دروس رمضانية
السحور (من دروس رمضان وأحكام الصيام) الشيخ أحمد علوان للأئمة والدعاة الحمد لله ولي التوفيق، ومهدي من استهداه لأقوم الطريق، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ، سيد الداعين وإمام الهادين، ورضي الله عن أصحابه الغرِّ الميامين، وبعد... فإننا سنعيش في هذا اللقاء، ولمدة ثمانية لقاءات، مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي يومه من سحوره مروراً بصلاة الفجر وصلاة الضحى والصلوات الخمس والمحافظة على النوافل وذكر الله، وقراءة القرآن إلى تناول الفطور والدعاء عنده، وختاماً بصلاة التراويح ثم السمر والحديث مع الأهل. ويأتي اللقاء الأول مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، والحديث عن السحور، حيث كان يبدأ يومه في رمضان بحرصه على تناول وجبة السحور، حيث رغب فيها، فكما جاء عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلم: [السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ][1]. وسمَّى رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم السحورَ غذاءً مباركًا، يقول عِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَة، دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: «هَلُمَّ إِلَى هَذَا الْغِذَاءِ الْمُبَارَكِ»[2]. كما أن السحور بركة أعطانا الله إياها، فعن عَبْدِ الله بْنِ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَلَا تَدَعُوهُ»[3]. وقفة!!! لك أن تتخيل وأنت تجلس على الطعام، ونويت به أن يقويك على الصيام، ففي طعامك بركة، ولو كان قليلاً، ثم أزيدك من الشعر بيتاً، أن الله وملائكته يصلون عليك وأنت تتسحر.. ما هذا النعيم من رب العالمين!!... فهل بعد تلك الأُجور.. تترك السَّحُور؟! بَيْنَ السحور والفجر: لقد نقل لنا صحابة رسول الله رضي الله عنهم المدة بين سحوره وصلاة الفجر، كما دار في هذا الحديث الذي جاء فيه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ: «تَسَحَّرَا فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا، قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الصَّلاَةِ، فَصَلَّى»، قُلْنَا لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدُخُولِهِمَا فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: «قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً»[4]. إِنَّ مما نقله الصحابة رضي الله عنهم أنَّ بين سحوره صلى الله عليه وسلم وبين صلاة الفجر قدر قراءة خمسين آية من القرآن الكريم، أي ما يعادل: (عشر دقائق)، ويستفاد من الحديث استحباب تأخير السحور، وليس معناه أن الصائم يُمسك عن الطعام قبل الأذان بعشر دقائق، لكن له أن يأكل حتى يؤذن للفجر. يقول الإمام النووي-رحمه الله-: [ اتفق أصحابنا وغيرهم من العلماء على أن السحور سنة، وأن تأخيره أفضل، وعلى أن تعجيل الفطر سنة بعد تحقق غروب الشمس، ودليل ذلك كله الأحاديث الصحيحة، ولأن فيهما إعانة على الصوم، ولأن فيهما مخالفة للكفار ][5]. ويؤكده أيضاً ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم:[لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ مَا أَخَّرُوا السَّحُورَ، وَعَجَّلُوا الْفِطْرَ ][6]. وكان للفجر أذانان الأول لبلال، والثاني لابن مكتوم-رضي الله عنهما-، فعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، أَنَّ بِلاَلًا كَانَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الفَجْرُ»[7]، وليُمسك عن الطعام بمجرد الأذان؛ لأنه لا يجوز تأخير السحور إلى وقت الأذان أو بعده. وقد بَيَّنَ لنا رسولُ اللهصلى الله عليه وسلم أن السحور هو الفصل بيننا وبين أهل الكتاب، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ»[8]. فاحرص أخي الصائم على تناول السحور، واستحضر النية في سحورك، حتى يُصلي عليك ربك وتُصلي عليك ملائكته، ويكون عليك بركة من الله، واستن بسنة رسول الله، ففيها الخير والنجاة. وصيَّة عملية: لا تنس أن تترك وقتًا بين السحور وصلاة الفجر؛ لتقوم فتتوضأ وتصلي ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، فهذا وقت السحر، وهو أفضل أوقات قيام الليل، ومناجاة رب العالمين. ♦♦♦ السؤال الثاني: من هُنَّ زوجات النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى عشرة امرأة، وهن على الترتيب: 1- خديجة بنت خويلد، 2- سودة بنت زمعة، 3- عائشة بنت أبي بكر الصديق، 4-زينب بنت جحش، 5-حفصة بنت عمر، 6- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، 7- أم سلمة هند بنت أبي أمية، 8- جويرية بنت الحارث، 9- صفية بنت حيي بن أخطب، 10-ميمونة بنت الحارث، 11- زينب بنت خزيمة. فهؤلاء بنى بهن، وتوفيت منهن اثنتان: [خديجة بنت خويلد، زينب بنت خزيمة ] فيكون قدمات عن تسع. وعقد على اثنتين ولم يدخل بهما: أسماء بنت النعمان الكندية، وعمرة بنت زيد الكلابية.. وأما ملك اليمين: مارية القبطية، ريحانة بنت زيد القرظية. ♦♦♦ خاطرة ( بعد الفجر ):آداب الطعام: على المسلم أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أراد أن يفعل، فإذا أراد أن يصوم فليتعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يصوم، وإذا أراد أن يطعم فليطالع حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف كان يأكل، فأسوتنا وقدوتنا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والحديث هنا عن آداب الطعام، هي كالآتي: 1- النية الصالحة: ينبغي لكل من طلب الطعام، أو وُضع أمامه الطعام، أن ينوي لماذا أنا آكل؟ حتى يكون طعامه في ميزان حسناته، وهذا الأدب-استحضار النية-مطلوب قبل أي عمل. 2- أكل الحلال: وهذه وصية الله عز وجل لأنبيائه ورسله*، فقال تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ï´¾ [المؤمنون: 51]. ووصيته للمؤمنين، ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ï´¾ [البقرة: 172]. فاعلم أيها المؤمن أن من الواجب عليك أن تتحرى الحلال في مطعمك ومشربك وملبسك، وفي كل أمور حياتك، وشتى تحركاتك، ومختلف اتجاهاتك، فربك طيب لا يقبل الطيب. 3- تجنب الأكل في أواني الذهب والفضة: إن ديننا حرم علينا سبل الإسراف والتبذير، واستعمال أواني الذهب والفضة في الطعام يعد من قبيل الإسراف، غير أننا نُهينا عن الأكل والشرب فيها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَلْبَسُوا الحَرِيرَ وَلاَ الدِّيبَاجَ، وَلاَ تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَلاَ تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَنَا فِي الآخِرَةِ»[9]. 4- أَجِب الدعوة: فمن حق المسلم على أخيه المسلم أن يجيب الدعوة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ» قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ»[10]. 5- عدم الإسراف: فإن الله سبحانه وتعالى نهانا عن الإسراف في الطعام والشراب، فقال ربنا: ï´؟ وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ï´¾ [الأعراف: 31]. والنبي صلى الله عليه وسلم قال:«مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، حَسْبُ الْآدَمِيِّ، لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ غَلَبَتِ الْآدَمِيَّ نَفْسُهُ، فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ، وَثُلُثٌ لِلشَّرَابِ، وَثُلُثٌ لِلنَّفَسِ»[11]. وقال سول الله صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ»[12]. 6- الاجتماع على الطعام: فديننا يعلمنا الجماعة حتى في الطعام، وهذا لا شك يجلب البركة لأصحابها، فقد جاء أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، قَالَ: «فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ»[13]. 7- اغسل يدك قبل الأكل وبعده: وفي هذا دلالة كبيرة على الاهتمام بصحة الإنسان، بأن يغسل يديه قبل الأكل وبعد أن يفرغ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ، وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ»[14]. 8- المؤمن لا يعيب طعاماً: على المسلم أن يقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم في ألا يعيب الطعام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: «مَا عَابَ رَسُولُ اللهِصلى الله عليه وسلم طَعَامًا قَطُّ، كَانَ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ»[15]. 9- سَمِّ الله وكل بيمينك: من السنة قبل كل فعل، أن تبدأ ببسم الله، فهي البركة، وكل عمل لا يبدأ فيه بالبسملة، فهو مبتور ومقطوع، فسَمِّ الله قبل الطعام، وقل: ( بسم الله )، ولا تخالف في ذلك، فتقول: ( بسم الله الرحمن الرحيم )، فقد أمرنا أن نتبع ونهينا أن نبتدع، فالزم السنة، فإذا نسيَ أن يُسمَّيَ في أوله، جاز له أن يُسمي متى تذكَّر، فقد جاء عَنْ عَائِشَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ»[16]. جاء عن عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: كُنْتُ غُلاَمًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلم:«يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»[17]. وليحذر مخالفة السنة، فقد يأتي البعض-على سبيل المثال-، وفي إحدى يديه كوب الشرب، وفي الأخرى بسكويت أو قطعة من الكيك، فيأكل باليمين، ثم يرفع الشرب بالشمال، هو مخالف للسنة، فالسنة أن تأكل باليمين ثم تشرب باليمين، وقد يفعل من يزعمون الإتيكيت، فيمسك الملعقة بشماله والسكين أو الشوكة بيمينه، فيقطع اللحم باليمين، ويرفع اللقمة بشماله، كل هذه مخالفات، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على رجل تكبر عنده على الأكل باليمين، جاء عن سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ[18]. 10- الأكل من جوانب الصحفة: فما أجمل السنة النبوية، ومنها أن الإنسان إذا أكل فليأكل من الجوانب ولا يأكل من حافة الصحفة أو جانبها، فكما سبق في حديث عمر بن سلمة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمه أن يأكل مما يليه، ويؤكد ذلك ما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّهُ قَالَ:«كُلُوا فِي الْقَصْعَةِ مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا»[19]. 11- التقط الطعام الساقط على الأرض: لقد حرص ديننا أن نحافظ على كل شيء، حتى ما يسقط من الإنسان عند الطعام، فليأخذه ولا يتركه ما استطاع إلى ذلك، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:«إِذَا وَقَعَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ بِالْمِنْدِيلِ حَتَّى يَلْعَقَ أَصَابِعَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ الْبَرَكَةُ»[20]. 12- أطعم زوجتك: إنه الحنان النبوي، والذوق الإسلامي، أن يضع الزوج زوجته بيده، فإن فعل فله بذلك أجر، وكتبت له صدقة، فمما أوصى به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سعدَ بن أبي وقاص رضي الله عنه قائلاً:«...وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ...»[21]. 13- ماذا تفعل لو وقع الذباب؟ عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً»[22]. 14- احْمَد الله بعد الطعام: فالحمد لله بعد الاستيقاظ، والحمد له بعد الطعام، والحمد له بعد الشراب، والحمد له بعد اللباس، والحمد في كل حال، والأدعية بعد الطعام، متنوعة ومتعددة، أذكر بعضها، وخذ منها ما شئت: عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ»[23]. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ - وَقَالَ مَرَّةً: إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ - قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَفَانَا وَأَرْوَانَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مَكْفُورٍ»وَقَالَ مَرَّةً: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّنَا، غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلاَ مُوَدَّعٍ وَلاَ مُسْتَغْنًى، رَبَّنَا»[24]. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا رُفِعَتِ المَائِدَةُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَقُولُ: «الحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا»[25]. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أن رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ،..."[26]. عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ رَجُلٌ خَدَمَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِ سِنِينَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم إِذَا قُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامُهُ يَقُولُ: "بِسْمِ اللهِ"، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: "اللهُمَّ أَطْعَمْتَ وَأَسْقَيْتَ، وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ، وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ"[27]. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا، وَسَقَانَا، وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ»[28]. 15- اُدْع لصاحب الطعام: فمن باب شكر الآخرين، فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنك إذا طعمت عند أحد من الناس، فادع له بالخير والبركة، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَجَاءَ بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَأَكَلَ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الْأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ»[29]. 16- اجتنب الثوم والبصل قبل الصلاة: لا مانع شرعاً من أكل البصل والثوم بوجه العموم، لكن احذرهما إذا أردت الصلاة، فإذا كان وقت الصلاة قريبًا، فلا تأكلهما، أو إذا أكلت أحدهما، وجب عليك أن تُذهب أثرهما، حتى لا تؤذي الآخرين برائحة فمك، ولا تتأذى منك الملائكة، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا، أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا، وَلْيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ»[30]. دخلت أحد المساجد، فرأيت رجلاً يقف منفردًا في مؤخرة المسجد، وترك الصفوف المتقدمة، فلما فرغنا من الصلاة، سلمت عليه وسألته: لمَ لمْ تُصلِّ بجوارنا في الصفوف؟ فأجابني: لأنني أكلت البصل قبل الصلاة، فالذي دفعه للمخالفة وترك الصفوف، هو أنه خالف فأكل المحذور، دعني أقول: إن كنت حريصًا على عدم أذى الناس، فقد آذيت الملائكة، فهي تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. 17- لا تنم بعد الأكل مباشرة: فتلك ظاهرةٌ غير صحيةٍ، وهي أن يتعمد البعض أن ينام بعد الأكل مباشرة، وهذا يضر بجسم الإنسان، وقد حذَّر الأطباء من ذلك، بل أشار إليه قبلهم، طبيبُ القلوب صلى الله عليه وسلم حيث جاء عَنْ السيدة عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَا قُلُوبُكُمْ»[31]. ♦♦♦ درس الفقه: أنواع الصيام: الصوم أنواع: واجب، وحرام، ومكروه، وتطوع[32]: نتعرف أولاً على الأحكام التكليفية والتي تَنقسِم إلى خمسة أقسام، وهي: الواجب، الحرام، المُباح، المندوب، والمكروه"، قال صاحب نظم الورقات[33]: والواجب المحكوم بالثوابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif في فعله، والترك بالعقابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif والندب ما في فعله الثوابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولم يكن في تركه عقابُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وليس في المُباح من ثوابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فعلاً وتَركًا بل ولا عِقابِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وضابطُ المَكروه عكسُ ما نُدب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كذلك الحرام عَكسُ ما يَجبِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تعريف الواجب: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه. والصيام الواجب، ثلاثة أقسام: الأول: ما يجب للزمان نفسه وهو صوم شهر رمضان. الثاني: ما يجب لعلة وهو صيام الكفارات، ومثاله: [ كفارة اليمين-صيام ثلاثة أيام-، كفارة الظهار، القتل الخطأ، الجماع في نهار رمضان]. الثالث: ما يجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه، وهو صيام النذر. النوع الثاني: الصوم الحرام: تعريف الحرام: هو ما يُثاب تاركه امتثالاً، ويَستحِقُّ العقابَ فاعلُه. عند الجمهور أو المكروه تحريماً عند الحنفية: وأنواع الصوم الحرام هي: أولاً: صيام المرأة نفلاً بغير إذن زوجها وهو حاضر: إلا إذا لم يكن محتاجاً لها كأن كان غائباً أو محرماً بحج أو عمرة أو معتكفاً، لما جاء عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَصُومُ المَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ»[34]، ولأن حق الزوج فرضٌ، لا يجوز تركه لنفل، فلو صامت بغير إذنه صح، وإن كان حراماً كالصلاة في دار مغصوبة، وللزوج أن يفطرها، لقيام حقه واحتياجه، وهذا الصوم مكروه تنزيهاً عند الحنفية. ثانياً: صوم يوم الشك: وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تردد الناس في كونه من رمضان، واختلفوا في حكمه، مع اتفاقهم على عدم الكراهة وإباحة صومه إن صادف عادة للمسلم بصوم تطوع كيوم. يقول عمار بن ياسر رضي الله عنه:«من صام يوم الشك، قد عصى أبا القاسمصلى الله عليه وسلم »[35]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تُقَدِّمُوا صَوْمَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَوْمٌ يَصُومُهُ رَجُلٌ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الصَّوْمَ»[36]. والخلاصة في حكم يوم الشك أنه: "مكروه عند الجمهور، ورأى أكثرهم إن صامه وكان من شهر رمضان، أن يقضي يوماً مكانه، فإن صامه لموافقته عادة له جاز الصيام حينئذ بدون كراهة، والعمل على هذا عند أهل العلم"[37]. ثالثاً: صيام يومي العيدين وأيام التشريق[38]: وهذا اتفاق بين العلماء على تحريم صيام يوم عيد الفطر وعيد الأضحى، ويُضاف إليها أيام التشريق الثلاثة-اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة-أي الثلاثة أيام التي تلي عيد الأضحى، فعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ صَوْمِ هَذَيْنِ اليَوْمَيْنِ، أَمَّا يَوْمُ الفِطْرِ فَفِطْرُكُمْ مِنْ صَوْمِكُمْ وَعِيدٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا يَوْمُ الأَضْحَى فَكُلُوا مِنْ لُحُومِ نُسُكِكُمْ»[39]. فهذا نص صريح صحيح في تحريم صيام العيدين، أما ما جاء في تحريم صيام أيام التشريق، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ يَطُوفُ فِي مِنًى «أَنْ لَا تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ، فَإِنَّهَا أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»[40]، "وأجاز أصحاب الشافعي صيام أيام التشريق، فيما له سبب، من نذر أو كفارة أو قضاء، أما ما لا سبب له، فلا يجوز فيها بلا خلاف"[41]. وعليه: يحرم صيام التطوع يوم عيد الفطر-أما اليوم الثاني لعيد الفطر فيجوز-، ويوم عيد الأضحى والأيام الثلاثة التي تليها، أما ما له سبب فجائز الصيام في أيام التشريق وليس في يومي العيدين. رابعاً: صيام الحائض والنفساء: لا يصح صيام الحائض أو النفساء، وإن صامت إحداهما فصيامها غير صحيح، وعليها قضاء ما صامته. والله أعلم يراجع كتاب: نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة. [1] مسند الإمام أحمد (11086)، حديث صحيح. [2] مصنف ابن أبي شيبة، ومسند الإمام أحمد. [3] سنن النسائي(2162)، وقال الألباني: صحيح. [4] البخاري(576). [5] انظر: المجموع، (ج6، ص360). [6] مسند الإمام أحمد(21507). [7] البخاري(1918). [8] مسلم(1096). [9] البخاري( 5426)، ومسلم(2067 ). [10] مسلم(2162). [11] الترمذي(3349)، وقال الألباني: صحيح. [12] البخاري(5393)، مسلم(2061). [13] أبو داود(3467)، وابن ماجة(3286)، وحسنه الألباني. [14] أبو داود،(3761)، والترمذي (1846) وقال الألباني: ضعيف. [15] البخاري(5409)، مسلم(2064). [16] أبو داود(3767)، الترمذي(1858). [17] البخاري(5376)، مسلم(2022). [18] مسلم(2021). [19] مسند أحمد (2439)، وإسناده صحيح. [20] مسلم (2033). [21] البخاري(2742)، مسلم(1628). [22] البخاري(3220). [23] أبو داود(4023)، والترمذي(3458)، وابن ماجة(3285)، ومسند أحمد(15632)، وحسنه الألباني. [24] البخاري(5459). [25] سنن الترمذي(34569، وقال: حسن صحيح. [26] أبو داود(3730)، والترمذي(3455)، وقال: حديث حسن. [27] مسند أحمد(16595)، وصححه الأرناؤوط. [28] أبو داود(3850)، والترمذي(3457)، وابن ماجة(3283)، وأحمد(11276). [29] أبو داود(3854)، وقال الألباني: صحيح. [30] البخاري(7359)، ومسلم(564). [31] المعجم الأوسط للطبراني(4952). [32] الفقه الإسلامي وأدلته، أ.د. وهبه الزحيلي، ( ج3، ص14 وما بعدها) باختصار. [33] لصاحبها: شرف الدين يحيى العمريطي-رحمه الله-. [34] البخاري(5192). [35] رواه أصحاب السنن الأربعة. [36] سنن أبي داود(2335)، وقال الألباني: صحيح. [37] انظر: فقه السنة(ج1،ص314)، الفقه الإسلامي وأدلته، ج3، ص17). [38] للمزيد، انظر: الفقه على المذاهب الأربعة، تأليف: عبدالرحمن الجزيري، (ج1، ص504، 505)، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ط2/1424ه=2003م. [39] سنن الترمذي(771)، وسنن ابن ماجة (1722)، وقال الترمذي: حديث صحيح. [40] مسند أحمد (10664)، حديث صحيح. [41] فقه السنة(ج1، ص313). |
رد: دروس رمضانية
أول ليلة في رمضان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الشيخ أحمد علوان الحمد لله المعروف بالإحسان، المحمود بكل لسان، عَلَّمَ الْقُرْآنَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ، والصلاة والسلام على رسول الإسلام، وهادي الأنام، أفضل من صلى وصام، ونام وقام، وطاف بالبيت الحرام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد... فقد أقبل علينا شهر من أفضل الشهور عند الله، شهر ينتظره المؤمنون كل عام، شهر الحسنات، والنفحات، والبركات، والعطاءات، من رب البريّات، شهر تتنزل فيه الرحمات من رب الأرض والسماوات، شهر تغلق فيه النيران وتفتح فيه الجنات. وهذه أول ليلة لنا من هذا الشهر، فأحسنوا استقباله، وأكرموا هلاله، وأروا الله من أنفسكم خيرًا. أحبتي في الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن أول ليلة من رمضان، تصفد فيها الشياطين، وتغلق أبواب النيران، وتفتح أبواب الجنان، فكما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَنَادَى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ»[1]. نقل الإمام ابن حجر عن الإمام القرطبي: [فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك، فالجواب أنها إنما تقل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين وهم المردة لا كُلهم، كما تقدم في بعض الروايات، أو المقصود تقليل الشرور فيه وهذا أمر محسوس، فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة والشياطين الإنسية][2]. فمن الواجب على الصائم في رمضان، أن يغتنمه، وأن يحرص على كل دقيقة، حتى يخرج منه بعتق من النيران، وقصراً في جنة الرحمن، فإذا أردت أخي الصائم أن تكون من الفائزين في رمضان، فعليك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فاقتدِ به، واهتدِ بهديه، فلو نظرنا إلى هدي حبيبنا صلى الله عليه وسلم في رمضان فهو كما وصفه الإمام ابن القيم، فقال:[وكان يخص رمضان من العبادة بما لا يخص غيره به من الشهور، حتى إنه كان ليواصل فيه أحيانا؛ ليوفر ساعات ليله ونهاره على العبادة][3]. وقد وصف الإمام ابن الجوزي شهر رمضان بهذه الكلمات، فقال: [مثل الشُّهُور الاثني عشر كَمثل أَوْلَاد يَعْقُوب عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم السَّلَام، وَشهر رَمَضَان بَين الشُّهُور كيوسف بَين إخْوَته، فَكَمَا أَن يُوسُفَ أحبُ الْأَوْلَاد إِلَى يَعْقُوب، كَذَلِك رَمَضَان أحب الشُّهُور إِلَى علام الغيوب] [4]. فاحرص على اغتنام هذا الشهر، وانظر ما هو الهدف الذي تريد أن تخرج به من رمضان، وما هو الحال الذي تحب أن تذكر به عند الله، وأي عمل تود أن ترفعه ملائكة الرحمن، فيذكرون اسمك عند الله، فيصير لك صيت وذكر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا لَهُ صِيتٌ فِي السَّمَاءِ، فَإِذَا كَانَ صِيتُهُ فِي السَّمَاءِ حَسَنًا وُضِعَ فِي الْأَرْضِ، وَإِذَا كَانَ صِيتُهُ فِي السَّمَاءِ سَيِّئًا وُضِعَ فِي الْأَرْضِ»[5]. أيها الصائم!!! جدد النية، واشحذ الهمة، وامتثل قول القائل: سأصرف همتي بالكل عما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نهاني الله من أمر المِزاح https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلى شهر الخضوع مع الخشوع https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلى شهر العفاف مع الصلاح https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يُجازى الصائمون إذا استقاموا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بدار الخلد والحور الملاح https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وبالغفران من رب عظيم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وبالملك الكبير بلا براح https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وصيَّة عملية: استقبل شهر رمضان بركعتين لله تخلو فيهما بنفسك، وتناجي فيهما ربك، وتدعوه أن يغفر لك ما مضى، حتى تستقبل الشهر وصحيفتك نقية بيضاء. ♦ ♦ ♦ السؤال الأول: من هم العشرة المبُشَّرون بالجنة؟ الجواب: [أبوبكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، علي بن أبي طالب، طلحة بن عبيدالله، الزبير بن العوام، عبدالرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، سعيد بن زيد، أبوعبيدة بن الجراح رضي الله عنهم ]. ♦ ♦ ♦ خاطرة (بعد الفجر): (آداب الصيام): وهي كالآتي: 1-إخلاص النية: فالصائم يجب عليه أن يستحضر النية التي من أجلها يصوم رمضان، حتى يأخذ الأجر كاملاً، ويحصل أعلى درجة من الثواب، فكلما أخلص عمله كلما كان هذا أرفع لدرجته عند ربه، وأرجى لقبول صومه، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ»[6]. 2- السَّحُور: من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يحافظ على تناول السحور، وحَثَّ الأمة عليه، فقال:«تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[7]،كما أن السحور هو الفصل بين صيام المسلمين وصيام أهل الكتاب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ»[8]، فمن السنة أن يتسحر المسلمون ولو على جرعة ماء أو على تمرات، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجَرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ»[9]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ»[10]. 3- تأخير السَّحُور وتعجيل الفطور: فتلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه كان يؤخر السحور قبل الفجر، ويعجل بالفطر بعد المغرب، فقد قال رَسُولَ اللَّهصلى الله عليه وسلم:«عجلوا الإفطار وأخروا السحور»[11]. 4- حفظ اللسان والجوارح: فعلى الصائم أن يحفظ لسانه، من كل لغو ورفث، وأن يجنب صومه الزلل واللمم، حتى يُرفع صومه إلى ربه ليس فيه ما ينقص أجره، فإطلاق العنان للسان في الصيام، لا شك أنه يقلل من أجر الصيام، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»[12]، وقد علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن من سابك أو نال منك وأنت صائم، فتأدب بأدب الصوم، ولا ترد عليه الإساءة بالإساءة، فقال صلى الله عليه وسلم: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ»[13]، كما عليه أن يحفظ كل جوارحه مما يخرق الصوم. 5-الفطر على رطب أو تمر أو ماء: ففيه بلا شك تهيئة للمعدة على تناول الطعام، ويقلل الجوع، ويُساعد على عدم امتلاء البطن، عن ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ»[14]. 6- عدم الإسراف في الفطور: فالمؤمن مطالب دائماً أن يحرص على التوازن في كل شيء، فإذا أكل فلا يسرف في الأكل، وإذا شرب فلا يسرف في الشراب، وعلى الصائم ألا يُكثر من الطعام عند الإفطار حتى يستطيع القيام لصلاة التراويح، ولا تتثاقل رأسه عن أداء الصلاة. 7- الدعاء عند الفطر: فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاءًا نقوله عند الإفطار، فكما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»[15]، كما أن للصائم عند فطره دعوة لا ترد،قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ»[16]. ♦ ♦ ♦ درس الفقه: تعريف الصيام، حكمة مشروعيته، أركانه، متى فرض رمضان؟ كيفية الصيام قبل الإسلام. الصوم: لغة: الإمساك. وشرعاً: الإمساك عن المُفَطِّر على وجه مخصوص من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. متى فرض صيام رمضان؟ فُرض صومُ رمضان بعد صرف القبلة إلى الكعبة لعشر من شعبان في السنة الثانية من الهجرة بسنة ونصف إجماعاً [17]. حكمة مشروعيته: شرع الله الصيام لحِكَم، منها: • تحقيق تقوى الله: قال تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 183]. • التحلي بالإخلاص: فالصائم لا يطلع على صومه إلا الله. • يساعد الصائم على التخلق بالصبر ومكارم الأخلاق. • يحقق للجسد بوجه عام، وللجهاز الهضمي بوجه خاص الصحة والعافية. • فالصيام مدرسة روحية وتربوية وصحية وخلقية. دليل مشروعيته: من القرآن الكريم، قوله تعالى: ï´؟ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ï´¾ [البقرة: 185]، ومن السنة النبوية، «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»[18]، فصيام رمضان واجب بالكتاب والسنة والإجماع، وأحد أركان الإسلام. أركان الصوم: للصوم ركنان: الركن الأول: النية: "ويشترط إيقاعها ليلاً قبل الفجر عند الجمهور، لكنها تصح عند الحنفية في الصوم المعين قبل الزوال، ومجرد التسحر من أجل الصوم يُعَدُّ نيَّة مجزئة؛ لأن السحور في نفسه إنما جُعِل للصوم، بشرط عدم رفض نية الصيام بعد التسحر، ويكون لكل يوم من رمضان نِيَّة مُسْتَقِلَّة تسبقه، وأجاز الإمام مالك صوم الشهر كله بنيَّة واحدة في أوله.أما إذا كان الصوم غير واجب فيجوز تأخير النية لما بعد الفجر، لمن لم يأت بمُفَطِّرٍ وأراد أن يكمل اليوم صائمًا تطوعًا فله ذلك"[19]. الركن الثاني: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. كيفية الصيام قبل الإسلام: يمكن تلخيص ذلك من كتاب (زاد المسير في علم التفسير)، في تعليق صاحبه على قوله تعالى: ï´؟ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 183]. فقال: "وفي الذين من قبلنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أهل الكتاب، والثاني: أنهم النصارى، والثالث: أنهم جميع أهل الملل، وفي موضع التشبيه في كاف (كَما كُتِبَ) قولان: أحدهما: أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده، والثاني: أن التشبيه في عدد الأيام، ثم في ذلك قولان: أحدهما: أنه فرض على هذه الأمة صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقد كان ذلك فرضاً على من قبلهم، والثاني: أنه فرض على من قبلنا صوم رمضان بعينه، قال ابن عباس: فقدم النصارى يوماً ثم يوماً، وأخَّروا يوماً، ثم قالوا: نقدم عشراً ونؤخر عشراً، وقال السُّدي عن أشياخه: اشتد على النصارى صوم رمضان، فجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلمّا رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوماً نكفر بها ما صنعنا، فعلى هذا تكون الآية محكمة غير منسوخة"[20]. وزاد الإمام القرطبي الأمر إيضاحاً، فقال:"التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم، فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا، وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل، فصار صوم النصارى خمسين يومًا، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع، واختار هذا القول النحاس وقال: وهو الأشبه بما في الآية"[21]. وذكر الإمام ابن كثير في تفسيره، قائلاً:"روي أن الصيام كان أولاً كما كان عليه الأمم قبلنا، من كل شهر ثلاثة أيام، عن معاذ، وابن مسعود، وابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، وزاد: لم يزل هذا مشروعًا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان"[22]. ويتضح مما سبق: أولاً: أن الصيام كان معروفاً لدى الأمم السابقة قبل الإسلام. ثانياً: قال القرطبي: فرض صيام رمضان على قوم موسى وعيسى، فغيروا وزادوا، وقال ابن كثير: إن الصيام كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نُسخ برمضان. ثالثاً: يرى ابن الجوزي أن الصيام كان يشبه صيامنا في الحكم -أي فرضيته- والصفة -الامتناع عن الطعام والشراب-، وليس العدد -أي ثلاثين يوماً-. والحاصل: أن الصيام كان موجوداً لدى الأمم قبل الإسلام، وإن اختلف العلماء في كيفيته وصفته، فالشاهد أن كل الديانات صامت، وجميع الأمم السابقة أمسكت عن الطعام والشراب مدة من الزمن - قلَّت أم كثرت -. والله أعلم. من كتاب: نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان - دار الصفوة بالقاهرة [1] سنن الترمذي (682)، وسنن ابن ماجة (1642)، وقال الألباني: صحيح. [2] انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ج4/ ص114، دار المعرفة - بيروت، 1379هـ، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، قام بإخراجه وصححه وأشرف على طبعه: محب الدين الخطيب. [3] زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، (ج2/ ص31)، مؤسسة الرسالة، بيروت - مكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط27 / 1415هـ = 1994م. [4] بستان الواعظين ورياض السامعين، لابن الجوزي، ص230، تحقيق: أيمن البحيري، مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت - لبنان، ط2/ 1419 هـ= 1998م. [5] المعجم الأوسط، للطبراني، ( 5248). [6] سنن النسائي (3140)، وقال الألباني: حسن صحيح. [7] البخاري (1923)، ومسلم (1095) عن أنس بن مالك. [8] مسلم (1096)، عن عمرو بن العاص. [9] مسند أبي يعلى (3340)، وصحيح ابن حبان(3476)، وإسناده حسن. [10] سنن أبي داود (2345)، وقال الألباني: صحيح. [11] صحيح الجامع الصغير (3989) عن أم حكيم. [12] البخاري (1903) عن أبي هريرة. [13] البخاري (1894) عن أبي هريرة. [14] سنن أبي داود (2356)، وسنن الترمذي (696)، ومسند أحمد (12676)، وقال الألباني: صحيح. [15] سنن أبي داود (2357)، وقال الألباني: حسن. [16] سنن ابن ماجة (1753)، والمعجم الكبير للطبراني (14343)، وعلق محمد فؤاد عبدالباقي: إسناده صحيح. [17] انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، ج3، ص13، الأستاذ الدكتور/وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ، دار الفكر - سوريَّة - دمشق، ط4. [18] البخاري (8)، ومسلم (16). [19] راجع: كتاب الصيام، ص24، الصادر عن دار الإفتاء المصرية، لعام 1436هـ. [20] انظر: زاد المسير في علم التفسير، للإمام ابن الجوزي، (ج1، ص140)، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط1/ 1422 هـ. [21] تفسير القرطبي، (ج2، ص274)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية، القاهرة، ط2 /1964 م. [22] تفسير ابن كثير، (ج1، ص497)، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط2/1420هـ = 1999 م. |
رد: دروس رمضانية
صلاة الفجر في المسجد (من دروس رمضان وأحكام الصيام) الشيخ أحمد علوان للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام وكفى بها نعمة، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإيمان وكفى بها نعمة، الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة القرآن وكفى بها نعمة، الحمد لله الذي أنعم علينا بأن جعَلنا من أمة خير الأنام محمد، أما بعد: فما زلنا نعيش مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، ومع اللقاء الثاني والحديث عن صلاة الفجر، ثم صلاة الضحى، فبعد أن يتسحر يستعد لصلاة الفجر، وليحرص على أن يصليها في جماعة المسجد، وإليكم فضلها. الثمرات العشر لصلاة الفجر 1- النور التام يوم القيامة: عن بريدة الأسلمي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بشِّر المشَّائين في الظُّلَم إلى المساجد، بالنور التام يوم القيامة))[1]. 2- ركعتا الفجر خير من الدنيا: عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها))[2]، يعني سنة الفجر، فإذا كانت ركعتا الفجر خيرًا من الدنيا وما فيها، فكيف بصلاة الفجر؟! 3- شهادة الملائكة: قال تعالى: ï´؟ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ï´¾ [الإسراء: 78]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر، قال: فيجتمعون في صلاة الفجر، قال: فتصعد ملائكة الليل، وتثبُتُ ملائكة النهار، قال: ويجتمعون في صلاة العصر، قال: فيصعد ملائكة النهار، وتثبت ملائكة الليل، قال: فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ قال: فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون))[3]. 4- دخول الجنة والنجاة من النار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لن يلِجَ النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها)) - يعني الفجر والعصر[4]، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم ((مَن صلى البَرْدَيْنِ دخل الجنة))[5]. 5- أجر قيام الليل: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى العشاء في جماعةٍ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعةٍ فكأنما صلى الليل كله))[6]. 6- دعاء الملائكة: عن عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن صلى الفجر ثم جلس في مصلاه، صلَّتْ عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفِرْ له، اللهم ارحَمْه))[7]. 7- في ذمة الله وحِفظه: عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيءٍ فيدركه فيكبه في نار جهنم)) [8]. 8- أجر حجة وعمرة: عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن صلى الغداة - الفجر - في جماعةٍ، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين، كانت له كأجر حجةٍ وعمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامةٍ))[9]. 9- البراءة من النفاق: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أثقل صلاةٍ على المنافقين صلاة العِشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا، ولقد هممت أن آمر بالصلاة، فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجالٍ معهم حزمٌ من حطبٍ إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار))[10]. 10- رؤية الله يوم القيامة: عنجرير بن عبدالله، قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلةً - يعني البدر - فقال: ((إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تُغلَبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، فافعلوا))، ثم قرأ: ï´؟ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ ï´¾ [ق: 39][11]... وإذا أردتَ أن تصبح طيب النفس نشيطًا، فعليك بصلاة الفجر؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((يعقِدُ الشيطان على قافية رأس أحدكم ثلاث عُقَدٍ إذا نام، بكل عقدةٍ يضرب عليك ليلًا طويلًا، فإذا استيقظ فذكر الله انحلت عقدةٌ، وإذا توضأ انحلت عنه عقدتان، فإذا صلى انحلت العُقَد، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان))[12]. أخي الصائم، لا تنسَ صلاة الضحى بعد شروق الشمس بقدر رمح - أي ما يعدل (20) دقيقة - فهي سنَّة مؤكدة عن رسول الله.. وجاء في فضل صلاة الضحى: عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقةٌ؛ فكل تسبيحةٍ صدقةٌ، وكل تحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى))[13]. وهي وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة، حين قال: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ لا أدعهن في سفرٍ ولا حضرٍ: ركعتي الضحى، وصوم ثلاثة أيامٍ من الشهر، وألا أنام إلا على وترٍ"[14]. وإن زدتَ في عدد الركعات، فهو خيرٌ لك: عن نعيم بن همارٍ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يقول الله عز وجل: يا بن آدم، لا تعجزني من أربع ركعاتٍ في أول نهارك، أَكْفِكَ آخرَه))[15]. أقلها وأكثرها: المتفق عليه أن أقل عدد لصلاة الضحى: ركعتان، أما أكثرها: فيرى المالكية والحنابلة أن أكثر صلاة الضحى ثمان ركعات، ويرى الحنفية والشافعية وأحمد - في رواية عنه - أن أكثرها اثنتا عشرة ركعة، ويسلم من ركعتين[16]، ثم الراحة قليلًا قبل ذهابك إلى العمل؛ حتى تستطيع أن تواصل يومك. وصية عملية: ما أجملَ أن تمكث في المسجد بعد صلاة الفجر، فتملأ هذا الوقت بالأذكار والاستغفار، وتلاوة القرآن، حتى تطلع الشمس، فهذا يعدِل حجةً وعمرة. ♦♦♦ السؤال الثالث: مَن هنَّ مرضعات النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: قال ابن القيم: "فمنهن ثُوَيبة مولاة أبي لهب، أرضعَتْه أيامًا، وأرضعت معه أبا سلمة عبدالله بن عبدالأسد المخزومي بلبن ابنها مسروح، وأرضعت معهما عمه حمزة بن عبدالمطلب،ثم أرضعته حليمة السعدية بلبن ابنها عبدالله أخي أنيسة وجدامة وهي الشيماء، أولاد الحارث بن عبدالعزى بن رفاعة السعدي، وأرضعت معه ابن عمه أبا سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب، وكان عمه حمزة مسترضعًا في بني سعد بن بكرٍ، فأرضعت أمُّه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يومًا وهو عند أمه حليمة، فكان حمزة رضيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتين: من جهة ثويبة، ومن جهة السعدية"[17]. وعليه: فيكون مَن أرضعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع نسوة: أمه آمنة بنت وهب، ثم ثويبة مولاة أبي لهب - أول من أرضعته بعد أمه - ثم حليمة السعدية، ثم امرأة من بني سعد. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب النوم: 1- استحضِرْ نية النوم: فقد سبق أن بينا وأكدنا على أمر النية؛ فهي شرطٌ قبل أي عمل، ومهمة قبل الشروع في أي واجب، فعلى المسلم أن يستحضر نيته عند النوم، ويسأل نفسه: لماذا سأنام؟ وما النية التي أستحضرها للنوم؟ فإذا فعل ذلك كان نومه بعد استحضار النية في ميزان حسناته. 2- الوضوء قبل النوم: عن البراء بن عازبٍ، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوَّضتُ أمري إليك، وألجأتُ ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأَ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، وبنبيِّك الذي أرسلت، فإن متَّ من ليلتك، فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به))،قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: اللهم آمنتُ بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت))[18]. 3- النوم على الشق الأيمن: من حديث البراء السابق، بعد أن أوصاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوضوء، قال له: ((ثم اضطجع على شقك الأيمن..)). 4- ضَعْ يدَك اليمنى تحت خدك الأيمن: عن حفصةَ زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يرقد وضع يده اليمنى تحت خده، ثم يقول: ((اللهم قِنِي عذابَك يوم تبعث عبادك)) ثلاث مِرارٍ[19]. 5- دعاء قبل النوم: وبعد أن أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم البراء بالوضوء، ثم الاضطجاع على الشق الأيمن، طلب منه أن يقول دعاء قبل النوم، وهو: ((اللهم أسلمتُ وجهي إليك، وفوضتُ أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن متَّ من ليلتك، فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به))، قال: فرددتها على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، قلت: ورسولك، قال: ((لا، ونبيك الذي أرسلت)). وعن أنسٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه، قال: ((الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافيَ له ولا مُؤويَ))[20]. 6- قراءة بعض القرآن قبل النوم: عن جابرٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ ï´؟ الم * تَنْزِيلُ ï´¾ [السجدة: 1، 2]، ï´؟ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ï´¾ [الملك: 1]))[21]. وعن العرباض بن سارية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا ينام حتى يقرأ المسبحات، ويقول: ((فيها آيةٌ خيرٌ من ألف آيةٍ))[22]، وفي رواية ثالثة، قالت عائشة: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر"[23]. وبجمع الروايات المتقدمة، يتضح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ السجدة، والمُلْك، والمسبِّحات - السور التي تبدأ بـ: سبَّح، أو يُسبِّح - وسورة الإسراء والزمر، وكل هذه مستحبات، فمن فعلها كانت له، وإلا فلا شيء عليه. 7- صلاة الوتر: عن أبي هريرة، قال: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ لا أدعهن في سفرٍ ولا حضرٍ: ركعتي الضحى، وصوم ثلاثة أيامٍ من الشهر، وألا أنام إلا على وترٍ"[24]. 8- قراءة المعوِّذات ومسح الجسد بها: عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلةٍ جمع كفيه، ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1]، ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ï´¾[الفلق: 1]، ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ï´¾ [الناس: 1]، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مراتٍ"[25]. 9- احذَرِ النومَ على بطنك: عن أبي هريرة، قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا مضطجعًا على بطنه فقال: ((إن هذه ضِجْعةٌ لا يحبها الله))[26]. 10- أذكار النوم: ومنها: عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول: باسمك ربِّ وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكتَ نفسي فارحمها، وإن أرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين))[27]. ومنها: عن حذيفة، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام قال: ((باسمك اللهم أموت وأحيا))، وإذا استيقظ من منامه قال: ((الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور))[28]. ومنها: كان عبدالله بن عمر إذا أوى إلى فراشه قال: اللهم أنتَ خلقتَ نفسي، وأنت تتوفاها، لك محياها ومماتها، اللهم إن توفيتَها فاغفر لها، وإن أحييتَها فاحفظها، اللهم إني أسألك العافية، فقال له رجلٌ من ولده: يا أبة، أكان عمر يقول هذا؟ قال: بل خيرٌ من عمر كان يقوله، قال: فظننا أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم [29]. ومنها: عن البراء بن عازبٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا فلانُ، إذا أويتَ إلى فراشك فقل: اللهم أسلمتُ نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإنك إن مت في ليلتك مت على الفطرة، وإن أصبحت أصبت أجرًا))[30]. 11- قراءة آية الكرسي وأواخر البقرة: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، فقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إذا أويتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظٌ، ولا يقربك شيطانٌ حتى تصبح، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((صدقك وهو كَذُوبٌ، ذاك شيطانٌ))[31]. وعن أبي مسعودٍ البدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الآيتان من آخر سورة البقرة، مَن قرأهما في ليلةٍ كفَتاه))[32]. 12- ما يقال عند الفزع أثناء النوم: عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا فزع أحدكم في النوم، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده، ومِن همزات الشياطين وأن يحضرونِ، فإنها لن تضرَّه))[33]. 13- لا تنَمْ بعد أكل، ولا تسرف في نوم: فأكلك قبل النوم قد يعوق قيام الليل، والاستيقاظ لصلاة الفجر، أما الإسراف فنحن منهيُّون عنه بكل صُوَره، وفي جميع ما يتعلق به، فلا تسرف في الطعام ولا في الشراب، ولا تسرف في النوم، أو الراحة، فكل شيء بتوازن واعتدال. 14- لا تنَمْ وحدك: فلو أن إنسانًا لا يحب الوحدة، ويخاف من العزلة، فليجتنب النوم منفردًا في بيت؛ حتى لا يتلاعب به الشيطان؛ فذلك مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن ابن عمر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوَحْدة؛ أن يبيت الرجل وحده، أو يسافر وحده"[34]. 15- حاسِبْ نفسك قبل أن تنام: وهذا مِن أجمل ما تختم به يومك، فبعد أن مضى يومك وانتهى وفعلت فيه ما فعلت، قد تذكر ذنبًا وقد لا تذكر، وقد تكون تعمَّدت فعل معصية، أو أخطأت فلم تدرِ ما المعصية، فاخلُ بنفسك قبل نومك، واستغفر الله مما تعمدت ومما أخطأت، حتى تنام وأنت مطمئن، ولتكن هذه المحاسبة دافعةً لك في أن تستقبل يومًا جديدًا بعد الاستيقاظ، وتتذكر أنك حاسبت نفسك. 16- لا تنَمْ وفي قلبك غلٌّ لأحد. ♦♦♦ درس الفقه: النوع الثالث: الصوم المكروه: تعريف المكروه: هو ما يثاب تاركه امتثالًا، ولا يعاقب فاعله. والصيام المكروه أنواع، وإليك أخي الصائم بيانها: أولًا: صوم الدهر: لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا صام مَن صام الأبد))[35]؛ فصيام الدهر - أي السنة - كله مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثانيًا: إفراد يوم الجمعة بالصوم: يرى الجمهور أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصيام، إلا إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده، ويخرج من الكراهة إذا وافق أيامًا مسنونة؛ كيوم عرفة أو عاشوراء، والدليل هو: ما جاء عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تصوموا يوم الجمعة، إلا وقبله يومٌ أو بعده يومٌ))[36]. ثالثًا: إفراد يوم السبت: فقد اتفق علماؤنا على كراهة إفراد يوم السبت بالصيام؛ وذلك لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي قال فيه: ((لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبةٍ، أو عود شجرةٍ، فليمضُغْه))[37]. فصيام يوم السبت منفردًا، متفقٌ على كراهته عند الحنفية والشافعية والحنابلة، بخلاف المالكية. رابعًا: صيام الوصال: وكيفية الوصال: أن يصل يومين دون أن يفطر وقت المغرب؛ عن أنسٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تواصلوا))، قالوا: إنك تواصل؟! قال: ((لست كأحدٍ منكم؛ إني أُطعَمُ، وأسقى، أو إني أَبِيت أُطعَمُ وأسقى))[38]. النوع الرابع: الصوم المندوب أو التطوع: تعريف المندوب: هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. تعريف التطوع: هو التقرُّب إلى الله تعالى بما ليس بفرض مِن العبادات، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ï´؟ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ï´¾ [البقرة: 184]، وصيام التطوع كما يلي: أولًا: صيام الست من شوال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوالٍ، كان كصيام الدهر))[39]، ويجوز صيامها متتابعة - وهو الأفضل - كما يجوز صيامها متفرقةً. ثانيًا: العشر الأوائل من ذي الحجة: عن هُنَيدة بن خالدٍ، عن امرأته، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، أول اثنين من الشهر والخميس"[40]. ثالثًا: يوم عرفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صيامُ يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفِّرَ السنةَ التي قبله، والسنةَ التي بعده))[41]. وبالتأمل: نصل إلى أن صيامَ يوم واحد كعرفة يكفِّرُ ذنوب 730 يومًا، فالسنة تعدل: 365 يومًا. رابعًا: عاشوراء: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجَدهم يصومون يومًا، يعني عاشوراء، فقالوا: هذا يومٌ عظيمٌ، وهو يومٌ نجى الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصام موسى شكرًا لله، فقال: ((أنا أَوْلى بموسى منهم))؛ فصامه، وأمَر بصيامه[42]. فضله: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وصيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفِّرَ السنةَ التي قبله))[43]. مراتب صيام يوم عاشوراء: المرتبة الأولى: صوم ثلاثة أيام: التاسع، والعاشر، والحادي عشر. المرتبة الثانية: صوم التاسع والعاشر، المرتبة الثالثة: صوم عاشوراء فقط. خامسًا: صوم يومَيِ الاثنين والخميس: عن عائشة، قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صوم الاثنين والخميس"[44]، وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((تُعرَض الأعمال يوم الاثنين والخميس، فأحب أن يُعرَضَ عملي وأنا صائمٌ))[45]. سادسًا: ثلاثة أيام من كل شهر - الأيام البِيض -: أوصى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا هريرة بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وهي الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وسُمِّيت بالأيام البيض؛ لابيضاضِ القمر ليلًا، والشمس نهارًا، وأجرها كصوم الدهر؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاثٍ لا أدعهن حتى أموت: "صوم ثلاثة أيامٍ من كل شهرٍ، وصلاة الضحى، ونومٍ على وِترٍ))[46]. سابعًا: صيام يوم وإفطار يوم - أفضل صيام التطوع -: عن عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحبَّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود عليه السلام، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان يصوم يومًا، ويُفطِر يومًا))[47]. ثامنًا: صيام أكثرِ شعبانَ: عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يُفطِر، ويُفطِر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهرٍ قط إلا رمضانَ، وما رأيته في شهرٍ أكثرَ منه صيامًا في شعبان"[48]. وعن أسامة بن زيدٍ، قال: قلت: يا رسول الله، لم أرَك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟! قال: ((ذلك شهرٌ يغفُلُ الناس عنه بين رجبٍ ورمضان، وهو شهرٌ ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين؛ فأحبُّ أن يرفع عملي وأنا صائمٌ))[49]. وأحب أن أذكِّرَ نفسي وإياكم بفضل صيام يوم تطوعًا لله؛ وذلك لِما جاء عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((من صام يومًا في سبيل الله، باعَد اللهُ وجهَه عن النار سبعين خريفًا))[50]. والله أعلم ♦♦♦ 1) يراجع كتاب: نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة. [1] أبو داود 561، والترمذي 223، وقال الألباني: صحيح. [2] مسلم 725. [3] مسند أحمد 9151، وإسناده صحيح. [4] مسلم 634. [5] متفق عليه. [6] مسلم 656. [7] مسند أحمد 125، وإسناده حسن. [8] مسلم 657. [9] الترمذي 586، وحسنه الألباني. [10] مسلم 651. [11] البخاري 554 ومسلم 633. [12] متفق عليه. [13] مسلم 720. [14] أبو داود 1432، وصححه الأرناؤوط. [15] أبو داود 1289، وقال الأرناؤوط: صحيح. [16] انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، ج27، ص225، 226 باختصار، الصادرة عن: "وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية" بالكويت، دار الصفوة - مصر، ط1/ من 1404 - 1427ه. [17] انظر: زاد المعاد في هدي خير العباد، للإمام ابن القيم، ج1/ ص81، 82، مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، ط27/ 1415ه/ 1994م. [18] البخاري 247، 6311، ومسلم 2710. [19] أبو داود 5045، وصححه الألباني. [20] مسلم 2715. [21] الترمذي 2892، وأحمد 14659، حديث صحيح. [22] الترمذي 3406، وحسنه الألباني. [23] الترمذي 2920، وقال: حسن غريب. [24] أبو داود 1432، وصححه الأرناؤوط. [25] البخاري 5017. [26] الترمذي 2768، وقال الألباني: حسن صحيح. [27] البخاري 6320. [28] البخاري 6324. [29] صحيح ابن حبان 5541، ومسند أبي يعلى 5676، وإسناده صحيح. [30] البخاري 7488. [31] البخاري 3275. [32] البخاري 4008 ، ومسلم 807. [33] الترمذي 3528، وحسنه الألباني. [34] مسند أحمد 5650، وقال العلامة/ أحمد محمد شاكر: إسناده صحيح. [35] البخاري 1977، مسلم 1159. [36] مسند أحمد 10424، وإسناده صحيح. [37] سنن أبي داود، وقال الألباني: صحيح. [38] البخاري 1961. [39] مسلم 1164. [40] سنن أبي داود 2437، وقال الألباني: صحيح. [41] مسلم 1162. [42] البخاري 3397. [43] مسلم 1162. [44] سنن الترمذي 745، وقال الألباني: صحيح. [45] سنن الترمذي 747، وقال الألباني: صحيح. [46] البخاري 1178. [47] مسلم 1159. [48] مسلم 1156. [49] سنن النسائي 2357، وقال الألباني: حسن. [50] البخاري 2840، مسلم 1153. |
رد: دروس رمضانية
الصلوات الخمس في أوقاتها الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله ذي الفضل والإنعام، أوجَب الصيام على أمة الإسلام، وجعله أحد أركان الدين العِظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو الجلال والإكرام، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أفضل مَن صلى وصام، وخير من أطاع أمر ربه واستقام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أما بعد: فقد انتهينا في اللقاء السابق من الحديث عن صلاة الفجر وفضلها، وعن صلاة الضحى وثوابها، ونحن نسير في ذلك كله على خطى حبيبنا صلى الله عليه وسلم، ونحن الليلة على موعد مع اللقاء الثالث من حلقات مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، ولقاء الليلة - بمشيئة الله - عن المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، عسى أن تكون هذه الكلمات خطوة على الطريق، في عدم تأخير الصلاة، أو دافعًا للمحافظة على الصلوات في المسجد؛ قال الله تعالى: ï´؟ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ï´¾ [النساء: 103]. فضل المحافظة على الصلوات الخمس: 1- مِن أفضل الأعمال: عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: ((الصلاة لوقتها، وبرُّ الوالدينِ، ثم الجهاد في سبيل الله))[1]. 2- طريق إلى الجنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن أعرابيًّا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عملٍ إذا عملتُه دخلت الجنة، قال: ((تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان)) قال: والذي نفسي بيده، لا أَزيدُ على هذا، فلما ولى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن سره أن ينظر إلى رجلٍ من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا))[2]. 3- تمحو الخطايا وتكفِّر الذنوب: عن أبي هريرة: أنه سمِع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أرأيتم لو أن نَهَرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يومٍ خمسًا، ما تقول: ذلك يُبقي مِن درنه؟!)) قالوا: لا يُبقي مِن درنه شيئًا، قال: ((فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله به الخطايا))[3]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفِّراتٌ ما بينهن إذا اجتنب الكبائر))[4]. 4- نُزُلًا في الجنة: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن غدا إلى المسجد وراح، أعَدَّ الله له نُزُلَه من الجنة كلما غدا أو راح))[5]. 5- الصلاة نورٌ: عن أبي مالكٍ الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملأان - أو تملأ - ما بين السموات والأرض، والصلاة نورٌ، والصدقة برهانٌ، والصبر ضياءٌ، والقرآن حجةٌ لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايعٌ نفسه فمعتقها، أو مُوبِقها))[6]. 6- الفوز بالفِرْدوس: قال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ï´¾ [المؤمنون: 9 - 11]. 7- ثواب الجماعة وصلاة الملائكة: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته، وفي سوقه، خمسًا وعشرين ضعفًا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوةً، إلا رفعت له بها درجةٌ، وحط عنه بها خطيئةٌ، فإذا صلى، لم تزل الملائكة تصلي عليه، ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاة))[7]. 8- مع الصِّدِّيقين والشهداء: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيتَ إن شهدتُ أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليتُ الصلوات الخمس، وأديتُ الزكاة، وصمت رمضان، وقمته، فممن أنا؟، قال: ((مِن الصديقين والشهداء))[8]. وما ذكرته، فهو غيض من فيض، وفيما تقدم الكفاية، ولننتقل إلى الكلام عما بعد الفريضة، وهي السنة، فإذا كان الله قد فرض علينا الصلوات الخمس، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سن لنا نوافل وركعات تابعة للفرائض، هي من أحب ما يتقرب به العبدُ إلى الله عز وجل؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قال: مَن عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورِجْله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكرَه مَساءَتَه))[9]. أما عن عددها، فقد جاء عن أم حبيبة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما من عبدٍ مسلمٍ يصلي لله كل يومٍ ثنتي عشرة ركعةً تطوعًا، غير فريضةٍ، إلا بنى الله له بيتًا في الجنة، أو إلا بُنِيَ له بيتٌ في الجنة))، قالت أم حبيبة: "فما برحتُ أصليهن بعدُ"[10]. وإليك بيانها: "ركعتان قبل الفجر، وأربع ركعات قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء"، فإذا أردت أن تبني لنفسك بيتًا في الجنة، فما عليك إلا أن تصلي هذه الركعات.. وصية عملية: لا تُفوِّتِ الصلوات الخمس في المسجد مع الجماعة الأولى، بل اجعَلْ هدفك حضور تكبيرة الإحرام، واحرص على أداء شيءٍ من النوافل في بيتك ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. ♦♦♦ السؤال الرابع: مَن هم مؤذِّنو رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؟ 1- بلال بن رباح رضي الله عنه: أول مَن أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل على نفسه ألا يؤذِّنَ لأحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عمرُ الشامَ أمره أن يؤذن، وقال: لستَ بالموضع الذي كنتَ تؤذن فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، فأذَّن، فبكى عمر والمسلمون، وذكروا النبي صلى الله عليه وسلم حين سمعوا أذانه، وتوفي بالشام سنة 20هـ. 2- عمرو بن أم مكتوم رضي الله عنه: كان يؤذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو من المهاجرين الأوائل، توفي في خلافة عمر رضي الله عنه. 3- سعد بن عائذ القرظ رضي الله عنه: مولى عمار بن ياسر، جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنًا بقُباء، فلما مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وترك بلال الأذان، نقله أبو بكر رضي الله عنه إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوفي سنة 74 هـ. 4- أبو محذورة - أوس بن معير - رضي الله عنه: كان مؤذنَ الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، ومات بها سنة 59 هـ. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب المسجد: إن المساجد هي بيوت الله عز وجل في الأرض، وما أجملَ عمارتَها! وعمارتها تكون بطاعة الله؛ وذلك بذكر الله، والصلاة، والقيام، والاعتكاف، وقراءة القرآن؛ قال ربنا: ï´؟ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ï´¾ [النور: 36، 37]. وبيوتُ الله مِن آكَدِ الأماكن التي ينبغي أن تراعى فيها الآداب والسلوكيات، ومنها: 1- استحضار النية: وهذا - كما سبق - في كل عمل يقدم عليه المسلم، يجب عليه أن يجدد النية، وأن يخلص في استحضارها لله رب العالمين؛ فارتيادُ المساجد يحتاج إلى إخلاص؛ فالإخلاص شرط في قبول أي عمل، وإلا فقد يبذل المرء من جهده الأوقات، ويمشي المسافات، ويسير الخطوات، ثم هو لم يقبل عمله، أو صار عمله غير تام؛ وذلك لأنه لم يخلص العمل لله. 2- السعي بالسكينة: فمن أراد أن يذهب إلى المسجد، فعليه أن يلزم الهدوء والطمأنينة، ولا يحدِث جلبة أو تشويشًا على الناس؛ فهذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته؛ عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا ثُوِّبَ للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا؛ فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاةٍ))[11]، فالمسلم غير مطالب بالجري أو الهرولة التي تضيع الخشوع، أو تفسد على الناس صلاتهم. 3- الدعاء عند المشي للمسجد: يُستحبُّ لِمَن خرج من بيته قاصدًا المسجد أن يدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، الذي جاء فيه عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه: ((اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا، واجعل لي نورًا))[12]. 4- الدخول باليمنى والخروج باليسرى: لقد دلت السنة المطهرة قولًا وفعلًا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحَبَّ التيمن في كل شيء، ومنه عند دخول المسجد؛ عن عائشة قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله؛ في طُهوره، وترجُّله، وتنعُّله"[13]. وعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: "مِن السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برِجْلك اليمنى، وإذا خرجت أن تبدأ برِجْلك اليسرى"[14]. 5- دعاء دخول المسجد والخروج منه: فقد علَّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لكل مقام ما نذكر الله به، وما ندعو الله عنده، ومن ذلك أنه علمنا ماذا نقول عند دخول المسجد وعند الخروج منه؛ عن أبي أسيدٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك))[15]. وفي رواية: أن تصلي وتسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل دعاء الدخول والخروج، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: اللهم افتَحْ لي أبواب رحمتك))[16]. وفي رواية ثالثة، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلِّمْ على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج، فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، وليقل: اللهم اعصِمْني من الشيطان الرجيم))[17]. وفي رواية رابعة، عن عبدالله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال: ((أعوذ بالله العظيم، وبوجهِه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم))، قال: أَقَطْ؟ قلت: نعم، قال: فإذا قال ذلك، قال الشيطان: حُفِظ مني سائرَ اليوم[18]. 6- تحية المسجد: إن لكل شيء تحية، وتحية المسجد أن تبدأ بصلاة ركعتين قبل أن تجلس؛ عن أبي قتادةَ بنِ رِبعيٍّ الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلس حتى يصلي ركعتين))[19]. 7- عدم اللَّغْو: وهذا قد يكون بالكلام فيما لا فائدة منه؛ كالحديث في أمور الدنيا كثيرًا، وعقد الحلقات بين الناس للأمور الدنيوية، والمساجد لم تُبْنَ لذلك، وتعمُّد إكثار الناس من الحديث الدنيوي مخالف لآداب المسجد، وفي ذلك ما جاء عن عبدالله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيكون في آخر الزمان قومٌ يجلسون في المساجك2د حلقًا حلقًا، إمامهم الدنيا، فلا تجالسوهم؛ فإنه ليس لله فيهم حاجةٌ))[20]. 8- عدم التشويش على المصلين: إن مِن ضوابط الخشوع في المسجد: ألا يشوش أحد على أحد، ولو بالقراءة، فكل واحد في المسجد إما ذاكرٌ لله، أو مصلٍّ، أو قارئٌ للقرآن، فمن حقِّ كلِّ إنسان أن يعبد ربه بخشوع، ولا يفسد أحد عليه عبادته؛ عن أبي سعيدٍ، قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: ((ألا إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعضٍ في القراءة))، أو قال: ((في الصلاة))[21]. ونحذر من رفع الصوت بكلام الدنيا، ولعب الأطفال في المساجد، وكلام البعض في الهواتف بصوت عالٍ، وقد يكون التشويش من خارج المسجد كذلك، بالآلات الصناعية وغيرها، أثناء إقامة الصلاة، وهذه وغيرها من الأصوات فيها مخالفة لتعاليم الإسلام. 9- الزينة عند الذهاب للمسجد: فمِن صفات المؤمن أنه يهتم دائمًا بمظهره، ويتجمل عند خروجه من منزله، ويسعى لأن يكون كالشامة في الناس، ويكون اهتمامه أكثر عند الذهاب للقاء الله ومناجاته؛ فليأخذ بالزينة وحسن المظهر إذا ذهب إلى المسجد؛ قال ربنا: ï´؟ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ï´¾ [الأعراف: 31]. ويترتب عليه: اهتمام الإنسان برائحته: فلا يَشَمُّ منه أحد إلا رائحة طيبة؛ حتى لا ينفِرَ المصلون منه؛ كما لو أكل البصل والثوم قبل الصلاة[22]، أو رائحة التدخين التي قد تنبعث من فمه، أو رائحة العرق في فصل الصيف، التي قد يشَمُّها من يصلي بجواره، أو رائحة الجوارب الصيفية، فيتأذى منه الناس، بل تتأذى منه الملائكة قبل أن يتأذى منه أحد. عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَن أكل ثومًا أو بصلًا، فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته))[23]. 10- تنظيف المساجد: فهذا أمر ينبغي أن يسعى إليه كل مصلٍّ؛ فالمسجد للجميع، وعلى الجميع أن يحرصوا على نظافته، وإزالة الأذى منه؛ عن عائشة، قالت: "أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور، وأن تنظَّفَ وتطيَّبَ))[24]. وعن أبي هريرة: أن رجلًا أسود أو امرأةً سوداء كان يقُمُّ المسجد، فمات، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقالوا: مات، قال: ((أفلا كنتم آذنتموني به، دُلُّوني على قبره - أو قال: قبرها - فأتى قبرها فصلى عليها))[25]، وزاد مسلم: ((إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله عز وجل ينوِّرُها بصلاتي عليهم)). 11- ألا يلتزم المصلي بمكان واحد: فمما استحدثه البعض أنه يحجز لنفسه مكانًا في المسجد، لا يجلس فيه غيره، أو أن يخصص لنفسه موضعًا لا يصلي فيه إلا هو، حتى وإن جاء إلى المسجد متأخرًا، فمعروف أنه لفلان، وقد يصل الأمر إلى أن صاحب المكان إذا جاء متأخرًا، وجلس أحدٌ في مكانه الخاص، فلا يتورع أن يقيمه منه، وفي ذلك كله مخالفةٌ للسنة النبوية وهَدْي السلف الصالح، بل وفيه توطين كتوطين البعير؛ عن عبدالرحمن بن شبل، قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقرة الغراب، وعن فرشة السبع، وأن يوطِّن الرجل المكان الذي يصلي فيه كما يوطن البعير"[26]. 12- ألا ننشُدَ الضالة بالمسجد: إن بيوتَ الله تقام فيها العبادات، ويرفع فيها الأذان، ويصلي فيها المسلمون، ويقرؤون القرآن، ويذكرون الله، ويعتكفون فيها، وليس لإنشاد الضالة، أو النداء بشيء غير الأذان؛ فقد بين رسول الله أن المساجد لم تُبْنَ لذلك؛ فعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سمع رجلًا ينشد ضالةً في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله عليك؛ فإن المساجد لم تُبْنَ لهذا))[27]. هذا، وقد جوَّز بعض العلماء أن تعلَّق ورقةٌ مكتوبٌ فيها الشيء المفقود، ولتكن على جدار المسجد، إن لم تكن هناك طرق أخرى، والله أعلم. ♦♦♦ درس الفقه: شروط وجوب الصوم: اشترط الفقهاء لوجوب الصوم شروطًا خمسة، هي ما يأتي: الأول: الإسلام: وفيه تفصيل: فهو شرط وجوب عند الحنفية، شرطُ صحة عند الجمهور، فلا يجب الصوم على الكافر، ولا يطالب بالقضاء عند الأولين، ولا يصح صوم الكافر بحال - ولو مرتدًّا - عند الآخرين، وليس عليه القضاء عندهم أيضًا. ومنشأ الخلاف: مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، فعند الحنفية: أن الكفارَ غيرُ مخاطبين بفروع الشريعة التي هي عبادات، وعند الجمهور: الكفار مخاطَبون بفروع الشريعة في حال كفرهم، بمعنى أنه يجب عليهم الإسلام، ثم الصوم؛ إذ لا يصح الصوم؛ لأنه عبادة بدنية محضة تفتقر إلى النية، فكان من شرطه الإسلام، كالصلاة، ويزاد في عقوبتهم في الآخرة بسبب ذلك، ولكن لا يطالبون بفعلها في حال كفرهم، فتنحصر ثمرة الخلاف في مضاعفة العذاب في الآخرة، فعند الحنفية: العذاب واحد على الكفر، وعند الجمهور يضاعف العذاب؛ على الكفر، وعلى ترك التكاليف الشرعية. فإن أسلم الكافر في شهر رمضان، صام ما يستقبل من بقية شهره، وليس عليه قضاء ما سبق بالاتفاق؛ لقوله تعالى: ï´؟ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ï´¾ [الأنفال: 38]، ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيرًا عن الإسلام، والرِّدة تمنَع صحة الصوم؛ لقوله تعالى: ï´؟ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ï´¾ [الزمر: 65]. أما إن أسلم الكافر في أثناء النهار، فيلزمه عند الحنابلة إمساكُ بقية اليوم، وقضاؤه؛ لأنه أدرك جزءًا من وقت العبادة، فلزمته، كما لو أدرك جزءًا من وقت الصلاة، ويستحب الكف عن الأكل عند الحنفية والمالكية والشافعية؛ مراعاةً لحرمة أو لحق الوقت بالتشبه بالصائمين، كما يستحب القضاء عند المالكية، ولا يلزم عند الحنفية، ولا قضاء عليه في الأصح عند الشافعية؛ لعدم التمكُّن مِن زمن يسَعُ الأداء، ولا يلزمه إمساك بقية النهار في الأصح؛ لأنه أفطر لعذر؛ فأشبَهَ المسافر والمريض، لكن إن أسلم المرتد، وجب عليه عند الشافعية والحنابلة قضاء ما تركه في حال الكفر؛ لأنه التزم ذلك بالإسلام، فلم يسقط ذلك بالردة، كحقوق الآدميين[28]. الثاني: العقل: غيرُ العاقل لا يصح توجيه الخطاب إليه، فلا يجب الصوم على المجنون، أو المغمَى عليه، أو مَن زال عقله بسُكْرٍ وغيره، لكن يلزمه أن يقضي بعد أن يُفِيقَ؛ لِما جاء عن علي رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل))[29]. الثالث: البلوغ: فالبلوغ شرط من شروط الوجوب، وهو أن يكون المسلم العاقل المخاطب بالغًا، وهو سن التكليف، وإلا فلا تكليف على المسلم العاقل غير البالغ؛ لأن الصبي يُعَدُّ عاجزًا، والعجز يعُوقُ التكاليف. ويجبُ عند الفقهاء أن يُعوَّدَ الصبيان على الصيام عند بلوغ سبع سنوات، إذا استطاعوا ذلك، وأن يضربوا إذا بلغوا عشر سنوات، قياسًا على أمر الصلاة؛ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عَشْرٍ، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع))[30]. "وإذا كان للغلام عَشْر سنين، وأطاق الصيام، أخذ به، يعني: أنه يُلزَم الصيامَ، يؤمر به ويضرب على تركه؛ ليتمرن عليه، ويتعوده، كما يلزم الصلاة ويؤمر بها، وممن ذهب إلى أنه يؤمر بالصيام إذا أطاقه: عطاءٌ، والحسن، وابن سيرين، والزهري، وقتادة، والشافعي"[31]. الرابع والخامس: القدرة والإقامة: فالذي لا يستطيع ولا يقدِر على الصيام، لا يجب عليه، وغير القادر وغير المقيم لهما أن يُفطِرا، وإن صاما صحَّ صيامُهما؛ قال تعالى: ï´؟ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [البقرة: 184]، وإن أفطَرا وجَب عليهما القضاء، فإذا كانت عدم القدرة ممتدة - كالشيخ الهرِمِ الذي لا يستطيع الصيام، أو المريض مرضًا مزمنًا لا يبرَأُ منه - فهذا يفطر ولا قضاء عليه؛ لأنه لا يتمكن من القضاء، وعليه الفدية، وهي: أن يطعم عن كل يوم مسكينًا. قال الإمام النووي: "الشيخ الكبير الذي يُجهِدُه الصوم؛ أي: يلحَقُه به مشقةٌ شديدةٌ، والمريض الذي لا يُرجَى بُرؤُه - لا صومَ عليهما بلا خلافٍ، وسيأتي نقل ابن المنذر الإجماع فيه، ويلزمهما الفِديةُ على أصح القولين، المريض العاجز عن الصوم لمرضٍ يرجى زواله لا يلزمه الصوم في الحال، ويلزمه القضاء"[32]. والله أعلم نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان - دار الصفوة بالقاهرة [1] البخاري (7534). [2] البخاري (1397)، مسلم (15). [3] البخاري 528. [4] مسلم (233). [5] البخاري (662)، مسلم (669). [6] مسلم (223). [7] البخاري (647). [8] صحيح ابن حبان (3438). [9] البخاري (6502). [10] مسلم (728). [11] مسلم (602). [12] البخاري (6316)، ومسلم (763). [13] البخاري (426)، ومسلم (268). [14] مستدرك الحاكم (791)، وقال: صحيح على شرط مسلم. [15] مسلم (713). [16] أبو داود (465)، وصححه الألباني. [17] سنن ابن ماجه (773)، وقال الألباني: صحيح. [18] سنن أبي داود (466)، والحديث صحيح. [19] البخاري (444)، مسلم (714). [20] المعجم الكبير للطبراني (10452)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة. [21] سنن أبي داود (1332)، وصححه الألباني. [22] أذكر أنني دخلت يومًا مسجدًا، فوجدت رجلًا يصلي وحده في آخر المسجد، فلما فرغنا سلمت عليه وسألته: لماذا صليت وحدك خلف الصفوف؟ فأجاب: لأنني أكلت بصلًا قبل أن آتي إلى المسجد. [23] البخاري (7359)، مسلم (564). [24] أبو داود (455)، والترمذي (594)، وصححه الألباني. [25] البخاري (458)، مسلم (956). [26] أبو داود (862)، والنسائي (1112)، وابن ماجه (1429)، وحسنه الألباني. [27] مسلم (568). [28] راجع: الفقه الإسلامي وأدلته، (ج3، ص1663، ص1664). [29] سنن أبي داود (4403)، وقال الألباني: صحيح. [30] أبو داود (495)، ومسند أحمد، والدارقطني، ومستدرك الحاكم، وقال الألباني: حسن صحيح. [31] المغني، لابن قدامة، (ج3/ ص131)، مكتبة القاهرة، تاريخ النشر: 1388ه = 1968م. [32] انظر: المجموع، للإمام النووي، (ج6، 261)، حققه وعلق عليه: محمد نجيب المطيعي، مكتبة الإرشاد، جدة -المملكة العربية السعودية. |
رد: دروس رمضانية
ذكر الله في رمضان الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله الذي لم يزل عالمًا قديرًا، حيًّا قيومًا سميعًا بصيرًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأكبِّرُه تكبيرًا، وصلى الله على محمد الذي أرسله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وعلى آل محمد وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا[1]، أما بعد: فقد عِشْنا في ثلاث حلقات مضت مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وهذا هو اللقاء الرابع من تلك الحلقات النبوية، وهو بعنوان: (ذِكْر الله في رمضانَ). حبيبي الصائم: احرِصْ على الإكثار من ذكر الله عز وجل، وكذا أذكار الأحوال، عند دخولك البيت والخروج منه، وعند دخول المسجد وخروجك منه، وعند لباسك، وغيرها من أذكار اليوم، وكذلك الأذكار المطلقة، من تسبيح وتهليل، وتكبير وتحميد، ثم الدعاء؛ فهو مع ذِكر الله من أفضل العبادات في رمضان وفي غيره من الشهور. إن ذكر الله عز وجل من أجلِّ وأعظم ما يتقرب به المسلم إلى الله سبحانه وتعالى، فيا حبذا لو واظب الصائم على ذكر الله، وجعل له وردًا يوميًّا؛ كتلاوة القرآن الكريم. فمن باب الإكثار من ذكر الله: أن تهتم بأذكار الأحوال، بأن تجعل لك مذكرًا يذكرك أن تقول أذكار الخروج من المنزل ودخوله، وأذكار دخول المسجد والخروج منه، وأذكار اللباس، وأذكار النظر في المرآة، وأذكار دخول الخلاء لقضاء الحاجة، وأذكار النوم والاستيقاظ، وأذكار ما قبل الطعام وبعده ... إلخ. ويضاف إلى أذكار الأحوال: الأذكار المطلَقة، وغير المقيدة بمكان أو وقت أو حال، فيا حبذا لو تجعل لك وردًا من الأذكار؛ كالقرآن الكريم، وكأن تذكر الله في اليوم 1000 مرة، كأن تقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ألف مرة، أو أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ألف مرة، أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وغيرها من الأذكار التي دلت عليها السنة المطهرة، ولا تنسَ أن الأعمالَ في رمضان مضاعَفة، فإذا استكثرت فربُّك أكثرُ وأطيب. إن ذِكر الله عز وجل هو العبادة الوحيدة التي أمرنا بالإكثار منها؛ قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ï´¾ [الأحزاب: 41]. ذكر الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "إن الله لم يفرض على عباده فريضةً إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذَر أهلها في حال عذرٍ، غيرَ الذِّكر؛ فإن الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذِرْ أحدًا في تركه، إلا مغلوبًا على تركه، فقال: ï´؟ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ ï´¾ [آل عمران: 191] بالليل والنهار، في البَرِّ والبحر، وفي السَّفر والحضر، والغِنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حالٍ، وقال: ï´؟ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ï´¾ [الأحزاب: 42]، فإذا فعلتم ذلك صلى عليكم هو وملائكتُه، والأحاديث والآيات والآثار في الحث على ذكر الله كثيرةٌ جدًّا، وفي هذه الآية الكريمة الحثُّ على الإكثار من ذلك"[2]. هل لك أن تسابق هؤلاء في ذِكر الله عز وجل؟! قيل لأبي الدرداء: كم تسبِّحُ في كل يوم؟ قال: مائة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع[3]. وعن عكرمة: أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يسبِّحُ اللهَ في كل يوم اثنَيْ عشَرَ ألفَ تسبيحةٍ، ويقول: أسبِّحُ بقدرِ دِيَتِي[4]. أما أبو مسلم الخَوْلاني: فكان يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، ويقول: اذكُرِ اللهَ حتى يرى الجاهلُ أنه مجنون[5]. ♦♦♦♦♦ السؤال الخامس: اذكُرْ عَشْرَ معاركَ وقعَتْ في رمضان: • غزوة بدر: وكانت يوم 17 رمضان، عام 2ه. • فتح مكة: 23 رمضان، عام 8ه. • معركة البويب: 13ه، بقيادة المثنى بن حارثة. • معركة القادسية: 15 ه، بقيادة سعد بن أبي وقاص. • فتح بلاد الأندلس: 92 ه، بقيادة طارق بن زياد. • فتح عمورية: 17 رمضان، 223ه، بقيادة المعتصم. • معركة الزلاقة: 479ه، بقيادة يوسف بن تاشفين. • موقعة حطين: عام 583 ه = 1187م، بقيادة صلاح الدين الأيوبي. • عين جالوت: عام 658ه = 1260م، بقيادة سيف الدين قُطُز. • معركة العاشر من رمضان: عام 1393ه = السادس من أكتوبر 1973م. ♦♦♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الجمعة: إن يوم الجمعة من أفضل أيام الأسبوع، بل من أفضل الأيام عند الله عز وجل؛ فعلى المسلم أن يتحلى بآدابه، وهي: 1-قراءة سورة الكهف: عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة، أضاء له مِن النور ما بين الجمعتين))[6]، وعليه: يُستحبُّ قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، أو ليلتها. 2- الإكثار مِن الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الصلاةَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن أفضلِ ما يتقرَّب به الإنسان إلى الله، وذلك في كل وقت، وفي يوم الجمعة آكَدُ وأفضل؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مِن أفضل أيامكم يومَ الجمعة؛ فيه خُلق آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علَيَّ من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضةٌ عليَّ))، قال: قالوا: يا رسول الله، وكيف تُعرَض صلاتنا عليك وقد أرِمْتَ - بلِيتَ -؟ فقال: ((إن الله عز وجل حرَّم على الأرض أجساد الأنبياء))[7]. وإذا أردتَ - أخي وحبيبي - أن يُذكَر اسمك عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما عليك إلا أن تصلي عليه؛ فلقد وكل الله به ملكًا يبلغه من يصلي عليه من أمته؛ فهو الذي قال صلى الله عليه وسلم: ((أكثروا الصلاة عليَّ؛ فإن الله وكل بي ملكًا عند قبري، فإذا صلى عليَّ رجلٌ من أمتي، قال لي ذلك الملَك: يا محمدُ، إن فلان بن فلانٍ صلى عليك الساعة))[8]. 3- قراءة السجدة والإنسان في فجر الجمعة: حيث كان مِن هَدْيِ النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يقرأ في الجمعة في صلاة الفجر: ï´؟ الم * تَنْزِيلُ ï´¾ السجدة، و ï´؟ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ï´¾))[9]. 4- الاغتسال يوم الجمعة: فقد جاء عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((غُسلُ يوم الجمعة واجبٌ على كل محتلمٍ))[10]. وغُسل الجمعة ليس واجبًا باتفاق العلماء؛ فالوجوب هنا مصروفٌ إلى الندب بأحاديث أخرى؛ منها ما جاء عند الإمام مسلم، وفيه: ((لو اغتسلتم يوم الجمعة))، وفي ذلك يعلق الإمام ابن حجر فيقول: "وعلى هذا الجواب عوَّل أكثر المصنفين في هذه المسألة؛ كابن خزيمة والطبري والطحاوي وابن حبان وابن عبدالبر، وهلم جرًّا، وزاد بعضهم فيه أن مَن حضر من الصحابة وافقوهما على ذلك، فكان إجماعًا منهم على أن الغسل ليس شرطًا في صحة الصلاة، وهو استدلال قوي، وقد نقَل الخطابي وغيرُه الإجماع على أن صلاة الجمعة بدون الغسل مجزئة"[11]. وعليه، فالغسل يوم الجمعة من السنن والمستحبات، اللهم إذا ظهر منه ما يؤذي الناس؛ فوجب عليه حينئذٍ أن يغتسل ويتزين للجمعة، والمعلوم أن صفة غسل الجمعة كغسل الجنابة. 5- مس الطِّيبِ: يحرص دِيننا الحنيف دائمًا وأبدًا على أن يظهر أتباعُه في أفضل صورة وأجمل مظهر؛ فحث الإسلام على التجمُّل والتزيُّن والتطيُّب في يوم الجمعة، وفي ذلك ما جاء عن عبدالرحمن بن أبي سعيدٍ الخدري، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((غُسل يوم الجمعة على كل محتلمٍ، وسواكٌ، ويمس من الطِّيب ما قدر عليه))[12]. 6- استعمال السواك: إن مِن كمال الزينة وتمام الطليعة: أن تكون رائحة الفم كذلك نظيفة؛ فجاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهتم بأمر السواك، وتؤكد على أنه مطهِّر للفم؛ جاء عند البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((السواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرب))، وتنوعت الروايات في الحث على استعماله، منها: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لولا أن أشقَّ على أمتي أو على الناس، لأمرتُهم بالسواك مع كل صلاةٍ))[13]، وعنه أيضًا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((...عند كل وُضوءٍ))[14]. 7- التبكير للصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح، فكأنما قرب بَدَنةً، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرةً، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجةً، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضةً، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذِّكر))[15]. ولو لم يكن في التبكير إلى الجمعة غير هذا الحديث لكفى، وهو ما جاء عن أوس بن أوسٍ الثقفي، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن غسَّل يوم الجمعة واغتسل، وبكَّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغُ، كان له بكل خطوةٍ عمل سنةٍ، أجر صيامها وقيامها))[16]. (مَن غسل): رُوِي مشددًا ومخففًا؛ أي: جامَع امرأته قبل الخروج إلى الصلاة، (واغتسل)؛ أي: للجمعة. (بكَّر): أتى الصلاة أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيء فقد بكَّر إليه. (وابتكر)؛ أي: أدرك أول الخطبة،(ولم يلغُ)؛ أي: لم يتكلم،وهذا الحديث يشتمل على: ♦ سنة الغسل يوم الجمعة. ♦ التبكير إلى الجمعة، والمشي إليها، إلا إذا كان المسجد بعيدًا، فلا بأس بالركوب. ♦ الدنو من الإمام والجلوس في الصفوف الأولى؛ فقد يأتي البعض إلى المسجد مبكرًا، ويجلس في مؤخر الصفوف، وهذا مخالف للسنَّة. ♦ الإنصات والاستماع للخطبة، وعدم الانشغال بما يخرجه عن ذلك، فربما يتحدث البعض مع مجاوره، أو يعبث بشيء معه كهاتفه وغيره، وهذا مخالف لآداب الجمعة والخطبة، قال ابن قدامة: "ويجب الإنصات من حين يأخذ الإمام في الخطبة؛ فلا يجوز الكلام لأحد من الحاضرين، ونهى عن ذلك عثمانُ وابنُ عمر، وقال ابن مسعود: إذا رأيته يتكلم والإمام يخطب، فاقرع رأسه بالعصا، وكره ذلك عامةُ أهل العلم"[17]. ♦ عظم الأجر لِمَن فعَل هذا بأن الله يكتب له: أجر عمل صيام سنة وقيامها؛ أي: يكتب له ثواب: صيام 365 يومًا، وقيام 365 ليلة.. 8- عدم تخطِّي الرقاب: حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من تخطِّي الرقاب يوم الجمعة؛ عن عبدالله بن بُسْرٍ: جاء رجلٌ يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجلِسْ؛ فقد آذَيْتَ))[18]. وقال النووي في المجموع: "ينهى الداخل إلى المسجد يوم الجمعة وغيره عن تخطي رقاب الناس من غير ضرورةٍ، وإن كان غير إمامٍ ورأى فرجةً قدامهم لا يصلها إلا بالتخطي قال الأصحاب: لم يُكرَهِ التخطي؛ لأن الجالسين وراءها مفرطون بتركها، وسواءٌ وجد غيرها أم لا، وسواءٌ كانت قريبةً أم بعيدةً، لكن يستحب إن كان له موضعٌ غيرها ألا يتخطَّى"[19]. 9- نافلة الجمعة: والحديث فيها عن مسألتين: الأولى: تحية المسجد: من السنَّة لمن دخل المسجد أن يصليَ ركعتين قبل أن يجلس؛ فللداخل ذلك، سواءٌ قبل الخطبة أو أثناءها، أما قبل الخطبة فلعموم لفظ الحديث: عن أبي قتادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: دخلتُ المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ بين ظَهْرانَيِ الناس، قال: فجلست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منعك أن تركع ركعتين قبل أن تجلس؟))، قال: فقلت: يا رسول الله، رأيتُك جالسًا والناس جلوسٌ، قال: ((فإذا دخل أحدكم المسجد، فلا يجلِسْ حتى يركع ركعتين))[20]. ولخصوص السبب: عن جابر بن عبدالله، قال: جاء رجلٌ والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: ((أصليت يا فلان؟))، قال: لا، قال: ((قُمْ فاركَعْ ركعتين))[21]. وعليه، فإذا دخل أحدٌ المسجدَ في وقت الجمعة أو غيرها، فيستحب له صلاة ركعتَين تحية المسجد، فإذا دخل أثناء الخطبة صلى ركعتين خفيفتين، قال النووي: "مذهبنا أنه يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد، ويخففهما، ويُكرَه له تركهما"[22]. الثانية: هل للجمعة سنَّة قبلية وبعدية؟ قال الإمام النووي: "تسن قبلها وبعدها صلاةٌ، وأقلها ركعتان قبلها وركعتان بعدها، والأكمل أربعٌ قبلها وأربعٌ بعدها، والعمدة فيها حديث عبدالله بن مغفلٍ: ((بين كل أذانين صلاةٌ))[23]، والقياس على الظهر، وأن عبدالله بن مسعودٍ كان يصلي قبل الجمعة أربعًا، وإليه ذهب سفيان الثوري وابن المبارك، وأما السنة البعدية: فجاء عن الإمام الشافعي أنه يُصلَّى بعد الجمعة ركعتانِ، ودليله ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته[24]، وفي رواية: ((إذا صلى أحدكم الجمعة، فليصلِّ بعدها أربعًا))[25]"[26]. والحاصل: أن النافلة بعد الجمعة راتبة ومؤكدة كالظهر، وأنها تصلى ركعتين في البيت، وأربعًا في المسجد، أما سنَّة قبل الجمعة إذا كان الإمام الشافعي يرى للجمعة سنة قبلية، فهناك من خالفه، وقال: إنه ليس للجمعة سنة قبلية، ونخرج من هذا بأن السنة القبيلة ليست مؤكدة، فمن فعلها لم ينكر عليه، ومن تركها لم ينكر عليه، ويلخص ابن تيمية المسألة في السنة القبلية، فيقول: "فتكون الصلاة جائزةً حسنةً، وليست سنةً راتبةً"[27]. 10- عدم اللَّغْو والعبث أثناء الخطبة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن اللغو والعبث أثناء الخطبة، فمن الشباب من يتكلم مع زميله أو يمزح معه أثناء الخطبة، ومنهم من يعبث بهاتفه المحمول، وآخر يقرأ جريدة أو مجلة إذا جلس خارج المسجد. فمن عبث أثناء الخطبة أو لغا، فإن هذا يضيع أجره، ((ومن مس الحصى فقد لغا))[28]، حتى لو بالقليل، ((إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت))[29]... واللغو: هو الكلام المُلْغى الباطل، فمَن لغا في الخطبة، فقد ترك الأدب، وسقط ثواب جمعته. 11- تحرِّي ساعة الإجابة: عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة، فقال: ((فيه ساعةٌ، لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ يصلي، يسأل الله تعالى شيئًا، إلا أعطاه إياه))[30]. والعلماء على أنها آخر ساعة بعد العصر؛ فعن جابر بن عبدالله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يوم الجمعة ثنتا عشرة - يريد - ساعةً، لا يوجد مسلمٌ يسأل الله عز وجل شيئًا، إلا آتاه الله عز وجل؛ فالتمِسوها آخر ساعةٍ بعد العصر))[31]، فاحرص على آداب الجمعة، وتحلَّ بفضائلِها وأحكامِها. ♦♦♦♦♦ درس الفقه: أولًا: الفرق بين شرط الوجوب[32] وشرط الصحة[33]: إذا لم يوجد شرط الوجوب، فإن الصيام لا يبطل، بخلاف شرط الصحة؛ فعدم وجوده يمنع صحة الصيام؛ إذ صحة الصيام متوقفة على شروط الصحة، فلا يكون الصيام صحيحًا بدونها. ثانيًا: شروط صحة الصوم: نذكر أقوال الأئمة الأربعة، ثم نجمع بينها: اشترط الحنفية لصحة الصوم شرطين: أولهما: النية؛ فإنها لا تصح إلا من مسلم، ولا أداء الصوم إلا بالنية؛ تمييزًا للعبادات عن العادات. ثانيهما: الخلو عما ينافي الصوم من حيض ونفاس، وعما يفسده،فإذا حاضت المرأةُ أفطرَتْ وقضَتْ. وعند المالكية: شروط صحة فقط، وشرط وجوب وصحة معًا. فأما شروط الصحة فقط، فثلاثة: أولها: النية، ثانيها: الإسلام، فلا يصح من الكافر،ثالثها: الزمان القابل للصوم، فلا يصح في يوم العيد. وأما شرط الوجوب مع الصحة، فثلاثة أيضًا: أولها: العقل، فلا يجب على المجنون أو المغمَى عليه، ولا يصح منهما. ثانيها: النقاء من دم الحيض والنفاس، فلا يجب الصوم عليهما، ولا يصح منهما. ثالثها: دخول شهر رمضان، فلا يجب صوم رمضان قبل ثبوت الشهر، ولا يصح. واشترط الشافعية أربعة شروط: الأول: الإسلام حال الصيام، فلا يصح من كافر، ولا مرتد. الثاني: التمييز، فلا يصح من غيره. الثالث: الخلو من الحيض والنفاس والولادة وقت الصوم. الرابع: كون الوقت قابلًا للصوم، فلا يصح صيام أيام العيد أو أيام التشريق. واشترط الحنابلة كالمالكية شروط صحة فقط، وشرط وجوب وصحة معًا، وإليك بيانها: شروط الصحة فقط: الأول: النية. الثاني: انقطاع دم الحيض. الثالث: انقطاع دم النفاس. شروط الوجوب والصحة معًا: الأول: الإسلام. الثاني: العقل. الثالث: التمييز. ويظهَر مِن كلام الأئمة الأربعة أنهم اتفقوا في شروط صحة الصوم على الآتي: النية، والطهارة من الحيض والنفاس، والإسلام، والعقل، والزمن القابل للصيام، وأما الإسلام فهو شرط صحة عند الجمهور، وشرط وجوب عند الحنفية كما بينا[34]. يراجع كتاب: «نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام» لفضيلة الشيخ: أحمد علوان - دار الصفوة بالقاهرة [1] مقدمة كتاب "نزهة النظر شرح نخبة الفكر"، للإمام ابن حجر. [2] تفسير ابن كثير، (ج6، ص386). [3] سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، ج2، ص348، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3/ 1405 هـ = 1985 م. [4] المرجع نفسه، ج2، ص610. [5] المرجع السابق، ج4، ص10. [6] مستدرك الحاكم (3392)، والسنن الكبرى للبيهقي (5996)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. [7] أبو داود (1531)، والنسائي (1374)، وابن ماجه (1085)، عن أوس بن أوس. [8] صحيح الجامع (1207). [9] البخاري (1068)، ومسلم (879). [10] البخاري (879) ومسلم (846). [11] فتح الباري، ج2، ص361. [12] مسلم (846). [13] البخاري (887)، وفي رواية لمسلم: ((لأمرتهم بالسواك عند كل صلاةٍ))، رقم (252). [14] ذكره البخاري في: "باب سواك الرَّطْب واليابس للصائم". [15] البخاري (881)، ومسلم (850). [16] سنن الترمذي (496)، سنن ابن ماجه (1087)، ومسند أحمد (16962)، وإسناده صحيح. [17] المغني لابن قدامة، ج2، ص237. [18] أبو داود (1118)، والنسائي (1399)، وابن ماجه (1115)، وأحمد (17674)، وصححه الأرناؤوط. [19] المجموع للإمام النووي، ج4، ص546 بتصرف. [20] مسلم (714). [21] البخاري (930)، وعند مسلم: "جاء سليكٌ الغطفاني يوم الجمعة" (875). [22] المجموع، (ج4، ص552). [23] البخاري (624) ومسلم (838). [24] مسلم (882). [25] مسلم (881). [26] راجع: المجموع للنووي، (ج4، ص9، 10) باختصار. [27] الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، (ج2، ص354) بتصرف يسير، دار الكتب العلمية، ط1/ 1408ه = 1987م. [28] مسلم (857). [29] البخاري (934)، ومسلم (851). [30] البخاري (935)، ومسلم (852). [31] أبو داود (1048)، وصححه الألباني. [32] هو: ما لا يدخل تحت قدرة المكلف، ولا يكلف الإتيان به. [33] هو: ما يدخل تحت قدرة المكلف، وفي استطاعته الإتيان به. [34] راجع: الفقه على المذاهب الأربعة، ج1، (ص496 - 498) (باختصار). |
رد: دروس رمضانية
الدعاء في رمضان (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله فاطر السموات والأرَضين، الذي تكفل لنا بحفظ الملة والدِّين، أرسل لنا خير الثقلين وأفضل الخلق أجمعين، إمام النبيين والمرسلين، الذي أرسله ربه رحمة للعالمين، ومكَّن له في ربوع الأرض مشارقها ومغاربها ليبلغ هذا الدين، وبعد: فقد عِشْنا في الحلقة الماضية من حلقات: مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان "مع ذكر الله في رمضان"، وهذا هو اللقاء الخامس، وهو بعنوان: (الدعاء في رمضان). أما عن الدعاء في رمضان، فلا يخفى علينا أن الله أعقب آيات الصيام في القرآن الكريم، بآية الدعاء، فقال: ï´؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ï´¾ [البقرة: 186]. وفي سنة نبينا صلى الله عليه وسلم ما يؤكد على مكانة الدعاء وعلاقته بالصيام، وأكدت السنَّة أن من الأوقات التي يستجاب فيها الدعاء: دعاء الصائم عند فطره؛ فعن أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاث دعوات لا ترد: دعوة الوالد لولده، ودعوة الصائم، ودعوة المسافر))[1]. الهمة العالية في الدعاء: همة الفاروق عمرَ: "عن حفصة، قالت: سمعت عمر يقول: اللهم قتلًا في سبيلك، ووفاة ببلد نبيك، قالت: قلت: وأنى يكون هذا؟ قال: يأتي به اللهُ إذا شاء"[2]. فقد مات عمر شهيدًا في سبيل الله، عندما طعنه أبو لؤلوة المجوسي وهو يصلي بالناس الفجر في المسجد، ثم استأذن أن يدفن مع صاحبيه - رسول الله وأبي بكر، وتحققت دعوتُه. همة ابن مسعود: عن عبدالله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه بين أبي بكرٍ وعمر، وعبدالله يصلي، فافتتح النساء فسحلها - قراءة متتابعة متصلة - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن أحب أن يقرأ القرآن غضًّا كما أنزل، فليقرَأْه على قراءة ابن أم عبدٍ))، ثم تقدم يسأل، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ))، فقال فيما سأل: اللهم إني أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفَد، ومرافقة نبيك محمدٍ صلى الله عليه وسلم في أعلى جنة الخلد، قال: فأتى عمرُ رضي الله عنه عبدالله ليبشره، فوجد أبا بكرٍ رضوان الله عليه قد سبقه، فقال: إن فعلتَ، لقد كنتَ سباقًا بالخير[3]. الشافعي يعلم همة الدعاء: ويروى أن الإمام الشافعي كان يطوف حول الكعبة، فسمع رجلًا يقول: يا ربي، هل أنت راضٍ عني؟ قال: يا هذا، هل أنتَ راضٍ عن الله حتى يرضى الله عنك؟ قال الرجل: وكيف أرضى عن الله؟ قال الشافعي: إذا كان سرورُكَ بالنقمة كسرورِكَ بالنعمة، فقد رضِيتَ عن الله. ♦♦♦ السؤال السادس: كم مرةً ذُكِر اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن؟ تكرَّر اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم أربع مرات، وترتيبها كالتالي: الموضع الأول: قال تعالى: ï´؟ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ï´¾ [آل عمران: 144]. الموضع الثاني: قال تعالى: ï´؟ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ï´¾ [الأحزاب: 40]. الموضع الثالث: قال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ï´¾ [محمد: 2]. الموضع الرابع: قال تعالى: ï´؟ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ï´¾ [الفتح: 29]. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الدعاء: إن عبادة الدعاء يحبها الله عز وجل؛ فهو سبحانه يحب أن يسمع صوت عباده، ينادونه ويناجونه، ويتضرعون إليه ويلجؤون إليه، ويستعينون به ويلوذون بجَنابه، ويُكثرون من سؤاله؛ لذا فسوف أستعين بالله هنا على ذكر آداب الدعاء كما جاءت في القرآن والسنَّة، وجمعت فيها خمسة عشر أدبًا. 1- النية: ذكرت سابقًا أهمية هذا الأدب في كل طلب، وأن قبول الأعمال مرهون بإخلاص النيات، فكلما أخصلت لربك كان هذا أرجى لقَبول عملك، فجدِّدْ نيتَك، واستحضر قلبك عند الدعاء. 2- الطهارة: هي أدب وليست شرطًا، بمعنى أنه يجوز أن يدعوَ بلا وضوء، ولكن إن كان على طهارة فهو أفضل؛ فهو يكلِّمُ ربه، ويناجي خالقَه. 3- البَدْء بحمد الله والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن فَضالة بن عبيدٍ صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: سمع رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يدعو في صلاته لم يمجِّدِ الله تعالى، ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عَجِلَ هذا))، ثم دعاه فقال له - أو لغيره -: ((إذا صلى أحدكم، فليبدأ بتمجيد ربه جل وعز، والثناء عليه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يدعو بعدُ بما شاء))[4]. 4- رفعُ اليدين واستقبال القِبلة: عن سلمان الفارسي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن الله حييٌّ كريمٌ، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين))[5]، وفي هذا الحديث دليل على مشروعية رفع اليدين في الدعاء. 5- ابدأ بالدعاء لنفسك، أولًا ثم اجمع: وقد أشار القرآن لمثل هذا، قال ربُّنا: ï´؟ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ï´¾ [الأعراف: 151]. وهذه سنَّة أيضًا نتعلَّمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكان مِن هديِه صلى الله عليه وسلم أنه "إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه: رحمة الله علينا، وعلى أخي كذا"[6]. 6- اليقين بالإجابة: بأن تكون على يقين أن الله قريب منك، مستجيب لدعوتك؛ فهو الذي قال في كتابه: ï´؟ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ï´¾ [البقرة: 186]. وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا تأكيده على ذلك، فقد قال: ((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ))[7]. 7- عدم الدعاء بإثم أو قطيعة رحِمٍ: عن جبير بن نفيرٍ: أن عبادة بن الصامت حدَّثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما على الأرض مسلمٌ يدعو الله بدعوةٍ إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يَدْعُ بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ))، فقال رجلٌ من القوم: إذن نُكثِرَ، قال: ((اللهُ أكثَرُ))[8]. 8- عدم الاعتداء في الدعاء: قال الله تعالى: ï´؟ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ï´¾ [الأعراف: 55]. وقد أخبَر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيكون أناسٌ يعتدون في الدعاء؛ عن أبي نعامة، عن ابنٍ لسعدٍ، أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة، ونعيمها، وبهجتها، وكذا، وكذا، وأعوذ بك من النار، وسلاسلها، وأغلالها، وكذا، وكذا، فقال: يا بني، إني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء))؛ فإياك أن تكونَ منهم، إنك إن أعطيت الجنة أُعطيتَها وما فيها من الخير، وإن أُعِذْتَ مِن النار أُعِذْتَ منها وما فيها من الشر[9]. 9- عدم استعجال الإجابة: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يَدْعُ بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ، ما لم يستعجل)) قيل: يا رسول الله، ما الاستعجال؟ قال: يقول: ((قد دعوتُ وقد دعوتُ، فلم أرَ يستجيب لي، فيستحسِرُ عند ذلك ويدَعُ الدعاء))[10]. 10- إظهار الذل والخضوع بين يدي الله: فإظهار الذل والمسكنة بين يدي الله، قريب من إجابة الدعاء، وهذا يذكِّرُنا بموقف النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يومَ بَدْرٍ؛ أن من أسباب النصر على المشركين: التذللَ لله والخضوع له؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ï´¾ [آل عمران: 123]. 11- الإلحاح في الدعاء: كما وصف عبدالله بن مسعود دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "وكان إذا دعا دعا ثلاثًا، وإذا سأل سأل ثلاثًا"[11]. 12- تحرِّي أوقاتِ الإجابة، وهي: عند سماع النداء - الأذان - وبين الأذان والإقامة، وفي الثلث الأخير من الليل، وآخر ساعة من نهار يوم الجمعة؛ فقد جاء في الحديث أن يوم الجمعة فيه ساعة إجابة، ودُبُر الصلوات المكتوبة، وعند نزول المطر، وعند التقاء الجيشين، وعند شرب ماء زمزم، وعند سماع صياح الديكة، وعند المريض، وفي السجود، وعند إفطار الصائم، ويوم عرفة، وعند الكعبة. 13- تجنُّب موانع الإجابة: كأكل الحرام، والربا، وأكل أموال الناس بالباطل؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمَر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ï´¾ [المؤمنون: 51]، وقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ï´¾ [البقرة: 172]، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعَثَ أغبَرَ، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعَمُه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرام؛ فأنَّى يستجاب لذلك؟!))[12]. 14- الإكثار من الدعاء وقت الرخاء: فقد حكى لنا القرآن عن نبي الله يونس عليه السلام: أنه كان مِن الذين يذكرون الله كثيرًا وقت الرخاء، فنجاه الله وقت الشدة؛ قال ربُّنا: ï´؟ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ï´¾ [الصافات: 143، 144]. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سرَّه أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب، فليُكثِرِ الدعاءَ في الرخاء))[13]. 15- الختام بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عن علي قال: "كل دعاءٍ محجوبٌ حتى يصلَّى على محمدٍ وآلِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم"[14]. وقال أبو سليمان الداراني - رحمه الله -: "مَن أراد أن يسأل الله حاجة، فليبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسأله حاجته، ثم يختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن اللهَ عز وجل يقبل الصلاتينِ، وهو أكرمُ مِن أن يدَعَ ما بينهما"[15]. أدِمِ الصلاة على الحبيبْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فصلاتُه نورٌ وطيبْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وادْعُ الإلهَ بها تجِدْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ه دائمًا هو يستجيب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فإذا دعوتَ الله في https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أمرٍ عظيمٍ أو عصيب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فابدَأْ دعاءك واختتِمْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif هُ بالصلاة على الحبيب https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ♦♦♦ درس الفقه: أقوال الأئمة في تبييت النية: قالوا: "يشترط تبييت النية ليلًا قبل الفجر عند الجمهور، لكنها تصح عند الحنفية في الصوم المعين قبل الزوال، ومجرد التسحر من أجل الصوم يُعَد نية مجزئة؛ لأن السَّحور في نفسه إنما جُعل للصوم، بشرط عدم رفض نية الصيام بعد التسحر، ويكون لكل يوم من رمضان نية مستقلة تسبقه، وأجاز الإمام مالك صوم الشهر كله بنية واحدة في أوله، أما إذا كان الصوم غير واجب فيجوز تأخير النية لِما بعد الفجر، لمن لم يأت بمفطر وأراد أن يكمل اليوم صائمًا تطوعًا فله ذلك"[16]. ودليل شرط النية في الفرض: ما جاء عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن لم يُجمِعِ الصيامَ قبل الفجر، فلا صيام له))[17]. ودليل عدم اشتراط النية في التطوع: ما ورد عن عائشة أم المؤمنين، قالت: دخَل عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ فقال: ((هل عندكم شيءٌ؟))، فقلنا: لا، قال: ((فإني إذًا صائمٌ))[18]. قال الإمام النووي: "وفيه دليلٌ لمذهب الجمهور؛ أن صوم النافلة يجوز بنية في النهار قبل زوال الشمس"[19]. وذكر البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: (باب إذا نوى بالنهار صومًا)، وذكر فيه: "وقالت أم الدرداء: كان أبو الدرداء يقول: "عندكم طعامٌ؟"، فإن قلنا: لا، قال: "فإني صائمٌ يومي هذا"، وفعَله أبو طَلحةَ، وأبو هريرة، وابن عباسٍ، وحذيفة رضي الله عنهم"[20]. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان دار الصفوة بالقاهرة. [1] السنن الكبرى للبيهقي (6392)، وصححه الألباني. [2] المعجم الأوسط للطبراني (2795). [3] مسند أحمد (4255)، وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. [4] أبو داود (1481)، والترمذي (3477)، وقال: حسن صحيح. [5] الترمذي (3556)، وقال الألباني: صحيح. [6] صحيح مسلم (2380). [7] الترمذي (3479)، وقال الألباني: حسن. [8] الترمذي (3573)، وقال: حسن صحيح. [9] أبو داود (1480)، وقال الأرناؤوط: حسن. [10] مسلم (2735). [11] مسلم (1794). [12] مسلم (1015). [13] الترمذي (3382)، وحسنه الألباني. [14] المعجم الأوسط للطبراني (721)، وذكره الألباني في الصحيحة، رقم (2035). [15] إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد الغزالي، (ج1، ص307)، دار المعرفة - بيروت. [16] انظر: كتاب الصيام، ص23، الصادر عن دار الإفتاء المصرية. [17] أبو داود (2454)، والترمذي (2333)، والنسائي (730)، وصححه الألباني. [18] مسلم (1154). [19] شرح النووي على مسلم، (ج8، ص35)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط2/ 1392ه. [20] البخاري، (ج3، ص23). |
رد: دروس رمضانية
القرآن في رمضان (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، الحمد لله الذي خلق الأرض والسموات، الحمد لله الذي علِمَ العَثَرات، فسترها على أهلها وأنزل الرحمات، ثم غفرها لهم ومحا عنهم السيئات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: له الحمد ما تعاقبت الخطوات، وله الحمد عدد حبات الرمال في الفَلَوات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: عدد ذرات الهواء في الأرض والسموات، وعدد الحركات والسكنات، وبعد: فلقاؤنا يتجدد مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وهذا هو اللقاء السادس، الذي سيكون حول القرآن في رمضان؛ فالقرآن الكريم من أفضل العبادات التي قد يؤديها الصائم في رمضان؛ فالصيامُ والقرآن مترابطانِ متجاوران؛ فقد قرنهما النبي صلى الله عليه وسلم معًا؛ فقد جاء عن عبدالله بن عمرٍو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الصيام والقرآن يَشفعانِ للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب، منعتُه الطعامَ والشهوات بالنهار؛ فشفِّعْني فيه، ويقول القرآن: منعتُه النوم بالليل؛ فشفِّعْني فيه))، قال: ((فيُشَفَّعانِ))[1]. كما أن شهر رمضان هو الشهر الذي نزل فيه القرآن؛ قال ربنا: ï´؟ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ï´¾ [البقرة: 185]. لذا؛ كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ليدارسه القرآن؛ عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلةٍ في شهر رمضان حتى ينسلخ، يَعرِض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة"[2]. فعلى الصائم أن يدارس القرآن كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدارسه، وأن تكون معايشته للقرآن في رمضان أكثر من غيره؛ فرمضانُ هو شهر القرآن، فليكن همك وهمتك أن تختم القرآن أكثر من مرة في رمضان، وإن كانت الأحاديث الواردة في هذا الباب بعضها يشير إلى عدم قراءة القرآن في أقل من ثلاث ليال، وبعضها يشير إلى سبعة أيام، وأخرى عشرة أيام، وللعلماء في كم تختم القرآن كلام وأفهام؛ فقد قال الإمام النووي - رحمه الله -: "أكثر العلماء على أنه لا تقدير في ذلك، وإنما هو بحسب النشاط والقوة، فعلى هذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص"[3]. يا ترى كم ختمة ختمتَ هذا العام؟! إذا كان العلماء يرون أن عدد مرات ختم القرآن في رمضان لا تقدير له، ويختلف باختلاف نشاط الصائم وهمته، فنقل لنا التاريخ الهمةَ العالية للسلف الصالح مع القرآن في رمضان، أذكر بعضها[4] حتى يكون في ذلك حافزٌ: • كان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليالٍ، وبعضهم في كل سبع، منهم قتادة، وبعضهم في كل عشرة، منهم أبو رجاء العُطاردي. • كان قتادة يختم في كل سبع دائمًا، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة. • كان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه. • كان مالكٌ إذا دخل رمضان يفِرُّ من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويُقبِل على تلاوة القرآن من المصحف. • كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن. • ومِن السلف مَن ختم القرآن في ركعة، أو في يوم وليلة؛ فالذين ختموا القرآن في ركعة: عثمان بن عفان، تميمٌ الدَّاريُّ، سعيد بن جبير، ومجاهد، والذين ختموه في يوم وليلة مثل الشافعي. قد يعجَب البعض من هؤلاء، ويقول: كيف هذا في مِثل هذا؟! وهل لأحد أن يعقل هذا؟! أقول: إن وقع مثل هذا، فقد يستبعد العوام هذا، لكن ليس من الغريب أو العجيب أن يفعل الخواص هذا؛ فربك يعطي من يشاء، ويفتح لمن يشاء، فصاروا مشعلًا في العلم والعمل، ونبراسًا في الدعوة إلى الله، لم يكن همهم حشو البطون، ولا الإغراق في النعم، وإنما بذل الجهد والسعي في شحذ الهمم، ثم هل لأحد أن ينكر الكرامات للأولياء والصالحين الذين عاشوا في القمم. تلك همة السلف وحالهم مع القرآن، فهل ستزاحمهم وتنافسهم؟ وكم ختمة ستقرأ هذا العام؟ ويا ترى هل سيكون حالك مع القرآن بعد رمضان كحالِكَ الآن في رمضان؟ أم ستهجره بعد أن يمضي رمضان؟ وأي نوع من الهجر سيكون؟ هل ستهجر تلاوته أم سماعه أم تدبره أم العمل به؟! حبيبي، ما هو شعورك عندما تمر في ختمتك وتلاوتك على هذه الآية: ï´؟ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ï´¾ [الفرقان: 30]. تعالَوْا معًا نتذكرأنواع هجر القرآن، وانظر هل أنت منهم! يقول الإمام ابن القيم: "هجر القرآن أنواع، أحدها: هجر سماعه والإيمان به والإصغاء إليه، والثاني: هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه، وإن قرأه وآمن به، والثالث: هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يُفيد اليقين، وأن أدلتَه لفظية لا تحصِّل العلم، والرابع: هجر تدبُّره وتفهُّمه، ومعرفة ما أراد المتكلم به منه، والخامس: هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها، فيطلب شفاء دائه من غيره، ويهجر التداوي به"[5]. وصية عملية: ما رأيك لو حملت مصحفك الخاص معك، فقرأت منه في وسائل المواصلات، ومكان العمل، فتلك فرصة تساعدك على قراءة أكبر قدر ممكن. ♦ ♦ ♦ السؤال السابع: كم عدد الأنبياء والرسل؟ سأل أبو ذر رضي الله عنه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: ((مائة ألفٍ وأربعةٌ وعشرون ألفًا، الرسلُ من ذلك ثلاثمائةٍ وخمسة عشر جمًّا غفيرًا))[6]. ومن خلال الحديث: يكون عدد الأنبياء: (124) ألف نبي، وعدد الرسل: (315) رسولًا. ♦ ♦ ♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب تلاوة القرآن: إن تلاوة القرآن الكريم لها آداب وأحكام، على القارئ أن يتحلى بها ويتأدب بها، منها: 1- استحضار النية: فالنية شرط في قبول كل عمل، فمتى صحت نيتك صح عملك، فقُبِلت تلاوتك للقرآن، سَلْ نفسك: لماذا سأقرأ؟ فإن كانت قراءتك لله فامضِ، وإلا فجدِّدْ نيتك؛ حتى تكون صالحة خالصة لله، ويكون عملك مقبولًا مأجورًا مشكورًا. 2- الطهارة: فمن الأدب عند تلاوة القرآن: أن تكون على وضوء، وإن كانت هذه المسألة اختلف فيها العلماء كثيرًا، لكن أرى من الأكمل والأفضل أن تتوضأ قبل القراءة، وإن قرأت بغير وضوء، فلا إثم عليك، وهذا كله متعلق بالحدث الأصغر، يقول الإمام النووي: "أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدِثِ، والأفضل أنه يتطهر لها، قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط: ولا نقول: قراءة المحدِثِ مكروهةٌ؛ فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث"[7]، ويقرأ من حفظه، أما مس المصحف بغير وضوء، فلا يفعل، سواء كان على حدث أصغر أو أكبر؛ عملًا بقول عليٍّ رضي الله عنه: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنبٍ، فأما الجنب فلا، ولا آية"[8]. وهنا نتفق: أن قراءة القرآن في الحدَث الأصغر جائزة بدون وضوء، أما مس المصحف فلا يجوز لغير المتوضأ، سواء في الحدث الأصغر أو الأكبر. وبالنسبة لقراءة القرآن في الحدث الأكبر؛ كالرجل الجنب، أو المرأة الحائض: فلا يقرأ من المصحف أو غيره؛ لحديثِ علي المتقدم، وهذا رأي الجمهور، وهو المنع، ويوجد رأي بالجواز، وفي المسألة خلاف بين الأئمة الأربعة، فمن أراد المزيد فليراجع كتب الفقه. 3- استقبال القبلة: وهو من الأدب، وليس من الواجب. 4- استعمال السواك: حتى يجعل رائحة الفم طيبة؛ عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليَسْتَكْ؛ فإن أحدكم إذا قرأ في صلاةٍ وضع ملَكٌ فاه على فيه، فلا يخرج مِن فيه شيءٌ إلا دخل فمَ الملَك"[9]. 5- تحسين الصوت: عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((ما أذِنَ اللهُ لشيءٍ ما أذِنَ لنبي حسَنِ الصوت يتغنى بالقرآن، يجهر به))[10]، وعن البراء بن عازبٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((زيِّنوا القرآنَ بأصواتكم))[11]. فعلى قارئ القرآن أن يجتهد في تحسين صوته؛ فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحرصون على ذلك؛ كما جاء عن أبي موسى الأشعري أنه قال: استمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءتي من الليل، فلما أصبحت، قال: ((يا أبا موسى، استمعتُ قراءتك الليلة، لقد أوتيتَ مِزمارًا من مزامير آل داود))، قلت: يا رسول الله، لو علمتُ مكانك، لحبَّرْتُ لك تحبيرًا[12]. 6- تعاهُد القرآن: فقد أوصانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن نتعاهد القرآن بالقراءة؛ عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تعاهدوا القرآن؛ فوالذي نفسي بيده، لهو أشدُّ تفصِّيًا من الإبل في عُقُلِها))[13]. وتعاهُدُ القرآن: هو المواظبة على تلاوته، والاهتمام بحفظه وتحفيظه للأولاد، (أشد تفصِّيًا)؛ أي: أسرع خروجًا، (عُقُلها): جمع عِقال، وهو الحبل الذي يُعقَل به البعير. والشاهد من الحديث: أن القرآن قد ينساه صاحبه إذا لم يحافظ على قراءته ويتعاهَدْ وِرْدَه. 7- السؤال والاستعاذة: فمِن هَدْيِه صلى الله عليه وسلم أنه إذا مر بآية فيها رحمة سأل الله، وإذا مر بآية فيها خوف استعاذ بالله، فكما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم "إذا مر بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبح، وإذا مر بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ"[14]. 8- التدبُّر: وهو أهمُّ الآدابِ؛ أن يتدبرَ القارئ ما يقرؤه ويتلوه؛ فقد قال ربنا عز وجل: ï´؟ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ï´¾ [محمد: 24]، وقال أيضًا: ï´؟ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ï´¾ [ص: 29]. 9- سجود التلاوة: وهو سنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة، قال: "يا أيها الناس، إنا نمرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومَن لم يسجد فلا إثم عليه"، ولم يسجد عمر رضي الله عنه، وزاد نافعٌ، عن ابن عمر رضي الله عنهما: "إن الله لم يفرض السجودَ إلا أن نشاء"[15]. 10- الاجتماع على مجالس القراءة: إن مِن أجملِ ما يقوم به عُمَّارُ المساجد إقامة مجالس للتلاوة، ثم ما أجمل أن يقوم بذلك الآباء والأمهات مع أبنائهم في البيوت، ويجتمعوا على كتاب الله، وقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوابَ مَن فعل ذلك، فقال: ((... وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارَسونه بينهم، إلا نزلَتْ عليهم السكينةُ، وغشِيَتهم الرحمة، وحفَّتْهم الملائكة، وذكَرهم اللهُ فيمَن عنده، ومَن بطَّأ به عملُه، لم يُسرِعْ به نسَبُه))[16]. تلك عشرة كاملة في آداب تلاوة القرآن الكريم وأحكامِ قراءته. ♦ ♦ ♦ درس الفقه: سُنَن الصيام ومستحباته: يستحب للصائم ما يأتي: 1- السَّحور: فمن السنَّة للصائم أن يتسحَّر، حتى يستعين بسحوره على صيام النهار؛ عن ابن عباسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((استعينوا بطعام السحَر على صيام النهار، وبالقيلولة على قيام الليل))[17]. وحتى يحقِّق سنَّةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصيام، ومن سنن السَّحور: • أن يحافظ عليه، ولو على جرعة من ماء؛ عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((السَّحور أَكلةٌ بركةٌ؛ فلا تدَعوه، ولو أن يجرَعَ أحدكم جَرعةً من ماءٍ...))[18]. • ومنها تأخير السحور؛ عن أبي ذر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تزال أمتي بخيرٍ ما عجَّلوا الإفطار، وأخَّروا السحور))[19]،وعن عائشة تقول: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن الوِصال في الصيام، ويأمر بتبكير الإفطار، وتأخير السحور"[20]. 2- تعجيل الفطر: ومِن سنن الصيام أن يعجِّل الفِطر؛ عن سهل بن سعدٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطر))[21]. ومن السنَّة في الفطور: أن تفطِر على رُطَب، فإن لم تجد فعلى تمر، فإن لم تجد فعلى ماء؛ عن ثابتٍ البُنانيِّ: أنه سمع أنس بن مالكٍ يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفطِر على رطباتٍ قبل أن يصليَ، فإن لم تكن رطباتٌ، فعلى تمراتٍ، فإن لم تكن حسَا حسَواتٍ من ماءٍ"[22]. 3- الدعاء عند الفِطر: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول عند فطره: ((اللهم لك صُمْتُ، وعلى رزقك أفطرت))[23]، ((ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله))[24]. وإذا دُعِيَ للإفطار عند أحد، فليدعُ له بهذا الدعاء، "أفطَر عندكم الصائمون، وأكَل طعامَكم الأبرارُ، وصلَّتْ عليكم الملائكة"[25]. 4- إفطار صائم: عن زيد بن خالدٍ الجهني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن فطَّر صائمًا، كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا))[26]. 5- الطهارة من الحدَث الأكبر قبل الفجر: فعلى الرجل أن يغتسل من الجنابة، والمرأة من الحيض والنفاس، متى تمكن من ذلك قبل الفجر؛ ليكونَ على طُهْر من أول الصوم. والفقهاء متفقون على أن الخلوَّ من الطهارة ليس شرطًا في الصوم؛ فكما جاء عن نساء النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يصبح جُنبًا من جماع، ثم يصوم؛ فعن عائشة، وأم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنبٌ من أهله، ثم يغتسل، ويصوم[27]. 6- حِفظ اللسان والجوارح: لكيلا يضيع أجرك أيها الصائم، فاحفظ لسانك وجوارحك؛ حتى لا يقل الأجر، وينقص ثواب الصيام، حتى لو نالك أحدٌ بسوء، فعليك بما أوصاك به رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يومُ صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن جهل عليه أحدٌ فليقل: إني امرؤٌ صائمٌ))[28]. فالصائم إن لم يحفَظْ لسانه من الكذب والغِيبة والنميمة وفضول الكلام وكثرة الحلف، أو أطلَق العنان لبصره فنظر إلى الحرام، أو لأذنه فسمعت الحرام، أو ليده فتناولت الحرام، أو لرِجله فمشت إلى الحرام - فهذا كله قد يذهَب بالصوم، فلا يكون للصائم إلا الجوع والعطش؛ جاء عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلا السهر))[29]. وفي ذلك قيل: "فكم من صائمٍ عن الطعام مفطر بالكلام، دائب على القيام مؤذٍ للأنام؛ فهو من لسانه وفعله موزور، وعلى صيامه وقيامه غيرُ مأجور"[30]. وقيل: إذا لم يكُنْ في السمع مني تصاوُنٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وفي بصري غضٌّ وفي منطقي صَمْتُï»؟ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فحظي إذًا من صومِيَ الجوعُ والظما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فإن قلتُ: إنِّي صمتُ يومي فما صُمْتُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] مسند أحمد (6626)، وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. [2] البخاري (4997). [3] فتح الباري، ج9، ص97. [4] راجع: لطائف المعارف، لابن رجب الحنبلي، (ج1، ص171)، دار ابن حزم للطباعة والنشر، ط1/ 1424هـ = 2004م. [5] الفوائد، لابن القيم، ص82، دار الكتب العلمية - بيروت، ط2/ 1393 هـ = 1973 م. [6] أحمد (22288)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح، رقم (5737). [7] انظر: المجموع شرح المهذب، للإمام النووي، (ج2، ص69)، دار الفكر. [8] مسند أحمد (872)، وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. [9] شعب الإيمان للبيهقي (1938)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (720). [10] البخاري (7544)، مسلم (792). [11] أبو داود (1468)، والنسائي (1015)، وصححه الألباني. [12] صحيح ابن حبان (7197). [13] البخاري (5033). [14] مسلم (772). [15] البخاري (1077). [16] مسلم (2699). [17] سنن ابن ماجه (1693)، ومستدرك الحاكم (1551)، وإسناده ضعيف. [18] مسند أحمد (11396)، وصححه الأرناؤوط. [19] مسند أحمد (21312)، وضعفه الأرناؤوط. [20] مسند أبي يعلى (4367)، وإسناده صحيح. [21] متفق عليه. [22] سبق تخريجه. [23] أبو داود (2358)، وضعفه الألباني. [24] أبو داود (2357)، ومستدرك الحاكم (1536)، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. [25] أبو داود (3854 )، وابن ماجه (1747)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: صحيح. [26] الترمذي (807)، وقال: حسن صحيح. [27] متفق عليه. [28] ابن ماجه (1691)، ومسند أحمد (7840)، وصححه الألباني. [29] ابن ماجه (1690)، وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط. [30] بستان الواعظين ورياض السامعين، لابن الجوزي، ص226. |
رد: دروس رمضانية
إفطار النبي صلى الله عليه وسلم وقيامه (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله ولي التوفيق، وهادي مَن استهداه لأقوم طريق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الداعين وإمام الهادين، ورضي الله عن أصحابه الغر الميامين، وعن التابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: فهذا هو اللقاء السابع من لقاءات: مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وحديثنا هذه المرة عن كيفية إفطار رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولماذا الفِطر على تمرات؟ ثم كيف كان يقيم الليل؟ وما هو هَدْيه في التراويح؟ على أي شيء يفطر صلى الله عليه وسلم؟ وماذا يقول عند فطره؟ قد جاءت الأحاديث تؤكد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يُفطِر على رُطَب، أو تمر، أو ماء؛ فعن أنس بن مالكٍ يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُفطر على رطباتٍ قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطباتٌ، فعلى تمراتٍ، فإن لم تكن حسَا حسَواتٍ من ماءٍ"[1]. لماذا التمر؟ قالوا: إن سكَّر التمر أسرع سكَّر على الإطلاق، ينتقل من الفم إلى الدم في عَشْر دقائق، فإذا أكلتَ ثلاث تمرات وصل سكرها إلى مركز الشبع في الدماغ، وبعد أكل التمرات الثلاث بعَشْر دقائق تكون قد صليت المغرب، فتشعر أنك شبعان، فتأكل باعتدال،فلا تأكل كثيرًا،فتستطيع أن تصلي التراويح بخشوع وطمأنينة. قيام النبي صلى الله عليه وسلم: كان أول عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتراويح أنه خرج ذات ليلة ليصلي في المسجد، فصلى خلفه الصحابة رضي الله عنهم، ثم الليلة الثانية، ثم الثالثة، وكان عدد الصحابة يزداد في كل ليلة، فخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تُفرَض عليهم فيعجِزوا عنها، وفي ذلك ما جاء عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات ليلةٍ من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجالٌ بصلاته، فأصبح الناس، فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلَّوْا معه، فأصبح الناس، فتحدثوا، فكثُر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: ((أما بعد، فإنه لم يخفَ عليَّ مكانُكم، لكني خشيت أن تُفرَضَ عليكم، فتَعجِزوا عنها))[2]. عدد ركعات التراويح: سُئلت السيدة عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: "ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عَشْرة ركعةً، يصلي أربعًا، فلا تسَلْ عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسَلْ عن حُسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا"[3]. هَدْيُ النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه؟ كان يبدأُ صلاته بالسواك؛عن حذيفة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يشُوصُ فاهُ بالسواك[4]. وكان إذا صلى وحده يُطيل صلاته؛عن حذيفة، قال: صليتُ مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلةٍ، فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعةٍ، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران، فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذٍ تعوَّذ، ثم ركع، فجعل يقول: ((سبحان ربي العظيم))، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: ((سمع الله لمن حمده))، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد، فقال: ((سبحان ربي الأعلى))، فكان سجوده قريبًا من قيامه[5]. ومن هَدْيه: أنه كان يبدأ الصلاة بركعتين خفيفتين؛ فعن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتينِ خفيفتين[6]. وإذا أردتَ أن يُكتَب لك قيام ليلة: فاحرِصْ على أن تصلي التراويح كاملة مع الإمام؛ حتى يُكتَب لك قيام ليلة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حُسِبَ له قيام ليلةٍ))[7]. وصية عملية: إذا أردتَ أن تأخذ ثواب صيام يوم آخر، فعليك بإفطار صائم، فمن فطَّر صائمًا فله مثل أجره، لا ينقص من أجره شيء؛ فساهم في إفطار الصائم، وشارِكْ بنقودك في موائد الإفطار، أو اصنَعْ طعامًا لفردٍ أو أسرة. ♦♦♦ السؤال الثامن: كم مرة ذُكِرت مِصرُ صراحةً في القرآن الكريم؟ ذُكرت مِصر صراحة في القرآن الكريم في أربعة مواضع، وترتيبها كالتالي: الموضع الأول: قال تعالى: ï´؟ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ï´¾ [يونس: 87]. الموضع الثاني: قال تعالى: ï´؟ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [يوسف: 21]. الموضع الثالث: قال تعالى: ï´؟ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ï´¾ [يوسف: 99]. الموضع الرابع: قال تعالى: ï´؟ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ ï´¾ [الزخرف: 51]. أما موضع البقرة، فقال تعالى: ï´؟ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ï´¾ [البقرة: 61]. يقول القرطبي - رحمه الله -: "فمَن صرفها أراد مِصرًا من الأمصار غيرَ معيَّن، وروى عكرمة عن ابن عباس، قال: مِصرًا من هذه الأمصار"[8]. إذًا، من الممكن أن يكون المعنى أي مصرٍ من الأمصار، ومن الممكن أن تكون مصر التي عاش فيها فرعون، لكن الثابت في القرآن الكريم: أن مِصْرَ التي لم تنون هي عَلَمٌ على مِصرَ التي نعيش فيها، أما ï´؟ مِصْرًا ï´¾ بالتنوين فتعني كل وادٍ فيه زرع. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): أدب الاستخارة: مِن الآداب التي لا يستغني عنها كل مسلم، وهي أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن يختار له الأفضل والأَخْيَر، وإليك تعريفها عند العلماء. لغة: "خار الله لك؛ أي: أعطاك ما هو خيرٌ لك، والخِيرة، بسكون الياء: الاسم من ذلك، ومنه دعاء الاستخارة: اللهم خِرْ لي؛ أي: اختَرْ لي أصلح الأمرين، واجعل لي الخيرة فيه،واستخار اللهَ: طلب منه الخِيرة"[9]. اصطلاحًا: "طلب الاختيار؛ أي: طلب صرف الهمة لما هو المختار عند الله والأولى، بالصلاة، أو الدعاء الوارد في الاستخارة"[10]. وصلاة الاستخارة سنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليلها ما جاء عن جابرٍ رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن: ((إذا همَّ بالأمر فليركع ركعتين ثم يقول: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تقدِر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلَم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاقدُرْه لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال: في عاجل أمري وآجله - فاصرِفْه عني واصرفني عنه، واقدُرْ لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به، ويسمي حاجته))[11]. متى يحتاج المسلم إلى الاستخارة؟ إذا أقدم على فعل شيء، وتحير فيه؛ كقدومه على شراء منزل، وعرض عليه أكثر من منزل، فأخذ يسأل ويستشير، وكانت الحيرة، فليلجأ إلى ربه، وربه يختار له الأفضل، وليكن واثقًا بأن تدبير الله له أحسنُ مِن تدبيره لنفسه، واختيار الله له أحسن، وفي ذلك يقول ابن تيمية: "وما اشتبه أمره على العبد، فعليه بالاستخارة المشروعة؛ فما ندِم مَن استخار الله تعالى، وليُكثِرْ من ذلك، ومن الدعاء؛ فإنه مِفتاح كل خير"[12]. وإليك كيفية أدائها: توضَّأ وضوءَك للصلاة، ثم انوِ أنك تصلي الاستخارة، وهي ركعتان، تقرأ في الأولى بسورة (الكافرون)، وفي الثانية بسورة: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾، وبعد التسليم ارفع يديك، وادعُ الله بالدعاء الوارد في الحديث المتقدم لجابر. أما آدابها، فهي: 1- أن يفعلَها في أي أمر، ويعوِّد نفسه الاعتماد على الله في كل أحوالِه وأمورِه، وهذا واضح وجليٌّ مِن الحديث، وهو أن جابرًا قال: "كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يعلِّمنا الاستخارةَ في الأمور كلها". 2- يأتي بالاستخارة في المباحات، ولا يأتي بها في ترك واجب، أو في فعل محرَّم، أو مكروه؛ فقد قال ابنُ حجر عن ابن أبي جمرة: "فإن الواجب والمستحب لا يُستخار في فعلهما، والحرام والمكروه لا يُستخار في تركهما؛ فانحصَر الأمر في المباح وفي المستحب إذا تعارَض منه أمرانِ أيهما يبدأ به"[13]. 3- أن يعزِمَ في طلبه، ويطلب بيقين أن الله سيختار له ما هو أفضل له، وأن يُظهِر الافتقار لله، والانكسار له، والحاجة إليه، وأنه - أي العبدَ - لا حول له ولا قوة إلا بالله. 4- ألا يكونَ المستخير قد اختار لنفسه سلفًا؛ فلو اختار مسبقًا وارتاح لحاجته، واطمأنَّتْ نفسُه، واستقرت عزيمته - فليس في حاجة للاستخارة. 5- يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى سورة (الكافرون)، وفي الركعة الثانية سورة: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾، وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص شيئًا معينًا يقرأ في الاستخارة، لكن استحب بعض أهل العلم - كالإمام النووي، فهو اجتهاد منهم، ليس عليه دليل، وللمستخير أن يقرأ بغيرهما. 6- أن يُصليَ ركعتينِ من غير الفريضة، وأن يدعوَ بدعاء الاستخارة عقب الفراغ من الركعتين، ويجوز بعد التشهُّد وقبل السلام، فإذا جاء عند قوله: (اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر)، هنا: يسمي الشيء الذي يستخير فيه؛ كأن يقول: اللهم إن كنت تعلم أن شرائي سيارة كذا (خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري...)، ثم يكمل الدعاء.. 7- ابدَأْ دعاءَك بالحمد لله، والثناء عليه، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعاء الاستخارة، فإذا فرغت منه، فاختِمْ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 8- يجوز إعادة الاستخارة أكثر من مرة، فإذا فعلها مرةً، ولم ينشرح صدره وظل مترددًا، فله الإعادة مرة ثانية وثالثة، حتى يتبين له شيء، ولأنه كان مِن عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دعا دعا ثلاثًا، فإذا لم يظهر له شيء، قالوا: له أن يستشير أهل الخبرة؛ فقد يجعل اللهُ الاختيارَ في الاستشارة. وهنا سؤال: أيهما يقدم:الاستخارة أم الاستشارة؟! اختلف العلماء في تقديم إحداهما، وإليك ما قاله ابن عثيمين: "والصحيح أن المقدَّم الاستخارة؛ فقدِّم أولًا الاستخارة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا همَّ أحدكم بالأمر فليصلِّ ركعتين)).. إلى آخره، ثم إذا كررتها ثلاث مرات ولم يتبين لك الأمر، فاستشِرْ، ثم ما أشير عليك به، فخُذْ به"[14]. عن سعدٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مِن سعادة ابن آدم: رضاه بما قضى اللهُ له، ومِن شقاوة ابن آدم: تركُه استخارةَ الله، ومِن شقاوة ابن آدم: سَخَطُه بما قضى الله له))[15]. ومما قاله الإمام الحسين بن علي - رضي الله عنهما -: "مَن اتَّكَل على حسن اختيار الله له، لم يتمَنَّ غيرَ ما اختار اللهُ له"[16]. هل يُشترَط أن يرى رؤيا بعد الاستخارة؟ والراجح: أنه لا يُشترَط أن يرى رؤيا بعد الاستخارة، ولا يلزم للاستخارة رؤيا أو حُلم؛ فلم يثبُتْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الاستخارةَ تتحقق بالرؤى، وإنما بانشراح الصدر، وتيسير الأمر، والله أعلم. ♦♦♦ درس الفقه: ما يباح للصائم فِعلُه: مِن الأمور التي يباح للصائم أن يفعلها ما يأتي: أولًا: يباح له ما لا يمكن الاحتراز منه، مثل: غبار الطريق، بَلْع الريق. ثانيًا: المضمضة والاستنشاق، مع عدم المبالغة فيهما؛ عن لَقِيط بن صبرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بالِغْ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائمًا))[17]. ثالثًا: الاغتسال؛ فقد قال أبو بكر: "لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرْجِ يصُبُّ على رأسه الماء وهو صائمٌ من العطش، أو مِن الحر"[18]. العَرْج: بفتح العين وسكون الراء: قريةٌ جامعة على طريق مكةَ، بينها وبين المدينة تسعةٌ وتسعون فَرْسَخًا، وهي في الطريق الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هاجر إلى المدينة، وسُمِّيَت العَرْجَ بتعريج السيول بها. وقد نقَلت إحدى زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه كان يُدرِكه الفجر وهو جنبٌ من أهله، ثم يغتسل، ويصوم[19]. رابعًا: استعمال السواك، لكن قبل الزوال؛ أي: الظُّهْر. خامسًا: الحُقَن، سواء في العضل أو الوريد، إلا الحقنة الشرجية؛ فإنها تُفطِر عند الجمهور، إلا المالكية، فمكروهة. سادسًا: الاكتحال، عن أنس بن مالك أنه "كان يكتحل وهو صائمٌ"[20]. سابعًا: القُبلة، لِمَن ملَك نفسه؛ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبِّلُ وهو صائمٌ، ويباشر وهو صائمٌ، ولكنه أملَكُكم لإِرْبِه[21]، وإذا خاف أن تحرك شهوته، فإنه يكره له ذلك، والأولى تركها. ثامنًا: استعمال العِطْر والروائح الطَّيبة، قال ابن تيمية: "وشَمُّ الروائح الطيبةِ لا بأسَ به للصائم"[22]. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] سبق تخريجه. [2] البخاري (2012)، مسلم (761). [3] البخاري (1147). [4] البخاري (245)، مسلم (255). [5] مسلم (772). [6] مسلم (767). [7] أبو داود (1375)، والنسائي (1364)، وصححه الألباني. [8] تفسير القرطبي، (ج1، ص429)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، ط2/ 1384ه = 1964 م. [9] لسان العرب، لابن منظور، (ج4، ص267)، فصل الخاء المعجمة، دار صادر - بيروت، ط3/ 1414 هـ. [10] انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، (ج3، ص241). [11] البخاري (3682). [12] انظر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، (ج10، ص661)، تحقيق: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ = 1995م. [13] فتح الباري، لابن حجر، (ج11، ص184). [14] شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، (ج4، ص162)، دار الوطن للنشر، الرياض، ط/ 1426 هـ. [15] الترمذي (2151)، وضعَّفه الألباني. [16] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، لابن القيم، (ج2، ص175)، تحقيق: محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي - بيروت، ط3/ 1416 هـ = 1996م. [17] أبو داود (2366)، والترمذي (788)، والنسائي (87)، وابن ماجه (407)، وقال الترمذي: حسن صحيح. [18] أبو داود (2365)، ومسند أحمد (23223)، وإسناده صحيح. [19] البخاري (1926). [20] أبو داود (2378)، وقال الأرناؤوط: حسن موقوف. [21] مسلم (1106). [22] انظر: الفتاوى الكبرى لابن تيمية، ج5، ص376، دار الكتب العلمية، ط1/ 1408هـ = 1987م. |
رد: دروس رمضانية
السمر مع الأهل ثم النوم (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله الذي أسبَغ نِعَمه علينا باطنةً وظاهرة، والذي لم تزَلْ ألطافه على عباده متوالية ومتظاهرة، أحمده حمدَ عبدٍ لم تزل ألطافه عليه متتابعة متواترة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: شهادةً أرجو بها النجاة في الدار الآخرة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله: صاحب الآيات والمعجزات الباهرة، اللهم صلِّ عليه وعلى آله وأصحابه النجوم الزاهرة، وبعد: فمع اللقاءِ الثامن والأخير مِن لقاءات: مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وسيكون الحديث فيه عن السمَر والحديث مع الأهل، فهذا مِن حق الأهل عليه، بعد حق الله تعالى، فبعد أن يفرغ المسلم من حقوق الله، فصام النهار وقام الليل، اتجه إلى حقوق بيته وأهله، فجلس معهم وتحدث إليهم، ثم ينام مبكرًا ليستيقظ قبل الفجر، حتى يقوم ليله، أو ليتسحَّر. ومِن الأدلة التي توضِّح معالم الحياة النبوية الأسرية، وتحقيق السكنى والمودة والرحمة في بيوتات رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما جاء عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: بتُّ عند خالتي ميمونة، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهله ساعةً، ثم رقد..."[1]. وما جاء عن عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مِن أكملِ المؤمنين إيمانًا أحسنَهم خُلقًا، وألطَفَهم بأهلِه))[2]. وحديث أم زرع[3] خير شاهد وأوضح دليل على إصغائه لأهله، وهو معروف بطوله؛ ففيه إحدى عشر قصة، قصَّتها السيدة عائشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فظل يسمعها حتى فرغت، فاستنبط العلماء من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصف بحُسن المعاشرة مع الأهل، وندب السمر والحديث معهن. وإليكم هذا الحديث، الذي فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخى بين سلمانَ وبين أبي الدرداء، فزار سلمانُ أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذِّلةً، فقال: ما شأنُكِ متبذِّلةً؟ قالت: إن أخاك أبا الدرداء ليس له حاجةٌ في الدنيا، قال: فلما جاء أبو الدرداء قرَّب إليه طعامًا، فقال: كُلْ؛ فإني صائمٌ، قال: ما أنا بآكلٍ حتى تأكل، قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء ليقوم، فقال له سَلْمان: نَمْ، فنام، ثم ذهب يقوم، فقال له: نَمْ، فنام، فلما كان عند الصبح، قال له سَلْمان: قُمِ الآن، فقاما فصليَا، فقال: "إن لنفسك عليك حقًّا، ولربك عليك حقًّا، ولضيفِك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك حقًّا؛ فأعطِ كلَّ ذي حق حقَّه"، فأتيَا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك، فقال له: ((صدَق سَلْمانُ))[4]. فمِن حق أهلك عليك أن تجلس معهم، وأن تسامرهم، ولتحذَرْ معهم الغِيبةَ والنميمة والوقوع في أعراض الناس؛ فهذا ينقص الأجر والثواب، وأنصحك أن تأخذ ساعة من النوم حتى تستطيع القيام لصلاة الفجر، والمكث في المسجد بعده، وقراءة الأذكار... وقال عليٌّ رضي الله عنه: سَلُّوا هذه النفوس ساعةً بعد ساعة؛ فإنها تصدَأُ كما يصدَأُ الحديد. وصية عملية: اجلِسْ مع أهلك ولو ساعة في اليوم، فمن حقها عليك أن تستمع إليها، وأن تسمَعَ منك، بشرط عدم الخوض في أعراض أحد، ولا الكلام في أمور تجرُّ إلى معاصٍ وذنوب. ♦♦♦ السؤال التاسع: ما هي كتب السنَّة الستَّة؟ كتب السنَّة الستَّة، هي بالترتيب: • صحيح البخاري: توفي عام 256هـ. • صحيح مسلم: توفي عام 261هـ. • سنن أبي داود: توفي عام 275هـ. • سنن الترمذي: توفي عام 279هـ. • سنن النسائي: توفي عام 300هـ، وقيل: 303هـ. • سنن ابن ماجه: توفي عام 273هـ. ويضاف إليها: ثلاثة أخرى، فتصبح تسعة، لتُعرَفَ عند أهل الحديث بالكتب التسعة، وهي: • مسند أحمد: توفي عام 241هـ. • موطأ مالك: توفي عام 179هـ. • سنن الدارمي: توفي عام 255هـ. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): (آداب التثاؤب): إن مِن شمولية تعاليم الإسلام: أنه لم يترُكْ لنا شيئًا إلا بيَّن لنا أحكامَه وآدابه، كما أن رسولنا وحبيبنا بهَدْيِه وفِعله وسنَّته، والتي نقلها عنه صحابته رضي الله عنهم، وكان من حرصهم وملازمتهم له: أن يصوروا كيف كان يأكل، كيف كان ينام، ومما علمه الرسول للصحابة: آدابُ التثاؤب، وهي: 1- ضَعْ يدَك على فمك عند التثاؤب: إن التثاؤب ناتج الكسل، أو منتوجه، وما كان طريقه أو نتيجته الكسل فللشيطان فيه واسطة وطريق؛ لذا جاءت معظم الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تدعو كل من يتثاءب أن يضَعَ يدَه على فمه، أو يكظم تثاؤبه، وألا يرفع صوته، ولا يقول: آه آه.. وكلها تحذيرات لئلا يضحك منه الشيطان، أو يدخل في فم الإنسان.. وهذا هو الهَدْي النبوي، الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم منذ 1437هـ؛ فعن عبدالرحمن بن أبي سعيدٍ، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا تثاءب أحدكم، فليُمسِكْ بيده؛ فإن الشيطانَ يدخُلُ))[5]. كيف يدخل الشيطان؟! يوضِّح ذلك الإمام ابن حجر فيقول: "يحتمل أن يراد به الدخول حقيقة، وهو وإن كان يجري من الإنسان مجرى الدم، لكنه لا يتمكن منه ما دام ذاكرًا الله تعالى، والمتثائب في تلك الحالة غير ذاكرٍ، فيتمكن الشيطان من الدخول فيه حقيقة، ويحتمل أن يكون أطلق الدخول وأراد التمكن منه؛ لأن مِن شأن مَن دخَل في شيء أن يكونَ متمكنًا منه"[6]، فإذا تثاءب أحدكم فليضع يدَه على فمه؛ حتى لا يدخل الشيطانُ بأحد الطريقين، وليس تغطية الفم باليد فقط، بل تكون بغطاء الرأس أيضًا، أو بالكم وغيره. صفة وَضْع اليد على الفم: يوضِّح لنا ذلك الإمام السفاريني بقوله: "إن غطَّيْتَ فمك في التثاؤب بيدك اليسرى فبظاهرها، وإن كان بيدك اليمنى فبباطنها، قال: والحكمة في ذلك؛ لأن اليسرى لِمَا خبُث، ولا أخبث من الشيطان، وإذا وضع اليمنى فبطنها؛ لأنه أبلغ في الغطاء، واليسرى معدةٌ لدفع الشيطان، وإذا غطى بظهر اليسرى فبطنها مُعدٌّ للدفع"[7]. 2- لا تقل: آه آه عند التثاؤب: ومِن تمام آداب التثاؤب، وعدم وصول الشيطان إليك: ألا تقول: آه آه؛ فالشيطانُ يضحَكُ منها؛ عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((العُطَاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليضع يدَه على فيه، وإذا قال: آه آه، فإن الشيطانَ يضحك من جوفه...))[8]. 3- لا ترفع صوتك: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحب العُطَاس، ويكره التثاؤب، فإذا عطس فحمِد الله، فحقٌّ على كل مسلمٍ سمِعه أن يُشمِّتَه، وأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان، فليرُدَّه ما استطاع، فإذا قال: ها، ضحك منه الشيطان))[9]. 4- اكظِمِ التثاؤب قدرَ استطاعتِك: ويكون الكَظْم بضم الشَّفَتين، وإلا فباليد كما بينت آنفًا؛ عن أبي هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدُكم فليكظِمْ ما استطاع))[10]. وفيه إشارات: أولها: جمالُ المظهَر، إذ لو تخيلت المتثائب وهو يفتح فاه، مظهر فيه ما فيه. ثانيها: إذا فتح فاه قد تخرج رائحةُ الفم، فيتأذى منها مَن يشَمُّها. ثالثها: منع دخول الحشرات إلى الفم. رابعها: قال بعض العلماء: وفيه وقاية من حدوث خلع في المفصل الفكي الصدغي، الذي قد ينتج بسبب الحركة المفاجئة للفك السفلي. 5- أن تستعيذ بالله من الشيطان: لم يرِدْ نصٌّ صريح في السنَّة النبوية يقول بالاستعاذة عند التثاؤب، ولكن لما كان التثاؤب من الشيطان، استحبَّ العلماء أن نستعيذ بالله من الشيطان؛ لقول الله تعالى: ï´؟ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [الأعراف: 200]. وحاصله: إذا قال المتثائب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلا حرج في ذلك، إن شاء الله. لطيفة: ذكر ابن حجر عن بعض العلماء: مِن الخصائص النبوية: أنه ما تثاءب نبيٌّ قط. ♦♦♦ درس الفقه: مكروهات الصيام: ذكرنا آنفًا ما يباح للصائم فعله، وهنا نذكر ما يكره فعله، وذلك كالتالي: 1- المبالغة في المضمضة والاستنشاق. 2- القُبْلة التي تحرك الشهوة، وكذا المباشرة والمعانقة، ومقدِّمات الجِماع، وما يخشى منه تحريك الساكن. 3- الوِصال في الصوم؛ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الوِصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل؟! قال: ((إني لستُ كهيئتكم؛ إني يُطعِمُني ربي ويَسقين))[11]. 4- الإكثار من النوم بالنهار، والانشغال باللهو واللعب، والترفُّه بالمباحات. 5- استعمال السواك بعد الزوال - أي بعد الظهر - وذلك عند الشافعية، خلافًا للجمهور، فليس بمكروه. 6- ذوق الطعام لغير حاجة، خوفًا من أن يصل منه شيء إلى الجوف، وشم ما لا حاجة به، فيصل شيءٌ منه إلى الحلق؛ كالبخور وغيره. 7- مضغ العِلْك - اللبان. 8- ترك الصائم بقية طعام بين أسنانه، خشية أن يجري ريقه بشيء منه إلى جوفه. 9- الحجامة؛ لأنها قد تُضعِف الصائم، وإليك أقوال الأئمة في الحجامة للصائم: قال ابن قدامة: "يرى الحنابلة أن الحجامة يُفطِر بها الحاجم والمحجوم، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: يجوز للصائم أن يحتجم، ولا يفطر"[12]. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] البخاري (4569)، مسلم (763). [2] الترمذي (2612)، ومسند أحمد (24204)، وقال الترمذي: حديث حسن. [3] البخاري (5189)، ومسلم (2448)، والنسائي (9093). [4] الترمذي (2413)، وقال: حسن صحيح. [5] مسلم (2995). [6] فتح الباري، لابن حجر، (ج10، ص612). [7] غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب، للعلامة السفاريني الحنبلي، (ج1، ص452)، مؤسسة قرطبة - مصر، ط2/ 1414 هـ= 1993م. [8] الترمذي (2746)، وقال: (هذا حديثٌ حسنٌ). [9] البخاري (6223). [10] مسلم (2994). [11] البخاري (1964)، مسلم (1105). [12] المغني، لابن قدامة، (ج3، ص120) بتصرف. |
رد: دروس رمضانية
هيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم (من دروس رمضان وأحكام الصيام) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله الذي خلق الخَلْق بقدرته، وأعزهم بدينه، وميزهم بأحكامه، وأكرمهم بنبيه محمد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، خير الأنام، مسك الختام، وشفيع الخلائق يوم الزحام، وبعد: فإننا الليلة على موعد مع خير الخَلْق، وحبيب الحق، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولنأخذ صفة من صفاته؛ فقد كان علي رضي الله عنه إذا نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَن رآه بديهةً هابه، ومَن خالطه معرفةً أحَبَّه"[1]. وهذه الصفةُ من أجلِّ الصفات التي اتصف بها نبينا صلى الله عليه وسلم؛ أن الذي يراه لأول وهلة يرى المهابة والوقار، والذي يخالطه يحبه ويعرف كرم أخلاقه وجمال سلوكه. والمؤمن مطالَب بأن يقتبس من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو القدوة والأسوة، وليكن المؤمن حريصًا على أن تعلو المهابةُ وجهَه، ويظهَر الوقار على ملامحه، ثم إذا خالطه أحد أحبه، ولا يظهر منه ما يخالف وقاره، مع التفرقة بين المهابة والكِبْر؛ فقد قال ابن القيم: "والفرق بين المهابة والكِبْر: أن المهابة أثرٌ من آثار امتلاء القلب بعظمة الله ومحبته وإجلاله، فإذا امتلأ القلب بذلك حل فيه النور، ونزلت عليه السكينة، وألبس رداء الهيبة، فاكتسى وجهه الحلاوة والمهابة ... وأما الكِبْر فأثر مِن آثار العُجب والبَغي من قلب قد امتلأ بالجهل والظلم، ترحلت منه العبودية، ونزل عليه المقت، فنظرُه إلى الناس شزر، ومشيُه بينهم تبختر، ومعاملته لهم معاملة الاستئثار لا الإيثار ولا الإنصاف، ذاهب بنفسه تيهًا، لا يبدأ مَن لقيه بالسلام، وإن ردَّ عليه رأى أنه قد بالغ في الإنعام عليه..."[2]. والمهابة تكون بتعظيم الله، وإجلاله، وإقامة حدوده، واتِّباع نبيه صلى الله عليه وسلم، والسير على طريقته، والكِبْرُ مناقض له، فيكون بالجهل والعُجب بالنفس، وعدم الخوف من الله، والبُعد عن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا طالَعْنا حياةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذنا بعض المواقف التي تثبت مَهابته وتبيِّن وقاره، وهي كثيرة، ومنها: الحديث الأول: عن زينب بنت جحش رضي الله عنها قالت: "وكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قد أُلقيَتْ عليه المهابةُ"[3]. الحديث الثاني: عن أبي مسعودٍ، قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فكلمه، فجعل ترعد فرائصه، فقال له: ((هوِّنْ عليك؛ فإني لست بملِكٍ، إنما أنا ابن امرأةٍ تأكل القديد))[4]. الحديث الثالث: عن عمرو بن العاص، قال: "وما كان أحدٌ أحب إليَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أجلَّ في عينيَّ منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوتُ أن أكون من أهل الجنة ..."[5]. الحديث الرابع: في وصف هند بن أبي هالة للنبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخمًا مفخمًا، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ..."[6]. وهذه الأحاديث دليل على المهابة والوقار، وأما ما جاء في المخالطة والحب له صلى الله عليه وسلم، فمنها: حب زيد بن حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان أبو زيد لما فقده - أي فقد ابنه زيدًا - قال شعرًا يبكيه به: بكيت على زيدٍ ولم أدرِ ما فعَلْ ♦♦♦ أحيٌّ فيرجى أم أتى دونَه الأَجَلْ؟ فخرج حارثةُ وكعب ابنا شراحيل لفدائه، وقدما مكة، فسألا عن النبي، فقيل: في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا بن عبدالله، يا بن عبدالمطلب، يا بن هاشم، يا بن سيدِ قومه، أنتم أهل حرم الله وجيرانه؛ تفكُّون العاني، وتُطعمون الأسير، جئناك في ابننا عندك، فامنُنْ علينا، وأحسن إلينا في فدائه، "فإنا سنرفع لك في الفداء"، قال: من هو؟ قالوا: زيد بن حارثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فهلا غير ذلك؟ قالوا: وما هو؟ قال: أدعُوه فأُخيِّره، فإن اختاركم فهو لكم، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على مَن اختارني، قالا: قد زِدْتنا على النصف، وأحسنت، فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، قال: من هذا؟ قال: هذا أبي، وهذا عمي، قال: فأنا مَن قد علمتَ ورأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا؛ أنت مني مكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد! تختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وعلى أهل بيتك؟! قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا أبدًا"[7]. إن موقف زيد بن حارثة مع أبيه وعمه لهو أكبرُ دليلٍ على عُمق محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن خالَطه وعاشَره فرأى أن هذه المخالطة ليس من السهل تركها، ولا تقديم شيء عليها، وهذه هي الأخلاق النبوية صلى الله على النبي وسلم؛ أن يهابَه الناس ثم يحبوه. إن أتباعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم أن يعملوا بمقتضى تحقيق الوقار؛ بتحقيق خوفهم من الله؛ فقد قيل: (مَن خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخَفْ من الله أخافه الله من كل شيء). فالله عز وجل قد يمنحك الهيبة بقدر إخلاصك له، وتواضعك لله، فمن تواضع لله رفعه، ومن تكبَّر وضَعه. موقف الحسَن البَصري مع الحَجَّاج: "بنى الحجاج بناءً في واسط - مدينة بين البصرة والكوفة - ونادى الحَجَّاجُ الناسَ أن يخرجوا لينظروا إليها، فسارع الحسن البصري وخرج في وسط الجموع الغفيرة، فوقف فيهم خطيبًا، فقال: لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، ليت الحَجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غروه، فلما سمع الحجاج مقالة الحسن البصري، اقتصر على قوله: حسبك يا أبا سعيد، حسبك، فرد عليه الحسن البصري: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس، ولا يكتمونه، ولم يملِكِ الحجاج أن يفعل للحسن شيئًا وانصرف، وفي اليوم التالي عاتب جنده وحراسه ووبخهم وعنَّفهم قائلًا لهم: تبًّا لكم وسحقًا! يقوم عبد من عبيد أهل البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه، والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء. واستدعى الحسنَ لينكِّل به وسط حرسه وجنوده، وجاء الحسن وهو يدعو ربه أن يكفيه شر الحجاج، وأن يجعل نقمته بردًا وسلامًا، كما جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم الخليل - عليه السلام، فدخل الحسن على الحجاج، ولم يعبأ بما رأى، ولم يهزه منظر السيف والنطع والسياف، بل كان في عزة المؤمن، ووقار الداعي إلى الله، فهابه الحجاج، وأقبل عليه يرحب به، ويدنيه من مجلسه، ويوسع له، هذا ما حدث في وسط دهشة واستغراب الحرس والجنود... وطفق الحجاج يسأل الحسن عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألة بثقة العالم الرباني، لا يتتعتع، ولا يهتز، حتى انفض المجلس، وأحسن الحجاج للحسن، وطيَّبه"[8]. موقف الشيخ سعيد الحلبي مع إبراهيم باشا: "كان الشيخ سعيد الحلبي - عالم الشام في عصره - في درسه مادًّا رِجْليه، فدخل عليه جبار الشام، إبراهيم باشا ابن "محمد علي" صاحب مصر، فلم يتحرك له، ولم يقبض رجليه، ولم يبدل قعدته، فتألم الباشا، ولكنه كتم ألمه، ولما خرج، بعث إليه بصرة فيها ألف ليرة ذهبية، فردها الشيخ، وقال للرسول الذي جاءه بها: قل للباشا: إن الذي يمد رِجليه لا يمد يده"[9]. وتلك مهابة العلماء العاملين، ووقار المخلِصين المخلَصين، وهيبة الأولياء الصالحين، بأن يلقي الخالق إجلال الخَلْق لهم. وبالنظر إلى الحياة العملية، ومخالطة الناس، فعلى الإنسان المسلم أن يهتم بالجوهر كما يهتم بالمظهر؛ فقد ترى بعضهم منتفخًا معجبًا بنفسه، فإذا خالطته ندمت على قربك منه، وفي ذلك قيل: لا يغرنك مِن المرء قميصٌ رقعه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أو إزارٌ فوق كعب الساق منه رفعه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أو جبينٌ لاح فيه أثرٌ قد قلعه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولدى الدرهم فانظر غيَّه أو ورَعَه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وشهِد عند عمر رضي الله عنه شاهدٌ، فقال: ائتني بمن يعرفك، فأتاه برجل فأثنى عليه خيرًا، فقال عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا، فقال: كنت رفيقه في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق؟ فقال: لا، قال: فعاملتَه بالدينار والدرهم الذي يستبين به ورع الرجل؟ قال: لا، قال: أظنك رأيته قائمًا في المسجد يهمهم بالقرآن يخفض رأسه طورًا ويرفعه أخرى! قال: نعم، فقال: اذهب فلست تعرفه، وقال للرجل: اذهب فأتِني بمن يعرفك[10]. وصية عملية: كن وَقورًا ودودًا مألوفًا؛ فتلك شيمة المؤمن؛ أن يألَفَ ويؤلف، فلا خير فيمَن لا يألَفُ ولا يؤلَفُ. ♦♦♦ السؤال العاشر: مَن هو الصحابي الذي قال: دُلَّني على السوق؟ الجواب: هو: عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب العُطاس: إذا كان التثاؤب مِن الشيطان، فإن العُطاس من الله؛ فالتثاؤب مذموم، والعطاس محبوب، وكما سبق الحديث عن آداب التثاؤب، فنتحدث هنا عن آداب العطاس، وهي: 1- ألا يرفع الصوت بالعطاس: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا عطس أحدكم فليضَعْ كفيه على وجهه، وليخفِضْ صوته))[11]. 2- أن يضع يده أو كمه على فمه: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطَس وضَع يده أو ثوبه على فيه، وخفَض أو غضَّ بها صوته[12]. 3- أن يحمَدَ الله: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا عطَس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل: يهديكم الله ويُصلِح بالكم))[13]. 4- أن يشمَّت العاطس بعد الحمد: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يحب العطاس، ويكرَه التثاؤب، فإذا عطس فحمِد الله، فحقٌّ على كل مسلمٍ سمِعه أن يشمِّتَه ...))[14]. وصيغة التشميت - كما جاءت في حديث الأدب السابق - أن يقول للعاطس: يرحمك الله. 5- لا يشمَّت مَن لم يحمد الله: عن أبي بردة، قال: دخلت على أبي موسى وهو في بيت بنت الفضل بن عباسٍ، فعطستُ فلم يشمِّتني، وعطسَتْ فشمَّتها، فرجعتُ إلى أمي فأخبرتها، فلما جاءها قالت: عطس عندك ابني فلم تشمِّتْه، وعطست فشمَّتَّها، فقال: إن ابنك عطس فلم يحمد الله، فلم أشمِّتْه، وعطَست فحمِدت الله، فشمَّتُّها؛ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا عطس أحدكم فحمد الله، فشمِّتُوه، فإن لم يحمد الله، فلا تشمِّتوه))[15]. لكن يجوز أن تذكِّرَه بالحمد بعد العطاس إذا هو نسي ولم يقل. 6- لا يشمَّت العاطس أثناء الصلاة: إذا عطس المصلي في صلاته، فله أن يحمَد الله سرًّا، ولا يرد عليه أحد، وإليك حالة واقعية بين الصحابة في حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: بَيْنا أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ عطس رجلٌ من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمِّياه، ما شأنكم تنظرون إليَّ؟ فجعَلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني لكني سكتُّ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه؛ فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: ((إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن))[16]. وقال الإمام النووي - رحمه الله -: "وأما العاطس في الصلاة، فيستحب له أن يحمد الله تعالى سرًّا، هذا مذهبنا، وبه قال مالك وغيره، وعن ابن عمر والنخعي وأحمد أنه يجهر به، والأول أظهر؛ لأنه ذِكرٌ، والسنَّة في الأذكار في الصلاة الإسرار"[17]. 7- لا تشميت بعد ثلاث: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا عطس أحدكم فليشمِّتْه جليسُه، وإن زاد على ثلاثٍ فهو مزكومٌ، ولا تشميت بعد ثلاث مراتٍ))[18]. 8- هل يشمَّت غيرُ المسلم؟ عن أبي بردة، عن أبيه، قال: كانت اليهود تَعاطَسُ عند النبي صلى الله عليه وسلم رجاءَ أن يقول لها: يرحمكم الله، فكان يقول: ((يهديكم الله، ويصلح بالكم))[19]. ♦♦♦ درس الفقه: (الأعذار المبيحة للفطر): يُباح للصائم أن يُفطِر لهذه الأعذار، وأهمها ما يلي، وقد نظمها بعضهم بقوله: وعوارضُ الصوم التي قد يغتَفَرْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif للمرءِ فيها الفِطْر تِسْعٌ تُسْتَطَرْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حَبَلٌ وإرْضاع وإكْراهٌ سَفَرْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مَرَضٌ جِهادٌ جَوعةٌ عَطَشٌ كِبَرْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أولًا: الحمل والرضاعة: فالمرأة الحامل أو المرضعة إن خافَتْ على نفسها يباح لها الفطر، وفيه تفصيل: • إن خافَتْ على نفسها، فإنه يجوز لها أن تفطر، ويجب عليها القضاء، والعلة: أنها تدخُلُ في حُكم المريض. • أما لو خافت على جنينها دون نفسها، فلها الفطر، وعليها مع القضاء الفِدية، والحنفية يقولون بالقضاء فقط، ولا فِدية. ثانيًا: السفر: بشرط أن يكون مباحًا، مع العلم بأن المسافة التي يجوز له أن يفطر فيها، أن تكون: أربعة بُرُد، وقدرها العلماء بنحو: 48 ميلًا تقريبًا، وهي تعدل: 83.5 كم فأكثر، سواء تحققت المشقة أم لا؛ لعموم قوله تعالى: ï´؟ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾ [البقرة: 184]. ولِما جاء عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكةَ في رمضان، فصام حتى بلغ كُرَاع الغَميم، فصام الناس، ثم دعا بقدحٍ من ماءٍ فرفعه، حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: ((أولئك العصاةُ، أولئك العصاة))[20]. (كُرَاع الغَميم): بضم الكاف، والغميم: بفتح الغين المعجمة: اسم وادٍ أمام عسفان، وهو مِن أموال أعالي المدينة. ويعلِّق الإمام الشوكاني بقوله: "وفيه دليل على أنه يجوز للمسافر أن يُفطِرَ بعد أن نوى الصيام من الليل، وهو قولُ الجمهور"[21]. "والصوم عند الحنفية والشافعية أفضلُ للمسافر إن لم يتضرر، وقال الحنابلة: يُسَنُّ الفِطر، ويُكرَه الصوم في حالة سفر القصر، ولو بلا مشقة، ورأي الحنفية والشافعية أَوْلى؛ عملًا بقول الله تعالى: ï´؟ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ï´¾ [البقرة: 184][22]. ثالثًا: العجز عن الصيام: وله أسباب، منها: كِبَر السن، أو المشقة الشديدة؛ كالجوع والعطش، أو المرض، الذي يحصل بسببه مشقة أو هلاك؛ لقوله تعالى: ï´؟ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾ [البقرة: 184]. فأما كبير السن والمريض مرضًا مزمنًا، فإنهما يفطران وعليهما الفدية؛ لقوله تعالى: ï´؟ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ï´¾ [البقرة: 184]. ومقدار الفدية: المُدُّ عن كل يوم، وهو: مقدار ملء اليدين المتوسطتين، من غير قبضهما، ويساوي عند الجمهور: (510) جرام من القمح[23]. أما المريض الذي يرجى شفاؤه، أو الجائع الذي زالت عنه المشقة، فوجب عليهما القضاء، ولا فِدية. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] الترمذي (3638)، ومصنف ابن أبي شيبة (3180)، وشعب الإيمان للبيهقي (1350). [2] انظر: الروح، لابن القيم، ص264، مكتبة الصفا، ط1/ 1422 = 2002م. [3] مسلم (1000). [4] سنن ابن ماجه (3312)، وصححه الأرناؤوط. [5] مسلم (121). [6] المعجم الكبير للطبراني (414)، وشعب الإيمان للبيهقي (1362). [7] انظر: إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع، تأليف: تقي الدين المقريزي، (ج6، ص304، 305) باختصار، تحقيق: محمد عبدالحميد النميسي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1/ 1420 هـ = 1999م. [8] أبراج الزجاج في سيرة الحجاج، لعبدالرحمن بن سعيد القحطاني، ص117، 118 باختصار، مطبعة سفير، الرياض. [9] علو الهمة، للدكتور/ محمد إسماعيل المقدم، ص113، دار القمة - دار الإيمان، مصر، 2004 م. [10] إحياء علوم الدين، للإمام أبي حامد الغزالي، (ج2، ص82)، ربع العبادات، كتاب آداب الكسب والمعاش. [11] مستدرك الحاكم (7684)، وقال: صحيح الإسناد. [12] أبو داود (5029)، ومسند أحمد (9662)، وقال الأرناؤوط: صحيح. [13] البخاري (6224). [14] البخاري (6223). [15] مسلم (2992). [16] مسلم (537). [17] شرح النووي على مسلم (ج5، ص21). [18] صحيح الجامع (684). [19] أبو داود (5038)، الترمذي (2739)، وقال: حسن صحيح. [20] مسلم (1114). [21] نيل الأوطار، للشوكاني، (ج4، ص269)، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، مصر، ط1/ 1413هـ = 1993م. [22] انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، (ج3، ص1696) بتصرف. [23] انظر: المكاييل والموازين الشرعية، للدكتور: علي جمعة، ص36 بتصرف، القدس للإعلان والنشر، القاهرة، ط2/ 1421هـ = 2001م. |
رد: دروس رمضانية
علو الهمة في رمضان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) الشيخ أحمد علوان الحمد لله، أعطى فأجزل، ومنَّ فأفضل، أتم علينا النعمة ورضي لنا الدِّين وأكمل، وأتوب إليه وأستغفره من التقصير فيما أقول وأعمل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو الظاهر والباطن والآخِر والأول، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله، صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، والخُلق الأفضل، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومَن تبعهم بإحسان ما ليل أدبَر وصُبح أقبل، وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: فالمسلمُ مِن صفاته أن يكون عالي الهمة، وعندما يأتي رمضان تكون همته أعلى، والقرآن الكريم يدفعنا في كثير من آياته إلى علو الهمة، فهيا نلقي الضوء على بعضها: قال تعالى: ï´؟ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ï´¾ [البقرة: 148]، وقال تعالى: ï´؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ï´¾ [آل عمران: 133]، وقال أيضًا: ï´؟ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ï´¾ [الحديد: 21]، وقال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ï´¾ [العنكبوت: 69]، وقال تعالى: ï´؟ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ï´¾ [الصافات: 61]، وقال تعالى: ï´؟ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ï´¾ [الذاريات: 50]، وقال تعالى: ï´؟ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ï´¾ [المطففين: 26]. وقد أخبَرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يحب أصحاب الهمة العالية، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل يحب معالي الأمور وأشرافها، ويكره سَفْسافها))[1]. وكان مِن دعائه صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجُبن والهرَمِ، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، وأعوذ بك من عذاب القبر))[2]. ومِن هذا الدعاء نتعلَّم أن المسلم لا يستسلم للعجز، ولا يسلِّم نفسه للكسل، وإنما عليه أن يتغلب عليهما؛ فلا يعجِز ولا يكسَل، وأن يستعيذ بالله منهما. إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحفِّز هِمَم الصحابة، ويدفعها للنشاط والعبادة؛ عن ربيعة بن كعبٍ الأسلمي، قال: كنت أبِيتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيتُه بوَضوئه وحاجته، فقال لي: ((سَلْ))، فقلت: أسألُك مرافقتَك في الجنة،قال: ((أو غير ذلك؟!)) قلت: هو ذاك،قال: ((فأعنِّي على نفسِك بكثرةِ السجود))[3]. فإذا أرادت النفس أن تصعَدَ إلى مراقي العلى، وأن تصل إلى معالي الدرجات، فالمطلوب الهمة العالية، والهمة العالية يصحبها نَفْس كبيرة؛ فالنفس الكبيرة مع الهمة العالية تحقق المراد والمنشود، وعلى قدر ما يتعنَّى الإنسان، ينال ما يتمنَّى؛ يقول المتنبي: وإذا كانتِ النفوسُ كبارًا ♦♦♦ تعِبَتْ في مرادِها الأجسامُ عالي الهمة لا يرضى بما دون الجنَّة: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أصبَح منكم اليوم صائمًا؟))، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، قال: ((فمن تبع منكم اليوم جنازةً؟))، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، قال: ((فمَن أطعَم منكم اليوم مسكينًا؟))، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، قال: ((فمَن عاد منكم اليوم مريضًا؟))، قال أبو بكرٍ رضي الله عنه: أنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اجتمَعْنَ في امرئٍ إلا دخل الجنة))[4]. قال عمرُ بن عبدالعزيز: "أيها الناس، إن لي نَفْسًا توَّاقةً، لا تُعطَى شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها، وهي الجنة؛ فأعينوني عليها يرحمكم الله"[5]. كما "اجتمع عبدالله، ومصعب، وعروة - بنو الزبير - وابن عمر، فقالوا: تمنَّوْا،فقال عبدالله بن الزبير: أتمنى الخلافةَ، وقال عروة: أتمنى أن يؤخَذَ عني العلمُ، وقال مصعب: أتمنى إمرةَ العراق، والجمعَ بين عائشةَ بنت طلحة، وسُكينةَ بنت الحسين،فقال ابن عمر: أما أنا، فأتمنى المغفرة،فنالوا ما تمنَّوْا، ولعلَّ ابنَ عمرَ قد غُفِرَ له"[6]. إنه التنافس الشريف في أمر الدين وأمور الآخرة؛ قال الحسن: "مَن نافسك في دِينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقِها في نحره"، وقال وهيب بن الورد: "إن استطعت ألا يسبقَك إلى الله أحد، فافعَل". أيها الصائم، ماذا عن همتك في رمضان هذا العام؟ هل تُكثِر مِن ذكر الله؟ هل ستختم القرآن في رمضان أكثر من مرة؟ هل تتذلل لربك وتدعوه كثيرًا؟ هل تحافظ على صلاة التراويح ولا تنصرف إلا مع الإمام؟ هل بعد الانصراف تصلي في بيتك ولو ركعتين؟ هل تتصدق وتنفق؟ هل تصِلُ أرحامك؟ هل فكرتَ في إفطار الصائم؟ هل تجلس في المسجد بعد الفجر حتى تطلع الشمس؟ هل تحافظ على أداء النوافل حتى يبنى لك بيت في الجنة؟ هل تشعر أن همتك هذا العام أعلى من رمضان الماضي؟ لماذا كل هذا؟ لأن أصحاب الهمم يبحثون عن القِمَم، والقِمَم لا تُنال بالملل، وإنما بالجِدِّ والعمل. هل يمكن للصائم أن يجمع كل هذه الأعمال؟ والجواب: نعم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا، كما وصف ابن القيم قائلًا: "وكان مِن هَدْيِه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثارُ مِن أنواع العبادات"[7]. وقال ابن القيم: "وقد أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن مَن آثَر الراحة فاتته الراحة، وأن بحسَبِ ركوب الأهوال واحتمال المشاقِّ تكون الفرحة واللذة؛ فلا فرحة لِمَن لا همَّ له، ولا لذة لمن لا صبر له، ولا نعيم لمن لا شقاء له، ولا راحة لمن لا تعب له، بل إذا تعب العبد قليلًا استراح طويلًا، وإذا تحمل مشقة الصبر ساعةً، قاده لحياة الأبد"[8]. احذَرِ الشيطان! واحذَرْ سَوْفَ! قال يحيى بن معاذ: "يا بن آدم، احذر الشيطان؛ فإنه عتيقٌ وأنت جديدٌ، وهو فارغٌ وأنت مشغولٌ، وهمته واحدةٌ، وهي هلاكك، وأنت مع همم كثيرة، والشيطان يراك وأنت لا تراه، وأنت تنساه وهو لا ينساك، ومِن نفسِك له عونٌ، وليس مِن نفسِه عونٌ". لا تقل: متى؟ وكيف؟ وأين؟ وقل: أفعل..أستعين بالله..إن شاء الله.. قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: "وإياك والتسويفَ؛ فإنه أكبرُ جنود إبليس"،وقال في المدهش: "تزوَّجَ التواني بالكسل؛ فولد بينهما الخسران"، وقيل لأحد الصالحين: أوصِنا، قال: احذَرْ سوف! وقال أحمد شوقي: "الطائر يطير بجناحيه، والمرء يطير بهمَّتِه". فكُنْ رجلًا رِجْله في الثَّرى ♦♦♦ وهامَة همَّته في الثريا وصية عملية: راحةُ الآخرة لا تأتي براحة الدنيا، فإذا أردت نعيم الآخرة، فاتعَبْ في الدنيا، وإذا كانت همتك أن تكون في الصفوف المتقدمة في الجنة، فكُنْ كذلك في الدنيا. ♦♦♦ السؤال الحادي عشر: مَن هم أقربُ الناس شَبَهًا برسول الله صلى الله عليه وسلم خَلْقًا؟ الجواب: الذين كانوا يشبهون النبي صلى الله عليه وسلم خَلْقًا من بني هاشم[9]: • الحسن بن علي بن أبي طالب. • الحسين بن علي بن أبي طالب. • جعفر بن أبي طالب. • عبدالله بن جعفر. • قثم بن العباس بن عبدالمطلب. • أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب. • مسلم بن عقيل بن أبي طالب. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب السواك: إن السواك سنةٌ مؤكدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واظَب على استعماله، وأوصى أصحابه وأمته به؛ فهو يطهِّر الفم، ويُرضي الرب؛ فقد جاء عند البخاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((السواك مطهرةٌ للفم، مرضاةٌ للرب))، ومن آداب وأحكام استعماله ما يأتي: 1- استعماله في كل وقت، وفي المواضع المستحبة: فقد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكثَرَ استعمال السواك؛ عن ابن عباسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أمرت بالسواك حتى خِفْتُ على أسناني))[10]. واستعمله صلى الله عليه وسلم في مواضع أخرى، منها: • عند الصلاة: عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لولا أن أشق على أمتي أو على الناس، لأمرتهم بالسواك مع كل صلاةٍ))[11]. • عند الوضوء: فقال صلى الله عليه وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي، لأمرتهم بالسواك عند كل وضوءٍ))[12]. • عند قيام الليل: عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرقُدُ من ليلٍ ولا نهارٍ، فيستيقظ إلا تسوَّكَ قبل أن يتوضَّأَ[13]. • عند الاستيقاظ من النوم: عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا ينام إلا والسواك عنده، فإذا استيقظ بدأ بالسواكِ[14]. • عند قراءة القرآن: عن علي بن أبي طالبٍ، قال: إن أفواهَكم طرقٌ للقرآن؛ فطيِّبوها بالسواك[15]. • عند دخول البيت: عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيتَه بدأ بالسواك[16]. • عند تغيُّر رائحة الفم: عن حذيفة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قام من الليل يشُوصُ فاه بالسواك[17]. والعلة أن الإنسان إذا قام من نومه، تتغير رائحة فمه، فاستحب له أن يستعمل السواك عند تغير الفم. • عند الجمعة: عن عبدالرحمن بن أبي سعيدٍ الخدري، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((غُسل يوم الجمعة على كل محتلمٍ، وسواكٌ، ويمس من الطِّيب ما قدر عليه))[18]. • عند الاحتضار: عن عائشة كانت تقول: إن مِن نِعَم الله عليَّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سَحْري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليَّ عبدُالرحمن، وبيده السواك، وأنا مسندةٌ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرَفْتُ أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فتناولتُه، فاشتدَّ عليه، وقلت: أُليِّنُه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فليَّنْتُهُ، فأمَرَّه...[19]. 2- البَدْء بالجهة اليمنى من الأسنان: عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمُّن ما استطاع في شأنه كله؛ في طُهوره وترجُّله، ونعله، قال مسلمٌ: وسِواكه[20]. واختلفوا في استعمال السواك: باليد اليمنى أو باليسرى، فللحديث المتقدم، باليمنى؛ حيث التيمن في كل شيء، وهو الصواب، وقال بعضهم: باليسرى؛ لأنه يستعمل في إزالة الأذى. 3- غَسْل السواك بعد الاستياك: عن عائشة، أنها قالت: كان نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم يستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله وأدفعه إليه))[21]. 4- معرفة كيفية التسوُّك: توجَد طريقتان: الأولى: التسوُّك طولًا، يذهب بالسواك من أعلى لأسفل. الثانية: التسوُّك عَرْضًا: يستعمل السواك من اليمين إلى اليسار، والعكس. والراجح: الاستعمال الثاني؛ لأسباب: أولًا: استعمال السواك بالطريقة الأولى - طولًا - فيه ضرَر على اللِّثَة والأسنان. ثانيًا: لحديث حذيفة المتقدم: (كان إذا قام من الليل يشُوصُ فاه بالسواك)، وعلق الإمام النووي قائلًا: "يَشُوصُ فاه بالسواك، فهو بفتح الياء وضم الشين المعجمة وبالصاد المهملة، والشَّوص: دَلْكُ الأسنان بالسواك عَرْضًا"[22]. فوائدُ استعمالِ السواك: قال ابن القيم: "وفي السواك عدة منافع: يطيب الفم، ويشد اللِّثة، ويقطع البلغم، ويجلو البصر، ويذهب بالحفر، ويصح المعدة، ويصفي الصوت، ويعين على هضم الطعام، ويسهل مجاري الكلام، وينشط للقراءة والذِّكر والصلاة، ويطرد النوم، ويرضي الرب، ويعجب الملائكة، ويكثر الحسنات"[23]. • توصل الباحثون المسلمون إلى أن المعجون المطهر لا يستمر تأثيره أكثر من 20 دقيقة ثم يرجع الفم إلى حالته العادية، لكن بالسواك لا يعود مستوى الجراثيم الفموية إلى حالته إلا بعد ساعتين على الأقل. • لجأتِ العديد من الشركات الأجنبية إلى إدخال خلاصة السواك في صناعة المعجون. ♦♦♦ درس الفقه: حُكم الإفطار في رمضان لغير عذر: إن تعمُّد الفِطر في رمضان بلا عذر كبيرةٌ من الكبائر، وقد عدَّها الذهبي في الكبائر، وهي الكبيرة السادسة، بعنوان: إفطار يوم من رمضان بلا عذر، فقال: "وعند المؤمنين مقرَّرٌ أن مَن ترك صوم رمضان بلا مرض ولا غرض، أنه شر من الزاني والمكاس ومدمن الخمر، بل يشكُّون في إسلامه، ويظنُّون به الزندقةَ والانحلال"[24]. وعلى مَن أفطر في نهار رمضان عامدًا متعمدًا أن يسارع بالتوبة إلى الله، ويقضي ما أفطره من أيام، وليحذر كلُّ مَن فعل هذا ما توعَّده به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآخرة؛ فقد جاء عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((بينا أنا نائمٌ إذ أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعيَّ، فأتيا بي جبلًا وعرًا، فقالا لي: اصعَدْ، حتى إذا كنت في سواء الجبل، فإذا أنا بصوتٍ شديدٍ، فقلت: ما هذه الأصوات؟ قال: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي، فإذا أنا بقومٍ معلقين بعراقيبهم، مشققةٍ أشداقهم، تسيل أشداقهم دمًا، فقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلَّةِ صومهم...))[25]. (1) الضَّبْع: العَضُد. (2) العراقيب: جمع عرقوب، وهو: عصَب غليظٌ فوق عقِبِ الإنسان. (3) الشِّدق: جانب الفمِ مما يلي الخدَّ. (4) يُفطِرون قبل تحلَّةِ صومهم؛ أي: قبل وقت الإفطار. وقال البخاري - بصيغة التمريض - في صحيحه: ويُذكَر عن أبي هريرة رفعه: ((مَن أفطر يومًا من رمضان من غير عذرٍ ولا مرضٍ، لم يقضِه صيامُ الدهر وإن صامه))، وبه قال ابن مسعودٍ، وقال سعيد بن المسيَّب، والشعبي، وابن جبيرٍ، وإبراهيم، وقتادة، وحمادٌ: (يَقضي يومًا مكانه)[26]. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان - دار الصفوة بالقاهرة [1] المعجم الكبير للطبراني (2894)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (1890). [2] البخاري (2823)، مسلم (2706). [3] مسلم (489). [4] مسلم (1028). [5] البداية والنهاية، لابن كثير، (ج12، ص657)، تحقيق: عبدالله بن عبدالمحسن التركي، دار هجر للطباعة والنشر، ط1/ 1418 هـ = 1997 م. [6] سير أعلام النبلاء، للذهبي، (ج4، ص141)، مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3/ 1405 هـ = 1985 م. [7] زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، (ج2، ص30). [8] مفتاح دار السعاد، لابن القيم، (ج2، 15)، دار الكتب العلمية - بيروت. [9] لمعرفة المزيد، انظر: فتح الباري، لابن حجر، (ج7، ص97). [10] المعجم الكبير للطبراني (12286)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (1377). [11] البخاري (887)، وفي رواية لمسلم: ((لأمرتهم بالسواك عند كل صلاةٍ))، رقم (252). [12] ذكره البخاري في: "باب سواك الرَّطب واليابس للصائم". [13] سنن أبي داود (52)، وحسنه الألباني. [14] مسند أحمد (5979)، وإسناده حسن. [15] سنن ابن ماجه (291)، وصححه الألباني. [16] مسلم (253). [17] البخاري (245)، مسلم (255). [18] مسلم (846). [19] البخاري (4449). [20] أبو داود (268)، وصححه الألباني. [21] أبو داود (52)، وحسنه الألباني. [22] شرح النووي على مسلم (ج3، ص144). [23] الطب النبوي، لابن القيم، ص243. [24] الكبائر، للإمام الذهبي، ص44، دار ابن الهيثم، ط1/ 1427هـ = 2006م. [25] صحيح ابن خزيمة (1986)، وابن حبان (7491)، ومستدرك الحاكم (1568)، وقال: صحيح على شرط مسلم. [26] البخاري (ج3، ص32)، كتاب الصوم، باب إذا جامع في رمضان. |
رد: دروس رمضانية
لا تغضب (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله مجيب الدعوات، وبنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتنزل الخيرات والبركات، وبتوفيقه تتحقق المقاصد والغايات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: يقبَل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وبعد: فنحن الليلة على موعد مع وصية من أوجز وأبلغ الوصايا النبوية؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، قال: ((لا تغضب))، فردد مرارًا، قال: ((لا تغضب)[1]. فتلك وصية نبوية، وهي مِن أوجز وأقصر الوصايا على الإطلاق، وهي توصي بعدم الغضب، وإذا كانت هذه الوصية يجب أن يتحلى بها المؤمن في كل وقت، فهي في رمضان أكثر توكيدًا، حيث الصيام والجوع والعطش والمشقة، فقد يضطر الصائم إلى الخروج عن شعوره بسلوك الآخرين؛ فوجَب أن يكظِمَ غيظه، وأن يتحلى بالصبر والحِلْم. وتأتي الوصايا النبوية لتناسب السائلين؛ فلعل السائل كان غضوبًا، فلما طلب الوصية، كانت المناسبة: (لا تغضب)..بل دل على أن عدم الغضب طريق إلى الجنة؛ عن أبي الدرداء قال: قلت: يا رسول الله، دلني على عملٍ يدخلني الجنة، قال: ((لا تغضب ولك الجنة))[2]. وقد امتدَحَ القرآن الكريم الكاظمين الغيظ، الذين يملِكون أنفسهم عند الغضب، فقال ربنا: ï´؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ï´¾ [آل عمران: 133، 134]. وقال أيضًا: ï´؟ فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ï´¾ [الشورى: 36، 37]. أيها الصائم، اكظِمْ غيظك، وكفَّ غضبك؛ مع زوجتك، وأولادك، وجيرانك، في الأسواق، مع السائقين في وسائل المواصلات، مع التجار، مع أصدقائك؛ فإن عدم الغضب وكَظْمَ الغيظ من حسن الخُلق، قيل لابن المبارك: اجمع لنا حُسن الخُلق في كلمةٍ، قال: ترك الغضب...وقال الحسن: أربعٌ مَن كن فيه عصمه الله من الشيطان، وحرَّمه على النار: مَن ملك نفسه عند الرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب. هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب؟ لم يكن رسول الله يغضب إلا إذا انتُهكت حُرمات الله؛ عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما انتقم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيءٍ يؤتى إليه حتى ينتهك من حرمات الله، فينتقم لله)[3]. فلم يكن يغضَب لنفسه صلى الله عليه وسلم؛ عن عبدالله بن سلامٍ، قال: إن الله لما أراد هدى زيد بن سعنة، قال زيد بن سعنة: ما من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفتها في وجه محمدٍ صلى الله عليه وسلم حين نظرتُ إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حِلمُه جهلَه، ولا تَزيده شدة الجهل عليه إلا حِلمًا، فكنت ألطف له لأن أخالطه، فأعرف حِلمه من جهله،قال زيد بن سعنة: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا من الحجرات ومعه علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، فأتاه رجلٌ على راحلته كالبدوي، فقال: يا رسول الله، إن بُصرى قرية بني فلانٍ قد أسلموا، ودخلوا في الإسلام، وكنتُ حدثتُهم إن أسلموا أتاهم الرزق رغدًا، وقد أصابتهم سنةٌ وشدةٌ وقحوطٌ من الغيث، فأنا أخشى يا رسول الله أن يخرجوا من الإسلام طمعًا كما دخلوا فيه طمعًا، فإن رأيتَ أن ترسل إليهم بشيءٍ تعينهم به فعلتَ، فنظر إلى رجلٍ إلى جانبه أراه عليًّا رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، ما بقي منه شيءٌ، قال زيد بن سعنة: فدنوت إليه، فقلت: يا محمد، هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا من حائط بني فلانٍ إلى أجل كذا وكذا؟ فقال: ((لا يا يهودي، ولكني أبيعك تمرًا معلومًا إلى أجل كذا وكذا، ولا تسمي حائط بني فلانٍ))، قلت: بلى، فبايعني، فأطلقت همياني، فأعطيته ثمانين مثقالًا من ذهبٍ في تمرٍ معلومٍ إلى أجل كذا وكذا، فأعطاها الرجل، فقال: ((اغدُ عليهم فأعِنْهم بها))، فقال زيد بن سعنة: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثٍ، أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه، ونظرت إليه بوجهٍ غليظٍ، فقلت له: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله ما علمتكم بني عبدالمطلب لمطلٌ، ولقد كان لي بمخالطتكم علمٌ، ونظرت إلى عمر، وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلَك المستدير، ثم رماني ببصره، فقال: يا عدوَّ الله، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتصنع به ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق، لولا ما أحاذر فوته لضربتُ بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمرَ في سكونٍ وتؤدةٍ، ثم قال: ((يا عمر، أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا؛ أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر وأعطه حقه، وزِدْه عشرين صاعًا من تمرٍ مكان ما روَّعْتَه))، قال زيدٌ: فذهب بي عمر رضي الله عنه، فأعطاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمرٍ، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ فقال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أَزيدَك مكان ما روعتُك، قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا، مَن أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحَبْر، قلت: الحَبْر، قال: فما دعاك أن فعلت برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلتَ وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمرُ، لم تكن من علامات النبوة شيءٌ إلا وقد عرفته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما منه، يسبق حِلمُه جهله، ولا يزيده الجهل عليه إلا حِلمًا، فقد أخبرتهما، فأشهدك يا عمر أني قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، وأشهدك أن شطرَ مالي - وإني أكثرها مالًا - صدقةٌ على أمة محمدٍ"[4]. أسباب الغضب: قال الإمام الغزالي - رحمه الله -: "والأسباب المهيجة للغضب هي: الزَّهو والعُجْب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاقٌ رديئةٌ مذمومةٌ شرعًا، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب؛ فلا بدَّ مِن إزالة هذه الأسباب بأضدادها"[5]. أنواع الغضب: مِن الغضب ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، فأما المحمود: فما كان لله، كما كان رسول الله لا يغضب إلا إذا انتُهكت حرماتُ الله، وفي ذلك يقول شوقي: فإذا غضِبْتَ فإنما هي غَضْبةٌ *** للحقِّ لا ضِغْنٌ ولا شَحْناءُ وقد قال ربنا حكاية عن موسى عليه السلام عندما رجَع لقومه فوجدهم يعبُدون العِجل: ï´؟ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ï´¾ [الأعراف: 150]. وأما المذموم: فما كان للنفس، أو للهوى، أو للشيطان، أو لأمر من أمور الدنيا، وفي ذلك يذكر الإمام الغزالي قصة، وفيها أن "رجلًا عابدًا بلغه أن قومًا يعبدون شجرة، فغضب لذلك، وأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها، فاستقبله إبليسُ في صورة شيخ، فقال: أين تريد رحمك الله؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة، قال: وما أنت وذاك؟ تركتَ عبادتَك واشتغالك بنفسك وتفرغتَ لغير ذلك، فقال: إن هذا من عبادتي، قال: فإنى لا أتركك أن تقطعها، فقاتله، فقال إبليس: يا هذا، إن الله تعالى قد أسقط عنك هذا ولم يفرِضْه عليك، فقال العابد: لا بد لي من قطعها، فنابَذه للقتال، فغلبه العابد وصرعه، فعجز إبليس، فقال له: هل لك في أمر فصل بيني وبينك وهو خير لك وأنفع؟ قال: وما هو؟ قال: أطلقني حتى أقول لك، فأطلقه، فقال إبليس: أنت رجل فقير لا شيء لك، إنما أنت كَلٌّ على الناس يعولونك، ولعلك تحب أن تتفضل على إخوانك وتواسيَ جيرانك، قال: نعم، قال: فارجع عن هذا الأمر ولك عليَّ أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارينِ إذا أصبحت، فأنفقت على نفسك وعيالك، فتفكر العابد فيما قال، وقال: صدق الشيخ، فرجع العابد إلى متعبده، فبات، فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه، فأخذهما، وكذلك الغد، ثم أصبح اليوم الثالث وما بعده فلم يرَ شيئًا، فغضب وأخذ فأسه على عاتقه، فاستقبله إبليس في صورة شيخ، فقال له: إلى أين؟ قال: أقطع تلك الشجرة، فقال: كذبتَ، والله ما أنت بقادر على ذلك، قال: فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة، فقال: هيهاتَ! فأخذه إبليسُ وصرعه، وقال: لتنتهين عن هذا الأمر أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به، قال: يا هذا، غلبتَني، فخَلِّ عني وأخبرني كيف غلبتك أولًا وغلبتني الآن، فقال: لأنك غضبت أول مرة لله، وكانت نيتُك الآخرةَ، فسخَّرني الله لك، وهذه المرة غضبت لنفسك وللدنيا، فصرعتُك"[6]. علاج الغضب: أولًا: أن تستعيذ بالله من الشيطان: عن سليمان بن صُرَد، قال: استبَّ رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم ونحن عنده جلوسٌ، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبًا قد احمرَّ وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأعلم كلمةً، لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم))، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: إني لستُ بمجنونٍ[7]. ثانيًا: تغيير الهيئة: عن أبي ذر، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ((إذا غضب أحدكم وهو قائمٌ فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع))[8]. ثالثًا: السكوت: عن ابن عباسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((علِّموا، ويسِّروا، ولا تعسِّروا، وإذا غضب أحدكم فليسكت))[9]. رابعًا: الوضوء: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الغضبَ مِن الشيطان، وإن الشيطان خُلِق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ))[10]. خامسًا: تذكَّرْ ثواب كاظم الغيظ: عن معاذِ بن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنفِذَه، دعاه الله عز وجل على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيِّرَه الله مِن الحُور العِين ما شاء))[11]. اللهم وأسألك خشيتك في الغيب والشَّهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيمًا لا ينفَد، وأسألك قرة عينٍ لا تنقطع، وأسألك الرضاء بعد القضاء[12]. وصية عملية: عليك بوصيةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تغضَبْ، وإذا غضبتَ فقاوِمْ غضبك، وتغلَّبْ عليه، وحقِّقِ السنَّة فيه. ♦♦♦♦ السؤال الثاني عشر: سورتان تُعرَفان بـ: "الزهراون"، فما هما؟ الجواب: سورة البقرة، وآل عمران. وذلك لِما جاء عن أبي أمامةَ الباهلي، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين؛ البقرةَ، وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتانِ، أو كأنهما غَيَايتانِ، أو كأنهما فِرْقان من طيرٍ صوافَّ، تحاجَّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أَخْذَها بركةٌ، وتَرْكَها حسرةٌ، ولا تستطيعها البَطَلَةُ))[13]. سُمِّيَتَا بالزَّهْراوين: لنورهما وهدايتهما وعظيم أجرهما...الغَمامة والغَيَاية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه مثل السحابة. ♦♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الطريق: مِن الآداب التي لا يستغني عنها كل إنسان؛ فمن لوازم الحياة أن يكون للناس طريق يمشون فيه، ويتحركون منه، ويمارسون حياتهم من خلاله، وللطريق آداب وأحكام، وهي: 1- حق الطريق: عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والجلوس على الطرقات))، فقالوا: ما لنا بد؛ إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: ((فإذا أبيتم إلا المجالس، فأعطوا الطريقَ حقها))، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: ((غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، وأمرٌ بالمعروف، ونهيٌ عن المنكر))[14]. وهذا حديث جامع في حق الطريق؛ فقد أورد عددًا من آداب الطريق، وهي: غضُّ البصر: وهو من الآداب، بل من الواجبات، أن تغُضَّ بصرك عن النظر إلى العَوْرات، فهذا من حق من يمر عليك، وهذا للرجال وللنساء؛ قال تعالى في حق الرجال: ï´؟ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ï´¾ [النور: 30]. وقال في حق النساء: ï´؟ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ï´¾ [النور: 31]. كفُّ الأذى: يجب على المؤمن أن يكف أذاه عن أي أحد، فلا يؤذي أحدًا؛ في طريق أو في غيره؛ فالمسلم مَن يسلَم الناس من أذاه، والأذى – على وجه العموم - يكون بالكلمة، أو بالفعل، أو حتى بالإشارة، ولعل المراد بأذى الطريق أن تميط ما يؤذي الناس في طريقهم؛ كشجر، أو حجر، أو عَظْم، أو شوك. وليعلَمْ أن إماطة الأذى من طريق الناس مما يثاب عليه ويؤجر؛ فهي صدقة لصاحبها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ويميط الأذى عن الطريق صدقةٌ))[15]، بل هو سبب في دخول الجنة؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة، في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس))[16]. ردُّ السلام: مِن حق الطريق أن من يلقي عليك السلام، وجب عليك أن ترد عليه السلام؛ لقوله تعالى: ï´؟ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ï´¾ [النساء: 86]. الأمر بالمعروف: وهذا مِن حرص الإسلام على تحقيق النُّصح للآخرين، بأنه مهما وجدت الفرصة لتنصح أخاك، أو لتبذل معروفًا - فافعَلْ؛ فالدِّين النصيحة. النهي عن المنكر: لا ننسى أن من أسباب خيرية الأمة أن أفرادها يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فإذا وقعَتْ عينك على منكَر، أو سمِعَتْ أُذنك منكرًا، وكنت مؤهلًا للقيام بدور مَن يغير المنكَر - فلا تُفرِّط. 2- هداية السائل: فلو سألك أحد المارة، لتدله على بيت أحد من الناس، أو عن طريق من الطرق لتصفه له، فلا تبخل عليه إن كنت من أهل المكان، أو على علم بما سألك عنه، أما إذا لم تكن تعلم، فلا تقل بما لا تعلم؛ حتى لا تُضلَّ الناس، وهذا مما يقع فيه كثير من الناس، فلا حرج إن قلت: لا أدري، وثواب مَن يهدي الناس لطريقهم قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((... ودَلُّ الطريق صدقةٌ))[17]. 3- عدم قضاء الحاجة: فاحذَرْ أن تقضيَ حاجتك في طريق الناس، فهذا مما يجلب لعنة الله على فاعله؛ عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((اتقوا اللعَّانينِ))، قالوا: وما اللعَّانانِ يا رسول الله؟ قال: ((الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظِلِّهم))[18]. 4- إعانة المحتاج: فلو أن أحدًا من الناس طلب منك أن تعينَه على حمل شيء، أو فِعل أمر في الطريق، فجدِّد نيتك، وأعِنْه على طلبه وحاجته؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((...ويُعين الرجلَ على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقةٌ))[19]. 5- سَيْر النساء في جوانب الطريق: عن أبي أسيدٍ الأنصاري: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو خارجٌ من المسجد، فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: ((استأخِرْنَ؛ فإنه ليس لكُنَّ أن تحقُقْنَ الطريقَ، عليكن بحافَاتِ الطريق))، فكانت المرأةُ تلتصق بالجدار، حتى إن ثوبها ليتعلَّق بالجدار مِن لصوقها به[20]. فليس للنساء أن يمشين في وسط الطريق، ولكن جوانب الطريق لهن، فهذه تعاليم الإسلام، فعلى المرأة أن تلتزم بها، وتسير عليها؛ حتى لا تحدُثَ مخالفاتٌ في المجتمَع. 6- الالتزام بقوانين الطريق والمرور: فلو رأى راكب السيارة أو الدراجة تعليماتٍ مرورية، فعليه أن يلتزم بها؛ فلا يكسر إشارة مرور، أو يسير في اتجاه معاكس، أو يستعمل آلة التنبيه بلا داعٍ، فهذا بلا شك ما دام أنه قد ينتج عنه ضرر للآخرين، فهو مخالف لهَدْي الإسلام. وقد جمع الإمام ابن حجر آداب الطريق في أبيات شعرية، فقال: جمعتُ آدابَ مَن رام الجلوسَ على ال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif طَّريق مِن قولِ خير الخَلْق إنسانَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أفشِ السلام وأحسِنْ في الكلام وشمِّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تْ عاطسًا وسلامًا رُدَّ إحسانَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif في الحمل عاوِنْ ومظلومًا أعِنْ وأغِثْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لهفانَ، إهْدِ سبيلًا واهدِ حيرانَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بالعُرف مُرْ وانهَ عن نُكرٍ وكُفَّ أذًى https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وغضَّ طرفًا وأكثِرْ ذِكْرَ مولانَا؟![21]​ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ♦♦♦♦ درس الفقه: ما يُفسِد الصوم: وفي هذا الباب مسألتانِ: المسألة الأولى: ما يُفسِد الصوم ويجب فيه القضاء فقط. المسألة الثانية: ما يُفسِد الصوم ويجب فيه القضاء والكفَّارة معًا. أولًا: ما يُفسِد الصوم ويجب فيه القضاء فقط: الأول: الأكل والشرب عمدًا، أما لو أكل أو شرب ناسيًا فليس عليه شيء؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا نسي فأكل وشرب، فليتمَّ صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه))[22]. الثاني: تعمُّد القَيْء، بخلاف ما لو غلَبه، فلا قضاء ولا كفارة؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن ذرَعه قيءٌ وهو صائمٌ، فليس عليه قضاءٌ، وإن استقاء فليَقْضِ))[23]. الثالث: مَن أكَل أو شرب ظانًّا عدم طلوع الفجر، أو غروب الشمس، فظهر له خلافُ ظنِّه، فجمهور العلماء على وجوب القضاء. الرابع: إدخال شيء إلى الجوف عمدًا من الفم، وتناول ما ليس فيه غذاء، أو ما في معنى الغذاء. الخامس: الحيض والنفاس. السادس: الإنزال، وهو تعمُّد إخراج المني، وقد يكون سببه المباشرة، أو التقبيل، أو اللمس، ونحو ذلك. سواء كان بالمباشرة، أو التقبيل، أو باليد، وكذا تعمُّد إنزال المذي، وهو الذي يخرج عند الشهوة، فكل هذه صورٌ تُفسِد الصوم وتوجب القضاء. ثانيًا: ما يُفسد الصوم ويوجب القضاء والكفارة معًا: إن الجمهور على أن الذي يوجب القضاء والكفارة معًا: الجِماع في نهار رمضانَ عامدًا متعمدًا. الدليل: عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هلكتُ يا رسول الله، قال: ((وما أهلكك؟)) قال: وقعتُ على امرأتي في رمضان، قال: ((هل تجد ما تعتق رقبةً؟))، قال: لا، قال: ((فهل تستطيع أن تصومَ شهرين متتابعين؟))، قال: لا، قال: ((فهل تجد ما تطعم ستين مسكينًا؟))، قال: لا، قال: ثم جلس، فأتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَقٍ فيه تمرٌ، فقال: ((تصدَّقْ بهذا))، قال: أفقرَ منا؟ فما بين لابتَيْها أهلُ بيتٍ أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدَتْ أنيابُه، ثم قال: ((اذهَبْ فأطعِمْه أهلَك))[24]. ويرى الجمهور: أن الرجلَ والمرأة سواء في وجوب الكفارة، بشرط التعمُّد والاختيار، بخلاف الشافعية، فيرون وجوب الكفارة على الرجلِ فقط. الكفارة على الترتيب أم التخيير: يذهب الجمهور: إلى أن الكفارةَ على الترتيب المذكور في الحديث، بخلاف المالكية، فقالوا: الكفارة على التخيير، فأيها فعَل صح، ومن عجز عنها لزِمَتْه حتى يستطيع. هل تتعدَّد الكفَّارة بتعدد الجِماع؟ إذا جامع أكثر من مرة في يوم واحدة، فالواجب كفارة واحدة، ولو جامع في أيام متفرقة فعليه كفارة عن كل يوم؛ لأن كل يوم عبادةٌ مستقلة، وعند الأحناف كفارة واحدة. مقدار العَرَق: تعريف العَرَق: 15 صاعًا، فيكون العرق عند الجمهور = 6و30 كجم، وعند الحنيفة: 75و 48[25]. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان دار الصفوة بالقاهرة [1] البخاري (6116). [2] المعجم الأوسط، للطبراني (2353)، صحيح الجامع (7374). [3] البخاري (6853). [4] المعجم الكبير للطبراني (371)، وصحيح ابن حبان (288)، ومستدرك الحاكم (6547)، وقال: صحيح الإسناد. [5] إحياء علوم الدين، (ج3، ص172). [6] إحياء علوم الدين، (ج4، ص377) باختصار. [7] البخاري (6115). [8] أبو داود (4782)، وصححه الألباني. [9] أحمد (2136)، وقال الشيخ/ أحمد شاكر: إسناده صحيح. [10] أبو داود (4784)، وضعَّفه الأرناؤوط. [11] أبو داود (4777)، والترمذي (2493)، وقال: حديث حسن غريب. [12] جزء من دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم في سنن النسائي (1305)، وصححه الألباني. [13] مسلم (804). [14] البخاري (2465). [15] البخاري (2989)، مسلم (1009)، عن أبي هريرة. [16] مسلم (1914). [17] البخاري (2891). [18] مسلم (269). [19] البخاري (2989). [20] أبو داود (527)، وحسنه الألباني. [21] فتح الباري، لابن حجر، (ج11، ص11). [22] البخاري (1933)، مسلم (1155). [23] أبو داود (3280)، وصححه الأرناؤوط. [24] البخاري (2600)، مسلم (1111). [25] المكاييل والموازين الشرعية، ص38 بتصرف. |
رد: دروس رمضانية
قل: إن شاء الله (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجًا، وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا، وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفةً لمن أراد أن يذَّكَّرَ أو أراد شكورًا، وبعد: فإننا الليلة نقتبس من سورة الكهف درسًا قرآنيًّا، وهو تقديم قولك: (إن شاء الله) قبل كل شيء؛ فالاستعانة بالله سبحانه وتعالى في كلِّ شيء أمرٌ مطلوب ومرغوب، كما أن تقديم المشيئة قبل كل فعلٍ مستحسَنٌ ومحبوب؛ فقد عاتَب ربنا عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم مرةً على عدم تقديم المشيئة قبل قوله ووعده، ومنها يعلمنا القرآن ذلك، وإليكم أحبابي بعضَ الآيات التي تناولت تقديمَ المشيئة: • قصة الذبيح؛ يقول تعالى: ï´؟ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ï´¾ [الصافات: 102]. • سيدنا موسى عليه السلام؛ قال تعالى: ï´؟ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ï´¾ [القصص: 27]. • قصة موسى مع الخضِر؛ قال ربُّنا: ï´؟ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ï´¾ [الكهف: 69]. • سيدنا يوسف عليه السلام؛ قال الله: ï´؟ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ï´¾ [يوسف: 99]. • سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ يقول ربنا: ï´؟ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ï´¾ [الفتح: 27]. • مشيئة الله قبل كل شيء؛ قال صاحب المشيئة: ï´؟ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ï´¾ [التكوير: 29]. وإليكم الآيةَ التي يدور حولها درسُ الليلة، وهي قوله تعالى: ï´؟ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ï´¾ [الكهف: 23، 24]. سبب النزول: يذكر الإمام القرطبي - رحمه الله - في تفسيره: "عاتَب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم على قوله للكفار حين سألوه عن الرُّوح والفتية وذي القرنين: غدًا أخبركم بجواب أسئلتكم، ولم يستثنِ في ذلك، فاحتبس الوحي عنه خمسة عشر يومًا، حتى شقَّ ذلك عليه، وأرجَف الكفارُ به، فنزلت عليه هذه السورة مفرِّجة، وأُمِر في هذه الآية ألا يقول في أمرٍ من الأمور: إني أفعل غدًا كذا وكذا، إلا أن يعلِّقَ ذلك بمشيئة الله عز وجل؛ حتى لا يكون محققًا لحكم الخبر، فإنه إذا قال: لأفعلن ذلك ولم يفعل، كان كاذبًا، وإذا قال: لأفعلن ذلك إن شاء الله، خرج عن أن يكون محقِّقًا للمخبَرِ عنه". ويعلق الإمام ابن كثير - رحمه الله - قائلًا: "هذا إرشادٌ من الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الأدب فيما إذا عزم على شيءٍ ليفعله في المستقبل، أن يرُدَّ ذلك إلى مشيئة الله عز وجل، علَّام الغيوب، الذي يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكُنْ لو كان كيف يكون". يأجوج ومأجوج والمشيئة: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن يأجوج ومأجوج يحفِرون كل يومٍ، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فسنحفِره غدًا، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفِرونه غدًا، إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفِرونه، ويخرجون على الناس، فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء...))[1]. موقف لنبي الله سليمان في المشيئة: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال سليمان: لأطوفن الليلة على تسعين امرأةً، كلهن تأتي بفارسٍ يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقُلْ: إن شاء الله، فطاف عليهن جميعًا، فلم يحمل منهن إلا امرأةٌ واحدةٌ، جاءت بشق رجلٍ، وايم الذي نفس محمدٍ بيده، لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون))[2]. والمراد: لو أن نبي الله سليمان استثنى وقال: إن شاء الله، لتحقَّق مراده، وحصل طلبُه. قصة الملك والوزير[3]: كان هناك ملِك وله وزير، وكان الوزير دائمَ التوكل على الله في جميع أموره، ويقول: خيرًا إن شاء الله، وفي يوم من الأيام انقطع إصبع للملك، وخرج الدم منه، فلما رآه الوزير، قال: خيرًا إن شاء لله، فغضب الملك على وزيره، وقال: أين الخير والدم يخرج من إصبعي؟ وبعدها أمر الملك بسجن الوزير، وما كان من الوزير كعادته إلا أن قال: خيرًا إن شاء الله، وذهب به إلى السجن، ومن عادة الملك: أنه يخرج كل يوم جمعة إلى النزهة، وبعد استراحة قصيرة ذهب الملك إلى الغابة، وكان هناك أناس يعبدون صنمًا لهم، وهذا هو عيد هذا الصنم، ويريدون قربانًا لتقديمه إلى الصنم، فصادَف أن وجَدوا هذا الملك، فأخذوه ليقدموه قربانًا، ولكنهم ما لبثوا أن نظروا إلى إصبعه، فقالوا: هذا لا ينفع؛ لأن به عيبًا، ولا يجوز تقديم قربانٍ به عيب، وأطلقوا سراحه، حينها تذكر الملك قول الوزير عند قطع إصبعه: (خيرًا إن شاء الله)، فلما عاد الملك من رحلته، أطلق سراح الوزير من السجن وأخبره بالقصة، واعترف الملك بأن قطع إصبعه كان خيرًا له. ولكن استغرب الملك مِن الوزير عندما أمر بسجنه، فقال: (خيرًا إن شاء الله)، فقال الوزير: أنا وزيرك، ودائمًا معك، ولو لم أدخل السجن لكنت معك في الرحلة، وبالتالي قبض عليَّ وقدموني قربانًا، وأنا لا يوجد بي عيب؛ ولذلك كان دخولي السجن خيرًا لي. ومنه: فعلى المسلم أن يعتاد قول: إن شاء الله، فلو أردت أن تفعل شيئًا، قل: إن شاء الله، وإذا أردت أن تزور أحدًا، فقل: إن شاء الله، بل كل شيء تعزم على فعله في المستقبل، فقل: إن شاء الله، فما من شيء يجري إلا بتقدير الله ومشيئته، وهو من الأدب مع الله. وصية عملية: تعوَّد أن تقول قبل فعل أي شيء: بسم الله، وإذا هممت بفعل شيءٍ في المستقبل، فقل: إن شاء الله، فكلاهما يجلب بركة. ♦♦♦ السؤال الثالث عشر: مَن هم العبادلة الأربعة؟ الجواب: العبادلة: يطلق على كل من كان أول اسمه (عبدالله)، وقال النووي: بلغ عددهم قريبًا من مائتين وعشرين، لكن المقصود بهم هنا: أربعة من أصغر الصحابة، جمعوا علمًا غزيرًا، وتأخَّرت وفاتهم، هم: • عبدالله بن عباس بن عبدالمطلب. • عبدالله بن عمر بن الخطاب. • عبدالله بن الزبير بن العوام. • عبدالله بن عمرو بن العاص. وسبب اشتهارهم بذلك: هو ما قاله العلماء: "إن هؤلاء عاشوا طويلًا حتى احتيج إلى علمهم، فإذا اتفقوا على شىء قيل: هذا قولُ العبادلة، أو فعلهم"[4]. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب قيام الليل: إن قيامَ الليل مِن أرقِّ وأجمل العبادات التي يتقرب بها المرء إلى ربه عز وجل، ولا يحافظ عليه كلُّ إنسان؛ فهو دأب الصالحين، وقرة العابدين، وسلوك المتقين، وشرف المؤمنين، فهذه العبادة لها آداب وأحكام، وهي: 1- الإخلاص واستحضار النية: وهذا الأدب يتوقف عليه قبول أي عمل؛ فكل عمل أخلص صاحبه لربه، فهو أرجى لقبوله، وإذا شابَه شيءٌ من رياء فهو أدعى لردِّه على صاحبه، فأخلِصْ في عملك، وجدِّدْ نيتك قبل النوم، وفي ذلك ما أُثِرَ عن معاذ: أنه كان يقول: "إني لأحتسب نَوْمَتي كما أحتسب قَوْمَتي". 2- إيقاظ الأهل: فتلك سنَّة مِن السنن المهجورة، وهي أن الرجل إذا قام من الليل لا يوقظ أهله، وإذا قامت هي الأخرى لا توقظ زوجها؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى، وأيقظ امرأته، فإن أبَتْ، نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأةً قامت من الليل فصلَّتْ، وأيقظت زوجها، فإن أبى، نضحت في وجهه الماء))[5]. 3- استعمال السواك: عن جابر بن عبدالله الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم يصلي من الليل فليَسْتَكْ؛ فإن أحدكم إذا قرأ في صلاةٍ وضع ملَكٌ فاه على فيه، فلا يخرج من فيه شيءٌ إلا دخل فم الملك))[6]. 4- البَدْء بركعتين خفيفتين: عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتينِ خفيفتين[7]. 5- القيام مَثْنَى مَثْنَى: عن ابن عمر: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الليل مَثْنى مَثْنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعةً واحدةً توتِرُ له ما قد صلى))[8]. 6- طول القيام: عن جابرٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل الصلاة طولُ القُنوت))[9]. 7- الختام بوِتْر: عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجعلوا آخِرَ صلاتِكم بالليل وِتْرًا))[10]. 8- قضاء القيام عند الفَوَاتِ: عن عائشة، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملًا أثبَتَه، وكان إذا نام مِن الليل، أو مرِض، صلَّى مِن النهار ثنتَيْ عشرة ركعةً"[11]. 9- القراءة بين الجهر والسر: عن أبي قتادة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكرٍ: ((مررتُ بك وأنت تقرأ وأنت تخفض من صوتك))، فقال: إني أسمعتُ مَن ناجيت، قال: ((ارفع قليلًا))، وقال لعمر: ((مررتُ بك وأنت تقرأ وأنت ترفع صوتك))، قال: إني أوقظ الوَسْنان، وأطرد الشيطان، قال: ((اخفِضْ قليلًا))[12]. 10- الإكثار من الدعاء: عن جابرٍ، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن في الليل لساعةً لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ، يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه، وذلك كل ليلةٍ))[13]. 11- النوم حال غلَبة النوم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم القرآنُ على لسانه، فلم يدرِ ما يقول، فليضطجع))[14]. 12- الأخذ بأسباب تيسير قيام الليل: الأول: "ألا يكثر الأكل، فيكثر الشرب، فيغلبه النوم، ويثقل عليه القيام؛ فالأصل هو تخفيف المعدة عن ثقل الطعام، الثاني: ألا يتعب نفسه بالنهار في الأعمال التي تعيا بها الجوارح، وتضعُفُ بها الأعصاب؛ فإن ذلك أيضًا مجلبة للنوم، الثالث: ألا يترك القيلولة بالنهار؛ فإنها سنَّة للاستعانة على قيام الليل، الرابع: ألا يحتقب الأوزار بالنهار؛ فإن ذلك مما يقسي القلب ويحُول بينه وبين أسباب الرحمة"[15]. ♦♦♦ درس الفقه: حكم من مات وعليه صيام: قال أهل العلم: إن مَن مات وعليه فوائت من الصلاة، فإن وليه أو غيره لا يصلي عنه، وكذلك الذي يعجِز عن الصيام لا يصوم عنه أحد أثناء حياته. فإذا مات وعليه صيام أيامٍ لم يتمكن من صيامها قبل موته، فقد اختلف الفقهاء في حكمه: يرى الإمام الشافعي وأحمد: أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويجوز من الأجنبي إذا أذن الولي. ودليلهم: • عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَن مات وعليه صيامٌ صام عنه وليه))[16]. • عن ابن عباسٍ، قال: جاءت امرأةٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن أختي ماتت وعليها صيام شهرين متتابعين، قال: ((أرأيتِ لو كان على أختك دَينٌ، أكنت تقضينه؟!))، قالت: بلى،قال: ((فحقُّ الله أحقُّ))[17]. فهذان حديثان قويان للاستدلال على من يرى صيام الولي عن الميت. أما أبو حنيفة ومالك، وقول للشافعي: فيرون أن وليه لا يصوم عنه، بل يطعم عن كل يوم مُدًّا. ودليلهم: • الصيام عبادة بدينة، لا تقبل النيابة. • عن عائشة أنها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهم"[18]. • عن ابن عباسٍ قال: "إذا مرض الرجل في رمضان، ثم مات ولم يصُمْ، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاءٌ، وإن كان عليه نذرٌ قضى عنه وليه"[19]. ويجمَع الإمام النووي بين المذهبين، فيقول: "وللشافعي في المسألة قولان مشهوران: أشهرهما: لا يصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلًا، والثاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وأما الحديث الوارد: (من مات وعليه صيام، أطعم عنه)، فليس بثابت، ولو ثبت أمكن الجمع بينه وبين هذه الأحاديث بأن يحمل على جواز الأمرين؛ فإن مَن يقول بالصيام يجوز عنده الإطعام، فثبت أن الصواب المتعين تجويز الصيام، وتجويز الإطعام، والولي مخيَّر بينهما"[20]. وعليه: فالمسألة مختلَف فيها بين الأئمة الأربعة؛ فلولي الميت أن يرى ماذا يفعل، وله أن يختار الصوم أو الإطعام، والإمام النووي يرجح قضاء الصيام، المهم في المسألة إبراء ذمة الميت، وأداء حق الله. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] ابن ماجه (4080)، وصححه الأرناؤوط. [2] البخاري (6639)، مسلم (1654). [3] أخذتها عن عدد من العلماء والدعاة، لكن لم أجد لها مصدرًا، وقد يستأنس بها في هذا المقام. [4] انظر: تهذيب الأسماء واللغات، للإمام النووي، (ج1، ص267)، دار الكتب العلمية، بيروت. [5] أبو داود (1308)، والنسائي (1610)، وابن ماجه (1336)، ومسند أحمد (7410). [6] شعب الإيمان للبيهقي (1938)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (720). [7] مسلم (767). [8] البخاري (990) مسلم (749). [9] مسلم (756). [10] البخاري (998)، مسلم (751). [11] مسلم (746). [12] سنن الترمذي (447)، وصححه الألباني. [13] مسلم (757). [14] مسلم (787). [15] إحياء علوم الدين، (ج1، ص356) باختصار. [16] البخاري (1952) مسلم (1147). [17] السنن الكبرى للنسائي (2926)، سنن ابن ماجه (1758)، وصححه الأرناؤوط. [18] السنن الكبرى للبيهقي (8232). [19] أبو داود (2401)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح موقوفًا. [20] شرح النووي على مسلم (ج8، ص25، 26) باختصار. |
رد: دروس رمضانية
المؤمن كالنحلة (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد كما خلقتَنا ورزقتنا، وهديتَنا وعلمتنا، وفرَّجت عنا، لك الحمد بالإسلام، بالقرآن، بالأهل والمال والمعافاة، بسطتَ رزقنا؛ فلك الحمد بكل نعمة أنعمت بها علينا، أما بعد: فلقاؤنا الليلة يدور حول حديث جميل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يشبه المؤمن فيه بالنحلة، ويبرز فيه رائعة من روائع التشبيهات النبوية؛ فتعالَوْا لنعيش معًا مع هذا التشبيه، ولنتعرَّف على صفات النحل، وكيف يستفيد المؤمن مِن هذا التمثيل النبوي. عن أبي رَزينٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَل المؤمن مَثَل النحلة، لا تأكُلُ إلا طيِّبًا، ولا تضَعُ إلا طيِّبًا))[1]. وفي رواية أخرى: ((والذي نفسُ محمد بيده، إن مَثَل المؤمن لكمَثَل النَّحلة، أكلَتْ طيبًا، ووضعَتْ طيبًا، ووقعَتْ فلم تكسِرْ ولم تُفسِدْ))[2]. قال العلامة المناوي - رحمه الله -: "ووجه الشبه: حذق النحل، وفِطنته، وقلة أذاه، وحقارته، ومنفعته، وقنوعه، وسعيه في الليل، وتنزُّهه عن الأقذار، وطيب أكله، وأنه لا يأكل مِن كسب غيره، وطاعته لأميره، وأن للنحل آفاتٍ تقطعه عن عمله، منها: الظلمة، والغَيْم، والريح، والدخَان، والماء، والنار، وكذلك المؤمن له آفات تُفقِره عن عمله؛ ظلمة الغفلة، وغَيْم الشك، وريح الفتنة، ودخَان الحرام، ونار الهوى"[3] كما أكد علماءُ الحشرات أن النحلَ لا يمتص إلا رحيق الأزهار الفواحة، كما أن العسَل الخارجَ من بطنها مِن أطيب الإفرازات الحيوانية وأنفعِها على الإطلاق. ومِن صفات عالَم النَّحل: أنه يعمَل ويجتهد، ويثابر طَوال يومه في بناء خليَّته، وتشييد مدينتِه، ويحافظ على نَسْله، وله شجاعة وإقدامٌ، ويُضحِّي بنفسه مِن أجل بني خليَّتِه، ويحبُّ العملَ الجماعي، وهذا واضحٌ وجليٌّ، كما أن النحل لا يتبرَّم مِن العمل، بل يعمَل في صمتٍ، ولا ينتظر منصبًا أو مكانةً في خليَّتِه. النحل في القرآن: جاءت سورةٌ كاملة في القرآن الكريم باسم سورة (النحل)، وهذا من تكريم الله لتلك الحشرة الصغيرة، ولفت انتباه المؤمنين للتشبه بهذا الكائن؛ قال تعالى: ï´؟ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي ï»؟سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ï´¾ [النحل: 68، 69]. بين المؤمن والنحلة: المؤمن لا يأكل إلا طيبًا، وتلك صفة النحل: عن أبي سعيدٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تصاحِبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي))[4]. المؤمن لا يقول إلا طيبًا، والنحل يخرج العسل: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((.... ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فليقُلْ خيرًا، أو ليسكُتْ))[5]. المؤمن يحب العمل الجماعي، والنحل متعاون: عن أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المؤمنُ للمؤمن كالبنيان، يشُدُّ بعضُه بعضًا))، وشبَّكَ بين أصابعه[6]. ومما جاء في سيرته صلى الله عليه وسلم: أنه كان في بعض أسفاره، فأمر بإصلاح شاةٍ، فقال رجل: يا رسول الله، عليَّ ذبحُها، وقال آخر: عليَّ سلخها، وقال آخر: عليَّ طبخها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((وعليَّ جمع الحطب))، فقالوا: يا رسول الله، نحن نكفيك، فقال: ((قد علمتُ أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره مِن عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه))[7]. إن ملامحَ الجماعة في دِيننا تظهر في كل العبادات التي نتعبد بها لله؛ فالصلاة تؤدى في جماعة المسجد، وتصوم الأمة كلها شهرًا واحدًا في وقت واحد، ويؤدُّون فريضة الحج في آنٍ واحد ومكان واحد، ويخرجون لصلاة العيد مكبِّرين مهلِّلين في صوت واحد، كما أن ربنا إذا نادى علينا في كتابه ينادي بصيغة الجمع، فيقول: يا أيها الذين آمنوا، يا أيها الناس. مِن صفات المؤمن أن يكون نافعًا للغير كالنحل: عن ابن عمر: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحب الناس إلى الله تعالى: أنفعُهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله تعالى: سرورٌ تُدخِله على مسلمٍ...))[8]. ومما أُثِر عن علي رضي الله عنه قوله: "كونوا في الناس كالنحلة في الطير؛ إنه ليس من الطير شيءٌ إلا وهو يستضعفها، ولو يعلم الطيرُ ما في أجوافها من البركة لم يفعلوا ذلك بها، خالِطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايِلوهم بأعمالكم وقلوبكم؛ فإن للمرءِ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع مَن أحَبَّ"[9]. وأعجبني ما قاله الشيخ الغزالي - رحمه الله -: "المسلم كالنحلة التي تطوف بالحدائق والحقول، تطعَمُ الخير، وتُعطي العسل، ولا يرى أحدٌ منها إلا ما يسُرُّ"؛ "كنوز من السنة". فعلى المؤمن الصائم: أن يتعلمَ مِن النحل؛ فلا يقبل إلا الطيب، ولا يتكلم إلا بالطيب، ولا يطعَم إلا الطيب، ولا يلبَس إلا الطيب، ولا يشرب إلا الطيب، ولا يكسِب إلا الطيب، فإذا عاش المؤمن كالنحل - يتحرى الطيبَ مِن كل شيء، وفي كل شيء - كانت نهايتُه بإذن الله طيبةً؛ قال تعالى: ï´؟ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ï´¾ [النحل: 32]. وتلك دروس جليلة، ومهما كثرت فهي قليلة، لكن في المثال الواحد، ما يُغني عن ألفِ شاهد. وصية عملية: كُنْ طيبًا في كلامك، وفي أفعالك، وفي حركاتك، وفي طعامك وشرابك؛ فالطيب يعيش حياةَ الطيبيين. ♦ ♦ ♦ السؤال الرابع عشر: مَن هم الأنبياءُ العرب؟ الجواب: الأنبياء العرب أربعة، وهم: سيدنا هود، سيدنا صالح، سيدنا شعيب، سيدنا محمد. ♦ ♦ ♦ خاطرة بعد الفجر: (آداب السلام): إن السلامَ تحيةُ الإسلام، وشِعار الأمة، وجاءت تحية الإسلام لننشر بها السلام والأمان في ربوع الأرض، وفي أرجاء المعمورة، وتلك التحية لها آدابٌ وأحكام، وهي: 1- أن نلتزمَ بتحية الإسلام: فالسنَّة التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم هي أن نقول: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، فتلك هي التحية المشروعة والمرفوعة والمأجورة، فلا يليق بأمة لها نبي هو المعلم والمربي أن تغيِّرَ مِن سنَّته، أو تستبدل بتعاليمه غيرَها، ومَن يُقدِم على ذلك فهو كالذي يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فهذا هبوط وهبوط، إن تركنا سنَّة هادينا ومرشدنا صلى الله عليه وسلم. إن تحيةَ الإسلام، وهي السلام، تحية كل الأنبياء، مِن آدمَ إلى خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، بل ما تعلمه سيدنا آدم هو إلقاء السلام؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لما خلَق الله آدم ونفخ فيه الرُّوح، عطَس، فقال: الحمد لله، فحمد الله بإذنه، فقال له ربه: رحمك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملأٍ منهم جلوسٍ، فقل: السلام عليكم، قالوا: وعليك السلام ورحمة الله، ثم رجع إلى ربه، فقال: إن هذه تحيتُك وتحيةُ بنيك...))[10]. 2- أن نحرص على إفشاء السلام: مِن أهم آداب وأحكام السلام: أن ننشره في الناس؛ فنشره نشرٌ للأمن والسلامة والسكينة والاطمئنان، فجاءت السنة داعمةً لهذا الأدب؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تدخلون الجنةَ حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أوَلَا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلامَ بينكم))[11]. وعنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أفشوا السلام، وأطعِموا الطعام، واضرِبوا الهَام، تُورَثوا الجِنان))[12]. 3- أن تبدأ مَن تلقاه بالسلام: عن أبي هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((حقُّ المسلم على المسلم سِتٌّ))، قيل: ما هن يا رسول الله؟، قال: ((إذا لقيتَه فسلِّمْ عليه...))[13]. 4- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: وهي أكمل ألفاظ السلام، ويليها: السلام عليكم ورحمة الله، ويليها: السلام عليكم. عن عمران بن حصينٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم، فرد عليه السلام، ثم جلس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((عشرٌ))، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه، فجلس، فقال: ((عشرون))، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه، فجلس، فقال: ((ثلاثون))[14]. 5- رد السلام: قال تعالى: ï´؟ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ï´¾ [النساء: 86]. وعن أبي هُرَيرة رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((حقُّ المسلم على المسلم خمسٌ: ردُّ السلام...))[15]. يقول الإمام النووي: "إن كان المُسلَّمُ عليه واحدًا تعيَّن عليه الردُّ، وإن كانوا جماعةً، كان ردُّ السلام فرضَ كفايةٍ عليهم، فإن ردَّ واحدٌ منهم سقط الحرجُ عن الباقين، وإن تركوه كلُّهم، أثِموا كلُّهم، وإن ردُّوا كلُّهم، فهو النهايةُ في الكمال والفضيلة"[16]. 6- يسلِّم الصغيرُ على الكبير، والراكب على الماشي، والقليلُ على الكثير: عن أبي هريرةَ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليُسلِّمِ الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعد، والقليلُ على الكثير))[17]. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يُسلِّم الصغير على الكبير، والمارُّ على القاعد، والقليل على الكثير))[18]. 7- صافِحْ أخاكَ بعد سلامك عليه: عن حذيفةَ بن اليمانِ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن المؤمن إذا لقي المؤمنَ فسلَّم عليه، وأخَذ بيده، فصافَحه، تناثرت خطاياهما، كما يتناثر ورقُ الشَّجر))[19]. 8- سلِّمْ قبل أن تسأَل أو تتكلم: مِن آداب السلام: أن تسلِّمَ قبل أن تتكلم؛ فالسلام هو مفتاح السؤال؛ عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((السلام قبل السؤال، فمَن بدأكم بالسؤالِ قبل السلام، فلا تُجيبوه))[20]. كذلك لا تتكلَّم قبل أن تسلِّمَ؛ فالسلام مفتاح الكلام؛ عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((السلامُ قبل الكلام))[21]. 9- لا تُسلِّم على مَن يَقضي حاجته: فلو مررتَ بإنسان يقضي حاجته، أو علِمْتَ أن أحدًا بالخلاء، فلا تسلِّم على هذا ولا ذاك؛ عن المهاجر بن قنفذٍ: أنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: ((إني كرهتُ أن أذكر الله عز وجل إلا على طُهرٍ، أو قال: على طهارةٍ))[22]. فالإنسان المشغول بالبول، أو كان في حمام، يُكرَه أن يلقى عليه السلام، ويُكرَه مِنه الرد. 10- يستحب تكرار السلام إذا لم تسمع: عن أنسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان (إذا تكلَّم بكلمةٍ أعادها ثلاثًا، حتى تُفهَم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلَّم عليهم سلَّم عليهم ثلاثًا)[23]. 11- سلِّمْ على مَن عرَفتَ ومَن لم تعرِفْ: عن عبدالله بن عمرٍو: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خيرٌ؟ قال: ((تُطعم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرَفتَ ومَن لم تعرِفْ))[24]؛ فالهَدْي النبوي يوصي بأن يسلم المسلم على أخيه، يعرفه أو لا يعرفه. 12- سلِّمْ على الصبيان والأطفال: عن أنس بن مالكٍ: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم (مرَّ على غلمانٍ فسلَّم عليهم)[25]، وهي السنَّة. وعنه، قال: مرَّ علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نلعب، فقال: ((السلامُ عليكم يا صبيان))[26]. 13- سلِّمْ على أهل بيتِك: قال ربنا: ï´؟ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ï´¾ [النور: 61]. وعن أبي أمامة، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثةٌ كلهم ضامنٌ على الله، إن عاش كُفِيَ، وإن مات دخل الجنة: مَن دخل بيته بسلامٍ، فهو ضامنٌ على الله عز وجل،ومَن خرج إلى المسجد، فهو ضامنٌ على الله،ومَن خرج في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله))[27]. وما جاء عن أنس بن مالكٍ، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا بنيَّ، إذا دخلتَ على أهلك، فسلِّمْ، يكون بركةً عليك وعلى أهل بيتك))[28]. 14- يجوز حملُ السلام وتبليغه، وأن ترد عليه إذا وصَلك: عن غالبٍ، قال: إنا لجلوسٌ بباب الحسن، إذ جاء رجلٌ، فقال: حدثني أبي، عن جدي، قال: بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائتِه فأقرِئْه السلامَ، قال: فأتيتُه فقلت: إن أبي يُقرِئك السلامَ، فقال: ((عليك السلامُ، وعلى أبيك السلامُ))[29]. فمن السنَّة أن تقول لشخص: بلِّغْ سلامي لفلان، وإذا بلغك سلامٌ، فرد على المبلغ: وعليك وعليه السلام؛ فالسنَّة حافلةٌ بهذه الصور مِن جبريل عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابِه رضي الله عنهم. 15- لا تتشبَّهْ بغير المسلمين في التحية: فغيرُ المسلمين كأهل الكتاب - مثلًا - تحيتهم بالإشارة، والرؤوس، والأكُفِّ، ونحن مأمورن بمخالفتهم؛ عن جابر بن عبدالله: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُسلِّموا تسليمَ اليهودِ والنصارى؛ فإن تسليمَهم بالأكُفِّ، والرؤوس، والإشارة))[30]. توضيحٌ وبيان: وللإمام ابن حجر في ذلك كلام جميل، يقول فيه: "ويستثنى من ذلك: حالة الصلاة؛ فقد وردَتْ أحاديث جيدة أنه صلى الله عليه وسلم رد السلام وهو يصلي إشارةً، وكذا مَن كان بعيدًا بحيث لا يسمع التسليم، يجوز السلام عليه إشارةً، ويتلفَّظ مع ذلك بالسلام"[31]. ويقول أيضًا: "والنهي عن السلام بالإشارة مخصوصٌ بمَن قدر على اللفظ حسًّا وشرعًا، وإلا فهي مشروعةٌ لمَن يكون في شُغُلٍ يمنَعه مِن التلفُّظ بجواب السلام؛ كالمصلِّي، والبعيد، والأخرس، وكذا السلام على الأصم"[32]. ويتضحُ مما سبق: أنه قد يضطر الإنسان لأن يشير بالتحية مقرونة بالسلام، وهذا في أضيق الأحوال؛ كأن تسلِّمَ على أصمَّ، أو مَن كان بعيدًا عنك لا يسمعك؛ فالنهيُ عن التحية بالإشارة إذا كان المُسلِّمُ قادرًا على فعله، لكن عدل إلى الإشارة، وهذا وجهُ النهيِ. 16- هل يجوز السلام على غير المُسلِم؟ عن أبي هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تبدَؤوا اليهودَ ولا النصارى بالسلامِ، فإذا لقيتم أحدَهم في طريقٍ، فاضطرُّوه إلى أضيقِه))[33]. وهذا السؤال يتضمن عدة نقاط: الأولى: حُكم بَدءِ غير المسلِم بالسلام: جاء عن النووي قوله: "وأما أهلُ الذمة فاختلف أصحابنا فيهم؛ فقطَع الأكثرون بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام، وقال آخرون: ليس هو بحرام، بل هو مكروه، ولو أراد تحية بغير السلام، بأن يقول: هداك الله، أو أنعَم الله صباحك،فلا بأس به إذا احتاج إليه، فيقول: صبحتَ بالخير، أو السعادة، أو بالعافية، أو صبَّحك الله بالسرور، أو بالسعادة والنعمة، أو بالمسرة، أو ما أشبه ذلك"[34]. الثانية: حُكم إلقاء السلام على مجلس فيه مسلِمون وغيرُ مسلِمين: قال علماؤنا: لو أن مسلمًا أقبَل على جمع فيه المسلِم وغير المسلِم، فالسنَّة أن يسلِّمَ قاصدًا المسلِمين. الثالث: حُكم رد تحية غير المسلِم: إذا سلَّم غيرُ المسلِم على المسلِم، فيكون الردُّ عليهم كما جاء في الحديث الشريف، عن أنسٍ: أن أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أهل الكتاب يُسلِّمون علينا، فكيف نردُّ عليهم؟ قال: ((قولوا: وعليكم))[35]. 17- حُكم السلام على النساء: يقول صاحب الأذكار: "إن كانت زوجتَه أو جاريتَه أو مَحرمًا من محارمه، فهي معه كالرجل مع الرجل، فيستحبُّ لكل واحد منهما ابتداءُ الآخَر بالسلام، ويجب على الآخر ردُّ السلام عليه، وإن كانت أجنبيةً، فإن كانت جميلةً يخاف الافتتانَ بها، لم يُسلِّمِ الرجلُ عليها، ولو سلَّم، لم يجُزْ لها رد الجواب، ولم تسلِّمْ هي عليه ابتداءً، فإن سلَّمَتْ، لم تستحقَّ جوابًا، فإن أجابها كُرِه له، وإن كانت عجوزًا لا يفتتن بها، جاز أن تسلِّمَ على الرجل، وعلى الرجل ردُّ السلام عليها، وإذا كانت النساء جمعًا، فيسلِّمُ عليهن الرجل، أو كان الرجال جمعًا كثيرًا، فسلَّموا على المرأة الواحدة جاز، إذا لم يخف عليه ولا عليهن، ولا عليها أو عليهم فتنة"[36]. وأخيرًا، أحوالٌ يُكرَه فيها إلقاء السلام: • يُكرَه السلام على النائم، والمشتغل بقضاء الحاجة. • يُكرَه السلام على المُصلِّي أو المؤذِّن. • يُكرَه السلام أثناء خُطبة الجمعة. • يُكرَه السلام على مشتغلٍ بقراءة القرآن. ♦ ♦ ♦ درس العصر: قضاء رمضان: هذه مسألة مِن المسائل الفقهية المهمة، والمتعلقة بقضاء رمضان؛ فالذي يُفطر في رمضان بعُذْر، والأعذار متعددة؛ فقد يُفطِر بسبب الكِبرَ والهَرَمِ، أو بسبب المرض العارض، أو المرض المزمن، أو تفطر المرأة بسبب الحمل أو الرضاعة، أو تفطر بسبب الحيض والنفاس، وتتعدَّد صور القضاء؛ فمنهم مَن يسارع بالقضاء ويُعجِّل به، ومنهم مَن يداهمه رمضان التالي فيأتي عليه، ولم يكُنْ قضى ما فاته مِن رمضان الماضي؛ كلُّ هذه صورٌ نتعرَّض لها في هذا الدرس. وإليك - حبيبي الصائم - نص الفتوى[37] لدار الإفتاء المصرية في قضاء رمضان، وفيها أن: "قضاء رمضان إذا لم يكن عن تعدٍّ لا يجب على الفور، بل يجب وجوبًا موسعًا في خلال العام، وقبل حلول رمضان التالي؛ فقد صح عن أم المؤمنين عائشة: "أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان"، فإن أخَّر القضاء حتى دخل عليه شهر رمضان الآخَر صام الحاضر، ثم قضى بعده ما عليه، ولا فدية عليه، سواء كان التأخير لعذر أو لغير عذر، على ما ذهب إليه الأحناف والحسَن البصري، وذهب مالكٌ والشافعي وأحمدُ إلى أنه يجب عليه القضاء فقط، إن كان التأخير لعذر، أما إذا كان التأخير بدون عذر فيلزمه القضاء والفدية، ولا يشترط التتابع". والحاصل: أن القضاءَ على مَن أفطر في رمضان يكون على التراخي، وفي خلال العام، فلو تأخر القضاءُ حتى دخل رمضانُ آخرُ، فلو كان لم يقضِ لعذر، فعليه القضاء فقط، وإن ترك القضاء لغير عذر، فعليه القضاءُ مع الكفارة، وإن كان الإمام أبو حنيفة يرى القضاء فقط، سواء ترك القضاء لعذر أو لغير عذر. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] صحيح ابن حبان (247)، والمعجم الكبير للطبراني (459)، وحسنه الأرناؤوط. [2] مسند أحمد (6872)، وقال الشيخ / أحمد شاكر: إسناده صحيح. [3] فيض القدير شرح الجامع الصغير، للعلامة المناوي، (ج5، ص511)، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، ط1/ 1356هـ. [4] أبو داود (4832)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. [5] متفق عليه. [6] البخاري (2446)، مسلم (2585). [7] إمتاع الأسماع، للمقريزي، (ج2، ص188). [8] المعجم الأوسط للطبراني (5787)،وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (906). [9] سنن الدارمي (320)، إسناده صحيح، وهو موقوفٌ على عليٍّ. [10] الترمذي (3368)، وقال: حسن غريب. [11] مسلم (54). [12] الترمذي (1854)، وقال: حسن صحيح غريب. [13] مسلم (2162). [14] أبو داود (5195)، والترمذي (2689)، وقال: حسن غريب. [15] البخاري (1240)، مسلم (2162). [16] انظر: الأذكار، للنووي، ص246، تحقيق: عبدالقادر الأرنؤوط، دار الفكر، بيروت - لبنان، 1414 هـ - 1994 م. [17] مسند أحمد (8312)، وصححه الأرناؤوط. [18] البخاري (6234). [19] المعجم الأوسط للطبراني (245)، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (526). [20] ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (ج6/ 509)، تحقيق: عادل أحمد عبدالموجود - علي محمد معوض، وشارك في تحقيقه: عبدالفتاح أبو سنة، الكتب العلمية - بيروت - لبنان، ط1/ 1418هـ = 1997م، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (816). [21] الترمذي (2699)، وحسنه الألباني. [22] أبو داود (17)، وقال الشيخ الأرناؤوط: صحيح. [23] رواه البخاري. [24] البخاري (28)، مسلم (39). [25] مسلم (2168). [26] أحمد (12896)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن. [27] الأدب المفرد للبخاري (1094). [28] الترمذي (2698)، وقال: ((هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ)). [29] أبو داود (5231)، وحسنه الألباني. [30] السنن الكبرى للنسائي (10100). [31] فتح الباري (ج11/ ص19). [32] المرجع السابق نفسه (ج11/ ص14). [33] مسلم (2167). [34] الأذكار للنووي، ص253، 254 بتصرف. [35] مسلم (2163). [36] الأذكار، للنووي، ص252. [37] راجع: من كتاب أحكام الصيام، الصادر عن دار الإفتاء المصرية، ص93. |
رد: دروس رمضانية
مع ذي القرنين (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله مغيثِ المستغيثين، ومجيب دعوة المضطرين، ومُسبِل النِّعَم على الخَلْق أجمعين، عظُم حِلمُه فستَر، وبسط يدَه بالعطاء فأكثَر، نِعَمُه تَتْرَى، وفضله لا يحصى، مَن أناخ بباب كرَمِه ظفِر، وأزال عنه الضرَّ وجبَر ما انكسَر، وبعد: فلقاء الليلة مع قصة مِن قصص سورة الكهف، وهي قصة: (ذي القَرْنَينِ)، ويتضمن النقاط التالية: • التعريف بذي القرنين. • مِن عوامل البناء والتمكين في قصة ذي القرنين. • كيف نستفيد من القصة؟! قال تعالى: ï´؟ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا * كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا * ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ï´¾ [الكهف: 83 - 98]. أولًا: مَن هو ذو القَرنين؟ اختلَف المفسرون والمؤرخون حول تحديد شخصية ذي القرنين، فقيل: هو الإسكندر المقدوني، وقيل: قورش الإخميني، وقيل: أبو كرب شمر بن عمرو الحميري، وناقش البعض هذه الأقوال، وخرج بتلك النتيجة: إن ذا القَرنين لم يكن واحدًا من الثلاثة، ويبقى أن تكون شخصيته مثلًا في العدل والإصلاح، والحاكم الصالح، ويكفي أنه عَلَم قرآني بارز، للتركيز على الدروس والعِبَر والحِكَم والسُّنن [1]. لِمَ سُمِّي بذي القَرنين؟ قيل: لأنه طاف مشارق الأرض ومغاربها، وقيل: لأنه كان له ذؤابتانِ كالقرنين، والأول أوجهُ..والراجح: أن ذا القَرنين ليس نبيًّا، وإنما كان ملِكًا صالحًا. ثانيًا: مِن عوامل البناء والتمكين: 1- إقامة العدل: التزَم ذو القرنين العدلَ في حُكمه ومُلكه، وذلك في كل شيء، حتى مع المخالفين له، فلم يتخذِ الظلمَ والتجبُّرَ مسلكًا في تعامله مع الغير؛ قال تعالى: ï´؟ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا ï´¾ [الكهف: 87، 88]. وهذا المنهج هو أساس إقامة أي ملك، وبناء أي أمة، وفي ذلك يقول ابن تيمية، المقولة الشهيرة: "إن اللهَ يُقيم الدولةَ العادلة وإن كانت كافرةً، ولا يُقيم الظالمةَ وإن كانت مسلمة، ويقال: الدنيا تدوم مع العدلِ والكفرِ، ولا تدوم مع الظُّلم والإسلامِ"[2]. إن عدلَ الحاكم يدفَعُه لأن يعطيَ أصحابَ الحقوق حقوقَهم، لقد مر عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه بعبدالله بن الزبير رضي الله عنهما وهو صبيٌّ يلعب مع الصبيان، ففرُّوا ووقف، وقال: ما لك لم تفِرَّ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أُجرِمْ فأخافَك، ولم تكن الطريقُ ضيقةً فأوسِّعَ لك![3]. قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: "لا سلطانَ إلا بالرجال، ولا رجالَ إلا بمال، ولا مال إلا بعِمارة، ولا عِمارة إلا بعدلٍ". كتب بعضُ عمال عمرَ بن عبدالعزيز رضي الله عنه إليه: "أما بعد، فإن مدينتَنا قد خرِبَتْ، فإن رأى أميرُ المؤمنين أن يقطع لها مالًا يرُمُّها به، فعَل، فكتب إليه عمر: أما بعد، قد فهمتُ كتابَك، وما ذكرتَ أن مدينتَكم قد خرِبَتْ، فإذا قرأتَ كتابي هذا فحصِّنْها بالعدل، ونَقِّ طرقَها مِن الظُّلم؛ فإنه مَرَمَّتُها، والسلام"[4]. 2- العمل الجماعي والتعاون: قال تعالى: ï´؟ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ï´¾ [الكهف: 94 - 96]. وليكُنْ تعاونُك في الحق لا في الباطل؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَثَل الذي يعين قومَه على غير الحق كمَثَل بعيرٍ تردَّى في بئرٍ، فهو ينزع منها بذَنَبِه))[5]. قال بعض البلغاء: صديق مساعد: عضُدٌ وساعدٌ. وقيل: إني رأيت نملةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif في حيرةٍ بين الجبال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لم تستطِعْ حَملَ الطعا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مِ وحدها فوق الرمال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نادَتْ على أختٍ لها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تُعينُها فالحِمْل مال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لم يستطيعا حملَه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تذكَّرا قولًا يقال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تعاونوا جميعُكم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فالخيرُ يأتي بالوصال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نادَتْ على إخوانها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif جاؤوا جميعًا بالحبال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif جرُّوا معًا طعامهم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لم يعرِفوا شيئًا مُحال https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعندما بويع أبو بكر بالخلافة، خطب في الناس، فقال: "أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقَّه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيفٌ حتى آخُذَ الحقَّ منه"[6]. ثالثًا: الاستفادة مِن القصة: قوة البناء: كلما كان البناء قويًّا، كان عمرُه أطولَ وأدوم، ولا يستطيع أحد أن ينقضه؛ فذو القَرنين بنى ما بين الجبَلين من حديد، ثم أذاب عليه النحاس؛ ليَزيدَه قوة وصلابة، فلما أراد القوم المفسدون أن يهدموه فشِلوا؛ قال تعالى: ï´؟ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ï´¾ [الكهف: 97]، فعجَزوا عن أن يعتلوه؛ لارتفاعِه، أو يثقُبوه؛ لصلابتِه. الاعتراف بفضل الله: فمهما يبلُغ الإنسان مِن مُلك أو سلطان، فلا يجوز أن يَشغَله ذلك عن شُكر نعمة الله، والإقرار بمنِّه وكرَمِه عليه، كما فعل ذو القرنين؛ قال الله: ï´؟ قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ï´¾ [الكهف: 98]. العفَّة والقناعة: لما عُرِضَ عليه أن يأخذ خَراجًا في مقابل أن يبنيَ لهم السد، عَفَّ عن مالهم؛ طمعًا فيما أعطاه الله له؛ قال ربنا: ï´؟ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ï´¾ [الكهف: 94، 95]. الطموح والهمَّة العالية: لقد طاف ذو القَرنين مشارقَ الأرض ومغاربها؛ ليبلِّغَ دعوة الله عز وجل، وينشُرَ العدل في الأرض. استثمار الطاقات: استطاع ذو القَرنين أن يستغلَّ طاقات القوم الذين لا يفقَهون، وغرَس فيهم ثقتَهم بأنفسهم، عندما قال لهم: ï´؟ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ï´¾ [الكهف: 95]. الإتقان في العمل: لما بنى ذو القَرنين السدَّ بين الجبَلين، أتقن بناءَه، وأحسن رفعه، فما استطاع القوم المفسدون أن يعلوه أو ينالوا منه، وتلك نتيجة الإتقان، فلما أتقَن أعداؤنا تقدَّموا، ولما أهمَلْنا فشِلْنا. الأَخْذُ بالأسباب: لَمَّا آتاه اللهُ الأسبابَ، أخَذ بها، وعندما أخَذ بها، مكن الله له في الأرض، فإذا أرادتِ الأمةُ أن يمكن اللهُ لها، فلتأخُذْ بأسباب التمكين والنصر، وبالتأمُّل ترى أن كلمة (سببًا)، تكررت في القصة أربعَ مرات، ففيها إشارةٌ واضحة للأخذ بالأسباب، والتوكُّل وليس التواكُل. التواضُعُ: قال تعالى: ï´؟ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا ï´¾ [الكهف: 97، 98]؛ فالعدلُ مع العمل، والتعاون من الجميع، ثم بتواضُع الحاكم والقائد، وقبل كل ذلك إيمان بالله جل جلاله: طريقٌ إلى التمكين في الأرض. وتلك دروسٌ مستفادة مِن قصة ذي القَرنين، وهذا هو الهدف مِن القصص القرآني؛ أن نقفَ معه، ونأخذ منه الدروس والعِبَرَ والعظاتِ. وصية عملية: ما أجملَ أن تجمَعَ أهل بيتك، فتجلسَ معهم، لمدارسة القرآن الكريم، يقرأ كل واحد صفحة، إنها لحياةٌ كريمة؛ أن يجتمعَ الأهلُ على طاعة الله. ♦♦♦ السؤال الرابع عشر: أربعةٌ ملَكوا الأرض، فمن هم؟ الجواب: الأربعة الذين ملكوا الأرض، هم: "سيدنا سليمان بن داود، ذو القرنين، بختنصر، النمرود". "عن سفيان الثوري، قال: بلَغني أنه ملَك الدنيا كلَّها أربعة: مؤمنانِ، وكافرانِ؛ سليمان النبي عليه السلام وذو القرنين، ونمرود وبختنصر، وذكروا أن نمرود استمر في مُلكه أربعمائة سنة، وكان قد طغى وبغى، وتجبَّر وعتَا، وآثَر الحياة الدنيا"[7]. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آدابُ الاستئذان: تأتي آداب الاستئذان لتُظهِرَ مدى الذوق الإسلامي، والسلوك العالي في الدخول على الآخَرين، وينبغي للمستأذن أن يتأدب بتلك الآداب، ويتحلى بهذه الأخلاق، وهي: 1- أن تراعيَ الأوقات المناسبة: بيَّن القرآنُ الكريم الأوقاتَ التي ينبغي الاستئذان فيها، وجمعها في هذه الآية الكريمة؛ يقول ربنا: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ï´¾ [النور: 58]. يقولُ ابن كثير: "هذه الآياتُ الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضِهم على بعضٍ؛ فأمر اللهُ تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدَمُهم مما ملكت أيمانُهم وأطفالهم الذين لم يبلُغوا الحُلمَ منهم في ثلاثة أحوالٍ: الأول: مِن قبل صلاة الغداة؛ لأن الناسَ إذ ذاك يكونون نيامًا في فُرشِهم، ï´؟ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ï´¾ [النور: 58]؛ أي: في وقتِ القيلولة؛ لأن الإنسانَ قد يضعُ ثيابه في تلك الحال مع أهله، ï´؟ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ï´¾ [النور: 58]؛ لأنه وقتُ النوم"[8] 2- لا تقِفْ بوجه الباب: عن عبدالله بن بسرٍ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا أتى باب قومٍ لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن، أو الأيسر، ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم)[9]. 3- أن تغُضَّ بصرك: عن سهلِ بن سعدٍ الساعدي، قال: إن رجلًا اطلع في جحرٍ في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم مدرى - مشط - يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لو أعلم أنك تنتظرني، لطعنت به في عينيك))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما جُعِل الإذن من قِبَل البصر))[10]. 4- أن تقرع الباب ثلاثًا وبرفق: عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: كنت في مجلسٍ من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعورٌ، فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن لي، فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، فرجعت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له، فليرجع))[11]. وقد يكون الاستئذان بالنداء، أو بدق الباب، أو برن الجرس؛ فالاستئذان يكون بطريقة منها، وليس كلها، ولتستأذن ثلاثًا، وتفصل بينها، وبدون إزعاج؛ عن أنسٍ: "أن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تُقرَع بالأظافير"[12]. 5- أن تُعرِّفَ بنفسك: عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، يقول: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دَيْنٍ كان على أبي، فدققت الباب، فقال: ((من ذا؟!))، فقلت: أنا، فقال: ((أنا أنا))، كأنه كرِهها[13]. 6- أن تسلِّمَ قبل أن تدخل: قال تعالى: ï´؟ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ï´¾ [النور: 61]. استأذَن رجل من بني عامر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيتٍ، فقال: ألج؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه: ((اخرُجْ إلى هذا فعلمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟))، فسمعه الرجل، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذِن له النبي صلى الله عليه وسلم، فدخل[14]. 7- استأذِنْ على محارمك: مِن الأدب أن تستأذن على أمك؛ عن عبدالله بن مسعود، قال: (عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم)[15]. وسأل رجلٌ حذيفة فقال: أستأذن على أمي؟ فقال: "إن لم تستأذن عليها، رأيت ما تكرَهُ"[16]. وعلى زوجتك: "عن زينب امرأة عبدالله بن مسعود، قالت: كان عبدالله إذا جاء مِن حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهيةَ أن يهجُمَ منا على شيءٍ يكرهه"[17]. وعلى أختك: عن عطاءٍ، قال: سألت ابن عباسٍ، فقلت: أستأذن على أختي؟ فقال: نعم، فأعدت فقلت: أختانِ في حجري، وأنا أمونهما وأنفق عليهما، أستأذن عليهما؟ قال: نعم، أتحب أن تراهما عريانتين؟[18]. 8- رد المصلي على المستأذن: بيَّنَتْ لنا السنة النبوية ماذا يفعل المصلي لو استأذن عليه أحد؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا استُؤذِن على الرجل وهو يصلي، فإذنُه التسبيح، وإذا استُؤذِن على المرأة وهي تصلي، فإذنها التصفيق))[19]. 9- ارجِعْ إن لم تجد أحدًا، أو لم يؤذن لك: قال تعالى: ï´؟ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ï´¾ [النور: 28]. فإذا اعتذَر لك صاحب البيت، فاقبَلِ اعتذاره، والتمِسْ له العذر. وتلك آداب الاستئذان، وقد جمعتها في تسعة، أسأل الله أن تكون منجية لنا وشافعة. ♦♦♦ درس الفقه: كيفية صيام دول الشمال[20]: الجواب: "المقترح لأهل تلك البلاد: أن يسير تقدير الصوم عندهم على مواقيت مكة المكرمة؛ حيث إن الله قد عَدَّها أم القرى، والأم هي الأصل، وهي مقصودة دائمًا؛ ليس في القِبلة فقط، بل في تقدير المواقيت إذا اختلَّتْ. أما التقدير بأقرب البلاد فهو تقدير مضطرب جدًّا، والقائلون به يشترطون سهولة معرفة الحساب الدقيق لأقرب البلدان اعتدالًا مِن غير مشقة أو اضطراب في ذلك، وذلك كله منتفٍ بالدربة والمممارسة، بل إنه يُدخل المسلم في حيرةٍ أشد من حيرته الأولى، وهذا ما دعا إليه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الأسبق - جاد الحق علي جاد الحق - إلى الميل إلى استبعاده بعد أن ذكره خيارًا ثانيًا، داعيًا أهل البلاد التي يطول فيها النهار إلى العمل بمواقيت مكة المكرمة، أو المدينة المنورة، فقال رحمه الله: "وقد يتعذَّر معرفة الحساب الدقيق لأقرب البلاد اعتدالًا إلى النرويج، ومِن ثم أميل إلى دعوة المسلمين المقيمين في هذه البلاد إلى صوم عدد الساعات التي يصومها المسلمون في مكة أو المدينة، على أن يبدأ الصوم من طلوع الفجر الصادق حسب موقعهم على الأرض، دون نظرٍ أو اعتداد بمقدار ساعات الليل أو النهار، ودون توقُّف في الفِطر على غروب الشمس أو اختفاء ضوئها بدخول الليل فعلًا؛ وذلك اتباعًا لِمَا أخذ به الفقهاء في تقدير وقت الصلاة والصوم استنباطًا من حديث الدجال، وامتثالًا لأوامر الله وإرشاده في القرآن الكريم رحمة بعباده". وقد اعتمدته دار الإفتاء المصرية فيما بعد؛ بدءًا من فضيلة الشيخ الإمام جاد الحق علي جاد الحق "فتوى رقم 421 لسنة 1981 م". والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] انظر: فقه النصر والتمكين في القرآن الكريم، للدكتور/ علي الصلابي، ص140، 141 باختصار، دار المعرفة، بيروت - لبنان، ط5/ 1430هـ = 2009م. [2] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لابن تيمية، ص29، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية، ط1/ 1418هـ. [3] تاريخ دمشق، لابن عساكر، (ج28، ص165)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، 1415 هـ = 1995 م. [4] حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم، (ج5، ص305)، دار السعادة، مصر، 1394هـ = 1974م. [5] ابن حبان (5942)، وحسنه الأرناؤوط. [6] البداية والنهاية، (ج8، ص89). [7] انظر: فتح الباري، لابن حجر، (ج6، ص385)، البداية والنهاية، لابن كثير (ج1، ص171). [8] تفسير ابن كثير (ج6، ص81). [9] أبو داود (5186)، وصححه الأرناؤوط. [10] البخاري (6901)، مسلم (2156). [11] البخاري (6245)، مسلم (2153). [12] شعب الإيمان، للبيهقي (8436). [13] البخاري (6250)، وعند مسلم (2155) بدون قوله: (كأنه كرهها). [14] أبو داود (5177)، ومصنف ابن أبي شيبة (25672)، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (818). [15] مصنف ابن أبي شيبة (17606)، والسنن الكبرى للبيهقي (13556). [16] الأدب المفرد، للبخاري (1060). [17] مسند أحمد (3615)، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن. [18] الأدب المفرد (1063). [19] السنن الكبرى، للبيهقي، (3338)، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (497). [20] انظر: أحكام الصيام، ص68 - 70 باختصار. |
رد: دروس رمضانية
العبادات تعلمنا النظام (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله أبدع ما أوجد وأتقن ما صنع، وكل شيءٍ لجبروته ذلَّ ولعظَمته خضَع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له: تعالى في مجده وتقدس وفي خَلْقه تفرَّد وأبدع، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله: أفضل مقتدًى به وأكمَل متَّبَع، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أهل الفضل والتقى والورَع، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ ولنهج الحق لزِم واتبَع، وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: فإن مِن أبرز القيَم التي يرسمها لنا شهر رمضان: قيمة النظام؛ فالنظام فطرة في هذا الكون، وضرورة من ضروريات الحياة؛ يقول تعالى: ï´؟ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ï´¾ [يس: 38 - 40]. فالكون كلُّه يسير بنظام وإتقان؛ الشمس والقمر، والليل والنهار، والكواكب والنجوم، والسماء والأرض؛ قال ربنا: ï´؟ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ï´¾ [النمل: 88]. النظام في القرآن الكريم: إن القرآنَ الكريم يدعونا صراحة إلى النظام؛ فقد بيَّن ربنا أن الملائكة لديها نظام؛ قال تعالى: ï´؟ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا ï´¾ [الصافات: 1]، وأنها ستأتي يوم القيامة وهي منظَّمة ومصطفَّة: ï´؟ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ï´¾ [الفجر: 22]، بل إن البشَر عندما يأتون للعَرْض على الله يوم القيامة يُعرَضون وهم منظَّمون: ï´؟ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ï´¾ [الكهف: 48]، ويُغْني عن كل هذا أن في القرآنِ الكريم سورة كاملة اسمها سورة (الصف)، وفيها قوله: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ï´¾ [الصف: 4]. فإذا كان النظام هو سمةَ الكون، ومظهَرَ العبادات، ومنهج القرآن، فأين المسلِمون الآن مِن قيمة النظام؟ ولماذا يرضى البعضُ أن يعيش بالارتجال ولا يقبَل إلا بالعشوائية؟! النظام في السنة النبوية: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتم بالنظام في حياته، سلمًا وحربًا، فجاء النظام في تسوية الصحابة للصلاة؛ جاء عن أبي مسعودٍ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة، ويقول: ((استووا، ولا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم، لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))[1]. وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ((إنما جُعِل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لِمَن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد، فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا، فصلُّوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصف في الصلاة؛ فإن إقامة الصف مِن حُسْن الصلاة))[2]. هاتان الروايتانِ توضِّحان معالم النظام في الاصطفاف للصلاة، وهذه صور سِلميَّة، واهتم كذلك بالنظام في الاصطفاف للحروب؛ ففي السيرة النبوية: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدل صفوف أصحابه يوم بدرٍ، وفي يده قدحٌ يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية، حليف بني عدي بن النجار - قال ابن هشامٍ: يقال: سوَّادٌ مثقلة، وسوادٌ في الأنصار غير هذا، مخففٌ - وهو مستنتلٌ من الصف - قال ابن هشامٍ: ويقال: مستنصلٌ من الصف - فطعن في بطنه بالقدح، وقال: استوِ يا سواد، فقال: يا رسول الله، أوجعتَني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، قال: فأقِدْني،فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: ((استقِدْ))، قال: فاعتنقه فقبَّل بطنه، فقال: ((ما حملك على هذا يا سواد؟))، قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جِلدي جِلدَك،فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير"[3]. العبادات والنظام: إننا نتعبَّد لله سبحانه وتعالى بالصلوات الخمس في اليوم والليلة، وكل صلاة يجب أن يسبقها طهارة ووضوء، وكل صلاة لها وقت، وعدد من الركعات، ولها كيفية وهيئة تؤدى بها، يجب على كل مصلٍّ أن يلتزم بها، ولا يخرج عن نظامها، وإلا صار مخالفًا لنظام الصلاة. والزكاة كذلك لها أحكامها ووقتها؛ فزكاة المال - مثلًا - تؤدى كل عام، وببلوغ النصاب، وتخرج لأناس عيَّنهم الشرع وحددهم، وجعل الزكاة لا تصرف إلا لهم. والحج له أشهر معلومات وأماكن محدودات، لا يُقبَل من الحاج أن يذهب لأداء مناسك الحج في غير تلك الأشهر، ولا يصح أن يؤديها في أماكن غيرِ تلك التي حددها له الشرع الحنيف. أما عبادة الصيام، التي لها شهر معلوم ووقت معدود، فشهر رمضان هو الوحيد الذي فرضه الله على عباده، وإذا صامه المسلم، فوقته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. فهذه الأركان الخمسة من الشهادتين والصلاة والزكاة والحج والصيام تعطينا دروسًا للانضباط والنظام في أنفسنا وحياتنا، وتغرس فينا التنظيم والترتيب في معاملاتنا وسلوكنا؛ فهي - بلا شك - تربية للمسلمين على هذه القيمة الجمالية. تأمل..قصة عجيبة عن النظام: عرَض بعض الدعاة على رجل أمريكي مشهدًا حيًّا للحرم المكي وهو يعِجُّ بالمصلين قبل إقامة الصلاة - وكان فيه إفطار في رمضان - ثم سألوه: كم من الوقت يحتاج هؤلاء للاصطفاف في رأيك؟ فقال: - ساعتين إلى ثلاث ساعات، فقالوا له: إن الحرم أربعة أدوار،فقال: إذًا، 12 ساعة، فقالوا له: إنهم مختلفو اللغات، فقال: هؤلاء لا يمكِنُ اصطفافهم،ثم حان وقت الصلاة،فتقدَّم الشيخ السديس وقال: استووا،فوقَف الجميع في صفوف منتظمة في لحظات قليلة،فأسلَم الرجل[4]. دعوة للنظام: مما سبق يتضح أن النظام سلوك متأصل في الكون والعبادات، لا ينفك لحظة، فحريٌّ بنا - نحن المسلمين - أن نسايرَ فطرة الكون، وأن نتعلم من عباداتنا؛ فالتزِمِ النظام في غرفتك، وبيتك، ومدرستك، وعملك، ومسجدك، وسيارتك، وطريقك، وحياتك الزوجية، ومواعيدك وأوقاتك. فالمسلم ينبغي أن يكون منظمًا مرتبًا في حياته؛ قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((إنكم قادمون على إخوانكم؛ فأصلِحوا رحالكم، وأصلحوا لباسكم، حتى تكونوا كأنكم شامةٌ في الناس؛ فإن الله لا يحب الفُحْش، ولا التفحُّش))[5]. أيَّهما يختار؟! لو أن طفلًا صغيرًا نظر إلى رجل مسلم يحافظ على صلاته، ويكثر من صيامه، ويتلو آيات ربه، ثم يجده يهمل نفسه إهمالًا شديدًا في ملابسه، ولا يلتزم بوعوده، وفي الناحية الأخرى يجد هذا الطفل رجلًا ليس منضبطًا بالدين إطلاقًا، فقد لا يصلي ولا يهتم بالصيام إلا في رمضان..فقد وجد في الأول العبادة، لكن مع الإهمال وعدم الالتزام، وفي الآخر: الأناقة، والنظافة، والاهتمام، صارِحْني...أيَّهما يختار؟! أثقأن إجابتك ستكون الثاني؛ فالمظهر أخَذه، والنظام جذَبه، والاهتمام شدَّه.. وأنا أقول: الأول: يحتاج إلى إعادة نظر في سلوكه، وأن يكون صورة مشرفة لإسلامه ودِينه. والثاني: يجب أن يعود لربه، ويؤدي ما عليه، وإلا فما فائدة النافلة بدون الفريضة؟! الصائمون وطعام الإفطار: قالوا: "إن المصريين يُهدرون أكثر من 3 مليون طن من الطعام سنويًّا، ونسبة إهدار الطعام في رمضان تصل إلى 60%، ثم إن الذين يبحثون عن حلٍّ وعلاج لهذه المشكلة، قالوا: لو نظمنا هذا السلوك لاستطعنا أن نوفر طعامًا لـ: 3.5 مليون مصري محتاج"...فالتغلُّب على المشكلات يكون بالنظام. وصية عملية: لا تقبَلْ أنت كمسلم إلا أن تكون منظمًا مرتبًا، نظِّمْ بيتك، وغرفتك، ومكتبك، وعملك، وأوقاتك، وملابسك؛ فالنظام عنوان المسلم في حياته! ♦♦♦ السؤال الخامس عشر: مَن الذي فتح مصر؟ وفي أي عام؟ الجواب: هو: عمرو بن العاص رضي الله عنه، في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عام: 20 ه، الموافق: 641م. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الزيارة: إن الإنسان لا يخلو إما أن يزور أباه وأمه، أو يزور أخاه وأخته، أو يزور أقاربه أو أصدقاءه، وهذه الزيارة أيًّا كانت، فلها في الإسلام فضائلُ وآدابٌ، ومنها: 1- تجديد النِّية: لقد تكرَّر هذا الأدبُ فيما سبق من آداب؛ فاستحضار النية واستذكارها مِن أهم ما يمكن فعله؛ فقد يفعل الإنسان الشيء، وليس له نية، فلا يخرُجُ مِن عمله بشيء، وتجديد النية هنا أن يُحدِّثَ المرء نفسه: لماذا سأزور فلانًا؟ هل زيارتي لمصلحة شخصية؟ أو لغرض دنيوي؟ أم زيارتي لله؟ فإذا كانت لله، فهذا ما أعدَّه الله للزائرين في الله؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن رجلًا زار أخًا له في قريةٍ أخرى، فأرصد الله له على مَدْرَجته ملَكًا، فلما أتى عليه، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه مِن نعمةٍ تَرُبُّها؟ قال: لا، غيرَ أني أحببتُه في الله عز وجل، قال: فإني رسول الله إليك، بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه))[6]. وربُّ العالمين أخبرنا أنه أوجب محبته لمن يزور أخاه لا يزوره إلا لله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تبارك وتعالى: وجبَتْ محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيَّ، والمتزاورين فيَّ، والمتباذلين فيَّ))[7]. كما أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وعده بالجنة؛ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه منادٍ: أنْ طِبْتَ وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا))[8]. 2- اختيار الوقت المناسب للزيارة: مِن أبرز آداب الزيارة: أن يختار الزائر الوقت المناسب للمزور، ما أمكنه ذلك؛ حتى لا يكون هناك إحراج، وحتى يكون المزور على استعداد في استقبال مَن يزُوره، وليكن هذا الاختيار بمكالمة عبر الهاتف أو برسالة، أو بوسيلة أخرى، لتتحرى الأوقات المناسبة. 3- مراعاة آداب الاستئذان: على الزائر أن يراعي آداب الاستئذان، التي سبق الحديث عنها في آداب الاستئذان، بأن يستأذن ثلاثًا، ولا يقف بوجه الباب، وأن يسلِّمَ على مَن قصد زيارتهم، والاستئذان عليهم. 4- الحذَر مِن الإفراط في الزيارات: لتحذَرْ - أخي الزائر - أن تُكثِر من الزيارات، إلا لحاجة أو لسبب؛ كأن يطلب منك شخص أن تزوره؛ عن عطاءٍ، قال: دخلتُ أنا وعبيد بن عميرٍ على عائشة، فقالت لعبيد بن عميرٍ: قد آنَ لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمَّهْ كما قال الأولُ: زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا..."[9]. 5- مراعاة مدة الزيارة: كُنْ زائرًا خفيفًا، فإذا زرت صديقك أو قريبك، فلا تُطِلِ المدة عنده، اللهم إلا إذا أظهر رغبته في ذلك، وطلب منك أن تجلس معه؛ فقد يكون مشغولًا، أو عنده ارتباط بشيء ما، ويتحرج أن يخبرك به. 6- غَضُّ البصر عن محارم البيت: فلا يصحُّ للزائر ولا يليق أن يطلق بصره يجول في كل ركن مِن أركان البيت، ويتأكد هذا عند دخوله؛ فعليه أن يُخفِض طرفه، فلا يرفع بصره؛ حتى لا يطَّلِع على عَوْرات البيت. 7- الجلوس حيث يأذَنُ صاحب البيت: إن صاحبَ البيت أعلمُ بحال بيته، فإذا زاره أحد، فقال له: اجلس هنا، فما على الزائر إلا أن يلبي طلبه؛ فالزائر قد يجلس في مكان يكشِف فيه البيت، أو يرى محارمه، مما يُغضِب صاحب البيت. 8- عدم إمامة صاحب البيت إلا بإذنه: عن أبي عطية، قال: كان مالك بن حويرثٍ يأتينا إلى مصلانا هذا، فأقيمت الصلاة، فقلنا له: تقدَّم فصَلِّه، فقال لنا: قدموا رجلًا منكم يصلي بكم، وسأحدثكم لِمَ لا أصلي بكم؛ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن زار قومًا فلا يؤمَّهم، وليؤمَّهم رجلٌ منهم))[10]. وعلَّق الإمام الترمذي على هذا الحديث، قائلًا: والعمل على هذا عند أكثرِ أهل العلم مِن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، قالوا: صاحب المنزل أحقُّ بالإمامة مِن الزائر، وقال بعض أهل العلم: إذا أذِن له، فلا بأس أن يصلي به. ويؤكد هذا ما جاء عن أبي مسعودٍ الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((... ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه))[11]. 9- عدم الانصراف إلا بإذن صاحب البيت: إذا زار المسلم أخاه، ثم أراد أن ينصرف، فعليه أن يستأذن منه، ولا يخرج من بيته إلا بإذنه؛ لئلا يطَّلِع على محارم البيت؛ عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا زار أحدكم أخاه فجلس عنده، فلا يقُمْ حتى يستأذنه))[12]. ولا شكَّ أن هذا التوجيه النبوي فيه ذوقٌ عالٍ، وأدبٌ رفيع؛ فمَن خالَف فقد خالَف آداب الإسلام. 10- شُكر صاحب البيت والدعاء له: إن شُكر الناس مِن شكر الله؛ فالذي يشكر الناس كمَن يشكر الله، ومِن باب الشكر: أن تشكر مَن قُمْتَ بزيارته، واستقبلك في بيته؛ عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن سألكم بالله فأعطوه، ومَن استعاذكم بالله فأعيذوه، ومَن أتى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه، فادعوا له، حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه، ومَن استجاركم فأجيروه))[13]. وأذكرك أخي بدعاء الشكر على الطعام والشراب، وبدعاء الإفطار؛ فمِن السنَّة إذا أكلتَ عند صديقك أو شربتَ أن تقول: ((اللهم أطعِمْ مَن أطعَمنا، واسقِ مَن سقانا))[14]. ويضاف إليه: أن تدعو لِمَن أفطرت عنده فتقول: (أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامَكم الأبرارُ، وصلت عليكم الملائكة)[15]. 11- مرافقة الضيف حتى الباب: وهذا يُعَدُّ مِن قَبيل تمام الزيارة وكمال الضيافة، قال الشعبي: "مِن تمام زيارة الزائر: أن تمشي معه إلى باب الدار، وتأخذ برِكابه"[16]. تمت آداب الزيارة في أحدَ عشَر، جعلها الله ذُخرًا لِمَن عمِل بها ثم نشَر. ♦♦♦ درس الفقه: مِن أحكام الصيام: 1- هل يجوز قضاء التراويح؟ عند الشافعية، يقول الخطيب الشربيني: "(ولو فات النفل المؤقت) سنَّت الجماعة فيه؛ كصلاة العيد، أو لا؛ كصلاة الضحى، (نُدب قضاؤه في الأظهَر)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا رقد أحدكم عن الصلاة، أو غفل عنها، فليصلها إذا ذكرها))[17]، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم (قضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس)[18]، (وقضى ركعتي سنة الظهر المتأخرة بعد العصر)[19]، ولأنها صلاة مؤقتة؛ فقُضِيت كالفرائض، وسواء السفر والحضر، كما صرح به ابن المقري"[20]. ويقول الإمام النووي: "إن الصحيح عندنا استحباب قضاء النوافل الراتبة، وبه قال محمدٌ والمزني وأحمدُ في روايةٍ عنه، وقال أبو حنيفة ومالكٌ وأبو يوسف - في أشهر الرواية عنهما -: لا يقضي"[21]...وعليه: فمَن فاتته صلاة التراويح، فعلى مذهب الشافعية، يُندَب له القضاء. 2- حُكم التبرُّد بالماء: إن تبرُّد الصائم بالماء الذي صفته: أن يصب الماء على بدنه منعًا للحر، أو خوفًا من العطش، هو جائز، لا يضر الصائم، ولا يفسد الصوم؛ فعن عائشة، وأم سلمة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان (يدركه الفجر وهو جنبٌ من أهله، ثم يغتسل، ويصوم)[22]. وجاء عن أنس، أنه قال: (إن لي أبزن أتقحم فيه، وأنا صائمٌ)[23]، والأبزن: حوض مِن فخَّار أو غيره. مع الحرص بعدم دخول الماء إلى الجوف. والله أعلم. يراجع كتاب: نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة. [1] مسلم (432). [2] متفق عليه. [3] السيرة النبوية، لابن هشام، (ج1، ص626)، تحقيق: مصطفى السقا وغيره، مطبعة مصطفى الحلبي، ط2/ 1375هـ = 1955 م. [4] ذكَرها الدكتور/ يحيى اليحيى، رئيس لجنة التعريف بالإسلام، في برنامج "أسرة واحدة" على قناة المجد الفضائية. [5] أبو داود (4089)، ومسند أحمد (17624)، ومستدرك الحاكم (7371)، وقال: صحيح الإسناد. [6] مسلم (2567). [7] مسند أحمد (22030)، والمعجم الكبير للطبراني (150)، ومستدرك الحاكم (7314)، وقال: صحيح على شرط الشيخين. [8] الترمذي (2008)، وحسنه الألباني. [9] صحيح ابن حبان (620)، وصححه الأرناؤوط. [10] أبو داود (596)، والترمذي (356)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [11] مسلم (673). [12] مسند الفردوس، للديلمي (1200)، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1/ 1406 هـ = 1986م، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة (182). [13] أحمد (5743)، والحاكم في المستدرك (2369)، وقال: صحيح الإسناد على شرط الشيخين. [14] مسند أبي يعلى (1517)، وإسناده صحيح. [15] أبو داود (3854)، وقال الألباني: صحيح. [16] الآداب الشرعية والمنح المرعية، لابن مفلح (ج3، ص238). [17] مسلم (684). [18] أبو داود (447)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. [19] البخاري (1233)، مسلم (834). [20] انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للخطيب الشربيني، (ج1، ص457)، دار الكتب العلمية، ط1/ 1415هـ - 1994م. [21] المجموع شرح المهذب، للنووي، (ج4، ص43). [22] متفق عليه. [23] البخاري (ج3، ص30)، باب اغتسال الصائم. |
رد: دروس رمضانية
قانون النصر في غزوة بدر (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله العزيز الغفار، خلق الإنسان من صلصال كالفخار، وخلق الجان من مارج من نار، أرسى الجبال وأجرى الأنهار، وأنزل الغيث وأنبت الأشجار، سخَّر لنا الفُلك ومهد لها أمواه البحار، خلق الشمس والقمر وجعل الليل والنهار، صورنا فأحسن صورنا وجعل لنا السمع والأفئدة والأبصار، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار، أما بعد: فإن الأحداثَ تفرض نفسها، ففي مثل هذا اليوم، السابع عشر من شهر رمضان عام 2هـ، كانت غزوة بدر الكبرى، التي تحدث عنها القرآن الكريم في كثير من الآيات؛ سورة آل عمران، والأنفال، والحج، والدخان، بل سماها القرآن "يوم الفرقان"؛ كما جاء في سورة الأنفال، التي سماها البعض: سورةَ بَدْر؛ لأنها نزلت في معركة بدر، وكانت أول معركة فارقة بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر. إن المتأمل في تلك الغزوة يرى أن عدد المسلمين كان أقل من عدد المشركين، ولم تكن عدة ولا عتاد المسلمين كعتاد المشركين، ثم في النهاية انتصر المسلمون على المشركين؛ بإيمانهم بالله، وتوكلهم عليه، وثقتهم فيه، وأخذهم بالأسباب.. عدد المسلمين: اختلفوا في عددهم، ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، فقيل: (313)، أو (314)، أو (317)، أو (319) رجلًا. عدد المشركين: كان يتراوح بين التسعمائة والألف، عندما جيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم برجل، فقال له: ((كم القوم؟))، قال: هم والله كثيرٌ عددهم، شديدٌ بأسهم، فجهد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخبره كم هم، فأبى، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سأله: ((كم ينحَرون مِن الجُزُر؟))، فقال: عشرًا كل يومٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((القوم ألفٌ، كل جزورٍ لمائةٍ، وتبعها))[1]. فالعدد متفاوت بينهم؛ فـ: 319 صحابي على أكثر قول، إلى ألف من المشركين..أي بنسبة واحد إلى ثلاثة تقريبًا. عدد البعير والخيول بين الفريقين: المسلمون: كان معهم سبعون بعيرًا وفرَسانِ فقط - فرس للمقداد، وآخر للزبير - وستون درعًا فقط. بينما المشركون: كان معهم سبعمائة بعير، وسبعون فرسًا، وقيل: مائة فرس، وكذا: ستمائة درع. المسلمون يأكلون التمرات والمشركون يأكلون الإبل: فالمسلمون: كما جاء أن رسول الله عندما قال صلى الله عليه وسلم: ((قوموا إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض))، قال عُمَير بن الحُمَام الأنصاري: يا رسول الله، جنةٌ عرضها السموات والأرض؟ قال: ((نعم))، قال: بخٍ بخٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما يحملك على قولك: بخٍ بخٍ؟)) قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: ((فإنك من أهلها))، فأخرج تمراتٍ من قَرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياةٌ طويلةٌ، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل"[2]. أما المشركون: فإن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل: ((كم ينحرون من الجزر؟))، فقال: عشرًا كل يومٍ. فالصحابة يأكلون تمرات، والمشركون ينحرون الإبل والجزور ليأكلوها. لِمَن النصر؟ بعد هذه المفارقات والمقارنات بين جيش المؤمنين وجيش المشركين، كانت الغلبة والنصر للمسلمين، والسبب: تحقيق قانون النصر؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ï´¾ [الحج: 40]. فالإيمان بالله والتوكل عليه، وأنهم نصروا الله في حياتهم ومعاشهم، فنصرهم الله على أعدائهم، ورجعوا كما قال سعد بن أبي وقاص: "فما رجَع أحدٌ منهم يريد أن يركب إلا وجَد ظهرًا، للرجل البعير والبعيران، واكتسى مَن كان عاريًا، وأصابوا طعامًا مِن أزوادهم، وأصابوا فداءَ الأسرى فأغنى به كل عائلٍ"[3]. كتب عمر بن عبدالعزيز إلى بعض عماله: (عليكَ بتقوى الله في كل حال ينزل بك؛ فإن تقوى الله أفضلُ العُدَّة، وأبلغ المكيدة، وأقوى القوة، ولا تكن في شيء من عداوة عدوك أشد احتراسًا لنفسك ومن معك من معاصي الله؛ فإن الذنوب أخوف عندي على الناس من مكيدة عدوهم، وإنما نعادي عدونا ونستنصر عليهم بمعصيتهم، ولولا ذلك لم تكن لنا قوة بهم؛ لأن عددَنا ليس كعددهم، ولا قوتنا كقوتهم...)[4]. إن عدد المسلمين اليوم يقارب: مليارًا وسبعمائة مليون مسلم، وعدد اليهود: لا يتجاوز عشرين مليونًا، فلو أن كل مسلم بصق بصقة، لأغرقناهم في هذا البصاق، لكن كثرتنا كما وصفها رسولنا في هذا الحديث؛ عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك الأممُ أن تَدَاعى عليكم كما تَدَاعى الأَكَلة إلى قصعتها))، فقال قائلٌ: ومن قلةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: ((بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غُثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعن الله مِن صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن))، فقال قائلٌ: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: ((حبُّ الدنيا، وكراهيَةُ الموت))[5]. والأصلُ أن الله يُلقي الرعب في قلوبهم منا؛ ï´؟ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ï´¾ [آل عمران: 151]، لكنها قد تزول ببُعدنا عن ربنا، وهو الواقع، وتتحقق عندما يقيم المسلمون شرع ربهم، ويطبقون الإسلام الشمولي الواقعي الوسطي الواضح الإنساني الرباني، ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ï´¾ [البقرة: 208]. والعجيب..أننا لو طالعنا واستقرأنا معارك المسلمين على مدار التاريخ الإسلامي، لم نجد معركة يفوق فيها عدد أهل الإسلام عدد الأعداء، اللهم إلا في معركة حنين - 8هـ - فهي المعركة الوحيدة التي زاد فيها عدد المسلمين - الذي بلغ: 12 ألفًا - على الأعداء، ومع ذلك لما تسرَّب إليهم العُجب بالنفس، وكثرة العدد، والثقة الزائدة عن حدها، عندما قالوا: ((لن نُغلَب اليوم من قلةٍ))، كانت الهزيمة، ولا شك أن هذا مرضٌ خطير، ويأتي الوصف القرآني لجيش المسلمين في أول المعركة، ï´؟ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ï´¾ [التوبة: 25]. وبالمقارنة بين بدر وحنين، يتضح أن عدد المسلمين في بدر كان ثلث عدد المشركين، بينما في حنين: كان عدد المشركين ثلث عدد المسلمين، وانتصر المسلمون في بدر، وهُزموا في حنين؛ لنعلَم أن العبرة ليست بالكثرة مع المعصية، وإنما بالقلة مع الطاعة والأخذ بأسباب التمكين، وأن القلة المؤمنة لا تضر مع الكثرة الكافرة. فكانت نتيجة معركة حنين أن نصَر الله المسلمين؛ لثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قلة مِن الصحابة رضي الله عنهم؛ قال تعالى: ï´؟ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ ï´¾ [التوبة: 26]. فإذا أرادت الأمة الإسلامية أن تنتصر على أعدائها، فالمطلوب أن تعودَ لربها، وتتمسك بسنَّة نبيها: يا أمَّة المصطفى، توبوا لخالقكم https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حتى يرُدَّ عدوًّا فاغرًا فاه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إنَّ البلاءاتِ لم تنزِلْ بأمتنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إلا بذنبٍ عظيمٍ قد فعلناه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif قوموا اتَّقوا اللهَ وادعوه فلا أمَلٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif في النصرِ يا أمَّتي إلا بتقواه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يا أمتي وحِّدوا للحق صفَّكُمُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إنَّ التنازعَ للخُسرانِ عُقباه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يا أمتي اتجهوا للهِ في ثقةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إن تنصُروا ربَّكم يَنْصُرْكم الله https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وصية عملية: علِّموا أولادكم مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو هدي السلف الصالح. ♦♦♦ السؤال السابع عشر: كم عدد الغزوات والسرايا في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: أولًا: الفرق بين الغزوة والسرية: الغزوة: تطلق على المعارك التي شارك فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج إليها، حدَث فيها قتال أم لم يحدث، كثر العدد أم قل. السرية: تطلق على مجموعة من الصحابة رضي الله عنهم، أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغالبًا يكون العدد قليلًا. ثانيًا: عدد الغزوات: كان جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه سبعًا وعشرين غزوة. ثالثًا: عدد السرايا: كانت بعوثه صلى الله عليه وسلم وسراياه ثمانيًا وثلاثين. ♦♦♦ خاطرة بعد الفجر: (آداب الوضوء): إنها عبادة لا يستغني عنها كل مسلم؛ فهي متكررة كل يوم، بل تتكرر في اليوم قبل كل صلاة، وإذا أراد غير الصلاة، استحب له أن يتوضأ؛ كتلاوة القرآن، وذِكر الله، والدعاء، والنوم، والإسلامُ اهتم اهتمامًا بالغًا بالباطن كما اهتم بالظاهر؛ فالطهارة في الإسلام قسمان: باطنة وظاهرة، فالباطنة: الخلاص من النفاق والرياء والحقد وكل مرض قلبي خبيث، والظاهرة: الوضوء والاغتسال والنظافة الخارجية، والوضوءُ عبادة لها آدابها وأحكامها، وبيانها كالتالي: 1- استحضِرْ نية الوضوء: أخي المتوضأ، جدِّدْ نيتك قبل وضوئك؛ فتجديد النية للوضوء يُخرج الخطايا ويغسل الذنوب؛ كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم؛ عن أبي هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا توضأ العبد المسلم - أو المؤمن - فغسَل وجهه، خرج مِن وجهه كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئةٍ كان بطشتها يداه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - فإذا غسل رِجليه خرجت كل خطيئةٍ مشتها رجلاه مع الماء - أو مع آخر قطر الماء - حتى يخرج نقيًّا مِن الذنوب))[6]. 2- سَمِّ الله: التسمية قبل الوضوء سنَّة، وليست واجبة؛ حتى لا يفهم البعض من الحديث: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه)) أنها على الوجوب[7]، واختلفوا في التسمية قبل الوضوء، فيرى الإمام أحمد أنه: "لا يصح في ذلك حديث، ولو صح لكان معناه: لا وضوء كاملًا"[8]، "وذهب الحنفية والشافعية إلى أنها سنةٌ، وقد دل على السنية حديث: "كل أمرٍ ذي بالٍ"، فيتعاضَد هو وحديث الباب على مطلق الشرعية، وأقلها الندبية"[9]. اقتصِدْ في الماء: إن الاقتصاد والاعتدال من سمات سلوك الإسلام؛ فالمسلمون مطالبون بأن يقتصدوا في كل شيء؛ في المأكل والمشرب والملبس، وحتى في الإنفاق، وكذا في استعمال الماء، فلا إسراف ولا تبذير، وإنما اتزان واعتدال، وقد وصفنا ربنا بالوسطية، فلو كان لدى الإنسان وفرة في الماء، فعليه أن يتوضأ بلا مبالغة، فإذا ندر الماء جاز له أن يغسل الأعضاء مرة واحدة، فإذا زادت ندرته، جاز له أن يغسل الفرائض فقط - غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرِّجلين - وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء الاقتصاد؛ قال أنس: (كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمُدِّ، ويغتسل بالصاع، إلى خمسة أمدادٍ)[10]....والمد: ملء الكفين المتوسطتين بالماء،والصاع: أربعة أمداد. 3- حافِظْ على وضوئك: مِن صفات المؤمن: أن يحافظ على وضوئه، والمعنى يظل بوضوئه مدة زمنية، فإذا فسد وضوءه لسببٍ ما، أسرع إلى الماء فتوضأ؛ ليبقى دائم الوضوء؛ عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خيرَ أعمالكم الصلاةُ، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمنٌ))[11]. 4- أسبِغْ وضوءك: وذلك بغَسْل الأعضاء جيدًا، والتدليك، وإيصال الماء لكل عضو؛ عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟!))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطَى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط))[12]. والإسباغ يكون في الصيف والشتاء، بالماء الدافئ في الصيف، أو الماء البارد في الشتاء، مع العلم أن تدفئةَ الماء في الشتاء جائزة. ومِن إسباغ الوضوء: أن يحرِّكَ الخاتَمَ في الإصبع؛ حتى يصل الماء إلى الموضع الذي تحته، ويجب على المرأة أن تزيلَ طلاءَ الأظفار - ويعرف بالمناكير وغيره - أما الحنَّاء فلا تؤثِّر في الوضوء؛ لأنها لا تمنَع وصول الماء. 5- ابدَأْ باليمين: مِن هَدْيِ الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يحب التيمُّنَ في كل شيء، وهو في وضوئه آكَد؛ عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا توضأتم فابدَؤوا بميامنكم))[13]. 6- توضَّأْ ثلاثًا ولا تزِدْ: عن معاذ بن جبلٍ قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ واحدةً، واثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، كلَّ ذلك كان يفعل)[14]. يقول الإمام النووي: "وقد أجمع المسلمون على أن الواجبَ في غسل الأعضاء مرة مرة، وعلى أن الثلاثَ سنَّة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرةً مرة، وثلاثًا ثلاثًا، وبعض الأعضاء ثلاثًا، وبعضها مرتين، وبعضها مرة، قال العلماء: فاختلافها دليلٌ على جواز ذلك كله، وأن الثلاثَ هي الكمال، والواحدة تجزئ"[15]. فالنبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة، ومرتين، وثلاثًا، وأكثر فعله ثلاثًا، وهي السنَّة والكمال، وليحذَرِ المتوضِّئ المبالغة في الوضوء، فمن زاد عن ثلاثة، فقد خالف السنَّة، جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف الطُّهور؟ فدعا بماءٍ في إناءٍ فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأدخل إصبَعيه السبَّاحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسبَّاحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: ((هكذا الوُضوء، فمن زاد على هذا أو نقص، فقد أساء وظلَم))، أو ((ظلَم وأساء))[16]. 7- استعمِلِ السواك بعد فراغك: وهذا مِن مواطن استعمال السواك؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لولا أن أشقَّ على أمتي، لأمرتُهم بالسواك عند كل وضوءٍ))[17]. 8- عليك بالذِّكْر بعد الوضوء: عن عمرَ بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني مِن التَّوَّابين، واجعلني من المتطهرين، فُتِحت له ثمانية أبواب الجنة، يدخل مِن أيها شاء))[18]. فمن السنة بعد الوضوء: أن تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. 9- صلِّ ركعتين بعد الوضوء: عن عقبة بن عامرٍ: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من مسلمٍ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجبت له الجنة))[19]. ويجدر بنا أن نذكر هنا بشارة النبي صلى الله عليه وسلم لبلال رضي الله عنه بالجنة؛ فقد أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سمع صوت دفِّ نعليه في الجنة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلالٍ عند صلاة الفجر: ((يا بلال، حدِّثْني بأرجى عملٍ عملتَه في الإسلام؛ فإني سمعت دفَّ نعليك بين يديَّ في الجنة))، قال: ما عملت عملًا أرجى عندي: أني لم أتطهر طُهورًا، في ساعة ليلٍ أو نهارٍ، إلا صليت بذلك الطُّهور ما كتب لي أن أصلي"[20]. جاءت آداب الوضوء - والحمد لله - في عشرة كاملة، أرجو أن تكون مفيدة وشاملة. ♦♦♦ درس الفقه: حُكم استعمال العِطر: استعمال العِطر في نهار رمضان لا يُبطل الصيام، وليحذر الصائم استنشاق العطر؛ حتى لا يصل شيء منه إلى الجوف... أما البخور: فالأولى ألا يستعمله في نهار رمضان؛ فقد يصل شيء منه إلى الجوف. ويأتي السؤال المتكرر: ما حكم استخدام العطور الكحولية؟ والجواب: "القول بعدم نجاسة الكحول وبأنه ليس خمرًا هو ما أفتى به الشيخ بخيت المطيعي في مجلة الإرشاد؛ (العدد الأول من السنة الأولى، شهر شعبان 1351هـ)، وهو ما عليه دار الإفتاء المصرية، كما يجوز استخدام الكحول في الطيب والعطور، والمنظفات والأدوية مِن غير حرج في ذلك شرعًا"[21]. حُكم إبر الأنسولين: إبر الأنسولين لا تفطر الصائم، ولا مانع من أخذها، والصيام معها صحيح. حُكم نقل الدم في رمضان: إذا وقفنا على حكم الحجامة، نحكم على نقل الدم؛ فحُكم الحجامة في نهار رمضان عند الأئمة الأربعة، يقول ابن قدامة: "يرى الحنابلة أن الحجامة يفطر بها الحاجم والمحجوم، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي: يجوز للصائم أن يحتجم، ولا يفطر"[22]. وعليه: فالجمهور يرون أن الحجامة لا تفطر الصائم، وكذا نقل الدم لا يبطل الصيام، بشرط أن يأمَنَ على نفسه الضرر، والضعف. حُكم تناول المرأة لأدوية تؤخر الحيض: هذه المسألة يشترك فيها الطب مع الشرع، فيرجع للطبيب، فإن قال: لا يترتب عليه ضرر، فالشرع يقول: لا حرج في ذلك، والأفضل: أن تكون المرأة طبيعية، فتقضي مدة الحيض، ثم إذا طهرت واغتسلت تصوم، ثم تقضي بعد رمضان ما عليها من أيام. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] مسند أحمد (948)، وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. [2] مسلم (1901). [3] مغازي الواقدي (ج1، ص26)، تحقيق: مارسدن جونس، دار الأعلمي - بيروت، ط3/ 1409 = 1989م. [4] حلية الأولياء، لأبي نعيم، (ج5، 3029). [5] أبو داود (4297)، وحسنه الأرناؤوط. [6] مسلم (244). [7] ابن ماجه (397)، وأبو داود (102)، والترمذي (25)، وحسنه الألباني. [8] شرح صحيح البخاري، لابن بطال، (ج1، 231)، تحقيق: أبي تميم ياسر بن إبراهيم، مكتبة الرشد - السعودية، الرياض، ط2/ 1423ه = 2003م. [9] سبل السلام، للصنعاني، (ج1، ص74)، دار الحديث، بدون طبعة وبدون تاريخ. [10] مسلم (325). [11] ابن ماجه (277)، وصححه الأرناؤوط. [12] مسلم (251). [13] ابن ماجه (402)، وصححه الأرناؤوط. [14] المعجم الكبير للطبراني (125)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (4909). [15] شرح النووي على مسلم (ج3، ص106). [16] أبو داود (135)، وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره. [17] ذكره البخاري في: "باب سواك الرطب واليابس للصائم". [18] الترمذي (55)، وصححه الألباني. [19] مسلم (234). [20] البخاري (1149). [21] انظر: الفتوى رقم (4731)، بعنوان: [حُكم استخدام الكحول في العطور وغيرها]، على موقع دار الإفتاء المصرية، وتاريخ الإجابة: 29/ 12/ 2012م. [22] المغني، لابن قدامة، (ج3، ص120) بتصرف. |
رد: دروس رمضانية
قيم بدرية (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله، يسَّر للمؤمنين سبل طاعته، وأعان على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اجتباه مِن رسله واصطفاه لرسالته، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وذريته، والتابعين لهم بإحسان ومَن سار على نهجه وطريقته، أما بعد: فإننا ما زلنا نعيش مع غزوة بدر، وتعالوا لنأخذ من غزوة بدر بعض القيم النبوية الجميلة، التي يجب أن يتعلم منها العدو قبل الصديق، والبعيد قبل القريب؛ ليقف الأعداء على أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحروب، وليتعلم القادة والزعماء أخلاق القيادة في الإسلام، ومِن ذلك: القيمة الأولى: مشاركة القائد جنوده: عندما يشارك القائد جنوده يتغير الحال تمامًا، فيدفع الجنود إلى مضاعفة الجهد، ويحفزهم للبلاء الحسَن في الحرب قبل السلم، وهذه صفات القائد الصالح في كل عصر ومصرٍ، وبرزت تلك الأخلاق من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ جاء عن ابن مسعودٍ قال: كنا يوم بدرٍ كل ثلاثةٍ على بعيرٍ، وكان أبو لبابة وعليٌّ زميلَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان إذا كانت عُقْبةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالا: اركب حتى نمشي عنك، فيقول: ((ما أنتما بأقوى مني على المشي، وما أنا بأغنى عن الأجر منكما))[1]. القيمة الثانية: تقدير رأي الجنود: اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعركة بدر مكانًا نزل عنده، ثم كان لأحد الصحابة - وهو الحباب بن المنذر - رأيٌ غيرُ الذي اختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قدر رأيه واحترم وجهة نظره، تروي كتب السير أنه صلى الله عليه وسلم: لما خرج يبادر المشركين إلى الماء، حتى إذا جاء أدنى ماءٍ من بدرٍ نزل به، قال الحباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة))، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم، فننزله، ثم نغور ما وراءه مِن القُلُبِ، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماءً، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد أشرتَ بالرأي))، فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس، فسار حتى إذا أتى أدنى ماءٍ من القوم نزل عليه، ثم أمر بالقُلُبِ فغُوِّرت، وبنى حوضًا على القَليب الذي نزل عليه فمُلئ ماءً، ثم قذفوا فيه الآنية"[2]. فمِن كمال القيادة، وتمام الريادة: أن يأخذ القائد برأي الجندي، إن كان صاحب خبرة، وذا رأي، وألا يحقر آراء الجنود؛ فقد يأتي الخير من الغير. القيمة الثالثة: العدل بين القائد وجنوده: إن القائد الصالح، والمدير الناجح، هو الذي لا يرى نفسَه فوق الناس، فيظلم هذا، أو يجور على فلان، وإنما يعدل، وإن كان الحق عليه؛ فأبو بكر رضي الله عنه أول ما تولى الخلافة، نادى في الناس: إني وليت عليكم، ولست بخيركم، ولا شك فإن أبا بكر تعلَّم مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا موقف له صلى الله عليه وسلم في العدل بينه وبين جنوده، يضرب به المثل؛ فقد ورد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدَّل صفوف أصحابه يوم بدرٍ، وفي يده قِدحٌ يعدل به القوم، فمر بسواد بن غزية، حليف بني عدي بن النجار، فطعن في بطنه بالقدح، وقال: ((استوِ يا سواد))، فقال: يا رسول الله، أوجعتَني، وقد بعثك الله بالحق والعدل، قال: فأقِدْني، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه، وقال: ((استقِدْ))، قال: فاعتنقه فقبَّل بطنه، فقال: ((ما حملك على هذا يا سواد؟))، قال: يا رسول الله، حضَر ما ترى، فأردتُ أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير"[3]. القيمة الرابعة: عدم الاستعانة بمشرِكٍ على مشرك: إنها أخلاق الإسلام، وتعاليم سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، وترسيخ لأخلاقيات الحروب، وإبراز للحروب الشريفة، التي لن تجدها إلا في الإسلام؛ جاء عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى بدرٍ، فتبعه رجلٌ من المشركين، فلحقه عند الجمرة، فقال: إني أردت أن أتبعك وأصيب معك، قال: ((تؤمن بالله عز وجل ورسوله؟))، قال: لا، قال: ((ارجِعْ؛ فلن نستعين بمشركٍ))، قال: ثم لحقه عند الشجرة، ففرح بذاك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له قوةٌ وجَلَدٌ، فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك،قال: ((تؤمن بالله ورسوله؟))، قال: لا، قال: ((ارجع؛ فلن أستعين بمشركٍ))، قال: ثم لحقه حين ظهَر على البيداء، فقال له مثل ذلك، قال: ((تؤمن بالله ورسوله؟))، قال: نعم، قال: فخرج به"[4]. القيمة الخامسة: احترام الأسرى وإكرامُهم: لما أكرم الله المسلمين بالنصر في معركة بدر، وأصابوا من المشركين سبعين أسيرًا، وقتلوا منهم سبعين رجلًا، تأتي قيمة جمالية أخرى من القيم النبوية في الحروب، وهي تكريم الأسير، والإحسان إليه، والتوصية به، قال ابن إسحاق: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أقبل بالأسارى، فرَّقهم بين أصحابه، وقال: ((استوصوا بالأسارى خيرًا))...وكان أبو عزيز بن عمير بن هاشمٍ، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه في الأسارى... فقال أبو عزيزٍ: مرَّ بي أخي مصعب بن عمير ورجلٌ من الأنصار يأسرني، فقال: شُدَّ يديك به؛ فإن أمَه ذات متاعٍ؛ لعلها تفديه منك، قال: وكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدرٍ، فكانوا إذا قدموا غَداءهم وعَشاءهم خصوني بالخبز، وأكلوا التمر؛ لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إياهم بنا، ما تقع في يد رجلٍ منهم كسرة خبزٍ إلا نفحني بها، قال: فأستحيي فأردها على أحدهم، فيردها عليَّ ما يمسها"[5]، وهذا الموقف يذكرنا بقول الله: ï´؟ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ï´¾ [الإنسان: 8]. ومِن التكريم للأسير: عدم التمثيل به؛ فقد ورد أن سهيل بن عمرو لما أُسِر قال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله، انزع ثنيَّتيه، يدلع لسانه؛ فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا أُمثِّلُ به، فيمثِّلَ اللهُ بي، وإن كنتُ نبيًّا))[6]. القيمة السادسة: الاعتراف بالجميل لبعض المشركين: أوصى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بأبي البَخْتَرِيِّ، فقال: ((مَن لقي أبا البَخْتَرِيِّ، فلا يقتُلْه))، قالوا: وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتله؛ لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، كان لا يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يبلُغُه عنه شيءٌ يكرهه، وكان فيمن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريشٌ على بني هاشمٍ"[7]. عن جُبَير بن مطعِمٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في أسارى بدرٍ: ((لو كان المُطعِمُ بنُ عدي حيًّا، ثم كلمني في هؤلاء النَتْنى، لتركتُهم له))[8]. والسبب: أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من رحلة الطائف، دخَل مكة في جوار المطعم بن عدي، في وقت ازداد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم حنقًا وتكذيبًا، فلم ينسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الموقف للمطعِم، إنه الوفاء والاعتراف بالجميل من الحبيب النبيل صلى الله عليه وسلم، صاحب الغرة والتحجيل، المؤيد بجبريل، والمذكور في التوراة والإنجيل. صدَق مَن قال: شهِد الأنامُ بفضلِه حتَّى العِدَا ♦♦♦ والحقُّ ما شهِدَتْ به الأعداءُ وصية عملية: أحضِرْ كتابًا مِن كتب السيرة النبوية، واقرأ على أولادك ولو صفحة واحدة يوميًّا، أو مِن حين لحين، أو أحضر وسيلة عصرية؛ كالفيديوهات أو الرسوم المتحركة، التي تتناول حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ♦♦♦ السؤال الثامن عشر: مَن هم الثلاثة الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك؟ الجواب: هم: "كعب بن مالك، هلال بن أمية، مُرارة بنُ الرَّبيع". ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الشرب: إن الماء نعمةٌ لا تدانيها نعمة؛ فهو أساس الشرب، فكل مشروب يعتمد على الماء، بل إن الله خلَق كل شيء من ماء؛ قال تعالى: ï´؟ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ï´¾ [النور: 45]، وتبلغ نسبته 70% من إجمالي مساحة الأرض، كما أن جسم الإنسان يحتوي على 70% من الماء، وبتوفُّره صار أرخص موجود، لكنه أغلى مفقود. قالوا: إن الإنسان يستطيع أن يعيش أسابيع بدون طعام، لكنه لا يستطيع أن يعيش أسبوعًا واحدًا بدون ماء. والشرب له آداب وأحكام، أذكرها في النقاط التالية: 1- اشرِبْ باليمين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمُّن في طعامه وشرابه، وترجُّله وتنعُّله، بل في شأنه كله؛ عن عبدالله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه؛ فإن الشيطان يأكل بشِماله، ويشرب بشِماله))[9]. فوجب مخالفة الشيطان، وعدم الأكل أو الشرب بالشمال، بل إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم دعا على رجل تكبَّر عن الأكل باليمين؛ عن سلمة بن الأكوع: أن رجلًا أكل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشِماله، فقال: ((كُلْ بيمينك))، قال: لا أستطيع، قال: ((لا استطعتَ))، ما منعه إلا الكِبْر، قال: فما رفعها إلى فيه[10]. وقد سبق بيان ذلك في آداب الطعام؛ فليحذر المخالفُ لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو المتعمد تركها، وإلا فربنا يتجاوز عن الخطأ والنسيان. 2- سَمِّ اللهَ: فالتسمية قبل كل شيء، وقبل الشرب قل: (بسم الله)، فهي تجلب البركة، وتطرد الشيطان. 3- اشرَبْ قاعدًا: من السنَّة أن تشرب قاعدًا، مع جواز الشرب قائمًا عند الحاجة، وإليك ما جاء من أحاديث، ثم ما توصل إليه العلماء؛ عن أنس وأبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنهما -: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشرب قائمًا)، وفي رواية لأبي سعيد: (زجَر عن الشرب قائمًا)[11]. عن ابن عباسٍ، قال: (سقيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مِن زمزمَ، فشرِبَ وهو قائمٌ)[12]. وعن النزال، قال: أتى عليٌّ رضي الله عنه على باب الرَّحَبة (فشرب قائمًا)، فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائمٌ، وإني (رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلتُ)[13]. فإذا كانت بعض الأحاديث تنهى عن الشُّرب قائمًا، وأخرى تبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم شرب قائمًا، فكيف نحُلُّ هذا الإشكال؟! قال ابن القيم: "وكان أكثر شربه قاعدًا، بل زجر عن الشرب قائمًا، وشرب مرةً قائمًا، فقيل: هذا نسخٌ لنهيه، وقيل: بل فِعلُه لبيان جواز الأمرين، والذي يظهر فيه - والله أعلم - أنها واقعة عينٍ شرِب فيها قائمًا لعذرٍ، وسياق القصة يدل عليه؛ فإنه أتى زمزم وهم يستقون منها، فأخذ الدلو وشرب قائمًا.. والصحيح في هذه المسألة النهي عن الشرب قائمًا، وجوازه لعذرٍ يمنع مِن القعود، وبهذا تجمع أحاديث الباب، والله أعلم"[14]. أقول وبالله التوفيق: الأصل أن تشرب قاعدًا؛ فهو أكثرُ فِعله صلى الله عليه وسلم، مع جواز الشرب قائمًا لعذر. 4- اشرَبْ في ثلاث: عن أنسٍ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: ((إنه أَرْوى وأبرَأُ وأمرأ))، قال أنسٌ: (فأنا أتنفَّس في الشراب ثلاثًا)[15]. والمعنى هنا: (أروى): أكثر ريًّا، و(أبرأ): مِن ألم العطش الذي قد يحصل بالشرب مرة واحدة، و(أمرأ): أجمل انسياغًا؛ كما قال النوويُّ. (يتنفس)؛ أي: يخرج نَفَسه، ويبعد الإناء عن فمه، ويتنفس خارجه ثلاثًا، ثم يعود للشراب. 5- لا تشرَبْ من فِي السقاء: عن أبي هريرة رضي الله عنه: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرَبَ مِن فِي السقاء)[16]. السقاء: إناءٌ يوضَع فيه الماء، وله فمٌ يشرب منه، ومثله القِربة، ويشبههما: الزجاجة. والنهي محمول على ما لو كان هناك مَن يشرب غيره، فلو كانت الزجاجة له خاصة، فلا نهيَ، فإذا وجد غيره ليشرب من الزجاجة، فينبغي ألا يشرب مِن فمها مباشرةً. قال ابن القيم: وفي هذا آدابٌ عديدةٌ: منها: أن تردُّد أنفاس الشارب فيه يكسبه زهومةً ورائحةً كريهةً يُعافُ لأجلها. ومنها: أنه ربما غلب الداخل إلى جوفه من الماء، فتضرر به. ومنها: أنه ربما كان فيه حيوانٌ لا يشعر به، فيؤذيه. ومنها: أن الماء ربما كان فيه قذاةٌ أو غيرها لا يراها عند الشرب، فتلِج جوفه. ومنها: أن الشرب كذلك يملأ البطن من الهواء، فيضيق عن أخذ حظه من الماء، أو يزاحمه، أو يؤذيه، ولغير ذلك من الحِكم. 6- لا تتنفَّس في الإناء: عن أبي قتادة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا شرب أحدكم، فلا يتنفَّس في الإناء...))[17]، وعن ابن عباس، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء، أو ينفخ فيه[18]، فلا تتنفَّسْ في الإناء، ولا تنفخ فيه. والعلة في ذلك، يبينها العلماء، قال ابن حجر: "لأنه ربما حصل له تغيُّر من النَّفَس، إما لكون المتنفِّس كان متغيِّرَ الفم بمأكول مثلًا، أو لبُعد عهده بالسواك والمضمضة، أو لأن النفَس يصعَد ببخار المعدة، والنفخ في هذه الأحوال كلها أشدُّ مِن التنفُّس"[19]. وقال النووي: "والنهي عن التنفس في الإناء هو مِن طريق الأدب؛ مخافة من تقذيره ونتنه، وسقوط شيء مِن الفمِ والأنف فيه، ونحو ذلك"[20]. 7- لا تشرَبْ في آنية الذهب والفضة: نهانا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن الشُّرب في آنية الذهب والفضة؛ عن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبَسوا الحرير والديباج؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة))[21]، وتوعد مَن يشرب فيها بأن له نار جهنم؛ عن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن شرب في إناءٍ من ذهبٍ أو فضةٍ، فإنما يُجرجِر في بطنه نارًا مِن جهنَّم))[22]. 8- اقتصِدْ في شُربك: أُمِرنا بالاقتصاد في شتى أمور حياتنا، وبعدم الإسراف في الطعام والشراب؛ قال تعالى: ï´؟ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ï´¾ [الأعراف: 31]. وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن يشرب في مِعًى واحدٍ، والكافر يشرب في سبعة أمعاءٍ))[23]. 9- احمَدِ اللهَ بعد الشراب: أخبَرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن اللهَ يرضى عن الرجل يأكل أو يشرب، فيحمد الله بعد طعامه وشرابه، فيقول: (الحمد لله)؛ عن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله ليرضى عن العبد أن يأكلَ الأكلة فيحمَده عليها، أو يشرب الشَّربة فيحمَده عليها))[24]. عن أبي أيوب الأنصاري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أكل أو شرب قال: ((الحمد لله الذي أطعَم وسقَى، وسوَّغه وجعَل له مخرجًا))[25]. وإذا كان المشروب لبنًا، فليدعُ بهذا الدعاء، الذي جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((.... ومَن سقاه الله لبنًا، فليقل: اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه؛ فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن))[26]. 10- أعطِ الإناء لِمَن عن يمينك: وهذا مِن قَبيل التيامن، وتقديم اليمين سنَّة، فلو كانوا مجموعة، فأتي لهم بماء ليشربوا، فالسنَّة أن يعطي الأيمنَ فالأيمن؛ فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بلبنٍ قد شِيبَ بماءٍ، وعن يمينه أعرابي، وعن شِماله أبو بكرٍ، فشرب ثم أعطى الأعرابي، وقال: ((الأيمن فالأيمن))[27]. وليستأذن مَن يجلس عن يمينه، إذا رغب أن يعطي غيره، هكذا يعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء عن سهل بن سعدٍ الساعدي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشرابٍ، فشرب منه وعن يمينه غلامٌ، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: ((أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟))، فقال الغلام: لا والله يا رسول الله، لا أوثِر بنصيبي منك أحدًا، قال: فتَلَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في يدِه[28]. 11- اشرَبْ أخيرًا إن كنت ساقيًا: وتلك سنَّة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو الذي قال: ((إن ساقيَ القوم آخرُهم شُربًا))[29]. 12- لا تطرَحِ الشرابَ الذي وقع فيه الذباب: فإذا وقع في الشراب ذبابة، أو بعوضة، فاغمسها في الإناء ثم انزعها؛ فقد يتقذر البعض من ذلك، على الرغم أنه فِعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ عن أبي هريرة، يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمِسْه ثم لينزعه؛ فإن في إحدى جَناحيه داءً، والأخرى شفاءً))[30]. قد يتعجب البعض، بل وصل الأمر ببعضهم أنهم أنكروا هذا الحديث، فيقول: كيف تجمع الذبابة بين النقيضين - الداء والدواء -؟! نقول: أليست النحلة تعطي العسل وتلقي السم، ثم إن كان رسول الله قد قال، فقد صدق؛ فهو لا ينطق عن الهوى، وذكر الإمام ابن حجر في ذلك كلامًا للمتخصصين، فقال: "ذكر بعض حذاق الأطباء أن في الذباب قوة سمية يدل عليها الورم والحكة العارضة عن لسعه، وهي بمنزلة السلاح له، فإذا سقط الذباب فيما يؤذيه تلقاه بسلاحه، فأمر الشارع أن يقابل تلك السمية بما أودعه الله تعالى في الجناح الآخر من الشفاء، فتتقابل المادتان، فيزول الضرر بإذن الله تعالى"[31]. 13- لا تترُكِ الإناء مكشوفًا: هذه سنَّة قد يغفُلُ عنها بعض الناس، وهي أن يترك الإناء مكشوفًا؛ عن جابرٍ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((غطُّوا الإناء، وأَوْكُوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج؛ فإن الشيطان لا يحُلُّ سقاءً، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً، فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا، ويذكر اسم الله، فليفعل؛ فإن الفُوَيْسِقَةَ تُضرم على أهل البيت بيتهم))[32]. وعنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((غطوا الإناء، وأوكوا السقاء؛ فإن في السَّنة ليلةً ينزل فيها وباءٌ، لا يمر بإناءٍ ليس عليه غطاءٌ، أو سقاءٍ ليس عليه وكاءٌ، إلا نزل فيه مِن ذلك الوباء))[33]. هذه هي آداب الشرب، وهي ثلاثة عشر، جعلها ربي نافعةً لي ولسائر البشر. ♦♦♦ درس الفقه: 1- حُكم مَن ظن طلوع الفجر أو غروب الشمس: يرى جمهور الفقهاء: أن مَن أكل أو شرب بعد الفجر، ظانًّا عدم طلوعه، أو أكل أو شرب قبل غروب الشمس ظانًّا غروبها، فلما سأل، تبين له أنه أخطأ - يجب عليه القضاء؛ فعن شُعَيب بن عمرو بن سليمٍ الأنصاري، قال: أفطرنا مع صهيبٍ الحبرِ، أنا وأبي في شهر رمضان في يوم غيمٍ وطَشٍّ، فبينا نحن نتعشى إذ طلَعَتِ الشمسُ، فقال صهيبٌ: "طُعمةُ الله، أتمُّوا صيامَكم إلى الليل، واقضُوا يومًا مكانه"[34]. وقال ابن قدامة: "وإن أكل يظن أن الفجر لم يطلع، وقد كان طلع، أو أفطر يظن أن الشمس قد غابت، ولم تغِبْ، فعليه القضاء، هذا قول أكثر أهل العلم مِن الفقهاء وغيرهم"[35]. 2- حُكم تقبيل الزوجة في الصيام: تقبيل الزوج لزوجته، لا حرج به ولا بأس، بشرط الحذر من الشهوة، والأمن من الإنزال، فإن كان يخشى على شهوته إن قبَّلها أن ينزل، فلا يُقبِّل، فإن أنزل وجب عليه القضاء. أما إن كان مِن الذين يملِكون أنفسهم، ويتحكمون في شهوتهم، وإن قبَّلها لا يخشى شهوته فله أن يقبِّلَ، وقد فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقبِّل وهو صائمٌ، ويباشر وهو صائمٌ، ولكنه أملَكُكم لإِرْبِه)[36]. وعن أبي هريرة: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم، فرخَّص له، وأتاه آخرُ فسأله، فنهاه، فإذا الذي رخَّص له شيخٌ، والذي نهاه شابٌّ[37]. 3- حُكم بلع الريق والبلغم: أولًا: بلع الريق: بلع الصائم للريق لا بأس به؛ فالفقهاء يعدونه مما لا يمكن الاحتراز منه، كغبار الطريق وشمِّ الروائح. ثانيًا: بلع البلغم: إذا بلع الصائم البلغم، فصيامه صحيح، إلا إذا أخرجه مِن جوفه، ثم ابتلعه، فإنه يُفطر. 4- حُكم وضع قطرة العين في نهار رمضان: "مذهب الإمام مالك: أن كل ما دخل من الفم ووصل إلى الحلق والجوف فإنه يُفطر، وعند أبي حنيفة كل ما وصل مِن شيء من الخارج إلى الجوف فهو مفسد للصوم، حتى الحصاة أو النواة أو التراب، ومثل ذلك لو وصل إلى جوف الرأس بالإقطار في الأذن، ومذهب الشافعي أن الداخل المقطر بالعين الواصلة من الظاهر إلى الباطن في منفذ إلى البطن لا يفطر"[38]. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، لابن سيد الناس، (ج1، ص287)، تعليق: إبراهيم محمد رمضان، دار القلم - بيروت، ط1/ 1414 = 1993م. [2] السيرة النبوية، لابن هشام، (ج1، ص620). [3] المرجع السابق نفسه، (ج1، ص626). [4] مسند أحمد (25158)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. [5] السيرة النبوية، لابن هشام، (ج1، ص645). [6] مغازي الواقدي (ج1، ص107). [7] أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير، (ج5، ص59)، تحقيق: علي محمد معوض، عادل أحمد عبدالموجود، دار الكتب العلمية، ط1/ 1415هـ = 1994 م. [8] البخاري (4024). [9] مسلم (2020). [10] مسلم (2021). [11] مسلم (2024)، و(2025). [12] البخاري (1637)، مسلم (2027). [13] البخاري (5615). [14] زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم، (ج1، ص143، 144). [15] مسلم (2028). [16] البخاري (5628). [17] البخاري (5630)، مسلم (267). [18] أبو داود (3729)، والترمذي (1888)، وقال: حسن صحيح. [19] فتح الباري (ج10، ص92). [20] شرح النووي على مسلم (ج3، ص160). [21] البخاري (5633). [22] مسلم (2065). [23] مسلم (2063). [24] مسلم (2734). [25] أبو داود (3851)، وصححه الأرناؤوط. [26] أبو داود (3730)، والترمذي (3455)، وقال: حديث حسن. [27] البخاري (5619)، مسلم (2029). [28] البخاري (2451). [29] مسلم (681). [30] البخاري (3320). [31] فتح الباري (ج10، ص252). [32] مسلم (2012). [33] مسلم (2014). [34] السنن الكبرى، للبيهقي (8017). [35] المغني، لابن قدامة (ج3، ص147). [36] مسلم (1106). [37] أبو داود (2387)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. [38] أحكام الصيام، ص89، 90. |
رد: دروس رمضانية
خلق التفاؤل (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، وقيوم السموات والأرَضين، سبحانه سبحانه! بهرت عظمته قلوب العارفين، وأظهرت بدائعه نواظر المتأملين، نصب الجبال فأرساها، وأرسل الرياح فأجراها، ورفع السماء فأعلاها، وبسط الأرض فدَحَاها، الملائكة مِن خشيته مشفقون، والرسل مِن هيبته خائفون، والجبابرة لعظَمته خاضعون، له مَن في السموات والأرض كلٌّ له قانتون، أما بعد: فإن المسلم لا يعرف اليأس ولا القنوط، ومِن أخلاقه وصفاته: أن يكون متفائلًا، لا متشائمًا؛ فاليأس ليس مِن أخلاق الإسلام، وليس من أخلاق الأنبياء؛ فالأنبياء لم ييئسوا قط، ولم يعرِفِ اليأس طريقًا إلى قلوبهم، وكذا نبينا كان دائم البِشْر والأمل، وكان يعلِّم الصحابة الأمل في أحلك الظروف، ويغرس في نفوسهم التفاؤل في أصعب الأوقات، فكيف يتشاءَم الإنسان وربُّه موجود، أو ييئس ودائمًا بابه مفتوح. ورمضان مِن العبادات التي تربي في نفوسنا خُلق التفاؤل، فقبل رمضان نعصي الله، ويأتي رمضان ليعطينا الأمل، ويبشرنا بمغفرة الذنوب، ونعيش رمضان بالأمل والبشارات القرآنية والنبوية، ويمضي رمضان وقد غفر الله لمن صامه حق الصيام، وقامه حق القيام. ونحن بصدد سورة من سور القرآن الكريم، ضربت المثل العالي في تربية الأمل وعدم اليأس؛ فسورة سيدنا يوسف عليه السلام قدَّمت لنا أنموذجًا فريدًا في الثقة بالله وعدم القنوط، فبعد أن فَقدَ سيدنا يعقوب الابن الثاني - بنيامين - بعد فقدِه أخاه يوسف، لم ييئس لحظةً، ولم يقنط، فقال لبنيه: ï´؟ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ï´¾ [يوسف: 87]. هل بعد هذا الأمل أمل؟! وهل بعد هذه الثقة ثقة؟! وهو - أي سيدنا يعقوب - صاحب الألم، وفاقد الولد، يدعو لعدم اليأس. تأملات في سورة يوسف: عندما فقد يعقوب ولده - يوسف - كان جوابه: ï´؟ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ï´¾ [يوسف: 18]، ولما فقَد الولد الثاني - بنيامين - قال: ï´؟ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ï´¾ [يوسف: 83]، فالآية الأولى رقم (18)، والآية الثانية رقم (83)، فبينهما: 65 آية، والآية التي جاءت بالبشارة والأمل: ï´؟ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ï´¾ [يوسف: 96]، هي الآية رقم (96). وعددُ الآيات بين غياب يوسف وبشارة يعقوب: (78) آية، والمدة الزمنية مِن وقت غياب يوسف لحين عودته: ثمانون سنة، وقيل: غير ذلك[1]. والشاهد: أنه مهما طالت المدة، وامتد الأجل، فكُنْ صاحب أمل. إن التشاؤم من أخلاق الجاهلية؛ ولذلك حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا طِيَرة، وخيرُها الفألُ))، قيل: يا رسول الله، وما الفأل؟ قال: ((الكلمة الصالحة يسمَعُها أحدكم))[2]، وكان التفاؤل مما يعجب رسولَ الله صلى الله عليه وسلم؛ كما قال أبو هريرة: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعجِبه الفأل الحسَن، ويكرَه الطِّيَرة)[3]. وعلَّم أصحابه رضي الله عنهم أن يستبشروا بالخير دائمًا، ولا ييئسوا؛ فمِن بين وصاياه ما جاء عن أبي موسى، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعَث أحدًا من أصحابه في بعض أمره، قال: ((بشِّروا ولا تنفِّروا، ويسِّروا ولا تعسِّروا))[4]. بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُغيِّر أسماء الأشخاص والأماكن على سبيل التفاؤل؛ عن سعيد بن المسيَّب: أن جده حزنًا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما اسمك؟))، قال: اسمي: حزنٌ، قال: ((بل أنت سهلٌ))، قال: ما أنا بمغيرٍ اسمًا سمانيه أبي، قال ابن المسيَّب: (فما زالَتْ فينا الحزونةُ بعدُ)[5]. ومنه كثير في السنة النبوية؛ فزينبُ كان اسمها برَّةَ، فقيل: تزكي نفسها، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب، وغيَّر اسم رجلٍ كان اسمه العاص، فسماه مطيعًا، وغيَّر اسم عاصية وقال: ((أنتِ جميلة))، وكان لا يتطير من شيءٍ، غيرَ أنه كان إذا أراد أن يأتي أرضًا سأل عن اسمها، فإن كان حسنًا، رُئِيَ البِشرُ في وجهه، وإن كان قبيحًا رُئِيَ ذلك في وجهه، وغيَّر عمرُ اسم (قليل)، وقال: أنتَ كثيرُ بن الصلت. التفاؤل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم: لما شارَف رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، لقيه أبو عبدالله - بريدة بن الحصيب الأسلمي - في سبعين مِن قومه مِن بني سهم، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أنت))؟ قال: بريدة، فقال لأبي بكر: ((برد أمرنا وصلَح))، ثم قال: ((ممن))؟ قال: مِن أسلم، فقال لأبي بكر: ((سلمنا))، ثم قال: ((مِن بني من))؟ قال: من بني سَهْم، قال: ((خرج سهمُك يا أبا بكر))، فقال بريدة للنبي صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: ((أنا محمد بن عبدالله، رسول الله))، فقال بريدة: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، فأسلم بريدة وأسلم مَن كان معه جميعًا، قال بريدة: الحمد لله الذي أسلم بنو سَهْم طائعين غير مكرهين[6]. وعن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يومٌ كان أشد من يوم أحدٍ، قال: ((لقد لقيتُ مِن قومكِ ما لقيت، وكان أشد ما لقيتُ منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبدياليل بن عبدكلالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهمومٌ على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردُّوا عليك، وقد بعث إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا))[7]. كانت الطائف ثاني أعظم مدينة في الجزيرة العربية بعد مكة المكرمة، وامتازت بالكثافة السكانية والتجارة العربية، وكان مِن بينها قبيلة ثَقِيف، القبيلة القوية المعروفة، فلما ارتدت الجزيرة العربية بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يثبت إلا ثلاثُ مُدن وقرية واحدة، وهي: المدينة، ومكة، والطائف، وقرية بشرق الجزيرة العربية. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده)) قد تحقَّق بعد سنين طوال، فأخرج الله من أصلابهم: خالد بن الوليد، عمرو بن العاص، أبا حذيفة بن عتبة، عكرمة بن أبي جهل، فأسلموا بعد ذلك. عن البراء بن عازبٍ، قال: لما كان حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحفِرَ الخندق، عرَض لنا في بعض الجبل صخرةٌ عظيمةٌ شديدةٌ، لا تدخل فيها المعاول، فاشتكينا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول وألقى ثوبه، وقال: ((باسم الله))، ثم ضرب ضربةً فكسر ثلثها، وقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحُمْر الساعة))، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثًا آخر، فقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض))، ثم ضرب الثالثة فقال: ((باسم الله))، فقطع بقية الحجر، وقال: ((الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء))[8]. وإني لأرجو الله حتى كأنني *** أرى بجميلِ الظنِّ ما اللهُ صانعُ وهذا دعاء مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لصرف الأحزان والهموم، ودفع اليأس والقنوط؛ عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: دخل رسول صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ المسجد، فإذا هو برجلٍ مِن الأنصار، يقال له: أبو أمامة، فقال: ((يا أمامة، ما لي أراك جالسًا في المسجد في غير وقت الصلاة؟))، قال: همومٌ لزمتني وديونٌ يا رسول الله، قال: ((أفلا أعلِّمك كلامًا إذا أنت قلتَه أذهَب الله عز وجل همَّك، وقضى عنك دَيْنَك؟))، قال: قلت: بلى يا رسول، قال: ((قل إذا أصبحتَ وإذا أمسيتَ: اللهم إني أعوذ بك مِن الهمِّ والحزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدَّيْن، وقهر الرجال))، قال: ففعلتُ ذلك، فأذهَب الله عز وجل همي، وقضى عني دَيني[9]. ألا بُعدًا لليأس والتشاؤم، ومرحبًا بالأمل والتفاؤل؛ فشتانَ بين المتفائِل والمتشائِم؛ فالمتفائل يقول: إن كأسي مملوءة إلى نصفها، والمتشائم يقول: إن نصف كأسي فارغة. فكم لله مِن لطفٍ خفي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يَدِقُّ خَفاه عن فهمِ الذَّكِيِّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكم أمرٍ تُساءُ به صباحًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فتأتيك المسرَّةُ في العشِيِّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكم يُسْرٍ أتى مِن بعدِ عُسْرٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ففرَّج كُرْبةَ القلبِ الشَّجِيِّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا ضاقَتْ بك الأحوالُ يومًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فثِقْ بالواحدِ الأحدِ العَلِيِّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وصية عملية: أحسِنِ الظنَّ بربك دائمًا، فلو أحسنتَ الظنَّ، لرأيتَ الحياةَ جميلةً، وسترى مستقبَلَك بقدرِ تفاؤلِك وحُسنِ ظنِّك. ♦♦♦♦♦ السؤال التاسع عشر: ما هي السُّوَر التي بدأت بالحمد في القرآن الكريم؟ الجواب: خمس سور، وترتيبها كالتالي: سوة الفاتحة؛ قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ï´¾. سورة الأنعام؛ قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ï´¾ [الأنعام: 1]. سورة الكهف؛ قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ï´¾ [الكهف: 1]. سورة سبأ؛ قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ï´¾ [سبأ: 1]. سورة فاطر؛ قال تعالى: ï´؟ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ï´¾ [فاطر: 1]. ♦♦♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): (آداب عيادة المريض): إن عيادةَ المريض مِن جملة حق المسلم على أخيه المسلم، بل مِن آكد الحقوق الإسلامية، التي توثق العلاقات الأسرية والأخوية بين المسلمين، وفي عيادة المريض ما فيها من التكافل المعنوي، والتضامن الرُّوحي، والتجاوب النفسي، والتفاعل المجتمعي، ولعيادة المريض أحكام وآداب، منها: 1- النية الصالحة: إذا أردت أن تزورَ مريضًا، فجدِّدْ نيتك، وأحسِنِ استحضارها، فكلما عددت النوايا، زادت الأجور والعطايا، من رب البرايا، وتذكر الثواب الذي أعده الله عز وجل لعوَّاد المرضى، وسأذكرك ببعض النوايا: ♦ ثمار الجنة: عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَن عاد مريضًا، لم يَزَلْ في خُرفةِ الجنة))، قيل: يا رسول الله، وما خُرفة الجنة؟ قال: ((جَناها))[10]. ♦ منزل في الجنة: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن عاد مريضًا أو زار أخًا له في الله، ناداه منادٍ: أن طِبْتَ وطاب مَمْشاكَ، وتبوأتَ مِن الجنة منزلًا))[11]. ♦ رحمة الله: عن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن عاد مريضًا، لم يَزَلْ يخوض في الرحمةِ حتى يجلِسَ، فإذا جلس اغتمَس فيها))[12]. ♦ صلاة الملائكة: عن عليٍّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما مِن مسلمٍ يعود مسلمًا غدوةً إلا صلى عليه سبعون ألف مَلَكٍ حتى يمسي، وإن عاده عشيةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملكٍ حتى يصبح، وكان له خريفٌ في الجنة))[13]. ♦ في ضمان الله: عن معاذٍ قال: عهِد إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسٍ، مَن فعل منهن كان ضامنًا على الله: ((مَن عاد مريضًا، أو خرج مع جنازةٍ، أو خرج غازيًا في سبيل الله، أو دخل على إمامٍ يريد بذلك تعزيره وتوقيره، أو قعد في بيته فيسلَم الناس منه ويسلم))[14]. 2- اختيار الوقت المناسب: على العائدِ أن يختار الوقت الذي يناسب المريض، وإن استطاع أن يخبره قبل ذهابه فليفعل، قيل للإمام أحمد بن حنبل: "فلانٌ مريضٌ، وكان عند ارتفاع النهار في الصيف، فقال: ليس هذا وقتَ عيادةٍ"[15]. 3- سؤال المريض عن حاله: إذا عُدْتَ مريضًا فاسأله عن حاله، واطمئِنَّ عليه، كيف حالك الآن؟ فهذا مما لا شك فيه يريح النفوس، ويجبُرُ القلوب، وامتثل قول القائل: كيف أصبحتَ؟ كيف أمسيتَ؟ ممَّا *** يَزْرعُ الوُدَّ في فؤادِ الكريمِ وهذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، فعندما خرج علي بن أبي طالبٍ رضي الله عنه مِن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسنٍ، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمدِ اللهِ بارئًا[16]. 4- الدعاء للمريض: ادعُ لمريضك بالشفاء والثبات على الألم، ولك أن تدعوَ بما شئتَ، ولو كان بما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان أفضل، واختَرْ ما شئتَ؛ مِن بين تلك الأدعية النبوية: الدعاء الأول: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده، قال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريضٍ يعوده قال له: ((لا بأس، طهورٌ إن شاء الله))[17]. الدعاء الثاني: عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما مِن عبدٍ مسلمٍ يعود مريضًا لم يحضُرْ أجله فيقول سبع مراتٍ: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيَك، إلا عُوفِيَ))[18]. الدعاء الثالث: عن عبدالله بن عمرٍو: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا جاء الرجل يعود مريضًا فليقل: اللهم اشفِ عبدك فلانًا، ينكأ لك عدوًّا، أو يمشي لك إلى صلاةٍ))[19]. الدعاء الرابع: عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: ((اللهم ربَّ الناس، أذهِبِ الباس، اشفِه وأنت الشافي، لا شفاءَ إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا))[20]. جواز الرقية الشرعية للمريض: عن أبي سعيدٍ: أن جبريلَ أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، اشتكيتَ؟ فقال: ((نعم))، قال: ((باسم الله أرقيك، مِن كل شيءٍ يؤذيك، مِن شر كل نفسٍ أو عين حاسدٍ، الله يشفيك، باسم الله أرقيك))[21]. عن عثمان بن أبي العاص الثقفي: أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعًا يجده في جسده منذ أسلَم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ضَعْ يدك على الذي تألم مِن جسدك، وقل: باسم الله ثلاثًا، وقل سبع مراتٍ: أعوذ بالله وقدرته مِن شر ما أجِدُ وأحاذر))[22]. 5- تذكير المريض بأجر الصبر: من خلال حديثك معه، ذكِّره بثواب المرض، وأجر الصابرين؛ عن أنسٍ: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا ابتلى اللهُ العبدَ ببلاءٍ في جسده، قال للملَك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهَّره، وإن قبضه غفَر له ورحمه))[23]. والنصح له بالثبات والثقة في الله، والرضا بقضائه وقدره، وعدم إظهار الشكوى أو التسخُّط؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما يصيب المسلمَ مِن نصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفَّر الله بها مِن خطاياه))[24]. يا صاحبَ الهمِّ، إن الهمَّ منفرِجُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أبشِرْ بخيرٍ؛ فإن الفارجَ اللهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif اليأسُ يقطَعُ أحيانًا بصاحبِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لا تيئَسَنَّ؛ فإن الكافيَ اللهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إذا بُلِيتَ فثِقْ باللهِ وارْضَ به https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إن الذي يكشِفُ البَلْوى هو اللهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif 6- عدم إطالة وقت الزيارة: لخص الإمام ابن حجر آداب عيادة المريض، فقال: "الأدب في العيادة ألا يطيلَ العائد عند المريض حتى يُضجِرَه، وألا يتكلَّمَ عنده بما يزعجه، وجملة آداب العيادة عَشَرة أشياء، منها: ألا يقابِلَ البابَ عند الاستئذان، وأن يدُقَّ البابَ برِفْق، وألا يُبهِمَ نفسَه؛ كأن يقولَ: أنا، وألا يحضُرَ في وقت يكون غير لائق بالعيادة؛ كوقت شرب المريض الدواء، وأن يخفف الجلوس، وأن يغُضَّ البصر، ويقلِّل السؤال، وأن يُظهر الرقة، وأن يخلص الدعاء، وأن يوسع للمريض في الأمل، ويشير عليه بالصبر؛ لِما فيه مِن جزيل الأجر، ويحذره من الجزع؛ لِما فيه مِن الوِزر"[25]. فينبغي لزائر المريض ألا يطيل المكث عنده؛ حتى لا يشق عليه؛ فقد يتضرر من ذلك، ويتحرج منه، إلا إذا طلب منه الجلوس، قال صاحب التمهيد: "ولا خلاف بين العلماء والحكماء أن السنَّة في العيادة التخفيف، إلا أن يكون المريض يدعو الصديق إلى الأنس به"[26]. قال بعضهم: حُسن العيادةِ يومٌ بين يومينِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif واقعُدْ قليلًا كمِثلِ اللَّحْظ بالعينِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لا تُبْرِمَنَّ عليلًا في مُساءَلةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يَكْفيك مِن ذاكَ تَسْأَلْهُ بحَرْفينِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif 7- طلب الدعاء مِن المريض: إن الملائكةَ جلساءُ المريض؛ فالدعاء عنده أرجى للقبول، وأسرع للوصول؛ عن عمر بن الخطاب، قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخلتَ على مريضٍ، فمُرْه أن يدعوَ لك؛ فإن دعاءَه كدعاء الملائكةِ))[27]. وعن أم سلمة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حضرتم المريض، أو الميت، فقولوا خيرًا؛ فإن الملائكةَ يُؤمِّنون على ما تقولون))[28]. 8- عيادة المريض غيرِ المسلم: لا مانع شرعًا من عيادة غير المسلم، بل فيها ما فيها من تأليف القلوب، وقد فعل ذلك حبيبُنا ومعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد جاء عن أنسٍ رضي الله عنه، قال: كان غلامٌ يهودي يخدُمُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعُوده، فقعد عند رأسه، فقال له: ((أسلِمْ))، فنظر إلى أبيه وهو عنده، فقال له: أطِعْ أبا القاسم صلى الله عليه وسلم، فأسلَم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((الحمد لله الذي أنقذه من النار))[29]. ♦♦♦♦♦ درس الفقه: 1- حُكم صيام من يداوم السفر: للمسافر رخصة الفطر، وصومه أفضل إن قدر عليه، ولم يشقَّ عليه؛ قال تعالى: ï´؟ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾[البقرة: 184]، فإن خاف ضررًا، أو خشِيَ هلاكًا، أفطَر. والسفر الذي يباح فيه الفطر، يقدر بمسافة: 83.5 كم تقريبًا، وأن يكون سفرًا مباحًا، وإذا كان عمله يقتضي طول مدة السفر، والتنقلات المستمرة، فهذا لا يرفع عنه الرخصة وهي الفِطر. 2- التدخين في رمضان يفطر أم لا؟ مَن تعمَّد التدخين في نهار رمضان، فصيامه غيرُ صحيح، ووجب عليه القضاء، بالإضافة إلى أن التدخين محرم شرعًا، وعادة سيئة، ومضرة بالصحة، وقاتلة للمدخِّن. 3- حُكم استعمال المرأة لمرطب الشفاه في نهار رمضان: الصحيح أنه لا يضر الصوم، ولا يُفطر الصائم، ما دام لم يصل منه شيء إلى الجوف. 4- هل بخاخة الربو تفطر؟ بخاخة الربو تفسد الصيام؛ لأن السائل الذي يخرج من البخاخة يصل إلى الجوف. 5- حكم الغسيل الكلوي في نهار رمضان: الصوم صحيح، إلا إذا أخذ بعض الأدوية المغذية أثناء الغسيل، فإنه يفطر. 6- حكم الاستمناء والاحتلام في رمضان: الاستمناء: تعمُّد إنزال المني بسبب، فمن فعله في رمضان، فقد بطَل صومه، ووجب عليه القضاء. الاحتلام: مَن استيقظ من نومه، فوجد بللًا في ثيابه، فهذا أنزل بغير اختيار؛ فصيامُه صحيح؛ لأن الاحتلامَ بغير اختياره، ووجب عليه الغسل. 7- حُكم خلع الأسنان في نهار رمضان: إن أمن ألا يصل شيء إلى جوفه، فلا حرج في خلع أسنانه، ولا يفسد صومه، والأحوط تأخيره إن أمكن. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] قيل: بين غياب يوسف وبين لقائه يعقوب ثمانون سنة، وقيل: ثلاث وثمانون سنة، وقال آخرون: ثمان عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها؛ انظر: تفسير الطبري، (ج16، ص274، 275) بتصرف. [2] البخاري (5755)، مسلم (2223). [3] ابن ماجه (3536)، وقال الشيخ/ شعيب الأرناؤوط: صحيح. [4] مسلم (1732). [5] البخاري (6193). [6] سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي، (ج3، ص251، 252)، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبدالموجود، الشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط1/ 1414 ه = 1993 م. [7] البخاري (3231)، مسلم (1795). [8] مسند أحمد (18694)، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (ج7، ص397)، وقال: ووقع عند أحمد والنسائي في هذه القصة زيادة بإسنادٍ حسَن عن البراء. [9] أبو داود (1555)، وضعفه الأرناؤوط. [10] مسلم (2568). [11] الترمذي ( 2008)، وحسنه الألباني. [12] مسند أحمد (14260)، قال الأرناؤوط: صحيح لغيره. [13] الترمذي (969)، وقال: حسن غريب. [14] مسند أحمد (22093)، وحسنه الأرناؤوط. [15] الآداب الشرعية، لابن مفلح (ج2، ص200). [16] البخاري (4447). [17] البخاري (5656). [18] أبو داود (3156)، والترمذي (2083)، وقال: حسن غريب. [19] المعجم الكبير للطبراني (107). [20] البخاري (5743)، مسلم (2191). [21] مسلم (2186). [22] مسلم (2202). [23] مسند أحمد (12503)، ومسند أبي يعلى (4235)، وإسناده حسن. [24] البخاري (5641). [25] فتح الباري (ج10، ص126). [26] التمهيد، لابن عبدالبر (ج1، ص196)، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، محمد عبدالكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، تاريخ النشر: 1387 ه. [27] ابن ماجه (1441)، وضعفه الأرناؤوط. [28] مسلم (919). [29] البخاري (1356). |
رد: دروس رمضانية
مع فتح مكة (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله المحمود بنعمته، المعبود بقدرته، المطاع بسلطانه، المرهوب مِن عذابه وسطواته، النافذ أمره في أرضه وسمائه، الحمد لله الذي خلق الخَلْق بقدرته، وأعزهم بدينه، وميَّزهم بأحكامه، وأكرمهم بنبيه محمد، وبعد: فإن فتح مكة كان نصرًا مبينًا، وتأييدًا وتمكينًا للمسلمين؛ فقد أعز الله الإسلام، ودخل المسلمون مكة منتصرين متواضعين، ورسموا صور العزة والكرامة، رافعين رؤوسهم، معتزين بدينهم، معلنين أنه لا عزة لهم إلا بالإسلام، وباتباع رسول الأنام صلى الله عليه وسلم. يقول الشيخ الغزالي: "إن هذا الفتح المبين ليذكره بماضٍ طويل الفصول كيف خرج مطاردًا؟! وكيف يعود اليوم منصورًا مؤيدًا؟! وأي كرامة عظمى حفَّه الله بها في هذا الصباح الميمون؟! وكلما استشعر هذه النعماء، ازداد لله على راحلته خشوعًا وانحناء، ويبدو أن هناك عواطف أخرى كانت تجيش في بعض الصدور"[1]. ويكتمل الفتح بدخول عدد من المشركين في الإسلام، نقتصر على ذكر البعض: لا عزة إلا بالإسلام؛ فمَن اعتز بالإسلام أعزه الإسلام، وإذا ابتغى المسلم العزة في غير الإسلام أذله الله، ولما اعتز بلال بدينه، وثبت على إسلامه، جاء الوقت ليعلن فيه للجميع، أنه الإسلام الذي يرفع أتباعه، بغض النظر عن اللون والقبيلة، فمن انتمى لدين الإسلام عاش عزيزًا، ومن لم ينتمِ إليه عاش ذليلًا. لما دخل المسلمون مكة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا أن يصعد فوق الكعبة ليرفع الأذان، إنه بلال الذي كان ولا يزال تنظر إليه قريش على أنه العبد الحبشي الأسود، يأتي ليصعد فوق أطهر وأشرف بقعة في الأرض، إنه بلال الذي كان ماضيه أنهم كانوا يعذبونه في صحراء مكة، ويضعون الحجارة على صدره ليرجع عن دينه، ويأبى معتزًّا بدينه، ويقول: أحدٌ أحدٌ. صعِد بلال على مرأى ومسمع من الجميع - مسلم وكافر - ليرفع الأذان، وينادي بصوته الندي صيحات التكبير، والموقف بالنسبة للمؤمنين ليس بغريب ولا عجيب، لكن المشركين في عجب ودهشة. إنها العزة في موطن النصر: يقول ابن هشام: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوسٌ بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدًا ألا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه. وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمتُ لأخبرَتْ عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد علمت الذي قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقولَ: أخبرك"[2]. إن الكعبة لم يكن لها سلم ليصعد عليه بلال، غير أنه كان ضعيفًا صغيرًا، فإذ به يثب وثبة القوي العزيز، ويتسلق تسلق الصقور، فيصدح بالحق، ويرفع بالتكبير، وتتجلى صورة أخرى للعزة، فيُسلم بأذانه أبو محذورة، فما قصته؟! "لما سمع الأذان، وهو مع فتية من قريش خارج مكة أقبلوا يستهزئون، ويحكون صوت المؤذن غيظًا، فكان أبو محذورة من أحسنهم صوتًا، فرفع صوته مستهزئًا بالأذان، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر به فمثل بين يديه، وهو يظن أنه مقتولٌ، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته وصدره بيده، قال: فامتلأ قلبي والله إيمانًا ويقينًا، وعلمت أنه رسول الله، فألقى عليه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان، وعلمه إياه، وأمره أن يؤذن لأهل مكة، وهو ابن ستَّ عَشْرةَ سنةً، فكان مؤذِّنَهم حتى مات، ثم عقبه بعده يتوارثون الأذان كابرًا عن كابرٍ"[3]. إن الله أعز الصحابة رضي الله عنهم عندما اعتزوا بإسلامهم، فإذا أرادت الأمة العزة فلتعتزَّ بدينها، ولتُطِعْ ربها، وتقتدِ بنبيها؛ فأساس العزة الطاعة لله وللرسول؛ قال تعالى: ï´؟ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [المنافقون: 8]؛ لذا قال أبو بكر الشبلي: مَن اعتز بذي العز، فذو العزِّ له عزٌّ. والعزة في موالاة المؤمنين، وعدم موالاة الكافرين، قال ربنا: ï´؟ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ï´¾ [النساء: 139]. قال الطبري: "فإن الذين اتخذوهم - أي المنافقين - من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم، هم الأذلاء الأقلاء؛ فهلَّا اتخذوا الأولياء من المؤمنين، فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله الذي له العزة والمنعة، الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، فيعزهم ويمنعهم؟!"[4]. عزة أهل العز: عن محمد بن خلاد قال: لما حج المهدي دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبقَ أحد إلا قام، إلا ابنَ أبي ذئب، فقال له المسيب بن زهير: هذا أمير المؤمنين! فقال ابن أبي ذئب: إنما يقوم الناس لرب العالمين، فقال المهدي: لقد قامت كل شعرة في رأسي[5]. رسالة نقفور - ملك الروم - إلى الرشيد: "مِن نقفور ملك الروم، إلى هارون ملك العرب، أما بعد، فإن الملكة التي كانت قبلي، أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقًا بحمل أمثاله إليها، لكن ذاك ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي فاردُدْ ما حصل قبلك من أموالها، وافتدِ نفسك بما يقع به المصادرة لك، وإلا فالسيف بيننا وبينك. قال: فلما قرأ الرشيد الكتاب، استفزه الغضب حتى لم يمكن أحدًا أن ينظر إليه دون أن يخاطبه، وتفرق جلساؤه خوفًا من زيادة قول أو فعل يكون منهم، واستعجم الرأي على الوزير من أن يشير عليه أو يتركه يستبد برأيه دونه، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم، مِن هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابَك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه، والسلام)[6]. ولك أن تختم بقصة الشيخ سعيد الحلبي - عالم الشام - وهي من القصص الرائعة في العزة والرفعة[7]. وصية عملية: اعتزَّ بدينِك؛ فوالله لا عزة لك إلا بالإسلام، ومهما بحثت عن العزة في غير الإسلام فستكون الذلة. اللهم أعِزَّنا بالإسلام، وأعز الإسلام بنا، وأيِّدْنا بالحق، وأيِّدِ الحق بنا. ♦♦♦ السؤال العشرون: اذكُرْ أسماء الملائكة التي وردت في القرآن صراحة: الجواب: الملائكة الذي ذُكروا في القرآن بأسمائهم خمسة، وهم: جبريل، وميكائيل؛ قال تعالى: ï´؟ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ï´¾ [البقرة: 98]. الملكان هاروت وماروت؛ قال تعالى: ï´؟ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ï´¾ [البقرة: 102]. خازن النار مالك؛ قال تعالى: ï´؟ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ï´¾ [الزخرف: 77]. أما إسرافيل، وهو صاحب النفخ في الصور، فقد جاء ذِكره في الأحاديث النبوية، وللعلماء فيها كلام، لا فائدة من ذكره هنا، وقد يقول البعض: إن ملك الموت، هو (عزرائيل)، وليس عليه دليل. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب المجلس: إن الإنسان بطبيعته في حاجة إلى الآخرين، يجلس معهم، يتحدث إليهم، وأحيانًا يجلس مع أهله، وأخرى يجلس مع أقاربه، وقد يجلس مع جيرانه أو أقرانه في العمل، وقد يكثر الجلوس مع الأصدقاء والأصحاب، مهما اختلفت المجالس وتعددت أجناسها وطبيعتها، فلها في الإسلام آداب وأحكام، وهي: 1- السلام على الجالسين عند الدخول: فمن السنة لمن يدخل على المجلس أن يبدَأَهم بالسلام؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا انتهى أحدكم إلى المجلس، فليسلِّم، فإذا أراد أن يقوم، فليسلِّم؛ فليست الأولى بأحقَّ مِن الآخرة))[8]. فإذا كانوا مجموعة أجزأ عنهم واحد، وإذا سلم واحد على مجموعة، أجزأ أن يرد عليه واحد، نقل ابن حجر عن الماوردي قوله: "لو دخل شخص مجلسًا، فإن كان الجمع قليلًا يعمهم سلامٌ واحدٌ فسلَّم، كفاه، فإن زاد فخصص بعضهم فلا بأس، ويكفي أن يرد منهم واحد، فإن زاد فلا بأس، وإن كانوا كثيرًا بحيث لا ينتشر فيهم فيبتدئ أول دخوله إذا شاهدهم، وتتأدى سنة السلام في حق جميع من يسمعه، ويجب على من سمعه الرد على الكفاية، وإذا جلس سقط عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين"[9]. ومن السنة: التيامن في الدخول، فيبدأ بالأيمن فالأيمن إذا سلم؛ فقد علمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التيامُنَ في كل شيء. 2- لا يفرق بين اثنين إلا بإذنهما: مِن أدب المجالس ألا يفرق بين اثنين؛ لِما قد يكون بينهما من صداقة أو حديث، فلا تفرق إلا بإذن؛ عن عبدالله بن عمرٍو، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا يحل لرجلٍ أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما))[10]. وإذا كان المجلس حلقةً فلا تجلس في وسطها؛ لِما فيه من الأذى وتخطي الرقاب، وتسبب الضرر للآخرين، وقد نهينا عن كل ذلك؛ عن حذيفة: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَن مَن جلس وسط الحلقة"[11]، وقد بوب الإمام الترمذي، بعنوان: (باب ما جاء في كراهية القعود وسط الحلقة). 3- لا يقيم أحدًا مِن مكانه: وهذا من كمال الأدب، وتمام الذوق؛ عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يقيم الرجل الرجل من مقعده، ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا))[12]. وهذا فِعل الصالحين المتواضعين؛ فقد ذكر البخاري في الأدب المفرد: أن ابن عمر كان إذا قام له رجلٌ من مجلسه لم يجلس فيه. وإذا قام من مجلسه، ثم عاد إليه، فله الحق أن يجلس فيه؛ عن أبي هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من قام من مجلسه، ثم رجع إليه، فهو أحقُّ به))[13]. وتركه هنا يكون لحاجة أو لعذر، كأن ترك أثرًا له، حتى لا يجلس أحدٌ فيه، فرجوعه إليه من الأدب وليس للوجوب، وإلا فالمكان في الأصل ليس ملكًا له، وفي ذلك يقول القرطبي: "هذا الحديث يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه، وما احتج به من حمله على الأدب؛ لكونه ليس ملكًا له لا قبل ولا بعد، ليس بحجة؛ لأنا نسلم أنه غير ملك له، لكن يختص به إلى أن يفرغ غرضه، فصار كأنه ملك منفعته، فلا يزاحمه غيره عليه"[14]. 4- الترحيب بالداخل: إنها عظمة تعاليم ديننا، وسنة الحبيب نبينا صلى الله عليه وسلم، عن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت: ما رأيت أحدًا كان أشبهَ سمتًا وهديًا ودلًّا - وقال الحسن: حديثًا، وكلامًا، ولم يذكر الحسن السمتَ والهديَ والدلَّ - برسول الله صلى الله عليه وسلم من فاطمة كرم الله وجهها، كانت (إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها، وقبَّلها، وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه، فأخذت بيده فقبَّلته، وأجلسته في مجلسها)[15]. وللعلماء كلام وتفصيل في القيام للقادم، وقال سعيدُ بن العاص: "لِجليسي عليَّ ثلاثُ خصال: إذا دنا رحَّبتُ به، وإذا جلس أوسعت له، وإذا حدَّث أقبلتُ عليه"[16]. وخلاصته: ما نقله ابن حجر عن أحد العلماء، فقال: "إن القيام يقع على أربعة أوجه: الأول: محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرًا وتعاظمًا على القائمين إليه، والثاني: مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر، ولِما فيه من التشبه بالجبابرة، والثالث: جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة، والرابع: مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحًا بقدومه ليسلم عليه، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بسببها"[17]. 5- تفسحوا في المجلس: قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ï´¾ [المجادلة: 11]، وهذا في كل مجلس، أن توسع للآخرين وتفسح لهم، حتى يوسع الله لك في الدنيا والآخرة، وفي حديث ابن عمر السابق: ولكن تفسحوا وتوسعوا، وفيه تآلف للقلوب، وتوادد بين الجلوس؛ عن عبدالرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قال: أُخبِر أبو سعيدٍ بجنازةٍ، فعاد تخلَّف، حتى إذا أخذ الناس مجالسهم، جاء، فلما رآه القوم تشذبوا عنه، فقام بعضهم ليجلس في مجلسه، فقال: لا، إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن خير المجالس أوسعها، ثم تنحى وجلس في مجلسٍ واسعٍ))[18]. 6- لا يتناجى اثنانِ دون الآخَر: إذا جلس ثلاثة يتسامرون ويتبادلون الحديث معًا، فلا يخلو اثنان دون الثالث؛ فقد يحزنه؛ عن عبدالله رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى رجلان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس، أجل أن يحزنه))[19]، وقال ربنا: ï´؟ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ï´¾ [المجادلة: 10]. 7- عدم الخوض في أعراض الآخرين: يجب تجنُّب المنكَرات في المجلس، وذلك بالبُعد عن الغِيبة والنميمة والكذب؛ قال تعالى: ï´؟ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ï´¾ [الحجرات: 12]، والسخريَّة والاستهزاء من الناس؛ قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ï´¾ [الحجرات: 11]، ونبذ الكلام البذيء، وفحش اللسان، والحذر من الكذب ليضحك الجلوس؛ عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة يُضحِك بها جلساءه، يهوي بها مِن أبعدَ من الثريا))[20]. فاحرِصْ على المجالس الطيبة الحميدة، البعيدة عن المعاصي والآثام، فإن جلست فرأيت منهم إصرارًا على أذى الناس، فأعرض عنهم، حتى لا تكون منهم، فتكتب من جلساء السوء. فالجليس الصالح: لا يقبَل الفُحش من القول، ولا الغِيبة والنميمة، ويبتعد عن الجدال، ويجتنب رفع الصوت، وكل ما فيه إيذاء للآخرين، وإذا تكلم في عِرض غيره، ردَّ عنه، كما أنه يحفظ أمانة المجلس، ولا يفشي سره لغير الحاضرين؛ لأنه مؤمن، والمؤمن مؤتمن على مجالسه وأحاديثه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المَجالِسُ بالأمانة)). 8- ألا يخلو المجلس من ذكر الله: ينبغي ألا تخلو مجالسنا من ذكر الله عز وجل، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم؛ حتى تكون لنا في الدنيا بركة، وفي الآخرة حجة؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه، إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ، وكان لهم حسرةً))[21]، وعن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه، ولم يصلُّوا على نبيهم، إلا كان عليهم تِرَةً، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم))[22]، وعن الحسين بن علي رضي الله عنه، أنه سأل أباه - عليًّا - رضي الله عنه، فكان مما سأله، قال: فسألته عن مجلسه،فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر[23]. 9- كفَّارة المجلس: بَدَأ المجلس بالسلام، وخير ختام له أن يكون بذكر الله والاستغفار؛ حتى يغفر الله للجالسين ما قالوه من زلات، وما أصابوه من عثرات وهفوات؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن جلس في مجلسٍ فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غُفِر له ما كان في مجلسه ذلك))[24]. ♦♦♦ درس الفقه: 1- هل ارتكاب الكبائر يُبطل الصيام؟ مِن خلال دراستنا لأحكام الصيام، فليس ارتكاب الكبائر مِن مبطلات الصيام، ومن خلال حديث البخاري، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن لم يدَعْ قول الزور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدَعَ طعامَه وشرابه)). يقول ابن عبدالبر: "مَن اغتاب أو شهد زورًا أو منكرًا لم يؤمر بأن يدَعَ صيامه، ولكنه يؤمر باجتناب ذلك؛ ليتمَّ له أجر صومه"[25]..فالمعاصي والكبائر لا تبطل الصيام، وإنما تُحبِط أجره، وتنقص ثوابه. 2- ما حُكم النوم طيلة نهار رمضان؟ لا شك أن صيامه صحيح، كأن صلى الفجر ثم نام، وصلى الظهر ثم نام، وهكذا، فالنوم لا يتنافى مع الصيام، ولا يؤثر فيه، وهذا ما أجمع عليه العلماء؛ إذ قالوا: "إذا نام جميع النهار وكان قد نوى من الليل صح صومه على المذهب، وبه قال الجمهور، فالنوم لا يؤثر في الصوم، سواءٌ وجد في جميع النهار أو بعضه"[26]. لكن ينصح باستغلال الشهر، وينشغل بتلاوة القرآن، وذكر الله، وصلة الأرحام، والسعي في حاجات الناس، فمثل هذا الشهر فرصة لا ينبغي التفريط فيه. 3- طهرت الحائض قبل الفجر، فما الحكم؟ إذا طهرت المرأة الحائض قبل صلاة الفجر، وتأكدت أن الدم انقطع، فعليها أن تنوي الصيام، وصومها صحيح، وإن أخرت الغسل لما بعد الفجر، كما هو الحال مع الجنب والمحتلم؛ فالثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنبًا ثم يصوم. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] فقه السيرة، للشيخ/ محمد الغزالي، ص381، دار القلم - دمشق، ط1/ 1427 ه. [2] السيرة النبوية، لابن هشام (ج2، ص413). [3] الروض الأنف، لأبي القاسم السهيلي، (ج7، ص138)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط1/ 1412 ه. [4] تفسير الطبري (ج9، ص913). [5] المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي، (ج8، ص234)، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، مصطفى عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1/ 1412 هـ = 1992 م. [6] تاريخ الرسل والملوك، للطبري، (ج8، ص307)، دار التراث - بيروت، ط2/ 1387 هـ. [7] تقدم ذكرها، ص75. [8] أبو داود (5208)، وصححه الأرناؤوط. [9] فتح الباري (ج11، ص14). [10] أبو داود (4845)، والترمذي (2752)، وقال: حديث حسن. [11] أبو داود (4826)، والترمذي (2753)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [12] مسلم (2177). [13] مسلم (2179). [14] فتح الباري (ج11، ص64). [15] أبو داود (5217)، وصححه الأرناؤوط. [16] تهذيب الكمال في أسماء الرجال، لأبي الحجاج المزي، (ج10، ص507)، تحقيق: د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط1/ 1400 = 1980م. [17] فتح الباري (ج11، ص51). [18] أحمد (11137)، وصححه الأرناؤوط. [19] البخاري (6290). [20] مسند أحمد (9220)، وابن حبان (5716)، وحسنه الأرناؤوط. [21] أبو داود (4855)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. [22] الترمذي (3380)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ. [23] الطبقات الكبرى، لابن سعد، (ج1، ص326)، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1/ 1410هـ = 1990م. [24] الترمذي (3433)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. [25] انظر: التمهيد، لابن عبدالبر، (ج19، ص56). [26] انظر: المجموع، للنووي (ج6، ص346)، والمغني لابن قدامة (ج3، ص116) بتصرف. |
رد: دروس رمضانية
ليلة القدر فرصة العمر (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله عالم السر والجهر، وقاصم الجبابرة بالعز والقهر، محصي قطرات الماء وهو يجري في النهر، فضَّل بعض المخلوقات على بعضٍ حتى أوقات الدهر ﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ [القدر: 3][1]، وبعد: فإن مِن فضلِ الله على الصائمين القائمين: أن رزقهم ليلة القدر، فمَن فاته الخير في العشرين الأوائل، فليجدد العزم في العشر الأواخر؛ فإن فيها ليلة هي خير مِن ألف شهر، ولعظم وقدر ليلة القدر، أنزل الله سورة في القرآن، وسماها سورة القدر، قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ ﴾[القدر: 1 - 5]. قال أبو بكر الوراق: سميت ليلة القدر؛ لأنه نزل فيها كتاب ذو قدر، على رسولٍ ذي قدر، لأمة لها قدر. والمتأمل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن قيام رمضان، يرى أنه أفرده بحديث، فقال: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه))[2]، ثم أفرد قيام ليلة القدر بحديث، فقال: ((من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه))[3]. فضائل ليلة القدر: الفضيلة الأولى: أن الله أنزل فيها القرآن مِن اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وجعله هدى للناس ومنهج حياة، كما أنه أنزل في الليل؛ لأنه زمان المناجاة، ومهبط النفحات، وفيه فراغ القلوب، وأفضل من النهار. الفضيلة الثانية: الاستفهام عن الشيء يدل على التفخيم والتعظيم، فاستفهم بقوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ﴾ [القدر: 2]. الفضيلة الثالثة: هي خيرٌ من ألف شهر، وألف شهر يعدل: 83 سنة وأربعة أشهر، بل هي خير منها، وإذا قدرنا ساعات ليلةٍ بـ: 8 ساعات، فتكون الـ: 8 ساعات خيرًا مِن ألف شهر؛ أي: 8 ساعات خير من 83 سنة وأربعة أشهر، مع العلم أن مجموع 83 سنة وأربعة أشهر = 1000 شهر، و8 ساعات خير من 1000 شهر. 1000 شهر X 30 يوم= 30.000 يوم X 24 ساعة=720.000 ساعة. أي: إن ليلة القدر - 8 ساعات - خيرٌ من 720.000 ساعة...تخيل هذا الثواب العظيم من الرب الكريم. الفضيلة الرابعة: أخبرنا ربنا أن الملائكة تتنزل فيها، وعبر بقوله: ﴿ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ [القدر: 4]، فتمتلئ الأرضُ بهم حتى تضيق بهم، ثم قال: ﴿ وَالرُّوحُ فِيهَا ﴾ [القدر: 4]، وفيه تخصيص لجبريل؛ لشرفِه ومكانته. الفضيلة الخامسة: وصفها بأنها سلام؛ لكثرة مَن يسلم فيها من الشرور والآثام. قال أبو عثمان النهدي: كانوا يعظمون ثلاث عشراتٍ: العشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأخير من رمضان، والعشر الأول من المحرم[4]. لذا؛ كان قتادة - رحمه الله - يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فإذا دخل رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا دخل العشر ختم في كل ليلة مرة. اقتدِ بحبيبك صلى الله عليه وسلم: عن عائشة رضي الله عنها، قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشرُ شدَّ مِئزره، وأحيا ليله، وأيقَظ أهله)[5]. وعن عطاءٍ، قال: دخلتُ أنا وعبيد بن عميرٍ على عائشة فقالت لعبيد بن عميرٍ: قد آن لك أن تزورنا، فقال: أقول يا أمَّه كما قال الأول: زُرْ غِبًّا، تَزْدَدْ حُبًّا، قال: فقالت: دعونا من رطانتكم هذه، قال ابن عميرٍ: أخبرينا بأعجب شيءٍ رأيتِه مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فسكتت، ثم قالت: لما كان ليلةٌ من الليالي، قال: ((يا عائشة، ذَرِيني أتعبَّد الليلة لربي))، قلت: والله إني لأحب قُربَك، وأحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل يبكي حتى بلَّ حجره، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته، قالت: ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، فجاء بلالٌ يؤذِنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، لمَ تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟! قال: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا، لقد نزلت عليَّ الليلة آيةٌ ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [آل عمران: 190]"[6]. فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يترك الفراش ليقيم الليل، ويصف قدميه بين يدي ربه؛ حتى يحقق منزلة الشكر، فهل أنت مستعد لتشد مئزرك، ولتحيي ليلك، ولتوقظ أهلك؟! كان أبو مسلم الخولاني قد علق سوطًا في مسجد بيته يخوف به نفسه، وكان يقول لنفسه: قومي؛ فوالله لأزحفن بك زحفًا حتى يكون الكلل منك لا مني، فإذا دخلت الفترة تناول سوطه وضرب به ساقه، ويقول: أنت أولى بالضرب من دابتي، وكان يقول: أيظن أصحاب محمد أن يستأثروا به دوننا، كلا، والله لنزاحمنَّهم عليه زحامًا؛ حتى يعلموا أنهم قد خلفوا وراءهم رجالًا[7]. يارجالَ الليلِ، جدوا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif رُبَّ صوتٍ لا يُرَدُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لا يقوم الليلَ إلا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مَن له عزمٌ وجِدُّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولحبِّ ثابتٍ البناني للصلاة وقيام الليل، كان يقول: "اللهم إن كنت أذنت لأحدٍ أن يصلي لك في قبره، فأْذِنْ لي أن أصلي في قبري"[8]. عن عبدالله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((عجِب ربنا تبارك وتعالى من رجلين: من رجلٍ ثار من لحافه وفراشه من بين حيه وأهله إلى صلاته، فيقول الله لملائكته: يا ملائكتي، انظروا إلى عبدي هذا، قام من بين فراشه ولحافه من بين حيه وأهله إلى صلاته، رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي، ورجلٍ غزا في سبيل الله ففر أصحابه، وعلم ما عليه في الفرار، وما له في الرجوع، فرجع حتى أهريق دمه، فيقول الله لملائكته: انظروا إلى عبدي هذا، رجع رغبةً فيما عندي، وشفقةً مما عندي))[9]. وصية عملية: إذا مضت عشرون من رمضان، فقد مضى الثلثان، وبقي الثلث، والثلث كبير وكثير؛ فاغتنِمِ الفرصةَ! ♦♦♦♦♦ السؤال الحادي والعشرون: زَيْدان، أحدهما: ذكر اسمه في القرآن، والآخر: جمَع القرآن، فمن هما؟ الجواب: أما الأول الذي ذكر اسمه في القرآن، فهو: زيد بن حارثة رضي الله عنه. والآخر الذي جمع القرآن، هو: زيد بن ثابت رضي الله عنه. ♦♦♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الجوار: إن الجارَ له حق على جاره، ومن حقوقه أن يحسن إليه، ويشاركه أفراحه وأحزانه، ويفتقده إذا غاب، ويجيبه إذا دعاه، والإحسان إلى الجار وصية من الله؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ [النساء: 36]، ومِن السعادة أن يكون الجار صالحًا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربعٌ من السعادة: المرأة الصالحة، والمسكن الواسع، والجار الصالح، والمركب الهنيء، وأربعٌ من الشقاوة: الجار السوء، والمرأة السوء، والمسكن الضيق، والمركب السوء))[10]. وللجوار آداب وأحكام، وهي: 1- أَحِبَّ لجارك ما تحب لنفسك: عن أنسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والذي نفسي بيده، لا يؤمن عبدٌ حتى يحب لجاره - أو قال: لأخيه - ما يحب لنفسه))[11]. عن عبدالله بن عمرٍو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خير الأصحاب عند الله خيرُهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره))[12]. وأراد جارٌ لأبي حمزة السكري أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ فقال: ألفين ثمن الدار، وألفين جوار أبي حمزة، قال: فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجَّه إلى جاره بأربعة آلاف، فقال: لا تَبِعْ دارَك[13]. 2- أحسِنْ إلى جارك: عن أبي شريحٍ الخزاعي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِرِ، فليُحسِنْ إلى جاره..))[14]. ومِن الإحسان: أن تسأَلَ عنه إذا غاب، وإذا مرِض فعُدْه، وإذا مات فاتبَعْه، وأن تتعهده بالطعام والشراب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا طبخ أحدكم قِدرًا، فليُكثِرْ مرَقَها، ثم ليناول جاره منها))[15]. ومِن الإحسان: أن تعود عليه إن كان فقيرًا بالطعام والغذاء؛ عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس المؤمن الذي يشبَعُ وجاره جائعٌ إلى جنبِه))[16]. ومن الإحسان: أن تعرض عليه المال إن كان في ضائقة مالية، أو يجهز ابنته، وشعرت بأنه في حاجة لمساعدة، فإن كان في استطاعتك فبادر بالخير، فإن كان من أهل الصدقة، فهو مِن أَوْلى الناس بها. وأن تشاركه آلامه وآماله؛ ففي حُزنه واسِه، وشد مِن أَزْره، وفي فرحه هنِّئْه، وساعده على إتمام فرحته. والإحسان إلى جيراننا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكما جاء عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلِّم مَن يعمل بهن؟!))، فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعد خمسًا، وقال: ((اتق المحارم تكن أعبدَ الناس، وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسِنْ إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا، ولا تُكثِر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب))[17]. 3- لا تؤذِ جارَك: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخِر، فلا يؤذِ جاره...))[18]. إن إيذاء الجار قد يكون سببًا في دخول النار، أو سببًا في دخول الجنة، فأيها الجار،أيَّهما تختار؟! عن أبي هريرة، قال: قال رجلٌ: يا رسول الله، إن فلانةَ يذكر من كثرة صلاتها، وصيامها، وصدقتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((هي في النار))، قال: يا رسول الله، فإن فلانةَ يذكر من قلة صيامها، وصدقتها، وصلاتها، وإنها تصدق بالأثوار من الأقط، ولا تؤذي جيرانها بلسانها، قال: ((هي في الجنة))[19]. ومِن الأذى: إزعاجه بالأصوات العالية الصاخبة، وإلقاء القمامة أمام بيته، ومن الأدب الجميل: أن يكف الجار أذاه عن جاره، وأن يحتمل أذى جاره؛ فقد يبيع الجار داره لِما يتعرض له: يلومونني أن بِعْت بالرُّخْص منزلي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولم يعلَموا جارًا هناك يُنغِّصُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فقلتُ لهم: كفُّوا الملامَ فإنما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بجيرانها تَغْلو الديارُ وترخُصُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أرشد النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه إلى سلوك يفعله إذا آذاه جارُه، حين جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه جارًا له، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مراتٍ: ((اصبِرْ))، ثم قال له في الرابعة - أو الثالثة -: ((اطرح متاعك في الطريق))، قال: فجعل الناس يمرون عليه فيقولون: ما لك؟ قال: آذاه جاره، فجعلوا يقولون: لعنه الله، فجاء جاره، فقال: ترُدُّ متاعك ولا أوذيك أبدًا"[20]. 4- اعرِضْ عليه بيتَك إذا أردتَ بيعه: عن ابن عباسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن كانت له أرضٌ فأراد بيعها، فليعرضها على جاره))[21]. فإذا أراد الجار أن يغير بيته، وينتقل إلى بيت آخر، فليعرضه على جاره قبل أن يعرضه على غيره؛ فقد تكون لديه استطاعة للشراء، أو يأتي بأحدٍ يعرفه ليشتريه؛ حرصًا منه ألا يشتري أحدٌ لا يعرفه، فتكون العداوات والخصومات. جاء في الإحياء: أن ابن المقفع بلغه أن جارًا له يبيع داره في دَيْنٍ ركبه، وكان يجلس في ظل داره، فقال: ما قمتُ إذًا بحرمة ظل داره إن باعها معدمًا، فدفع إليه ثمن الدار وقال: لا تَبِعْها. وقديمًا قالوا: (الجار قبل الدار)، وآسية امرأة فرعون، عندما سألت ربها، سألته الجار قبل الدار، فقالت: ﴿ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ﴾ [التحريم: 11]. 5- انصَحْ جارك: النصيحة من حقوق المسلمين، وهي في حق الجيران أكيدة وعظيمة، فمِن حق جارك عليك أن تقدم له النصيحة، ولا تبخل بها عليه، وأن تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وأن تأخذ بيده إلى الخير. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مِن حق الجار أن تبسط إليه معروفك، وتكف عنه آذاك. يقال: إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة، فيقول: يا رب، سَلْ هذا: لِمَ منَعني معروفه، وسَدَّ بابه دوني؟! 6- راعِ حرمة الجوار: فلا يطلق الجار عينه على نساء جيرانه، فليس من المروءة أن تنظر إلى نساء جيرانك، لكن غُضَّ بصرك عنهن؛ فمن أخلاق الجاهلية أنهم كانوا يحافظون على أعراض الجيران؛ يقول عنترة: وأغُضُّ طَرْفي إن بَدَتْ لي جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها عن عبدالله، قال: سألتُ النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: ((أن تجعل لله ندًّا وهو خلَقك))،قلت: إن ذلك لعظيمٌ، قلت: ثم أي؟ قال: ((وأن تقتل ولدك تخاف أن يطعَمَ معك))،قلت: ثم أي؟ قال: ((أن تزانيَ حليلةَ جارك))[22]..فوجب على الجار أن يحفظ جاره؛ في عِرضه، ونَفْسه، وأهله، وأولاده، وماله. تمت آداب الجوار، بحمد الله وتوفيقه وعونه ♦♦♦♦♦ درس الفقه: 1- حُكم التهنئة بدخول رمضان: لا حرجَ بالتهنئة بدخول رمضان، بل هي مشروعة ومستحبة؛ قال ربنا: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]، وفيها تعبير عن مظهر من مظاهر فرحة المسلمين بقدوم مناسبة جديدة، وشهر فضيل، قال ابن حجر: "ويحتج لعموم التهنئة لِما يحدُثُ من نعمةٍ أو يندفع من نقمةٍ بمشروعية سجود الشكر والتعزية، وبما في الصحيحين عن كعب بن مالكٍ في قصة توبته لما تخلَّف عن غزوة تبوك: أنه لما بُشِّر بقَبول توبته ومضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه طلحة بن عبيدالله فهنأه"[23]... فلا مانع شرعًا من التهنئة بقدوم رمضان أو دخول العيد، وكل مناسبة دينية، ثم يجاب المهنئ بأحسنَ منها، أو يُرَدُّ عليه بمثلها. 2- هل يجوز إفطار صائم من كفارة اليمين؟ إذا لزم المسلمَ كفارةُ يمين، فلا بأس أن يخرجها إطعامًا للصائمين، بشرط أن يراعى فيه الفقير والمسكين؛ كما نصت الآية: ﴿ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ ﴾ [المائدة: 89]. 3- إذا كانت الشياطين مسلسلةً ومقيدةً في رمضان، فكيف تكون المعاصي؟ جاء في الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب جهنم، وسُلْسِلت الشياطين))، فكيف نجمع بين تسلسل الشياطين وبين ما يصدر من بعض المذنبين؟! يوضح الإمام القرطبي، فيقول: "فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا؟! فلو صفدت الشياطين لم يقع ذلك، فالجواب: أنها إنما تقل عن الصائمين الصومَ الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين، وهم المردة، لا كلهم، أو المقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره؛ إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم ألا يقَعَ شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين؛ كالنفوس الخبيثة، والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية"[24]. إذًا.. فلا تعارض بين تصفيد الشياطين ووقوع المعاصي، لكن عملها في رمضان يكون أقل من غيره. والله أعلم. ♦♦♦♦♦ نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان دار الصفوة بالقاهرة [1] من كتاب التبصرة، لابن الجوزي، ج2/ ص91، المجلس الثامن، في ذكر العشر وليلة القدر، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط1/ 1406 هـ = 1986 م. [2] البخاري (37)، مسلم (759). [3] البخاري (1901). [4] التبصرة، لابن الجوزي، (ج2، ص124). [5] البخاري (2024). [6] صحيح ابن حبان (620)، وقال الأناؤوط: إسناده صحيح. [7] الإحياء (ج4، ص411). [8] الإحياء (ج4، ص409). [9] مسند أبي يعلى (5361)، وإسناده صحيح. [10] ابن حبان (4032)، وصححه الأرناؤوط. [11] مسلم (45). [12] ابن حبان (518)، وصححه الأرناؤوط. [13] سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، (ج7، ص69)، دار الحديث - القاهرة، 1427ه = 2006م. [14] مسلم (48). [15] المعجم الأوسط للطبراني (3591)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (676). [16] مسند أبي يعلى (2699)، ومستدرك الحاكم (2166) عن عائشة، وإسناده حسن. [17] مسند أحمد (8095)، الترمذي (2305)، وحسنه الألباني. [18] البخاري (6018). [19] مسند أحمد (9675)، وابن حبان (5764)، وإسناده حسن. [20] مسند أبي يعلى (6630)، وابن حبان (520)، وإسناده حسن. [21] ابن ماجه (2493)، والمعجم الكبير للطبراني (11780)، وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره. [22] البخاري (4477)، مسلم (86). [23] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، (ج1، ص569). [24] فتح الباري ج4، ص114. |
رد: دروس رمضانية
أنفق ينفق عليك (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله مجزل العطايا ومسبل النعم، رافع البلايا ودافع النقم، يعلم الخفايا ويرى ما في الظُّلَم، نحمده تعالى ونشكره خلقنا من العدم، وأمدنا بالنعم، وبعد: فإن الإنفاق قربةٌ إلى الله، وظلةٌ للعباد يوم العرض على الله؛ فالمؤمن ينفق ويجود، ويعطي فيفوز، وهو الذي يثق فيما عند الكريم؛ فقد قال: ï´؟ مَا عِنْدَكُمْ يَï»؟نْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ï´¾ [النحل: 96]. إن الكريم صفة من صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، كما أن الجود والكرم من صفات سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكان في رمضان أجود من غيره، فكما جاء عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجودُ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلةٍ في رمضان، حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام، كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة)[1]. والمؤمن يتأدب بأدب الله، ويسلك مسلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فينفق حتى لا يكون ممن يبخل، ويجود فلا ينتظر من يسأل، ويعطي عطاء الواثق الجزل. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أجود الناس، ما حرَم أحدًا، ولا قال لأحد: لا. ما قال: "لا" قطُّ إلا في تشهُّده ♦♦♦ لولا التشهُّدُ كانت لاءَه نَعَمُ فكان صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وهذا وصف المتصدق عليهم، فقالوا: "ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلِموا؛ فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة"[2]. وعن سهل بن سعدٍ رضي الله عنه، قال: جاءت امرأةٌ ببردةٍ، قال: أتدرون ما البردة؟ فقيل له: نعم، هي الشملة منسوجٌ في حاشيتها، قالت: يا رسول الله، إني نسجتُ هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها إزاره، فقال رجلٌ من القوم: يا رسول الله، اكسنيها،فقال: ((نعم))،فجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المجلس، ثم رجع، فطواها، ثم أرسل بها إليه، فقال له القوم: ما أحسنت، سألتها إياه، لقد علمت أنه لا يرد سائلًا، فقال الرجل: والله ما سألته إلا لتكون كفني يوم أموت، قال سهلٌ: فكانت كفَنَه[3]. إن البخل ليس من صفات المؤمن؛ فهو صفة من صفات المنافقين؛ قال تعالى: ï´؟ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ï´¾ [التوبة: 67]. وقد يكون مِن صفات اليهود؛ قال تعالى: ï´؟ الَّذِينَï»؟ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ï´¾ [النساء: 37]. عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((السخيُّ قريبٌ من الله، قريبٌ من الجنة، قريبٌ من الناس، بعيدٌ من النار، والبخيل بعيدٌ من الله، بعيدٌ من الجنة، بعيدٌ من الناس، قريبٌ من النار، والجاهل السخي أحب إلى الله عز وجل من عابدٍ بخيلٍ))[4]، فربُّك يحب كل سخيٍ كريم جَوَاد منفق، وهو قريبٌ من الجنة وبعيد من النار، ويكره كل بخيل شحيح ممسك، وهو بعيد عن الجنة وقريب من النار. ويُظهِر عيبَ المرء في الناس بُخلُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ويستُرُه عنهم جميعًا سَخاؤُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تَغَطَّ بأثواب السَّخاء فإنني https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أرى كلَّ عيبٍ والسخاء غِطاؤُه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يقول بعض السلف: "الصلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصيام يوصله إلى باب الملك، والصدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك". يقول عبيد بن عمير: "يحشر الناس يوم القيامة أجوع ما كانوا قط، وأعطش ما كانوا قط، وأعرى ما كانوا قط، فمَن أطعم لله أشبعه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن كسا لله كساه الله". يحكى أن بعض الشعراء امتدح ملكًا جَوَادًا فأعطاه جائزة سنية، فخرج بها من عنده ووزعها على الناس، وأنشد يقول: لَمَسْتُ بكفِّي كفَّه أبتغي الغِنى ♦♦♦ ولم أَدْرِ أن الجودَ مِن كفِّه يُعْدي فبلغ ذلك الملك فأضعف له الجائزة. وقال ابن عبدالبر: "كان عبدالله بن جعفر كريمًا، جَوَادًا ظريفًا، خليقًا عفيفًا سخيًّا، يسمى بحر الجود، ويقال: إنه لم يكن في الإسلام أسخى منه، ولم يكن مسلم يبلغ مبلغه في الجود، وعوتب في ذلك، فقال: إن الله عودني عادة، وعودت الناس عادة، فأخاف إن قطعتها قُطعت عني"[5]، وقال المدائني: "أول مَن سنَّ القِرى إبراهيم الخليل عليه السلام،وأول من هشَم الثريد هاشمٌ،وأول من فطَّر جيرانه على طعامه في الإسلام عبيدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما، وهو أول من وضع موائده على الطريق، وكان إذا خرج من بيته طعامٌ لا يعاود منه شيءٌ، فإن لم يجد من يأكله تركه على الطريق"[6]. أخي الصائم، إذا أردت أن يظلك شيء يوم القيامة، يوم تدنو الشمس من رؤوس الخلائق، فعليك بالصدقة؛ فإنها تُظِلُّ صاحبها؛ عن عقبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرجل في ظل صدقته حتى يقضى بين الناسِ))[7]. تذكر إخوانك من الفقراء والمساكين الصائمين؛ فأطعِمِ الجائع، وأسعد البائس، وواسِ اليتيم، وابذل للأرامل والمحتاجين، وكن أبًا لهم، ورحيمًا بهم، وعطوفًا عليهم. فلا تغرنك الدنيا، ولا تشغلك الأموال، فرعون: الذي تولى أكبر المناصب، كيف كانت نهايته؟! يُعرَض على النار غدوًّا وعشيًّا، وأمية بن خلف: الذي كان يكسر ماله بالفؤوس من الذهب والفضة، أين مصيره؟! فليس لك من مالك إلا ما تصدقتَ به، ونفعت به الناس، وأطعمتَ الجائعين، وأفطرت الصائمين، وواسيتَ المحتاجين؛ فأنفِقْ في رمضانَ لتكون من المحسنين. وصية عملية: كُنْ ممن يُنفِق فيُخلَف عليه، ولا تكُنْ ممن يُمسِك فيُتلَف له. ♦♦♦ السؤال العشرون: اذكُرْ أسماءَ الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه عليهم السلام: الجواب: خمسة كتب، هي: نزلت الصحف على سيدنا إبراهيم عليه السلام، والزَّبُور على سيدنا داود عليه السلام، والتوراة على سيدنا موسى عليه السلام، والإنجيل على سيدنا عيسى عليه السلام، والقرآن الكريم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الصدقة: إن الصدقة من الأعمال التي يحبها الله عز وجل، ويحبها رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لذا فعلى المؤمن أن يفعل ما يحبه الله ورسوله، ممتثلًا في ذلك الآداب والفضائل، ومنها: 1- إخلاص النية: فهي شرط وأساس لقبول أي عمل، ولا ننسَ أن أول حديث في صحيح البخاري عن النية، وهو حديث عمر: ((إنما الأعمال بالنيات))، وقال عنه الإمام الشافعي: هذا الحديث ثلث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من الفقه، ويشير الحديث إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل ومردود على صاحبه. فالمتصدق وجب عليه أن يستحضر نيته قبل أن يتصدق، فلا يتصدق مباهاة، أو مفاخرة، أو ليقول الناس: إنه كريم وجَوَاد، وإنما يتصدق لله. 2- إخراج الزكاة الواجبة قبل النافلة: فإن وجبَتِ الزكاة في ماله، وجب عليه أن يخرج الزكاة الواجبة أولًا قبل النافلة - الصدقة - والمسارعة إلى ذلك؛ فالواجبة ركن من أركان الإسلام الخمسة، ولا يصح أن يقدِّم النافلة على الفريضة، وكما جاء في الحديث القدسي: ((وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضتُ عليه...))[8]. ونقل ابن حجر عن ابن بطال قوله: "إن الخير ينبغي أن يبادر به؛ فإن الآفات تعرض، والموانع تمنع، والموت لا يؤمن، والتسويف غير محمود، زاد غيرُه: وهو أخلَص للذِّمة، وأنفى للحاجة، وأبعد من المطل المذموم، وأرضى للربِّ، وأمحى للذَّنْب"[9]. 3- أن تكون الصدقة مِن حلال: فالحلال شرط في قبول الصدقة؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا الطيب؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أيها الناس، إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ï´¾ [المؤمنون: 51]، وقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَï»؟ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ï´¾ [البقرة: 172]..."[10]. 4- تحري المستحقين للصدقة: قال حجة الإسلام - الغزالي -: "أن يطلب لصدقته مَن تزكو به الصدقة"، فحريٌّ به أن يتحرى الفقراء، والمساكين، والمرضى، والمحتاجين، والأيتام، والأرامل، والغارمين، وقد ذكر الله المستحقين للزكاة، فقال: ï´؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ ï´¾ [التوبة: 60]. 5- عدم المنِّ على المتصدَّق عليه: فليس مِن أخلاق المتصدِّق أن يمُنَّ على مَن تصدق عليه، فإن فعل فقد أبطَل صدقته، وأذهب نفقته؛ قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى ï´¾ [البقرة: 264]؛ عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة: المنَّان الذي لا يعطي شيئًا إلا مَنَّه، والمُنفِّق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبِل إزاره))[11]. وليحذَرِ الرجوع في صدقته؛ فإن هذا ليس من فعل الكرام؛ عن ابن عباسٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مثل الذي يرجع في صدقته، كمثل الكلب يقيء، ثم يعود في قيئه فيأكله))[12]. 6- إخفاء الصدقة: كلما كانت الصدقة سرًّا، كان ثوابها أعظمَ أجرًا؛ قال تعالى: ï´؟ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ï´¾ [البقرة: 271]. ومِن السبعة الذين يظلهم الله في ظله: ((... ورجلٌ تصدق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تعلم شِمالُه ما تنفق يمينه...))[13]. وعلة الإخفاء: التخلص من الرياء والسمعة؛ يقول الغزالي: "بالَغَ في فضل الإخفاء جماعةٌ، حتى اجتهدوا ألا يعرف القابض المعطي، فكان بعضهم يلقيه في يد أعمى، وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي، وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم، وبعضهم كان يوصل إلى يد الفقير على يد غيره، بحيث لا يعرف المعطي، وكان يستكتم المتوسط شأنه، ويوصيه بألا يفشيه"[14]، وكان أهل المدينة يقولون: (ما فقدنا صدقة السر حتى مات عليُّ بن الحسين)[15]. 7- الصدقة ولو بالقليل: قال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ï´¾ [التوبة: 79]، وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال: ((جهد المقل، وابدَأْ بمن تعول))[16]. فلا تحتقر المعروف مهما قل، ولا تستصغر الصدقة مهما صغرت، فرُبَّ درهمٍ سبق ألف درهم، ورُبَّ جنيهٍ واحد كان سببًا في دخولك الجنة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اتقوا النار ولو بشق تمرةٍ، فمن لم يجد فبكلمةٍ طيبةٍ))[17]. جاء في الإحياء أن ابن مسعود قال: إن رجلًا عبَدَ الله سبعين سنة، ثم أصاب فاحشة، فأحبط عمله، ثم مر بمسكين فتصدق عليه برغيف، فغفر الله له ذنبه، وردَّ عليه عمل السبعين سنة. 8- التصدُّق مما تحب: فلو كنت تحب المال، فتصدق بالمال، ولو كنت محبًّا للتمر فتصدق به؛ قال تعالى: ï´؟ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ï´¾ [آل عمران: 92]. كان عبدالله بن عمر يتصدق بالسكَّر، ويقول: سمعت الله يقول: ï´؟ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ï´¾ [آل عمران: 92]، والله يعلم أني أحب السُّكَّر. وذكر الغزالي عن مجاهد في قول الله عز وجل: ï´؟ وَيُطْعِمُï»؟ونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ï´¾ [الإنسان: 8]، فقال: وهم يشتهونه. 9- الاهتمام بالأرحام والقرابة: عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح))[18]... والكاشح: المضمر العداوة في باطنه، وعن سلمان بن عامرٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الصدقة على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرحم اثنتان؛ صدقةٌ وصِلةٌ))[19]. ذكر الإمام الغزالي من صفات المتصدق عليه: أن تبحث عن ذوي الأرحام والأقاب، فقال: "أن يكون من الأقارب وذوي الأرحام فتكون صدقةً وصلة رحمٍ، وفي صلة الرحم من الثواب ما لا يحصى، قال علي رضي الله عنه: لأن أصل أخًا من إخواني بدرهمٍ أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهمًا، ولأَنْ أصِلَه بعشرين درهمًا أحب إلي من أن أتصدق بمائة درهمٍ، ولأن أصله بمائة درهم أحب إلي من أن أعتق رقبة"[20]. ♦♦♦ درس الفقه: 1- حُكم من يصوم ولا يصلي: يجب أن نعلم أن الصلاة ليست شرطًا في صحة الصوم، وعليه فمن صام من غير صلاة، فصيامه صحيح، لكنه يأثم؛ لارتكابه كبيرة من الكبائر، وهي ترك الصلاة. ومن الناحية العملية: لو أننا قلنا لتارك الصلاة: صومك غير صحيح، ولا فائدة من صيامك بغير صلاة، فلربما ترك الصيام، فلا صام ولا صلى، لكن عندما يصوم ربما يدفعه إلى الصلاة، وكما قالوا: "ما لا يدرك كله، لا يترك كله". 2- حُكم وضع النقط في الأنف والأذن: أولًا: النقط في الأنف: إذا لم يتجاوز الخيشوم فلا ضرر، "وإن وصل إلى الدماغ أفطر بلا خلاف"[21]. ثانيًا: النقط في الأذن: قالوا: "والتقطير في باطن الأذن مفطرٌ، وإن لم يصل إلى الدماغ مفطرٌ في الأصح، قال في شرح البهجة: لأنه نافذٌ إلى داخل قحف الرأس وهو جوفٌ"[22]. 3- حكم استعمال الحقن الوريدية أو في العضل للعلاج أو للتقوية: الراجح من أقوال العلماء أن الحقن الوريدية أو العضلية، لا تبطل الصيام، فالعبرة بالمفطر ما دخل من طريق معتاد كالجوف، والحقن لا تصل إلى الجوف، ما لم تكن حقن جلوكوز مغذية. 4- حكم استعمال الحقن الشرجية: يرى الجمهور أنها تفسد الصوم؛ لأن بها سائلًا يصل إلى الجوف، والماليكة يرون أنها لا تفطر، ولهم رأي يقولون فيه بالكراهة مع استحباب القضاء. وعليه: فالأولى أن يقضي خروجًا من الخلاف على رأي الجمهور. 5- حكم استعمال معجون الأسنان: استعمال السواك للصائم جائز، ويكره بعد الزوال - بعد الظهر - عند الإمام الشافعي، ويقاس عليه استعمال المعجون، مع مضمضة الفم جيدًا بعد استعماله، حتى لا يذهب أثره إلى الحلق. والله أعلم. يراجع كتاب: نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة. [1] البخاري (1902)، مسلم (2308). [2] مسلم (2312). [3] البخاري (2093). [4] الترمذي (1961)، وقال: حديث غريب. [5] الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبدالبر، (ج3، ص882)، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط1/ 412هـ = 1992 م. [6] غذاء الألباب شرح منظومة الآداب، للسفاريني (ج2، ص150). [7] مسند أحمد (17333)، وأبي يعلى (1766)، وإسناده صحيح. [8] البخاري (6502). [9] فتح الباري (ج3، ص299). [10]مسلم (1015). [11] مسلم (106). [12] مسلم (1622). [13] البخاري (1423)، مسلم (1031). [14] الإحياء (ج1، ص215). [15] حلية الأولياء (ج3، ص136). [16] صحيح ابن حبان (3346). [17] البخاري (6563)، مسلم (1016). [18] مسند أحمد (23530)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. [19] الترمذي (658)، وحسنه، والنسائي (2582)، وابن ماجه (1844). [20] الإحياء (ج1، ص220). [21] المجموع شرح المهذب، للإمام النووي، (ج6، ص313). [22] انظر: مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، للخطيب الشربيني، (ج2، ص156)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، لشهاب الدين الرملي، (ج3، 167)، دار الفكر - بيروت، تاريخ الطبعة: 1404هـ = 1984م. |
رد: دروس رمضانية
إيجابية الصائم (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله ذي العرش المجيد، والبطش الشديد، الفعال لما يريد، المنتقم ممن عصاه بنار تلظى بدوام الوقيد، المكرم سبحانه وتعالى لمن أطاعة واتقاه بجنات لا ينفَد نعيمها ولا يغيب، فسبحان الذي قسم خلقه قسمين وجعلهم فريقين فمنهم شقي وسعيد، من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلامٍ للعبيد، أما بعد: فإن مِن صفات المؤمن أن يكون إيجابيًّا، لا سلبيًّا؛ فالمؤمن يتجاوب ويتفاعل ويتعاون ويغير ويجدد ويفكر ويؤثر ويخطط ويعطي ويترك بصمة، ويحول الحُلم إلى واقع وحقيقة، وليس المؤمن بالسلبي المنعزل المنكمش المتطفل المتقوقع الكسول؛ لذا كان من المناسب أن نتحدث عن الصائم الإيجابي؛ لأن الصوم دعوة للإيجابية ومحاربة السلبية. الإيجابية في القرآن والسنَّة: إن الآية التي تُعَدُّ عنوانًا للإيجابية، هي قوله تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ï´¾ [الأنفال: 24]. كما أن الإيجابية طريق الجنة؛ قال ربنا: ï´؟ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ï´¾ [الرعد: 18]. وفي عدم الإيجابية - السلبية: ضد الإيجابية - اتباعٌ للهوى؛ قال ربنا: ï´؟ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ï´¾ [القصص: 50]. وقد رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معالم الإيجابية في حديث جامع ومانع ونافع وشامل، فقال: ((مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قومٍ استهموا على سفينةٍ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقَوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجَوا، ونجَوا جميعًا))[1]. وفيه بيان أهمية ومكانة المسؤولية الاجتماعية، وضرورة التعاون من الجميع، والتجاوب من الكل، الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والشباب والفتيات، والغني والفقير؛ لنجاة المجتمع والأمة، ولنحذر كل الحذر مِن السلبية، فتكون النتيجة أن يغرق المجتمع، وتهلِكَ الأمة. ويأتي حديث آخر ليؤكد على تحقيق الإيجابية حتى آخر لحظة في حياتك؛ عن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلةٌ، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليفعَل))[2]. فلا تكن سلبيًّا، وتقل: سأفعل لمن؟ بل الإيجابية تفرض عليك أن تفعل الخير ليستفيدَ منه الغير؛ فالإيجابي هو الذي يظهر أثره، وإن لم يظهر شخصُه. نماذج الإيجابيين: النموذج الأول: مؤمن آل فرعون: قال تعالى: ï´؟ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ï´¾ [غافر: 28]. إن السياق القرآني ما زاد على وصفه بأنه مؤمن من آل فرعون، وإنما قال عنه: رجل مؤمن، قام بمواقف رجولية إيجابية، وكأن الذي يقوم بالمواقف الإيجابية يوصف بالرجولة، فكم من ذكورة لكن يندر فيها الرجولة، فهذا الرجل المؤمن تحرك بعمق إيمانه، وإيجابية رجولته، وهمة رسالته، وحرصه على أمته. وفي وصف آخرَ، يقول ربنا: ï´؟ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ï´¾ [القصص: 20]. يأتي الوصف المشترك بين الآيتين على أنه رجل، ثم زادت الآية الثانية أنه جاء من أقصى المدينة، وكانت عادة الأزمنة السابقة أنه لا يسكن أقصا المدينة إلا بسطاء الناس وضعفاؤهم، ثم قال: ï´؟ يَسْعَى ï´¾، ولم يقل: يمشي؛ لأن الإيجابي يسعى ويسارع، ولا يفتُرُ ويتكاسَل. وفي دِيننا عبادة السعي بين الصفا والمروة، التي تؤدى في الحج والعمرة، وأصلها: إيجابية السيدة هاجر وسعيها بحثًا عن الماء لرضيعها إسماعيل، كما أن الله طلب منا أن نسعى في طاعته ونبادر إلى عبادته، فقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ï´¾ [الجمعة: 9]. النموذج الثاني: إيجابية الهدهد: لقد تحدَّث القرآن الكريم عن الهدهد في سورة النمل؛ يقول ربنا: ï´؟ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ * أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ï´¾ [النمل: 20 - 25]. امتاز هذا الطائرُ الصغير - الهدهد - بالإيجابية العالية، فكانت لديه تضحية وصبر وتطلع إلى التغيير، وغَيرة على الإسلام، فاستعمل خبرته وبذل جهده وقدرته، فقطع المسافة من فلسطين حيث مُلك نبي الله سليمان، إلى اليمن حيث مملكة سبأ، وعبادة غير الله، وتقدر هذه المسافة بـ: 1800 كم ذهابًا، ومثلها إيابًا. وكانت النتيجة: أن أسلمت مملكة سبأ كلها، بإيجابية طائر الهدهد. النموذج الثالث: إيجابية الصِّدِّيق رضي الله عنه: عن أبي الدرداء قال: رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أمشي أمام أبي بكرٍ فقال: ((يا أبا الدرداء، أتمشي أمام من هو خيرٌ منك في الدنيا والآخرة؟ ما طلعت الشمس ولا غرَبت على أحدٍ بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكرٍ))[3]. إنه الأول في الإسلام، والأول بعد رسول الإسلام، وأول الخلفاء، وأول من جمع القرآن، أول من يدخل الجنة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأول في الصدقة، والأول في الجهاد، والأول في المسارعة إلى الخيرات، والأول في الهمة العالية، فهو إيجابي من الدرجة الأولى. مَن لي بمثلِ سيرك المُدلَّل ♦♦♦ تمشي رويدًا وتجي في الأوَّلِ مِن مظاهر إيجابيته: إن حياة أبي بكر رضي الله عنه كلها إيجابية، فما عرفت السلبية طريقًا إلى حياته، فبمجرد أن أسلم حمل همَّ الدعوة، وأخذ ينطق وينطلق بها في الناس، وفي أول تحركه أسلم معه: عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثم الزبير بن العوام رضي الله عنه، وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وطلحة بن عبيدالله رضي الله عنه، وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه..وهؤلاء الخمسة كلهم من العشرة المبشرين للجنة..ولا شك أنهم في ميزان حسنات أبي بكر رضي الله عنه..كما أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قد فتح مصر،فكل مسلم في مصر في ميزان حسناته. ولم يتوقَّف أبو بكر رضي الله عنه عند هذا الحد؛ فالإيجابيون لا يعرفون الحد، ولا يتوقفون عند العد، فهم يحبون المد، إنهم في حركة دائبة، وهمة دائمة، والنفوس هائمة، والعيون غير نائمة، ازداد تحرك أبي بكر رضي الله عنه، فأسلم معه: أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه، وعثمان بن مظعون رضي الله عنه، والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنه، وأبو سلمة رضي الله عنه - زوج أم سلمة. الفرق بين الإيجابي والسلبي: كالفرق بين الصفر والواحد الصحيح، كالفرق بين الليل والنهار؛ قال تعالى: ï´؟ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ [النحل: 75]. مراتب الإيجابية: 1- الإيجابية السلبية: وهو الذييتأثر بقلبه، لكن لا يهتم بعمل ولا يسعى للتغيير. 2- الإيجابية المحفزة: كل إنسانلديه خير، لكن يحتاج لشخص آخر يحفزه، وأقرب مثال: مشورة أم سلمة في صلح الحديببة. 3- الإيجابية الذاتية: يقوم بواجبه دون مساعدة الآخرين، فهو يعرف الواجبات التي عليه، كموقف الحباب بن المنذر يوم بدر. 4- الإيجابية المحفزة: الشخص الذي يحفز الآخرين، ويحب الخير لهم، كالطُّفَيل بن عمرو الدوسي عندما أسلم. 5- الإيجابية العليا: يفعل البعض الدور الذي عليه، وقد يدعو إلى فعل شيء، فلا يقوم به مَن دعاهم، فيقوم بنفسه بما دعاهم إليه، كفعل الصحابية الجليلة أم عمارة يوم أحد، فالجهاد والدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من مهام الرجال، لكن لما فروا ثبتت وظلت تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.[4] كيف تكون إيجابيًّا؟! 1. الاستعاذة من الكسل: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهَرَم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)). 2. التوكُّل على الله والثقة بالنفس: استعِنْ بالله ولا تعجِزْ؛ قال تعالى: ï´؟ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ï´¾ [آل عمران: 159]. 3. الأمل والتفاؤل: قل ولا تقل، قل: سأفعل، ولا تقل: لا أستطيع.. قل: سأنجح، ولا تقل: هذا فشل.. واحذَرِ التشاؤم؛ فليس مِن أخلاق المسلمين. 4. لا تُصاحِب السلبيين: ولا تجالس المحبطين، واحذَر المثبِّطين، الإيجابي: يحب العمل، والسلبي يركن إلى الكسل.. الإيجابي: يهتم بنفسه، والسلبي: ينشغل بعيوب غيره.. الإيجابي: يسعى للتغيير، والسلبي: يرضى باليسير.. الإيجابي: لديه طموحات وأهداف، والسلبي: لا يطمح لأي شيء.. الإيجابي: يسارع ويبادر، والسلبي: يتباطَأُ ويغادر.. الإيجابي: يسابق ليكون في المقدمة، والسلبي: لا يَشغَله وإن كان في المؤخرة. أعِدْ مِن مشرق التوحيد نورًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يتمُّ به اتحادُ العالَمينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأنت العطرُ في رَوْض المعالي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فكيف تظَلُّ محتَبَسًا دَفِينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأنت نسيمُه فاحمِلْ شذاه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا تحمِلْ غبارَ الخاملينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأرسِلْ شعلةَ الإيمانِ شمسًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وصُغْ مِن ذرةٍ جبلًا حصينا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكن في قمةِ الطوفان مَوْجًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ومُزْنًا يُمطِرُ الغيثَ الهَتُونا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وصية عملية: إذا كان أبو بكر قد تحرك وأتى بغير المسلمين، فهل تحركت لتأتي بمسلمين غير ملتزمين؟! ••• السؤال الثالث والعشرون: مَن هو ذو النورين، ومَن هو ذو النور؟ الجواب: ذو النورين: عثمان بن عفان رضي الله عنه. ذو النور: الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه. ••• خاطرة (بعد الفجر): آداب صلة الرحِم: جعَل الله صلة الأرحام من أجلِّ الأمور وأعظمها، وصلة الأرحام طريق إلى الجنان، وقطعها موصل إلى غضب الديان، فإياك ثم إياك أن تكون قاطعًا لرحمك، وهنيئًا ثم هنيئًا لك وصلُك، وتلك منزلة الأرحام عند من خلق الأنام؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله خلق الخَلْق، حتى إذا فرغ من خلقه، قالت الرحم: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضَيْنَ أن أصل مَن وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فهو لك))، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فاقرؤوا إن شئتم: ï´؟ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ï´¾ [محمد: 22]))[5]. وإليكم آدابَ وأحكام صلة الأرحام: 1- جدِّد النية واحتسب الأجر: فلو أن المسلم العاقل، فطن إلى ما أعده الله للواصلين، ما ترك الصلة أبدًا، فمن خلال البحث في سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم، وقفت على عدد من الأحاديث، لعلها تكون عدة دافعة للمقصرين في صلة الرحم، ومنها: صلة الرحم تزيد الرزق، وتطيل العمر: عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: ((مَن سرَّه أن يبسط له في رزقه، أو ينسأ له في أثره، فليصِلْ رحِمَه))[6]. والسؤال هنا: كيف تكون الزيادة في الرزق والتأخير في العمر؟! يجيب عنها الإمام النووي، فيقول: "وبسط الرزق توسيعه وكثرته، وقيل: البركة فيه، وأما التأخير في الأجل: ففيه سؤال مشهور، وهو أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تزيد ولا تنقص؛ ï´؟ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ï´¾ [الأعراف: 34]، وأجاب العلماء بأجوبة، الصحيح منها: أن هذه الزيادة بالبركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك، والثاني: أنه بالنسبة إلى ما يظهر للملائكة وفي اللوح المحفوظ ونحو ذلك، فيظهر لهم في اللوح أن عمره ستون سنة، إلا أن يصل رحمه، فإن وصلها زِيدَ له أربعون، وقد علم الله سبحانه وتعالى ما سيقع له من ذلك، وهو مِن معنى قوله تعالى: ï´؟ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ï´¾ [الرعد: 39]، فيه النسبة إلى علم الله تعالى وما سبق به قدره، ولا زيادة، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهر للمخلوقين تتصور الزيادة، وهو مراد الحديث"[7]. سبب في دخول الجنة: عن عبدالله بن سلامٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعِموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيامٌ، تدخلوا الجنة بسلامٍ))[8]. تدفَع مِيتة السوء: عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن سرَّه أن يمد له في عمره، ويوسع له في رزقه، ويدفع عنه مِيتة السوء، فليتقِ الله وليصِلْ رحِمَه))[9]. سبب في قبول الأعمال: عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أعمال بني آدم تُعرَض كل خميسٍ ليلة الجمعة، فلا يُقبَل عملُ قاطعِ رحمٍ))[10]. مِن أحب الأعمال إلى الله: عن قتادة، عن رجلٍ من خثعم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في نفرٍ من أصحابه، قال: قلت: أنت الذي تزعم أنك رسول الله؟ قال: ((نعم))،قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: ((إيمانٌ بالله))،قال: قلت: يا رسول الله، ثم مَهْ؟ قال: ((ثم صلة الرحم))،قال: قلت: يا رسول الله، أي الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: ((الإشراك بالله))،قال: قلت: يا رسول الله، ثم مَهْ؟ قال: ((ثم قطيعة الرحم))،قال: قلت: يا رسول الله، ثم مَهْ؟ قال: ((ثم الأمر بالمنكَر، والنهي عن المعروف))[11]. وصية النبي صلى الله عليه وسلم: عن أبي ذر، قال: "أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بخصالٍ مِن الخير؛ أوصاني بألا أنظُرَ إلى مَن هو فوقي، وأن أنظر إلى من هو دوني، وأوصاني بحب المساكين والدنو منهم، وأوصاني أن أصل رحمي وإن أدبرت، وأوصاني ألا أخاف في الله لومة لائمٍ، وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرًّا، وأوصاني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها كنزٌ من كنوز الجنة"[12]. النجاة من عقوبة الدنيا والآخرة: عن أبي بكرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة مِن البَغْي وقطيعةِ الرَّحِم))[13]. وقال عمرو بن دينار: "ما مِن خطوة بعد الفريضة أعظم أجرًا من خطوة إلى ذي الرحم". 2- ابدَأْ بالأقرب فالأقرب: فلو نويتَ زيارة أقاربك وصلة أرحامك، فمن السنة أن تبدأ بالأقرب فالأقرب، فابدأ بالأبوين، ثم بأقاربهما، ثم إخوتك، ثم بالأعمام والعمات، والأخوال والخالات، ثم بأبنائهم، ثم الأقرب فالأقرب، ولا تنسَ أصدقاء أبيك؛ فهو مِن بر والدك، قال القاضي عياض: "ولا خلاف أن صلة الرحم واجبة على الجملة، وقطعها كبيرة، ولكن الصلة درجات، بعضها فوق بعض، وأدناها ترك المهاجرة، وصلتها ولو بالسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام، وهذا بحكم القدرة على الصلة وحاجتها إليها، فمنها ما يتعين ويلزم، ومنها ما يستحب ويرغب فيه، وليس من لم يبلغ أقصى الصلة يسمى قاطعًا، ولا من قصر عما ينبغي له ويقدِر عليه يسمَّى واصلًا"[14]. وعن أبي رمثة، قال: انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعته يقول: ((بَرَّ أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك))[15]، وسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، مَن أبَرُّ؟ قال: ((أمك))، قال: قلت: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: قلت: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: قلت: ثم من؟ قال: ((ثم أباك، ثم الأقرب فالأقرب))[16]. فأحسِنْ إلى أقاربك، وتواصل معهم قدر استطاعتك، وتفقد أحوالهم، وتصدق على فقيرهم، واهتم بكل ما يقوِّي العلاقات الأسرية. انتبه: لا تنس أن تصحب ولدك معك؛ حتى يتعرف على أقاربه، ويكون امتدادًا وخلفًا لك في الصلة. 3- معرفة الأنساب: فقد يهتم البعض بصلة مَن يعرفهم فقط، بل هذا فِعل الكثيرين، فيقوم بزياة أقرب الأقارب، ويترك غيرهم، ما دام أنه لا يعرفهم، ولعل من السنن المهجورة: أن تتعرَّف على أقارب لم تكن تعرفهم، فتتواصل معهم وتزورهم، فهذا من حقهم عليك، وقد أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: ((تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم؛ فإن صلةَ الرحم محبةٌ في الأهل، مثراةٌ في المال، منسأةٌ في الأثر))[17]. وهذا - بلا شك - يزيد العلاقات، وينمي الروابط، ويعمق روح التوادد والتراحم في مجتمعاتنا، كما أن فيه بسطةً وسَعة في الأرزاق والأموال، وبركة في الأعمار والآجال. 4- احذَرِ القطيعة: إن مفهوم الصلة هو أن تصِلَ مَن قطعك، أما إذا وصلت من وصلك، فأنت بذلك مكافئٌ لا واصل، والذي أرشدنا إلى ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن عبدالله بن عمرٍو، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها))[18]. وكيلا ينسى الإنسان؛ فعليه أن يحدد يومًا معلومًا أسبوعيًّا يزور فيه أقاربه، وإن عجز عن الذهاب بشخصه إليهم، فمن الوسائل ما يغني، بالمراسلة عبر الإنترنت، أو بالمكالمة الهاتفية. عن أبي هريرة: أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابةً أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: ((لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم ما دمتَ على ذلك))[19]. وحسبُك من ذلٍّ وسُوءِ صنيعةٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مناواةُ ذي القربى وإن قيل: قاطعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولكن أواسيه وأنسى عيوبه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لترجِعَه يومًا إليَّ الرواجعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولا يستوي في الحكمِ عبدانِ؛ واصلٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وعبدٌ لأرحام القرابة قاطعُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقد توعَّد اللهُ القاطعين لأرحامهم، فقال: ï´؟ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ï´¾ [محمد: 22، 23]، وقال: ï´؟ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ï´¾ [الرعد: 25]. فالعاقل العاقل هو الذي يبادر بصلة رحمه، وإن قطعت، ويدفع ما بينه وبين رحمه بالإحسان والقربى. وسائلُ مقترحةٌ في صلة الرحم: • تحديد يوم كل أسبوع أو أسبوعين، لمن هم في المكان القريب، أو يوم في الشهر لمن في المكان البعيد. • إعدادُ مسابقات وأسئلة عامة، ورصد هدايا وجوائز؛ لتحفيز وتشجيع الصبيان والأطفال. • الحرص على الحضور في الحالات الطارئة؛ كمناسبة حفل زواج، أو حفل تخرج، أو عملية جراحية، أو بناء بيت جديد، وأي مشكلة عارضة. • عمل دليل هاتفي للعائلة، يجمع أرقام تليفونات العائلة؛ ليسهل التواصل فيما بينهم. • الاهتمام بالأيتام والمعاقين، وكذا الأرامل والمطلقات؛ حتى لا يشعروا بعجزٍ أو نقص. • الأخذ في الاعتبار أن كل ما سبق يجب أن يراعى فيه الحشمة والوقار، وعدم الاختلاط، وتحريم المصافحة لغير المحارم. ••• درس الفقه: 1- أفطَر في بلد غير الذي صام فيه، ما الحكم؟ فلو أن مسلمًا بدأ صيامه - على سبيل المثال - في القاهرة، ثم غادرها فأفطر في الإسكندرية، أو وطن غير وطن، فاختلف التوقيت بين البلد الذي تسحر فيه، وبدأ فيه صومه، وبين البلد الذي سيفطر فيه، فالعلماء يقولون: صومه صحيح؛ فالعبرة بوقت ومكان الإفطار، لا بفرق التوقيت، كما أن الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. 2- هل هناك عدد معين لصلاة التراويح؟ فقد تجد بعض المساجد تصلي إحدى عشرة ركعة، وأخرى تصلي عشرين ركعة[20]، نحن أمام حديث عند البخاي، ونصه أن السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً، يصلي أربعًا، فلا تسَلْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسَلْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا)[21]. وعن ابن عمر: أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة الليل مَثْنى مَثْنى))[22]. فهذا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الإمام الترمذي في ذلك أن العلماء "اختلفوا في قيام رمضان، فرأى بعضهم: أن يصلي إحدى وأربعين ركعةً مع الوتر، وهو قول أهل المدينة، والعمل على هذا عندهم بالمدينة، وأكثر أهل العلم على ما روي عن عمر، وعلي، وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعةً، وهو قول الثوري، وابن المبارك، والشافعي"، وقال الشافعي: (وهكذا أدركت ببلدنا بمكة يصلون عشرين ركعةً)، وقال أحمد: (رُوي في هذا ألوانٌ، ولم يقض فيه بشيءٍ)"[23]. والحاصل: أنه ليس للتراويح عدد معين من الركعات، فلا ينكر على من صلى إحدى عشرة ركعة، أو من صلى عشرين ركعة، أو إحدى وأربعين، ويترك لأهل كل بلد أن يفعلوا ما يناسبهم؛ فالأمر واسع. 3- ما الحكم لو حاضت المرأة قبل المغرب؟ إذا نزل دم الحيض على المرأة قبل المغرب ولو بقليل، صارت مفطرة وفسد صومها، ووجب عليها القضاء. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] البخاري (2493) عن النعمان بن بشير. [2] أحمد (12981)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم. [3] فضائل الصحابة (135)، للإمام أحمد بن حنبل. [4] البخاري (6367)، مسلم (2706). [5] البخاري (5987)، مسلم (2554). [6] البخاري (2067). [7] شرح النووي على مسلم (ج16، ص114). [8] ابن ماجه (3251)، وأحمد (23784)، وصححه الأرناؤوط. [9] مسند أحمد (1212)، وصححه الشيخ/ أحمد شاكر. [10] أحمد (10272)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. [11] مسند أبي يعلى (6839)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (166). [12] صحيح ابن حبان (449)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح. [13] أبو داود (4902)، والترمذي (2511)، وابن ماجه (4211)، وقال الترمذي: هذا حديثٌ صحيحٌ. [14] شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض، (ج8، ص20)، تحقيق: الدكتور يحيى إسماعيل، دار الوفاء، مصر، ط 1/ 1419 هـ = 1998 م. [15] مستدرك الحاكم (7245). [16] أبو داود (5139)، والترمذي (1897)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ. [17] الترمذي (1979)، وأحمد (8868)، ومستدرك الحاكم (7248)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وصححه الذهبي. [18] البخاري (5991). [19] مسلم (2558). [20] عمِلت في ماليزيا عام 2010م وما بعده، وكنت إمامًا في التراويح، بعدد ثلاث وعشرين ركعة، مثنى مثنى، ثم نوتر بثلاث. [21] البخاري (1147). [22] البخاري (990) مسلم (749). [23] سنن الترمذي (ج3، ص160). |
رد: دروس رمضانية
أبواب الجنة (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله المتفضل بالجود والإحسان، والمنعِم على عباده بنعم لا يحصيها العد والحسبان، أنعم علينا بإنزال هذا القرآن، هدًى للناس وبينات من الهدى والفرقان، ونصر نبينا محمدًا صلى الله عليه وآله وأصحابه ببدر وسماه يوم الفرقان، وأعزه بفتح مكة أم القرى وتطهيرها من الأصنام والأوثان، وبعد: فإن رمضان طريق إلى الجنة، وبقدوم رمضان تفتح أبواب الجنة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة))[1]، وقد أُمرنا بالمسارعة إلى الجنة، والمسابقة إليها؛ قال ربنا: ï´؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ï´¾} [آل عمران: 133]، وقال تعالى: ï´؟ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ï´¾ [الحديد: 21]. وأخبَرنا القرآن الكريم أن للجنة أبوابًا؛ قال تعالى: ï´؟ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ï´¾ [الزمر: 73] ، كما أن للنار أبوابًا؛ قال تعالى: ï´؟ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ï´¾ [الزمر: 71]. وبين الآيتين لمسات ولمحات: أولها: ذكر في الأولى ï´؟ ربهم ï´¾، وهم الذين يساقون إلى الجنة ولقاء الله، ولم يذكرها في الثانية؛ حيث سوقهم إلى النار وعذاب الله، كما أن كلمة ï´؟ ربهم ï´¾ فيها تكريم ورحمة، فلا تأتي مع من يساقون إلى العذاب. ثانيها: جاءت الواو مع أهل الجنة، ولم تأتِ مع أهل النار، فإن أهل النار عند وصولهم إلى جهنم تكون موصدة ومغلقة، فتفتح أبوابها فجأة، فيأتيهم العذاب بغتة، أما أهل الجنة: فإنهم يجدون ريح الجنة على مسيرة خمسمائة عام، كما أن الأبواب مفتحة قبل وصولهم إليها. وهذا يُذكرنا بآيتين في القرآن؛ آية تؤكد أن أبواب الجنة مفتحة، فقال في سورة (ص): ï´؟ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ ï´¾ [ص: 50]، وآية تؤكد أن أبواب النار مغلقة وموصدة، ففي (الهمزة): ï´؟ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ï´¾ [الهمزة: 8، 9]. باب في الجنة خاص بأمة محمد صلى الله عليه وسلم: ولعل هذا من تكريم الله لأمة محمد، أن خصها بباب في الجنة، تدخل منه وحدها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((باب أمتي الذي يدخلون منه الجنةَ عرضه مسيرة الراكب المجود ثلاثًا، ثم إنهم ليضغطون عليه حتى تكاد مناكبهم تزول))[2]. وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتاني جبريل فأخذ بيدي فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي)) فقال أبو بكرٍ: يا رسول الله، وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أما إنك يا أبا بكرٍ أول من يدخل الجنة من أمتي))[3]؛ لذا قال ابن القيم: "ولهذه الأمة باب مختص بهم يدخلون منه دون سائر الأمم"[4]. وإذا كانت آيات القرآن وأحاديث النبي العدنان، تؤكد أن للجنة أبوابًا، فقد جاء في السنة أيضًا ما يبين عدد الأبواب، وأنها ثمانية؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ - الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبدُ الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء))[5]. عن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبدُ الله، وابن أَمَتِه، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، وأن الجنة حق، والنار حق - أدخله الله من أي أبواب الجنة الثمانية شاء))[6]. فما حقيقة تلك الأبواب الثمانية؟ منها أربعة ذكرت في حديث واحد؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((مَن أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خيرٌ، فمن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعِي من باب الريَّان، ومن كان من أهل الصدقة دُعِي من باب الصدقة))، فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورةٍ، فهل يدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟! قال: ((نعم، وأرجو أن تكونَ منهم))[7]. ففي هذا الحديث الشريف أربعة أبواب، وهي: باب للصلاة، وباب للجهاد، وباب للصيام، وباب للصدقة، يبقى أربعة أبواب، قال أحد العلماء: "وبقي من الأركان الحج فله باب بلا شك، وأما الثلاثة الأخرى،فمنها: باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس؛ رواه أحمد عن روح بن عبادة عن الأشعث عن الحسن مرسلًا: إن لله بابًا في الجنة لا يدخله إلا من عفا من مظلمة،ومنها: الباب الأيمن، وهو: باب المتوكلين، الذي يدخل منه مَن لا حساب عليه ولا عذاب. وأما الثالث فلعله باب الذِّكر؛ فإن عند الترمذي ما يومئ إليه، ويحتمل أن يكون باب العلم"[8]. وذكر القرطبي قائلًا: "قال القاضي عياض: ذكر مسلم في هذا الحديث من أبواب الجنة أربعة، وزاد غيره بقية الثمانية، فذكر منها: باب التوبة، وباب الكاظمين الغيظ، وباب الراضين، والباب الأيمن الذي يدخل منه مَن لا حساب عليه"[9]. الباب الخامس: الباب الأيمن، جاء في الحديث عن أبي هريرة، "يقال: يا محمد، أدخل الجنة مِن أمتك مَن لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة"[10]. الباب السادس: باب الوالد: عن أبي الدرداء، قال: "سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الوالد أوسط أبواب الجنة))؛ فأضِعْ ذلك الباب أو احفَظْه"[11]. الباب السابع: باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، أو باب الحج. الباب الثامن: باب الذِّكر، أو باب العلم أو الراضين أو التوبة. فتكون الأبواب الثمانية: (الأول): باب الصلاة، (الثاني): باب الجهاد، (الثالث): باب الصيام، (الرابع): باب الصدقة، (الخامس): الباب الأيمن، (السادس): باب الوالد، (السابع): باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس أو باب الحج، (الثامن): باب الذكر، أو باب العلم، أو باب الراضين، أو باب التوبة. وأود أن أضيف إلى ذاكرتك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا بالمسافة التي بين الأبواب، فقال: ((والذي نفس محمدٍ بيده، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر، أو كما بين مكة وبُصرى))[12]. وأعجبني تعليق لعالم الإعجاز العلمي - الدكتور عبدالمجيد الزنداني - على هذا الحديث، في محاضرة له بعنوان: (معجزة سعة باب الجنة)، فقال: "المصراعين"؛ أي: سعة باب الجنة، "ما بين مكة وهجر"، وهجر: قطر والبحرين الآن - شرق الجزيرة العربية - وبُصرى: تقع على الحدود الأردنية - شمال الجزيرة - والمسافة بينهما متساوية، وتقدر بـ: "1273 كم"...ومع كل هذه المسافة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وليأتين عليها يومٌ وهو كظيظٌ من الزحام))[13]. جاء عن أحد السلف، عندما قرأ قوله تعالى: ï´؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ï´¾ [آل عمران: 133] بكى، فقيل: قد أبكتك آية ما يُبكَى عند مثلها، إنها آية رحمة، فقال: وما ينفعني أو يغني عني عرضها إن لم يكن لي فيها موضع قدم. ثم اعلَمْ أن لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب، قال ابن القيم نقلًا عن عبدالله بن غياث عن الفزاري: "لكل مؤمن في الجنة أربعة أبواب: فباب يدخل عليه منه زواره من الملائكة، وباب يدخل عليه منه أزواجه من الحور العين، وباب مقفل فيما بينه وبين أهل النار يفتحه إذا شاء ينظر إليهم؛ لتعظُمَ النعمة عليه، وباب فيما بينه وبين دار السلام يدخل منه على ربه إذا شاء"[14]. وصية عملية: اختَرْ لنفسك بابًا، تدخل منه يوم القيامة، وإن أردت أن تسابق أبا بكر، فاصنَعْ ما صنعه أبو بكر؛ حتى يكتب لك الدخول من الأبواب الثمانية. ♦♦♦♦♦ السؤال الرابع والعشرون: بنتُ الخليفةِ والخليفةُ جَدُّها *** وأُختُ الخلائفِ والخليفةُ زوجُها فمن هي؟ الجواب: هي: فاطمة بنت عبدالملك بن مروان، وجدها: مروان بن الحكم، وإخوتها: الوليد وسليمان وهشام أولاد عبدالملك، وزوجها: عمر بن عبدالعزيز. ♦♦♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الهاتف: لا يخلو بيتٌ مسلم من هاتف - أرضي أو محمول - وهذا الهواتف أجهزة معدة للكلام والتواصل مع الآخرين، وهي نعمة من نعم الله علينا، يقوم بدور كبير، ويؤدي مهامَّ عظيمة، بل يوفر وقتًا وجهدًا ومالًا، وهذه النعمة لها أحكام وآداب، أذكرها في العناصر التالية: 1- مراعاة أوقات الاتصال: على المتصل أن يراعيَ الوقت الذي يقوم بالاتصال فيه، فيبتعد عن الأوقات المبكرة والمتأخرة؛ فالاتصال يشبه القيام بالزيارة - سبق الحديث عن آداب الزيارة - فالذي يزور يختار الوقت المناسب. 2- الاعتدال في رنات الاتصال: وهذا يُشبِه آداب الاستئذان - سبق الحديث عن آداب الاستئذان - فإذا ذهب أحدهم ليستأذن، فالسنَّةُ تقول: عليه أن يستأذن ثلاثًا، فيدق الباب، أو يرن الجرس، فإن أذن له، وإلا فليرجع، وهنا: على المتصل أن يقوم بعدد ثلاث رنات، ولا يزيد عنها، ويستثنى ما لو كان هناك أمر ضروري. 3- البدء بالسلام قبل الكلام: وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يبدأ المتكلم بالسلام قبل الكلام؛ فعن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((السلام قبل الكلام))[15]. ومن تمامها أن تختمها بالسلام، لا كما يفعل البعض، فيقول في ختام المكالمة: (لا إله إلا الله)، فيرد عليه الآخر: (محمد رسول الله)، أو يقول: (قل هو الله أحد)، كلُّ هذا لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 4- عدم إطالة المكالمة لغير حاجة: فالمسلم لا يلغو ولا يتكلم فيما ليس فيه فائدة، فليعرض الإنسان عن كثرة الكلام في الهاتف؛ قال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ï´¾ [المؤمنون: 3]، والتنبيه في ذلك يكون أكثر للنساء؛ فقد تتكلم مع صديقتها أو جارتها في مسائل غير مفيدة، وتمتد المكالمة أحيانًا إلى ساعة أو يزيد، ونحن مأمورون جميعًا بالاقتصاد والاعتدال في كل شيء، ونهينا عن الإسراف والتبذير. والإسلام يكره الكلام في غير حاجة؛ عن المغيرةِ بن شعبةَ: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إياكم وقيل وقال، ومنع وهات، ووأد البنات، وعقوق الأمهات، وإضاعة المال))[16]. 5- وضع السماعة برفق: وهذه من أخلاق ديننا الحنيف؛ أن يكون الرفق في كل شيء، ومنه بعد نهاية المكالمة: أن يضع سماعة الهاتف برفق لا بعنف، فيظن الآخر شيئًا. 6- غلق الهاتف عند دخول المسجد: يُعَد هذا الأدب من آداب المسجد - سبق الحديث عن آداب المسجد - أنه على من قصد المسجد، إما أن يغلق هاتفه، أو يجعله على وضع الصامت، حتى يتأدب بأدب بيوت الله، وألا يشوش على المصلين، ولا يفسد صلاتهم، ولو افترضنا أنه نسي فرنَّ الهاتف أثناء الصلاة، فلا مانع شرعًا من إخراج هاتفه وغلقه، فلا يتركه حتى يفرغ من صلاته. 7- تجنب التسمع على الآخر: فمِن حُسن إسلام المرء: أن يترك التنصت على الآخرين، ولا شك أن هذا يرفضه الناس ويكرهونه؛ عن ابن عباسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((ومن استمع إلى حديث قومٍ، وهم له كارهون، أو يفرون منه، صُبَّ في أُذنه الآنُكُ يوم القيامة ...))[17]، والآنُك: الرَّصاص المذاب. 8- الكلام بصوت معتدل: ما أجمل الاعتدال في حياتنا؛ في عباداتنا، وسلوكنا، ومعاملاتنا، ومشاعرنا، وكلامنا! فلا إفراط ولا تفريط، والوسطية من سمات أمتنا؛ فالقصد مطلوب، والغض مرغوب؛ قال تعالى: ï´؟ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ï´¾ [لقمان: 19]. فمَن تكلم في هاتفه - رجلًا أو امرأة - فلا يرفع صوته، وبخاصة في الأماكن العامة ووسائل المواصلات. 9- عدم استعمال هاتف الآخر إلا بإذنه: فليس من أخلاق المسلم أن يستعمل أغراض غيره إلا بإذنه، فأحيانًا يأخذ الرجل هاتف صديقه، أو أخيه، فيفتحه ويتطلع لما فيه، ويتصفح محتوياته، ومن المتوقع أن يكون عليه أمور خاصة لا يقبل صاحبه أن يراها أحد، فهي محتويات شخصية. وفي استعمال هواتف الآخرين، تطفلٌ مذموم، وكشفٌ للمستور، وفضول غير محمود. 10- عدم المباهاة بالهاتف: وهذا سلوك لا يناسب المسلم، كأن يتفاخر بهاتفه أمام زملائه، أو ممن يحب لفت الأنظار، أو يتصنع المكالمة الوهمية أمام الناس، وقد أعده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الزور، فقال صلى الله عليه وسلم: ((المتشبِّعُ بما لم يُعْطَ كلابسِ ثوبَيْ زورٍ))[18]. 11- التحذير من تسجيل المكالمات: فلو تم تسجيل مكالمة بدون إذن الطرف الآخر، فهذه خيانة واضحة، وتُعَد مِن باب المكر، وعدم حفظ الأمانات، وربنا نهانا عن خيانة الله ورسوله والمؤمنين، فقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [الأنفال: 27]، والمؤمن مؤتَمَن على أعراض الناس؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والمؤمن مَن أَمِنَه الناس على دمائِهم وأموالهم))[19]. 12- التأكُّد مِن غلق الهاتف في الاجتماعات أو اللقاءات: ففيه إيذاء للحاضرين، فلا يليق أن يترك هاتفه يرن، أو يعبث به أمام الحاضرين، والأكثر من ذلك أن يرد البعض على المتصل، وهذا ينافي أدب المجلس؛ قال أبو تمام: مَن لي بإنسانٍ إذا أغضبْتهُ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وجهِلْتُ كان الحِلْمُ ردَّ جوابِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وتراه يُصغي للحديثِ بسَمْعِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وبقَلْبِه، ولعلَّه أَدْرَى به https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فإن الأمر ضروريٌّ؛ فعليه أن يستأذن الحاضرين للرد على المكالمة، أو يبتعد عنهم قليلًا. آداب الوسائل - الفيس بوك، الواتس آب، التويتر، الفايبر، التانجو، وغيرها -: ♦ التثبت من نشر المعلومة: فيجب أن يتحرى ما ينشره، وبخاصة لو كان حديثًا نبويًّا، فتجد كثيرًا من الناس يتلقى رسالة، يعجبه مضمونها، فيسارع إلى نشرها، وقد تكون حديثًا موضوعًا أو مكذوبًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ♦ تجنُّب الحسابات الوهمية: ربما يلجأ بعض الشباب لعمل حسابات وهمية، وقد يُنشئ حسابًا يجذب به صداقات الفتيات، وتكون المراسلات والمكالمات، إلى غيرها مِن الخديعة. ♦ عدم تضييع الوقت: قد يستسلم البعض لهذه الوسائل التواصيلة، فيسلم نفسه للوقت، فيجره إلى أن تمضي ساعة وساعتان، وربما اليوم كله، يخرج من شيء فيدخل في آخر. ♦ الحرص على نشرِ ما يفيد الآخرين: لو أن كل مستخدم للفيس والواتس له هدف فيما ينشره، أن يكون فيه إفادة قيمة وإضافة جيدة للآخرين، ما كانت هذه الغثاءات التي تنشر على تلك الصفحات. ♦ الاعتدال في المشاركات: فمما يسبب الملل: أن تجد شخصًا ينشر ويشارك أكثر من منشور، فيكون النتيجة من الآخر أنه لا يقبل على شيء واحد منها؛ لأنه استكثرها، وتكفي المشاركة بمهمة أو مهمتين على الأكثر. ♦ عدم إضافة الغرباء: فلا تُقبِل على إضافة الغرباء إلى مجموعة جديدة، أو عمل "تاغ" له أو مشاركة لمنشور، إلا بإذنه. ♦ شبكات النت للآخرين: احذر ثم احذر أن تكون في مكان عام، وتستعمل شبكات النت الخاصة بالآخرين - واي فاي - بدون إذن صاحبها. ♦ كن مفتاحًا للخير، مغلاقًا للشر: فلا ينبغي للمستخدم أن يشارك في نشر رذيلة، أو يساعد في إشاعة الخبر الكاذب، وحتى يكون مفتاحًا للخير، فليمتثل قوله: ï´؟ إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ï´¾[الحجرات: 6]. ♦♦♦♦♦ درس الفقه: الاعتكاف: تعريفه: لغة واصطلاحًا: لغة: الافتعال، من عكف على الشيء عكوفًا وعكفًا، وهو حبس النفس على شيء، والملازمة له، خيرًا كان أو شرًّا؛ يقول تعالى: ï´؟ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ï´¾ [البقرة: 187]، وقال تعالى: ï´؟ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ ï´¾ [الأنبياء: 52]. شرعًا: بالنظر في مذاهب الأئمة الأربعة، نجد تقاربًا في تعريفهم للاعتكاف، ومنها تعريف الشافعية، وهو: اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية[20]. الأدلة على مشروعية الاعتكاف: إذا أحببنا أن ندلل على مشروعية الاعتكاف، ننظر في الكتاب والسنة وإجماع الأمة. أولًا: مشروعية الاعتكاف من القرآن الكريم: قوله تعالى: ï´؟ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ï´¾ [البقرة: 187]، وقوله تعالى: ï´؟ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ï´¾ [البقرة: 125]. ثانيًا: مشروعيته من السنة النبوية: عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده)[21]. كان الزهري يقول: "عجبًا مِن الناس كيف تركوا الاعتكاف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفعل الشيء ويتركه، وما ترك الاعتكاف حتى قُبِض"[22]. ثالثًا: مشروعيته بإجماع الأمة: أجمعت الأمة على مشروعية الاعتكاف، قال النووي في المجموع: "فالاعتكاف سنَّةٌ بالإجماع". حُكم الاعتكاف: قال العلماء: الاعتكاف سنَّة، في رمضان في العشر الأواخر؛ لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أنه يستحب فعله في كل وقت في غير رمضان، وقد يكون واجبًا إذا نذره المسلم وأوجبه على نفسه. شروطه: يشترط في الاعتكاف: • النية: فهو عبادة من العبادات، فلا تصح إلا بنية مخصوصة. • الإسلام: فلا يصح الاعتكاف من غير المسلم. • العاقل: فلا يصح من المجنون؛ لأنه ليس من أهل التكليف، ويصح اعتكاف الصبي المميز. • الطهارة من الحدث الأكبر: فلا يصح الاعتكاف من الرجل الجُنُب، ولا من المرأة الحائض أو النفساء. • إذن الزوج: فلا تعكتف المرأة إلا بإذن زوجها. • المسجد: فالاعتكاف لا يكون إلا في المسجد للرجل والمرأة، وعند المالكية والشافعية والحنابلة: لا يصح للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وعند أبي حنيفة يصح. مدته: قال الإمام النووي: "الصحيح المشهور من مذهبنا أنه يصح كثيره وقليله، ولو لحظة، وهو مذهب داود، والمشهور عن أحمد، وروايةٌ عن أبي حنيفة، وقال مالكٌ وأبو حنيفة في المشهور عنه: أقله يومٌ بكماله، بِناءً على أصلهما في اشتراط الصوم"[23]. فيصح الاعتكاف القليل والكثير، كما هو رأي الشافعي وأحمد، فلو دخلت المسجد فانْوِ الاعتكاف، ولو كانت المدة يسيرة، وإذا أردت الخروج من الخلاف فيستحب أن تعتكف يومًا على رأي مالك وأبي حنيفة، كما اتفق العلماء على أنه لا حد لأكثره. ومن نوى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، فيستحب الدخول قبل غروب شمس ليلة الحادي والعشرين، وله الخروج بعد غروب شمس ليلة العيد، وإن بات ليلة العيد في معكتفه، وخرج منه إلى المصلى كان أفضل، وبه قال النووي؛ انتهى. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان دار الصفوة بالقاهرة. [1] البخاري (1898)، مسلم (1079). [2] الترمذي (2548)، وقال: حديثٌ غريبٌ. [3] أبو داود (4652)، وضعفه الألباني. [4] حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح، لابن القيم، ص62، مطبعة المدني، القاهرة. [5] مسلم (234). [6] البخاري (3435)، مسلم (28). [7] البخاري (1897)، مسلم (1027). [8] انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، لبدر العيني، (ج16، ص183)، دار إحياء التراث العربي - بيروت. [9] التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، للقرطبي، تحقيق ودراسة: الدكتور: الصادق بن محمد بن إبراهيم، مكتبة دار المنهاج، الرياض، ص954. [10] مسلم (194). [11] الترمذي (1900)، وابن ماجه (3663)، وقال الترمذي: حديثٌ صحيحٌ. [12] مسلم (194). [13] مسلم (2967). [14] حادي الأرواح، لابن القيم، ص61. [15] الترمذي (2699)، وحسنه الألباني. [16] مسند أحمد (18230)، وصححه الأرناؤوط. [17] البخاري (7042). [18] البخاري (5219)، مسلم (2129). [19] الترمذي (2627)، والنسائي (4995)، وقال الترمذي: "حديثٌ حسنٌ صحيحٌ". [20] المجموع، للنووي، (ج6، ص474). [21] البخاري (2026)، مسلم (1172). [22] عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، (ج11، ص140)، دار إحياء التراث العربي - بيروت. [23] انظر: المجموع، (ج6، ص491). |
رد: دروس رمضانية
العفو (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان العَفْو (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لم يزل عليًّا، ولم يزل في علاهسميًّا، قطرةٌ من بحر جوده تملأ الأرض ريًّا، من أطاعه دخل الجنة ولو كان عبدًا حبشيًّا، ومن عصاه دخل النار ولو حرًّا قرشيًّا، أنزلعلى نبيه ومصطفاه قولًا بهيًّا، فقال: ï´؟ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ï´¾ [مريم: 63]، وبعد: فإن العَفْوَ مِن أجمل أخلاق الإسلام، وجب على أهل الإسلام أن يتخلقوا به، وهو الخلق الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة - رضي الله عنها - وللأمة كلها، أن يدعوا به في ليلة القدر. ♦ لماذا العفو في ليلة القدر؟ ♦ العفو في القرآن والسنة. ♦ نماذج في العفو. ♦ ماذا عن عفو الله عز وجل؟ لماذا العفو في ليلة القدر؟ يقول ابنُ رجب - رحمه الله - في لطائف المعارف: "وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنِب المقصِّر". يا ربِّ عبدُك قد أتا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ك وقد أساء وقد هفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif حمَل الذنوبَ على الذنو https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif بِ الموبقاتِ وأسرفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وقدِ استجار بذَيْل عَفْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وِكِ مِن عقابك مُلْحِفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ربِّ اعفُ عنه وعافِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فلأنتَ أَوْلى مَن عفَا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أما عن الدعاء الذي ندعو به إذا وافقنا ليلة القدر، فقد جاء عن السيدة عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلةٍ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: ((قولي: اللهم إنكَ عفُوٌّ تحب العَفْو؛ فاعفُ عني))[1]. العفو في القرآن الكريم: قال تعالى: ï´؟ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ï´¾ [البقرة: 237]. وقال أيضًا: ï´؟ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ï´¾ [آل عمران: 133، 134]. وقال: ï´؟ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ï´¾ [الأعراف: 199]. وقال تعالى: ï´؟ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ï´¾ [الشورى: 40]. وقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ï´¾ [التغابن: 14]. فأخلاقنا ينبغي أن تكون مشتملة على عفو وصفح وتسامح، فهكذا المؤمن الخلوق صاحب الخُلق الحميد، فالأخلاق هي زينة المؤمن، وأجمل ما يزين الإنسانَ أخلاقُه. العفو في السنة النبوية: 1- عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((ما نقصت صدقةٌ من مالٍ، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله))[2]. 2- عن ابن عمر، قال: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدَع هؤلاء الدعوات، حين يمسي وحين يصبح: ((اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي، وأهلي ومالي، اللهم استُرْ عوراتي، وآمِنْ روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك أن أُغتالَ من تحتي))[3]. 3- قام أبو بكرٍ الصديق على المنبر ثم بكى، فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الأول على المنبر ثم بكى، فقال: ((اسألوا الله العفو والعافية؛ فإن أحدًا لم يُعْطَ بعد اليقين خيرًا من العافية))[4]. 4- عن أنس بن مالكٍ قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ، فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: ((سل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة))،ثم أتاه في اليوم الثاني فقال: يا رسول الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: ((سل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة))،ثم أتاه في اليوم الثالث فقال: يا نبي الله، أي الدعاء أفضل؟ قال: ((سل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فإذا أعطيت العفو والعافية في الدنيا والآخرة، فقد أفلَحْتَ))[5]. 5- عن عائشة، قالت: فقدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: ((اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك))[6]. 6- عن عبدالله بن عمر، قال: كان من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّلِ عافيتك، وفُجاءة نقمتك، وجميع سخطك))[7]. وقال الشافعي: لما عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أرَحْت نفسِيَ مِن همِّ العداواتِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إني أُحيِّي عدوي عند رؤيتِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لأدفَع الشرَّ عني بالتحياتِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وأملأ الوجهُ بِشرًا حين مَقْدَمِه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif كأنما قد حشَا قلبي مَوَدَّاتي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نماذجُ في العفو: إن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على من نالني من خَلقك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أين المتصدق بعرضه البارحة؟))، قال: أنا يا رسول الله، قال: ((إن الله تعالى قد قَبِل صدقتَك))[8]. عن ابن عباسٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم القيامة ينادي منادٍ فيقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم خذوا أجوركم، وحق على كل مسلمٍ إذا عفا أن يدخله الله الجنة))[9]. كانت جاريةٌ لعلي بن الحسين تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: ï´؟ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ï´¾ [آل عمران: 134]، فقال لها: قد كظمتُ غيظي، قالت: ï´؟ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ï´¾ [آل عمران: 134]، قال: قد عفا الله عنك، قالت: ï´؟ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ï´¾ [آل عمران: 134]، قال: فاذهبي فأنت حرة لوجه الله[10]. إذا أردت عفو الله، فاعفُ عن الناس: كلام قيِّم للإمام ابن القيم: "اعلم أن لك ذنوبًا بينك وبين الله، تخاف عواقبها، وترجوه أن يعفوَ عنها ويغفرها لك ويهَبَها لك، ومع هذا لا يقتصر على مجرد العفو والمسامحة حتى ينعم عليك ويكرمك ويجلب إليك من المنافع والإحسان فوق ما تؤمله، فإذا كنت ترجو هذا من ربك أن يقابل به إساءتك، فما أولاك وأجدرك أن تعامل به خلقه وتقابل به إساءتهم! ليعاملك الله هذه المعاملة؛ فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تعمل مع الناس في إساءتهم في حقك، يفعل الله معك في ذنوبك وإساءتك؛ جزاءً وفاقًا، فانتقم بعد ذلك أو اعفُ، وأحسِنْ أو اترك، فكما تدين تدان، وكما تفعل مع عباده يفعل معك" [11]. سامِحْ أخاك إذا خلَطْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif منه الإصابة بالغلط https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وتجافَ عن تعنيفه https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إن زاغ يومًا أو قسَطْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif واعلَمْ بأنك إن طلَبْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تَ مهذَّبًا رُمْتَ الشَّطَطْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولو انتقَدْتَ بني الزما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif نِ وجَدْتَ أكثَرَهم سَقَطْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif مَن ذا الذي ما ساء قَطْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif طُ ومَن له الحسنى فقط https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ماذا عن عفو الله عز وجل؟ عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟ قال: ((رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال أحدهما: يا رب، خُذْ لي مظلِمتي من أخي، فقال الله للطالب: فكيف تصنع بأخيك ولم يبقَ من حسناته شيءٌ؟ قال: يا رب، فليحمل من أوزاري))، قال: وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: ((إن ذاك اليوم عظيمٌ يحتاج الناس أن يحمل عنهم من أوزارهم، فقال الله تعالى للطالب: ارفَعْ بصرك فانظر في الجنان، فرفع رأسه، فقال: يا رب، أرى مدائن من ذهبٍ وقصورًا من ذهب مكللةً باللؤلؤ، لأي نبي هذا، أو لأي صِدِّيقٍ هذا، أو لأي شهيدٍ هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن، قال: يا رب، ومن يملِك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا؟ قال: بعفوك عن أخيك، قال: يا رب، فإني قد عفوت عنه، قال الله عز وجل: فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة))، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: ((اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإن الله تعالى يصلح بين المسلمين))[12]. وصية عملية: اعفُ عن الناس حتى يعفوَ الله عنك، وتجاوز عنهم حتى يتجاوز الله عنك؛ فالإحسانُ جزاؤه الإحسان. ••• السؤال السابع والعشرون: رجل قتل خير الناس وشر الناس، فمَن هو؟ الجواب: الصحابي: وحشي بن حرب، الذي قال: قتلت بحربتي هذه خير الناس وشر الناس، فخير الناس: حمزة بن عبدالمطلب، وشر الناس: مسيلِمة الكذَّاب. ••• خاطرة (بعد الفجر): آداب دخول المنزل: 1- ابدَأْ بالسلام: هذه تحيتنا نحن المسلمين، لا عوض لنا عنها، فليس مقبولًا أن تكون التحية مستوردة من الغرب، فعلينا أن نعتز بديننا، وبتحية إسلامنا، فلنقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولا نستبدل بها أخرى. قال الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ï´¾ [النور: 61]، يقول قتادة: بيتك إذا دخلته، فقل: سلام عليكم، وعن الزهري مثله[13]. وعن أبي أمامة الباهلي، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثةٌ كلهم ضامنٌ على الله عز وجل: رجلٌ خرج غازيًا في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجلٌ راح إلى المسجد، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجرٍ وغنيمةٍ، ورجلٌ دخل بيته بسلامٍ فهو ضامنٌ على الله عز وجل))[14]. وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد، فلتسلم عند الدخول، ولتقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، كما جاء عن مجاهد وقتادة، أنهما قالا: "إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحدٌ، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ فإن الملائكةَ ترد عليك"[15]. 2- سَمِّ الله: إن ذِكر الله على كل حال، ومنه عند دخول المنزل، وتظهر بركة الذكر دائمًا، ومنها عند دخول المنزل؛ فقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء عن جابر بن عبدالله، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عَشاء، وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعَشاء))[16]. 3- التلطف عند الدخول: إنه الرفق الذي يجب أن يكون في كل شيء؛ في تعاملاتنا، وكلامنا، وحركاتنا، وكذا عند دخولنا بيوتنا، وفي شتى مناحي حياتنا، فالرفق لا يكون في شيء إلا رفعه وزانه، ولا ينزع من شيء إلا وضَعه وشانه، فإذا دخل أحدنا بيته، فليتلطف عند الدخول، فليس من أخلاق المؤمن أن يكون فظًّا أو غليظًا أو سخَّابًا، أو مزعجًا، وإنما يدخل متلطفًا رحيمًا، وهذا هو هدي رسول الله، الذي بينه لنا الإمام ابن القيم - رحمه الله - إذ يقول: "لم يكن صلى الله عليه وسلم ليفجأ أهله بغتةً يتخونهم، ولكن كان يدخل على أهله على علمٍ منهم بدخوله، وكان يسلم عليهم"[17]. 4- الدخول بالرِّجْل اليمنى: لم يرِدْ نصٌّ صريحٌ أو صحيح في ذلك، لكن من باب التيمن في كل شيء أن يبدأ الداخل باليمنى، وغالبًا ما تقدم اليمين في كل ما هو من باب التكريم؛ كالوضوء والطعام والمصافحة وغيره، بخلاف تقديم اليسار فيما ضد ذلك، واستحب العلماء أن يبدأ الداخل بيته بالرِّجل اليمنى، فقال بعض العلماء: "وأما المنزل فيقدم يمناه دخولًا وخروجًا؛ إذ لا أذى ولا عبادة، ويظهر أن علة تقديم اليمنى في الخروج والدخول تكرمتها بتقدمها"[18]. 5- استعمال السواك: ما أجملك يا رسول الله؟! وما أحسنك؟! إنه الذوق العالي، والأدب الجم، والسلوك الرفيع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يبرز الاهتمام بأمر الزوجة، وهو يبدأ بالسواك عند دخول بيته، حتى إذا تكلم مع إحدى زوجاته، أو اقترب منها، أو تعامل مع أولاده، لا يشَمُّون منه إلا ريحًا طيبة كريمة، إنها مراعاة الآخرين، وحسن طليعة النبيين الطيبين، والذي يجب على الأتباع أن يسلكوا نهج كل فضيل ونبيل؛ عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم: (كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك)[19]. 6- صلاة ركعتين عند الدخول والخروج: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خرجت من منزلك، فصل ركعتين، تمنعانك مخرج السوء، وإذا دخلت إلى منزلك، فصل ركعتين، يمنعانك مدخل السوء))[20]. فمن السنَّة التي نتعلمها: أن نصلي ركعتين عندما ندخل البيت، وركعتين إذا أردنا الخروج. 7- دعاء دخول المنزل: إن تعاليم ديننا الحنيف تجعلنا على علاقة دائمة ومتصلة بربنا، فعند دخول المنزل نذكره وندعوه، وعند الخروج منه نذكره وندعوه، ومما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأدعية عند دخول المنزل: عن أبي مالكٍ الأشعري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا ولج الرجل بيته، فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله))[21]. 8- دعاء الخروج من المنزل: عن أم سلمة، قالت: ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيتي قط إلا رفع طَرْفَه إلى السماء فقال: ((اللهم أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلِمَ أو أُظلَمَ، أو أجهَلَ أو يُجهَلَ عليَّ))[22]. وعن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قال إذا خرج من بيته: بسم الله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كُفِيت، ووُقِيت، وتنحَّى عنه الشيطانُ))[23]. وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا خرج الرجل من باب بيته، أو من باب داره، كان معه ملكان موكلان به، فإذا قال: بسم الله، قالا: هُديت، وإذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، قالا: وُقِيت، وإذا قال: توكلتُ على الله، قالا: كُفيت، قال: فيلقاه قريناه فيقولان: ماذا تريدانِ من رجلٍ قد هُدِي وكُفِي ووُقِي؟))[24]. فإذا ذكرتَ الله عند خروجك فقد حفِظتَ نفسك وكفيتها ووقيتها؛ لأنك اعتمدت على من لا تضيع عنده الأنفس، ولا تَضِلُّ عنده الودائع. ••• درس الفقه: مصارف زكاة الفطر: زكاة الفطر تخرُجُ للفقراء والمساكين؛ لحديث ابن عباسٍ، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقةٌ من الصدقات)[25]، وهذا قول الإمام مالك، ورجحه الشوكاني بقوله: "هذه زكاةٌ خاصةٌ لطُهرة الصائم من اللغو والرفث، ولإغناء الفقراء في ذلك اليوم، فمَصرِفه الفقراء، ولا يصح التمسك بعموم: ï´؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ï´¾ [التوبة: 60]"[26]. ويرى بعض العلماء جوازَ صرفها لباقي الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله في هذه الآية؛ قال تعالى: ï´؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ï´¾ [التوبة: 60]، باعتبار أن زكاةَ الفطر زكاةٌ من الزكوات. على مَن تجب وعمَّن تجب؟ • تجب على المسلم الحر المالك لمقدار صاع، يزيد عن قوته وقوت عياله يومًا وليلة. • تجب عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته؛ كزوجتِه، وأبنائه، وخدَمِه، ومَن يتولى أمرهم ويقوم بالإنفاق عليهم. حُكم إخراج القيمة: إخراج زكاة الفطر طعامًا أو حبوبًا - من الأصناف الواردة في الحديث - هو الأصل الذي جاءت به النصوص من السنة النبوية المطهرة، وعليه جمهور فقهاء المذاهب، مع العلم بأن إخراجَ القيمة جائزٌ شرعًا، ومجزئٌ فعلًا، وبه قال السادة الأحناف، وعددٌ من التابعين، وجماعة من أهل العلم قديمًا وحديثًا - كالبخاري وسعيد بن المسيب وابن تيمية وابن القيم - ذهَبوا إلى جواز إخراج القيمة، إذا دعت حاجة الفقير لذلك - إذ المقصود من الزكاة إغناء الفقير، وهو يحصل بالقيمة، وهو أقرب إلى حاجة الفقير وأنفع له، وقد تساعده القيمة في تحقيق أغراضه، وشراء حاجياته، فقد جربنا ورأينا بأعيننا الفقير الذي تصدق عليه بالحبوب، يذهب إلى التجار، فيبيعها بأبخس الأثمان. قال عمر رضي الله عنه: "إذا أوسع الله عليكم، فأوسعوا على أنفسكم". حُكم نقل الزكاة: الأصل في الزكاة أن تخرج في مكان الإقامة؛ لتحقيق معنى التكافل الاجتماعي، إلا إذا كانت هناك مصلحة تقتضي ذلك؛ كإعطائها لمن هو أكثر حاجة، وأشد فقرًا، أو لذي قرابة، فلا بأس. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، دار الصفوة بالقاهرة [1] الترمذي (3513)، وابن ماجه (3850)، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [2] مسلم (2588). [3] أبو داود (5074)، وابن ماجه (3871)، وأحمد (47859)، وصححه الأرناؤوط. [4] الترمذي (3558)، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ. [5] ابن ماجه (3848)، وقال الأرناؤوط: حسن لغيره. [6] مسلم (486). [7] مسلم (2739). [8] شعب الإيمان للبيهقي (7729)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (4634)، وقال: رواه البزار، وفيه كثير بن عبدالله، وهو ضعيفٌ. [9] الترغيب في فضائل الأعمال وثواب ذلك، لابن شاهين، (519). [10] تاريخ دمشق لابن عساكر، (ج41، ص387)، تحقيق: عمرو بن غرامة العمروي، دار الفكر، 1415 ه = 1995 م. [11] بدائع الفوائد، لابن القيم (ج2، ص244)، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان. [12] مستدرك الحاكم (87818)، وقال: حديثٌ صحيح الإسناد ولم يخرجاه. [13] شرح السنة للبغوي (ج12، ص284). [14] أبو داود (2494)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. [15] شرح السنة للبغوي (ج12، ص284). [16] مسلم (2018). [17] زاد المعاد في هدي خير العباد (ج2، ص347). [18] شرح مختصر خليل للخرشي، لمحمد بن عبدالله الخرشي المالكي، (ج1، ص146) دار الفكر للطباعة - بيروت، (بدون). [19] مسلم (253). [20] البزار (8567)، وذكره الألباني في صحيح الجامع (505). [21] أبو داود (5096)، وضعفه الأرناؤوط. [22] أبو داود (5094)، وصححه الأرناؤوط. [23] الترمذي (3426)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ. [24] ابن ماجه (3886)، وقال الأرناؤوط: حسن لغيره. [25] أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. [26] السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار، للإمام الشوكاني، ص268 بتصرف، دار ابن حزم، الطبعة الأولى، بدون تاريخ. |
رد: دروس رمضانية
رمضان يعلمنا الإرادة (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله الواحد المعبود، عم بحكمته الوجود، وشملت رحمته كل موجود، أحمده سبحانه وأشكره، وهو بكل لسان محمود، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الغفور الودود، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله صاحب المقام المحمود، واللواء المعقود، والحوض المورود، وبعد: فإن رمضان يغرس العزيمة، ويبني الإرادة؛ فالمسلم في رمضان يخالف العادات التي اعتادها، ويبتعد عن المألوفات التي أَلِفَها، ويتجنب الرغبات التي رغبها، فيستيقظ كل يوم قبيل الفجر، للسحور وصلاة الفجر، ويمتنع عن الطعام والشراب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لمدة ثلاثين يومًا، ويمسك لسانه عن قبيح الأقوال، وأفعاله عن مساوئ الأخلاق، وفي ذلك تقويةٌ للإرادة، وتحسينٌ للعزيمة. والمسلم الصائم يستطيع في رمضان أن يعوِّد نفسه على كل ما هو خير، إن صمَدَت إرادته، وقويت عزيمته، فمن السهل أن يترك التدخين، وأن يحافظ على صلاة الفجر، ولا يُغفل الصلوات الخمس، ويداوم على قراءة القرآن؛ فإن علماء النفس يرون أن أي إنسان يريد التغيير، فإنه يجب أن يكرر من 6 إلى 21 مرة، حتى يحدِث تغييرًا حقيقيًّا في حياته، فشهر رمضان من 29 إلى 30 يومًا، يمسك فيها عن الطعام والشراب، فلا يأكل ولا يشرب، ولا يغتاب ولا يفسق، أليست هذه برمجة على الإرادة؟! يقول الرافعي - رحمه الله - عن رمضان: فانظر في أي قانون من القوانين، وفي أي أمة من الأمم، تجد ثلاثين يومًا من كل سنة قد فرضت فرضًا لتربية الشعب ومزاولته فكرة نفسية واحدة بخصائصها وملابساتها، حتى تستقر وترسخ وتعود جزءًا من عمل الإنسان، لا خيالًا يمر برأسه مَرًّا....ثم ختم كلامه قائلًا: ألا ما أعظمك يا شهر رمضان! لو عرفك العالم حق معرفتك لسماك: (مدرسة الثلاثين يومًا)[1]. إن إرادة الصائم تقتضي المحافظة على الوقت، والصيامَ حقَّ الصيام، والقيام حق القيام، وعدم تفويت الفرصة؛ قال تعالى: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ï´¾ [الفرقان: 62]. إن الإرادة استعداد وإعداد؛ قال ربنا: ï´؟ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ ï´¾ [التوبة: 46]، والإرادة سعيٌ وهمة؛ قال تعالى: ï´؟ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ï´¾ [الإسراء: 19]. إن الطالب الذي يريد أن ينجح في دراسته، يجتهد في دروسه، ويسهر ليله، ويغتنم وقته، ويجاهد نفسه؛ ليحقِّق هدفه، ويُسعِد أهله، فكلما قويت تلك الأفكار عنده، قويت الإرادة لديه؛ فالصائم أشبه بالطالب، الطالب يحقق النجاح الدراسي، والصائم يحقق النجاح الإيماني، وكلما كان الصائم صاحب هدف واضح من صومه، كانت الإرادة واضحة في إصراره وهمته العالية في الصيام والقيام، ويمتثل قول الشاعر: لأستسهلَنَّ الصَّعْب أو أُدرِكَ المنى ♦♦♦ فما انقادَتِ الآمالُ إلا لصابرِ أما أصحاب الإرادة الضعيفة، والعزيمة الهزيلة، فلا يبالون بوقت من ليل أو نهار يضيع هنا أو هناك، ويصدُقُ فيهم قول الشاعر: ومَن رام العُلا مِن غيرِ كَدٍّ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif أضاع العُمْرَ في طلَب المُحالِ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif تروم العزَّ ثم تنامُ ليلًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif يغوص البحرَ مَن طلَب اللآلي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif إن كل مسلم لديه إرادة، لكنها تتفاوت من شخص لآخر، قال حاتمٌ الأصم: إذا رأيت المريد يريد غير مراده، فاعلَمْ أنه أظهر نذالته. مِن صفات المريد: أن يكون نومه غلبةً، وأكله فاقةً، وكلامه ضرورةً؛ فصاحب الإرادة لا ينام إلا إذا غلبه النوم، ولا يأكل إلا إذا احتاج أن يسد رمقه، ولا يتكلم إلا إذا اضطر للكلام، فهو حريص على وقته، جديرٌ بالحفاظ على حياتِه. وقيل: مَن لم تصح إرادته ابتداءً، فإنه لا يزيده مرور الأيام عليه إلا إدبارًا. كيف تقوِّي إرادتك؟ لا شك أن الإرادة مرتبطة بالإيمان، فإذا قوِيَ إيمان المسلم قوِيَتْ إرادته؛ قال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ï´¾ [العنكبوت: 69]، وتقوية الإرادة لها عوامل: أولها: التربية ومجاهدة النفس: تعلَّمْ من رمضان التعود على العادات الحسنة؛ تعود على قراءة القرآن، والصيام، والدعاء، وقيام الليل، والتصدق على الفقراء، وصلة الأرحام، وكف الأذى، والإحسان إلى الناس، وكَظْم الغيظ، وكف اللسان. ثانيها: المداومة على الطاعات: فتلك وصية الله لحبيبه، حين قال: ï´؟ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ï´¾ [الحجر: 99]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بادِروا بالأعمال))، وكما قالت السيدة عائشة: (كان أحب الأعمال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أدومها، وإن قَلَّ). ثالثها: المسارعة وعدم التردد: مِن أخلاق أصحاب الإرادة: أنهم يسارعون إلى الخيرات؛ قال ربنا: ï´؟ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ï´¾ [المؤمنون: 61]. وهذا واضح في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ففي غزوة أُحُدٍ أشار على الصحابة في الخروج، فبعضهم قال بالخروج، وآخرون بعدم الخروج، فوافق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي مَن قالوا بالخروج، فلبِس لَأْمَةَ الحرب، فجاؤوه خشية أن يكونوا أكرهوا الرسول على الخروج، فقال لهم: ((إنه ليس لنبي إذا لبِس لَأْمَتَه أن يضَعَها حتى يقاتل)). أيها الصائم، إذا أردت التغيير، فعليك بالإرادة، وإذا عزمت أن تحجز مكانًا لك في الجنة، فإنها الإرادة، وإذا هممت أن تعتق رقبتك من النار، فعانِقِ الإرادة. إنها فرصة كبيرة لأن تجعل مِن رمضان انطلاقة بالإرادة والعزيمة، فانطلق نحو التغيير؛فتلك فرصتك في رمضان.. لا تَقُلْ: مِنْ أين أَبْدَأْ = طاعةُ الله البدايَهْ لا تقُلْ: أَيْنَ طريقي = شِرْعةُ الله الهدايَهْ لا تقُلْ: أين نعيمي = جنَّةُ الله الكفايَهْ لا تقُلْ: في الغدِ أَبْدَأْ = ربما تأتي النهايَهْ وصية عملية: صاحب الإرادة يقول: سأستعين بالله وأفعل إن شاء الله، ولا يقل: لا أستطيع؛ فالعاجز: هو من يقول: لا أفعل، ولا أستطيع، وصاحب الإرادةهو الذي يستعين ويتوكل على رب العالمين. ♦♦♦ السؤال السادس والعشرون: كم رمضان صام رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: صام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات. قال النووي في المجموع: "صام رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان تسع سنين؛ لأنه فرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة". ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الصلاة: 1- إخلاص النية: إن الإخلاص في العمل يتطلب إفراد الله سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة، وتنقية القلب من كل ما يعكره؛ فالإخلاص لازم ومقرون بأي عمل؛ قال تعالى: ï´؟ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ï´¾ [الأنعام: 162، 163]. وقد تكون النية الصادقة أصدقَ مِن عمل كثير، ورب عمل كثير يضيعه عدم صدق النية؛ فالإخلاص مع قليل العمل محمود ومرفوع، وعدم الإخلاص مع كثير العمل مذموم وموضوع؛ عن معاذ بن جبلٍ رضي الله عنه: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: يا رسول الله، أوصِني، قال: ((أخلص دينك، يَكْفِك العملُ القليل))[2]. قال بعض الحكماء: (مَثَل مَن يعمل الطاعاتِ للرياء والسمعة كمثل رجلٍ خرج إلى السوق وملأ كيسه حصاةً، فيقول الناس: ما أملأ كيسَ هذا الرجل! ولا منفعةَ له سوى مقالة الناس، ولو أراد أن يشتري له شيئًا لا يعطى به شيئًا، كذلك الذي عمل للرياء والسمعة لا منفعة له مِن عمله سوى مقالة الناس، ولا ثوابَ له في الآخرة؛ كما قال تعالى: ï´؟ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ï´¾ [الفرقان: 23]، يعني الأعمال التي عملوها لغير وجه الله تعالى، أبطَلْنا ثوابها، وجعَلْناها كالهباء المنثور، وهو الغبار الذي يُرَى في شعاع الشمس)[3]. 2- الصلاة على وقتها: إن الله سبحانه وتعالى وقَّت للصلاة أوقاتًا تؤدى فيها، ومن تعمد تأخيرها فقد أثم وعصى الله؛ قال ربنا: ï´؟ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ï´¾ [النساء: 103]. وعندما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال، ماذا قال؟! عن عبدالله بن مسعود، قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: ((الصلاة على وقتها))، قال: ثم أي؟ قال: ((ثم بر الوالدين))، قال: ثم أي؟ قال: ((الجهاد في سبيل الله))، قال: حدثني بهن، ولو استزدتُه لزادني[4]. واحذَرْ تعمُّد تأخير الصلاة؛ فقد توعد الله مَن يؤخر الصلاة عن وقتها بالويل، فقال: ï´؟ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ï´¾ [الماعون: 4، 5]. ذكَر الإمام ابن كثير في تفسيره: أن عطاء بن دينارٍ قال: والحمد لله الذي قال: ï´؟ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ï´¾ [الماعون: 5]، ولم يقل: في صلاتهم ساهون. 3- الصلاة في جماعة: لقد امتدح الله عُمَّار المساجد، فقال: ï´؟ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ï´¾ [التوبة: 18]. كما وصف ربنا الذين لا تَشغَلهم الدنيا عن صلاة الجماعة بأنهم رجال، فقال سبحانه وتعالى: ï´؟ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ï´¾ [النور: 37]. إن فضلَ صلاة الجماعة عظيمٌ، والأجر عليها جزيل وكريم، والأحاديث على ذلك كثيرة، منها: عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجةً))[5]. عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم إليها ممشًى، فأبعدهم، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصليها ثم ينام))، وفي رواية أبي كريبٍ: ((حتى يصليها مع الإمام في جماعةٍ))[6]. عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن غَدا إلى المسجد، أو راح، أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح))[7]. عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تطهر في بيته، ثم مشى إلى بيتٍ من بيوت الله ليقضي فريضةً من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئةً، والأخرى ترفع درجةً))[8]. إنه لموقفٌ عجيب! (عن عبيدالله بن عمر القواريري رضي الله عنه، قال: لم تكن تفوتني صلاة العشاء في الجماعة قط، فنزل بي ليلةً ضيفٌ، فشُغلت بسببه وفاتتني صلاة العشاء في الجماعة، فخرجت أطلب الصلاة في مساجد البصرة فوجدت الناس كلهم قد صلوا، وعلقت المساجد، فرجعت إلى بيتي، وقلت: قد ورد في الحديث: ((إن صلاة الجماعة تزيد على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجةً))، فصليت العشاء سبعًا وعشرين مرةً، ثم نمت، فرأيت في المنام كأني مع قوم على خيل وأنا أيضًا على فرس، ونحن نستبق وأنا أركض فرسي فلا ألحقهم، فالتفت إليَّ أحدهم، فقال لي: لا تتعب فرسك فلست تلحقنا، قلت: ولم؟ قال: لأنا صلينا العشاء في جماعة وأنت صليت وحدك، فانتبهت وأنا مغموم حزين لذلك)[9]. 4- التبكير والصف الأول: عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهَموا ...))[10]. وتلكم نماذجُ مِن حياة السلف وحرصهم على التبكير وحضور الصف الأول؛ فقد رُوِي أنهم: كانوا يُعَزُّون أنفسهم ثلاثة أيام إذا فاتتهم التكبيرة الأولى، ويعزون سبعًا إذا فاتتهم الجماعة. قال سعيد بن المسيب: ما أذن مؤذن منذ عشرين سنة إلا وأنا في المسجد. وقد أعد الله لمن يحافظ على تكبيرة الإحرام أربعين يومًا براءتين؛ فكما جاء عن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من صلى لله أربعين يومًا في جماعةٍ يدرك التكبيرة الأولى، كُتب له براءتان: براءةٌ من النار، وبراءةٌ من النفاق))[11]. 5- الزينة عند الصلاة: إذا أراد المسلم أن يقف بين يدي الله للصلاة، فعليه أن يتزين ويتجمل للقاء ربه؛ فهو الذي أمرنا بذلك فقال: ï´؟ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ï´¾ [الأعراف: 31]. ويذكر الإمام ابن كثير في تفسيره لهذه الآية، قوله: "ولهذه الآية، وما ورد في معناها من السنَّة، يستحب التجمُّل عند الصلاة، ولا سيما يوم الجمعة ويوم العيد، والطيب؛ لأنه مِن الزينة، والسواك؛ لأنه من تمام ذلك، ومن أفضل الثياب: البَياض". إن رب العالمين أحق بالزينة والجمال؛ جاء عن ابن جريجٍ قال: (أخبرني نافعٌ: أن ابن عمر كساه ثوبين وهو غلامٌ، قال: فدخل المسجد فوجده يصلي متوشحًا به في ثوبٍ، فقال: أليس لك ثوبانِ تلبَسُهما؟، فقلت: بلى،فقال: أرأيتَ لو أني أرسلتك إلى وراء الدار لكنت لابسهما؟، قال: نعم، قال: فالله أحقُّ أن تتزين له أم الناس؟، قال نافعٌ: فقلت: بل اللهُ)[12]. 6- النافلة في البيت: إن مِن أفضل صلاة العبد ما يصليها في بيته، وهي صلاة النافلة، أما الفريضة فمكانها في المسجد؛ عن زيد بن ثابتٍ: أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرةً في المسجد من حصيرٍ، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناسٌ، ثم فقدوا صوته ليلةً، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: ((ما زال بكم الذي رأيتُ مِن صنيعكم، حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته، إلا الصلاةَ المكتوبة))[13]. ويعلق العلماء على ذلك، فيقول النووي: "المراد النافلة، وجميع أحاديث الباب تقتضيه، ولا يجوز حمله على الفريضة، وإنما حث على النافلة، والتطوع في البيت أفضل، ولأن الصلاة في البيت أقرب إلى الإخلاص،وأبعد من الرياء، وهو من عمل السر، وفعله في المسجد علانيةٌ، والسر أفضل"[14]. وعن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، ولا تتخذوها قبورًا))[15]. 7- عليكم بالسكينة: مِن آداب الصلاة: أن يأتي المصلي إلى المسجد بسكينة، كما أنه إذا صلى في بيته يتجهز للصلاة بسكينة ووقار، لا بإسراع أو جري؛ فعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا نودي بالصلاة فأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا))[16]. يقول الملا علي القاري: (مَن خاف التكبيرة الأولى، فقيل: إنه يسرع، فإن عمر رضي الله عنه سمع الإقامة بالبقيع فأسرع إلى المسجد، وقيل: إنه يهرول، ومنهم من اختار أن يمشي على وقارٍ للحديث؛ لأن من قصد الصلاة فكأنه في الصلاة، وذلك إذا لم يقع منه تقصيرٌ، والأظهر الإسراع مع السكينة دون العَدْوِ؛ إحرازًا للفضيلتين)[17]. 8- الخشوع في الصلاة: إن مِن أهم الآداب الخشوع في الصلاة؛ فإنه لا يرفع للمسلم شيءٌ من صلاته، إلا بقدر خشوعه فيها، ومن صفات المؤمنين: أنهم يخشعون في صلاتهم؛ قال تعالى: ï´؟ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ï´¾ [المؤمنون: 1، 2]. ومِن المُعِينات على الخشوع: أن تصلي صلاة مودع؛ أي: كأنها آخر صلاة تؤديها؛ عن أبي أيوب، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، علمني، وأوجز، قال: ((إذا قمت في صلاتك فصلِّ صلاة مودعٍ، ولا تكلم بكلامٍ تعتذر منه، وأجمِعِ اليأسَ عما في أيدي الناس))[18]. وثواب المصلي بقدر حضوره وخشوعه في صلاته؛ عن عمار بن ياسرٍ، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عُشر صلاته، تُسعها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلثها، نِصفها))[19]. ومما يعين المرء على الخشوع في صلاته أيضًا: الاستعداد الجيد للصلاة، والشعور بما أنت مقبل عليه، واستحضار عظمة الله في نفسك، والطمأنينة في أداء ما تقوم به من أركان وهيئات، وتذكر الموت، وسل نفسك:هل صلاتي التي أصليها ستشفع لي عند ربي؟! أم ستُرَد علي؟! وعليك بتدبر الآيات التي تقرؤها، والأذكار والأدعية التي تدعو بها، ثم اعلم بأنك تناجي ربك، وربك يجيبك، فانظر بماذا تناجيه، اسمع إلى حبيبك صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ((إن أحدكم إذا قام يصلي، فإن الله تبارك وتعالى قِبَل وجهه))[20]. ويروى عن حاتم الأصم - رحمه الله - أنه سئل عن صلاته فقال: (إذا حانت الصلاة، أسبغت الوضوء، وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه، فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم إلى صلاتي، وأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن شِمالي، وملَك الموت ورائي، أظنها آخر صلاتي، ثم أقوم بين الرجاء والخوف، وأكبِّر تكبيرًا بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعًا بتواضع، وأسجد سجودًا بتخشُّع، وأقعد على الورك الأيسر، وأفرش ظهر قدمها، وأنصب القدم اليمنى على الإبهام، وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت مني أم لا)[21]. 9- أذكار بعد الصلاة: تنوعت أذكار ما بعد الصلاة وتعددت، فلنقتصر على بعضها؛ فهي معلومة لدى الجميع، ومنها: عن ثوبان، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: ((اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام)) قال الوليد: فقلت للأوزاعي: "كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله"[22]. كتَب المغيرةُ بن شعبة إلى معاوية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من الصلاة وسلَّم، قال: ((لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيءٍ قديرٌ، اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ))[23]. عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سبَّح الله في دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحمِد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر اللهَ ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعةٌ وتسعون، وقال: تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ - غُفِرت خطاياه، وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر))[24]. عن عقبة بن عامرٍ، قال: (أمَرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقرأ المعوِّذات دبر كل صلاةٍ)[25]. والمعوذات، هي: ï´؟ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ï´¾ [الإخلاص: 1]، ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ï´¾ [الفلق: 1]، ï´؟ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ï´¾ [الناس: 1]. عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاةٍ مكتوبةٍ، لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت))[26]. عن معاذ بن جبلٍ: أن رسول صلى الله عليه وسلم أخذ بيده، وقال: ((يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك))، فقال: ((أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاةٍ تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك))[27]. 10- عليك بالسترة: عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا صلى أحدكم، فليصل إلى سترةٍ، وليَدْنُ منها، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه، فإن جاء أحدٌ يمر فليقاتله؛ فإنه شيطانٌ))[28]. قال المناوي: (أي إذا صلى أحدكم فرضًا أو نفلًا، فليصلِّ إلى سترة؛ من نحو سارية أو عصًا، ولو أدق من رمح، فإن فقد ما ينصبه، بسط مصلًّى كسجادة، فإن لم يجد خط خطًّا طولًا، وخص من إطلاق السترة ما نهي عن استقباله من آدمي ونحوه)[29]. 11- الحرص على سنن الصلاة: وكل سنة في الصلاة ينبغي أن يأتي بها المصلي ما استطاع، حتى يكون قد صلى كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع العلم بأن الإتيان بالسنن من تمام الصلاة، وتركها لا يبطل الصلاة؛ فالسنن قد يغفُلُ عنها البعض، أو تغيب عن الآخرين، وقد تكون السنة فعلية، وقد تكون قولية، ولا مجال للحديث عن كل سنة تفصيلًا؛ فالمقام لا يناسب، غير أنها قد تكون سنة عند بعضهم، واجبة عند غيرهم، والتعرض لها يكون على سبيل الإجمال: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، كما يسن رفعها عند الركوع والرفع منه، وعند القيام للركعة الثالثة بعد التشهد الأوسط، وأن يضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة، وأن يقول دعاء الاستفتاح، وأن يستعيذ قبل القرءة، وأن يسوي ظهره في الركوع، والسجود على سبعة أعظم - الجبهة، واليدين، والركبتين، والقدمين، مستقبلًا بأطراف أصابع قدميه القبلة - فأركان الصلاة وواجباتها وسننها يجمعها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جاء فيه عن أبي سليمان مالك بن الحويرث، قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شَبَبةٌ متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلةً، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألَنا عمن تركنا في أهلنا، فأخبرناه، وكان رفيقًا رحيمًا، فقال: ((ارجعوا إلى أهليكم، فعلموهم ومُرُوهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، وإذا حضرت الصلاة، فليؤذِّنْ لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم))[30]. ♦♦♦ درس الفقه: أحكام زكاة الفطر: متى شُرعت؟ شُرعت زكاة الفطر في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، في العام الذي فُرض فيه صوم رمضان. أدلتها: عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (فرَض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمرٍ، أو صاعًا من شعيرٍ على العبد والحر، والذَّكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)[31]. عن ابن عباسٍ، قال: (فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهرةً للصائم من اللغو والرفث، وطُعمةً للمساكين، فمن أداها قبل الصلاة، فهي زكاةٌ مقبولةٌ، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقةٌ من الصدقات)[32]. أما مقدارها فأربعة آصُع: والصاع = أربعة أمداد، والمُدُّ: ملء اليدين المتوسطتين، ويساوي عند الجمهور: 510 جرام...ويعدل الصاع عند أبي حنيفة: 3.25 كجم، وعند الجمهور: 2.400 كجم، فيكون وزنها: 2.5 كجم تقريبًا. حُكمها: واجبة على كل مسلم، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، قادر عليها وقته، وتجب بالفِطر من رمضان. حِكمتها: • طُهرة للصائم مما وقع فيه من لغو ورفث، قال وكيع بن الجراح: "زكاة الفطر لشهر رمضان كسجدة السهو للصلاة، تجبُرُ نقصان الصوم، كما يجبر السجود نقصان الصلاة". • إغناء الفقراء والمساكين عن السؤال؛ لقولهصلى الله عليه وسلم: ((أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)). • إظهار الجود والكرم، وغرس روح المواساة والإحسان إلى الفقير. وقتها: الشافعية والحنابلة: يرون أنها تجب بغروب شمس آخر يوم من رمضان، والحنفية يقولون: تجب بدخول فجر يوم العيد...والمالكية: أجازوا إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين....وعند الشافعية: يجوز تقديمها من أول الشهر. واتفقوا على أن زكاة الفطر إذا وجبت لا تسقط بتأخيرها، بل هي دَينٌ في ذمته، يلزمه قضاؤها، كما أنه لا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان، والصادر عن دار الصفوة بالقاهرة [1] وحي القلم، للأديب/ مصطفى صادق الرافعي، (ج2، ص63)، بعنوان: شهر للثورة.. فلسفة الصيام، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت. [2] مستدرك الحاكم (7844)، وضعَّفه الألباني. [3] تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، للسمرقندي، ص25، حققه وعلق عليه: يوسف علي بديوي، دار ابن كثير، دمشق - بيروت، ط3/ 1421 هـ = 2000 م. [4] البخاري (5970)، مسلم (85). [5] متفق عليه. [6] مسلم (662). [7] مسلم (669). [8] مسلم (666). [9] الكبائر، للإمام الذهبي، ص32. [10] سبق تخريجه في آداب الأذان. [11] الترمذي (241)، وحسنه الشيخ/ أحمد شاكر. [12] شرح صحيح البخاري، لابن بطال، (ج2، ص18). [13] البخاري (7290)، مسلم (781). [14] انظر: شرح النووي على مسلم (ج6، ص67)، والمغني لابن قدامة (ج2، ص104) بتصرف. [15] البخاري (432). [16] مسلم (602). [17] مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا علي القاري، (ج2، ص578)، دار الفكر، بيروت - لبنان، ط1/ 1422ه = 2002م. [18] ابن ماجه (4171)، وأحمد (23498)، وحسنه الألباني. [19] أبو داود (796)، وسنن النسائي (615)، وقال الأرناؤوط: حديث صحيح. [20] مسلم (3008). [21] إحياء علوم الدين، (ج1، ص151). [22] مسلم (591). [23] مسلم (591). [24] مسلم (597). [25] النسائي (1336)، وصححه الألباني. [26] السنن الكبرى للنسائي (9848)، ومعجم الطبراني، وعمل اليوم والليلة لابن السني، وأورده الألباني في الصحيحة (972). [27] أبو داود (1522)، وابن حبان (2020)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. [28] أبو داود (698)، وابن ماجه (954)، وقال الألباني: حسن صحيح. [29] فيض القدير، للمناوي (ج1، ص389). [30] البخاري (6008). [31] البخاري (1503). [32] أبو داود (1609)، وابن ماجه (1827)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. |
رد: دروس رمضانية
رمضان يعلمنا التعاون والصلة (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله الذي لم يزَلْ عليمًا قديرًا، وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، وعلى آل محمدٍ وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد: فإن رمضان خير وسيلةٍ لغرس التعاون بين أفراد المجتمع، ومن صور التعاون بين المسلمين في رمضان: كثرة المساعدات والمساهمات عند الإفطار، فالشباب والفتيات يقفون على حافة الطريق ليعطوا المارة شيئًا من المشروبات أو المطعومات قبيل المغرب، ومن الناس من يعمد إلى نصب موائد الطعام، وآخر يقوم بتجهيز ما يسمى بالحقائب الغذائية - وتعرف بشنطة رمضان - وصنف منهم يعد وجبات جاهزة ويوزعها على الفقراء والمحتاجين، والجميل في مظاهر التعاون الرمضاني هو التواصل الأسري، بدعوة بعضهم بعضًا على الإفطار، فعلى سبيل المثال: لو أن أسرة بها أربعة أفراد بالإضافة إلى الأب والأم، والأب والأم في بيت مستقل، وكل فرد من الأسرة له بيته المستقل، فلو تنوعت الدعوات والاجتماعات بينهم، كل أسرة تذهب إلى الأخرى، لوجدت ما يزيد عن أربع أو خمس مرات اجتمعوا فيها على الطعام، وهذا في شهر واحد، وغالبًا ما يكون في رمضان، وليس في غيره - إلا الأسرة المواظبة على ذلك - ويضاف إلى التراحم والتوادد بين الأسر التواصل بين الأصدقاء والأحباب، وكلها معانٍ سامية ومشاعر راقية يسعى الإسلام بتعاليمه لتأصيلها وترسيخها في نفوس أتباعه، كما أنها تساعد على وحدة المجتمع وتقوية روابطه وسواعده. إذًا، فرمضانُ فرصةٌ كبيرة لتحقيق التعاون بين المسلمين، فهو قيمة إسلامية كبيرة، دعا إليها القرآن الكريم وأمر بها؛ قال ربنا: ï´؟ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ï´¾ [المائدة: 2]. وعلَّق الإمام القرطبي قائلًا: "وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على البر والتقوى؛ أي: ليُعِنْ بعضكم بعضًا، وتحاثوا على ما أمر الله تعالى واعملوا به، وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه، وهذا موافق لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الدالُّ على الخير كفاعله))، وقد قيل: الدال على الشر كصانعه"[1]. وكما أن التعاون أمرٌ قرآني فهو ضرورة اجتماعية، وحاجة أساسية، لا غنى للمجتمع عنها، ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمنين في توادِّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى))[2]...ومن يريد العون من الله، فليُعِن الناس؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))[3]. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم امتدح الأشعريين؛ لتعاونهم في أمر الطعام؛ فعن أبي موسى، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوبٍ واحدٍ، ثم اقتسموه بينهم في إناءٍ واحدٍ بالسوية؛ فهم مني وأنا منهم))[4]. ثم تأتي المواقف النبوية لتجسِّد مدى صورة التعاون النبوي في الأسرة والمجتمع؛ في الأسرة يعين أهله، ويقوم على خدمتهم، عندما سُئلت السيدة عائشة: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة)[5]. ومع المجتمع تصفه السيدة خديجة؛ عندما عاد من لقاء الوحي به أول مرة، فقال: ((أي خديجة، ما لي؟ لقد خشيتُ على نفسي))، فأخبرها الخبر، قالت خديجة: كلا، أبشِرْ؛ فوالله لا يخزيك الله أبدًا؛ فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمِل الكَلَّ، وتَكسِب المعدوم، وتَقْري الضيف، وتُعين على نوائب الحق"[6]. ويُفهم من كلام السيدة خديجة: أن مَن يبذل الخير للناس، ويتعاون معهم، ويسعى في خدمتهم، هو كفيلٌ بإزاحة الأذى عنه، وبُعْد المكروه؛ لفعله المعروف. ويصف عثمان رضي الله عنه تعاون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: "إنا والله قد صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، فكان يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير"[7]. وقيل: لولا التعاونُ بين الناسِ ما شرُفَتْ ♦♦♦ نَفْسٌ ولا ازْدهَرَتْ أرضٌ بعُمرانِ ولا ننسَ أن التعاون من شِيم الأنبياء عليهم السلام؛ فسيدنا إبراهيم عليه السلام لما أُمر ببناء الكعبة، طلب من ابنه إسماعيل عليه السلام أن يعينه ويساعده في هذه المهمة الإلهية، فقال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمرٍ، قال: فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني؟ قال: وأعينك[8]. وطلب سيدنا موسى عليه السلام من ربه أن يجعل أخاه هارون معه ليُعِينه في أمر الدعوة، ويحكي القرآن هذا الطلبَ، فيقول: ï´؟ وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ï´¾ [طه: 29 - 32]، فيستجيب الله لطلبه، ï´؟ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ï´¾ [طه: 36]. وإليكم هذه القصة الرائعة: عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأتى صاحب بز فاشترى منه قميصًا بأربعة دراهم، فخرج وهو عليه، فإذا رجلٌ من الأنصار، فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم، اكسني قميصًا، كساك الله من ثياب الجنة، فنزع القميص فكساه إياه، ثم رجع إلى صاحب الحانوت فاشترى منه قميصًا بأربعة دراهم، وبقي معه درهمان، فإذا هو بجاريةٍ في الطريق تبكي، فقال: ((ما يبكيك؟))، فقالت: يا رسول الله، دفع إليَّ أهلي درهمين أشتري بهما دقيقًا فهلكا، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم إليها الدرهمين الباقيين، ثم ولت وهي تبكي فدعاها، فقال: ((ما يُبكيك وقد أخذت الدرهمين؟))، قالت: أخاف أن يضربوني، فمشى معها إلى أهلها، فسلَّم، فعرفوا صوته، ثم عاد فسلم، ثم عاد فسلم، ثم عاد فثلث فردوا، فقال: ((أسمعتم أول السلام؟))، قالوا: نعم، لكن أحببنا أن تزيدنا من السلام، فما أشخصك بأبينا وأمنا؟ قال: ((أشفقت هذه الجارية أن تضربوها))، قال صاحبها: فهي حرةٌ لوجه الله؛ لممشاك معها؛ فبشرهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بالخير والجنة، ثم قال: ((لقد بارك الله في العشرة؛ كسا الله نبيه قميصًا، ورجلًا من الأنصار قميصًا، وأعتق الله منها رقبةً، وأحمد اللهَ؛ هو الذي رزقنا هذا بقدرته))[9]. يتفاوت الناس في أمر التعاون فيما بينهم، يقول الماوردي: "تنقسم أحوال الناس إلى أربعة أقسام: منهم من يعين ويستعين، ومنهم من لا يعين ولا يستعين، ومنهم من يستعين ولا يعين، ومنهم من يعين ولا يستعين، فأما المعين والمستعين: فهو معاوض منصف يؤدي ما عليه، ويستوفي ما له، وأما من لا يعين ولا يستعين: فهو منازل قد منع خيره، وقمع شره، وأما من يستعين ولا يعين: فهو لئيم كَلٌّ، ومَهين مستذل، وأما من يعين ولا يستعين: فهو كريم الطبع، مشكور الصنع، وقد حاز فضيلتي الابتداء والاكتفاء؛ فهذا أشرف الإخوان نفسًا، وأكرمهم طبعًا"[10]. عن أبي ذر، قال: سألت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم: ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: ((الإيمان بالله))، فقلت: يا نبي الله، مع الإيمان عملٌ؟ قال: ((أن ترضخ مما خولك الله، أو ترضخ مما رزقك الله))، قلت: يا نبي الله، فإن كان فقيرًا لا يجد ما يرضخ؟ قال: ((يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر))، قلت: إن كان لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؟ قال: ((فليُعِنِ الأخرقَ))، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن كان لا يحسن أن يصنع؟ قال: ((فليُعِنْ مظلومًا))، قلت: يا نبي الله، أرأيت إن كان ضعيفًا لا يستطيع أن يعين مظلومًا؟ قال: ((ما تريد أن تترك لصاحبك من خيرٍ، ليُمسِكْ أذاه عن الناس))، قلت: يا رسول الله، أرأيت إن فعل هذا يدخل الجنة؟ قال: ((ما من مؤمنٍ يصيب خصلةً من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى تُدخِله الجنة))[11]. وفي النهاية، أود أن أذكركم أننا نمتلك ما يسمى بمنظمة التعاون الإسلامي، التي تأسست عام 1969م، وتضم (57) دولة ذات غالبية مسلمة من منطقة الوطن العربي وإفريقيا وجنوب شرق آسيا، والسؤال: ماذا قدمت هذه المنظمة التعاونية المسلمة للإسلام والمسلمين؟ وصية عملية: اعلَمْ أنك قليلٌ بنفسك، كثيرٌ بغيرك، فتعاوَنْ حتى تُعانَ. ♦♦♦ السؤال الخامس والعشرون: اذكر اسم السورة التي لم تبدأ بالبسملة، والسبب: الجواب: هي سورة التوبة، والسبب: عن عبدالله بن عباسٍ، قال: سمعتُ أبي يقول: سألت عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه: لِمَ لَمْ تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن (بسم الله الرحمن الرحيم أمانٌ، وبراءةُ نزلت بالسيف، ليس فيها أمانٌ)؛ مستدرك الحاكم (3273). ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الأذان: إن الأذان من أعظم شعائر الإسلام، به نسمع التكبير والشهادتين، وبه يكون النداء، لنؤدي أعظم عبادة لله، وهي الصلاة، وتلك الشعيرة الإسلامية - الأذان - لها آدابها وأحكامها، وهي: 1- النية الحسنة: إن العبد لا يثاب على عمل إلا بنيته، فكل عمل مفتقر إلى نية، واعلم أنه كلما كثرت النوايا، كثرت الحسنات والعطايا مِن رب البرايا، يقول صاحب الإحياء: (وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة؛ فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيراتٍ كثيرةً، فيكون له بكل نيةٍ ثوابٌ؛ إذ كل واحدة منها حسنة، ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها)[12]، ومن أبرز وأهم النوايا التي ينبغي أن يستحضرها المؤذن: المؤذنون أطول الناس أعناقًا: عن معاوية، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة))[13]. القرعة على الأذان: عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا...))[14]. الشيطان يفِرُّ من صوت الأذان: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراطٌ، فإذا قُضي أقبل، فإذا ثُوِّب بها أدبر، فإذا قُضي أقبل، حتى يخطِرَ بين الإنسان وقلبه، فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثًا صلى أم أربعًا، فإذا لم يدرِ ثلاثًا صلى أو أربعًا، سجد سجدتي السهو))[15]. دعاء النبي للمؤذن بالمغفرة: عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإمام ضامنٌ، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشِدِ الأئمة، واغفِرْ للمؤذنين))[16]. الجنة لمن أذن ثنتي عشرة سنة: عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن أذَّن ثنتي عشرة سنةً، وجبت له الجنة، وكُتب له بتأذينه في كل يومٍ ستون حسنةً، ولكل إقامةٍ ثلاثون حسنةً))[17]. للمؤذن أجر من صلى معه: عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((المؤذن يُغفَر له مدى صوته، وأجره مثل أجر من صلى معه))[18]. كل شيءٍ يشهد للمؤذن: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((المؤذن يغفر له مدى صوته، ويَشهَد له كل رطبٍ ويابسٍ، وشاهد الصلاة يكتب له خمسٌ وعشرون صلاةً، ويُكفَّر عنه ما بينهما))[19]. 2- الطهارة: يُستحَب للمؤذن أن يكون على طهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهي في الأقامة آكَدُ؛ لاتصالها بالصلاة، والدليل على استحباب الطهارة في الأذان هو ما جاء عن المهاجر بن قنفذٍ: أنه أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يرد عليه حتى توضأ، ثم اعتذر إليه فقال: ((إني كرهتُ أن أذكر الله عز وجل إلا على طُهرٍ، أو قال: على طهارةٍ))[20]. وجه الاستدلال هنا: أنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كره أن يذكر الله على غير طهارة، فالأذان ذكر لله، فاستحب له الطهارة، وإن أذن المحدِث، فجائز مع الكراهة. 3- الأذان قائمًا: فهو مستحبٌّ، وأجمع العلماء على ذلك، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالًا، فقال له: ((يا بلال، قُمْ فنادِ بالصلاة))[21]. 4- استقبال القِبلة: يُسَنُّ استقبال القبلة للمؤذن؛ حيث إن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يستقبلون القبلة؛ عن ابن سيرين، قال: (إذا أذن المؤذن استقبل القِبلة)[22]، وقال ابن رجب: "والسنَّة عند جمهور العلماء أن يؤذن مستقبل القِبلة"[23]، مع العلم أنه لو لم يستقبل القبلة صح أذانه مع الكراهة. 5- أن يكون المؤذن حسَنَ الصوت: وهذا أدب مهم ومطلوب، وهو أن الذي يؤذن يكون صوته حسنًا نديًّا، يحبه من يسمعه، وهذا الحديث تأصيل للمطالبة بمن يمتلك صوتًا حسنًا أن يرفع الأذان؛ فقد جاء عن عبدالله بن زيدٍ، قال: لما أصبحنا أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بالرؤيا، فقال: ((إن هذه لرؤيا حق، فقُمْ مع بلالٍ فإنه أندى وأمد صوتًا منك، فألقِ عليه ما قيل لك، ولينادِ بذلك))[24]. فينبغي أن يكون صوت المؤذن صيتًا - عالي الصوت - نديًّا؛ حتى لا ينفر الناس من الأذان. 6- الالتفات يمينًا ويسارًا: عن أبي جحيفة، قال: "وأذن بلالٌ، قال: فجعلت أتتبع فاه ها هنا وها هنا - يقول: يمينًا وشِمالًا - يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح"[25]. قال ابن رجب - رحمه الله -: "ويدير وجهه في قول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) يمينًا وشمالًا"[26]. وقال النووي - رحمه الله -: "واختلفوا في كيفية التفاتِه على مذاهبَ، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها - وهو قول الجمهور -: أنه يقول: حيَّ على الصلاة مرتين عن يمينه، ثم يقول عن يساره مرتين: حيَّ على الفلاح، والثاني: يقول عن يمينه: حيَّ على الصلاة مرة، ثم مرة عن يساره، ثم يقول: حيَّ على الفلاح مرة عن يمينه، ثم مرة عن يساره، والثالث: يقول عن يمينه: حيَّ على الصلاة، ثم يعود إلى القِبلة، ثم يعود إلى الالتفات عن يمينه، فيقول: حيَّ على الصلاة، ثم يلتفت عن يساره، فيقول: حيَّ على الفلاح، ثم يعود إلى القبلة، ويلتفت عن يساره فيقول: حيَّ على الفلاح"[27]. 7- وضع الإصبع في الأذن: فمن السنَّة أن يضع المؤذن إصبعيه في أذنيه؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالًا أن يجعل إصبعيه في أذنيه، وقال: ((إنه أرفَعُ لصوتك))[28]. وقال ابن الهمام: "ولأنه أبلغ في الإعلام، فإن لم يفعل فحسنٌ؛ لأنها ليست بسنةٍ أصليةٍ"[29]. 8- الترديد لمن يسمع الأذان: عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ؛ فإنه مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا...))[30]. والترديد يكون بالتكرار خلف المؤذن، في كل ما يقول، إلا عند قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلابالله. تنبيه: يسن الترجيع في جميع الأوقات، وهو أن يقول الشهادتين سرًّا قبل الجهر بهما، أما التثويب: فهو أن يقول المؤذن في أذان الفجر فقط بعد حي على الفلاح: الصلاةُ خيرٌ من النوم. 9- أذكار بعد الأذان: عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلَّت له شفاعتي يوم القيامة))[31]. ويضاف إليه هذا: ما جاء عن سعد بن أبي وقاصٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا، غُفِر له ذنبه))[32]. مع استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان؛ عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلُّوا عليَّ؛ فإنه مَن صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشرًا...))[33]. 10- الدعاء بين الأذان والإقامة: احرِصْ على الدعاء بعد الأذان وقبل الإقامة؛ فقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدعاء بينهما مستجاب؛ فعن أنس بن مالكٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يُرَدُّ الدعاء بين الأذان والإقامة))[34]. ♦♦♦ درس الفقه: ما يجوز للمعتكف فعله: • يجوز الخروج لحاجة كبولٍ وغائط. • يجوز الخروج لغسل الاحتلام. • يجوز الأكل والشرب والنوم في المسجد، بشرط المحافظة على نظافته. مبطلات الاعتكاف: • الخروج بلا عذر شرعي؛ كالخروج للبيع والشراء، أو لغير حاجة طبيعية، تقول السيدة عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا كان معتكفًا"[35]. • ذهاب العقل: سواءٌ كان بجنون أو بسُكْر. • الحيض والنفاس؛ لزوال تحقق شرط الطهارة. • الجماع؛ لقوله تعالى: ï´؟ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ï´¾ [البقرة: 187]. • المباشرة بشهوة؛ كالقُبْلة واللَّمْس وغيره. • الرِّدة؛ لقوله تعالى: ï´؟ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ï´¾ [الزمر: 65]. آداب الاعتكاف: 1. يُستحَب الإكثار من النوافل، والتقرب إلى الله بشتى أنواع العبادات التي يستطيع أن يؤديها في المسجد. 2. الانشغال بذكر الله، والدعاء، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم. 3. الحرص على تلاوة القرآن الكريم، والهمة العالية في ختمه أكثر من مرة. 4. الإمساك عن الكلام الكثير، والبعد عن اللغو والحديث فيما لا يعنيه. 5. عدم تضييع الوقت في المسجد، فلا ينام كثيرًا، ولا يقضي وقته بدون عبادة أو طاعة. 6. يستحب أن يكون صائمًا، وبه قالت السيدة عائشة، وابن عباس، وهو مذهب مالك. 7. يستحب أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكَف في المسجد الجامع. حُكم قضاء الاعتكاف: إن كان قد نذر الاعتكاف، فخرج منه، وجب عليه القضاء، وإن كان تطوعًا فلا يجب قضاؤه، بل يستحب. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان دار الصفوة بالقاهرة [1] تفسير القرطبي (ج6، ص46). [2] مسلم (2586). [3] مسلم (2699). [4] البخاري (2486)، مسلم (2500). [5] البخاري (676). [6] البخاري (4953)، مسلم (160). [7] مسند أحمد (504)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. [8] البخاري (3364). [9] المعجم الكبير للطبراني (13607). [10] أدب الدنيا والدين، للماوردي، ص171، 172 باختصار، دار مكتبة الحياة، تاريخ الطبعة: 1986م. [11] شعب الإيمان (3057). [12] إحياء علوم الدين (ج4، ص370). [13] مسلم (387). [14] البخاري (2689)، مسلم (437). [15] البخاري (3285). [16] أبو داود (517)، والترمذي (207)، وأحمد (7805)، وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. [17] ابن ماجه (728)، والمعجم الأوسط للطبراني (8733)، وحسنه الأرناؤوط. [18] المعجم الكبير للطبراني (7942)، وأورده الألباني في صحيح الجامع (6643). [19] أبو داود (515)، وابن ماجه (724)، وأحمد (6201)، وصححه الأرناؤوط. [20] أبو داود (17)، وأحمد (19034)، والحاكم (592)، وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين. [21] متفق عليه. [22] مصنف ابن أبي شيبة (2184). [23] فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن رجب، (ج5، ص378)، مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة النبوية، ط1/ 1417 هـ = 1996 م. [24] أبو داود (499)، والترمذي (189)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [25] متفق عليه. [26] فتح الباري بشرح صحيح البخاري، لابن رجب (ج5، ص378). [27] شرح النووي على مسلم (ج4، ص219). [28] ابن ماجه (710)، والمعجم الصغير للطبراني (1170)، ومستدرك الحاكم (6554)، وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره. [29] فتح القدير، للكمال بن الهمام، (ج1، ص245)، دار الفكر، بدون طبعة وتاريخ. [30] مسلم (384). [31] البخاري (614، 4719). [32] مسلم (386). [33] سبق تخريجه. [34] أبو داود (521)، والترمذي (212)، وقال: حديث أنسٍ حديثٌ حسنٌ. [35] متفق عليه. |
رد: دروس رمضانية
فضل من أدرك رمضان (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله ولي التوفيق، وهادي مَن استهداه لأقوم الطريق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الداعين وإمام الهادين، ورضي الله عن أصحابه الغر الميامين وسلم تسليمًا، وبعد: فإدراك رمضان نعمة من المنعم سبحانه وتعالى على المنعَم عليه، فكم من أناس كانوا معنا رمضان الماضي، لكن سبق القدر، فكانوا في عالم آخر غير عالمنا، فاستشعِرْ تلك النعمة، وكن ممن أحسن الصيام والقيام، واسأل نفسك: هل أنا في هذا العام كالعام الماضي أم أفضل؟ هل أحسنت هذا العام واجتهدت أم أسأت وقصرت؟ هل يا ترى سيكون إدراكي لرمضان سببًا في أن أحصِّل ما وعدني به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن من صلى الصلوات الخمس، وأدى الزكاة، وصام رمضان وقامه، سيكون مع الصديقين والشهداء؛ عن عمرو بن مرة الجهني، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان، وقمته، فممن أنا؟، قال: ((من الصِّدِّيقين والشهداء))[1]. كما أن من أدرك رمضان قد يسبق درجة الشهيد في سبيل الله، بفضل صيامه وقيامه، وصلاته وسجوده؛ عن طلحة بن عبيدالله: أن رجلين من بَلِيٍّ قدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إسلامهما جميعًا، فكان أحدهما أشد اجتهادًا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنةً، ثم توفي، قال طلحة: فرأيت في المنام: بينا أنا عند باب الجنة، إذا أنا بهما، فخرج خارجٌ من الجنة، فأذن للذي توفي الآخِرَ منهما، ثم خرج، فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي، فقال: ارجع؛ فإنك لم يأنِ لك بعدُ، فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وحدثوه الحديث، فقال: ((من أي ذلك تعجبون؟)) فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشد الرجلين اجتهادًا، ثم استشهد، ودخل هذا الآخِرُ الجنة قبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أليس قد مكث هذا بعده سنةً؟))، قالوا: بلى، قال: ((وأدرك رمضان فصام، وصلى كذا وكذا من سجدةٍ في السنة؟))، قالوا: بلى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض))[2]. فإدراك رمضان منَّةٌ كبرى، ونعمةٌ عظمى، فبإدراكه وصيام نهاره وقيام ليله، تسبق الشهداءَ في سبيل الله. ويتأكد وعد الله عز وجل بأن الذي يصوم رمضان كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة؛ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها))، قالوا: يا رسول الله، أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: ((إن في الجنة مائة درجةٍ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسَلُوه الفِردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تَفَجَّرُ أنهارُ الجنة))[3]. وقال بعض السلف: إذا حضر الرجلَ الموتُ، يقال للملك: شَمَّ رأسه، قال: أجد في رأسه القرآن، قال: شَمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام، قال: شَمَّ قدميه، قال: أجد في قدميه القيام، قال: حفِظ نفسه، فحفظه الله[4]. ثم احذر أن تكون ممن أدرك رمضان فلم يغفر لك، أو أن تكون ممن أدرك رمضان، فانسلخ ولم تكتب من أهل الجنة، أو أدرك رمضان فمضى ولم تعتق رقبتك من النار، فهؤلاء يصدق فيهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رغِم أنف رجلٍ ذُكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ، ورغم أنف رجلٍ دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجلٍ أدرك عنده أبواه الكِبَرَ فلم يُدخِلاه الجنة))[5]. قال المناوي: "أي: رغِم أنف مَن علم أنه لو كف نفسه عن الشهوات شهرًا في كل سنة، وأتى بما وظف له فيه من صيام وقيام، غفر له ما سلف من الذنوب فقصر ولم يفعل حتى انسلخ الشهر ومضى، فمن وجد فرصة عظيمة بأن قام فيه إيمانًا واحتسابًا عظمه الله، ومن لم يعظمه حقره الله وأهانه"[6]. ومِن عظيم كرم الله أن الذي يدرك رمضان فيقوم بحقه، يغفر له ما بين الرمضانين؛ عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفراتٌ ما بينهن إذا اجتنب الكبائر))[7]. فتلك بشارة عظيمة، وهي أنك لو صمت رمضان، يغفر الله لك ما فعلته من ذنوب وصغائر منذ رمضان الماضي، فهل بعد هذا كرم؟! وهل بعد ذلك فضل؟! فلا تضيع الفرصة، ولا تحرم نفسك؛ فإن من حُرِم هذا الخير فقد حُرِم. قطف الثمرات في شهر الخيرات: قال السري السقطي: "السَّنة شجرةٌ، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العباد ثمرتها، فشهر رجبٍ أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها،هذه الأشهر الثلاث المعظمة كالجمرات الثلاث، فرجبٌ كأول جمرةٍ تحمى بها العزائم، وشعبان كالثانية تذوب فيها مياه العيون، ورمضان كالثالثة تورق فيها أشجار المجاهدات، وأي شجرةٍ لم تورق في الربيع قطعت للحطب! فيا من قد ذهبت عنه هذه الأشهر وما تغير، أحسَن الله عزاءك!"[8]. أيها الصائم.. • كن ولا تكن..كن ممن طال عمرهم وحسن عملهم؛ فهؤلاء من خيار الناس. • ولا تكن ممن طال عمرهم وساء عملهم، وهؤلاء من شرار الناس. • كن ولا تكن..كن حريصًا على أن تعتق رقبتك من النار، وتكتب من أهل الجنان. • ولا تكن ممن لم يَشغَله العتق من النيران، وعدم الفوز بمنازل في الجنان. • كن ولا تكن..كن ممن قاموا التراويح، ولم ينصرفوا حتى ينصرف إمامه، فكُتب له قيام ليلة. • ولا تكن ممن صلى ركعتين أو أربعًا ثم انصرف، فلم يكتب له إلا ما صلى. • كن ولا تكن..كن من الصائمين القائمين المحتسبين المتهجِّدين المجتهدين المتصدِّقين الذاكرين. • ولا تكن من الصائمين النائمين المفرِّطين الممسكين عن الصدقة وذكر رب العالمين. رمضان فرصةٌ لا تعوض..فهنيئًا لمن أدركه، وأَمْرَه إلى الله فوَّض... ♦♦♦ السؤال التاسع والعشرون: من هم شعراء الرسول صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: شعراء الرسول ثلاثة، وهم: "حسان بن ثابت، وعبدالله بن رواحة، وكعب بن مالك". عن محمد بن سيرين، قال،كان شعراء المسلمين: حسان بن ثابتٍ، وعبدالله بن رواحة، وكعب بن مالكٍ، فكان كعبٌ يخوفهم الحرب، وعبدالله يعيرهم بالكفر، وكان حسان يقبل على الأنساب. ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب الرؤى والأحلام: إن كل إنسان على وجه البسيطة ينام، وما من نائم إلا ويرى رؤًى أو أحلامًا، وما يراه الإنسان في منامه، جعل الإسلام للتعامل معه آدابًا وأحكامًا، ولا يصح الاستهانة أو التقليل من شأن الرؤى؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مِن هَدْيه إذا أصبح أن يسأل أصحابه رضي الله عنهم هل رأى أحد رؤيا؟!؛ عن سمرة بن جندبٍ، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح أقبل عليهم بوجهه فقال: ((هل رأى أحدٌ منكم البارحة رؤيا؟))[9]. وما يراه الإنسان في منامه، لا يخرج عن إحدى ثلاث، كما بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: ((.... والرؤيا ثلاثةٌ: فرؤيا الصالحة بشرى من الله، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدِّث المرء نفسه...))[10]. ويمكن تقسيم الآداب إلى: آداب عامة، وآداب متعلقة بالرؤيا الصالحة، وآداب متعلقة بالرؤيا السيئة، وإليكم بيانها: أولًا: آداب عامة: 1. قص الرؤيا على من لديه خبرة بتأويل الأحلام: فمَن رأى رؤيا وأراد تأويلها، وجَب عليه أن يأتي من كان على دراية وخبرة بتأويل الأحلام وتعبيرها، وعلى من أتاه ليعبر له رؤياه، وليس من ذوي الخبرة والتخصص، فليقل كما قال رجال الملك: ï´؟ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ * قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ï´¾ [يوسف: 43، 44]. وأوصى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بألا تقص الرؤيا إلا على أهل العلم، فقال: ((لا تقص الرؤيا إلا على عالمٍ أو ناصحٍ))[11]. وسُئل الإمام مالك: أيعبر الرؤيا كل أحد؟ قال: أبالنبوة يلعب؟! [12]، ولعل ما دفعه إلى ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((رؤيا المؤمن جزءٌ من ستةٍ وأربعين جزءًا من النبوة))[13]. تعليق: مكَث رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوته ثلاثًا وعشرين عامًا، وبُدئ الوحي بالرؤيا الصادقة، وظل ستة أشهر، أي نصف عام، ثم كان الوحي باليقظة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم، فلو حسبنا مدة الوحي بالمنام - وهي نصف عام - إلى مدة الوحي باليقظة - وهي ثلاثة وعشرون عامًا - فتكون النسبة: واحدًا إلى ستة وأربعين. 2. عدم التعجُّل في تأويلها: يستحسن أن من يرى رؤيا في منامه، أن يتمهل في تأويلها ولا يتعجل، وإن سأل فليسأل أهل الذِّكر، ولا يكثر السؤال، فيكثر التأويل، فيكون ما لا يحب، فالرؤيا - كما نعلم - لأول معبر لها؛ عن أبي رزينٍ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا على رِجل طائرٍ ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت))، قال: وأحسبه قال: ((ولا تقصها إلا على وادٍّ، أو ذي رأيٍ))[14]. وعن عائشة، قالت: كانت امرأةٌ من أهل المدينة لها زوجٌ تاجرٌ يختلف، فكانت ترى رؤيا كلما غاب عنها زوجها، وقلما يغيب إلا تركها حاملًا، فتأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول: إن زوجي خرج تاجرًا وتركني حاملًا، فرأيت فيما يرى النائم أن سارية بيتي انكسرت، وأني ولدت غلامًا أعور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيرٌ، يرجع زوجك عليك إن شاء الله تعالى صالحًا، وتلدين غلامًا برًّا))، فكانت تراها مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك تأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول ذلك لها، فيرجع زوجها، وتلد غلامًا، فجاءت يومًا كما كانت تأتيه - ورسول الله صلى الله عليه وسلم غائبٌ - وقد رأت تلك الرؤيا، فقلت لها: عمَّ تسألين رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أمَةَ الله؟ فقالت: رؤيا كنت أراها فآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسأله عنها فيقول: خيرًا، فيكون كما قال، فقلت: فأخبريني ما هي؟ قالت: حتى يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرضها عليه كما كنت أعرض، قالت: فوالله ما تركتها حتى أخبرتني، فقلت: والله لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك، وتلدين غلامًا فاجرًا، فقعدت تبكي، وقالت: ما لي حين عرضت عليك رؤياي؟ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تبكي، فقال: ((ما لها يا عائشة؟))، فأخبرته الخبر وما تأولت لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مه يا عائشة!))، إذا عبرتم للمسلم الرؤيا فاعبروها على خيرٍ؛ فإن الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها، قالت: فمات والله زوجها، ولا أراها إلا ولدَتْ غلامًا فاجرًا[15]. فعوقبت بكثرة سؤالها، وطلبها تأويل رؤياها أكثر من مرة، ولم تكتفِ بما فسره لها رسول الله صلى الله عليه وسلم. 3. عدم الكذب في قص الرؤيا: فإذا قصصت رؤياك على المعبر، فقص ما رأيت، ولا تقل ما لم يحدث، واحذَرِ الكذب في قص رؤياك؛ فإن ذلك يُعَدُّ مِن الفِرَى؛ فعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن مِن أَفْرَى الفِرَى أن يُرِيَ عينيه ما لم تَرَ))[16]، وعن ابن عباسٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((من تحلَّم كاذبًا، كُلِّف يوم القيامة أن يعقد بين شَعِيرتين ولن يعقِدَ بينهما))[17]. ثانيًا: آداب الرؤيا الصالحة: 1. احمَدِ الله عليها: إذا رأى الإنسان ما يحب، فليحمد الله، ويقل: الحمد لله؛ فتلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهو الذي قال: ((إذا رأى أحدكم رؤيا يحبها، فإنما هي من الله، فليحمَدِ الله عليها، وليُحدِّث بها...))[18]. 2. لا تُخبِر بها إلا مَن تحب: وهذا نتعلمه من قصة سيدنا يوسف مع أبيه يعقوب - عليهما السلام - فلما رأى يوسف الرؤيا، وجاء إلى أبيه ليقصها عليه، أجابه أبوه بألا يخبر بها أحدًا من إخوته؛ حتى لا يحقدوا عليه؛ قال تعالى: ï´؟ قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ï´¾ [يوسف: 5]. وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: ((.... فإن رأى رؤيا حسنةً، فليُبشِر، ولا يخبر إلا من يحب))[19]. 3. تفاءَلْ بها ولا تتشاءَم: ففي الحديث السابق: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (فليُبشِر)؛ فلا داعي للقلق، ولا مجال للخوف والهلع، وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري: "أما بعد فإني آمركم بما أمركم به القرآن، وأنهاكم عما نهاكم عنه محمد صلى الله عليه وسلم، وآمركم باتباع الفقه والسنة، والتفهم في العربية، وإذا رأى أحدكم رؤيا فقصها على أخيه، فليقل: خيرًا لنا، وشرًّا لأعدائنا"[20]...أي: يُظهر تفاؤله بها واستبشاره بها خيرًا، وأنها خيرٌ للمسلمين، شرٌّ على أعدائهم. ثالثًا: آداب الرؤيا السيئة: 1. اسأَلِ الله خيرها، واستعِذْ به من شرها: فما كان خيرًا، فاحمد الله عليه، واسأله خيرها، وما كان غير ذلك، فتعوَّذ بالله منه، ولا تخبر به أحدًا، فكما جاء عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها، فليتحول وليتفل عن يساره ثلاثًا، وليسأل الله من خيرها، وليتعوذ بالله من شرها))[21]. 2. الاستعاذة بالله من الشيطان: فالرؤيا الحسنة من الله، والحُلْم من الشيطان، فإذا كان الحُلْم من الشيطان، وأردت أن يبتعد عنك، ولا يوسوس لك، فاستعذ بالله منه، وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فهذه سنَّة الحبيب صلى الله عليه وسلم، إذ قال: ((فمن رأى رؤيا فكَرِهَ منها شيئًا فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان...))[22]. 3. لا تخبر بها أحدًا: قال رسول الله: ((.... وإذا رأى غير ذلك مما يكره، فإنما هي من الشيطان، فليستعذ من شرها، ولا يذكرها لأحدٍ؛ فإنها لا تضره))[23]. وحدَث أن رجلًا رأى رؤيا غير حسنة، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقصها عليه، ويؤولها له، فبماذا رد عليه رسول الله؟ عن جابرٍ، قال: جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، رأيت في المنام كأن رأسي قطع، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال: ((إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه، فلا يحدث به الناس))[24]. 4. أن تتفل عن يسارك ثلاثًا: وفيه تحقير للشيطان، وطردٌ له، فعندما تتفل عن يسارك يخنس ويرجع؛ عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها، فليتحول وليتفل عن يساره ثلاثًا...))[25]. 5. تحوَّلْ عن جنبك الذي كنت عليه: فإذا رأيت رؤية لا تحبها، فلو كنت نائمًا على الجنب الأيمن نَمْ على ظهرك، تفاؤلًا بأن يتغير حالك من السيئ إلى الأحسن؛ فالحديث الذي سبق ذكره في الأدب السابق يحث على ذلك؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فليتحول)، وإن كنت فزعًا فقم لصلاة ركعتين؛ مصداقًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقُمْ فليُصَلِّ...))[26]. ♦♦♦ درس الفقه: مسائل متفرقة: حُكم إخراج صدقة الفطر عن العمال: لا يلزم صاحبَ الشركة أو المصنع أن يزكي عن عماله، بل الأصل أنها تجب في حقهم، إذا كانوا ممن يملِكون ما يزيد عن قوتهم وقوت عيالهم. حكم الزيادة على صدقة الفطر: الواجب إخراج المقدار الذي حددته السنة النبوية، وهو الصاع، الذي يزن: 2.5 تقريبًا، وإذا أراد أن يزيد عليه، فهو خير للفقراء، ورصيد له في ميزان حسناته؛ قال ربنا: ï´؟ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ï´¾ [المزمل: 20]. حُكم قول المأموم: نشهد، حقًّا، يا ألله، عند مواضع معينة في الدعاء: السنة أن يقول المأموم: آمين، فلم يرد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم هذه الكلمات، وهذا رأي الإمام النووي، يقول: "وأما الثناء وهو قوله: فإنك تقضي ولا يقضى عليك إلى آخره، فيشاركه في قوله، أو يسكت، والمشاركة أولى؛ لأنه ثناءٌ وذكرٌ لا يليق فيه التأمين"[27]. وعليه: فيستحب مشاركة الإمام فيما يقوله، لا أن يقول: حقًّا، ونشهد، ويا ألله؛ فهذا ليس بمشروع، ولا فيه أثر. حكم تقديم وقت الإمساك، وتأخير وقت الإفطار: قد يعمِد البعض إلى الإمساك عن الطعام والشراب قبل أذان الفجر بدقائق، بل نجد بعض التقاويم تضع خانة للإمساك، وهذا كله غير صحيح؛ فالأصل هو الطعام حتى أذان الفجر؛ قال تعالى: ï´؟ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ï´¾ [البقرة: 187]. كما أن تعمُّدَ تأخير الإفطار حتى ينتهي المؤذن من أذان المغرب، أو حتى يصل إلى الشهادتين، أيضًا مما لا أصل له في السنة، وللإمام ابن حجر كلام نفيس في هذا، فيقول: "من البدع المنكرة: ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على من يريد الصيام؛ زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحاد الناس، وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت، زعموا فأخروا الفطر وعجلوا السحور وخالفوا السنَّة"[28]. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان دار الصفوة بالقاهرة [1] صحيح ابن حبان (3438)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين. [2] سنن ابن ماجه (3925)، وصححه الألباني. [3] البخاري (7423). [4] جامع العلوم والحكم، لابن رجب، (ج2، ص468). [5] أحمد (7444)، والترمذي (3545)، وقال الألباني: حسن صحيح. [6] فيض القدير، (ج4، ص34). [7] مسلم (233). [8] التبصرة، لابن الجوزي (ج2، ص78). [9] مسلم (2275). [10] مسلم (2263). [11] الترمذي (2280)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. [12] شرح زروق على متن الرسالة لابن أبي زيد القيرواني، تأليف: شهاب الدين أبي العباس، المعروف بزروق، اعتنى به: أحمد فريد المزيدي، (ج2، ص1108)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط1/ 1427ه = 2006 م. [13] البخاري (6987)، مسلم (2264). [14] أبو داود (5020)، وابن ماجه (3914)، وأحمد (16182)، وقال الأرناؤوط: حسن لغيره. [15] سنن الدارمي (2209)، وحسَّن الحافظ ابن حجر إسناده في الفتح (ج12، ص432). [16] البخاري (7043). [17] الترمذي (2283)، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. [18] البخاري (6985). [19] مسلم (2261). [20] شرح السنة، للبغوي (ج12، ص207، 208). [21] ابن ماجه (3910)، وقال الأرناؤوط: صحيح لغيره. [22] مسلم (2261). [23] سبق تخريجه. [24] مسلم (2268). [25] سبق تخريجه. [26] مسلم (2263). [27] المجموع، للنووي، (ج3، ص503). [28] فتح الباري، لابن حجر (ج4، ص199). |
رد: دروس رمضانية
ولعلكم تشكرون (درس رمضاني) الشيخ أحمد علوان (من دروس رمضان وأحكام الصيام) للأئمة والدعاة الحمد لله رب العالمين، لك الحمد ربنا بالإسلام، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بالأهل والمال والمعافاة، كبَتَّ عدوَّنا، وبسطت رزقنا، وأظهرت أمننا، وجمعت فرقتنا، وأحسنت معافاتنا، ومن كل ما سألناك ربنا أعطيتنا؛ فلك الحمد على ذلك كثيرًا، كما تنعم كثيرًا، وبعد: فإن الشكر نصف الإيمان؛ فالإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شُكر، وبتأملنا في آيات الصيام، نرى أن الله سبحانه وتعالى ختم الآية التي تتحدث عن شهر رمضان بالشكر، فقال: ï´؟ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ï´¾ [البقرة: 185]، وفي هذا لفت الأنظار لكل من صام وقام، وكل من أكرمه الله بشهر رمضان: أن يشكُرَ الله على تلك النعمة؛ فقد حرم منها غيرك، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول بعد كل صلاة، كما علم معاذ بن جبل حين أخذ بيده وقال: ((يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك))، فقال: ((أوصيك يا معاذ: لا تدعن في دبر كل صلاةٍ تقول: اللهم أعني على ذِكرك، وشكرك، وحسن عبادتك))[1]. أَوْليتَني نِعمًا أبوح بشُكرِها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وكفَيْتَني كلَّ الأمور بأَسْرِها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فلأشكُرَنَّكَ ما حَيِيتُ وإن أَمُتْ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif فلَتَشْكرَنَّك أَعْظُمي في قبرِها https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif الشكور: اسمٌ مِن أسماء الله عز وجل، وقد وصف نفسه فقال: ï´؟ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ï´¾ [فاطر: 34]، ولما كانت صفة الشكر من أحب الصفات، كان المتصف بها من الخَلْق مِن أحب الناس إليه. الشكر في القرآن الكريم: إن الله قرن الشكر بذكره، فقال: ï´؟ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ï´¾ [البقرة: 152]، كما قرنه بالإيمان، فقال: ï´؟ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ï´¾ [النساء: 147]، ووعَد الله بالمزيد لمن شكره، فقال: ï´؟ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ï´¾ [إبراهيم: 7]، وقال: ï´؟ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ï´¾ [آل عمران: 144]، وقال: ï´؟ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ï´¾ [آل عمران: 145]، وأخبرنا أن رضاه في شكره: ï´؟ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ï´¾ [الزمر: 7]. وأن الشكر هو الغاية من الخلق: ï´؟ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ï´¾ [النحل: 78]، وأول وصية من الله للإنسان: ï´؟ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ï´¾ [لقمان: 14]. إن مِن المهام التي يقوم بها إبليس اللعين قطع الطريق على الشاكرين؛ ï´؟ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ï´¾ [الأعراف: 17]. الشُّكر من صفات الأنبياء عليهم السلام: لقد وصف الله سيدنا نوحًا عليه السلام فقال: ï´؟ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ï´¾ [الإسراء: 3]. والسبب - كما قال مجاهد -: لم يأكل شيئًا إلا حمد الله عليه، ولم يشرب شرابًا إلا حمد الله عليه، ولم يبطش بشيء قط إلا حمد الله عليه؛ فأثنى الله أنه كان عبدًا شكورًا. ووصف سيدنا إبراهيم عليه السلام بالشكر، فقال ربنا: ï´؟ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ï´¾ [النحل: 120، 121]. وأمر سيدنا موسى عليه السلام بالشكر، فقال: ï´؟ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ï´¾ [الأعراف: 144]، وعن أبي الجلد، قال: قرأت في مسألة موسى عليه السلام أنه قال: "يا رب، كيف لي أن أشكرك وأصغر نعمةٍ وضعتها عندي من نعمك لا يجازي بها عملي كله؟ قال: فأتاه الوحي: (أن يا موسى الآن شكرتَني)[2]. أمر آل داود عليه السلام بالشكر، فقال: ï´؟ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ï´¾ [سبأ: 13]، وعن الحسن، قال: قال داود عليه السلام: (إلهي، لو أن لكل شعرةٍ مني لسانين يسبحانك الليل والنهار ما قضيتُ نعمةً من نعمك)[3]. ويؤمر سيد الشاكرين صلى الله عليه وسلم من رب العالمين سبحانه وتعالى بالشكر، ï´؟ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ï´¾ [الزمر: 66]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسلم على رجل، فرد عليه الرجل السلام، فقال عمر للرجل: كيف أنت؟ قال الرجل: أحمد الله إليك، قال عمر: هذا أردتُ منك. وكان علي رضي الله عنه إذا دخل الخلاء قال: بسم الله الحافظ المؤدي، وإذا خرج مسح بيديه بطنه ثم قال: يا لها من نعمةٍ لو يعلم العبادُ شكرَها[4]. وكان عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه يقول: قيدوا نِعَمَ الله بشُكرها. قال رجلٌ لأبي حازمٍ: ما شُكر العينين يا أبا حازمٍ؟ قال: إن رأيت بهما خيرًا أعلنتَه، وإن رأيت بهما شرًّا سترتَه، قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعتَ بهما خيرًا وعيتَه، وإن سمعت بهما شرًّا دفعتَه، قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا لله هو فيهما، قال: فما هو شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا، قال: فما شكر الفَرْج؟ قال: كما قال: ï´؟ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ï´¾ [المؤمنون: 6] إلى قوله: ï´؟ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ï´¾ [المؤمنون: 7]، قال: فما شكر الرِّجْلين؟ قال: إذا رأيت حيًّا غبطته استعملت بهما عمله، وإن رأيت ميتًا مقته كففتهما عن عمله، وأنت شاكرٌ لله، فأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمَثَله كمَثَل رجلٍ له كساءٌ، فأخذ بطرفه ولم يلبَسْه، فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد، والثلج والمطر"[5]. إذا أردت أن تؤدي شكر يومك، فعليك بهذا الدعاء؛ عن عبدالله بن غنامٍ البياضي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمةٍ فمنك وحدك، لا شريك لك، فلك الحمد، ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته))[6]. عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ((خرج من عندي خليلي جبريل آنفًا فقال: يا محمد، والذي بعثك بالحق إن لله عبدًا من عبيده عبَدَ الله تعالى خمسمائة سنةٍ...فنجد له في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عز وجل فيقول له الرب: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: رب، بل بعملي، فيقول الرب: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: يا رب، بل بعملي، فيقول الرب: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي، فيقول: رب، بل بعملي، فيقول الله عز وجل للملائكة: قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله، فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنةٍ، وبقيت نعمة الجسد فضلًا عليه، فيقول: أدخلوا عبدي النار، قال: فيجر إلى النار، فينادي: رب، برحمتك أدخلني الجنة، فيقول: ردوه، فيوقف بين يديه، فيقول: يا عبدي، من خلقك ولم تك شيئًا؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: كان ذلك من قِبَلِك أو برحمتي؟ فيقول: بل برحمتك،فيقول: مَن قوَّاك لعبادة خمسمائة عامٍ؟ فيقول: أنت يا رب، فيقول: من أنزلك في جبلٍ وسط اللجة وأخرج لك الماء العذب من الماء المالح، وأخرج لك كل ليلةٍ رمانةً، وإنما تخرج مرةً في السنة، وسألتني أن أقبضك ساجدًا ففعلت ذلك بك؟ فيقول: أنت يا رب، فقال الله عز وجل: فذلك برحمتي، وبرحمتي أدخلك الجنة))[7]. عن خالد بن معدان، سمعت عبدالملك بن مروان، يقول: "ما قال عبدٌ كلمةً أحب إليه وأبلغ في الشكر عنده من أن يقول: الحمد لله الذي أنعَم علينا، وهدانا للإسلام"[8]. سأل رجلٌ عبدالله بن عمرو بن العاص، فقال: ألست من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبدالله: ألك امرأةٌ تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكنٌ تسكنه؟ قال: نعم،قال: فأنت من الأغنياء،قال: فإني لي خادمًا؟ قال: فأنت من الملوك[9]... وقال الحسن البصري: هل الملك إلا مركبٌ وخادمٌ ودارٌ؟![10]. قال بكر المزني: (يا بنَ آدم، إن أردت أن تعلم قدر ما أنعم الله عليك، فغمض عينيك). ما أجمل هذه الكلمات؟! ما أُعطي أحدٌ أربعةً فمُنِع أربعةً، ما أُعطي أحدٌ الشكر فمُنِع الزيادة؛ لأن الله تعالى يقول: ï´؟ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ï´¾ [إبراهيم: 7]، وما أعطي أحدٌ الدعاء فمُنِع الإجابة،لأن الله يقول: ï´؟ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ ï´¾ [غافر: 60]، وما أعطي أحدٌ الاستغفار، ثم منع المغفرة؛ لأن الله عز وجل يقول: ï´؟ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ï´¾ [نوح: 10]، وما أعطي أحدٌ التوبة فمنع التقبل؛ لأن الله عز وجل يقول: ï´؟ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ï´¾ [الشورى: 25]. تأمَّل نِعَم الله عليك! • التنفس: في اليوم 15000 لتر أكسجين...والمثانة: لولاها لنزلت نقطتان من البول في كل عشرين ثانية.. • الشعر في رأس الإنسان: 300 ألف شعرة، لكل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة وغدة دهنية وغدة صبغية.. • العين: في ماء العين مادة ضد التجمُّد، فلو ذهبت مثلًا إلى منطقة مثل فنلندا - تقع في بلاد الشمال، ويجاورها السويد والنرويج، في فصل الشتاء يكون الجو باردًا، وتصل درجة الحرارة تحت الصفر - فما موقف ماء العين؟ هل يتجمد؟ هل يفقد الإنسان بصره؟ هي محفوظة بسبب ماء العين الذي يضاد التجمد. وآلات التصوير مثلًا - خاصة الآلات الاحترافية -: فيها عشرة آلاف مستقبل ضوئي، وفي شبكة العين 100 مليون مستقبل ضوئي، وتستطيع العين أن تفرق بين 8 مليون لون. • الماء: لا طعم له ولا لون ولا رائحة، والماء الذي نشربه عذبٌ، وماء الأذن مرٌّ، وماء العين مالحٌ، وماء الفم عَذْبٌ. • الأنف: به سطوح متداخلة، حتى يكون طريق الهواء في الدخول طويلًا؛ فالإنسان يحتاج إلى هواء يتناسب مع درجة حرارة الجسم، فلو استنشق هواء - درجة حرارته صفر - فيدخل بدرجة حرارة 37 درجة بفضل هذه السطوح. بالإضافة إلى أن السطوح مغطاة بطبقة مخاطية حتى تصطاد الغبار، فيصل الهواء دافئًا نقيًّا، كما أن عدد الأعصاب الشمية: 20 مليون عصب. • الأذن: فالأذن الواحدة تسمع بها، والاثنان تحدد بهما الاتجاه. • النوم: وزن الجسم، ووزن الهيكل العظمي مع العضلات يضغط فتضيق الأوعية، وتضعف التروية، وأنت نائم مستغرق في النوم يأتي أمر من الدماغ فتقلب، وقد تقلب 38 مرة، مرة على اليمين، ومرة على اليسار. كما أن أنسب هيئة في النوم: النوم على الشق الأيمن، فالرئة اليسرى أصغر وأخف، والكبد أكبر أعضاء الجسم مستقر على جهة الأرض، والهضم يكون بسرعة، قال بعضهم: النوم على الظَّهر نومة الأمراء، والنوم على البطن نومة الشياطين، والنوم على الشق الأيسر نومة الأغنياء؛ لكثرة أكلهم، والنوم على الشق الأيمن نومة العلماء. • الأرض والشمس: يقول ربنا: ï´؟ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ï´¾ [الرحمن: 5]، فلو أن الشمس اقتربت منا لاحترقنا، ولو ابتعدت عنا لتجمَّدْنا. فلو شاهَدَتْ عيناك مِن حُسْننا الذي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif رأَوْه لَمَا ولَّيْتَ عنَّا لغيرنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولو سمِعَتْ أُذْناك حُسنَ خطابنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif خلَعْتَ ثيابَ العُجْبِ عنك وجئتَنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولو ذُقتَ مِن طَعْمِ المحبَّةِ ذرةً https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif عذَرْتَ الذي أضحى قتيلًا بحبِّنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولو نسَمَتْ مِن قُرْبنا لك نسْمةٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif لَمِتَّ غريبًا واشتياقًا لقُربِنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ولو لاح مِن أنوارِنا لك لائحٌ https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif ترَكْتَ جميعَ الكائناتِ لأجلِنا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif وصية عملية: تعوَّد أن تقول: الحمد لله...بعد الطعام، قل: الحمد لله..بعد الشرب، قل: الحمد لله..بعد الاستيقاظ من النوم، قل: الحمد لله..بعد اللباس قل: الحمد لله..بعد الفطور في الصيام، قل: الحمد لله..بعد وصولك إلى البيت، قل: الحمد لله..بعد نظرك في المرآة، قل: الحمد لله..واحمَد الله على كل حال. ♦♦♦ السؤال الثامن والعشرون: كم مرة حج رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتمر؟ الجواب: "حج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرةً واحدة، واعتمر أربع مرات". قال ابن القيم في زاد المعاد: "لا خلاف أنه لم يحج بعد هجرته إلى المدينة سوى حجةٍ واحدةٍ، وهي حجة الوداع، ولا خلاف أنها كانت سنةَ عَشْرٍ". جاء في الصحيحين، عن أنسٍ، قال: "اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عُمَرٍ، كلهن في ذي القعدة، إلا التي كانت مع حجته: عمرةً من الحديبية في ذي القعدة، وعمرةً من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرةً من الجعرانة، حيث قسم غنائم حنينٍ في ذي القعدة، وعمرةً مع حجته". ♦♦♦ خاطرة (بعد الفجر): آداب السوق: إن الأسواق لا يستغني عنها الناس، فمنها طعامهم، ومنها شرابهم، وعليها تقوم حياتهم، حيث البيع والشراء، والمعاملات بين الناس، فالأسواق لها أهمية كبرى في دنيا البشر، فهي تعد عصب الحياة، وقد ينتشر فيها الغش والخداع، وإخلاف الموعد، والإعراض عن ذكر الله عز وجل، فإذا كانت بتلك الصفات فهي من أبغض الأماكن إلى الله؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها))[11]، ولما كانت الناس في حاجة إلى الأسواق، لزمهم التعرف على آدابها، فأسواقنا لها آداب في شريعتنا، وهي: 1- دعاء دخول السوق: وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد منا أن نكون على صلة بالله عز وجل في مثل هذه الأماكن التي تنتشر فيها المخالفات، فابدأ بذكر الله عند دخولك، فجميلٌ أن تذكر اللهَ والناس غافلون، وتأمل عِظَم الأجر من الله؛ حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قديرٌ - كتب الله له ألف ألف حسنةٍ، ومحا عنه ألف ألف سيئةٍ، ورفع له ألف ألف درجةٍ))[12]. 2- عدم الذهاب إلى الأسواق إلا لحاجة: إن مثل هذه الأماكن لا ينبغي للإنسان أن يذهب إليها، إلا إذا احتاج إليها؛ فهي كما قال النووي: "محل الغش والخداع والربا والأيمان الكاذبة وإخلاف الوعد والإعراض عن ذكر الله، وغير ذلك مما في معناه"[13]. وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: "لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها؛ فإنها معركة الشيطان، وبها ينصِبُ رايته"[14]. 3- غض البصر: إن المترسخ في الأذهان: أن الأسواق هي محل وجود النساء؛ حيث شراء الخضروات والفواكه، وحاجيات البيوت، فهن أدرى بذلك من أزواجهن غالبًا، فإذا ذهب الرجل فوجب عليه أن يغض بصره، ولا يطلق العنان لعينيه؛ فقد أُمِرنا بغض البصر؛ فكُفَّ بصرك عن عورات النساء، إن كنت بائعًا أو مشتريًا. 4- خفض الصوت: فقد يكثر اللغط وترتفع الأصوات، ويكون الضجيج ويحدث الإزعاج، والمسلم لا يرضى بذلك، وإنما يقتصد في صوته، فمما وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه "ليس بفظٍّ ولا غليظٍ، ولا سخابٍ في الأسواق..."[15]،السَّخَّاب: هو الذي يرفع صوته على الناس. ويأتي تحذير من الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فيه: ((إياكم وهيشاتِ الأسواق))[16]الهيشات: ارتفاع الأصوات واللَّغَط. 5- كف الأذى: فإياك أن تؤذيَ أحدًا بفعلك أو بقولك؛ فالمسلم مَن يسلم الناس منه، وجاء النهي عنه صريحًا على لسان حبيبنا صلى الله عليه وسلم؛ فعن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((إذا مرَّ أحدكم في مسجدنا، أو في سوقنا، ومعه نبلٌ، فليمسك على نصالها، - أو قال: فليقبض بكفه - أن يصيب أحدًا من المسلمين منها شيءٌ))[17]. 6- السماحة في البيع والشراء: إنه لخُلقٌ عظيم، لو توافر في أسواقنا لتغيَّر حال تجارنا؛ فالسماحة أصل في المعاملة، وقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مَن سامَح وتسامح، فقال: ((رحِم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))[18]. ومِن السماحة: أن يُقِيل[19] البائعُ المشتريَ؛ أي: إذا رد المشتري السلعة للبائع، على البائع أن يقبَلَها إذا لم يكن بها عيب، فإقالتك في الدنيا، تضمن لك إقالة عند الله في الآخرة؛ ((مَن أقال مسلمًا، أقاله الله عثرته يوم القيامة))[20]. ومن يسمح اليوم، يسمح له في الغد، ((اسمَحْ، يُسمَحْ لك))[21]. وتلك صورةٌ في السماحة رائعة؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اشترى رجلٌ من رجلٍ عقارًا له، فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرةً فيها ذهبٌ، فقال له الذي اشترى العقار: خذ ذهبك مني، إنما اشتريت منك الأرض، ولم أبتَعْ منك الذهب، وقال الذي له الأرض: إنما بعتك الأرض وما فيها، فتحاكما إلى رجلٍ، فقال الذي تحاكَما إليه: ألكما ولدٌ؟ قال أحدهما: لي غلامٌ، وقال الآخر: لي جاريةٌ، قال: أنكحوا الغلام الجارية وأنفقوا على أنفسهما منه وتصدقا))[22]. 7- عدم الانشغال عن طاعة الله: فالآيات الكريمات تؤكد هذا المعنى؛ قال ربنا: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ï´¾ [الجمعة: 9]. ومِن صفات الرجال: أنهم لا يَشغَلهم البيع والشراء عن الصلاة؛ قال ربنا: ï´؟ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ï´¾ [النور: 37]. 8- تجنُّب كثرة الحلف: يجب على البائع ألا يتعرض للحلف كثيرًا؛ فهو مذموم في البيع والشراء. قد يبيع السلعة بحلفه، لكن يقابله عدم البركة؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الحلِفُ مَنْفَقةٌ للسلعة، مَمْحَقةٌ للربح))[23]. وإياكثم إياكأن تحلِفَ على سلعة كذبًا، فإن فعلت فتلك عقوبتك؛ عن أبي ذر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثةٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذابٌ أليمٌ))، قال: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: ((المسبِل، والمنَّان، والمُنفِّق سلعته بالحلف الكاذب))[24]. 9- الزَمِ الصدق في المعاملة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى، فرأى الناس يتبايعون، فقال: ((يا معشر التجار))، فاستجابوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله، وبَرَّ، وصدَق))[25]. وهنا بيان للتجار، بأنهم يبعثون يوم القيامة فجارًا، واستُثني منهم من اتقى وبر وصدق؛ فالصدق منجٍ للتجار، بل من لزم الصدق من التجار، فإنه يحشر مع النبيين والصِّدِّيقين والشهداء؛ عن أبي سعيدٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((التاجر الصدوق الأمين مع النبيين، والصِّدِّيقين، والشهداء))[26]. 10- احذَرِ الغش والمكر: على كل تاجر، أن يراعي الأمانة فيما يبيع، وألا يغش المشتري، ولا يدلس عليه؛ عن حكيم بن حزامٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، - أو قال: حتى يتفرقا - فإن صدَقا وبيَّنا، بورك لهما في بيعهما، وإن كتَما وكذَبا، مُحِقَتْ بركةُ بيعهما))[27]. قال الإمام الغزالي في الإحياء: (أتى على الناس زمان كان الرجل يدخل السوق ويقول: من ترون لي أن أعامل من الناس، فيقال له: عامل من شئت، ثم أتى زمان آخر كانوا يقولون: عامل من شئت إلا فلانًا وفلانًا، ثم أتى زمان آخر فكان يقال: لا تعامل أحدًا إلا فلانًا وفلانًا، وأخشى أن يأتي زمان يذهب هذا أيضًا، وكأنه قد كان الذي كان يحذر أن يكون، إنا لله وإنا إليه راجعون). هذه أسواق الدنيا، فكيف بسوق الجنة؟! عن أنس بن مالكٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن في الجنة لسوقًا، يأتونها كل جمعةٍ، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنًا وجمالًا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنًا وجمالًا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بَعدنا حسنًا وجمالًا، فيقولون: وأنتم واللهِ لقد ازددتم بَعدنا حسنًا وجمالًا))[28]. ♦♦♦ درس الفقه: أحكام متعلقة بزكاة الفِطر: مَن تجب عليهم؟! "لا تجب زكاة الفطر عن الميت الذي مات قبل غروب شمس آخر يومٍ من رمضان؛ لأن الميت ليس من أهل الوجوب، ولا يجب إخراج زكاة الفطر عن الجنين إذا لم يولد قبل مغرب ليلة العيد، كما ذهب إلى ذلك جماهير أهل العلم، فالجنين لا يثبت له أحكام الدنيا إلا في الإرث والوصية بشرط خروجه حيًّا، لكن من أخرجها عنه فحسن؛ لأن بعض العلماء - كالإمام أحمد - استحب ذلك"[29]. أحكام مهمة: • لو مات مَن وجبت عليه زكاة الفطر قبل أدائها، أُخرجت مِن تركته. • لا تجب زكاة الفطر عن الجنين في بطن أمه، وإنما يستحب عند الحنابلة. • يجب إخراجها عن المطلَّقة طلاقًا رجعيًّا. • لا تُخرَج زكاة الفطر لأهل الذمة؛ أي: لا تعطى لغير المسلمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدقةٌ تؤخَذ مِن أغنيائهم، وتُرَد على فقرائِهم)). • يجوز إعطاؤها لشخص واحد إذا كان يستحقها، أو توزيعها على أكثر من شخص. • لو كان المسلم مغتربًا، فعليه إخراجها في محل إقامته، وإن نقلها إلى بلده أو غيره، صحَّتْ وأجزأَتْ. • مَن وجبت عليه ولم يؤدها قبل صلاة العيد، لم تسقط عنه، بل هي باقية في ذمته، ويأثم بتأخيرها. • يجوز إعطاؤها للأخ والأخت، أو لأحد الأقارب، إن كان مستحقًّا لها. • لو كان للابن أو البنت كسبٌ ومالٌ أخرج كل واحد عن نفسه، وإن أخرج الأب عنهما فجائز. والله أعلم. نصْبُ الخِيام في دُروسِ رَمَضَانَ وأَحْكَامِ الصِّيَام لفضيلة الشيخ: أحمد علوان دار الصفوة بالقاهرة [1] أبو داود (1522)، والنسائي (1303)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. [2] الشكر، لابن أبي الدنيا، ص7، المحقق: بدر البدر، المكتب الإسلامