية:43] وقال عطاء فيمن يخرج من دبره الدود أو من ذكره نحو القملة يعيد الوضوء، قال جابر بن عبدالله إذا ضحك في الصلاة أعاد الصلاة ولم يعد الوضوء، وقال الحسن: إن أخذ من شعره وأظفاره أو خلع خفيه فلا وضوء عليه، وقال أبوهريرة: لا وضوء إلا من حدث؛ ويذكر عن جابر: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في غزوة ذات الرقاع فرُمِيَّ رجل بسهم فنزف الدم فركع وسجد ومضى في صلاته)) وقال الحسن: ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم، وقال طاوس ومحمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز: ليس في الدم وضوء، وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها الدم ولم يتوضأ، وبزق ابن أبي أوفى دماً ومضى في صلاته، وقال ابن عمر والحسن فيمن يحتجم: ليس عليه إلا غسل محاجمه، قال الحافظ: قوله باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين أشار بذلك إلى خلاف من رأى الوضوء مما يخرج من البدن كالقيء والحجامة وغيرها، ويمكن أن يقال: إن نواقض الوضوء المعتبرة ترجع إلى المخرجين، فالنوم مظنة خروج الريح ولمس المرأة ومس الذكر مظنة خروج المذي انتهى. قول الحسن أو خلع خفيه فلا وضوء عليه خالفه الجمهور في ذلك، (قوله: إن النبي- صلى الله عليه وسلم - احتجم وصلى ولم يتوضأ) قال في المنتقى: وقد صح عن جماعة من الصحابة ترك الوضوء من يسير الدم، ويحمل حديث أنس وما قبله أي حديث الرعاف على الكثير الفاحش جمعاً بينهما. 76- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ((يأتي أحدَكُمْ الشّيْطَانُ في صَلاتِهِ، فَيَنْفُخُ في مَقْعَدتِهِ فَيُخَيّلُ إليه أنّه أَحْدَثَ، ولم يُحْدِثْ، فإذا وجد ذلك فلا يَنْصَرِفْ حَتى يَسْمَعَ صَوْتاً أو يَجِدَ رِيحاً)). أخرجه البَزَّارُ، وأصله في الصحيحين من حديث عبدالله بن زيد. 77- وَلُمسْلِم عن أبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - نَحْوُهُ. 78- وللحاكِمِ عن أبي سعيد مرفُوعاً: ((إذَا جاءَ أحَدَكُمُ الشّيْطانُ، فقالَ: إنك أَحْدَثْتَ. فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ)) وأخرجه ابنُ حِبّان بلفظ ((فَلْيَقُلْ في نَفْسِهِ)). قد تقدم حديث أبي هريرة: ((إذا وجد أحدكم في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً))، وهو عام في الصلاة وغيرها، وهذه الأحاديث في الصلاة خاصة، ولعل المصنف – رحمه الله - أخرها لهذا المعنى، وهذه الأحاديث دالة على حرص الشيطان على إفساد عبادة بني آدم خصوصاً الصلاة وما يتعلق بها وأنهم لا يأتيهم غالباً إلا من باب التشكيك في الطهارة تارة بالقول وتارة بالفعل، ومن هنا تعرف أن أهل الوسواس امتثلوا ما فعله الشيطان وقاله، أعاذنا الله منه وبالله التوفيق. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(7) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (آداب قضاء الحاجة) من بلوغ المرام باب آداب قضاء الحاجة الحاجة: كناية عن خروج البول والغائط، ويعبر عنه بالاستطابة والتخلي والتبرز والاستنجاء. 79- عن أنَسِ بن مالك ـ - رضي الله عنه -ـ قالَ: ((كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دَخَلَ الْخَلاءَ، وَضَعَ خَاتَمَهُ)) أخرجه الأربعةُ، وهوَ مَعْلُولٌ. الحديث دليل على تبعيد ما فيه ذكر الله- عز وجل- عند قضاء الحاجة لأن نقش خاتمه- صلى الله عليه وسلم -((محمد رسول الله)). 80- وعنه - رضي الله عنه - قالَ: ((كَانَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذَا دخَلَ الْخَلاءَ قَالَ: ((اللّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ والخَبَائِثِ)). أخرجه السّبعةُ. (قوله: إذا دخل الخلاء) أي أراد دخوله، وفي رواية: ((إذا أتى الخلاء)) وهي أعم. ولسعيد ابن منصور: كان يقول: ((بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)) وفيه دليل على مشروعية هذا الذكر عند إرادة قضاء الحاجة. 81- وعن أنَسٍ - رضي الله عنه - قالَ: ((كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُ الخلاء، فأحمِلُ أنا وغُلامٌ نحْوي إدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وعَنَزَةً، فَيَسْتَنْجِي بالماء)) متفق عليه. العنزة: الحربة الصغيرة، قيل الحكمة في حملها الاستتار بها؛ أو لأنه كان إذا توضأ صلى إليها أو لغير ذلك من الحاجات. والحديث دليل على جواز استخدام الصغير، وعلى مشروعية الاستنجاء بالماء. وعن أبي هريرة قال: ((كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم - إذا أتى الخلاء أتيت بماء في تور أو ركوة فاستنجى منه ثم مسح يده على الأرض)) أخرجه أبوداود. 82- وعن المُغيرةِ بن شُعْبةَ - رضي الله عنه -قالَ: قالَ لي النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: ((خُذِ الإدَاوَةَ)) فانْطَلَقَ حتى تَوَارَى عَنِّي، فقَضى حَاجَتَهُ)). متفق عليه. الحديث دليل على مشروعية البعد والاستتار عند قضاء الحاجة. 83- وعن أبي هُرَيرةَ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((اتّقُوا اللَّاعِنَيْنِ: الذي يَتَخَلّى في طريق النّاسِ، أوفي ظِلِّهم)) رواه مسلم. 84- وزادَ أبو داودَ، عنْ مُعاذ- رضي الله عنه -: ((والمَوَارِدَ)). 85- ولأحْمَدَ عَنِ ابنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما -: ((أوْ نَقْعِ مَاءٍ)) وفيهمَا ضَعْفٌ. 86- وأَخْرَجَ الطّبرانيُّ النّهيَ عَنْ قضاء الحاجة تحْتَ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ، وضَفَّةِ النَّهْرِ الجَارِي. مِنْ حديثِ ابنِ عُمَرَ بِسَنَدٍ ضَعيفٍ. (قوله: اتقوا اللاعنين) أي الأمرين الجالبين للَّعْنِ، ولفظ أبي داود: ((اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل)) ولفظ أحمد: ((اتقوا الملاعن الثلاث أن يقعد أحدكم في ظل يستظل به أو في طريق أو نقع ماء))، فالذي تحصل من الأحاديث المذكورة ستة مواضع منهي عن التبرز فيها: قارعة الطريق والظل والموارد ونقع الماء والأشجار المثمرة وجانب النهر، وفي مراسيل أبي داود من حديث مكحول: ((نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أن يبال بأبواب المساجد)). 87- وعن جابر - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((إذا تَغَوَّطَ الرَّجُلانِ فلْيَتَوَارَ كلُّ واحِدٍ منْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ، ولا يتحدَّثَا؛ فإنَّ الله يمْقُتُ على ذلِكَ)). رواهُ أحْمَدُ، وصححه ابن السكن وابن القطان، وهو معْلُولٌ. الحديث دليل على وجوب ستر العورة، والنهي عن التحدث حال قضاء الحاجة، وقوله: (فإن الله يمقت على ذلك) المقت: هو أشد البغض. وأخرج الجماعة إلا البخاري عن ابن عمر: ((أن رجلاً مر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبول فسلم عليه فلم يردّ عليه)). 88- وعن أبي قَتَادَةَ - رضي الله عنه -قالَ: قالَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((لا يَمَسَّنَّ أحدُكُمْ ذَكَرَهُ بيمِينِه وهُوَ يَبُول، ولا يَتَمَسَّحْ منَ الخلاءِ بيمينِه، ولا يَتَنَفّسْ في الإناءِ)) متفق عليه، واللفظ لمسلم. الحديث دليل على النهي عن مس الذكر باليمين حال البول، وعن التمسح بها من الغائط أو البول، وعن التنفس في الإناء حال الشرب، وفيه التنبيه على شرف اليمين وصيانتها عن الأقذار، والنهي عن التنفس في الإناء لئلا يقذره على غيره، أو يسقط من فمه أو أنفه ما يفسده. 89- وعن سلمانَ - رضي الله عنه - قالَ: ((لَقَدْ نهَانَا رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم - أنْ نَسْتَقبلَ القبلَةَ بغائِطٍ أوْ بوْلٍ، أو أنْ نسْتَنْجيَ باليَمينِ، أو نَسْتَنْجِيَ بأقَلَّ منْ ثلاثَةِ أحْجارٍ، أو أن نَسْتَنْجيَ بِرَجيعٍ أوْ عَظْمٍ)). رواهُ مسلمٌ. 90- وللسبعةَ عن أبي أَيُّوبَ الأنصاريِّ - رضي الله عنه -: ((لا تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ ولا تَسْتَدْبِرُوها، بغَائِطٍ أو بَوْلٍ ولكنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا)). الحديث ظاهر في النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، وفي الحديث المتفق عليه: ((لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها))، وفي حديث ابن عمر: ((رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت النبي- صلى الله عليه وسلم - يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة)) متفق عليه. واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال: أقربها أنه يحرم في الصحاري دون العمران، قال الشعبي: إن لله عباداً ملائكة وجناً يصلون فلا يستقبلهم أحد ببول ولا غائط ولا يستدبرهم، وأما كنفكم فإنما هي بيوت بنيت لا قبلة فيها. (قوله: أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) فيه دليل على أنه لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار، أو ما يقوم مقامها لمن اكتفى بها عن الماء. (قوله: ولكن شرقوا أو غربوا) صريح في جواز استقبال القمرين واستدبارهما إذ لا بد أن يكونا في الشرق أو الغرب غالباً. 91- وعن عائشة - رضي الله عنها -قالت: إنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«منْ أتى الغَائِطَ فَلْيَسْتَترْ)) رواه أبو داود. الحديث دليل على وجوب الاستتار عند قضاء الحاجة، وعند أحمد وغيره من حديث أبي هريرة أنه- صلى الله عليه وسلم - قال: ((من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيباً من رمل فليستدبره؛ فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج))، قال في سبل السلام: هذا غير التواري عن الناس فلو كان في فضاء ليس فيه إنسان استحب له أن يستتر بشيء. 92- وعَنْهَا -رضي الله عنها-: ((أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا خرَجَ مِنَ الغائطِ قالَ: ((غُفْرانَكَ)). أخرجه الخمسةُ وصححه أبو حاتم والحاكم. فيه استحباب الاستغفار عند الخروج من الخلاء، وقول: ((الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني)) كما ورد من حديث أنس عند ابن ماجه. 93- وعن ابن مسعودٍ - رضي الله عنه - قالَ: ((أتى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أنْ آتِيهُ بثلاثةِ أحْجارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، ولمْ أجِدْ ثالثاً، فَأَتَيْتُهُ بِرَوْثَةٍ. فَأَخَذَهُمَا وأَلْقَى الرَّوثَةَ))، وقالَ: ((إنَّهَا رِكْسٌ)) أخرجه البخاريُّ. وزاد أحْمدُوالدارقطني،((ائْتِني بِغَيْرِها)). (قوله: وألقى الروثة) زاد ابن خزيمة: ((أنها كانت روثة حمار))، وفي حديث خزيمة بن ثابت عند أبي داود: ((أنه- صلى الله عليه وسلم - سئل عن الاستطابة فقال بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع)). وقد أخذ بهذا الحديث الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث فاشترطوا أن لا تنقص الأحجار عن الثلاثة، وإذا لم يحصل الإنقاء بها زاد حتى ينقي، ويستحب الإيتار. 94- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قالَ: ((إنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يُسْتَنْجى بعظْمٍ، أوْ رَوْثٍ، وقالَ: ((إنّهُمَا لا يُطَهِّرانِ)) رواه الدارقطني وصححه. وعند البخاري أن أباهريرة قال للنبي- صلى الله عليه وسلم -: ((ما بال العظم والروث؟ قال: هي من طعام الجن))، وفي الحديث دليل على أن الاستنجاء بالأحجار طهارة لا يلزم معها الماء وإن كان الجمع بينهما أفضل؛ لأنه علل بأن العظم والروث لا يطهران فأفاد أن غيرهما يطهر. 95- وَعَنْ أبي هريرة - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسول ُاللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((اسْتَنزهُوا مِن الْبَوْلِ، فإنّ عامّةَ عذابَ القَبْرِ مِنْهُ)). رواه الدارقطنيُّ. 96- وللْحَاكِمِ: ((أكثرُ عَذابِ الْقبرِ مِنَ الْبَوْلِ)) وهوَ صحيحُ الإسْنادِ. الحديث دليل على تحريم ملامسة البول وعدم التحرز منه، وأنه سبب لعذاب القبر كما في الصحيحين من حديث ابن عباس في قصة صاحبي القبرين اللذين يعذبان قال النبي- صلى الله عليه وسلم - : ((أما أحدهما فكان لا يَسْتَنَزِهُ من بوله)). 97- وعن سُرَاقَةَ بن مالك - رضي الله عنه - قالَ: ((عَلّمَنَا رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في الْخَلاءِ أنْ نَقْعدَ على اليُسْرى، ونَنْصِب اليُمْنى)). رواهُ الْبَيْهقي بِسَنَدٍ ضَعيفٍ. قيل الحكمة في ذلك أنه يكون أعون على خروج الخارج، وقيل ليقلِّ استعمال اليمنى لشرفها. 98- وعن عيسى بن يَزْدَادَ، عن أبيه - رضي الله عنه - قال: قالَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((إذا بالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثلاث مَرَّاتٍ)). رواه ابنُ ماجَهْ بِسَنَد ضعيف. قيل الحكمة في ذلك حصول الظن بأن لم يبق في المخرج ما يخاف من خروجه. 99- وعَنْ ابنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما -: ((أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سألَ أَهْلَ قُبَاءٍ فقال إن الله يثني عليكم، فقالوا: إنّا نُتْبِعُ الحجارةَ الماءَ)). رواه البزَّارُ بسَنَدٍ ضعيفٍ، وأصله في أبي داود والترمذي، وصححه ابن حزيمة من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه -، بدون ذكر الحجارة. (قوله: وأصله في أبي داود) ولفظه عن أبي هريرة عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: ((نزلت هذه الآية في أهل قباء ï´؟ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ï´¾، قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية، انتهى، فالاستنجاء بالماء أفضل من الحجارة، والجمع بينهما أفضل. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
|
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(9) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب التيمم) من بلوغ المرم باب التـيمم 117- عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ((أُعْطِيتُ خَمْساً، لمْ يُعْطَهُنَّ أحَدٌ قَبْلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ مَسيرَةَ شَهْرٍ، وجُعِلَتْ ليَ الأرضُ مَسْجِداً وطَهُوراً، فأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصلاةُ فَلْيُصَلِّ))، وذكرَ الحديثَ. 118- وفي حديثِ حُذَيْفةَ - رضي الله عنه -، عنْدَ مسلم ((وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُوراً، إذا لمْ نجدِ المَاءَ)). 119- وعن علي - رضي الله عنه - عِنْدَ أحْمد: ((وَجُعلَ التُّرابُ لي طَهُوراً)). التيمم في اللغة: القصد، وفي الشرع: مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد. والأصل فيه قوله تعالى:﴿ وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ﴾[النساء: الآية:43]. والحديث دليل على أن التراب يرفع الحدث كالماء، وعلى جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض لقوله: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل)) وفي رواية أبي أمامة: ((فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فلم يجد ماء وجد الأرض طهوراً ومسجدا)) وفي لفظ: ((فعنده طهوره ومسجده)) (قوله في حديث حذيفة: وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء) وفي حديث علي: (وجعل التراب لي طهورا) قال في سبل السلام: هذا دليل من قال إنه لا يجزي إلا التراب، وقد أجيب بأن التنصيص على بعض أفراد العام لا يكون مخصصاً مع أنه من العمل بمفهوم اللقب، ولا يقوله جمهور أئمة الأصول انتهى. وتمام الحديث: ((وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس كافة)). 120- وعن عمّار بنُ ياسرٍ - رضي الله عنهما - قالَ: ((بَعَثَني النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حاجةٍ. فأَجْنَبْتُ، فلم أجدِ الماءَ، فَتَمَرَّغتُ في الصَّعيدِ كما تَتَمرَّغُ الدَّابَةُ، ثمَّ أَتَيْتُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرْتُ لهُ ذلكَ. فقالَ: ((إنّما يكْفيك أن تَقُولَ بيَدَيْكَ هكذا)): ثمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأرضَ ضَرْبَةً واحِدةً، ثم مسَحَ الشِّمَال على اليمينِ، وظَاهرَ كَفّيْهِ وَوَجْهَهُ)). متفقٌ عليه، واللفظ لمسلم، وفي رواية للبخاريِّ: ((وضَرَبَ بكَفّيْهِ الأرضَ، وَنَفَخَ فيهمَا، ثمَّ مَسَحَ بهمَا وَجْهَهُ وكَفّيْهِ)). استعمل عمار القياس في التراب على الماء فأبان له - صلى الله عليه وسلم - الكيفية المشروعة وأنه يكفي ضربة واحدة للوجه والكفين، وبه قال جمهور العلماء. 121- وعن ابن عُمَرَ - رضي الله عنهما - قالَ: قال رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((التّيَمُمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ للْوَجْهِ، وضَرْبَةٌ للْيَدَيْنِ إلى المرْفَقَيْنِ)). رواه الدارقطنيُّ، وصَحّحَ الأئمةُ وقْفَهُ. قال في سبل السلام: العمدة حديث عمار، وبه جزم البخاري في صحيحه فقال: باب التيمم للوجه والكفين. 122- وعن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((الصَّعيدُ وَضُوءُ المُسلم، وإن لم يجد الماءَ عشْرَ سنين. فإذا وَجَدَ الماءَ فلْيَتّقِ الله ولْيُمِسَّهُ بشرتَهُ)). رواه البزَّارُ وصححه ابن القطان، ولكن صوب الدارقطني إرساله. 123- وللترمذي عن أبي ذر نحوه، وصححه. فيه دليل على أن التيمم يقوم مقام الماء، ويرفع الجنابة رفعاً مؤقتاً إلى حال وجدان الماء. 124- وعنْ أبي سعيدٍ الْخُدْري - رضي الله عنه - قالَ: ((خرَجَ رجُلانِ في سَفَرٍ، فَحَضَرتِ الصَّلاةُ -وليسَ مَعهُمَا ماءٌ- فتَيمّما صَعيداً طَيِّباً، فصَلّيا، ثمَّ وَجَدَا الماءَ في الوقْتِ. فأعادَ أحَدُهُمَا الصلاة والوُضُوءَ، ولمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثمَّ أتَيَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك لـهُ، فقالَ للذي لمْ يُعِدْ: ((أصَبْتَ السُّنّةَ وأجْزأَتْكَ صلاتُكَ)) وقالَ لِلآخَرِ: ((لَكَ الأجْرُ مَرَّتَيْنِ)). رواه أبو داود والنسائي. الحديث دليل على أنه لا تجب الإعادة على من صلى بالتيمم ثم وجد الماء في الوقت بعد الفراغ من الصلاة. 125- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: في قولـه عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ [المائدة: 6] قال: ((إذا كانتْ بالرَّجُل الجراحَةُ في سبيلِ الله والقرُوحُ، فيُجنِبُ، فيخافُ أن يموت إن اغتسل، تيمَّم)). روَاهُ الدارقطني مَوْقُوفاً، ورَفَعَهُ البَزَّارُ، وصححه ابن خزيمة والحاكم. فيه دليل على شرعية التيمم إن خاف الموت أو الضرر، والتنصيص في كلام ابن عباس على الجراحة والقروح إنما هو مجرد مثال، وإلا فكل مرض كذلك كما هو ظاهر الآية. 126- وعن عليٍّ - رضي الله عنه - قالَ: ((انْكَسَرَتْ إحدى زَنْديَّ فسألْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأمَرَ أنْ أمْسحَ على الجبائر)). رواهُ ابنُ ماجَه بسَنَدٍ واهٍ جداً. 127- وعن جابرٍ - رضي الله عنه - ـ في الرَّجُلِ الذي شُجَّ، فاغْتَسل فمات ـ ((إنَّمَا كان يَكفيهِ أن يتيمّمَ، ويَعْصِبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثمَّ يَمْسَحُ علَيْهَا ويغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ)) رواه أبو داود بسَنَدٍ فيه ضعفٍ، فيهِ اختلافٌ على رواته. هذا الحديث والذي قبله قد تعاضدا على وجوب المسح على الجبائر بالماء، قال الموفق: لا يشترط تقدم الطهارة على شدّ الجبيرة في إحدى الروايتين لأن المسح عليها جائز دفعاً للمشقة، ونزعها يشق انتهى. قلت: ولا يحتاج مع مسحها إلى تيمم إذا شدها على طهارة، وإن شدها على غير طهارة مسح وتيمم احتياطاً ليخرج من الخلاف. 128- وعن ابْنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: ((مِنَ السُّنّةِ أنْ لا يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بالتّيَمُّم إلا صلاةً واحدةً، ثمَّ يتَيَمّمُ للصلاة الأخْرَى)). رواهُ الدارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا. قال في سبل السلام: وفي الباب عن علي - رضي الله عنه - حديثان ضعيفان، والأصل أنه تعالى قد جعل التراب قائماً مقام الماء وقد علم أنه لا يجب الوضوء إلا من الحدث فالتيمم مثله، انتهى، وقال علاء الدين المقدسي في اختيارات شيخ الاسلام ابن تيمية: والتيمم يرفع الحدث، وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد واختارها أبوبكر محمد الجوزي، وفي الفتاوى المصرية: التيمم لوقت كل صلاة إلى أن يدخل وقت الصلاة الأخرى كمذهب مالك وأحمد في المشهور عنه، وهو أعدل الأقوال انتهى، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(10) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب الحيض) من بلوغ المرام باب الحيض الحيض دم طبيعة وجبلة يرخيه الرحم إذا بلغت المرأة، ثم يعتادها في أوقات معلومة لحكمة تربية الولد، يخرج في الغالب في كل شهر ستة أيام أو سبعة، وقد يزيد على ذلك وينقص، قال الله تعالى: ï´؟ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ï´¾ [البقرة: الآية: 222]. 129- عَنْ عَائشةَ - رضي الله عنها - قالت: إنَّ فاطمة بنتَ أبي حُبيشٍ كانت تُسْتَحَاضُ، فقالَ رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم -: «إن دمَ الحَيْضِ دمٌ أسْوَدُ يُعْرفُ، فإذا كانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكي عَنِ الصلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فَتَوَضَّئي وصَلِّي» رواهُ أبوداود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم، واستنكره أبوحاتم. 130- وفي حديثِ أسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أبي داود: «وَلْتَجْلِسْ في مِرْكَنِ فإذا رأتْ صُفْرَةً فَوْقَ الماءِ فَلْتَغْتَسِلْ للظّهْرِ والْعَصْرِ غُسْلاً واحداً، وَتَغْتَسِلْ للمغْرب والعشَاءِ غُسْلاً واحداً. وتَغْتَسِلْ للفجرِ غُسْلاً، وتتَوضَّأُ فيما بين ذلك». (قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن دم الحيض دم أسود يعرف) فيه رد المستحاضة إلى صفة الدم بأنه إذا كان بتلك الصفة فهو حيض وإلا فهو استحاضة، وهي جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه، وللمستحاضة أحكام تفارق فيها الحائض: منها جواز وطئها، ووجوب الصلاة عليها دون الحائض، واستحباب غسلها لكل صلاتين، وأما الوضوء فواجب لكل صلاة. 131- وعن حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قالت: «كُنْتُ أُسْتحاضُ حَيْضَةً كَثيِرَةً شديدةً، فأَتَيْتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - أَسْتَفْتِيهِ، فقَالَ: «إنما هِيَ رَكْضَةٌ منَ الشّيطان، فَتَحيّضي ستّةَ أيامٍ، أوْ سَبْعَةَ أيامٍ، ثمَّ اغْتسِلي، فإذا اسْتَنْقأتِ فصَلِّي أربعةً وعشرين، أو ثلاثةً وعشرينَ، وصومي وصلِّي، فإنَّ ذلك يُجْزِئُك، وكذلك فافعلي كُلَّ شَهْرٍ كما تحيضُ النساءُ، فإنْ قَويتِ على أنْ تُؤخِّري الظُّهر وتُعَجِّلي العَصْرَ، ثمَّ تَغْتَسِلي حين تَطْهُرين، وتُصَلِّي الظهرَ والْعَصْرَ جميعاً، ثم تُؤخِّرين المغْرِبَ وتُعجِّلين العِشَاءَ، ثمَّ تَغْتَسِلينَ وَتجمَعين بينَ الصَّلاتينِ، فافْعَلِي. وتَغْتَسلينَ مَعَ الصُّبْحِ وتُصَلِّينَ. قال: وَهُوَ أَعْجبُ الأمرين إليَّ ». رواه الخمسة إلا النّسائيُّ وصححه الترمذي، وحسنه البخاري. (قوله: ثم تغتسلي حين تطهرين) لفظ أبي داود: «فتغتسلين فتجمعين بين الصلاتين»، (قوله: ثم تؤخرين المغرب والعشاء) لفظ أبي داود: «تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء» وقوله: «فتحيضي ستة أيام أو سبعة» فيه إعلام بأن للنساء أحد العددين فترجع إلى عادة نسائها، والحاصل أن للحائض إذا كانت مستحاضة ثلاثة أحوال: فإن كانت تعرف دم الحيض عملت بالتمييز، فإن لم يكن لها تمييز جلست عادتها، فإن لم يكن لها تمييز ولا عادة جلست في كل شهر ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلت وصلت، وهذا هو الراجح من أقوال العلماء، وهو رواية عن الإمام أحمد، قال الخرقي: فمن أطبق بها الدم فكانت ممن تميز فتعلم إقباله بأنه أسود ثخين منتن وإدباره رقيق أحمر تركت الصلاة في إقباله، فإذا أدبر اغتسلت وتوضأت لكل صلاة وصلت انتهى، والمبتدئة تجلس عادة نسائها، قال في المغني: روى صالح قال: أبي: أول ما يبدأ الدم بالمرأة تقعد ستة أيام وسبعة أيام وهو أكثر ما تجلسه النساء على حديث حمنة. 132- وعن عائشةَ - رضي الله عنها -«أنَّ أُمَّ حبيبةَ بِنْتَ جَحْشٍ شَكَتْ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الدَّمَ، فقَال: «امْكُثي قَدْرَ مَا كانتْ تحبِسُكِ حيضتُكِ، ثمَّ اغْتَسلِي»، فكانت تَغْتَسِلُ لكل صلاةٍ». رواهُ مُسلم، وفي روايةٍ للْبُخاريِّ: «وتَوَضَّئي لكلِّ صلاة» وهي لأبي داود وغيره من وجه آخر. الحديث دليل على إرجاع المستحاضة إلى عادتها إذا كانت غير مميزة بين الدمين؛ لقوله في الحديث الآخر: «إن دم الحيض دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة وإذا كان الآخر فتوضئي وصلي». 133- وعَنْ أُمِّ عطيةَ - رضي الله عنها - قالت: «كُنّا لا نَعُدُّ الكُدْرَةَ والصُّفرة بعْدَ الطُّهرِ شَيْئاً» رواه البُخاري وأبوداود، واللفظ له. الطهر: هو القصة البيضاء أو الجفوف، وفيه دليل على أنه لا حكم لما ليس بدم غليظ أسود بعد الطهر، ومفهومه أن الكدرة والصفرة قبل الطهر تعدّ حيضاً. 134- وعن أنَس - رضي الله عنه -، «أنَّ اليهودَ كانوا إذا حَاضَتِ المَرْأَةُ لَمْ يُؤاكلُوها، فقَالَ النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: «اصْنَعُوا كلَّ شيءٍ إلا النِّكاحَ». رواه مُسلم. فيه دليل على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها ومضاجعتها ومباشرتها فيما دون الفرج إن كان يضبط نفسه ويثق منها عن إتيان الفرج. 135- وعن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: «كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَأمُرُنِي فَأَتَّزِرُ، فَيُبَاشرُني وأَنَا حَائضٌ». متفقٌ عليه. قال البخاري: باب مباشرة الحائض وساق الحديث، ثم ذكر حديثها أيضاً قالت: «كانت إحدانا إذا كانت حائضاً فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يباشرها أمرها أن تتزر في فور حيضتها ثم يباشرها، قالت: وأيكم يملك إربه كما كان النبي- صلى الله عليه وسلم - يملك إربه». 136- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عَنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -في الذي يأتي امْرَأَتَهُ وهي حَائِضٌ-قال: «يَتَصَدَّقُ بدينارٍ، أوْ بنصْفِ دينارٍ» رواه الخمْسَةُ وصححه الحاكم وابن القطان ورجح غيرهما وقفه. يجب على من وطيء الحائض أن يستغفر من ذنبه ويتوب إلى الله عز وجل، وفي الكفارة قولان للعلماء، وهما روايتان عن أحمد، والراجح ثبوتها، وروي عن أحمد أنه قال: إن كانت له مقدرة تصدق بما جاء عن النبي- صلى الله عليه وسلم -. 137- وعن أبي سعيد الخُدْريِّ - رضي الله عنه -، قالَ: قال رسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «أليسَ إذا حَاضَتِ المَرْأةُ لم تُصَلِّ ولمْ تَصُمْ؟» مُتّفقٌ عليه، في حديث طويل. الحديث دليل على أن الحائض لا تصلي ولا تصوم؛ فأما الصيام فيجب عليها قضاؤه، وأما الصلاة فلا تقضيها كما في حديث معاذة أنها قالت لعائشة: «ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت: أحرورية أنت؟ قلت: لست بحرورية ولكني أسأل، قالت: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». 138- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: «لمّا جِئْنا سَرِفَ حِضْتُ، فقال النبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلِي ما يَفْعَلُ الحاجُّ، غَيَرْ أنْ لا تَطُوفِي بالبَيْتِ حتى تَطْهُري». متفقٌ عليه، في حديث طويل. الحديث دليل على أن الحائض يصح منها جميع أفعال الحج غير الطواف بالبيت. 139- وعن مُعاذٍ بن جَبَلٍ - رضي الله عنه -، أنّهُ سأَلَ النبي- صلى الله عليه وسلم -:« مَا يحلُّ للرَّجل من امرَأَتِه، وَهِيَ حائضٌ؟ قَالَ: «ما فَوْقَ الإزار». رَوَاه أبُو داود وضعّفهُ. الحديث دليل على جواز المباشرة لما فوق الإزار وهذا جائز بالنص والإجماع، واختلف في الاستمتاع بما بين السرة إلى الركبة؛ فذهب أحمد وطائفة من العلماء إلى جوازه، وذهب الأكثر إلى المنع سداً للذريعة وهو الأحوط. 140- وعن أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - قَالتْ: «كانت النّفَساءُ تَقْعُدُ على عَهْدِ النّبي - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَ نِفَاسِهَا أَرْبعين يوماً». رواه الخمسةُ إلا النسائي واللفظ لأبي داود وفي لَفْظٍ لَهُ: «ولم يأمُرها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بقضاءِ صلاةِ النِّفاسِ». وصححه الحاكم. قال الترمذي: أجمع أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - والتابعون ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فإنها تغتسل وتصلي انتهى، واختلف العلماء في أكثر النفاس؛ فقيل: أربعون، وقيل: خمسون، وقيل: ستون، وقيل: سبعون، وقيل: نيف وعشرون، قال في الاختيارات: ولا حدّ لأقل النفاس ولا لأكثره، ولو زاد على الأربعين أو الستين أو السبعين وانقطع فهو نفاس، لكن إن اتصل فهو دم فساد وحينئذٍ فالأربعون منتهى الغالب، انتهى، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(11) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب المواقيت) من بلوغ المرام باب المواقيت 141- عَنْ عبدِ الله بن عَمْرو - رضي الله عنهما -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ((وَقْتُ الظُّهْرِ إذا زَالَتِ الشّمْسُ، وكانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كطولِهِ ما لَمْ يحضُرْ وَقْتُ العصرُ، ووقت العصر ما لمْ تصْفَرَّ الشّمْسُ، ووقتُ صلاةِ المَغْرِبِ مَا لمْ يغب الشّفقُ، ووقتُ صلاةِ العِشاءِ إلى نصفِ اللّيْلِ الأوْسَطِ، ووقتُ صلاةِ الصُّبحِ مِنْ طُلوعِ الفجر ما لمْ تطلعِ الشّمس)) رواه مسلم. الصلاة في اللغة: الدعاء، قال الله تعالى: ï´؟ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ï´¾[التوبة: الآية:103] أي ادع الله لهم، وهي في الشرع: عبارة عن الأفعال المعلومة؛ قال الله تعالى: ï´؟ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ï´¾ [الروم: الآية: 31] وعن بريدة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) رواه الخمسة، ومناسبة تعين الطهارة بالصلاة لتقدم الشرط على المشروط والوسيلة على المقصود، والمواقيت جمع ميقات، قال الله تعالى:ï´؟ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً ï´¾[النساء: الآية: 103] أي مقدراً وقتها فلا تقدم عليه ولا تؤخر عنه، قال ابن عباس: أي مفروضاً، وقال تعالى: ï´؟ أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ï´¾[الإسراء: الآية:78] والدلوك زوال الشمس فيدخل فيه وقت الظهر والعصر، ويدخل في غسق الليل وقت المغرب والعشاء. 142- ولَهُ مِنْ حديث بريدة في العصر: ((والشمسُ بيضاءُ نَقِيّةٌ)). 143- ومن حديث أبي موسى: ((والشمس مرتفعة)). أفاد هذا الحديث تعيين الأوقات الخمسة وتبيين أولها وآخرها. 144- وعن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قالَ: ((كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصْرَ ثمَّ يَرْجعُ أحدُنا إلى رحْلهِ في أقصى المدينة والشّمس حَيّةٌ، وكان يَسْتَحِبُّ أنْ يؤخّر من العِشاء، وكان يكرهُ النّومَ قَبْلَها، والحديثَ بَعْدَهَا، وكانَ يَنْفَتِلُ من صلاةِ الْغَدَاةِ حين يَعْرفُ الرَّجُلُ جليسهُ، وكان يقرأ بالسِّتِّين إلى المائَةِ)). متفقٌ عليهِ. 145- وعندهُما مِنْ حديث جابرٍ: ((والعشاء أحْياناً يُقَدِّمُهَا، وأحْياناً يُؤخِّرُها: إذا رآهُمُ اجْتَمَعوا عَجَّل، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصُّبحُ: كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّيها بِغَلَسٍ)). 146- ولمسلمٍ مِنْ حديث أبي مُوسى: ((فأقامَ الفَجْرَ حين انشقَّ الفجْرُ، والنّاسُ لا يكادُ يعرفُ بعضُهُمْ بعْضاً)). (قوله: والشمس حية) أي بيضاء قوية الأثر حرارة ولوناً، وفيه استحباب التبكير بالعصر، (قوله: وكان يستحب أن يؤخر من العشاء) فيه استحباب تأخير العشاء إذا لم يشق على المأمومين (قوله: وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) كراهة النوم قبل صلاة العشاء لئلا يستغرق النائم في نومه فتفوته الصلاة، وكراهة الحديث بعدها لئلا يشتغل به عن قيام آخر الليل، قال النووي: واتفق العلماء على كراهة الحديث بعدها إلا ما كان في خير، وعلة الكراهة ما يؤدي إليه السهر من مخافة غلبة النوم آخر الليل عن القيام لصلاة الصبح في جماعة، أو الإتيان بها في وقت الفضيلة والاختيار، أو القيام للورد من صلاة أو قراءة في حق من عادته ذلك، ولا أقل لمن أمن ذلك من الكسل بالنهار عما يجب من الحقوق فيه والطاعات انتهى. (قوله: وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة) فيه دليل على التبكير بصلاة الصبح وتطويل القراءة فيها (قوله: والصبح كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس) الغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل وليس المراد أنه يصليها حين طلوع الفجر فإن ذلك لم يقع منه- صلى الله عليه وسلم - إلا في مزدلفة، وأما غيرها فكان لا يصلي حتى يتبين الفجر بياناً ظاهراً كما في حديث أبي موسى: ((فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا)). وفي لفظ حديث أبي موسى عن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: ((وأتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه بشيء، وأمر بلالاً فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً، إلى أن قال: ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت)) وذكر الحديث وفي آخره: ((فدعا السائل فقال: الوقت فيما بين هذين)). 147- وعنْ رافعِ بن خَدِيج - رضي الله عنه - قالَ: ((كُنّا نُصَلي المغْربَ معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيَنْصرفُ أحدُنا وإنه لَيُبصرُ مَوَاقعَ نَبْلِهِ)). متفق عليه. فيه دليل على استحباب المبادرة بصلاة المغرب بحيث ينصرف منها والضوء باق. 148- وعن عائشةَ - رضي الله عنها -قالتْ: ((أَعْتَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ ليْلَةٍ بالعِشَاء، حتى ذَهَب عامّةُ اللَّيْلِ، ثم خَرَجَ فصَلَّى، وقالَ: ((إنهُ لَوَقْتُها لولا أن أشقَّ على أمّتي)) رواه مسلمٌ. الحديث دليل على أن تأخير العشاء أفضل إذا لم يشق على المأمومين، وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يراعي الأخف على الأمة. 149- وعن أبي هريرةَ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((إذا اشْتَدّ الحرُّ فأبْردوا بالصّلاةِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيْح جَهَنَّم)). متّفقٌ عليه. الحديث دليل على استحباب الإبراد بالظهر عند شدة الحر، وعن ابن مسعود قال: ((كان قدر صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام)). رواه أبوداود والنسائي. (فائدة) روى الأوزاعي عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه أن عمر بن عبدالعزيز يعني في خلافته كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة والعصر في الساعة العاشرة حين تدخل، ذكره الحافظ في شرح البخاري على قوله: باب مواقيت الصلاة وفضلها. 150- وعن رافِع بن خديج - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((أَصْبِحُوا بالصُّبْحِ فإنّه أعظمُ لأجوركم)) رواهُ الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان. احتج الحنفية على استحباب تأخير الفجر إلى الإسفار بهذا الحديث وهو مروي عن علي وابن مسعود؛ وذهب الأكثر إلى أن التغليس أفضل لفعل النبي- صلى الله عليه وسلم - وقالوا معنى قوله: ((أصبحوا بالصبح)) أي لا تصلوها حتى يتبين الفجر ويتضح. 151- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَنْ أَدرك من الصبح ركْعةً قَبْل أن تَطْلُعَ الشّمْسُ فقدْ أدرَك الصُّبْحَ، ومن أدرَكَ رَكْعةً من العصرِ قَبْلَ أن تَغْرُب الشمسُ فَقَدْ أدركَ الْعصْر)) متفق عليه. 152- ولمُسْلمٍ عن عائشةَ - رضي الله عنها - نَحْوُهُ، وقالَ ((سَجْدةً)) بدَلَ ((رَكْعَةٍ)). ثمَّ قالَ: ((والسّجدة إنّما هي الرَّكْعةُ)). الحديث يدل على أن من أدرك ركعة في الوقت وصلى ما بقي فقد أدرك الصلاة أداء لا قضاء، وهو قول الجمهور. 153- وعنْ أبي سعيد الخدريِّ - رضي الله عنه - قالَ: سمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لا صلاةَ بَعْدَ الصُّبحِ حتى تَطْلُعَ الشمسُ ولا صلاةَ بعد العصْرِ حتى تغيبَ الشّمسُ)) متفق عليه، ولَفظُ مسلم: ((لا صلاة بعد صلاة الفجْرِ)). 154- ولهُ عن عُقْبَةَ بن عامِر: ((ثَلاثُ ساعاتٍ كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا أن نُصلِّي فيهنَّ، وأن نَقْبُرَ فيهنَّ مَوْتانا: ((حين تطْلُعُ الشمسُ بازغةً حتى ترتفِعَ، وحينَ يقومُ قائمُ الظّهيرةِ حتى تَزولَ الشمسُ، وحينَ تَتَضَيّفُ الشمسُ للغُروبِ)). 155- والْحُكمُ الثاني عِنْدَ الشافعي من حديثِ أبي هُريرة بسنَدٍ ضعيفٍ، وزادَ ((إلا يومَ الجمعةِ)). 156- وكذا لأبي داود عن أبي قتادة نحوه. الحديث دليل على كراهة النوافل في هذه الأوقات، قال النووي: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب؛ كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة والشكر، وصلاة العيد، والكسوف وصلاة الجنازة؛ فذهب الشافعي وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة، وذهب الحنفية وآخرون إلى أن ذلك كله داخل في عموم النهي، وقال الموفق في المقنع: ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، وتجوز صلاة الجنازة، وركعتا الطواف، وإعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد بعد الفجر والعصر، وهل يجوز في الثلاثة الباقية على روايتين، ولا يجوز التطوع بغيرها في شيء من هذه الأوقات الخمسة؛ إلا ما كان له سبب كتحية المسجد وسجود التلاوة وصلاة الكسوف وقضاء السنن الراتبة فإنها على روايتين. انتهى. (قوله: وزاد إلا يوم الجمعة) أي فلا كراهة للصلاة فيه عند زوال الشمس. (قوله: وكذا لأبي داود عن أبي قتادة نحوه) ولفظه: ((وكره النبي- صلى الله عليه وسلم - نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة)) ويؤيده فعل أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - فإنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة. 157- وعن جُبير بن مُطْعمٍ قال: قالَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم -: ((يا بَني عَبْدِ منافٍ، لا تَمْنعُوا أحداً طافَ بهذا البَيْتِ وصلَّى أيّةَ ساعةٍ شاءَ من لَيْلٍ أو نهارٍ)) رواهُ الخمسةُ وصححه الترمذي وابن حبان. هذا الحديث يدل على مشروعية ركعتي الطواف في أوقات النهي تبعاً للطواف، قال الموفق في المغني: ولا فرق بين مكة وغيرها في المنع من التطوع في أوقات النهي. 158- وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ((الشّفقُ الحمْرةُ)) رواهُ الدارقطنيُّ، وصحح ابن خزيمة، وغيره وقفه على ابن عمر. الحديث دليل على امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق الأحمر. 159- وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قال: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((الفَجْرُ فَجْرَان: فَجْرٌ يحرِّمُ الطّعامَ وتحلُّ فيه الصَّلاةُ، وفَجْر تحْرمُ فيه الصَّلاةُ - أي صلاةُ الصُّبحِ - ويحلُّ فيه الطَّعامُ)) رواهُ ابنُ خُزَيمَةَ والحاكم وصَحّحاه. 160- وللحاكم من حديث جابرٍ نَحْوُهُ، وزاد في الذي يُحرِّمُ الطّعام: ((نه يذهبُ مستطيلاً في الأفُق)) وفي الآخر: ((أنَّه كَذَنَبِ السِّرْحَانِ)). (قوله مستطيلاً) هكذا في نسخ بلوغ المرام باللام، قال النووي: والفجر الثاني يسمى الصادق والمستطير، والفجر الكاذب المستطيل باللام كذنب السرحان وهو الذئب، قال الحافظ: وفي حديث سمرة عند مسلم: ((لا يغرنكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا)) يعني معترضاً. 161- وعن ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ الله- صلى الله عليه وسلم -: ((أفضلُ الأعْمال الصَّلاةُ في أوَّل وقْتها)) رواهُ الترمذي والحاكم وصحّحاه وأصلُه في الصحيحين. الحديث دليل على استحباب أداء الصلاة في أول وقتها، وهو عام مخصوص باستحباب الإبراد في شدة الحر وبتأخير العشاء ما لم يشق على المأمومين. 162- وعن أبي محْذورةَ أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((أوَّلُ الوَقتِ رضوان الله، وأَوْسَطُهُ رحْمَةُ الله، وآخرُهُ عَفْوُ الله)).أخْرَجهُ الدَّارقُطْني بسندٍ ضعيف جداً. 163- وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه دون الأوسط، وهو ضعيف أيضاً. فيه دليل على أفضلية أول الوقت لمحافظته - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وتأخيرها في وقتها جائز. 164- وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ((لا صلاةَ بعْدَ الفجر إلا سجْدتَيْنِ))، أخرجه الخمْسَةُ إلا النسائيَّ، وفي رواية عبد الرزاق: ((لا صلاة بعْدَ طلوع الفجْر إلا ركعتي الفَجْرِ)). 165- ومثله للدارقطني عن ابن عمرو بن العاص. الحديث دليل على كراهة النافلة بعد طلوع الفجر قبل صلاته إلا سنة الفجر، لكن إذا صلى ركعتي الفجر في بيته ثم أتى المسجد قبل أن تقام الصلاة صلى تحية المسجد ركعتين. 166- وعن أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنهما - قالتْ: صلى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الْعَصْرَ. ثمَّ دَخَلَ بيْتي، فصلَّى ركْعتين. فسأَلْتُهُ، فقالَ: ((شُغِلْتُ عن ركعتين بعدَ الظُّهْرِ فصَلَّيْتَهُمَا الآن))، فقلتُ: أَفَنَقضِيهِما إذا فاتتا؟ قال: ((لا)) أخرجهُ أحمدُ. 167- ولأبي داود عن عائشة - رضي الله عنها - بمعناه. حديث أم سلمة سكت المصنف عليه هنا وقال بعد سياق له في فتح الباري: إنها رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة (قوله: ولأبي داود عن عائشة بمعناه) ولفظه: ((أنه- صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال)) قال البيهقي: الذي اختص به- صلى الله عليه وسلم - المداومة على الركعتين لا أصل القضاء انتهى. وعن قيس بن قهد قال: ((رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يصلي بعد صلاة الصبح ركعتين فقال: صلاة الصبح ركعتان فقال الرجل: إني لم أكن صليت الركعتين اللتين قبلهما فسكت)) رواه أبو داود، قال في الاختيارات: وتقضى السنن الراتبة، ويفعل ما له سبب في أوقات النهي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختيار جماعة من أصحابنا وغيرهم انتهى، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(12) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب الأذان) من بلوغ المرام باب الأذان الأذان في اللغة: الإعلام، قال الله تعالى: ï´؟ وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ï´¾[التوبة: الآية:3] وشرعاً الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة، قال الله تعالى:ï´؟ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ï´¾ [المائدة: الآية:58] قال القرطبي وغيره: الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنه بدأ بالأكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك، ثم بإثبات الرسالة لمحمد- صلى الله عليه وسلم -، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإشارة إلى المعاد، ثم أعاد ما أعاد توكيداً، ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الجماعة وإظهار شعائر الإسلام، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل شمول القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان. 168- عن عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه قال: ((طافَ بي - وأنا نائمٌ - رجلٌ فقالَ: تقولُ: الله أكبر الله أكبر، فذكر الأذان - بتربيع التكبير بغير ترجيع، والإقامة فُرَادَى، إلا قد قامت الصَّلاةُ -قال: فلَمّا أصْبَحْتُ أتيتُ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: ((إنّها لَرُؤيا حقٌ- الحديثَ)) أخرجهُ أحمد وأبو داود وصححه الترمذي وابن خزيمة. 169- وزادَ أحمد في آخره قِصَّة قولِ بلال- رضي الله عنه - في أَذان الفَجْر: ((الصَّلاةُ خيرٌ من النوم)). 170- ولابن خُزيمةَ عنْ أَنس - رضي الله عنه - قال: ((منَ السُّنّة إذا قالَ المؤذِّنُ في الفَجْر: حيَّ على الفلاحِ، قالَ: الصَّلاةُ خيرٌ من النّوْم)). الحديث دليل على مشروعية الأذان للصلاة دعاء للغائبين ليحضروا إليها، وهو إعلام بدخول وقتها، وهو من شعار أهل الإسلام ومن محاسن الشريعة، وفي الحديث دليل على أنه يكبر في أول الأذان أربع مرات، وفيه دليل على أن الإقامة تفرد ألفاظها إلا لفظ: ((قد قامت الصلاة)) فإنه يكررها مرتين، والجمهور على أن التكبير يكرر مرتين في أولها وفي آخرها، وفيه دليل على مشروعية التثويب في صلاة الصبح مرتين كما في سنن أبي داود. 171- وعن أبي محذورة - رضي الله عنه -: ((أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَهُ الأذان، فذَكَر فيهِ التّرجيع)). أخرجهُ مسلمٌ، ((ولكن ذكرَ التّكبير في أوَّله مرَّتين فَقَطْ)). روَاهُ الخمْسةُ فذكروهُ مُربَّعاً. الترجيع في الشهادتين أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله يخفض بها صوته، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله يرفع بها صوته، قال ابن عبدالبر: ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح، فإن رَبَّع التكبير الأول في الأذان أو ثنَّاه أو رَجَّع في التشهد أو لم يُرَجِّع أو ثنى الإقامة أو أفردها كلها أو (إلا قد قامت الصلاة) فالجميع جائز. 172- وعنْ أنس - رضي الله عنه - قال: ((أُمِرَ بلالٌ: أن يشْفع الأذان، ويوترَ الإقامةَ، إلا الإقامةَ، يَعْني قوله: قدْ قامتِ الصَّلاةُ)). متّفقٌ عليه، ولم يذكر مُسْلِمٌ الاستثناء. 173- وللنسائي: أمَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بلالاً. (قوله: أن يشفع الأذان) أي يأتي بلفظه شفعاً، ولم يختلفوا أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة (قوله ويوتر الإقامة). أي يفردها إلا الإقامة يعني قد قامت الصلاة؛ لأنها المقصود من الإقامة، ولذا كررت. 174- وعن أبي جُحيفة - رضي الله عنه - قال: ((رأيْتُ بلالاً يؤذِّنُ وأَتَتَبّعُ فَاهُ ههنا وهَهُنا، وإصْبِعاهُ في أُذنيْه)). رواه أحمد والترمذي وصححهُ، ولابن ماجَهْ: ((وجعَلَ إصبَعَيْهِ في أُذُنيه))، ولأبي داود: ((لَوى عُنُقَهُ لما بلغ حيَّ على الصلاة يميناً وشمالاً ولم يستدرْ)). وأصْلُه في الصَّحيحين. الحديث دليل على مشروعية الالتفات عند الحيعلتين بالوجه يميناً وشمالاً، وفيه استحباب وضع إصبعيه في أذنيه، فيه فائدتان: الأولى: أنه يكون أرفع لصوته، والثانية: أن يعرف من رآه ولم يسمعه أنه يؤذن. 175- وعن أبي مَحْذورة - رضي الله عنه - قال: ((إنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعجبهُ صَوتهُ، فَعَلّمهُ الأذان)). رواه ابنُ خُزْيمة. فيه استحباب كون المؤذن حسن الصوت. 176- وعن جابر بن سَمُرةَ - رضي الله عنه - قَالَ: ((صَلّيْت مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - العيدينِ، غَيْرَ مرَّةٍ، ولا مرَّتين، بغير أذانٍ، ولا إقامةٍ)). رَوَاهُ مُسْلمٌ. 177- ونحوه في المتفق عليه عن ابن عباس - رضي الله عنه - وغيره. الحديث دليل على أنه لا يشرع لصلاة العيدين أذان ولا إقامة، قال في الاختيارات: والنداء بالأذان والإقامة مختص بالصلوات الخمس، وأما النداء بغير الأذان والإقامة فالسنة أن ينادي للكسوف: الصلاة جامعة، لحديث عائشة: ((خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة)). ولا ينادى للعيد والاستسقاء، وقاله طائفة من أصحابنا، ولهذا لا يشرع للجنازة ولا للتراويح على نص أحمد خلافاً للقاضي؛ لأنه لم ينقل عن النبي- صلى الله عليه وسلم -، والقياس على الكسوف فاسد الاعتبار. انتهى. 178- وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - في الحديث الطويل، في نوْمهم عن الصَّلاة: ((ثمَّ أَذَّن بلالٌ، فصلَّى النّبي - صلى الله عليه وسلم -، كما كان يصْنعُ كل يوم)). رواه مسلم. 179- ولهُ عن جابر - رضي الله عنه -: ((أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أتى المُزدلفةَ فصلَّى بها المغرب والعشاءَ بأذان واحدٍ وإقامتين)). 180- ولهُ عن ابن عمرَ - رضي الله عنهما -: ((جمعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بيْنَ المغربِ والعشاء بإقامةٍ واحدةٍ)). وزاد أبو داود: ((لكل صلاةٍ))، وفي رواية لهُ: ((ولم يُناد في واحدة منهُما)). تعارضت الروايات في ذكر الأذان، فيقدم حديث جابر؛ لأنه أثبت الأذان، والمثبت مقدم على النافي، فالحاصل أنه يشرع لمن جمع بين الصلاتين، أو قضى صلاة فائتة أن يؤذن للصلاة الأولى، ويقيم لها وللصلاة الثانية. 181- وعن ابْن عمرَ وعائشةَ - رضي الله عنهما - قالا: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّ بلالاً يؤذنُ بليْلٍ، فكُلوا واشْرَبوا حتى ينادي ابنُ أُمِّ مَكْتوم)) وكانَ رجلاً أعمى لا يُنادي، حتى يقال له: أصبحْتَ. أَصْبحتَ. متفقٌ عليه، وفي آخره إدراجٌ. الحديث دليل على مشروعية الأذان قبل الفجر ليوقظ النائم ويرجع القائم، (قوله: فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) قال الحافظ: فيه إشعار بأن الأذان كان علامة عندهم على دخول الوقت، فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك. (قوله: وكان رجل أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت، أصبحت). في رواية: حتى يؤذن ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر، وفي الحديث دليل على أن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده، قال الموفق في المغني: ويستحب أن لا يؤذن قبل الفجر إلا أن يكون معه مؤذن آخر يؤذن إذا أصبح، كفعل بلال وابن أم مكتوم اقتداء برسول الله- صلى الله عليه وسلم -، ولأنه إذا لم يكن كذلك لم يحصل الإعلام بالوقت المقصود بالأذان، فإذا كانا مؤذنين حصل الإعلام بالوقت الثاني، وبقربه بالمؤذن الأول. انتهى. 182- وعن ابنِ عُمَر - رضي الله عنهما -: ((أن بلالاً أذَّن قَبْل الفَجْر، فأمَرهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يرجعَ، فيُناديَ: ألا إنَّ العَبْدَ نامَ)) رواهُ أبو داودَ، وضعّفه. قال أبوداود عقب إخراجه: هذا الحديث لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة، وقال المنذري: قال الترمذي: هذا الحديث غير محفوظ، وقال علي بن المديني: حديث حماد بن سلمة هو غير محفوظ وأخطأ فيه حماد بن سلمة. 183- وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سمعتُم النِّداءَ فقُولوا مِثْل ما يقُولُ المؤذِّنُ)) متفَقٌ عليه. 184- وللبخاري عن معاوية - رضي الله عنه - مثلُهُ. 185- ولمسْلمٍ عن عُمرَ - رضي الله عنه - في فَضْل القوْل كما يقولُ المُؤذِّنُ كلمةً كلمةً، سوى الحَيْعلَتين، فيقولُ: ((لا حوْل ولا قُوَّةَ إلا بالله)). فيه مشروعية متابعة المؤذن والقول كما يقول، وإذا قال: حيّ على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حيّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفي آخر الحديث: ((إذا قال السامع ذلك من قلبه دخل الجنة)). 186- وعن عُثمانَ بنِ أبي العاص - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسولَ اللهِ اجْعَلني إمام قَوْمي، فقال: ((أَنْتَ إمامُهُمْ، واقْتدِ بأَضعفهمْ، واتّخِذْ مُؤذِّناً لا يأخذُ على أَذانِهِ أجراً)) أخرجه الخمسة وحسنه الترمذي وصححه الحاكم. الحديث يدل على جواز طلب الإمامة في الخير، وليس ذلك من طلب الرياسة المكروهة، وفيه أن على الإمام أن يلاحظ حال المصلين خلفه، وفيه كراهة أخذ الأجرة على الأذان. 187- وعن مالك بن الحُوَيْرثِ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ لنَا النّبيُّ- صلى الله عليه وسلم -: ((إذا حضَرَت الصلاةُ فَليُؤذن لكم أحَدُكم)) الحديث أخرجَهُ السبعةُ. الحديث دليل على وجوب الأذان، وفيه أن لا يشترط في المؤذن غير الإيمان لقوله: أحدكم. 188- وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: ((إذا أذَّنْتَ فترسّلْ، وإذا أقَمْت فاحْدُرْ واجعل بين أذانِك وإقامَتك مقدار ما يفْرُغُ الآكل مِنْ أكلِهِ)) الحديث رواهُ الترمذيُّ وضَعّفهُ. 189- ولهُ عن أبي هُريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا يُؤذِّنُ إلا مُتوضئ)) وضَعّفهُ أيضاً. 190- ولهُ عن زياد بن الحارث - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((ومنْ أذَّنَ فهو يُقيمُ)) وضعفهُ أيضاً. 191- ولأبي داودَ مِنْ حديث عبد الله بن زيد- رضي الله عنه - أنه قالَ: ((أَنا رأَيْتُهُ)) - يعني الأذان - وأنا كُنْتُ أُريدُهُ. قالَ ((فأَقِمْ أَنْتَ)) وفيه ضَعْفٌ أيضاً. (قوله: إذا أذنت فترسل) أي رتل ألفاظه ولا تعجل، (وإذا أقمت فاحدر) الحدر: الإسراع، (واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ما يفرغ الآكل من أكله) الحديث، وتمامه: ((والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة ولا تقوموا حتى تروني)). وقال البخاري: باب كم بين الأذان والإقامة، قال ابن بطال: لا حدّ لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين، وفيه دليل على مشروعية الترسل في الأذان؛ لأن المراد منه الإعلام للبعيد، وهو مع الترسل أكثر إبلاغاً، وعلى شرعية الحدر والإسراع في الإقامة لأن المراد منها إعلام الحاضرين (قوله: لا يؤذن إلا متوضئ) فيه دليل على كراهة الأذان بغير وضوء، (قوله: ومن أذن) عطف على ما قبله وهو قوله: ((إنَّ أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم)) قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن من أذن فهو يقيم، (قوله: أنا رأيته وأنا كنت أريده قال فأقم أنت) فيه دليل على جواز إقامة غير من أذن. 192- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((المؤذِّنُ أمْلَكُ بالأذان، والإمامُ أَمْلك بالإقامة)) رواهُ ابن عدي وضعّفهُ. 193- وللبيهقي نحوه عن علي - رضي الله عنه - من قوله. الحديث دليل على أن المؤذن أملك بالأذان فلا يفتات عليه في ذلك إلا بإذنه، لأنه الأمين على الوقت والموكل بارتقابه، وعلى أن الإمام أملك بالإقامة فلا يقيم إلا بعد إشارة الإمام بذلك. قال مالك في الموطأ: لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة حداً محدوداً إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن منهم الثقيل والخفيف. 194- وعن أنس - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: ((لا يُرَدُّ الدعاءُ بينَ الأذانِ والإقامةِ)) رواهُ النسائيُّ وصحّحهُ ابنُ خُزيْمَةَ. الحديث دليل على قبول الدعاء في هذا الوقت. 195- وَعَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: ((مَنْ قَالَ حَينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللُّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَة، والصَّلاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمّداً الْوسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مقاما مَحْمُوداً الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ)). أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ. الحديث دليل على استحباب هذا الدعاء بعد الأذان، زاد البيهقي: ((إنك لا تخلف الميعاد)) ويستحب أن يقول: ((رضيت بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد- صلى الله عليه وسلم - رسولاً)) قوله: (آت محمداً الوسيلة) أي المنزلة العالية كما وقع ذلك في حديث عبدالله بن عمرو عند مسلم: ((إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة))، (قوله: والفضيلة) أي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق (قوله: وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) المراد بذلك المذكور في قوله تعالى: ï´؟ وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ï´¾ [الإسراء: الآية: 79] وهو المقام الذي يقومه- صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة للشفاعة للناس ليريحهم ربهم من شدة ذلك اليوم، فيسجد لله تحت العرش ويحمده ويثني عليه فيقال: يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(14) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب سُتْرَةِ المصلي 218- عن أبي جُهَيْم بن الحارث - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «لوْ يَعْلَمُ المارُّ بَيْنَ يدي المُصلِّي ماذا عليْه من الإثم لكان أن يقف أربعينَ خيْراً له منْ أنْ يمُر بين يديه» متّفق عليه،واللفظُ للبخاريِّ، ووقعَ في البَزَّار من وجهٍ آخر «أَربعين خريفاً». الحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، وهو عام في كل مصل، وقيل: يختص بالإمام والمنفرد لحديث ابن عباس ذكره البخاري في باب: «سترة الإمام سترة من خلفه» وأوله: «أقبلت راكباً على حمار أتان». الحديث. 219- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «سُئِل النّبي - صلى الله عليه وسلم - -في غَزوةِ تَبوك- عنْ سُترةِ المُصَلي، فقَالَ: «مثلُ مُؤخِرَةَ الرَّحْلِ» أخرجه مُسْلِمٌ. قال العلماء: الحكمة في السترة كف البصر عما وراءها ومنع من يجتاز بقربه، قال النووي: استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه وبينها قدر مكان السجود وكذلك الصفوف. 220- وعن سَبْرة بن مَعْبَدٍ الجُهنيِّ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «لِيَسْتَتِرْ أحدُكم في الصَّلاَةِ ولوْ بسَهْمٍ» أخرجه الحاكم. الحديث دليل على استحباب السترة وأنها تجزئ غلظت أو دقت. 221- وعن أبي ذرّ الغفاري - رضي الله عنه - قالَ: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَقْطعُ صلاة الرَّجُلِ المسلم -إذا لم يكن بين يديْهِ مِثْلُ مُؤخِرةَ الرَّحل- المرأةُ، والحمارُ، والكَلْبُ الأسودُ - الحديث»- وفيه «الكلبُ الأسودُ شيطانٌ» أخرجه مسلمٌ. 222- وله عن أبي هريرة نحوه، دون الكلب. 223- ولأبي داود والنسائيِّ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - نحْوُهُ، دون آخرهِ. وقَيّد المرْأة بالحائض. الحديث دليل على أنه يقطع صلاة من لا ستر له مرور هذه المذكورات، وظاهر القطع الإبطال، وقد اختلف العلماء في ذلك، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطعها شيء، وتأولوا الحديث بأن المراد بالقطع نقص الأجر لا الإبطال. 224- وعن أبي سعيد الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «إذا صلَّى أحدكم إلى شيءٍ يسترُهُ من الناس، فأراد أحدٌ أنْ يجتازَ بين يديهِ فَلْيَدْفَعَهُ، فإن أبى فَلْيُقاتلهُ، فإنّما هو شَيْطَانٌ» متّفق عليه، وفي رواية: «فإنَّ معهُ القرين». قال القرطبي: يدفعه بالإشارة ولطيف المنع فإن لم يمتنع عن الاندفاع قاتله، أي دفعه دفعاً أشد من الأول، قال: وأجمعوا على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح. 225- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: « إذَا صلَّى أحدُكم فَلْيجعل تِلْقاءَ وَجْهِه شَيئاً، فإن لم يجد فَلْيَنْصُبْ عصا، فإن لمْ يكُن فلْيَخُطَّ خطَّاً، ثمَّ لا يضُرُّهُ منْ مرَّ بين يديْه» أخرجهُ أحمدُ وابنُ ماجه وصححه ابن حبان، ولمْ يُصِبْ مَنْ زعمَ أنَّهُ مُضطَربٌ، بل هو حسنٌ. الحديث دليل على أن السترة تجزئ بأيّ شيء كانت، وإذا لم يجد جمع تراباً وأحجاراً؛ واختار أحمد أن يكون الخط كالهلال وكيفما خط أجزأ، قال في الشرح الكبير: فإن كان معه عصا لا يمكنه نصبها ألقاها بين يديه عرضاً، نقله الأثرم. 226- وعن أبي سعيدٍ الخدْري - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: «لا يقطعُ الصَّلاةَ شَيءٌ، وادْرَأْوا ما اسْتَطَعْتُمْ» أخرجهُ أبو داوُدَ، وفي سنده ضَعْفٌ. الحديث دليل لقول الجمهور إن الصلاة لا يبطلها مرور شيء وإن نقص ثوابها ولهذا قال: «وادرأوا ما استطعتم». |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(15) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب الحث على الخشوع في الصلاة الخشوع: الخضوع والتذلل والسكون. 227- عن أبي هُريرة - رضي الله عنه - قالَ: نَهى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُصَلِّي الرَّجُلُ مختصراً. متفقٌ عليه، واللَّفْظُ لِمُسْلِمِ، ومَعْنَاهُ أن يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِه. 228- وفي البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -: أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ اليَهُودِ. الخاصرة: هي الشاكلة، والحكمة في النهي عن الاختصار أنه فعل اليهود وقد نهينا عن التشبه بهم، وفي ذكر المصنف له في هذا الباب إشعار بأنه ينافي الخشوع. 229- وعن أنَس - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا قُدِّم العشاءُ فابدَؤوا به قبلَ أن تُصَلُّوا المغْربَ)) متفقٌ عليه. الحديث دليل على استحباب تقديم أكل العشاء إذا حضر على صلاة المغرب إذا كان محتاجاً إليه، لأن تأخيره يفضي إلى ترك الخشوع. 230- وعن أبي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قامَ أَحَدُكم في الصلاةِ فلا يمسَح الحَصى، فإنَّ الرحمَةَ تُواجِهُهُ))، رواهُ الخمسة بإسنادٍ صحيح، وزادَ أحْمدُ ((واحدةً أوْ دَعْ)). 231- وفي الصَّحِيحِ عَنْ مُعَيْقِيبٍ نَحْوُهُ بِغَيْرِ تَعْلِيلٍ. الحديث دليل على النهي عن مسح الحصى بعد الدخول في الصلاة، والعلة في النهي المحافظة على الخشوع؛ لأن الرحمة تواجهه فلا يغير ما تعلق بوجهه من التراب والحصى ولا ما يسجد عليه إلا أن يؤلمه فله ذلك، ولفظ حديث معيقيب: ((لا تمسح الحصى وأنت تصلي فإن كنت لا بد فاعلاً فواحدة لتسوية الحصى)). 232- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألْتُ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عنْ الالْتِفَاتِ في الصَّلاة؟ فقالَ: ((هوَ اختلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشْيطانُ من صلاة العبْد)) رواهُ البُخاريُّ، وللترمذي وصَحَّحهُ: ((إيَّاكِ والالتِفات في الصلاة، فإنّه هَلَكَةٌ، فإنْ كان لا بُدَّ ففي التطوُّعِ)). الحديث يدل على كراهة الالتفات في الصلاة إذا كان التفاتاً لا يبلغ إلى استدبار القبلة بصدره أو عنقه كله، وإلا كان مبطلاً للصلاة، وسبب كراهته نقصان الخشوع. 233- وعن أنس - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا كانَ أحَدُكمْ في الصَّلاة فإنّهُ يُناجي ربَّهُ، فلا يَبْصُقَنَّ بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تَحْتَ قدَمِهِ)) متّفقٌ عليه. وفي رواية: ((أو تَحْتَ قدَمِهِ)). فيه النهي عن البصاق إلى جهة القبلة أو جهة اليمين إذا كان العبد في الصلاة، وقد ورد النهي مطلقاً عن أبي هريرة وأبي سعيد: ((أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحتها أو قال: إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمن قبل وجهه ولا عن يمينه وليبصقن عن يساره أو تحت قدمه اليسرى)) متفق عليه ((وقوله: أو تحت قدمه)) خاص بمن ليس في المسجد، وأما إذا كان في المسجد بصق في ثوبه، وفي حديث أنس عند مسلم: ((ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ورد بعضه على بعض فقال: أو ليفعل هكذا)). 234- وعنه قالَ: كان قِرامٌ لِعَائشة سَتَرت به جانب بَيْتِها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أميطي عنّا قِرَامَكِ هذا، فإنّهُ لا تَزالُ تصَاويرُهُ تَعْرض لي في صلاتي)) رواه البخاريُّ. 235- واتّفقا على حديثها في قصة أَنْبجانيّة أبي جَهْمٍ، وفيهِ: ((فإنّها ألْهَتْنِي عنْ صلاتي)). في الحديث دليل على إزالة ما يشوش على المصلي صلاته مما في منزله أو في محل صلاته، قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيراً في القلوب والنفوس الذكية فضلاً عما دونها، وفيه كراهة الصلاة على المفارش والسجاجيد المنقوشة وكراهة نقش المساجد ونحوه. 236- وعن جابر بن سَمُرةَ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((لَيَنْتَهِينَّ أقَوامٌ يَرْفعُونَ أبْصارَهُمْ إلى السماءِ في الصلاة أوْ لا تَرْجِعُ إليْهِمْ)) رواه مسلم. 237- ولهُ عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لا صلاةَ بحضرَةِ طَعَامٍ ولا وهو يُدَافِعُهُ الأخْبَثانِ)). الحديث دليل على تحريم رفع البصر إلى السماء في الصلاة لأنه ينافي الخشوع، قال القاضي عياض: واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء فكرهه قوم وجوزه الأكثرون (قوله: لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان) أي البول والغائط، قال ابن دقيق العيد: ومدافعة الأخبثين إما أن تؤدي إلى الإخلال بركن أو شرط أو لا، فإن أدى ذلك امتنع دخول الصلاة معه، وإن دخل واختل الركن أو الشرط فسدت الصلاة بذلك الاختلال، وإن لم يؤد إلى ذلك فالمشهور فيه الكراهة، والله أعلم. انتهى. 238- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قالَ: ((التّثاؤبُ من الشيطانِ، فإذا تثَاءَب أحدُكم فَلْيكظِمْ ما استطاع)) رواهُ مسلمٌ والترمذيُّ، وزادَ: ((في الصَّلاة)). التثاؤب يصدر عن الامتلاء والكسل، وفي الحديث الأمر بالكظم في الصلاة وغيرها، وفي البخاري: ((و لا يقل: ها فإنما ذلك من الشيطان يضحك منه، وينبغي أن يضع يده على فيه لحديث: ((إذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإن الشيطان يدخل مع التثاؤب)) رواه أحمد وغيره. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(16) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (المساجد) 239- عن عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: أمرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِبِناءِ المساجدِ في الدُّور، وأن تُنَظّفَ وتُطَيبَ. رواهُ أحمد وأبو داود والترمذي وصَحَّحَ إرساله. المراد بالدور: المحال التي فيها الدور، وفي الحديث الأمر بتنظيف المساجد عن الأقذار وتطييبها بالبخور ونحوه. 240- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((قاتل الله اليهود اتّخذُوا قبورَ أَنْبِيائِهمْ مساجد)) متفقٌ عليه وزادَ مسلم: ((والنّصارى)). 241- ولهُمَا منْ حديث عائشةَ - رضي الله عنها - ((كانوا إذا مات فيهمُ الرَّجُلُ الصَّالحُ بَنَوْا على قبره مَسْجداً)) وفيه: ((أُولئك شرارُ الخَلْق)). الحديث دليل على تحريم بناء المساجد على القبور، قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصاري يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيماً لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها اتخذوها أوثاناً لعنهم الله، ومُنِع المسلمون من ذلك انتهى، قال في سبل السلام: مفاسد ما يبنى على القبور من المشاهد والقباب لا تحصر، وقد أخرج أبوداود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس قال: ((لعن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج)). 242- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خَيْلاً، فجَاءَتْ برجُلٍ، فَرَبَطُوهُ بساريةٍ من سواري المسجد. الحديث متفقٌ عليه. الرجل هو ثمامة بن أثال، وفي الحديث دليل على جواز ربط الأسير في المسجد، وإن كان كافراً، قال الخطابي فيه جواز دخول المشرك المسجد إذا كان له فيه حاجة، وقد كان الكفار يدخلون مسجده- صلى الله عليه وسلم - ويطيلون فيه الجلوس. 243- وعنهُ أنَّ عُمر - رضي الله عنه - مرَّ بحسّان يُنْشِدُ في المسجد، فلَحَظَ إليه، فقال: قد كُنْتُ أُنْشدُ، وفيه مَنْ هُو خيرٌ منْكَ. متّفق عليه. الحديث دليل على جواز انشاد الشعر في المسجد، وهو محمول على الشعر الحسن بشرط أن لا يشغل من في المسجد. 244- وعنهُ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن سَمِعَ رَجُلاً يَنْشُدُ ضالّةً في المسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّهَا الله علَيْكَ، فإنَّ المساجدَ لمْ تُبْنَ لهذا)) رواه مُسلمٌ. الحديث دليل على تحريم السؤال عن الضالة في المسجد، والأمر بالإنكار على فاعل ذلك وتعليمه بقوله: ((لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا)). 245- وعنهُ - رضي الله عنه -، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا رَأَيْتُمْ منْ يَبيعُ، أوْ يَبْتاعُ في المسجدِ فقُولوا له: لا أَرْبَحَ الله تِجارَتك)) رواهُ النَّسائيُّ والترمذي، وحسّنَهُ. الحديث دليل على تحريم البيع والشراء في المسجد، وفيه الأمر بالإنكار على من فعل ذلك بقوله: لا أربح الله تجارتك. 246- وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تُقام الحدودُ في المساجدِ، ولا يُسْتَقادُ فيها)) رواهُ أبو داودَ بسندٍ ضعيفٍ. الحديث دليل على تحريم إقامة الحدود في المساجد والقصاص فيها. 247- وعن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: أُصيبَ سَعْدٌ يومَ الخنْدقِ فَضَرَبَ عليهِ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خيْمَةً في المسْجدِ، لِيَعُودَهُ من قريب. متّفق عليه. سعد: هو ابن معاذ الأنصاري- رضي الله عنه -، أصيب في أكحله فلم يرقأ دمه حتى مات بعد شهر، وفي الحديث دليل على جواز النوم في المسجد، وضرب الخيمة، وبقاء المريض فيه وإن كان جريحاً. 248- وعنْها قالَتْ: ((رَأَيْتُ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يسْتُرُنِي وأنا أَنْظُرُ إلى الحبشةِ يلعبون في المسجد)) الحديثُ. متفقٌ عليه. لعبهم كان بالدرق والحراب، وروي أنهم يقولون في لعبهم محمد عبد صالح وفي الحديث: ((إن عمر أنكر عليهم فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم -: دعهم)) وفي بعض ألفاظه: ((أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة، وأني بعثت بحنيفية سمحة)) وفي رواية للبخاري: ((وكان يوم عيد، وفي الحديث دليل على جواز نظر المرأة إلى جملة الناس من دون تفصيل لأفرادهم كما تنظرهم في المسجد والطرقات. 249- وعَنْهَا: ((أَن وَلِيدَةً سَوْدَاءَ كَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي)) الْحَدِيثُ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الحديث دليل على إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن ليس له مسكن من المسلمين رجلاً كان أو امرأة عند أمن الفتنة. 250- وَعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((البُصَاقُ في المسجد خطيئةٌ وكفارتها دفنها)) متفق عليه. الحديث دليل على أن البصاق في المسجد خطيئة فينبغي لمن بدره ذلك أن يبصق في ثوبه أو خارج المسجد لئلا يفعل خطيئة، فإن فعل بأن بصق في المسجد دفنها في ترابه إن لم يكن مفروشاً أو مبلوطاً، وإلا أزالها وذلك كفارتها. 251- وَعَنْهُ - رضي الله عنه -، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ)). أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلا التَّرْمِذِيَّ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الحديث علم من أعلام النبوة، والتباهي في المساجد التفاخر في بنائها وزخرفتها، وعمارة المسجد بالعبادة لا بالزينة. 252- وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أُمِرْتُ بِتَشْيِيد الْمَسَاجِدِ)). أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وصححه ابنُ حِبَّانَ. التشييد: رفع البناء وتزيينه بالشيد وهو الجص ونحوه، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفتها اليهود والنصارى، قال ابن بطال: السنة في بينان المساجد القصد وترك الغلو في تحسينها، فقد كان عمر مع كثرة الفتوحات في أيامه وكثرة المال عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل كان قد نخر في أيامه، ثم قال عند عمارته: أكنّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس؛ ثم كان عثمان والمال في زمنه أكثر فحسنه بما لا يقتضي الزخرفة ومع ذلك أنكر بعض الصحابة عليه، وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبدالملك وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفاً من الفتنة. 253- وَعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((عُرِضَتُ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي، حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، واسْتَغْرَبَهُ، وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. فيه دليل على استحباب تنظيف المسجد، وأنه مأجور فيما أخرجه من الأذى وإن قلّ. 254- وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فيه دليل على استحباب صلاة ركعتين قبل أن يجلس وهما تحية المسجد، واختلف العلماء في أوقات النهي هل يصلي فيها تحية المسجد أم لا؟ والراجح أن الأمر بتحية المسجد عام والنهي عن الصلاة في هذه الأوقات خاص فلا تجوز في أوقات النهي، وأما المسجد الحرام فتحيته الطواف، فإن جلس قبل الطواف صلى ركعتين لعموم الحديث، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
|
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(17) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب صفة الصلاة 281- وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا وإني نُهيتُ أن أقرأَ القُرآنَ راكعاً أو ساجداً، فأما الرُّكوع فعَظِّمُوا فيه الرَّبَّ، وأمّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُستجابَ لكُم)). رَوَاهُ مُسلمٌ. الحديث دليل على تحريم تلاوة القرآن في الركوع والسجود، وفيه مشروعية تعظيم الرب في الركوع، وكثرة الدعاء في السجود وأنه محل إجابة. 282- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ في ركوعهِ وسجوده: ((سبحانك اللهمَّ ربّنا وبِحَمْدكَ، اللّهمَّ اغفرْ لي)) مُتّفقٌ عليه. الحديث دليل على أن هذا من أذكار الركوع والسجود. والجمع بينه وبين قوله: ((فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء)) أن يكون التعظيم في الركوع هو غالب الذكر، وعن عوف بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات، فقد تم سجوده وذلك أدناه)) رواه الترمذي وأبوداود وابن ماجه. 283- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا قامَ إلى الصلاة يكبِّرُ حين يقُومُ، ثمَّ يكبّرُ حين يركعُ ثم يقولُ: ((سَمِعَ الله لمن حمده)) حين يرفعُ صُلبه من الرُّكوع، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: ((ربنا ولكَ الحمْدُ)) ثمَّ يُكبِّر حين يهْوى ساجداً، ثمَّ يكبِّر حين يرْفعُ رأسَهُ، ثمَّ يكبِّر حين يسْجُدُ، ثمَّ يكبِّر حينَ يرْفعُ، ثم يفْعَلُ ذلكَ في الصلاةِ كُلِّها، ويُكبِّرُ حين يقومُ من اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الجُلوس. متّفقٌ عليه. الحديث دليل على مشروعية ما ذكر من التكبير والتسميع والتحميد، فأما التسميع فهو خاص بالإمام والمنفرد، وقد كان وقع من بعض أمراء بني أمية ترك بعض التكبير تساهلاً لكنه استقر العمل من الأمة بعد على فعله. 284- وعن أبي سعيد الخُدري - رضي الله عنه - قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذَا رفعَ رأسَهُ منَ الرُّكوعِ قالَ: ((اللهُمَّ رَبّنا لكَ الحمْدُ، ملءَ السّموات والأرضِ، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثّناءِ والمَجْد، أحَقُّ ما قال العَبْدُ -وكلُّنا لكَ عَبْدٌ- اللهُمَّ لا مانعَ لما أعْطيتَ، ولا مُعطِي لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجدِّ مِنْكَ الجَدُّ)) رواه مسلم. الجدُّ هنا: الحظ، لا ينفع ذا الحظ من عقوبتك حظه، قال الله تعالى: ï´؟ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ï´¾[الشعراء: 88-89]. والحديث دليل على مشروعية هذا الذكر في هذا الركن لكل مصل. 285- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((أُمِرْت أن أَسْجُدَ على سبعة أعْظُمٍ: على الْجَبْهَةِ -وأَشَارَ بيدهِ إلى أَنفِهِ- واليَدَيْن، والرُّكْبتَيْن، وأَطْرَافِ القدمَين)) متّفقٌ عليه. الحديث دليل على وجوب السجود على ما ذكر، والجبهة هي الأصل في السجود والأنف تبع لها. 286- وعن ابن بُحَيْنَةَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا صلَّى وسَجَدَ فرَّج بين يديه، حتى يبدو بياضُ إبطيه. متفق عليه. الحديث دليل على استحباب هذه الهيئة في السجود والركوع ليستقل كل عضو بنفسه، وعن أبي هريرة قال: ((شكا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا فقال: استعينوا بالركب)) رواه أبوداود. 287- وعن البَرَاءِ بن عازبٍ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سَجَدْتَ فَضَعْ كفّيك، وارْفعْ مرفقيْك)) رواه مسلمٌ. الحديث دليل على استحباب هذه الهيئة للرجال، وروى أبوداود في مراسيله عن زيد بن أبي حبيب: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرّ على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض؛ فإن المرأة في ذلك ليست كالرجل)). 288- وعن وائل بن حُجْر - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا ركعَ فَرَّجَ بين أصابعهِ، وإذا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رواه الحاكِمُ. قال العلماء: الحكمة في ضمه أصابعه عند سجوده، لتكون متوجهة إلى القبلة. 289- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: رأيتُ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي مُتربّعاً. رواهُ النسائي وصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ. قال العلماء: صفة التربع أن يجعل باطن قدمه اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن اليسرى تحت اليمنى مطمئناً، وكفيه على ركبتيه مفرقاً أنامله كالراكع، والحديث دليل على كيفية قعود المريض إذا صلى قاعداً. 290- وعنْ ابن عباس - رضي الله عنهما -، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقولُ بينَ السّجْدَتينِ: ((اللهمَّ اغفرْ لي، وارحَمْني، واهدني وعَافِني، وارْزُقني)). رواه الأربعة إلا النسائيَّ، واللَّفْظُ لأبي دَاوُدَ، وصحَّحَهُ الحَاكمُ. الحديث دليل على مشروعية الدعاء في القعود بين السجدتين. 291- وعن مالك بن الحُويْرثِ - رضي الله عنه -: أَنَّهُ رأى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي، فإذا كانَ في وترٍ من صلاتِهِ لمْ ينهض حتى يَسْتويَ قاعداً. رواهُ البُخاري. هذه القعدة تسمى جلسة الاستراحة، وقد اختلف العلماء في ذلك فمنهم من قال: إنها سنة، وقال الأكثر: إنما تفعل للحاجة، وتمسكوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تبادروني بالقيام ولا بالقعود فإني قد بدنت)) فدل على أنه كان يفعلها لهذا السبب فلا تشرع إلا في حق من اتفق له نحو ذلك. 292- وعن أَنَس - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَنَتَ شهراً، بَعْدَ الرُّكوع، يَدْعُو على أحياء من العرب، ثمَّ تركَهُ. متفقٌ عليه، ولأحْمَدَ والدَّارقُطْنِيِّ نحوُهُ من وجهٍ اخر، وزاد: ((وأمّا في الصُّبح، فلمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حتى فارق الدُّنيا)). الأحاديث عن أنس في القنوت قد اضطربت وتعارضت، والجمع بينها أن القنوت الذي تركه هو الدعاء على أحياء العرب، والذي قبل الركوع هو طول القيام للقراءة، وهو الذي استمر عليه، وكذلك استمر على تطويل القيام بعد الركوع للثناء والدعاء. 293- وعنه - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: كان لا يقْنُتُ إلا إذا دعَا لِقَوْم، أو دعا على قوم. صَحّحهُ ابنُ خزيمةَ. الحديث دليل على أنه يسن القنوت في النوازل، فيدعو بما يناسب الحادثة. 294- وعن سَعِيد بن طارق الأشجعي - رضي الله عنه - قالَ: قلتُ لأبي: يا أبَتِ، إنَّك قد صلّيت خلْف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبي بكْر، وعُمَرَ، وعُثْمان، وعليٍّ، أَفكانوا يَقْنُتُون في الفَجْر؟ قالَ: أي بُنيَّ، مُحْدَثٌ. رواه الخمسةُ إلا أبا داود. الحديث دليل على عدم استحباب القنوت في صلاة الفجر لغير نازلة. 295- وعن الحسَن بنْ علي - رضي الله عنهما - أنَّهُ قالَ: علّمَنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كلماتٍ أقُولُهُنَّ في قُنُوت الوتْر: ((اللهمَّ اهدني فيمَنْ هديْتَ، وعافِني فيمَنْ عَافَيْت، وتولَّني فيمنْ توَلّيت، وبارك لي فيما أَعْطَيْتَ، وقِني شرَّ ما قَضَيْتَ، فإنّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عليكَ، إنّهُ لا يَذِلُّ مَنْ والَيْتَ، تَبَارَكْتَ ربّنا وتعالَيْت)) رواه الخمسة. وزاد الطّبرانيُّ والبيهقيُّ: ((ولا يعِزُّ من عادَيْت)) زادَ النسائي منْ وجْهٍ آخر في آخرهِ: ((وصلَّى الله تعالى على النبيِّ)). 296- وللبيْهقيِّ عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - قال: كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُعَلِّمْنا دُعاءً ندعو به في القُنُوتِ من صلاة الصُّبح وفي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. الحديث دليل على مشروعية القنوت في صلاة الوتر. 297- وعن أَبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا سَجَدَ أَحدُكمْ فلا يَبْرُكْ كما يبركُ البعيرُ، ولْيَضَعْ يديه قبلَ ركبتيهِ))، أخرجه الثلاثة، وهوَ أقوى من حديث وائل بن حُجْر. 298- رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا سَجَدَ وضعَ ركبتيهِ قبْلَ يَدَيْهِ، أخرجه الأربعةُ، فإنَّ للأولِ شاهداً من حديث ابن عُمرَ - رضي الله عنهما -، وصحّحهُ ابنُ خُزيمة، وذكره البخاري مُعلقاً موْقوفاً. حديث أبي هريرة فيه انقلاب على الراوي؛ لأنه قال: ((فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه))، فإن المعروف من بروك البعير هو تقديم يديه قبل رجليه، والصواب وضع الركبتين قبل اليدين، وعن أنس قال: ((رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه)). أخرجه الدارقطني والبيهقي والحاكم. 299- وعن ابن عُمَر - رضي الله عنهما - أن رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: كان إذا قَعَدَ للتّشَهُّد وضع يدَهُ اليُسرى على ركْبتهِ اليُسرى، واليُمنى على اليُمنى، وعقد ثلاثة وخمسين، وأشارَ بأُصْبُعِهِ السّبّابةِ، رواهُ مسلمٌ. وفي رواية له: وقَبَض أصابعهُ كلَّها، وأشار بالّتي تلي الإبْهامَ. الحديث دليل على استحباب وضع اليدين على الركبتين، وفيه استحباب الإشارة عند التشهد والدعاء، وفي حديث وائل بن حجر: ((حلق بين الإبهام والوسطى)) أخرجه ابن ماجه، وهو مخير بين هذه الهيئات. (قوله: وعقد ثلاثة وخمسين) إشارة إلى طريقة في الحساب معروفة عند العرب في الآحاد والعشرات والمئين والألوف، فللواحد عقد الخنصر إلى أقرب ما يليه من باطن الكف، وللاثنين عقد البنصر معها كذلك، وللثلاثة عقد الوسطى معها كذلك، وللأربعة حل الخنصر، وللخمسة حل البنصر معها دون الوسطى، وللستة عقد البنصر وحل جميع الأنامل، وللسبعة بسط الخنصر إلى أصل الإبهام مما يلي الكف، وللثمانية بسط البنصر فوقها كذلك، وللتسعة بسط الوسطى فوقها كذلك، وأما العشرات فلها الإبهام والسبابة، فللعشرة عقد رأس الإبهام على طرف السبابة، وللعشرين إدخال الإبهام بين السبابة والوسطى، وللثلاثين عقد رأس السبابة على رأس الإبهام عكس العشرة، وللأربعين تركيب الإبهام على العقد الأوسط من السبابة وعطف الإبهام على أصلها، وللخمسين عطف الإبهام على أصلها، وللستين تركيب السبابة على ظهر الإبهام عكس الأربعين، وللسبعين إلقاء رأس الإبهام على العقد الأوسط من السبابة ورد طرف السبابة إلى الإبهام، وللثمانين رد طرف السبابة إلى أصلها وبسط الإبهام على جنب السبابة من ناحية الإبهام، وللتسعين عطف السبابة إلى أصل الإبهام وضمها بالإبهام، وأما المئين فكالآحاد إلى تسعمائة في اليد اليسرى والألوف كالعشرات في اليسرى. 300- وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: الْتفتَ إليْنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، فقَالَ: ((إذا صلَّى أحدُكم فلْيَقُل: التّحِيّاتُ لله، والصَّلواتُ، والطّيِّباتُ، السّلامُ عليك أيّها النبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السّلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحينَ، أشهدُ أن لا إلَه إلا الله وحده لا شريك له، وأشْهَدُ أنَّ محمداً عبْدُهُ ورسولُهُ، ثمَّ ليتخَيّر من الدّعاءِ أَعْجبَهُ إليه، فيَدْعو)) متفقٌ عليه واللفظ للبخاريِّ، وللنسائي: كُنّا نقولُ قبلَ أن يُفرض علينا التشهد، ولأحمد: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد وأمره أن يعلمه الناس. 301- ولمسْلمٍ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعلِّمُنا التّشهُّدَ: ((التحيات المُباركاتُ الصلواتُ الطّيِّباتُ لله)) - إلى آخرِهِ. حديث ابن مسعود هو أصح ما روي في التشهد، قال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضاً، وغيره قد اختلف عنه أصحابه انتهى، والحديث دليل على وجوب التشهد وأنه فرض. 302- وعن فَضالةَ بن عُبَيْدٍ - رضي الله عنه - قالَ: سمع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلاً يدعو في صلاته، ولم يحْمد الله، ولم يُصلِّ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((عَجِلَ هذا)) ثمَّ دعاهُ، فقالَ: ((إذا صلَّى أحدُكم فلْيبدأ بتحميد ربِّه والثناء عليه، ثمَّ يُصلِّي على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ يدعو بما شاءَ)) رواهُ أحمد والثلاثة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم. الحديث دليل على مشروعية ما ذكر من التحميد، والثناء على الله، والصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم -، والدعاء بما شاء، وفيه تقديم الوسائل بين يدي السائل، وهو نظير قوله: ((إياك نعبد وإياك نستعين))، حيث قدم الوسيلة -وهي العبادة- على الاستعانة. 303- عن أبي مسعود - رضي الله عنه - قال: قال بشيرُ بن سعد: يا رسول الله،أمرنا الله أن نصلِّي عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ فسكت، ثم قال: قولوا: ((اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلِّيت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين إنك حميدٌ مجيدٌ والسلام كما عَلِمْتُم)) رواه مسلم. وزاد ابن خزيمة فيه : (فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟). الحديث دليل على وجوب الصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم - في الصلاة، وقد وردت بألفاظ كلها جائزة. 304- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا تشهّدَ أحدُكم فلْيَسْتَعِذْ بالله مِنْ أربعٍ، يقولُ: اللّهُمَّ إني أعوذُ بكَ مِنْ عذابِ جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيحِ الدّجّالِ)) متفقٌ عليه، وفي رواية لمسلم: ((إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير)). الحديث دليل على مشروعية الاستعاذة مما ذكر في هذا الموضع، وصنيع المصنف يدل على أن ذلك بعد الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. 305- وعن أبي بكْر الصّديق - رضي الله عنه - أنهُ قال لرسولِ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: علّمْني دُعاءً أدْعو به في صلاتي، قال: قلْ: ((اللهم إني ظلَمْتُ نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغْفِرُ الذنوبَ إلا أنت، فاغْفر لي مغفرةً من عندك وارحمني، إنك أنت الغفورُ الرحيمُ)) متّفقٌ عليه. الحديث دليل على مشروعية الدعاء في الصلاة على الإطلاق، ومن محلاته بعد التشهد والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستعاذة من الأربع لقوله في حديث ابن مسعود: ((ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو))، وفيه دليل على جواز الدعاء في الصلاة بما ورد، وبما لم يرد في لفظ: ((ثم ليختر من المسألة ما شاء)). 306- وعن وائل بنُ حُجر - رضي الله عنه - قال: صَلّيت مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكان يُسلِّمُ عن يمينه: ((السلام عليكم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه)) وعن شماله: ((السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُهُ)) رواهُ أبو داود بإسناد صحيح. الحديث دليل على مشروعية التسليمتين عن يمينه وعن شماله منحرفاً إلى الجهتين، بحيث يرى بياض خده، وأما زيادة وبركاته، فلم يقل أحد بوجوبها. 307- وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقولُ في دُبُر كُلِّ صلاةٍ مَكْتُوبَةٍ: ((لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ لهُ، لهُ الملك ولهُ الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، اللهم لا مانع لِمَا أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطيَ لما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجدِّ منْك الجدُّ)) متفقٌ عليه. الحديث دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلوات. زاد الطبراني: ((يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير)). 308- وعن سعد بن أبي وقّاص - رضي الله عنه -، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَتَعَوَّذُ بهنَّ دُبُر كُلِّ صَلَاةٍ: ((اللهُمَّ إني أعوذُ بك من البُخْلِ، وأعوذُ بك من الجُبْن، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العُمُرِ، وأعوذُ بك من فِتْنَةِ الدنيا، وأعوذُ بك من عذاب القبر)) رواه البخاري. الحديث دليل على استحباب هذا الدعاء في دبر الصلاة، ويحتمل أنه قبل السلام وبعده، وصنيع المصنف يدل على الثاني. 309- وعن ثوبان - رضي الله عنه - قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً، وقال: ((اللهمَّ أنتَ السّلامُ ومنكَ السلامُ، تباركتَ يا ذا الجلالِ والإكرامِ)) رواه مسلم. الاستغفار عقب الصلاة إشارة إلى أن العبد لا يقوم بحق عبادة مولاه لما يعرض له من الوسواس والخواطر، فشرع له الاستغفار تداركاً لذلك. 310- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من سَبّح اللهَ دُبرَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين، وحَمَدَ اللهَ ثلاثاً وثلاثين، وكبّر اللهَ ثلاثاً وثلاثين، فتلك تِسْعٌ وتسْعون، وقال تَمَامَ المِائَةِ: لا إله إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ، وله الحمْدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، غفرَت له خطاياه، وإنْ كانتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْر)) رواه مسلمٌ، وفي رواية أخرى: أنَّ التكبيرَ أربَعٌ وثلاثون. الحديث دليل على استحباب هذا الذكر عقب الصلوات، وورد بعد صلاة المغرب وصلاة الفجر بخصوصهما عند أحمد قوله: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات)) فزاد الترمذي: ((يحيي ويميت)). 311- وعن مُعاذ بن جبل - رضي الله عنه -، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ لَهُ: ((أُوصِيك يا مُعَاذُ: لا تدعنَّ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ أن تقولَ: اللهم أعني على ذِكْركَ وشُكركَ وحسْنِ عبادتكَ)) رواهُ أحمد وأبو داود والنسائي بسند قوي. الحديث دليل على استحباب هذا الدعاء دبر كل صلاة. 312- وعن أبي أُمامة - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((منْ قرَأَ آية الكرسيِّ دُبُر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دُخُول الجنّةِ إلا المَوْتُ)). رواهُ النسائي، وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ، وزاد فيه الطَّبرَانيُّ: ((وقُلْ هوَ الله أحدٌ)). الحديث دليل على استحباب قراءة آية الكرسي، وقل هو الله أحد، عقب الصلوات، وأخرج أبوداود والنسائي من حديث عقبة بن عامر: ((أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة)). 313- وعن مالك بن الحُويرث - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلُّوا كما رأَيْتُمُوني أُصَلِّي)) رواهُ البخاريُّ. هذا الحديث أصل عظيم في دلالته على أن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - وأقواله في الصلاة بيان لما أجمل في القرآن والأحاديث من الأمر بالصلاة، وفيه دليل على وجوب التأسي به- صلى الله عليه وسلم - فيما فعله، فكل ما حافظ عليه من أقوالها وأفعالها وجب على الأمة إلا لدليل يخصص شيئاً من ذلك. 314- وعن عِمْران بن حصين - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((صلِّ قائماً، فإن لم تَسْتطع فقاعداً، فإن لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ وإلاَّ فأَوْمِ)). رواه البخاري. قال في سبل السلام: لم نجده في نسخ البلوغ منسوباً، وقد أخرجه البخاري دون قوله: ((وإلا فأوم)) والنسائي، وزاد: ((فإن لم تستطع فمستلق لا يكلف الله نفساً إلا وسعها))، والحديث دليل على أنه لا يصلي الفريضة قاعداً إلا لعذر وهو عدم الاستطاعة، ويلحق به ما إذا خشي ضرراً لقوله تعالى: ï´؟ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ï´¾[الحج: 78]. 315- وعن جابر - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمريضٍ -صَلَّى على وسادةٍ، فرمى بها- وقال: ((صلِّ على الأرض إن اسْتطعْتَ، وإلا فأوم إيماءً، واجْعَل سُجودكَ أخْفَضَ منْ رُكوعكَ)) روَاهُ البيهقي بسندٍ قوي. ولكن صحح أبو حاتم وَقْفَهُ. الحديث دليل على أنه لا يتخذ المريض ما يسجد عليه حيث تعذر سجوده على الأرض، وقد أرشده إلى أنه يفصل بين ركوعه وسجوده، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(18) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب سجود السَّهوِ وغيره من سجود التلاوة والشكر 316- عن عبدالله بن بُحَيْنَةَ - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الظهرَ، فقامَ في الركعتين الأُوليَينِ، ولمْ يجلسْ، فقامَ النّاسُ معهُ، حتى إذا قضى الصَّلاة، وانتظَرَ النّاسُ تسْليمَهُ، كَبّر وهو جالسٌ. وسَجَدَ سَجْدتين، قبْلَ أنْ يُسَلِّمَ، ثم سَلَّمَ. أخرجه السبعة وهذا اللفظ للبخاريّ، وفي رواية لمسلم: يُكْبِّرُ في كلِّ سجْدةٍ وهو جالسٌ ويَسْجُدُ الناسُ معهُ، مكان ما نسي من الجلوس. الحديث دليل على أن ترك التشهد الأول سهواً يجبره سجود السهو، وفيه دليل على مشروعية التكبير فيه، وأن محل مثل هذا السجود قبل السلام، وفيه وجوب متابعة الإمام. 317- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قالَ: صلى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إحْدى صلاتي العشيِّ ركعتين، ثمَّ سلّمَ، ثمَّ قام إلى خشبةٍ في مُقْدَّمِ المسْجِدِ، فوضعَ يدهُ عليها، وفي القوْم أبو بكر وعُمَرُ، فهابا أنْ يُكلماهُ وخرج سرعَانُ النّاس، فقالوا: قُصِرَتِ الصَّلاةُ، ورجُلٌ يدْعُوهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ذا اليدين، فقال: يا رسول الله، أنسيتَ أمْ قُصِرتِ الصَّلاةُ؟ فقالَ: «لمْ أنسَ ولمْ تُقْصَرْ» فقال: بَلى، قدْ نَسِيتَ، فَصَلى ركعتين ثمَّ سَلَّمَ، ثمَّ كبّر، ثم سَجَدَ مثل سُجوده أَوْ أَطْوَل، ثمَّ رفع رأسَهُ فكبر، ثمَّ وَضع رأسَهُ فكبّرَ، فسَجَدَ مثل سُجوده، أَو أَطوَل، ثمَّ رفع رأسه وكبّر. متفقٌ عليه واللفظ للبخاريِّ، وفي رواية لمسلم: «صلاةَ العَصْر» ولأبي داود، فقال: «أَصَدقَ ذو اليدينْ؟» فأَوْمَأُوا: أي نعم، وهي في الصحيحين، لكن بلفظ: فقالوا، وفي رواية لهُ: ولمْ يسْجد حتى يقّنَهُ الله تعالى ذلك. الحديث دليل على أن الخروج من الصلاة بناء على ظن التمام لا يبطلها، وأن كلام الناسي والجاهل لا يبطلها، وكذا الكلام عمداً لإصلاحها، وفيه دليل على أن الأفعال الكثيرة إذا وقعت سهواً أو مع ظن التمام لا تفسد الصلاة، وفيه أن سجود السهو في مثل هذا بعد السلام. 318- وعن عمْران بن حُصَين - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم، فسَهَا فسجد سجْدتين، ثمَّ تشهّد، ثمَّ سَلَّمَ، رواهُ أبو داود والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحَاكِمُ وصَحَّحَهُ. لفظ تشهّد يدل على أنه أتى بتشهدين وبه قال بعض العلماء، وقال البخاري: باب من لم يتشهد في سجدتي السهو، وسلم أنس والحسن ولم يتشهدا، ثم ذكر حديث ذي اليدين، قال في الاختيارات: وهل يتشهد ويسلم إذا سجد بعد السلام؟ فيه ثلاثة أقوال، ثالثها يسلم ولا يتشهد وهو قول ابن سيرين ووجه في مذهب أحمد والأحاديث الصحيحة تدل على ذلك انتهى. 319- وعن أبي سعيد الخُدْريِّ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا شكَّ أحدُكُمْ في صلاته، فلم يدْرِ كَمْ صَلَّى أثلاثاً أمْ أربعاً؟ فلْيطرح الشكَّ وليَبْن على ما استيقنَ، ثمَّ يَسْجُدُ سَجْدتين قبل أن يُسَلِّمَ، فإن كانَ صلى خمساً شَفَعْنَ لهُ صلاتَهُ، وإن صلى تماماً كانتا ترْغيماً للشيطان» رواهُ مسلمٌ. الحديث دليل على أن الشاك في صلاته يجب عليه البناء على اليقين عنده، ويجب عليه أن يسجد سجدتين، وإلى هذا ذهب جماهير العلماء، وفيه دليل على أن سجود السهو في مثل هذا قبل السلام. 320- وعن ابن مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قالَ: صلَّى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فلمَّا سَلّمَ قيلَ لـهُ: يا رسول الله، أَحَدَثَ في الصَّلاة شيءٌ؟ قال: «وما ذاكَ؟» قالوا: صلّيْتَ كذا، قالَ: فَثَنَى رجْلَيْهِ واستقْبَلَ القِبلةَ، فسجد سَجْدتين، ثمَّ سلّم، ثمَّ أَقبلَ علينا بوجهِهِ فقالَ: «إنّه لو حدثَ في الصَّلاةِ شيءٌ أَنبأتُكُمْ به، ولكن إنّما أنا بشرٌ مثْلُكم أنسى كما تَنْسَون، فإذا نسيتُ فذكِّروني، وإذا شكَّ أحدُكُمْ في صلاته فلْيَتَحَرَّ الصَّواب، فَلْيُتِمَّ عليه، ثمَّ ليَسْجُدْ سَجْدتين» متفقٌ عليه، وفي رواية للبخاريِّ: «فلْيُتمَّ ثمَّ يسلم ثمَّ يسْجُد»، ولمسلم: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ سَجْدتي السّهْوِ بَعْد السلام والكلامِ. 321- ولأَحَمْدَ وأَبِي دَاوُدَ والنَّسَائيّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِالله بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعاً: «مَنْ شكَّ في صلاته فلْيسجدْ سجْدتين بعد ما يُسلِّمُ» وصَحَّحَهُ ابنُ خُزَيَمْةَ. قال البيهقي: روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سجد للسهو قبل السلام وأنه أمر بذلك، وروينا أنه سجد بعد السلام وأنه أمر به وكلاهما صحيح، ثم قال: الأشبه بالصواب جواز الأمرين جميعاً، وقال في الشرح: الأولى الحمل على التوسيع في جواز الأمرين، قال الموفق في المقنع: من شك في عدد الركعات بنى على اليقين، وعنه يبني على غالب ظنه فإن استويا عنده بنى على اليقين انتهى، وهذا هو الراجح وهو الذي تجتمع به الأحاديث والله أعلم. 322- وعن المغيرة بن شُعبةَ أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا شكَّ أحدُكمْ، فقامَ في الرَّكعتينِ، فاسْتَتَمَّ قائماً، فلْيمضِ ولا يَعُودُ، ولْيَسْجد سَجْدتين، فإنْ لمْ يَسْتَتِمَّ قائماً فَلْيَجْلس ولا سهو عليه» رواه أبوداود وابن ماجه والدارقطني واللفظ له - بسَنَد ضَعيفٍ. الحديث دليل على أنه لا يسجد للسهو إلا لفوات التشهد الأول لا لفعل القيام لقوله: «فإن لم يستتم قائماً فليجلس ولا سهو عليه». 323- وعن عُمَر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليس على من خَلْف الإمام سَهْوٌ، فإنْ سَهَا الإمامُ فَعَلَيْهِ وعلى من خَلْفهُ». رواهُ الترمذي والبيهقي- بسندٍ ضعيفٍ. الحديث دليل على أنه لا يجب على المؤتم سجود السهو إذا سها في صلاته، إنما يجب عليه إذا سها الإمام تبعاً له. 324- وعن ثوْبانَ - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: «لكُلِّ سَهْوٍ سجْدتان بعدما يُسلِّم» رواهُ أبوداود وابن ماجه - بسندٍ ضعيف. استدل به على أنه إذا تعدد السهو تعدد السجود، وذهب الجمهور إلى أنه لا يتعدد لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ذي اليدين سلم وتكلم ومشى ناسياً ولم يسجد إلا سجدتين، وفي الحديث دليل على أن كل من سها في صلاته بأي سهو كان يشرع له سجدتان، ونقل الماوردي وغيره: الإجماع على جواز السجود قبل التسليم وبعده وإنما الخلاف في الأفضل. 325- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سجدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ رواه مسلم. الحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة، وقد أجمع على ذلك العلماء وإنما اختلفوا في الوجوب، فالجمهور على أنه سنة في حق التالي والمستمع إن سجد التالي، واختلفوا هل يشترط فيها ما يشترط في الصلاة من الطهارة وغيرها، وقال البخاري: كان ابن عمر يسجد على غير وضوء، وهذا الحديث دل على السجود للتلاوة في المفصل. 326- وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما -، قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد فيها. روَاهُ الْبُخَارِيُّ. أي ليست مما ورد في السجود فيها أمر ولا تحريض ولا تخصيص ولا حث وإنما ورد بصيغة الإخبار عن داود عليه السلام بأنه فعلها، وسجد نبينا - صلى الله عليه وسلم - فيها اقتداء به لقوله تعالى: ﴿ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: الآية: 90] فنحن نسجد فيها اقتداء بنبينا - صلى الله عليه وسلم -، وعن علي بن أبي طالب- رضي الله عنه - قال: «إن العزائم حم والنجم واقرأ والم تنزيل» رواه ابن المنذر وغيره. 327- وعنهُ - رضي الله عنه -: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سَجَدَ بالنّجْم. رواهُ البخاريُّ. الحديث دليل على السجود في المفصل خلافاً لمالك - رحمه الله - فإنه قال لا سجود للتلاوة في المفصل والأحاديث في ذلك صحيحة صريحة. 328- وعن زيد بن ثابتٍ - رضي الله عنه - قال: «قرَأَتُ على النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - النّجْم، فلمْ يَسْجُدْ فيها» متفق عليه. الحديث دليل على أن سجود التلاوة غير واجب لأنه - صلى الله عليه وسلم - فعله تارة وتركه أخرى. 329- وعن خالد بن مَعْدَانَ - رضي الله عنه - قال: فُضِّلَتْ سورةُ الحجِّ بسَجْدتين. رواهُ أبو داود في المراسيل. 330- ورواه أَحْمَدُ والتِّرمِذِيُّ موْصولاً من حديث عُقبةَ بن عامرٍ، وزادَ: فمن لم يَسجدْهما فلا يقرأها، وسندُهُ ضعيفٌ. الحديث دليل على تأكيد شرعية السجود في سورة الحج، وفي حديث عقبة بن عامر عند أبي داود: «قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان، قال: نعم» الحديث وقد تهاون عامة الناس بهذه السنة العظيمة التي ينبغي الاعتناء بها والمحافظة عليها، فإذا قرأ ومر بالسجدة فليسجد ومن حوله من المستمعين لئلا يتشبهوا بالذين إذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون. 331- وعنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - قال: يا أيها النّاسُ إنا نَمُرُّ بالسجود فَمَنْ سجدَ فَقَدْ أصابَ، ومَنْ لمْ يَسْجُدْ فلا إثم عليه. رواهُ البخاري، وفيه: إن الله تعالى لمْ يفرض السُّجودَ إلا أن نشاءَ، وهُوَ في المُوطَّأ. فيه دليل على أن عمر كان لا يرى وجوب سجود التلاوة كما هو مذهب الجمهور. 332- وعن ابن عُمَرَ - رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأُ عَلَيْنا القرآن، فإذا مَرَّ بالسّجدَةِ كَبّرَ وسَجَدَ وَسَجَدْنا مَعَهُ. رواهُ أبو داود بسَنَدٍ فيه لينٌ. الحديث دليل على مشروعية التكبير في سجود التلاوة ويقول إذا سجد: «سبحان ربيَ الأعلى ثلاث مرات، اللهم لك سجدت ولك عبدت وبك آمنت وعليك توكلت، سجد وجهي للذي خلقه وصوّره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين» ويقول في سجدة ص: «اللهم اكتب لي بها عندك أجراً واجعلها لي عندك ذخراً وضع عني بها وزراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود». 333- وعن أبي بكرة - رضي الله عنه -، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذا جاءَهُ أمرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ ساجداً لله. رواه الخمسة إلا النسائي. الحديث دليل على شرعية سجود الشكر؛ واختلف العلماء هل تشترط لها الطهارة أم لا والصحيح أنها لا تشترط. 334- وعن عبدِ الرَّحْمن بن عوف - رضي الله عنه - قالَ: سَجَدَ النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فأطالَ السُّجودَ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ، فقالَ: «إن جبريلَ أتاني، فبَشّرني، فسَجَدْتُ لله شُكراً» رواهُ أحمد وصححه الحاكم. جاء تفسير البشرى بأن الله تعالى قال: «من صلى عليك صلاة صلى الله عليه بها عشرا». رواه أحمد. 335- وعنَ البرَاءِ بن عازبٍ - رضي الله عنه -، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بَعثَ علياً إلى اليمن -فذكرَ الحديث- قالَ: فَكَتَبَ عليٌّ بإسلامهم فلما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتابَ خرَّ ساجداً شكراً للهِ تعالى على ذلكَ. رواهُ البيهقيُّ. وأصله في البخاري. وفي معناه سجود كعب بن مالك لما أنزل الله توبته، فإنه يدل على أن شرعية ذلك كانت متقررة عندهم، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
|
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
|
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(19) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب صلاة الجماعة والإمامة 376- عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «صَلاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشرينَ دَرَجَةً» مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. 377- وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ - رضي الله عنه -: «بِخَمْسٍ وَعشْرين جُزْءًا». 378- وَكَذَا لِلْبُخَاريِّ عَنْ أَبي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - وَقَالَ: «دَرَجَةً». قال الترمذي عامة من رواه قالوا: خمساً وعشرين إلا ابن عمر فقال سبعاً وعشرين انتهى. وفي الحديث الحث على الصلاة في الجماعة، وفيه أن من صلى في بيته فقد خسر هذه الدرجات العظيمة ولم يكتب له إلا جزء واحد. 379- وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: «وَالّذي نَفْسي بيدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بحَطَبٍ فيُحتَطَبَ ثُمَّ آمُرَ بالصَّلاةِ فَيُؤذَّنُ لهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النّاسَ ثُمَّ أُخَالِفُ إلى رجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلاة فأُحَرِّقَ عَلَيهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالّذي نَفْسي بيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ» مُتّفقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظُ للْبُخَارِيِّ. الحديث دليل على وجوب الصلاة في الجماعة لأنه - صلى الله عليه وسلم - توعدهم بالعقوبة ولا يعاقب إلا على ترك واجب أو فعل محرّم، وقال البخاري: باب وجوب صلاة الجماعة، وقال الحسن إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها وذكر الحديث. 380- وَعَنْهُ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أَثْقَلُ الصَّلاةِ عَلى المُنَافقينَ صَلاةُ العِشَاءِ وَصَلاةُ الْفجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهمَا لأتَوْهُما وَلَوْ حَبْواً» مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. الحديث دليل على أن الصلاة كلها ثقيلة على المنافقين في الجماعة وغيرها فإنهم لا يقومون إلى الصلاة إلا وهم كسالى، وأثقلها عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر؛ لأن صلاة العشاء في وقت الراحة والسكون وصلاة الفجر في وقت النوم، وليس لهم داع ديني حتى يبعثهم إلى إتيانهما فإنهم لا يصلون إلا رياء كما قال تعالى: ï´؟ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ï´¾ [الماعون: 4 - 6]، وقال الله: ï´؟ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ï´¾ [النساء: 142]، وقوله: «ولو يعلمون ما فيهما أي في فعلهما في المسجد لأتوهما ولو حبوا أي على يديه ورجليه، وفيه حث بليغ على الإتيان إليهما. 381- وَعَنْهُ - رضي الله عنه - قالَ: أتَى النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلٌ أعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله لَيْسَ لي قَائِدٌ يَقُودُني إلى المَسْجِدِ فَرَخّص لَهُ فَلَمّا وَلّى دَعَاهُ فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ؟» قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلمٌ. الحديث دليل على وجوب صلاة الجماعة لمن سمع النداء. 382- وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - عَنِ النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّداءَ فلم يأت فَلا صَلاةَ لَهُ إلا مِنْ عُذْرٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه- وَإسْنَادُهُ عَلى شَرْطِ مُسْلمٍ لكنْ رَجّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفَهُ. الحديث دليل على وجوب صلاة الجماعة لمن لا عذر له من خوف أو مرض أو ضرر. 383- وَعَنْ يَزيدَ بنِ الأسْودِ - رضي الله عنه - أَنّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - صَلاةَ الصُّبْحِ، فَلَمّا صلى رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا هُوَ برَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا فَدَعَا بِهِمَا، فجيءَ بهمَا تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ لَهُمَا: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيا مَعَنَا؟» قالا: قَدْ صَلّينَا في رحَالِنَا، قالَ: «فلا تَفْعَلا إذَا صَلّيْتُما في رحَالِكُما ثمَّ أَدْرَكْتُما الإمامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَصَلِّيَا مَعَهُ فإنها لَكُمَا نَافِلَة» رَوَاهُ أحمد واللفظ له والثّلاثَة وصححه ابن حبَّان والترمذيُُّ. الحديث دليل على مشروعية الصلاة مع الإمام وإن كان قد صلى قبله وأن الأولى هي الفريضة. 384- وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قالَ: قالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما جُعِلَ الإِمامُ لِيُؤْتَمَّ بِه، فإذَا كَبّرَ فَكَبِّرُوا وَلا تُكَبِّرُوا حتى يُكبِّرَ، وإذَا رَكَعَ فَارْكَعوا وَلا تَرْكَعُوا حَتى يَرْكَعَ، وإذَا قالَ: سمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا وَلا تَسْجُدُوا حَتى يَسْجُدَ، وَإذا صَلى قائماً فَصلُّوا قِيَاماً، وَإذا صلى قاعِداً فَصَلُّوا قُعُوداً أَجْمعينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَهذَا لَفْظُهُ وَأَصلُهُ في الصّحيحيْنِ. الائتمام: الاقتداء والاتباع، ومن شأن التابع والمأموم أن لا يتقدم متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ويأتي على أثرها بنحو فعله. (قوله: وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً أجمعين) فيه دليل على أن الإمام إذا صلى قاعداً لعذر تابعه المأموم، قال البخاري: قال الحميدي: قوله: إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً هو في مرضه القديم ثم صلى بعد ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - جالساً والناس خلفه قياماً ولم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهى، وجمع الإمام أحمد بين الأحاديث بأن الأمام الراتب إذا ابتدأ الصلاة قاعداً لمرض يرجى برؤه فإنهم يصلون خلفه قعوداً؛ وإن ابتدأ بهم الصلاة قائماً ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً والله أعلم. 385- وَعَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْري - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - رأى في أَصْحَابِهِ تَأَخُّراً فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بي وَلْيَأتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الحديث دليل على أنه يجوز اتباع من خلف الإمام من لا يراه ولا يسمعه كالصف الثاني يقتدون بالأول والثالث بالثاني ونحوه، أو بمن يبلغ عنه، وفي الحديث حث على الصف الأول، وكراهة البعد عن الإمام، وتمام الحديث: «ولا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله». 386- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابتٍ - رضي الله عنه - قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حُجْرَةً مخَصَّفَةً فَصَلّى فيها فَتَتَبّعَ إلَيْهِ رجَالٌ وَجَاؤُوا يُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ، الحديث. وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلاةِ المَرْءِ في بَيْتِهِ إلاَّ المَكْتُوبَةَ» مُتّفقٌ عَلَيْهِ. الحديث دليل على صحة اقتداء المأمومين بالإمام وإن لم يروه إذا سمعوا التكبير وكانوا في المسجد. 387- وَعَنْ جَابر بْنِ عَبْدِ الله - رضي الله عنهما - قال: صَلّى مُعَاذٌ بأَصْحَابه العشاءَ فطَوّلَ عَلَيْهَمْ فَقَال النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أتُريدُ أَنْ تَكُونَ يا مُعاذُ فَتّاناً؟ إذا أَمَمْتَ النّاسَ فَاقْرَأ «بالشمس وضحاها»، و«سبح اسم ربك الأعلى»، و«اقرأ باسم ربك»، و«الليل إذا يغشى» مُتّفقٌ عَلَيْهِ واللفظ لمسلم. قال البخاري: باب إذا طول الإمام وكان للرجل حاجة فخرج فصلى، وساق حديث جابر بلفظ: «كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع فيؤم قومه، فصلى العشاء فقرأ بالبقرة، فانصرف الرجل فكأن معاذاً تناول منه فبلغ النبي- صلى الله عليه وسلم -» الحديث، وفيه دليل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، وفيه تخفيف الإمام في صلاته وقراءته من غير تخفيف مخل ولا تطويل ممل، ويختلف باختلاف الأوقات والأحوال في الإمام والمأمومين، وفيه الإرشاد إلى القراءة بهذه السور المذكورة وما شابهها. 388- وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - في قِصّةِ صَلاةِ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بالنّاسِ وَهُوَ مَريضٌ قَالَتْ: «فَجَاءَ حتى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبي بَكْرٍ فَكَانَ يُصَلي بالنّاسِ جَالِساً وَأَبُو بَكْرٍ قائماً، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بصَلاةِ النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وَيَقْتَدي النّاسُ بصلاةِ أَبي بَكْرٍ» مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. الحديث دليل على جواز وقوف الواحد عن يمين الإمام وإن حضر معه غيره، وقال البخاري: باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم وذكر الحديث، ولمسلم: «أن أبابكر كان يُسْمِعُهُم التكبير»، وفيه دليل على جواز رفع صوت المبلغ بالتكبير ونحوه. 389- وَعَنْ أبي هُرَيْرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: «إذا أمَّ أَحَدُكُمُ النّاسَ فَلْيُخَفِّفْ فإنَّ فيهمُ الصَّغيرَ وَالْكبيرَ والضَّعِيفَ وَذا الْحاجَةِ، فإذا صَلّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ» مُتّفقٌ عَلَيْهِ. الحديث دليل على استحباب التخفيف للإمام حيث يشق التطويل على المأمومين، قال شيخنا: وليس فيه حجة للنقارين، وقال ابن القيم: الإيجاز أمر نسبي إضافي راجع إلى السنة لا إلى شهوة الإمام ومن خلفه، قال في الاختيارات: ويلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره، وليس له أن يزيد على القدر المشروع، وينبغي أن يفعل غالباً ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله، ويزيد وينقص للمصلحة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يزيد وينقص أحياناً. يتبع |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
|
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
|
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(21) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب صلاة الجمعة) الأصل في فرض الجمعة الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [الجمعة: الآية:9]. 422- عَنْ عبْد اللهِ بْنِ عُمَر وأَبي هُريرة - رضي الله عنهم - أَنهما سَمِعَا رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ على أعوادِ مِنْبرهِ: (لَيَنْتَهيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ الله عَلى قُلُوبِهِمْ، ثمَّ لَيَكونُنَّ مِنَ الْغافِلين) رواه مسلمٌ. هذا الحديث من أعظم الزواجر عن ترك الجمعة، وفيه مشروعية الخطبة على المنبر لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب وسماع كلامه. 423- وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوعِ - رضي الله عنه - قالَ: (كنا نُصَلي معَ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الجُمُعةَ ثمَّ نَنْصرفُ وَلَيْسَ للحيطانِ ظِلٌّ يُستظلُّ بهِ) مُتّفقٌ عليه واللفظ للبخاريِّ، وفي لَفْظٍ لمسْلمٍ (كُنّا نُجَمِّع معه إذا زَالت الشّمسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبّعُ الْفَيْءَ). الحديث دليل على المبادرة بصلاة الجمعة عند أول وقتها وهو زوال الشمس، وعليه الجمهور. 424- وَعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ - رضي الله عنهما - قال: (ما كُنّا نَقيلُ ولَا نَتَغَدّى إلا بَعْدَ الْجُمُعةِ) مُتّفقٌ عَلَيْهِ واللفظ لمسلم، وفي رواية (في عَهْدِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -). الحديث دليل على استحباب المبادرة بصلاة الجمعة عند أول الزوال قبل القائلة، بخلاف الظهر، فإن القائلة قبلها. 425- وعن جابرٍ - رضي الله عنه - (أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يخطُبُ قائماً، فَجَاءَتْ عيرٌ مِنَ الشّام فانفتَلَ النّاسُ إليها حتى لَمْ يَبْقَ إلا اثنا عَشَرَ رَجُلاً) رَواهُ مُسْلمٌ. الحديث دليل على مشروعية الخطبة قائماً، وأنه لا يشترط لها عدد معين. 426- وَعَنْ ابن عمَرَ - رضي الله عنهما - قال: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَنْ أَدْرَكَ رَكعةً مِنْ صَلاةِ الجُمُعةِ وغيْرهَا فلْيُضِفْ إليها أُخرى وَقَد تمّتْ صَلاتُهُ) رواه النّسائيُّ وابن ماجه والدارقطني واللفظ له، وإسنادُهُ صحيحٌ لكنْ قوَّى أَبو حاتمٍ إرسالَهُ. الحديث دليل على أن الجمعة تصح لمن أدرك الصلاة وإن لم يدرك من الخطبة شيئاً، وفيه إنه إذا أدرك ركعة من صلاة الجمعة فقد أدركها، فإن أدرك أقل منها أتمها ظهراً إذا كان نوى الظهر، وإلا كانت له نافلة. 427- وَعَنْ جَابرِ بن سَمُرةَ - رضي الله عنه -: (أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يخطُبُ قائماً، ثم يجلسُ، ثمَّ يقومُ فَيَخْطبُ قائماً، فَمَنْ أنْبَأَكَ أَنهُ كانَ يخطُبُ جالساً فَقَدْ كَذَبَ) أَخرجهُ مُسلمٌ. الحديث دليل على أنه يشرع القيام حال الخطبتين والفصل بينهما بجلوس. 428- وَعَنْ جابِرِ بنِ عَبْدِ الله - رضي الله عنهما - قال: (كان رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب احمَرَّت عَيْناه، وَعَلا صَوْتُهُ، واشْتَدَّ غَضَبُهُ، حتى كأنهُ مُنذرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبّحَكم وَمَسّاكمْ) ويقولُ: (أَمّا بَعْدُ فإنّ خَيْرَ الحديث كِتابُ الله، وَخَيرَ الْهَدي هُدَى محمّد، وشَرَّ الأُمور مُحْدَثَاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ) رواهُ مُسلمٌ، وفي روايةٍ لهُ: (كانت خطبَةُ النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ الْجُمُعَة يَحْمَدُ الله ويُثني عَليه ثمَّ يقولُ عَلى إِثْرِ ذلك وَقد عَلا صَوتُهُ). وفي رواية لهُ: (مَنْ يَهْده اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، وَمَنْ يُضلِل فلا هاديَ لـهُ) وللنسائي: (وكلُّ ضَلالة في النّار). المحدثات جمع محدثة: وهي البدعة، والمراد بها ما عمل من دون أن تسبق له شرعية من كتاب ولا سنة، وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالخطبة والإتيان بجوامع الكلم من الترغيب والترهيب بعد حمد لله والثناء عليه وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وكان - صلى الله عليه وسلم - يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه ويأمرهم وينهاهم، وقد أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين ويوجز فيهما، وعند مسلم: (كان لرسول - صلى الله عليه وسلم - خطبتان يقرأ القرآن ويذكر الناس ويحذرهم). 429- وَعَنْ عَمّار بن ياسرٍ - رضي الله عنهما - قالَ: سمعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: (إن طولَ صَلاة الرَّجُلِ وَقِصَر خُطْبَتِهِ مَئِنّةٌ من فِقْهِهِ) رواهُ مُسلمٌ. إنما كان قصر الخطبة علامة على فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني وجوامع الألفاظ فيتمكن من التعبير بالعبارة الجزلة المفيدة، ولذلك كان من تمام هذا الحديث: (فأطيلوا الصلاة وقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحراً) وقد كان - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الصلاة بالجمعة والمنافقين ويخطب بسورة ق. 430- وَعَنْ أُمِّ هشام بنتِ حارثةَ - رضي الله عنهما - قالت: (ما أَخَذْتُ ﴿ ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ﴾ [ق:1] إلا عَنْ لِسَانِ رسُوَلِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقرَؤها كلَّ جُمُعةٍ على المنبر إذا خَطَبَ النّاسَ) رَوَاهُ مُسلمٌ. قال العلماء: سبب اختياره - صلى الله عليه وسلم - هذه السورة لما اشتملت عليه من ذكر البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة، وفيه دلالة لقراءة شيء من القرآن في الخطبة، وجواز ترديد الوعظ. 431- وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - قال: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (مَنْ تكلّم يوْمَ الجُمُعةِ والإمامُ يخْطُبُ فَهُو كمَثل الحمار يحملُ أَسفاراً، والذي يقول لَهُ: أَنْصِتْ لَيْسَتْ لَهُ جُمُعَةٌ) رَواهُ أَحمدُ بإسنادٍ لا بأس بهِ، وهو يفسر حديث أَبي هُريرَة - رضي الله عنه - في الصّحيحيّنِ مَرْفوعاً: (إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الجُمُعَةِ والإمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ). إنما شبه المتكلم حال الخطبة بالحمار يحمل أسفاراً لأنه فاته الانتفاع بالخطبة وقد أتعب نفسه بالحضور، وقوله: (والذي يقول له: أنصت ليست له جمعة) أي فاتته فضيلة الجمعة لكن تجزئه الصلاة بالإجماع، وقوله: (إذا قلت لصاحبك: أنصت فقد لغوت) تأكيد في النهي عن الكلام لأنه إذا عد من اللغو، وهو أمر بمعروف فغيره أولى، فعلى هذا يأمره بالإشارة إن أمكن. 432- وَعَنْ جابرٍ - رضي الله عنه - قالَ: (دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعةِ والنّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطُبُ فَقَالَ: (صَلّيْتَ؟) قالَ: لا، قالَ: (قُمْ فَصَلِّ ركْعَتَيْن) مُتّفقٌ عليه. الحديث دليل على أن تحية المسجد تصلى حال الخطبة ويوجز فيهما، قال البخاري: باب من جاء والإمام يخطب يصلي ركعتين خفيفتين وذكر الحديث، وفيه دليل على أنه يجوز للخطيب أن يأمر في خطبته وينهى، وأن ذلك لا يقطع الخطبة. 433- وعن ابْنِ عبّاسٍ - رضي الله عنهما -: (أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يقرأُ في صَلاة الجُمُعة سورةَ الجُمُعة والمنَافقين) رواهُ مُسْلِمٌ. 434- ولَهُ عَنِ النُعْمانِ بن بَشِيرٍ - رضي الله عنه - قال: (كانَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأُ في الْعِيديْنِ وفي الجُمُعَةِ بـ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى:1]، و﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾ [الغاشية:1]. الحديث دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في الجمعة والعيدين لما فيهما من التذكير بأحوال الآخرة والوعد والوعيد، وأما قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة فلما في سورة الجمعة من الحث على حضورها والسعي إليها، وبيان فضيلة بعثته- صلى الله عليه وسلم - وذكر الحكم الأربع في بعثته: من أنه يتلو عليهم آيات الله ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، والحث على ذكر الله، ولما في سورة المنافقين من توبيخ أهل النفاق وحثهم على التوبة، ولما في آخرها من الوعظ والحث على الصدقة، وقد ورد: (أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في العيدين بـ ق، واقتربت). 435- وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رضي الله عنه -، قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - الْعِيدَ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمَعَةِ، ثُم قَالَ: (مَنْ شَاءَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيُصَلِّ). رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلا التَّرْمِذِيَّ وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الحديث دليل على أن صلاة الجمعة لمن صلى العيد رخصة يجوز فعلها وتركها إلا في حق الإمام لما أخرجه أبوداود من حديث أبي هريرة: أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة، وإنا مجمعون). 436- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم -: (إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمْعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعاً). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الحديث دليل على مشروعية أربع ركعات بعد الجمعة، وقد ذكر أبوداود عن ابن عمر: (أنه كان إذا صلى في المسجد صلى أربعاً، وإذا صلى في بيته صلى ركعتين). 437- وَعَنَ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ - رضي الله عنه -، أنَّ مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنه - قَالَ لَهُ: (إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَة فَلا تَصِلْهَا بِصَلاةٍ، حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَو تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَنَا بِذَلِكَ، أَنْ لا نُوصِلَ صَلاةً بِصَلاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الحديث دليل على مشروعية فصل النافلة عن الفريضة في الجمعة وغيرها، لئلا يشتبه الفرض بالنافلة، وأخرج أبوداود من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (أيعجز أحدكم أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله في الصلاة، يعني السبحة). 438- وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: (مَنِ اغْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمّ أَنْصَتَ، حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ: غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الحديث دليل على استحباب الغسل والتبكير يوم الجمعة والإكثار من الصلاة، وقوله: (غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام) هذا مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: آية: 160] والله أعلم. 439- وعنهُ - رضي الله عنه - أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ذكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقال: (فِيهِ سَاعةٌ لا يُوافِقُها عَبْدٌ مُسْلم وَهُوَ قائم يصلي يَسْأَلُ الله عَزّ وَجَلَّ شَيْئاً إلا أَعْطاهُ إياهُ. وأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا) مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وفي روايةٍ لِمُسْلمٍ (وهيَ سَاعةٌ خَفِيفَةٌ). قوله: (وأشار بيده يقللها) أي وضع أنملة إبهامه على بطن الوسطى والخنصر. 440- وعنْ أبي بُرْدَةَ عن أبيهِ - رضي الله عنهما - قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقُولُ: (هِيَ ما بَيْن أَنْ يجلسَ الإمام إلى أَنْ تُقْضى الصَّلاةُ) رواهُ مُسلم ورجَّح الدارقطنيُّ أنَّهُ من قولِ أبي بُردَةََ. 441- وفي حديث عَبدِ اللهِ بنِ سَلام عند ابن ماجه وجَابرٍ - رضي الله عنه - عِنْد أبي دَاوُدَ والنَّسَائِيِّ: (أَنّها مَا بينَ صَلاةِ العصر وغُروب الشّمس) وَقَد اختُلفَ فيها عَلى أَكْثرَ منْ أَرْبعين قوْلاً أَملَيْتُها في شرح البُخاريِّ. أقرب هذه الأقوال القول بأنها بعد العصر، وفي حديث عبدالله بن سلام هي آخر ساعة من ساعات النهار. قلت: إنها ليست ساعة صلاة قال: إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة. 442- وَعَن جابرٍ - رضي الله عنه - قال: (مَضَت السُّنّةُ أَنَّ في كلِّ أَرْبَعين فَصَاعداً جُمُعةً) رواهُ الدارَقُطْنيُّ بإسنادٍ ضعيف. الحديث دليل على وجوبها على الأربعين فما فوق، قال في الاختيارات: وتنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب واثنان يسمعان وهو إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء، وقد يقال بوجوبها على الأربعين لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم وتصح ممن دونهم لأنه انتقال إلى أعلى الفرضين كالمريض. 443- وَعَن سَمُرة بنِ جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - (أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ يَسْتَغْفِرُ للمؤمنينَ والمؤمنَاتِ في كُلَّ جُمُعَةٍ) رَوَاهُ الْبَزَّارُ بإسْنادٍ لَيِّنٍ. الحديث دليل على مشروعية الدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة على المنبر في الخطبة. 444- وَعَنْ جابر بنِ سَمُرة - رضي الله عنه - (أنَّ النّبيَ - صلى الله عليه وسلم - كانَ في الخُطْبة، يقرأُ آياتٍ مِن القرآن ويُذكِّرُ النّاس) رَواهُ أبو داود وأصْلُهُ في مسلم. الحديث دليل على مشروعية قراءة القرآن في الخطبة كما في حديث أم هشام: (قالت: ما أخذت ﴿ ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ ﴾ [ق:1] إلا عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس) وقد تقدم. 445- وَعَنْ طَارقِ بن شِهَابٍ - رضي الله عنه - أنَّ رَسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: (الجُمُعةُ حقٌّ وَاجبٌ على كل مُسْلمٍ في جماعةٍ إلا أَربعةً: مملُوكٌ وامرأَةٌ وَصَبيٌّ وَمريض) رواهُ أَبو داود وقالَ: لمْ يَسْمَعْ طارقٌ مِنَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةِ طَارِقٍ المذْكُورِ عَنْ أَبِي مُوسى. الحديث دليل على وجوب الجمعة على كل مكلف إلا العبد والمرأة والمريض. 446- وَعن ابْن عُمَرَ - رضي الله عنهما - قال: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: (لَيْسَ على مُسافر جُمْعَةٌ) رواه الطبراني بإسناد ضعيف. الحديث دليل على أن صلاة الجمعة لا تجب على المسافر أيضاً، ومن حضرها من المذكورين أجزأته عن صلاة الظهر. 447- وعَنْ عبد الله بن مَسْعودٍ - رضي الله عنه - قالَ: (كانَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - إذَا اسْتَوى على المِنْبر اسْتَقْبلْناهُ بِوُجُوهِنا) رواه الترمذيُّ بإسناد ضَعيف، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حديث البَراءِ عنْدَ ابن خزَيْمَةَ. الحديث دليل على مشروعية استقبال الناس الخطيب وهو يخطب مواجهين له. 448- وَعَنِ الحَكمِ بنِ حَزْنٍ - رضي الله عنه - قالَ: (شَهِدنا الجُمُعةَ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَامَ مُتوكئاً عَلى عصاً أَوْ قَوْسٍ) رواهُ أبو داود. الحديث دليل على أنه يندب للخطيب الاعتماد على شيء وقت خطبته مما يعتاده الناس، وبالله التوفيق. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(22) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب صلاة الجمعة) باب صلاة الخوف 449- عَنْ صَالح بنِ خَوَّات - رضي الله عنه - عَمّن صّلى معَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ ذاتِ الرِّقاع صلاة الخوف "أَنَّ طائفةً صَلّتْ مَعَهُ وطائفَةً وِجَاه الْعَدُوّ فَصَلى بالذين مَعَهُ ركْعةً ثمَّ ثَبَتَ قائماً وأَتمُّوا لأنْفُسِهم، ثم انْصرَفُوا فَصَفُّوا وِجاهَ الْعدُوِّ، وجاءَت الطائفةُ الأخْرَى فَصَلى بهمُ الرَّكْعَةَ التي بَقِيَتْ ثمَّ ثَبَتَ جالساً وأَتَمُّوا لأنْفُسِهِمْ ثمَّ سَلّم بهمْ" مُتفق عليْهِ وهذا لفظ مسلم ووقَعَ في المعْرفة لابن مَنْدَه عَنْ صَالح بن خوَّاتٍ عن أَبيهِ. هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ﴾ الآية [النساء: الآية: 102]. 450- وعنِ ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قالَ: "غَزَوْتُ معَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قِبَلَ نجدٍ فَوازَيْنَا العْدُوَّ فصافَفْنَاهُمْ، فقامَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَصَلَّى بنا، فَقَامَت طائفةٌ مَعَهُ وأَقبلَت طائفةٌ على العدوّ، وَرَكَعَ بمنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدتَيْن ثمَّ انصرفوا مكانَ الطّائفةِ التي لَمْ تُصَلِّ فجاؤوا فَرَكَعَ بهم ركْعةً وَسَجَدَ سَجْدتَيْن ثمَّ سلّمَ، فَقَامَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمْ فركَعَ لنَفْسه رَكْعةً وسَجَدَ سَجْدتَيْنِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ واللفظ للبخاريِّ. وروى أبوداود من حديث ابن مسعود: "ثم سلم فقام هؤلاء" أي الطائفة الثانية: "فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا". 451- وعن جابر - رضي الله عنه - قالَ: "شَهِدْتُ مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوفِ فَصفّنَا صَفّين: صَفٌّ خَلْفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلة، فَكَبّرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وكبّرْنا جميعاً، ثمَّ ركَعَ وركَعْنَا جميعاً، ثمَّ رَفَعَ رأسَهُ مِن الرُّكوع وَرَفَعْنا جميعاً، ثمَّ انحدَرَ بالسُّجُود والصَّفُّ الذي يليه وقام الصَّفُّ المؤخّرُ في نحر العدوِّ، فلما قضى السجودَ قام الصف الذي يليه" فَذَكر الحديث، وفي روايةٍ: "ثمَّ سَجَدَ وسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الأولُ فلمّا قامُوا سَجَدَ الصفُّ الثّاني ثُمَّ تأَخّرَ الصفُّ الأوّلُ وَتَقَدَّمَ الصفُّ الثّاني" وذَكَرَ مِثْلَهُ، وفي آخره "ثمَّ سلّمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَسلّمْنَا جميعاً" رواهُ مُسْلمٌ. 452- ولأبي داودَ عَنْ أَبي عَيّاشٍ الزُّرَقيِّ مثله وزادَ: "أنَّها كانت بعُسْفَانَ". 453- وللنَّسائيّ مِنْ وَجْهِ آخرَ عَنْ جابرٍ - رضي الله عنه - "أَنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - صَلى بطائِفةٍ مِنْ أَصْحابه ركعتينِ ثمَّ سَلَّمَ ثم صلى بآخرين رَكْعتين ثمَّ سلّمَ". 454- وَمِثْلُهُ لأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. الحديث دليل على أنه إذا كان العدو في جهة القبلة فإنه يخالف ما إذا لم يكن في جهتها كما في حديثي ابن خوّات وابن عمر، (قوله: صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم) فيه دليل على صحة صلاة المفترض خلف المتنفل، قال أبوداود: وكذلك في صلاة المغرب فإنه يصلي ست ركعات والقوم ثلاثاً ثلاثاً. 455- وعَنْ حُذيفة - رضي الله عنه -: "أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوفِ بهؤلاءِ ركْعَةً وبهؤلاءِ ركْعَةً ولمْ يَقْضُوا" رَوَاهُ أحمد وأَبو داودَ والنسائيُّ وصَحَّحه ابن حبان. 456- ومِثْلُهُ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما . وأخرج أبوداود عن ابن عباس- رضي الله عنهما - قال: "فرض الله تعالى الصلاة على لسان نبيكم عليه الصلاة والسلام في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة". 457- وعن ابن عُمَر - رضي الله عنهما - قال: قالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:"صلاة الخوف ركعةٌ على أيِّ وجهٍ كان"رواهُ البزَّارُ بإسناد ضَعيف. الحديث دليل على جواز صلاة الخوف ركعة واحدة في حق الإمام والمأموم. 458- وعَنْهُ - رضي الله عنه - مَرْفوعاً "لَيْسَ في صَلاةِ الخوفِ سَهْوٌ" أَخرجَهُ الدَّارقُطني بإسناد ضَعيف. قال الخطابي: صلاة الخوف أنواع صلاها النبي- صلى الله عليه وسلم - في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو الأحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة، فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى، قال الحافظ: واستدل به على عظم أمر الجماعة، بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمور كثيرة لا تفتقر في غيرها، ولو صلى كل امرئ منفرداً لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، وقال الإمام أحمد: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز، ومال إلى ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة: أي الذي رواه صالح بن خوّات المذكور أول الباب، وقال البخاري: باب صلاة الخوف رجالاً وركباناً، يشير إلى قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً ﴾ [البقرة: آية: 239]. قال مجاهد: إذا وقع الخوف فليصلّ الرجل على كل جهة قائماً أو راكباً، وفي البخاري عن ابن عمر أنه وصف صلاة الخوف ثم قال: "فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالاً قياماً على أقدامهم أو ركباناً مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها" قال الحافظ: والمعنى أن الخوف إذا اشتد جازت الصلاة حينئذ بحسب الإمكان وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان فينتقل عن القيام إلى الركوع، وعن الركوع والسجود إلى الإيماء، وبهذا قال الجمهور، وقال الخرقي: وإن خاف وهو مقيم صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الطائفة الأولى بالحمد لله في كل ركعة، والطائفة الأخرى تتم بالحمد لله وسورة، قال الحافظ: وصلاة الخوف في الحضر قال بها الشافعي، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(23) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب صلاة الكسوف الخسوف والكسوف شيء واحد، وكلاهما قد وردت به الأخبار، قال تعالى: ï´؟ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ï´¾ [القيامة: الآيات: 7-9]. 476- عَنِ المُغيرةِ بنِ شُعْبةَ - رضي الله عنه - قالَ: انْكَسَفتِ الشمْسُ عَلى عَهْد رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ مَاتَ إبْراهيمُ (فقال الناس: انكسَفَتِ الشّمْسُ لموْتِ إبرَاهيم) فَقَالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ الشّمسَ وَالْقَمَرَ آيتَانِ مِنْ آيات الله لا ينْكَسِفَانِ لموْتِ أَحَدٍ ولا لحياتِهِ فإذا رَأَيْتُموهُما فادعُوا الله وصَلُّوا حَتى تَنْكَشِفَ» مُتّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفي رواية لِلْبُخاريِّ «حَتى تَنْجَلي». 477- وَلِلْبُخَاري مِنْ حديثِ أَبي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - «فَصَلُّوا وادعُوا حَتى يَنْكَشِفَ مَا بكمُ». الحديث دليل على مشروعية صلاة الكسوف في أيّ وقت حصل سواء كان وقت كراهة أم لا، وبه قال الجمهور، (قوله: يوم مات إبراهيم) أي ابنه عليه الصلاة والسلام، وموته في العاشرة من الهجرة، قال أبوداود: في ربيع الأول يوم الثلاثاء لعشر خلون منه، وقيل: في الرابع (قوله: فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم) قال في سبل السلام: وإنما قالوا ذلك لأنها كسفت في غير يوم كسوفها المعتاد، فإن كسوفها في العاشر أو الرابع لا يكاد يتفق، فردّ عليهم -صلى الله عليه وسلم- وأخبرهم أنهما علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته، وعلى تخويف عباده من بأسه وسطوته، والحديث مأخوذ من قوله تعالى: ï´؟ وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ï´¾ [الإسراء: آية:59]. 478- وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها -: «أنَّ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- جَهَرَ في صَلاةِ الْكُسُوف بقرَاءَتِهِ فَصَلى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ في رَكْعتين وَأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» مُتّفَقٌ عَلَيْهِ وهذا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وفي روايةٍ لَـهُ «فَبَعَثَ مُنادياً يُنَادي الصَّلاةُ جَامعةٌ». الحديث دليل على مشروعية الجهر بالقراءة في صلاة الكسوف مطلقاً، وفيه دليل على مشروعية الإعلام لها بهذا اللفظ، وفيه أن صفة صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وسجدتان. 479- وعَن ابْنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: «انخَسَفَتِ الشّمْسُ على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَصَلى، فَقَامَ قِيَاماً طَويلاً نحْواً مِنْ قراءةِ سُورَةِ الْبَقرةِ، ثمَّ ركَعَ رُكُوعاً طَويلاً، ثَمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِياماً طويلاً وَهُو دُونَ الْقيامِ الأوَّل، ثمَّ ركَعَ ركوعاً طويلاً وهو دون الرُّكوعِ الأوَّل، ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ قَام قياماً طويلاً وهُوَ دونَ القِيَام الأوَّل، ثمَّ ركع رُكُوعاً طويلاً وهُو دُون الرُّكوعِ الأول، ثمَّ رفعَ فقَامَ قياماً طويلاً وهُوَ دونَ القيامِ الأوَّلِ، ثمَّ ركعَ رُكُوعاً طَويلاً وَهُوَ دونَ الركوعِ الأوَّل ثم رفع رأسَهُ، ثمَّ سَجَدَ، ثمَّ انْصرفَ وَقَدْ انْجَلَتِ الشمسُ فَخَطَبَ النّاسَ» مُتّفقٌ عَلَيْه واللَّفْظُ للبُخاريِّ، وفي رواية لمُسلمٍ «صلى حين كُسَفَت الشّمسُ ثَمَاني ركَعَاتٍ في أربعِ سَجَدَاتٍ» 480- وَعَنْ عَليٍّ - رضي الله عنه - مِثْلُ ذلكَ. 481- وَلَهُ عَنْ جابرٍ - رضي الله عنه - «صلى سِتَّ رَكَعَاتٍ بأَرْبعِ سَجَداتٍ». 482- ولأبي دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بن كَعْبٍ - رضي الله عنه - «صلى فَرَكَعَ خَمْسَ رَكعاتٍ وَسَجَدَ سَجْدتَيْنِ، وَفَعَل في الثّانية مثل ذلك». صلاة الكسوف ركعتان بالاتفاق، وإنما الخلاف في عدد الركوعات في كل ركعة، فلذلك اختلف العلماء في صفة صلاة الكسوف؛ فالجمهور على أنها ركعتان في كل ركعة ركوعان، قال ابن عبدالبر: هو أصح ما في الباب، وباقي الروايات معللة ضعيفة انتهى. واتفق العلماء أنه يقرأ في القيام الأول من أول ركعة الفاتحة، واختلفوا في القيام الثاني، والصحيح أنه يقرأ بها في كل قيام، وفيه دليل على مشروعية تطويل القيام والركوع وكذلك السجود كما في رواية مسلم من حديث جابر: «وسجوده نحو من ركوعه» انتهى، ويقول عقيب كل ركوع: سمع الله لمن حمده، ثم يقول عقيبه: ربنا ولك الحمد إلى آخره. وفي الحديث دليل على مشروعية الخطبة بعد صلاة الكسوف. 483- وَعَن ابن عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: مَا هَبّتْ رِيحٌ قَطُّ إلا جَثَا النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على رُكْبَتَيْه وقال: «اللهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها عذاباً» رَوَاهُ الشّافعيُّ والطبرانيُّ. الحديث دليل على استحباب الدعاء عند هبوب الريح، وفي الدعاء المأثور: «اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما أرسلت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما أرسلت به». 484- وعَنْهُ - رضي الله عنه - أنه صَلَّى في زَلْزَلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ وأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وقالَ: «هَكذا صَلاةُ الآياتِ» رَواهُ الْبَيْهقيُّ، وذَكَرَ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ - رضي الله عنه - مِثْلَهُ دُونَ آخِرِهِ. الحديث دليل على استحباب الصلاة في الزلزلة جماعة كصلاة الكسوف، وبه قال أحمد وطائفة، وقال الشافعي وغيره: لا يسن التجميع إلا في الكسوفين، وأما صلاة المنفرد فحسن، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(24) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب صلاة الاستسقاء 485- عن ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: «خرَجَ النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُتواضعاً مُتبذِّلا مُتخشِّعاً مُترسِّلاً مُتضَرِّعاً فَصَلّى ركْعتين كما يُصلِّي في العيد لَمْ يخْطُبْ خُطبتَكم هذه» رواهُ الخمْسةُ، وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وأَبُو عَوَانَةَ، و ابْنُ حِبَّانَ. في رواية أبي داود: «ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد» (قوله: متبذلا) أي لابساً ثياب البذلة، والمراد: ترك الزينة، (مترسلاً) أي يمشي بسكينة وتواضع وخشوع، والحديث دليل على مشروعية الصلاة للاستسقاء كصلاة العيد، واستدل بهذا الحديث على أن الخطبة قبل الصلاة، لكن قد روى أحمد وابن ماجه والبيهقي وأبوعوانة: أنه - صلى الله عليه وسلم - خرج للاستسقاء، فصلى ركعتين، ثم خطب» وهذا صريح في تقديم الصلاة قبل الخطبة. 486- وعن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: شَكا النّاس إلى رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قُحُوطَ المطرِ فأَمَرَ بمنْبر فَوُضِعَ لَهُ بالمُصَلَّى وَوَعَد النّاسَ يَوْماً يخْرُجُون فيه، فَخَرَجَ حين بدا حاجِبُ الشّمس فَقَعَد على المنبرِ فَكَبّر وحمد الله ثمَّ قالَ: «إنكمُ شَكَوْتمْ جدْبَ دياركُم وقدْ أَمركُمُ الله أَن تَدْعُوهُ وَوَعدَكُمْ أَن يَسْتجيبَ لَكُمْ» ثمَّ قالَ: «الحمْدُ لله ربِّ العالمينَ، الرَّحمن الرَّحيم، مَالِك يَوْمِ الدينِ، لا إلـه إلّا الله يَفْعَلُ ما يُريدُ، اللهُمّ أَنْتَ الله لا إله إلّا أَنْتَ، أَنْتَ الْغنيُّ ونَحْنُ الْفُقَراءُ، أَنزل عَلَيْنا الْغَيْثَ واجْعَلْ مَا أَنْزلْتَ علينا قُوَّةً وبلاغاً إلى حين» ثمَّ رَفَعَ يدَيْهِ فلَمْ يزَلْ حتّى رُئِيَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ، ثمَّ حَوَّلَ إلى الناس ظَهْرَهُ وقَلَبَ رِداءَهُ وهُو رافعٌ يديْهِ، ثمَّ أَقْبلَ على النّاسِ ونزَلَ فَصَلَّى رَكعتَيْنِ، فَأَنْشأَ الله تعالى سَحَابةً فَرَعَدَتْ وبَرقَتْ ثمَّ أَمْطرتْ. رواهُ أبو داودَ وقال غريبٌ وإسنَادُهُ جَيِّدٌ. 487- وَقِصَّةُ التَّحْوِيلِ فِي الصَّحْيحِ مِنَ حَدِيثِ عَبْدِ الله بِنِ زَيدٍ، وَفِيْهِ: «فَتَوَّجهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقَرَاءَةِ» وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. 488- وَلِلدَّارَقُطْنِي مِنْ مُرْسَلِ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ - رضي الله عنه -: «وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوّلَ الْقَحْطُ». (قوله: فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر فكبر وحمد الله، إلى أن قال: ونزل فصلى ركعتين) يدل على أن الخطبة قبل الصلاة، قال ابن القيم: إن صح، وإلا ففي القلب منه شيء انتهى، وجمع بعضهم بين ما اختلف في ذلك بأن الذي بدأ به هو الدعاء ويدل على ذلك قوله في حديث عبدالله بن زيد: «فتوجه إلى القبلة يدعو» وحديث أبي هريرة صريح في تأخير الخطبة بعد الصلاة لقوله:«فصلى ركعتين ثم خطب»، والحديث دليل على مشروعية رفع اليدين عند الدعاء والمبالغة في ذلك، وفيه مشروعية التحويل عند استقبال الإمام القبلة، وفيه مشروعية الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء. 489- وَعَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَائِمٌ يَخْطُبُ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، هَلَكَتِ الأَمْوَالُ، وَانْقَطَعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ الله عَزَّ وَجَلَّ يُغِيِثُنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا»، فَذَكَرَ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ الدُّعَاءُ بِإِمْسَاكِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قال البخاري: باب الاستسقاء في المسجد الجامع وذكر الحديث، وترجم عليه أيضاً من اكتفى بصلاة الجمعة في خطبة الاستسقاء، وترجم له أيضاً: الاستسقاء في خطبة الجمعة، قال الحافظ: وفي هذا الحديث جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة، وأنها لا تنقطع بالكلام ولا بالمطر، وفيه تكرار الدعاء ثلاثاً، وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة، ولا تحويل فيه ولا استقبال، وفيه جواز الدعاء بالاستصحاء للحاجة، وفيه علم من أعلام النبوة. 490- وَعَنْهُ - رضي الله عنه - أَنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - كانَ إذا قُحِطُوا اسْتسْقى بالعباسِ بنِ عبدالْمُطّلب وقالَ: «اللّهُمَّ إنّا كُنّا نستسقِي إليكَ بنبيِّنا فَتَسْقِينا، وَإنّا نَتَوسّلُ إليْكَ بِعَمِّ نبيِّنا فاسقِنَا، فَيُسْقَوْنَ» رواهُ البُخاريُّ. في هذه القصة دليل على مشروعية الاستشفاع بالأحياء الحاضرين من أهل الخير والصلاح وبيت النبوة، وفي بعض الروايات: أن عمر لما قال ذلك قال: قم يا عباس فادع الله، وأخرج الزبير بن بكار: أن العباس قال: اللهم إنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ولم ينكشف إلا بتوبة، وقد توجهت بي القوم إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض. 491- وعنْهُ - رضي الله عنه - قالَ: أَصَابنا ونَحْنُ مَعَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَطَرٌ، قال: فَحَسَرَ ثوْبَهُ حتى أَصابَه مِن المطرِ وقال: «إنهُ حديثُ عَهْدٍ بربّه» رَوَاهُ مُسْلمٌ. (قوله: حديث عهد بربه) قال في سبل السلام: أي بإيجاد ربه إياه يعني أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله لها فيتبرك بها، وهو دليل على استحباب ذلك انتهى. 492- وَعَنْ عائشة - رضي الله عنها - أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأَى المَطَرَ قال: «اللّهُمَّ صَيِّباً نافعاً» أَخرجاه. الحديث دليل على استحباب الدعاء عند نزول المطر. 493- وعن سَعْد - رضي الله عنه - أنَّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - دَعَا في الاستسقاء: «اللهُمَّ جَلِّلْنَا سَحَاباً كثيفاً قَصِيْفَاً دَلُوقاً ضَحُوكاً، تُمْطِرُنا مِنْهُ رَذاذاً قِطْقِطاً سَجْلاً يا ذا الجلالِ والإكْرام» رَوَاهُ أَبو عَوَانةَ في صحيحهِ. قال أبوزيد: القطقط: أصغر المطر، ثم الرذاذ، وهو فوق القطقط، ثم الطش، وهو فوق الرذاذ (قوله: يا ذا الجلال والإكرام) هذان الوصفان من عظائم صفاته تعالى، أي ذا الاستغناء المطلق والفضل الشامل، قال - صلى الله عليه وسلم -: «ألظوا بياذا الجلال والإكرام» وروي: «أنه مرّ برجل وهو يصلي ويقول: يا ذا الجلال والإكرام فقال: قد استجيب لك». 494- وعَنْ أَبي هُريرَة - صلى الله عليه وسلم - أَنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: «خَرَجَ سُليمانُ # يَسْتَسْقي فَرَأَى نمْلَةً مُستلقيةً على ظهْرها رافعةً قوائِمَهَا إلى السماءِ تقُولُ: اللّهُمَّ إنا خَلْقٌ منْ خلْقِكَ ليْس بنا غِنىً عنْ سُقياكَ، فقال: ارْجِعُوا فقد سُقيتُمْ بدعوةِ غيرِكُم» رواهُ أَحمدُ وصَحَّحَهُ الحاكم. الحديث دليل على أن من خرج للاستسقاء فسقي قبل ذلك شكر الله تعالى ورجع، وفيه أنه يحسن إخراج البهائم في الاستسقاء، وأن لها إدراكاً يتعلق بمعرفة الله تعالى ورزقه. 495- وَعَنْ أَنسٍ - رضي الله عنه -: «أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - استسْقَى فأَشارَ بظهْر كفيْهِ إلى السماءِ» أَخرجهُ مُسلمٌ. قال الحافظ: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلاً ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا بحصول شيء أو تحصيله أن يجعل بطن كفيه إلى السماء انتهى. وقيل: صار كفهما نحو السماء لشدة الرفع لا قصداً منه، وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه، وروي عنه: «أنه رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها وجعل بطونهما مما يلي وجهه، قال بعض السلف: الرفع على هذا الوجه مشروع، روي عنه عكس ذلك، قال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارة بالله واستعاذة به، ومنها قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما إلى ما يلي الأرض، قال الحميدي: هذا هو الابتهال، انتهى ملخصاً، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(25) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب اللباس) 496- عنْ أَبي عامرٍ الأشْعريِّ -رضي الله عنه- قالَ: قالَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليكونَنَّ مِنْ أُمّتي أَقْوامٌ يَسْتحلُّونَ الْحِرَ والحريرَ» رَواهُ أَبو داودَ وأَصلُهُ في البخاريِّ. الحديث دليل على تحريم لباس الحرير (قوله: يستحلون الحر) أي الفرج، وضبطه بعضهم بالخاء والزاي المشددة: وهو ضرب من ثياب الإبريسم، وهو الخالص من الحرير، وقد يطلق الخز على ثياب تنسج من الحرير والصوف، وليس مراداً هنا لأنه حلال. 497- وَعَنْ حُذيفةَ - رضي الله عنه - قال: «نهى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَن نَشربَ في آنيةِ الذهبِ والْفِضَّةِ وأَن نأكُلَ فيها، وَعَنْ لُبْسِ الحريرِ والدِّيباجِ وأَنْ نجْلِسَ عَليه» رواهُ البخاريُّ. 498- وعنْ عُمَرَ - رضي الله عنه - قال: «نهى النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن لُبْسِ الحريرِ إلا موْضِعَ أُصبُعينِ أوْ ثلاثٍ أَوْ أَرْبعٍ» مُتّفقٌ عليه واللفظ لمسلم. الديباج: ما غلظ من ثياب الحرير، وعطفه عليه من عطف الخاص على العام، والحديث دليل على تحريم لبس الحرير والجلوس عليه، وعلى تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، والعلة في تحريم الحرير الخُيلاء وقيل: كونه لباس رفاهية وزينة تليق بالنساء دون شهامة الرجال. 499- وعَن أَنسٍ - رضي الله عنه - «أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رخَّص لِعَبْد الرَّحمن بن عوْفٍ والزُّبيرِ في قميصِ الحرير في سَفرٍ مِنْ حِكَّةٍ كانتْ بهما» مُتّفقٌ عَلَيهِ. الحديث دليل على جواز لبس الحرير للضرورة. 500- وعَنْ علي - رضي الله عنه - قال: «كَسَاني النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - حُلّةً سِيَرَاءَ فَخَرجتُ فيها فرأَيْتُ الْغَضَبَ في وجْهِهِ فَشَقَقْتُها بين نسَائي» مُتفقٌ عليْهِ وهذا لفظ مسلم. الحلة: إزار ورداء من جنس واحد، قيل: هي برود مضلعة بالقزّ، وقيل: حرير خالص، وهو الأقرب والحديث دليل على تحريم الحرير على الرجال وجوازه للنساء. 501- وَعَنْ أَبي موسى - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُحِلَّ الذَّهبُ والحريرُ لإناثِ أُمّتي وحُرِّمَ على ذكورِها» رواهُ أحمد والنَّسائيُّ والترمذي وصحّحهُ. الحديث دليل على جواز لبس الذهب والحرير للنساء دون الرجال. 502- وعنْ عِمْرانَ بن حُصَينٍ - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ الله يحبُّ إذا أَنعمَ على عبده نعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عليْهِ» رواهُ البيْهَقِيُّ. الحديث دليل على استحباب إظهار نعمة الله تعالى في الملبس وغيره، فإن ذلك من الشكر الذي يحبه الله. 503- وَعَنْ عليٍّ - رضي الله عنه - «أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عَنْ لُبْس الْقَسِّيِّ والمُعَصْفر» رَواهُ مُسْلمٌ. القسي: نسبة إلى بلد يقال لها: قس، وهي ثياب مضلعة فيها حرير أمثال الأترج، والنهي للتحريم إذا كان أكثرها الحرير، وإلا فهو للتنزيه والكراهة، والمعصفر: هو المصبوغ بالعصفر. 504- وعَنْ عبد الله بن عمْرِوٍ - رضي الله عنهما - قالَ: رَأَى عليَّ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فقال: «أُمُّكَ أَمرتْكَ بهذا؟» رواهُ مُسلمٌ. الحديث دليل على كراهة المعصفر، وتمام الحديث: «قلت: أغسلهما يا رسول الله؟ قال: بل أحرقهما» وفي رواية: «إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها» وفي قوله: «أمك أمرتك بهذا» إعلام بأنه من لباس النساء وزينتهن وأخلاقهن، قال القاضي عياض: أمره- صلى الله عليه وسلم - بإحراقها من باب التغليظ أو العقوبة. 505- وعَنْ أَسْماءَ بنْت أَبي بكرٍ - رضي الله عنهما - «أَنها أَخْرَجَتْ جُبّةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مكْفوفةَ الْجيْبِ والْكُمّينِ والْفرْجَيْنِ بالديباجِ» رواهُ أَبو داود. وأَصلُهُ في مسلمٍ وزاد «كانت عندَ عائشة حَتى قُبضتْ فَقَبَضْتُهَا، وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَلْبَسُها فَنَحْنُ نَغْسِلُها للمرضى يُسْتَشْفى بها» وزاد البُخاريُّ في الأدب المفْرد «وكان يلْبَسُهَا للوَفْدِ والجُمُعَةِ». الحديث دليل على جواز مثل ذلك من الحرير في الثوب إذا كان الحرير قدر أصبعين أو ثلاث أو أربع، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(26) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (كتاب الجنائز) الجنائز: جمع جِنَازَة بفتح الجيم وكسرها. 506- عَنْ أَبي هُريرة -رضي الله عنه- قالَ: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أَكْثروا ذِكْرَ هاذِم اللّذات: الموت" رواه التّرمذي والنِّسائيُّ وصَحَّحَهُ ابن حِبَّانَ. (قوله: هاذم اللذات) بالذال المعجمة: أي قاطعها، والحديث دليل على أنه لا ينبغي للإنسان أن يغفل عن ذكر الموت لأنه أعظم المواعظ، وتمام الحديث: (فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله ولا قليل إلا كثره) وفي رواية الديلمي: (أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا أحيا الله قلبه، وهوّن عليه الموت). 507- وعن أَنسٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يتمنّينَّ أَحدُكُمُ الموتَ لِضُرٍ نَزَلَ به، فإنْ كانَ لا بُدَّ مُتمنياً فَليقُل: اللّهُمَّ أَحيني ما كانت الحياةُ خيْراً لي، وتَوَفّني إذا كانت الوفاةُ خيْراً لي" متفقٌ عليْه. الحديث: دليل النهي عن تمني الموت للوقوع في بلاء ومحنة، أو خشية ذلك من عدوّ أو مرض أو فاقة ونحوها من مشاقّ الدنيا؛ لما في ذلك من الجزع وعدم الصبر على القضاء، وفي قوله: (لضر نزل به) ما يرشد أنه إذا كان التمني لخوف فتنة في الدين فإنه لا بأس به كما في الدعاء المأثور: "وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون". 508- وعن بُرَيْدَةَ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "المؤْمِنُ يموتُ بِعَرَقِ الجبِينِ" رواهُ الثلاثة وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. قيل معناه: أنه عبارة عما يكابده من شدة السياق: أي يشدّد عليه الموت تمحيصاً لبقية ذنوبه، قلت: وليس ذلك بعنوان على سعادة أو شقاوة، فإن شدة الموت على المؤمن تكفير من ذنوبه وزيادة في درجاته، وهون الموت على المؤمن أول ثوابه وجزائه. 509- وعَنْ أَبي سعيدٍ وأَبي هُريرة - رضي الله عنهما - قالا: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَقِّنوا مَوْتاكُم لا إله إلا الله" رَوَاهُ مسلمٌ والأربعة. الحديث: دليل على مشروعية تذكير الميت "لا إله إلا الله"، زاد ابن حبان: (فمن كان آخر قوله: لا إله إلا الله دخل الجنة يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك". [فائدة] يستحب أن يذكر المريض سعة رحمة الله ولطفه وبره، وليحسن ظنه بربه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله) أخرجه مسلم. 510- وعن مَعْقل بن يسارٍ -رضي الله عنه- أنَّ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقرَؤُوا على موتاكُم يس" رواهُ أبو داود والنسائيُّ وصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّان. الحديث: دليل على استحباب قراءة سورة يس عند المحتضر لأنه يخفف عنه الموت بقراءتها. 511- وعَنْ أُمِّ سَلَمةَ - رضي الله عنها - قالت: دَخلَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على أَبي سَلَمَةَ وقد شَقَّ بصرُهُ فَأَغْمَضَهُ ثمَّ قال: "إن الرُّوحَ إذا قُبض اتَّبعَهُ الْبصرُ" فَضَجَّ ناسٌ من أَهلِهِ، فقال: "لا تدعُوا على أَنفسِكُمْ إلا بخيرٍ فإن الملائكةَ تُؤَمِّنُ على ما تقُولون" ثمَّ قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأبي سَلمة، وارْفَعْ درجَتَهُ في المهْديِّين، وافْسَح لَهُ في قبرِهِ ونوِّرْ لَهُ فيه، واخلُفْهُ في عَقْبِهِ" رواهُ مُسْلمٌ. الحديث: دليل على استحباب تغميض العينين بعد الموت، وفيه استحباب الدعاء للميت وأهله، وفيه دلالة على أن الميت ينعم في قبره أو يعذب. 512- وعن عائشة - رضي الله عنها -: "أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- حين تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْد حِبْرَةٍ" مُتّفقٌ عليه. الحديث: دليل على استحباب تغطية الميت بعد نزع ثيابه التي توفي فيها. 513- وعنها -رضي الله عنها- "أَنَّ أَبا بكرٍ الصِّديق -رضي الله عنه- قَبَّلَ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- بعْدَ مَوْتِه" رواهُ البخاريُّ. الحديث: دليل على جواز تقبيل الميت. وأخرج الترمذي من حديث عائشة: (أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قبَّل عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي، أو قال: عيناه تذرفان). 514- وعن أَبي هُريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "نَفْسُ المؤمِنِ مُعلّقةٌ بِدَيْنِهِ حَتى يُقْضى عَنْهُ" رواهُ أحمد والترمذيُّ وحسّنَهُ. الحديث: دليل على أنه لا يزال الميت مشغولاً بدينه بعد موته، ففيه الحث على التخلص عنه قبل الموت، وأنه أهمّ الحقوق، وإذا كان هذا في الدين المأخوذ برضا صاحبه فكيف بما أخذ غصباً ونهباً وخيانة؟ 515- وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال في الذي سقط عنْ راحِلَتِهِ فمات: "اغْسِلُوهُ بماءٍ وسِدْرٍ وكفنوهُ في ثَوْبَيْنِ" مُتّفقٌ عليهِ. الحديث: دليل على وجوب غسل الميت، قال القرطبي: يجعل السدر في ماء ثم يخضخض إلى أن تخرج رغوته ويدلك به جسد الميت ثم يصبّ عليه الماء القراح، هذه غسلة، وفيه وجوب التكفين وأنه من رأس المال. 516- وعَنْ عائشةَ - رضي الله عنها - قالتْ: "لمّا أَرادُوا غسْلَ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قالوا: والله ما نَدْري نُجَرِّدُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كما نُجَرِّدُ مَوْتانا أَمْ لا؟" الحديثَ، رواهُ أحمد وأَبو داود. الحديث: دليل على مشروعية تجريد الموتى للغسل، وأما النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يجرد، بل غسلوه في ثوبه. 517- وعنْ أُمِّ عطِيَّةَ - رضي الله عنها - قالت: دخل عَلَيْنا النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ونحْن نغسِّل ابنَتَهَ فقال: "اغْسِلْنها ثلاثاً أوْ خمساً أَوْ أَكثرَ منْ ذلك إن رأَيْتُنَّ ذلك بماءٍ وسِدْرٍ، واجْعَلْن في الأخيرةِ كافوراً أو شَيْئاً مِنْ كافورٍ" فلَمّا فرغْنا آذَنّاهُ فأَلقى إليْنا حِقْوَهُ فقالَ: "أَشْعِرْنَهَا إيّاهُ" مُتفقٌ عليه. وفي رواية "ابْدأنَ بميامِنِهَا ومَوَاضِع الوضُوءِ منها" وفي لفظٍ للبخاري "فَضَفَرْنَا شَعْرها ثلاثةَ قرونٍ فَأَلْقيْناه خلفها". الحديث: دليل على استحباب الوتر في الغسل إلى سبع، وفيه استحباب جعل الكافور في الغسلة الأخيرة؛ والحكمة فيه أنه يطيب رائحة الموضع لأجل من حضر من الملائكة وغيرهم مع أن فيه تجفيفاً وتبريداً وقوة نفوذ وخاصية في تصليب جسد الميت، وصرف الهوام عنه، ومنع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الروائح الطيبة في ذلك، وفيه استحباب البداءة في الغسل بالميامن ومواضع الوضوء، واستحباب تضفير الشعر. 518- وعنْ عائشةَ - رضي الله عنها - قالتْ: "كُفّن رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في ثلاثَةِ أَثْوابٍ بـِيضٍ سُحُوليّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْس فيها قميصٌ ولا عِمامةٌ" مُتّفَقٌ عليه. الحديث: دليل على أن الأفضل التكفين في ثلاثة أثواب، وهي إزار ورداء ولفافة، قاله الشعبي. 519- وعن ابنِ عُمَر - رضي الله عنهما - قال: "لمّا تُوفِّي عبدُالله بنُ أُبيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقَال: أَعْطني قميصكَ أُكَفِّنْهُ فيهِ، فَأَعطاهُ إياه" مُتّفقٌ عَلَيْهِ. الحديث: دليل على مشروعية التكفين في القميص، وعبد الله بن أبيّ هذا هو رأس المنافقين وكان ابنه عبدالله بن عبدالله رجلاً صالحاً فأعطاه -صلى الله عليه وسلم- القميص لأنه سأله إياه، وقيل: إنما كساه -صلى الله عليه وسلم- قميصه لأنه كان كسا العباس لما أسر ببدر، فأراد -صلى الله عليه وسلم- أن يكافئه. 520- وعن ابنِ عبّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "البسُوا مِنْ ثيابكُمُ الْبَيَاض فإنها مِنْ خَيْرِ ثيابكُمْ، وكفِّنوا فيها موتاكُم" رواهُ الخمسةُ إلا النّسائيَّ وصَحَّحَهُ الترمذيُّ. الحديث: دليل على استحباب لباس البياض للرجال وتكفي الموتى فيها مطلقاً لأنها أطهر وأطيب. 521- وعن جابِرٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ" رواهُ مسلْمٌ. الحديث: دليل على استحباب تحسين الكفن وضفائه، وأخرج الديلمي من حديث أم سلمة: (أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا بتزكية ولا بتأخير وصية ولا بقطيعة، وعجلوا بقضاء دينه، واعدلوا عن جيران السوء، وأعمقوا إذا حفرتم ووسعوا). 522- وعَنْهُ -رضي الله عنه- قالَ: "كانَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يَجْمَعُ بيْنَ الرَّجُلين من قتْلى أُحُدٍ في ثَوْبٍ واحدٍ" ثمَّ يقُولُ: "أَيُّهمْ أَكْثرُ أَخْذاً للقُرآنِ؟" فيَقُدِّمُهُ في اللّحدِ، ولم يُغَسَّلُوا ولم يُصَلَّ عليهم. رواه البخاريُّ. الحديث: دليل على جواز جمع الميتين في ثوب واحد للضرورة، وفيه مشروعية اللحد، وجواز وضع الجماعة فيه للضرورة وتقديم الأقرأ، وفيه أن شهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه. 523- وعنْ عليٍ -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقُولُ: "لا تَغَالُوْا في الكفن فإِنّهُ يُسْلَبُ سريعاً" رواهُ أبو داودَ. الحديث: دليل على المنع من المغالاة في الكفن وهي زيادة الثمن، وقوله: (فإنه يسلب سريعاً) إشارة إلى أنه سريع البلى والذهاب كما في حديث عائشة: إن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين وكفنوني فيها، قلت: إن هذا خلق، قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت إنما هو للمهلة، ذكره البخاري مختصراً. 524- وعن عائشةَ -رضي الله عنها- أَنَّ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ لهَا: "لَوْمُتِّ قَبْلي لَغَسّلْتُك" الحديث، رواهُ أحمد وابن مَاجَهْ وصَحَّحه ابن حِبَّانَ. الحديث: دليل على أن للرجل أن يغسل زوجته، وهو قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يغسلها بخلاف العكس. 525- وعنْ أَسْماءَ بنْتِ عُمَيْسٍ - رضي الله عنها -: "أَنَّ فاطِمَة - رضي الله عنها - أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَها عَليٌّ -رضي الله عنه-" رواهُ الدارقطنيُّ. الحديث: يدل على ما دل عليه الحديث الذي قبله، وأما غير الزوجين والسيد مع أمته فلا يغسل ذكر أنثى ولا عكسه، فإذا ماتت المرأة مع الرجال وليس فيهم امرأة، أو مات الرجل مع النساء فإنهما ييممان، وللمرأة غسل من له دون سبع سنين، وللرجل غسلها كذلك. 526- وعَنْ بُرَيْدةَ -رضي الله عنه- في قصةِ الْغامديةِ التي أَمَرَ النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- برجْمِهَا في الزِّنَا قالَ: "ثمَّ أَمَرَ بها فَصُلِّيَ عَلَيْها ودُفِنَتْ" رواهُ مسلمٌ. الحديث: دليل على مشروعية الصلاة على من قتل بحدّ، قال ابن العربي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وولد الزنا وقاتل نفسه. 527- وعَنْ جابرِ بنِ سَمُرَةَ -رضي الله عنه- قالَ: "أُتِيَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- برجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بمشَاقِص فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ" رواه مُسْلمٌ. الحديث: دليل على أن الإمام لا يصلي على قاتل نفسه عقوبة له وردعاً لغيره عن مثل فعله. 528- وعَنْ أَبي هُريْرةَ -رضي الله عنه- في قصّةِ المرأَةِ الّتي كانتْ تَقُمُّ المسْجدَ قال: فَسأَلَ عَنْها النّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا: ماتتْ، فَقَالَ: "أَفَلا كُنْتُمْ آذَنْتُمُوني؟" فَكأَنهُمْ صَغّروا أَمْرَها، فَقَال: "دُلُوني على قَبْرها" فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْها، مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. وزادَ مسْلمٌ ثمَّ قالَ: "إنَّ هذهِ الْقُبُورَ مملُوءَةٌ ظُلْمَةً على أهلِها وإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بصلاتي عَلَيْهم". الحديث: دليل على مشروعية الصلاة على الميت بعد دفنه لمن كان لم يصلّ عليه. 529- وعنْ حذيْفةَ -رضي الله عنه- "أنَّ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان يَنْهى عنِ النَّعْي" رواهُ أحمد والتِّرْمذي وحسَّنَه. كان العرب إذا مات منهم شريف بعثوا رجلاً يقول: يا نعاء العرب هلك فلان، قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذه سنة. الثانية: دعوى الجمع الكثير للمفاخرة فهذه تكره. الثالثة: إعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم. انتهى. 530- وَعَنْ أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أَنَّ النّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- نَعَى النّجاشيَّ في اليوْمِ الذي ماتَ فيهِ وخرَجَ بهمْ إلى المُصلى فَصَفَّ بهمْ وَكَبّرَ عَلَيْهِ أَرْبعاً" مُتّفَقٌ عليْه. الحديث دليل على جواز إعلام الحاضرين في البلد بالموت للصلاة على الميت، وفيه مشروعية الصلاة على الغائب إذا لم يصلّ عليه في بلده، وفيه مشروعية الصفوف على الجنازة، وفيه علم من أعلام النبوة، وفيه مشروعية التكبير أربعاً. 531- وعن ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: "ما مَنْ رجلٍ مُسْلمٍ يموتُ فَيَقومُ على جَنَازتِهِ أَربْعونَ رجُلاً لا يُشركُون بالله شيئاً إلا شَفّعَهُمُ اللهُ فيهِ" رواهُ مُسلْمٌ. الحديث: دليل على فضيلة تكثير الجماعة على الميت، وأن شفاعة المؤمن نافعة مقبولة عند الله تعالى. 532- وعَنْ سَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ -رضي الله عنه- قال: "صَلّيْتُ وَرَاءَ النّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- على امرأَةٍ مَاتَتْ في نفاسِها فَقَامَ وَسْطَهَا" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. الحديث: دليل على استحباب قيام الإمام عند وسط المرأة، وأخرج أبو داود والترمذي من حديث أنس: (أنه صلى على رجل فقام عند رأسه، وصلى على امرأة فقام عند عجيزتها، فقال له العلاء بن زياد: هكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يفعل؟ قال: نعم). 533- وعنْ عائشة رضي الله عنها- قالت: "واللهِ لَقَدْ صلَّى رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على ابْنَيْ بَيْضَاءَ في المسجد" رواه مُسلمٌ. الحديث: دليل على عدم كراهية صلاة الجنازة في المسجد، وهو قول الجمهور، وهذا الحديث قالته عائشة - رضي الله عنها - رداً على من أنكر عليها صلاتها على سعد بن أبي وقاص في المسجد. 534- وعن عبد الرحمن بنِ أبي لَيْلى -رضي الله عنه- قالَ: "كانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ على جنَائِزِنَا أَرْبَعاً وإنّهُ كَبّرَ على جَنَازَةٍ خَمْساً فَسَأَلْتُهُ فقالَ: كانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُكَبِّرُهَا" رواه مُسْلمٌ والأربَعَةُ. 535- وعنْ علي -رضي الله عنه- "أنّهُ كَبّرَ على سهْلِ بن حُنيفٍ سِتّاً وقالَ: إنّهُ بدْريٌّ" رواهُ سعيدُ بنُ منصورٍ وأَصْله في البخاري. أخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب أن عمر قال: كل ذلك قد كان أربعاً وخمساً، فاجتمعنا على أربع. يتبع |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(26) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك 536- وعن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: "كانَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُكبِّرُ على جنائِزِنا أَربعاً، ويقرأُ بفاتحةِ الكتابِ في التّكبيرةِ الأولى" رواهُ الشّافعيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ. الحديث: دليل على مشروعية قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى. 537- وعنْ طلحةَ بن عبد الله بنِ عَوْفٍ -رضي الله عنه- قالَ: "صلْيتُ خلفَ ابنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - على جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فاتحةَ الْكتابِ، فقال: لِتَعْلَمُوا أَنّها سُنّةٌ" رواهُ البُخاري. وللنسائي: "فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده فسألته، فقال: سنة وحق" وعن أمّ شريك قالت: "أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب". والأحاديث: تدل على وجوب قراءة فاتحة الكتاب، ومحلها بعد التكبيرة الأولى، ثم يكبر فيصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم يكبر فيدعو للميت. 538- وعن عَوْفِ بن مالكٍ -رضي الله عنه- قال: صلَّى رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- على جَنَازَةٍ فَحَفِظْتُ منْ دعائهِ "اللهمَّ اغفِرْ لـهُ، وارْحَمْهُ، وعَافِهِ واعْفُ عنْهُ، وأَكرم نُزُلَهُ، ووسع مُدْخلَهُ، واغْسِلْهُ بالماءِ والثّلْجِ والبْرَدِ، ونقِّهِ من الْخطايا كما يُنَقَّى الثَّوبُ الأبْيضُ من الدنسِ، وأَبْدلْـهُ داراً خَيْراً من دارهِ، وأَهْلاً خيراً من أَهْلِهِ، وأَدْخلْهُ الجنّةَ، وقِهِ فتْنةَ القبر وعذابَ النّارِ" رواه مُسلمٌ. الحديث: دليل على استحباب الدعاء للميت بهذا. 539- وعن أبي هُريرةَ -رضي الله عنه- قالَ: كان رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا صلَّى على جنازةٍ يقولُ: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنا وميِّتِنا، وشاهدِنا وغائبنا، وصَغيرِنا وكبيرِنا، وذكَرِنا وأُنثانا، اللهُمَّ مَنْ أَحيَيْتَه مِنّا فأَحْيهِ على الإسلام، ومَنْ توفّيْتَهُ مِنّا فتوفَّـهُ على الإيمان، اللهُمَّ لا تحْرمْنَا أَجْرَهُ، ولا تُضلَّنا بَعْدَهُ" رواهُ مسلم والأربَعَةُ. الأحاديث: في الدعاء للميت كثيرة، وليس هو مقصوراً على شيء معين، فيدعو له بما تيسير مما ورد وما لم يرد. 540- وعَنْهُ -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: " إذا صَلّيْتُمْ على الميّتِ فَأَخْلِصُوا لـه الدعاءَ" رواهُ أَبو داود وصَحَّحَهُ ابن حِبَّانَ. الحديث: دليل على استحباب إخلاص الدعاء للميت؛ لأن الشافع يبالغ في طلب قبول شفاعته، فينبغي تقديم قوله: "اللهم اغفر لحينا وميتنا إلى آخره، ثم يقول اللهم اغفر له وارحمه إلى آخره". 541- وعنْ أبي هُريْرة -رضي الله عنه- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَسرعُوا بالجَنَازةِ، فإنْ تَكُ صالحةً فَخَيْرٌ تُقدِّمُونها إليْهِ، وإنْ تَكُ سِوَى ذلك فَشَرٌّ تَضعونهُ عَنْ رقابكُمْ" مُتّفقٌ عليهِ. الحديث: دليل على استحباب الإسراع بالجنازة، بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل والمشيع. 542- وَعَنْهُ -رضي الله عنه- قال: قالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ شهِدَ الجنَازَةَ حَتى يُصَلى عَليها فَلَهُ قيراطٌ، وَمَن شهِدَهَا حَتى تُدفَنَ فلهُ قيراطانِ" قيل: وما القيراطان؟ قال: "مِثْلُ الجبلين العظيميْن" متفقٌ عليهِ، ولمسْلمٍ "حتى توضَعَ في اللّحْدِ". وللبخاريِّ أيضاً من حديث أبي هريرة من تبع جَنَازَة مسلم إيماناً واحتساباً وكان معها حتى يُصلَّى عليها ويُفْرَغَ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين كلُّ قيراط مثل جبل أحُد. الحديث: دليل على عظم أجر من صلى على ميت وتبعه حتى يدفن، فإن له من الأجر مثلي أجر من صلى عليه ورجع. 543- وعَنْ سالمٍ عَنْ أبيهِ - رضي الله عنهما - "أَنّهُ رأَى النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأَبا بَكْرٍ وعُمر وهم يمشُونَ أمامَ الْجنازةِ" رواهُ الخمسة وصَحَّحَهُ ابن حِبَّانَ وأعَلَّهُ النسائيُّ وطائفةٌ بالإرسال. الحديث: دليل على استحباب مشي المشيع أمام الجنازة، وعن المغيرة بن شعبة مرفوعاً: "الراكب خلف الجنازة، والماشي حيث شاء منها" أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن حبان والحاكم. 544- وعَن أُمِّ عطيةَ -رضي الله عنها- قالتْ: "نُهينا عن اتّباعِ الجنائزِ ولمْ يُعْزَمْ عَلينا" مُتفقٌ عليه. الحديث: دليل على أن النهي للكراهة لا للتحريم؛ لقولها: "ولم يعزم علينا" وهذا في الاتباع، وأما زيارة النساء القبور، فحرام؛ لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج". رواه أهل السنن. 545- وعنْ أَبي سَعِيدٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا رأَيْتُمُ الجنازةَ فقُوموا، فَمَنْ تَبِعَهَا فلا يجْلسْ حتى تُوضع" مُتّفقٌ عليه. الحديث: دليل على استحباب القيام للجنازة، وعند مسلم عن علي -رضي الله عنه-: "أنه -صلى الله عليه وسلم- قام للجنازة ثم قعد" واستدل به على أن القيام للجنازة منسوخ، وروى الطبراني: أن ابن عمر كان إذا رأى جنازة قال: "هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق الله ورسوله، اللهم زدنا إيماناً وتسليماً". 546- وعَنْ أبي إسحاق -رضي الله عنه- "أَنَّ عبد الله بنِ يزيدَ -رضي الله عنه- أَدخَلَ الميِّتَ منْ قِبَلِ رِجْلَي القَبْرِ وقال: هذا مِنَ السُّنّةِ" أَخرجَهُ أَبو داودَ. الحديث: دليل على استحباب إدخال الميت القبر من قبل رجليه: أي يوضع رأس الميت عند رجل القبر ثم يسلّ سلاً إلى القبر إن سهل، وورد إدخاله معترضاً من قبل القبلة، وورد من قبل رأسه، قال في سبل السلام: فيستفاد من المجموع أنه فعل مخير فيه. 547- وعن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا وَضَعْتُمْ مَوْتاكُمْ في القُبُورِ فقولوا: بسم الله، وعلى مَلّةِ رسولِ اللهِ" أَخْرجهُ أحمد وأَبو داود والنسائيُّ وصحَّحَهُ ابن حِبَّانَ وأعلَّه الدارقطنيُّ بالوقف. الحديث: دليل على استحباب الدعاء عند دفن الميت بما ذكر، ويستحب تلاوة قول الله تعالى: ï´؟ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ï´¾ [طه: 55]. 548- وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيّاً". رَوَاهُ أَبُو داود بإسناد على شرط مسلم. 549- وَزَادَ ابْنُ مَاجَهَ - مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - "فِي الإثْمِ". الحديث: دليل على وجوب احترام الميت كما يحترم الحي. 550- وعن سَعْدِ بن أَبي وَقَّاصٍ -رضي الله عنه- قال: "الْحِدُوا لي لَحْداً وانْصِبُوا عليَّ اللَّبِنَ نصْباً كما صُنع برسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-" رواهُ مُسْلمٌ. 551- وللبيْهَقيِّ عن جابرٍ -رضي الله عنه- نَحْوُهُ وزاد: "ورُفِعَ قَبْرُهُ عن الأرضِ قدْرَ شِبْرٍ" وصححه ابنُ حِبَّانَ. 552- ولمسلم عنه -رضي الله عنه-: نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُجَصَّصَ القبْرُ وأن يُقْعَدَ عليهِ، وأن يُبْنَى عليه. هذا الكلام قاله سعد لما قيل له: "ألا نتخذ لك شيئاً كأنه الصندوق من الخشب"، وفيه دليل على أن اللحد أفضل من الشق، وفي حديث جابر جواز رفع القبر قدر شبر، وفيه تحريم الجلوس على القبر، وتحريم تجصيصه والبناء عليه. قال العلماء: والحكمة في ذلك سدّ الذريعة المفضية إلى الشرك، لأن سبب عبادة القبور تعظيم أهلها بالعكوف عند قبورهم والبناء عليها. 553- وعَنْ عامرِ بنِ ربيعةَ -رضي الله عنه- "أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- صلَّى على عثمانَ بنِ مَظْعُونٍ وأَتى الْقَبْرَ فَحَثىَ عليه ثلاثَ حَثَيَاتٍ وهُوَ قائمٌ" رواهُ الدارقطنيُّ. الحديث: دليل على استحباب حثي التراب باليدين على القبر. 554- وعن عثْمانَ -رضي الله عنه- قال: كانَ رسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا فَرَغَ مِنْ دفنِ المَيِّتِ وقَفَ عَلْيهِ وقال: "استغْفِرُوا لأخِيكُمْ واسَألُوا لَـهُ التَثْبِيتَ فإنّهُ الآنَ يُسْأَلُ" رواهُ أبو داود وصحَّحَهُ الحاكم. الحديث: دليل على استحباب الدعاء للميت بعد دفنه، والوقوف على قبره، وأنه يسأل، فيقال له: من ربك، وما دينك، ومن نبيك؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويضل الله الظالمين، ويفعل الله ما يشاء. 555- وَعَنْ ضَمْرَةَ بنِ حَبِيبٍ - رحمه الله - أَحَدِ التّابعينَ قالَ: "كانُوا يَسْتَحِبُّون إذا سُوِّيَ على الميِّتِ قَبْرُهُ وانْصرف النّاسُ عَنْهُ أَن يُقالَ عِنْدَ قَبْرهِ: يا فُلانُ قُلْ: لا إله إلا اللهُ، ثلاث مرَّات، يا فلانُ قُلْ: ربِّيَ اللهُ، وديني الإسْلامُ، ونَبِيِّي محمّدٌ" رواهُ سَعيدُ بنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفاً وللطبرانيِّ نَحوُهُ من حديث أبي أُمامةَ مَرْفُوعاً مُطَوَّلاً. ذهب المحققون: إلى أن حديث التلقين ضعيف، قال في المنار: لا يشك أهل المعرفة بالحديث في وضعه. 556- وعَنْ بُرَيْدَةَ بن الحُصيْبِ الأسْلَمِيِّ -رضي الله عنه- قال: قالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عن زيارَةِ القُبُورِ فَزُورُوها" رواهُ مُسْلمٌ، زَادَ التِّرْمِذيُّ: "فإنها تُذَكِّرُ الآخِرَةَ". 557- زادَ ابنُ مَاجَهْ مِنْ حديث ابنِ مَسْعودٍ -رضي الله عنه- "وَتُزَهِّدُ في الدُّنْيَا". الحديث: دليل على مشروعية زيارة القبور، وأنها للاعتبار والتفكر. 558- وَعَنْ أَبي هُرَيْرةَ -رضي الله عنه- "أنَّ رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَعَنَ زَائرَاتِ القُبُور" أَخْرجهُ الترمذيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. الحديث: دليل على تحريم زيارة النساء للقبور، والحكمة في ذلك قلة صبرهن وكثرة جزعهن. 559- وعَنْ أَبي سعيدٍ الخُدْريِّ -رضي الله عنه- قالَ: "لَعَن رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- النّائِحَةَ والمُسْتَمِعَةَ" أَخْرَجَهُ أَبُو داود. النوح هو: رفع الصوت بتعديد شمائل الميت ومحاسن أفعاله. والحديث: دليل على تحريم ذلك وهو مجمع عليه. 560- وعَنْ أُمِّ عطيّةَ - رضي الله عنها - قالت: "أَخذ عَلَيْنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنْ لا نَنُوحَ" متفقٌ عليه. الحديث: دليل على تحريم النياحة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ليس منا من ضرب الخدود، وشقّ الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية). 561- وعن ابنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الميتُ يُعذَّبُ في قَبْرِهِ بما نِيحَ عليه" متفق عليه. 562- وَلَهُمَا نَحْوُهُ عَنِ المَغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ -رضي الله عنه-. الحديث: دليل على تعذيب الميت بسبب النياحة عليه إذا كان ذلك سنته وطريقته، وقد أقرّ عليه أهله في حياته. 563- وَعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- قالَ: "شهِدْتُ بِنْتاً للنّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- تُدفَنُ ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- جالسٌ عند الْقَبْر فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعانِ" رَوَاهُ البخاريُّ. الحديث: دليل على جواز البكاء على الميت إذا لم يكن فيه صياح، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون). وقال -صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا –وأشار إلى لسانه-، أو يرحم). 564- وعَنْ جابر -رضي الله عنه- أَنَّ النّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ باللّيْل إلا أَنْ تَضْطَرُّوا" أَخْرجهُ ابنُ مَاجَهْ، وأَصْلُهُ في مُسْلمٍ لكن قالَ: "زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بالليْل حتى يُصَلّى عليه". الحديث: دليل على النهي عن دفن الميت بالليل إلا لضرورة توجب ذلك. قوله: وأصله في مسلم، ولفظه: "أنه -صلى الله عليه وسلم- خطب يوماً، فذكر رجلاً من أصحابه قبض وكفن في كفن غير طائل، وقبر ليلاً، فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر الإنسان إلى ذلك" ويحسن هنا ذكر حديث عقبة بن عامر: "ثلاث ساعات كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب". 565- وَعَنْ عبداللهِ بن جَعْفَرٍ - رضي الله عنهما - قال: لمّا جاءَ نَعْيُ جَعْفَر حين قُتِل قال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَاماً فَقَدْ أَتَاهُمْ ما يُشْغِلُهُمْ" أخْرجهُ الْخمسَةُ إلا النّسائيَّ. الحديث: دليل على مشروعية إيناس أهل الميت بإطعامهم، لما هم فيه من الشغل بالموت، ويكره لهم فعله للناس لما أخرج أحمد من حديث جرير: "كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة". 566- وعَنْ سُليْمانَ بن بُريْدَةَ عن أَبيه -رضي الله عنه- قال: كانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُعَلِّمُهُمْ إذا خرَجُوا إلى المقابر أن يقولوا: " السلامُ على أهْلِ الدِّيارِ مِنَ المؤمنينَ والمسلمينَ، وإنّا إنْ شاءَ اللهُ تعالى بكُمْ لاحِقُون، نسْأَلُ الله لنَا ولكُمُ العافيةَ" رواه مُسْلمٌ. الحديث: دليل على مشروعية زيارة القبور والسلام على من فيها من الأموات والدعاء لهم، وهذه هي الزيارة المشروعة، وأما ما أحدثه الجهال من دعائهم الميت، والاستغاثة به، وسؤال الله بحقه، فهذا من الشرك والبدع. 567- وعن ابن عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - قالَ: مرَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بقبُورِ المدينةِ فأَقْبلَ عليهمْ بوجْهِهِ فقال: "السّلامُ عَلَيْكُمْ يا أَهْلَ الْقُبور، يَغْفِرُ اللهُ لنا ولكمْ، أَنْتُم سَلَفُنا ونْحنُ بالأثَرِ" رواهُ التِّرمذيُّ وقالَ حسنٌ. الحديث: دليل على أن الإنسان إذا دعا لأحد أن يبدأ بنفسه كما ورد ذلك في الأدعية القرآنية. 568- وعن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: قالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تَسُبُّوا الأمواتَ فإنّهُمْ قدْ أَفْضَوْا إلى ما قدَّمُوا" رواهُ الْبُخاريَّ. 569- وروى التّرمذيُّ عن المُغيرةِ -رضي الله عنه- نحْوَهُ لكن قال: "فَتُؤْذُوا الأحْياءَ". الحديث: دليل على تحريم سب الأموات، قال ابن رشد: إن سب الكافر يحرم إذا تأذى به الحي المسلم، ويحل إذا لم يحصل به أذية، وأما المسلم، فيحرم، إلا إذا دعت إليه الضرورة. انتهى، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(27) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك كتاب الزكاة 570- عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ -صلي الله عليه وسلم- بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ -فَذَكَرَ الْحَدِيثَ- وَفِيْهِ: «إنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ في فُقَرَائِهِمْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ واللفظ للبخاريِّ. الزكاة أحد أركان الإسلام، وهي واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. والحديث دليل على مشروعية بعث العمال على الزكاة، وفيه أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد. 571- وَعَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه- أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -رضي الله عنه- كَتَبَ لَـهُ: هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالَّتِي أَمَرَ الله بِهَا رَسُولَهُ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا الْغَنَمُ: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذا بَلَغَتْ خَمْساً وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ ففِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فإِذَا بَلَغَتْ سِتّاً وثَلاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ ففِيهَا بنتٌ لَبُونٍ أُنْثَى فإِذا بَلَغَتْ ستّاً وأَرْبَعِينَ إِلَى سِتِّينَ ففِيها حِقَّةُ طَرُوقةُ الجملِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحدَةً وَسِتّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعَينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتّاً وسَبعينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيها بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمَائِةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمَائِةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ فِي سَائِمتِهَا إِذا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمَائِةِ شَاةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عشْرِينَ وَمائَةِ إِلَى مَائَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادتْ عَلَى مائَتَيْنِ إِلَى ثَلاثِمَائِةٍ فَفِيهَا ثَلاثُ شِيَاهِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلاثَمَائِةٍ فَفِي كُلِّ مائَةٍ شَاةٌ. فَإِذَا كانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقَصَةً عنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شاةٌ واحِدَةٌ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ، إِلا أنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعِ خَشْيَةَ الصَّدقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَلا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلا ذَاتُ عَوَارٍ ولا تيسٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَّدِّقُ، وَفِي الرِّقَّةِ في مائَتَيْ دِرْهَمٍ: رُبْعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلا تِسْعينَ وَمائَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَماً، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ، وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَماً أَوْ شَاتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (قوله: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله -صلي الله عليه وسلم- على المسلمين) المراد بفرضها تقديرها بالأنصباء، وإلا فوجوبها ثابت بنص القرآن، ولهذا قال: «والتي أمر الله بها رسوله». (قوله: ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدّق). اختلفوا في ضبطه؛ فمن قال هو بتشديد الصاد، فالمراد به المالك، والاستثناء راجع إلى التيس، والظاهر أنه بالتخفيف، والمراد به الساعي، فله الاجتهاد في نظر الأصلح. (قوله: ومن بلغت عنده صدقة الجذعة وليست عنده جذعة وعنده حقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهماً). فيه دليل على أنَّهُ يجوز أخذ القيمة في الزكاة عند الحاجة والمصلحة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو يختلف باختلاف الزمان والمكان، قال البخاري: باب العرض في الزكاة، وقال طاوس: «قال معاذ -رضي الله عنه- لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي -صلي الله عليه وسلم- بالمدينة». قال ابن رشيد: وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم، لكن قاده إلى ذلك الدليل انتهى، وهذه فيها رخصة إن دعت الحاجة إليه، وأما مع عدم الحاجة فيأخذ من الجنس لما رواه أبو داود عن معاذ بن جبل: أن النبي -صلي الله عليه وسلم- بعثه إلى اليمن فقال: (خذ الحب من الحب، والشاة من الغنم، والبعير من الإبل، والبقرة من البقر). 572- وعن معاذ بن جَبَلٍ -رضي الله عنه-: «أَنَّ النّبيَّ -صلي الله عليه وسلم- بَعَثَهُ إلى اليمنِ فأَمَرَهُ أَنْ يأخُذَ من كلِّ ثلاثينَ بقرةً تَبِيْعاً أَوْ تَبِيعَةً، ومِنْ كُلِّ أربعين مُسِنةً، ومن كلِّ حالِمٍ ديناراً أوْ عِدْلَـهُ مُعَافِرَياً» رواه الْخمسة واللفظ لأحمد وحسنه الترمذيُّ وأشار إلى اختلاف في وصله وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّان والحاكمُ. التبيع: ما له سنة، و المسنة ما لها سنتان. والحديث دليل على وجوب الزكاة في البقر وأنه لا يجب فيما دون الثلاثين شيء، (قوله: ومن كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً) نسبة إلى معافر حيّ في اليمن إليهم تنسب الثياب المعافرية، والمراد به الجزية ممن لم يسلم من أهل الكتاب. 573- وعن عَمْرِو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّهِ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-: «تُؤخذُ صدقاتُ المسلمين على مياهِهِمْ» رواهُ أَحمدُ، ولأبي داودَ «ولا تؤخَذُ صدقاتُهُمْ إلا في دورِهم». الحديث يدل على أن المصدّق هو الذي يأتي إلى رب المال فيأخذ الصدقة. 574- وَعَنْ أَبي هُريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-: « لَيْسَ على المُسلمِ في عَبْدِهِ ولا فرسهِ صَدقةٌ» رواهُ الْبُخاريُّ. ولمسلم «ليس في العبدِ صدقةٌ إلا صَدقةُ الفِطْرِ». الحديث نصّ على أنه لا زكاة في العبيد ولا الخيل، وهو إجماع فيما كان للخدمة والركوب، وأما إذا كان ذلك للتجارة ففيه الزكاة وهو قول الجمهور. 575- وعنْ بَهْزِ بن حكيمٍ عَنْ أَبيه عَنْ جدِّهِ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-: «في كلِّ سَائمةِ إبلٍ في أَرْبعينَ بنْتُ لَبُونٍ لا تُفرَّقُ إبلٌ عنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطاها مُؤْتَجِراً بها فَلَهُ أَجْرُها، ومنْ مَنَعَها فإنّا آخِذوها وَشَطْرَ مالِـهِ عَزْمةً مِنْ عزماتِ ربِّنا، لا يَحِلُّ لآلِ محمدٍ منها شيءٌ» رواهُ أحمد وأَبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحَهُ الحاكم وعلق الشافعيُّ القول به على ثبوته. الحديث دليل على أن الإمام يأخذ الزكاة قهراً ممن منعها وأنها تجزئ عنه وإن فاته الأجر، واستدل به على جواز أخذ شطر مال مانع الزكاة إذا وضعها الإمام موضعها، واستدل به أيضاً على جواز العقوبة بالمال. قال في سبل السلام: ولقد استرسل أهل الأمر في هذه الأعصار في أخذ الأموال في العقوبة استرسالاً ينكره العقل والشرع، وصارت تناط الولايات بجهال لا يعرفون من الشرع شيئاً، فليس همهم إلا قبض المال من كل من لهم عليه ولاية، ويسمونه أدباً وتأديباً ويصرفونه في حاجاتهم وأقواتهم؛ وكسب الأطيان وعمارة المساكن في الأوطان «فإنا لله وإنا إليه راجعون»، ومنهم من يضيع حد السرقة أو شرب المسكر ويقبض عليه مالاً، ومنهم من يجمع بينهما فيقيم الحد ويقبض المال، وكل ذلك محرّم ضرورة دينية انتهى، والله المستعان. 576- وعنْ عليٍّ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم-: «إذا كانتْ لك مِائَتَا درهمٍ وحال عليها الحوْلُ، ففيها خمسةُ دراهِمَ، وليس عليك شيءٌ حتى يكون لك عِشرون ديناراً وحالَ عَلَيْها الحولُ، ففيها نصْفُ دينارٍ، فما زادَ فَبِحِسَابِ ذلك، وَلَيْس في مَالٍ زكاةٌ حتى يحُولَ عليه الحولُ» رَواهُ أَبو داود وهُوَ حَسَنٌ وقد اختُلِف في رفعهِ. 577- وللترمذيِّ عن ابن عُمَر -رضي الله عنهما- «من استفادَ مالاً فلا زكاة عليه حتى يحولَ عليه الحولُ» والرَّاجحُ وقْفُهُ. الحديث دليل على أن نصاب الفضة مائتا درهم، وهو إجماع، وفيه دليل على أن نصاب الذهب عشرون ديناراً ولا شيء فيما دون ذلك، (قوله: فما زاد فبحساب ذلك) أي ما زاد على النصاب من الذهب والفضة ففيه ربع العشر في قليله وكثيره، وهو عام في كل ذهب وفضة مضروبين أو غير مضروبين، والحديث دليل على أنه لا زكاة في المال حتى يحول عليه الحول وهو قول الجمهور، قال الحافظ: أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات، والله أعلم. 578- وَعَنْ عليٍّ -رضي الله عنه- قال: «لَيْس في الْبَقَر الْعوامِل صَدَقةٌ» رواهُ أَبو داودَ والدارقطنيُّ والرَّاجحُ وقفهُ أَيضاً. الحديث دليل على أنه لا يجب في البقر العوامل شيء وكذلك العوامل من الإبل؛ لقوله -صلي الله عليه وسلم-: (في كل سائمة)، قال في المغني: وفي ذكر السائمة احتراز من المعلوفة والعوامل فإنه لا زكاة فيها عند أكثر أهل العلم إلا أن يعدّها للتجارة فيكون فيها زكاة التجارة. 579- وَعَن عَمْرو بن شعيب عَنْ أَبيه عَنْ جَدِّه عبدالله بنِ عَمْروٍ -رضي الله عنهما- أنَّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قالَ: «مَنْ وَلِيَ يتيماً لَهُ مالٌ فَلْيَتَّجِرْ لـهُ ولا يترُكْهُ حتى تأكُلَهُ الصَّدقةُ» رواهُ الترمذي والدارقطنيُّ وإسنادهُ ضعيفٌ وله شاهدٌ مرسلٌ عند الشافِعِيِّ. الحديث دليل على وجوب الزكاة في مال الصغير كالمكلف، وهو قول الجمهور. 580- وَعَنْ عبد الله بن أَبي أَوْفى -رضي الله عنه- قالَ: كان رسولُ اللهِ -صلي الله عليه وسلم- إذا أَتاهُ قومٌ بصدَقَتِهِمْ قال: «اللهم صلِّ عليهم» مُتفقٌ عليه. هذا من النبي -صلي الله عليه وسلم- امتثالاً لقول الله تعالى: ï´؟ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [التوبة: 103]، وفيه دليل على استحباب الدعاء لمعطي الزكاة، فيقول الدافع: اللهم اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً، ويقول الآخذ: آجرك الله فما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهوراً. 581- وَعَنْ علي -رضي الله عنه-: «أَنَّ العباس -رضي الله عنه- سأَل النبيَّ -صلي الله عليه وسلم- في تعجيل صَدقتهِ قبْلَ أن تَحِلَّ فرخّص لهُ في ذلك». رواهُ التّرمذي والحاكمُ. الحديث دليل على جواز تعجيل الزكاة قبل محلها وأنها تجزئ عنه، وهو قول أكثر أهل العلم. 582- وعنْ جابرِ بن عبد الله -رضي الله عنهما- عنْ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: «لَيْس فيما دون خمسِ أَواقٍ من الوَرِق صَدقةٌ، وليْس فيما دُون خَمْسِ ذُوْدٍ من الإبل صدقةٌ، ولَيس فيما دُون خمسةِ أَوْسُقِ من التمر صدقةٌ» رواهُ مسلمٌ. 583- ولـهُ من حديث أَبي سعيد -رضي الله عنه- «ليس فيما دونَ خَمْسةِ أَوْسُقٍ منْ تَمْر ولا حَبٍّ صَدقةٌ» وأَصلُ حديث أَبي سعيد متّفقٌ عليه. الوسق: ستون صاعاً، والأوقية أربعون درهماً. والحديث دليل على أنه لا زكاة في الإبل حتى تبلغ خمساً، ولا في الفضة حتى تبلغ خمس أواق، ولا في التمر أو الحب حتى يبلغ ثلاثمائة صاع، وهو النصاب. 584- وعن سالم بنِ عبد الله عنْ أَبيه -رضي الله عنهم- عن النّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قال: «فيما سقت السّماءُ والعُيونُ أَوْ كان عثرياً العُشْرَ، وفيما سُقيَ بالنّضْح نصْفُ الْعُشر» رواهُ البُخاريُّ، ولأبي داودَ «أو كانَ بَعْلاً الْعُشْرُ، وفيما سُقِيَ بالسَّوانِي أَو النّضحِ نصف العُشر». الحديث دليل على الفرق بين ما سقي بالسواني ففيه نصف العشر، وما سقي بغير تعب وعناء كماء السماء والأنهار ففيه العشر، ودل حديث أبي سعيد على أنه لا زكاة في ذلك حتى يبلغ خمسة أوسق، وهو قول الجمهور. 585- وعنْ أَبي موسى الأشْعريِّ ومُعاذٍ -رضي الله عنهما- أَنَّ النْبيَّ -صلي الله عليه وسلم- قالَ لَهُما: «لا تأخُذا في الصَّدقةِ إلا منْ هذهِ الأصنافِ الأربعَةِ: الشّعِيرِ والحنْطةِ والزَّبيبِ والتّمرِ» رواهُ الطّبرانيُّ والحاكم. 586- وللدارقطنيِّ عنْ مُعاذٍ -رضي الله عنه- قالَ: «فأَمّا القِثَّاءُ والْبِطّيخُ والرُّمّانُ والْقصَبُ فقد عفَا عنْهُ رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-» وإسْنادُهُ ضَعيفٌ. الحديث دليل على أنه لا تجب الزكاة إلا في الأربعة المذكورة، وفي حديث عبدالله بن عمرو عند ابن ماجه زيادة الذرة، وفيه دليل على أنه لا زكاة في الخضروات، وقيل: تجب في كل ما أخرجت الأرض لعموم قوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ï´¾ [البقرة: 267]، وقال في المقنع: تجب الزكاة في الحبوب كلها وفي كل ثمر يكال ويدخر، قال في الاختيارات: ورجح أبو العباس أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض هو الادّخار لا غير لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه بخلاف الكيل فإنه تقدير محض، قال الحافظ: قوله لا زكاة في الخضروات دال على أن الزكاة إنما هي فيما يكال مما يدخر للاقتيات. 587- وعنْ سهْل بنِ أَبي حَثْمةَ -رضي الله عنه- قالَ: أَمَرَنا رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: «إذا خَرَصْتُمْ فَخُذوا ودَعُوا الثُّلُثَ فإنْ لَم تدَعُوا الثُّلُثَ فَدعوا الرُّبُعَ» رواهُ الخمسة إلا ابنَ ماجةْ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ. الحديث دليل على مشروعية التخفيف في الخرص وكان عمر يقول للخارص: دع لهم قدر ما يأكلون وقدر ما يقع، وأخرج ابن عبد البر مرفوعاً: خففوا في الخرص فإن في المال العرية والوطية والآكلة. 588- وعنْ عَتَّاب بنِ أَسيدٍ -رضي الله عنه- قالَ: «أَمرَ رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- أَنْ يُخْرصَ الْعِنَبُ كما يُخْرَصُ النّخلُ وتؤخذ زكاتُهُ زبيباً» رواهُ الخمسة وفيه انقطاعٌ. صفة الخرص: أن يطوف بالشجر والزرع ويرى جميع ثمرته ويقول: خرصها كذا وكذا يابساً، قال ابن عبد البر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن المخروص إذا أصابته جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان، وفائدة الخرص أمن الخيانة من رب المال، ولذلك يجب عليه البينة في دعوى النقص بعد الخرص، وضبط حق الفقراء على المالك، ومطالبة المصدّق بقدر ما خرصه، وانتفاع المالك بالأكل ونحوه انتهى، وقال في سبل السلام: وإذا ادعى المخروص عليه النقص بسبب يمكن إقامة البينة عليه وجب إقامتها وإلا صدق بيمينه. 589- وعن عمْرو بن شعيب عن أَبيه عن جده -رضي الله عنه- أن امرأَةً أَتتِ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم- وَمَعَهَا ابنةٌ لها وفي يد ابنتِهَا مَسَكَتَانِ مِنْ ذهب فقال لها: «أَتُعطينَ زكاة هذا؟» قالتْ: لا قال: «أَيسُرُّكَ أَنْ يُسَوِّرَك اللهُ بهما يوْمَ القيامة سوارينِ منْ نارٍ؟» فَأَلْقتْهُما. رواهُ الثلاثةُ وإسنادهُ قويٌ وصحَّحَهُ الحاكمُ من حديث عائشة. لفظ حديث عائشة -رضي الله عنها-: أنها دخلت على رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فرأى في يدها فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة، فقالت صغتهن لأتزين لك بهن يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا، قال: هنّ حسبك من النار، والحديث دليل على وجوب الزكاة في الحلية، وقيل: زكاتها عاريتها. 590- وَعَنْ أُمِّ سَلَمَة -رضي الله عنها- أَنّها كانتْ تَلْبس أَوْضَاحاً من ذهبٍ فقالت: يا رسول الله أَكنزٌ هَوَ؟ فقال: «إذا أَدَّيتِ زكاتَهُ فَلَيْس بكنزٍ» رواه أبودَاود والدارقطني وصحَّحَهُ الحاكمُ. الحديث دليل على وجوب زكاة الحلية وأن كل مال أخرجت زكاته فليس يكنز فلا يشمله الوعيد في الآية. 591- وَعَنْ سَمُرة بن جُنْدَبٍ -رضي الله عنه- قال: «كان رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- يأمُرُنا أن نُخْرِجَ الصَّدقةَ منَ الذي نَعُدُّه للبيع» رواهُ أَبو داود وإسنادُهُ ليّنٌ. الحديث دليل على وجوب الزكاة في مال التجارة لقوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ï´¾ [البقرة: 267]، الآية، قال مجاهد: نزلت في التجارة، قال ابن المنذر: الإجماع قائم على وجوب الزكاة في مال التجارة. 592- وَعَنْ أَبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسُول اللهِ -صلي الله عليه وسلم- قالَ: «وفي الرِّكازِ الخُمُسُ» مُتّفقٌ عليه. الركاز: المال المدفون في الأرض من كنوز الجاهلية فيه الخمس في قليله وكثيره، ويجوز لواجده أن يتولى تفرقة الخمس بنفسه، وغير دفن الجاهلية حكمه حكم اللقطة. 593- وَعَنْ عَمْرِو بن شُعيب عن أَبيه عن جَدِّه -رضي الله عنه- أَنَّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قالَ في كَنْزٍ وَجَدهُ رجلٌ في خَرِبةٍ: «إنْ وجدتَّهُ في قَريْة مسْكونة فعَرِّفْه، وإن وجدتَهُ في قريةٍ غيرِ مَسْكونةٍ ففيه وفي الرَّكازِ الخُمُس» أَخرجه ابن ماجهْ بإسناد حسنٍ. الكنز الذي يجده الرجل في قرية، لم يسمه الشارع ركازاً لأنه لم يستخرجه من باطن الأرض، وفيه دليل على أنه إذا وجده في قرية مسكونة أن حكمه حكم اللقطة. 594- وعنْ بلال بن الحارِثِ -رضي الله عنه- «أَنَّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلم- أَخَذَ من المعادنِ القَبَلِيَّةِ الصَّدقَةَ» رواهُ أَبو داود. الحديث دليل على وجوب الزكاة في المعادن، والحكمة في التفرقة بين المعادن والركاز أن أخذ الركاز بسهولة من غير تعب بخلاف المستخرج من المعدن فإنه لا بد فيه من المشقة والتعب. (تتمة) قال في المقنع: ولا زكاة فيما يخرج من البحر من اللؤلؤ والمرجان والعنبر ونحوه، وعنه فيه الزكاة انتهى، وقال ابن عباس: ليس في العنبر شيء إنما هو شيء ألقاه البحر، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(28) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (بابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) 599- عَنْ أَبي هُريرة - رضي الله عنه - عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "سبْعةٌ يظلُّهُمُ الله في ظلِّه يَوْم لا ظلَّ إلا ظلُّهُ" فَذَكَرَ الحديث وفيهِ "ورجلٌ تصدَّقَ بصَدقة فأخفاها حتى لا تعْلَمَ شَمَالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ" مُتّفقٌ عليه. ولفظ الحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه". في الحديث دليل على فضل إخفاء الصدقة وقد قال الله تعالى: ï´؟ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ï´¾ [البقرة: 271]، وقوله في ظله: أي ظل عرشه كما أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمان: "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه". 600- وعنْ عُقبةَ بنِ عامرٍ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقُول: "كلُّ امرىءٍ في ظلِّ صدقتِهِ حتى يُفْصَلَ بين النّاسِ" رواهُ ابنُ حِبّان. فيه حث على الصدقة سرها وعلانيتها، قال الله تعالى: ï´؟ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ï´¾ [البقرة: 262]. 601- وعَنْ أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَيُّما مُسْلِمٍ كسَا مُسْلماً ثَوْباً على عُرْيٍ كساهُ الله من خُضْرِ الجنّةِ، وأَيُّما مسلم أَطعم مُسلماً على جوعٍ أَطعَمَهُ الله من ثمار الجنّة، وَأَيُّما مُسْلم سقى مُسلماً على ظَمَإٍ سقاه اللهُ من الرَّحيقِ المختوم" رواهُ أَبو داودُ وفي إسناده لينٌ. فيه حض على أنواع البر، وإعطائها من هو مفتقر إليها، وكون الجزاء من جنس العمل. 602- وعنْ حَكيم بن حِزَام - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اليَدُ العُلْيا خَيرٌ من اليدِ السفلى، وابْدأ بمنْ تَعُول، وخيْرُ الصَّدقةِ عنْ ظهْر غنِىً، ومَنْ يسْتَعْفِفْ يُعِفَّه الله، وَمَنْ يسْتَغْن يُغْنِهِ اللهُ" مُتّفقٌ عليه واللفظُ للبخاريِّ. اليد العليا يد المعطي، والسفلى يد السائل، وفي الحديث الآخر: ( اليد العليا التي تعطي ولا تأخذ)، وفي الحديث دليل على البداءة بنفسه وعياله، وأن أفضل الصدقة ما بقي بعدها شيء يعينه على حوائجه ومصالحه لأن المتصدق بجميع ماله يندم غالباً إلا إذا كان صبوراً على الفاقة لقوله تعالى: ï´؟ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ï´¾ [الحشر: 9]. 603- وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيلَ: يا رسول الله أَيُّ الصَّدقةِ أَفضلُ؟ قال: "جُهْدُ المُقِلِّ، وابدأْ بمن تَعُولُ" أَخْرجَهُ أحمد وأَبو داود وصحَّحَهُ ابنُ خزيمة وابن حِبَّان والحاكمُ. الجمع بين هذا الحديث والذي قبله ما قاله البيهقي إنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية. 604- وعنْهُ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تصَدَّقوا" فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ عندي دينارٌ؟ قالَ: "تَصَدَّق به على نَفْسِكَ" قال: عِنْدي آخرُ، قالَ: "تصدق به على ولَدِك" قال: عندي آخرُ، قال: "تصَدَّق به على خادِمِك" قال: عِنْدي آخر، قال: "أَنْتَ أَبْصَرُ" رواهُ أَبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ. الحديث دليل على البداءة بالأهمّ فالأهمّ، ولم يذكر الزوجة في هذا الحديث وقد وردت في صحيح مسلم مقدمة على الولد. 605- وعَنْ عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أَنفَقَتِ المرْأَةُ من طعام بَيْتِها غيرَ مُفْسدةٍ كان لها أَجرُها بما أَنْفَقَتْ ولزوجها أَجْرُهُ بما اكْتَسَبَ وللخادمِ مِثْلُ ذلك لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ من أَجْرِ بعضٍ شيئاً" مُتّفقٌ عَلَيْهِ. الحديث دليل على جواز إنفاق المرأة من الطعام الذي لها فيه تصرف بشرط أن لا يخلّ ذلك بنفقة أهل البيت، قال النووي: هذا مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة فإن زاد على المتعارف لم يجز، وهذا معنى قوله: غير مفسدة، ونبه بالطعام لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم في حق أكثر الناس انتهى ملخصاً. 606- وعنْ أَبي سعيدٍ الخدْري - رضي الله عنه - قالَ: "جاءَت زينبُ امرأَةُ ابن مسَعْوُدٍ فقالت: يا رسول الله إنّكَ أَمَرْتَ اليوْمَ بالصَّدقةِ وكان عندي حُليٌّ لي فأَردتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بهِ فَزَعَمَ ابنُ مسْعُودٍ أَنّهُ وولدَهُ أَحَقُّ مَنْ أتَصَدَّقُ به عليهِمْ؟" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صَدَقَ ابنُ مَسعود، زَوْجُكِ وولدُكِ أَحقُّ منْ تَصَدّقت به عليهِمْ" رَوَاهُ البخاري. الحديث دليل على أن الصدقة على القريب أفضل من غيره، وفي الحديث الآخر: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى القريب صدقة وصلة"، واستدل به على جواز صرف زكاة المرأة إلى زوجها وهو قول الجمهور. 607- وعن ابن عُمَر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما يزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النّاسَ حتى يأتيَ يوْمَ القيامة وليس في وجهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ" متفقٌ عليه. الحديث دليل على قبح كثرة السؤال لأنه يذهب بهاء الوجه ولهذا يأتي يوم القيامة ووجهه عظم. 608- وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَأَلَ النّاس أَمْوالَهُمْ تَكَثُّراً فإنما يَسْأَلُ جَمْراً فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ ليَسْتَكْثِرْ" رواهُ مُسْلمٌ. الحديث دليل على تحريم السؤال من غير حاجة. 609- وعن الزبيْرِ بن العوَّام - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأَنْ يأخُذَ أَحدُكُمْ حَبْلَهُ فيأتَي بحُزْمةٍ من الحطب على ظهرِهِ فيبيعَها فيكُفَّ بها وَجْهه خيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يسأَلَ الناسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ" رواهُ البخاريُّ. الحديث دليل على كراهة السؤال ولو مع الحاجة، وفيه الحث على الاكتساب ولو أدخل على نفسه المشقة. 610- وعنْ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - رضي الله عنه -: "المسألةُ كَدٌّ يَكُدُّ بها الرَّجُلُ وجْهَهُ إلا أنْ يسْأَلَ الرَّجُلُ سُلطاناً أَوْ في أَمر لا بُدَّ مِنْهُ" رواهُ الترمذي وصححهُ. الحديث دليل على تحريم سؤال الناس أموالهم إلا فيما لا بد منه، وهو فقر مدقع أو دم موجع أو غرم مفظع؛ وفيه جواز سؤال السلطان لأنه إنما يسأل من بيت مال المسلمين وله فيه حق، والسلطان بمنزلة الوكيل، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(29) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (بابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ) والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: 60]. 611- عَنْ أَبي سعيدٍ الخُدْريِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحِلُّ الصَّدقَةُ لغَنيّ إلا لخمسةٍ: لعاملٍ عليها أَوْ رجل اشتراها بمالِهِ، أَوْ غارِمٍ، أَوْ غازٍ في سبيل الله، أَوْ مسكينٍ تُصُدِّق عليه منها فَأَهْدى منها لغنّيٍّ" رواهُ أحمد وأبو داود وابن ماجه وصحَّحه الحاكم وَأُعِلّ بالإرسال. الحديث دليل على تحريم الصدقة على الغني إلا إذا كان من الخمسة المذكورين. 612- وعن عُبَيْد الله بن عَدِيِّ بن الخِيَارِ - رضي الله عنه - أَنَّ رَجُلَيْنِ حدّثَاهُ أنّهُما أَتَيا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يسأَلانِهِ من الصَّدَقةِ فقَلَّبَ فيهِمَا النَّظَرُ فرآهُما جَلْدَيْنِ فقال: "إن شِئْتُما أعْطيتكُما ولا حظَّ فيها لغنيٍّ ولا لقويٍّ مُكتَسِبٍ" رواهُ أحمد وقواه أبو داودَ والنسائي. الحديث دليل على أن الغني والقوي المكتسب لا حق لهما في الصدقة. 613- وعنْ قَبِيْصَة بن مُخَارق الهلاليِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنَّ المسألةَ لا تَحِلُ إلا لأحد ثلاثة: رَجُلٍ تَحَمّلَ حَمَالةً فحَلَّت لَهُ المسأَلَة حتى يُصيبها ثم يمسك، ورجلٍ أَصابتْهُ جائحَةٌ اجتاحتْ مالهُ فَحَلّت لهُ المسْأَلَةُ حتى يصيب قِوَاماً منْ عيشٍ، ورجل أَصابتهُ فاقةٌ حتى يقول ثلاثةٌ من ذوي الحِجَى مِنْ قَوْمه: لَقَدْ أصابت فلاناً فاقةٌ فحَلّتْ لَهُ المسأَلةُ حتى يُصيب قِواماً مِنْ عَيْش فمَا سواهُنَّ من المسأَلة يا قَبِيصَةُ سُحْتٌ يأكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتاً" رواهُ مُسْلمٌ وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان. الحديث دليل على جواز المسألة لمن تحمل عن غيره ديناً أو دية ليصلح بذلك بين الناس وإن كان غنياً حتى يحصلها، الثاني من أصاب ماله آفة حلت له المسألة حتى يحصل ما يقوم بحاله، الثالث من أصابته فاقة بشرط أن يشهد له ثلاثة من ذوي العقول ممن يخبر حاله فتحل له المسألة حتى يحصل ما يقوم بحاله، وما زاد على ذلك من المسألة فهو حرام. 614- وعنْ عَبْدِ المُطلب بن ربيعة بن الحارث - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إن الصدقةَ لا تنبغي لآل محمدِ، إنما هي أَوْساخُ الناس". وفي رواية "وإنها لا تحلُّ لمحمدٍ ولا لآل محمد" رواهُ مُسْلمٌ. الحديث دليل على تحريم الصدقة على محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعند أبي نعيم: "إن لهم في خمس الخمس ما يكفيهم ويغنيهم"، واستدل به على جواز الصدقة لهم إن منعوا خمس الخمس. 615- وعنْ جُبيرِ بن مُطْعِمٍ - رضي الله عنه - قالَ: مشيتُ أنا وعثمان بنُ عفانَ - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقُلنْا: يا رسول الله أَعطَيْتَ بَني المطلبِ من خُمُس خَيْبرَ وتركْتَنَا ونحن وهُمْ بمنزلةٍ واحدةٍ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "إنّما بنُو المطلب وبنُو هاشمٍ شيءٌ واحدٌ" رواهُ البخاري. بنو المطلب هم أولاد المطلب بن عبد مناف، وجبير بن مطعم من أولاد نوفل بن عبد مناف، وعثمان من أولاد عبد شمس بن عبد مناف، وهاشم بن عبد مناف، فبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل أولاد عم في درجة واحدة، والحديث دليل على أن بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربى، وتحريم الزكاة أيضاً دون من عداهم لاستمرارهم على الموالاة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام)، وهو مذهب الشافعي، وقال الجمهور: إنه - صلى الله عليه وسلم - أعطاهم على جهة التفضل، والله أعلم. 616- وعنْ أَبي رافع - رضي الله عنه - أَنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعثَ رجُلاً على الصدقَةِ من بني مَخْزُومٍ فقال لأبي رافع: اصْحَبْني فإنك تُصيبُ منها، فقال: لا، حتى آتِيَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأَسْأَلُهُ، فأَتاهُ فسأله فقال: "مولى القَوْم مِنْ أَنفسهم وإنَّها لا تحلُّ لنَا الصَّدقة" رواهُ أحمد والثلاثة وابن خزيمةَ وابن حِبَّانَ. الحديث دليل على أن حكم موالي آل محمد - صلى الله عليه وسلم - حكمهم في تحريم الصدقة. 617- وعن سالم بن عَبْدِ الله بن عُمر عَنْ أَبيه - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ يُعْطي عُمَرَ ابن الخطاب العْطاءَ فيقولُ: أَعْطِه أَفْقَر منّي، فَيَقُول: "خُذْهُ فَتَمَوّلْهُ أَوْ تَصَدَّقْ به، وما جاءَكَ مِنْ هذا المال وأَنْت غيرُ مُشْرِفٍ ولا سائلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فلا تُتْبِعه نَفْسَكَ" رواهُ مسلمٌ. الحديث دليل على أن العامل ينبغي له أن يأخذ العمالة ولا يردها، فإن الحديث ورد فيها كما في بعض طرقه: "عملت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعملني أي أعطاني أجرة عملي" الحديث وفي بعض طرقه: "قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه" قال في سبل السلام: وأما عطية السلطان الجائر وغيره ممن ماله حلال وحرام، فقال ابن عبدالبر: إن أخذها جائز مرخص فيه، قال: وحجة ذلك أنه تعالى قال في اليهود: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ ﴾ [المائدة: 42]، وقد رهن - صلى الله عليه وسلم - درعه من يهودي مع علمه بذلك انتهى، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(30) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (بابُ كتاب الصيام) صوم رمضان أحد أركان الإسلام، والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾ [البقرة: 183، 184] الآيات، والصيام في اللغة: الإمساك، وفي الشرع: الإمساك في النهار عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد في الشرع. 618- عنْ أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تَقَدَّمُوا رمضانَ بصوم يومٍ ولا يومينِ إلا رجلٌ كان يصومُ صوماً فليَصمهُ" مُتّفقٌ عليه. • الحديث دليل على تحريم صوم يوم أو يومين قبل رمضان، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا أن يتعجل الرجل الصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان، (قوله: إلا رجل كان يصوم صوماً فليصمه) أي إلا من اعتاد صوم أيامٍ معلومة ووافق ذلك آخر شعبان فلا بأس به. 619- وعن عمّارِ بن ياسرٍ - رضي الله عنهما - قال: "من صام اليوْمَ الذي يُشكُّ فيه فقد عصى أَبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -" ذكره البخاري تعليقاً ووصلهُ الخمسة وصَحَحَّه ابنُ خزيمة وابنُ حِبَّانَ. • الحديث دليل على تحريم صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا حال دون رؤية الهلال غيم أو نحوه، وفي حديث ابن عباس: (فإن حال بينكم سحاب فأكملوا العدَّة ثلاثين، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً) أخرجه أحمد وأصحاب السنن. 620- وعنْ ابنِ عُمُر - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا رأيتموهُ فصُوموا وإذا رأَيتموهُ فأَفِطروا، فإن غُمَّ عليكمْ فاقْدرُوا لـه" متّفقٌ عليه. ولمسلمٌ: "فإن أُغْمِيَ عليكم فاقُدُرُوا لـه ثلاثين" وللبخاري " فأَكْملوا العِدة ثلاثين". 621- ولهُ في حديث أَبي هُريرةَ - رضي الله عنه -: "فأَكْمِلُوا عِدّةَ شعْبان ثلاثين". • الحديث دليل على وجوب صوم رمضان لرؤية هلاله، وإفطار أول يوم من شوال لرؤية هلاله، والمراد من الرؤية ما يثبت به الحكم الشرعي (قوله: فإن غم عليكم فاقدروا له) أي أفطروا يوم الثلاثين واحسبوا تمام الشهر لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) وأولى ما يفسر الحديث بالحديث. 622- وَعَنْ ابْن عُمَرَ - رضي الله عنهما - قال: "تراءَى النّاسُ الهِلالَ فأَخبَرتُ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَنِّي رأَيْتُهُ فصامَ وأَمَرَ النّاس بصيامِهِ" رواهُ أبو داود، وصَحَّحَهُ الحَاكِمُ وابْنُ حِبَّانَ. • الحديث دليل على العمل بخبر الواحد العدل في الصوم. 623- وعن ابنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - أَنَّ أَعرابياً جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنِّي رَأَيْتُ الهِلال، فقال: "أَتشهدُ أَنْ لا إله إلا الله؟" قال: نعم، قال: "أَتَشْهَدُ أنَّ محمداً رسول الله؟" قال: نعمْ، قال: "فَأَذِّنْ في النَّاس يا بلالُ أَنْ يَصُوموا غداً" رواهُ الخمسةُ وصحَّحَهُ ابن خزيمةَ وابن حِبَّانَ ورجَّح النسائي إرساله. • الحديث دليل أيضاً على قبول خبر الواحد في الصوم، وعلى أن الأصل في المسلمين العدالة، قال في الاختيارات: تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت لزم الصوم وإلا فلا، وهو الأصح للشافعية، وقول في مذهب أحمد انتهى. 624- وعن حَفْصةَ أُمِّ المُؤمنين - رضي الله عنها - أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "منْ لَمْ يُبَيّت الصِّيامَ قَبْلَ الفجر فلا صِيامَ لـهُ" رواهُ الخمْسةُ ومَالَ التِّرمذيُّ والنسائي إلى ترجيح وَقْفِهِ، وصحَّحَهُ مرفوعاً ابنُ خزيمةَ وابنُ حِبَّانَ. وللدارقطني: "لا صِيامَ لمن لَم يَفْرِضْهُ منَ الليل". • الحديث دليل على أنه لا يصح الصيام إلا بتبييت النية: وهو أن ينوي الصيام في أي جزء من الليل، ويجزئ لرمضان نية واحدة إذا نوى صوم جميع الشهر، وهو مذهب مالك واختاره الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ورواية عن الإمام أحمد. 625- وعنْ عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل عليَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذات يومٍ فقال: "هلْ عندكمْ شيءٌ؟" قُلنا: لا، قال: "فإني إذا صائمٌ" ثمَّ أَتانا يوْماً آخر، فقلنا أُهديَ لنا حَيْسٌ، فقال: "أرِينِيهِ فَلَقد أَصبحْتُ صائماً" فَأَكل، رواهُ مسلمٌ. • الحديث دليل على صحة النفل بغير نية من الليل، وفيه أنه لا يلزمه إتمام صوم التطوع، قال ابن عمر: لا بأس به ما لم يكن نذراً أو قضاء رمضان. 626- وعن سهِل بنِ سَعْدٍ - رضي الله عنه - أَنْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجّلوا الْفِطْر" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ. 627- وللتِّرْمذي مِنْ حديث أَبي هُريْرة - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "قالَ الله عَزَّ وجلَّ: أَحبُّ عِبادي إليَّ أَعْجَلُهُمْ فطْراً". • الحديث دليل على استحباب تعجيل الإفطار إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار من يجوز العمل بقوله، وعند أحمد: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور) زاد أبو داود: (لأن اليهود والنصارى يؤخرون الإفطار إلى اشتباك النجوم) قال في شرح المصابيح: ثم صار في ملتنا شعاراً لأهل البدعة وسمة لهم. 628- وعنْ أَنس بنِ مَالكٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تَسَحَّرُوا فإن في السَّحُورِ بركةً" مُتّفقٌ عَلَيه. • الحديث دليل على استحباب السحور لما فيه من اتباع السنَّةِ ومخالفة أهل الكتاب، والتقوّي به على العبادة وغير ذلك. 629- وعَنْ سليمان بنِ عامر الضَّبِّيِّ - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أَفْطَر أَحَدُكُمْ فَلْيُفطِر على تمرٍ، فإن لَم يجدْ فَلْيُفطِر على ماءٍ فإِنّهُ طَهُورٌ" رواهُ الخمسة وصحَّحَه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. • الحديث دليل على استحباب الإفطار بما ذكر لما فيه من الحلاوة و الرطوبة، وعند الترمذي والنسائي من حديث أنس: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن فعلى تمرات فإن لم يكن حسا حسوات من ماء". 630- وعنْ أَبي هُريرةَ - رضي الله عنه - قال: نَهى رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الوِصَال، فقال رجلٌ من المسلمين: فإنك تواصلُ يا رسُولَ الله؟ فقال: "وأيُّكُمْ مِثْلي؟ إني أَبيتُ يُطْعمني ربِّي وَيسْقيني" فلمّا أَبوا أَن يَنْتَهُوا عن الوصال وَاَصَلَ بهم يوْماً ثمَّ يوماً ثمَّ رأَوُا الهلال، فقال: "لوْ تأَخّرَ الهلالُ لزدتُكُمْ" كالمُنَكِّل لهُم حين أَبوْا أَن يَنْتهُوا، مُتّفَقٌ علَيه. • الحديث دليل على كراهة الوصال لأنه من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -، وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: (فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر). 631- وعَنْهُ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بهِ والجهْلَ فَلَيْسَ للَّهِ حَاجةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وشرابَهُ" رواهُ البُخاريُّ وأبو دود واللفظ له. • الحديث دليل على تأكيد تحريم الكذب والسفه على الصائم وأن الله لا يقبل صيامه. 632- وعَنْ عائشةَ - رضي الله عنها - قالتْ: "كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُقَبِّلُ وَهُو صائمٌ ويُباشرُ وهُوَ صائمٌ، ولكنه أَمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ" مُتّفقٌ عليه واللفظٌ لمسلم، وزاد في روايةٍ "في رَمَضَان". قال العلماء: معنى الحديث أنه ينبغي لكم الاحتراز من القبلة ولا تتوهموا أنكم مثل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في استباحتها لأنه يملك نفسه، والحديث دليل على جواز القبلة لمن لا تحرك شهوته. 633- وعن ابنِ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما -: "أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - احْتجمَ وهُوَ مُحْرمٌ واحْتَجَمَ وهُو صَائمٌ" رَوَاه البُخاريُّ. • الحديث دليل على أن الحجامة لا يفطر بها الصائم، وهو مذهب الأكثر من الأئمة. 634- وعَنْ شدَّاد بن أَوْسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتى على رجُلٍ بالبقيع وهُو يحتجم في رمضان فقال: "أَفْطرَ الحاجِمُ والمحجومُ" رواهُ الخمسةُ إلا التّرْمذي، وصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبَّانَ. • الحديث دليل على أن الحجامة تفطر الصائم من حاجم ومحجوم، وقيل إنه منسوخ لأن حديث ابن عباس متأخر. 635- وعَنْ أَنَس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "أَوَّلُ ما كُرِهَتْ الحِجَامةُ للصائمِ: أَنَّ جعَفْر بن أبي طالب احْتجمَ وَهُوَ صائمٌ فَمَرّ بهِ النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أَفَطَر هذان" ثمَّ رخّص النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدُ في الحِجَامةِ للصائمِ، وكان أنس يحتجِمُ وهُو صائم". رواه الدارقطني وقواه. قال العلماء: ويجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها، وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سبباً للإفطار، ولا تكره في حق من لا يضعف بها، وعلى كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى. 636- وعن عائشةَ - رضي الله عنها - "أنّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اكتحل في رمضانَ وهُو صائمٌ" رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف وقال الترمذيُّ: لا يصح في هذا البابِ شيءٌ. قال الترمذي: واختلف أهل العلم في الكحل للصائم، فكرهه بعضهم وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورخص بعض أهل العلم في الكحل للصائم وهو قول الشافعي انتهى، قال في الاختيارات: ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة وما يفطر في إحليله ومداواة المأمومة والجائفة وهو قول بعض أهل العلم، ويفطر بإخراج الدم بالحجامة وهو مذهب أحمد، وبالفصد والتشريط وهو وجه لنا، وبإرعاف نفسه، وهو قول الأوزاعي، ويفطر الحاجم إن مصّ القارورة انتهى. 637- وعنْ أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَسِيَ وهُو صَائمٌ فَأَكلَ أَوْ شَرِبَ فليُتِمَّ صَوْمَهُ فإنّما أَطعمهُ اللَّهُ وسقاهُ" مُتّفقٌ عليه وللحاكم من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة وهو صحيح. • الحديث دليل على أن من أفطر ناسياً أنه يتم صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول الجمهور. 638- وعَنْ أَبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ ذَرَعَهُ القيءُ فلا قضاءَ عليه، ومن اسْتقاءَ فعليه القضاءُ" رواهُ الخمسة، وأَعَلَّهُ أَحْمَدُ وقَوَّاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. • الحديث دليل على أنه لا يفطر بالقيء الغالب عليه، وعلى أن من تعمد القيء يفطر. 639- وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - "أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خَرَج عامَ الْفتحِ إلى مكّة في رمضان فصام حتّى بَلَغَ كُراع الْغميم فَصَام النّاسُ، ثمَّ دعا بقَدَحٍ منْ ماءٍ فَرَفَعهُ حتى نَظَرَ الناسُ إليهِ فشربَ ثم قيل لـهُ بَعْدَ ذلك إنَّ بعضَ الناسِ قدْ صامَ؟ فقال: "أُولئكَ العُصاةُ، أُولئكَ الْعُصاةُ". وفي لفظ "فقيلَ لـهُ إنَّ النّاس قدْ شقَّ عَلَيْهمُ الصِّيام وإنما ينْتظرون فيما فعلتَ، فدعا بقدح منْ ماءٍ بعد العصر فشرب" رواهُ مسلمٌ. • الحديث دليل على أن المسافر له أن يصوم وله أن يفطر، وأن له الإفطار وإن صام أكثر النهار، وفيه أن الفطر لمن يشق عليه الصيام أفضل كما في الحديث الآخر: (ليس من البر الصيام في السفر). 640- وعنْ حمزةَ بنِ عَمْرو الأسلمي - رضي الله عنه - أنّهُ قال: يا رسول الله أَجدُ فيَّ قوَّةً على الصِّيام في السَّفر فَهَلْ عليَّ جُناحٌ؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "هي رُخْصةٌ من الله فمنْ أَخَذ بها فحَسنٌ، ومَنْ أَحَبَّ أَنْ يصوم فلا جناحَ عليه" رواهُ مُسلمٌ وأصله في المتفق عليه من حديث عائشة أن حمزة ابن عمرو سأل. • الحديث دليل على أن المسافر مخير بين الإفطار والصيام إذا قوي عليه، وعند أبي داود: "أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً علي فقال: أي ذلك شئت يا حمزة". 641- وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - قال: "رُخِّصَ للشيخ الكبير أَن يُفطرَ ويُطعِمَ عَنْ كُلِّ يوْم مسْكيناً ولا قضاء عَلَيْه" رواهُ الدراقُطنيُّ والحَاكِمُ وصَحَّحَاهُ. قال ابن عباس في قوله تعالى: ï´؟ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ï´¾ واحد ï´؟ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ï´¾ قال زاد مسكيناً آخر ï´؟ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ï´¾ [البقرة: 184]، قال: وليست منسوخة إلا أنه رخص للشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصيام، وفي المسألة خلاف بين السلف والجمهور، على أن الإطعام لازم في حق من لم يطق الصيام لكبر، منسوخ في غيره. وعن أنس ابن مالك الكعبي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (إن الله عز وجل وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم) رواه الخمسة قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم، وقال بعض أهل العلم الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان، وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد، وقال بعضهم: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا إطعام عليهما، وبه يقول إسحاق انتهى. قال في مختصر المقنع: وإن أفطرت حامل أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتا وأطعمتا لكل يوم مسكيناً. 642- وعَنْ أَبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: جاءَ رجُلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: هَلَكْتُ يا رسول الله قال: "وما أَهْلَكك؟" قال: وقعْتُ على امرأَتي في رمضان فقال: "هلْ تَجدُ ما تَعتقُ رقبة؟" قال: لا، قال: "فهل تَسْتَطيعُ أَن تَصومَ شهرين مُتتابعين؟" قال: لا، قال: "فهل تَجدُ ما تُطعمُ ستِّين مسْكيناً؟" قال: لا، ثمَّ جلس فأُتي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بعَرَقٍ فيه تمرٌ فقال: "تَصَدَّقْ بهذا" فقال: أَعلى أَفْقَر مِنّا؟ فما بيْنَ لابَتَيها أَهل بيت أَحْوج إليه منّا فَضَحك النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حتى بدتْ أَنيابُهُ، ثم قالَ: "اذهب فأَطعِمهُ أَهلَك" رواهُ السبّعة واللفظ لمسلم. • الحديث دليل على وجوب الكفارة على من جامع في نهار رمضان عامداً، وهو حديث جليل كثير الفوائد، جمعها بعضهم ألف فائدة في مجلدين. 643- وعَنْ عائشة وأُمِّ سلَمة - رضي الله عنهما - "أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصبحُ جُنُباً منْ جماع ثم يغتسل ويصُوم" مُتّفقٌ عَلَيْهِ، وزادَ مُسْلمٌ في حديث أُمِّ سَلَمَةَ "ولا يقْضي". • الحديث دليل على صحة صوم من أدركه الفجر وهو جنب قبل أن يغتسل، وهو قول الجمهور. 644- وعنْ عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من مات وعليه صيامٌ صامَ عَنْهُ وليّهُ" متّفقٌ عليه. • الحديث دليل على مشروعية صيام الحي عن الميت، وأنه إذا مات وعليه صوم و اجب أجزأ عنه صيام وليه، قال النووي: اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجب من رمضان أو قضاء أو نذر أو غيره هل يقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران: أشهرهما لا يصام عنه ولا يصح عن ميت صوم أصلاً، والثاني يستحب لوليه أن يصوم عنه ويبرأ به الميت ولا يحتاج إلى إطعام، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة انتهى، والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(31) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (باب صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا نُهِيَ عَنْ صَوْمِهِ) 645- عَنْ أَبي قَتَادة الأنصاري - رضي الله عنه - أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سُئلَ عنْ صَوْمِ يوْمِ عرفة فقال: "يُكفِّر السّنةَ الماضية والباقية" وسئل عَنْ صيام يوْم عاشُوراءَ فقال: "يُكفِّر السّنَة الماضية" وسُئل عنْ صوْم يوْم الاثنين فقال: "ذلك يوْمٌ وُلدتُ فيهِ، وبُعِثت فيه، وَأُنْزلَ عليِّ فيه" رواهُ مسلمٌ. الحديث دليل على استحباب صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الاثنين. 646- وعنْ أبي أَيوب الأنصاريِّ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "منْ صامَ رمضان ثمَّ أَتْبَعهُ ستّاً منْ شوَّال كانَ كصيام الدَّهر" رواهُ مُسلمٌ. الحديث دليل على استحباب صوم ستة أيام من شوال سواء كانت متوالية أو متفرقة، وعن ثوبان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من صام رمضان فشهره بعشر، ومن صام ستة أيام بعد الفطر فذلك صيام السنة) رواه أحمد والنسائي. 647- وعن أَبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من عبْدٍ يَصُومُ يوْماً في سبيل الله إلا باعد اللهُ بذلك اليومِ عنْ وجههِ النّار سبعين خريفاً" مُتّفقٌ عليه واللفظ لمسلم. الحديث دليل على فضيلة الصوم في الجهاد ما لم يضعف بسببه عن قتال العدوّ. 648- وعنْ عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: "كانَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يصُوم حتى نقولَ لا يُفطر، ويُفْطِرُ حتى نقولَ لا يصومُ، وما رأيْتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اسْتَكْمَل صيامَ شهرٍ قطُّ إلا رمضَانَ، ومَا رَأَيْتُهُ في شهرٍ أَكْثر مِنْهُ صياماً في شَعبان" مُتّفقٌ عَلَيْه واللفظ لمسلم. فيه دليل على أن صومه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن مختصاً بشهر دون شهر، وأنه يسرد الصوم أحياناً والفطر أحيانا ولعل ذلك من كثرة الأشغال وقلتها، وفيه دليل على أنه كان يخص شعبان بالصوم أكثر من غيره. 649- وعنْ أَبي ذرٍّ - رضي الله عنه - قال: "أمَرَنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَصُوم من الشهر ثلاثةَ أَيّامٍ: ثلاثَ عَشْرةَ وأَرْبعَ عَشْرَةَ وخمسَ عَشْرَة" رواه النسائيُّ والتِّرمذيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ. الحديث دليل على استحباب صيام أيام البيض، ويكفي عنها ثلاثة أيام من أول الشهر أو من آخره. وأخرج أبو داود والنسائي من حديث حفصة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم في كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى". 650- وَعَنْ أَبي هُرَيْرة - رضي الله عنه - أَنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "لا يَحِلُّ للمرْأَةِ أَنْ تصومَ وزوْجُها شاهدٌ إلا بإذْنِهِ" مُتفقٌ عَلَيْهِ واللفظ للبخاريِّ زَادَ أَبو داود: "غَيْرَ رَمضانَ". الحديث دليل على أنه يحرم على المرأة صيام التطوع إلا بإذن زوجها إذا كان حاضراً. 651- وَعَنْ أَبي سعيد الْخُدرِيِّ - رضي الله عنه - "أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ صيام يَوْمَيْن: يَوْم الْفطْر وَيَوْمِ النّحْر" مُتّفقٌ عَلَيْهِ. الحديث دليل على تحريم صيام عيد الفطر وعيد النحر، وهو إجماع. 652- وَعَنْ نُبَيْشةَ الهُذَليِّ - رضي الله عنه - قالَ: قال رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيام التشريق أَيّامُ أَكْل وشُرْبٍ وذكرِ لله عَزَّ وَجَلَّ" رواهُ مُسْلمٌ. الحديث دليل على كراهية صيام أيام التشريق، وهي ثلاثة بعد يوم النحر. 653- وعن عائشةَ وابن عُمَر - رضي الله عنهم - قالا: "لم يُرَخَّصْ في أَيّام التّشريقِ أَنْ يُصَمْنَ إلا لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ" رَواه البُخاريُّ. الحديث دليل على جواز صيام أيام التشريق للمتمتع والقارن إذا عدم الهدي، لقوله تعالى: ï´؟ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ï´¾ [البقرة: 196]. 654- وعَن أَبي هُريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تخُصُّوا ليْلةَ الْجُمُعةِ بقيامٍ منْ بين الليالي، ولا تُخصُّوا يومَ الجُمُعة بصيامٍ منْ بين الأيام إلا أن يكونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحدُكم" رواهُ مسلمٌ. الحديث دليل على كراهة تخصيص ليلة الجمعة بصلاة غير معتادة، وتخصيص يومها بصيام منفرداً. 655- وعنهُ أَيضاً - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصومَنَّ أَحدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعْةِ إلا أَنْ يَصُومَ يوْماً قَبْلهُ أَوْ يَوْماً بَعْدهُ" مُتّفقٌ عَلَيه. الحديث دليل على جواز صوم يوم الجمعة إذا صام يوماً قبله أو يوماً بعده، وعن جويرية - رضي الله عنها -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم جمعة وهي صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تصومين غداً، قالت: لا، قال: فأفطري" رواه البخاري. 656- وَعَنْهُ أَيضاً - رضي الله عنه - أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "إذا انْتصفَ شعبانُ فلا تصومُوا" رواه الخمْسةُ واستنْكرَهُ أَحْمَدُ. الحديث دليل على كراهة الصوم في شعبان بعد انتصافه إلا أن يوافق صوماً معتاداً. 657- وعن الصَّمّاءِ بنتِ بُسْر - رضي الله عنها - أَنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السبّتِ إلا فيما افْتُرض عليكمْ، فإن لم يجد أَحدُكم إلا لحاءَ عِنَبٍ أَوْ عودَ شَجرَةٍ فَلْيَمضُغْها" رواهُ الخمسةُ ورجالهُ ثِقاتٌ إلا أنّهُ مُضْطَربٌ وقد أنكره مالكٌ وقال أبو دود هو مَنْسُوخٌ. 658- وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضي الله عنها - أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان أَكْثر ما يَصُومُ من الأيامِ يَوْمُ السّبْتِ وَيْومُ الأحدِ. وكانَ يقُولُ: "إنهما يْوما عيدٍ للمشركين وأَنا أُريد أَنْ أُخالِفَهم"أَخرجهُ النسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ خزيمةَ وهذا لفظه. الحديث الأول يدل على كراهة إفراد السبت بالصوم، والثاني يدل على مشروعية صيام يوم السبت والأحد، قال في سبل السلام: النهي عن صومه كان أول الأمر حيث كان - صلى الله عليه وسلم - يحب موافقة أهل الكتاب، ثم كان آخر أمره - صلى الله عليه وسلم - مخالفتهم كما صرح به الحديث، وأخرج الترمذي من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخمس"، وحديث الكتاب دال على استحباب صوم السبت والأحد مخالفة لأهل الكتاب، وظاهره صوم كل على الانفراد والاجتماع انتهى. 659- وعنْ أْبي هريرة - رضي الله عنه - "أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عنْ صوم يومْ عَرَفَة بعَرَفةَ" رواهُ الخمسةُ غير الترمذي وصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ والحَاكِمُ، واسْتَنْكَرَهُ العُقَيْلِيُّ. الحديث دليل على كراهة صوم يوم عرفة بعرفة لأنه يضعف عن الدعاء في هذا الموقف، وصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في حجته مفطراً بعرفة. 660- وعنْ عبد الله بنِ عَمْرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لا صامَ منْ صامَ الأبدَ" متفقٌ عَليه. 661- ولمسْلمٍ عن أَبي قتادة - رضي الله عنه - بلفظ "لا صام ولا أَفْطر". الحديث دليل على كراهة صوم الدهر، ويؤيده حديث: (لا صوم فوق صوم داود شطر الدهر، صم يوماً وأفطر يوماً)، (قوله: لا صام من صام الأبد)، قال ابن العربي: إن كان دعاء فيا ويح من دعا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعاً فكيف يكتب له ثواب؟ |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(32) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (كتاب الحج) الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، قال الله تعالى: ï´؟ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ï´¾ [آل عمران: 97]. والسبيل: الزاد والراحلة، وقال تعالى: ï´؟ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ï´¾ [البقرة: 196]، والحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: القصد إلى البيت الحرام بأعمال مخصوصة. باب فَضْلِهِ وَبَيَانِ مَنْ فُرِضَ عَلَيْهِ 673- عَنْ أَبي هُريرة - رضي الله عنه - أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "العُمرةُ إلى العمْرة كفّارةٌ لما بَيْنَهُما، والحجُّ الْمبرورُ ليس لهُ جَزَاءٌ إلا الجنَّةُ" مُتّفقٌ عَلَيه. الحج المبرور هو الذي لا يخالطه شيء من الإثم، وفي الحديث دليل على مشروعية العمرة في كل وقت، وأنه لا كراهة في تكرارها. 674- وعَنْ عائشة - رضي الله عنها - قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ على النِّساءِ جهَادٌ؟ قال: "نَعَمْ عَليهنَّ جهادٌ لا قتالَ فيه: الحجُّ والعُمرةُ" رواهُ أحمد وابنُ مَاجَهْ واللفظ له وإسْنادُهُ صحيحٌ، وأَصْلُهُ في الصحيح. (قوله وأصله في الصحيح) أراد بذلك ما أخرجه البخاري من حديث عائشة أنها قالت: "يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور" والحديث دليل على أن الحج والعمرة يقومان مقام الجهاد في حق النساء. 675- وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: أَتى النبي - صلى الله عليه وسلم - أَعرابيٌّ فقال: يا رسولَ اللهِ أَخبرني عن الْعُمْرَةِ أَواجبةٌ هي؟ فقال: "لا وأَنْ تَعْتمر خيرٌ لكَ" رواهُ أحمد والتِّرمذيُّ والراجحُ وقفُهُ. وأَخرجهُ ابنُ عديَ من وجْهٍ آخر ضعيف. 676- عن جابر - رضي الله عنه - مرفوعاً: "الحَجُّ والعمرة فريضتان". اختلف العلماء في وجوب العمرة والصحيح أنها تجب على من يجب عليه الحج لقول الله تعالى: ï´؟ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ï´¾ وقال ابن عباس: إنها لقرينة الحج في كتاب الله، وقال عطاء: ليس أحد من خلق الله إلا عليه حج وعمرة واجبان لا بد منهما لمن استطاع إليهما سبيلاً إلا أهل مكة فإن عليهم حجة وليس عليهم عمرة من أجل طوافهم بالبيت. 677- وعنْ أَنَس - رضي الله عنه - قال: قيل: يا رسُولَ اللهِ ما السبيلُ؟ قال: "الزادُ والرَّاحلةُ" رواهُ الدراقطنيُّ وصحَّحَهُ الحاكم والرَّاجحُ إرسالـهُ. 678- وأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما -، وفي إِسْنِادِهِ ضَعْفٌ. الحديث دليل على أن من وجد زاداً وراحلة صالحين لمثله وجب عليه الحج لقوله تعالى: ï´؟ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ï´¾ [آل عمران: 97]. 679- وعن ابن عبّاس - رضي الله عنهما - أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لقى ركبْاً بالرَّوحاء فقال: "مَنِ الْقوْمُ؟" فقالوا: المُسلمون، فقالوا: من أنت؟ فقال: "رسولُ اللهِ" فرَفَعَتْ إليه امرأَةٌ صبياً فقالتْ أَلهذا حجٌّ: قال: "نعمْ ولكِ أَجرٌ" رواهٌ مسلمٌ. الحديث دليل على أنه يصح حج الصبي سواء كان مميزاً أم لا حيث فعل وليه عنه ما يفعل الحاج، وإلى هذا ذهب الجمهور ولكنه لا يجزئه عن حجة الإسلام، وصفة إحرام الولي عنه أن يقول بقلبه جعلته محرماً. 680- وعنهُ - رضي الله عنهما - قال: "كانَ الفَضْلُ بنُ عَبّاسٍ - رضي الله عنهما - رديفَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فجاءَت امْرأَةٌ مِنْ خثَعَم فجعل الفَضْلُ ينظُرُ إليْها وتَنْظُرُ إليهِ وجعلَ النَّبيُ - صلى الله عليه وسلم - يصْرفُ وَجْهَ الفَضْلِ إلى الشِّقِّ الآخر فَقَالت: يا رسولَ الله إن فريضة الله على عبادهِ في الحجِّ أَدْركتْ أَبي شيخاً كبيراً لا يثبتُ على الرَّاحلة أفأَحُجُّ عَنْهُ؟ قال: "نعم" وذلك في حَجّةِ الوداع. مُتّفقٌ عليه واللفظ للبخاريِّ. فيه دليل على أنه يجزئ الحج عن المكلف إذا كان مأيوساً منه القدرة على الحج بنفسه. 681- وعَنْهُ - رضي الله عنهما - أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جاءَتْ إلى النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالتْ: إنَّ أُمِّي نذرت أَنْ تحُجَّ ولم تَحُجَّ حتى ماتت أَفَأَحُجُّ عنْها؟ قالَ: "نَعَمْ حُجِّي عَنْها، أَرأَيْتِ لوْ كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضيَتَهُ؟ اقْضُوا الله فالله أَحقُّ بالْوفَاءِ" رواهُ البخاريُّ. الحديث دليل على أن الناذر بالحج إذا مات ولم يحج أجزأه أن يحج عنه ولده أو قريبه أو غيرهم لتشبيهه بالدَّين. 682- وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجّ، ثُمّ بَلَغَ الْحِنْثَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخُرَى، وأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ والبيهقيُّ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلا أَنَّهُ اخْتُلِف فِي رَفْعِهِ، وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ مُوْقُوفٌ. الحديث دليل على أن حجة الإسلام تلزم الصبي إذا بلغ، والعبد إذا أُعتق وأن الحج قبل ذلك لا يجزئهما عن الفريضة. 683- وَعَنْهُ - رضي الله عنهما - قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُ يَقُولُ: "لا يَخْلُونَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تسَافِرُ المَرْأَةُ إِلا مَعَ ذِي محْرَمٍ"، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إنَّ امْرأَتِي خَرجَتْ حَاجَّةً، وَإنِّي اكْتُتِبتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكذا، فَقَالَ: "انْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ واللفظُ لمُسلمٍ. الحديث دليل على تحريم الخلوة بالأجنبية وهو إجماع، وفيه دليل على تحريم سفر المرأة من غير محرم، وفيه دليل على أنه لا يجب الحج على المرأة إلا إذا كان لها محرم. 684- وَعَنْهُ - رضي الله عنه - أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَمِع رَجُلاً يقولُ: لبيَّكَ عنْ شُبرُمَةَ، قال: "مَنْ شُبرمةُ؟" قال: أَخٌ لي أَو قريب لي، فقال: "حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟" قال: لا. قال: "حُجَّ عنّ نَفْسِكَ ثمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمةَ" رواهُ أَبو داود وابن ماجه وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والراجح عند أحمد وَقْفُهُ. الحديث دليل على أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه. 685- وعَنْهُ - رضي الله عنه - قالَ: خَطَبَنَا رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنَّ الله كتب عليكمُ الحَجَّ" فقامَ الأقرع بن حابس فقال: أَفي كلِّ عامٍ يا رسولَ الله؟ قال: "لَوْ قُلتُها لوجبت، الحَجُّ مَرَّة، فما زاد فَهُو تطوُّعٌ" رواهُ الخمْسةُ غيْر الترمذي. وأَصْلُهُ في مسلم من حديث أَبي هُريْرةَ. الحديث دليل على أنه لا يجب الحج إلا مرة واحدة في العمر على كل مكلف مستطيع وبالله التوفيق. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(33) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك (كتابُ المَوَاقِيتِ) 686- عن ابن عبّاسٍ - رضي الله عنهما - "أنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقّتَ لأهْل المدينة ذا الحُلَيْفة، ولأهل الشَّام الجُحْفة، ولأهل نجد قرْن المنازلِ، ولأهْل اليمن يَلَمْلَم؛ هُنَّ لَهُنَّ ولمن أَتى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرهِنَّ ممنْ أَراد الحجَّ أو العُمْرة، ومنْ كان دون ذلك فمن حَيْثُ أَنْشأَ حتى أَهْلُ مكة من مكة" مُتَّفقٌ عليه. • (قوله: هن لهن): أي المواقيت للبلدان المذكورة والمراد أهلها، وفي رواية: "هن لهم"، (قوله: ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة): أي هي أيضاً مواقيت لمن أتى عليها قاصداً لأحد النسكين وإن لم يكن من أهل تلك الآفاق المعينة فإذا ورد الشامي مثلاً إلى ذي الحليفة فإنه يجب عليه الإحرام منها ولا يتركه حتى يصل الجحفة، فإن أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، (قوله: ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة) فيه دليل على أن من كان بين الميقات ومكة أنه يحرم من منزله، وأن أهل مكة يحرمون منها سواء كان من أهلها أو من المجاورين أو الواردين، وقال ابن عباس: من أراد من أهل مكة أن يعتمر خرج إلى التنعيم ويجاوز الحرم، قال أحمد: العمرة بمكة من الناس من يختارها على الطواف ومنهم من يختار المقام بمكة والطواف. 687- وعَنْ عائشة - رضي الله عنها - "أن النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - وقَّتَ لأهْل العِرَاق ذاتَ عِرقٍ" رواه أَبوداود والنَّسَائِيُّ. 688- وأَصلهُ عِنْدَ مُسلم مِنْ حديث جابر - رضي الله عنه - إلا أنَّ راوِيَهُ شكَّ في رَفْعهِ. 689- وفي صحيح البُخاريِّ أَنَّ عُمَرَ هو الذي وَقَّت ذات عِرْقٍ. 690- وعند أحمد وأَبي داودَ والترمذيِّ عن ابن عبّاس - رضي الله عنهما -: "أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقّت لأهل المشرقِ العَقِيقَ". • (قوله: وقت لأهل العراق ذات عرق) قال الحافظ: سمي بذلك لأن فيه عرقاً وهو الجبل الصغير وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء، بينها وبين مكة مرحلتان وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة، قال: العقيق المذكور هنا واد يتدفق ماؤه في غور تهامة، قال في سبل السلام: والعقيق يعدّ من ذات عرق، قال ابن عبدالبر: أجمع أهل العلم على أن إحرام أهل العراق من ذات عرق إحرام من الميقات، قال الموفق: ومن لم يكن طريقه على ميقات فإذا حاذى أقرب المواقيت إليه أحرم. انتهى وبالله التوفيق. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(34) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب وُجُوهِ الإِحْرَامِ وَصِفَتِهِ • المراد بوجوه الإحرام أنواعه، وهو الإحرام بالحج، أو العمرة أو مجموعهما. 691- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عامَ حَجّةِ الوداع فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بعُمْرةٍ، ومنَّا مَنْ أَهَلَّ بحَجٍّ وَعُمْرةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بحجٍّ، وَأَهَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالحجِّ فَأَمّا مَنْ أَهلّ بعُمْرةٍ فَحَلَّ، وأَمّا مَنْ أهَلّ بحَجٍّ أوْ جمعَ بين الحجِّ والعُمْرةِ فلمْ يَحِلُّوا حتى كان يوْمُ النحر" مُتّفقٌ عليه. الإهلال: رفع الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام؛ والأنساك ثلاثة أنواع: التمتع، والقران، والإفراد، فالتمتع هو الاعتمار في أشهر الحج ثم التحلل من تلك العمرة والإهلال بالحج في تلك السنة، والقران أن يحرم بالحج والعمرة معاً أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها بالحج، والإفراد أن يحرم بالحج مفرداً، قولها: (وأهلّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج) أي في أول إحرامه ثم أدخل عليه العمرة حين أتى الوادي وقيل له: قل: عمرة في حجة، ولهذا قالت له حفصة: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر، قال الحافظ: والذي تجتمع به الروايات أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قارناً بمعنى أنه أدخل العمرة على الحج بعد أن أهلّ به مفرداً لا أنه أول ما أهل أحرم بالحج والعمرة معاً. (قولها: فأما من أهلّ بعمرة فحل) أي حين قدم مكة وطاف وسعى وقصر، (قولها: وأما من أهل بحج أو جمع بين الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر) أي الذين ساقوا الهدي لحديث جابر: "أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالحج" الحديث وفيه: "فأمرهم أن يجعلوها عمرة فيطوفوا ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر؟ فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت"، وفي هذا الحديث دليل على جواز فسخ الحج إلى العمرة، وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض؛ ويجعلون المحرم صفراً ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر، قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه صبيحة رابعة من ذي الحجة مهلين بالحج فأمرهم أن يجعلوها عمرة فقالوا: يا رسول الله أيّ الحل؟ قال: الحل كله" متفق عليه. ويجب على المتمتع والقارن دم لقوله تعالى: ï´؟ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ï´¾ الآية، قال الموفق: ولو ساق المتمتع هدياً لم يكن له أن يحل، والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة، قال في الشرح الكبير: إذا كان مع المفرد والقارن هدي فليس له أن يحل من إحرامه ويجعله عمرة بغير خلاف علمناه انتهى، واختلف العلماء أي الأنساك أفضل؟ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل، ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلده سفراً فالإفراد أفضل له، وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة. انتهى والله أعلم. |
رد: مختصر الكلام على بلوغ المرام
مختصر الكلام على بلوغ المرام(35) الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك باب الإِحْرَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الإحرام: الدخول في النسك والتشاغل بأعماله 692- عن ابن عُمر - رضي الله عنهما - قال: "مَا أَهَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إلا من عِنْد المَسْجد" متّفقٌ عليه. • الحديث يدل على أن الأفضل أن يحرم من الميقات لا قبله. وأخرج أبو داود والحاكم من حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - لما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أهل بالحج حين فرغ منهما فسمع قوم فحفظوه فلما استقلت به راحلته أهلّ وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوا في المرة الأولى فسمعوه حين ذلك فقالوا: إنما أهلّ حين استقلت به راحلته، ثم مضى لما علا على شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم لم يشهدوه فنقل كل كما سمع. 693- وَعَنْ خلاَّد بن السّائبِ عَنْ أَبيه - رضي الله عنه - أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَتاني جبريلُ فأَمرني أَن آمُرَ أصحابي أَنّ يرْفعُوا أَصواتَهُم بالإهْلاَل" رواه الخمسة وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ. • الحديث دليل على استحباب رفع الصوت بالتلبية. 694- وعنْ زيد بن ثابت - رضي الله عنه - "أَنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تجرَّد لإهلالِهِ واغتسل" رواه الترمذي وحسّنهُ. • الحديث دليل على استحباب الاغتسال عند الإحرام. 695- وعن ابن عُمر - رضي الله عنهما - أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سئل عَمَّا يلبس المُحِرم من الثِّياب؟ قال: "لا يَلْبَسُ القَمِيصَ ولا العمائمَ ولا السَّرَاويلات ولا البرَانِسَ ولا الخِفَاف إلا أَحدٌ لا يجد نَعْلَيْنِ فَليَلْبس الخُفَّين ولْيقطَعهما أَسْفل من الكعبين، ولا تلبَسُوا شيئاً من الثِّيابِ مَسّهُ الزَّعْفرانُ ولا الْوَرْسُ" مُتّفقٌ عليهِ واللفظ لمسلم. • قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وأجزله لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا أي ويلبس ما سواه، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران والورس، وقال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطي الرأس به مخيطاً أو غيره، وبالخفاف على كل ما يستر الرجل، قال الحافظ: والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن فأما لو ارتدى بالقميص مثلاً فلا بأس، قال العلماء: والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب البعد عن الترفه والاتصاف بصفة الخاشع وليتذكر بالتجرد القدوم على ربه فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات انتهى، قال في الاختيارات: ويجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها بملاصق خلا النقاب والبرقع، ويجوز عقد الرداء في الإحرام ولا فدية انتهى. 696- وعَنْ عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: "كُنْتُ أُطيِّبُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - لإحرامهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرمَ ولحلِّه قبل أن يطوفَ بالبيت" مُتفقٌ عليه. • الحديث دليل على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام وهو قول الجمهور، وفيه استحباب الطيب بعد التحلل الأول. 697- وعن عثمان بن عفانَ - رضي الله عنه - أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يَنْكِحُ المُحْرم ولا يُنْكِحُ ولا يَخْطُبُ"رواهُ مُسْلمٌ. • الحديث دليل على تحريم العقد على المحرم لنفسه ولغيره وتحريم الخطبة كذلك ولا فدية. 698- وعنْ أَبي قَتَادة الأنصاري - رضي الله عنه - في قِصَّة صَيْدِهِ الحمارَ الوَحْشيَّ وَهُوَ غيرُ مُحرم قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابهِ وكانوا مُحْرمين: "هَلْ مِنْكمْ أَحَدٌ أَمرَهُ أَوْ أَشارَ إليْه بشيءٌ؟" قالوا: لا، قال: "فكُلُوا ما بقيَ من لحْمِه" متفقٌ عَلَيْهِ. • الحديث دليل على جواز أكل المحرم لصيد البر إذا صاده غير محرم ولم يكن منه إعانة على قتله بشيء وهو قول الجمهور. 699- وَعَن الصَّعب بن جَثّامة الليثي - رضي الله عنه - أَنّهُ أَهْدَىِ لرسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حماراً وحْشياً وهو بالأبواءِ أو بِوَدَّانٍ فردَّهُ عليه، وقال: "إنّا لمْ نُردُّهُ عليك إلا أَنّا حُرُم" مُتّفقٌ عليه. • الحديث دليل على أنه لا يحل لحم الصيد للمحرم مطلقاً، وقال الشافعي: إن كان الصعب أهدى للنبي - صلى الله عليه وسلم - الحمار حياً فليس للمحرم ذبح حمار وحشي، وإن كان أهدى لحم حمار فيحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - قد فهم أنه صاده لأجله انتهى، والجمع بين الحديثين ما رواه جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو يصد لكم) أخرجه أصحاب السنن. 700- وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "خمسٌ من الدوابِّ كُلُّهُنَّ فَوَاسِقُ يُقْتلنَ في الحلِّ والحرَمِ: الْعقربُ والحدَأَةُ والغُرابُ والفأرةُ والكلبُ العقور" متّفقٌ عليه. • الحديث دليل على جواز قتل الفواسق المذكورات في الحرم وللمحرم لما فيها من الأذى ولا فدية، قال ابن المنذر: لا نعلم اختلفوا في جواز قتل العقرب، وقال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها، وفي رواية ومن يشك فيها، وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم مثل الأسد والنمر والفهد والذئب هو العقور. 701- وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - "أَنَّ النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - احتجمَ وهُوَ مُحْرمٌ" مُتّفَقٌ عليه. • الحديث دليل على جواز الحجامة للمحرم، قال في سبل السلام: وهو إجماع في الرأس وغيره إذا كان لحاجة فإن قلع من الشعر شيئاً كان عليه فدية الحلق وإن لم يقلع فلا فدية عليه، وقد نبه الحديث على قاعدة شرعية وهي أن محرمات الإحرام من الحلق ونحوه تباح للحاجة وعليه الفدية وعليه دل قوله تعالى: ï´؟ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ï´¾ [البقرة: 196]، انتهى ملخصاً. 702- وعن كعب بن عُجْرة - رضي الله عنه - قال: حُمِلْت إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والقَمْلُ يتناثرُ على وجْهِي فقالَ: "ما كُنْتُ أُرى الوَجَع بلغَ بك ما أرى أتَجِدُ شاةً؟" قلتُ: لا، قال: "فَصُم ثلاثة أَيّام أَوْ أَطْعمْ سِتّةَ مساكينَ لكُلِّ مسكين نصفُ صاع" متفقٌ عليه. • قال ابن عبد البر: فيه إشارة إلى ترجيح الترتيب لا إيجابه، قال ابن التين وغيره: جعل الشارع هنا صوم يوم معادلاً بصاع، وفي الفطر في رمضان عدل مد وكذا في الظهار والجماع في رمضان وفي كفارة اليمين بثلاثة أمداد وثلث، وفي ذلك أقوى دليل على أن القياس لا يدخل في الحدود والتقديرات. 703- وعن أَبي هُريرة - رضي الله عنه - قال: لمّا فتح اللهُ على رسولهِ - صلى الله عليه وسلم - مكّة قام رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في النّاس فحَمِدَ الله وأَثنى علَيْهِ ثم قال: "إنَّ الله حَبَس عنْ مَكّةَ الفيل وسلّطَ عليها رسُولَـهُ والمؤمنِين، وإنها لم تَحِلَّ لأحد كان قبلي، وإنّما أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار، وإنها لن تَحِلَّ لأحدٍ بَعْدي، فلا يُنْفّرُ صَيْدُها، ولا يُخْتَلى شَوْكُها، ولا تَحِلُّ ساقطَتُها إلا لمُنْشدٍ، ومن قُتل لـهُ قتيلٌ فَهُوَ بخير النَّظَرينِ". فقال العباس: إلا الإذْخر يا رسولَ اللهِ فإنّا نجعلُهُ في قبورِنا وبيوتِنا فقال: "إلا الإذْخِرَ" متفقٌ عليه. • الجمهور على أن مكة فتحت عنوة، والحديث دليل على أنه لا يحل القتال بمكة، قال الماوردي: من خصائص الحرم أنه لا يحارب أهله وإن بغوا على أهل العدل، وقالت طائفة بجوازه، وفي الحديث دليل على تحريم صيدها وبالأولى تحريم قتله، وعلى تحريم قطع شوكها ويفيد تحريم قطع ما لا يؤذي بالأولى، واتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لم ينبتها الآدميون في العادة، وعلى تحريم قطع خلاها وهو الرطب من الكلأ إلا الإذخر، وفيه دليل على أنها لا تحل لقطتها إلا لمن يعرّف بها أبداً ولا يتملكها، (قوله: ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين) أي مُخير بين القصاص والدية. 704- وعنْ عبد الله بن زيد بن عاصم - رضي الله عنه - أَنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنَّ إبراهيم حرَّمَ مَكّة ودعا لأهْلِها وإني حَرَّمْتُ المدينةَ كمَا حَرَّم إبراهيمُ مَكّة، وإني دعْوتُ في صَاعِها ومُدِّها بمثِلْي ما دعا به إبراهيمُ لأهل مكّة" متفقٌ عليه. • الحديث دليل على فضل المدينة، وأنها حرام. 705- وعن عليِّ بن أَبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "المدينةُ حَرَامٌ ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْر" رواه مُسلمٌ. • قيل: إن خلف أحد عن شماله جبلاً صغيراً مدوراً يسمى ثوراً يعرفه أهل المدينة، قال في القاموس: وعير وثور مكتنفان المدينة، قال الموفق: ويحرم صيد المدينة وشجرها وحشيشها إلا ما تدعو الحاجة إليه من شجرها للرحل والعارضة والقائمة ونحوها، ومن حشيشها للعلف، ومن أدخل إليها صيداً فله إمساكه وذبحه ولا جزاء في صيد المدينة وعنه جزاؤه سلب القاتل لمن أخذه وحدّ حرمها ما بين ثور إلى عير وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى انتهى والله أعلم. |
| الساعة الآن : 02:45 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour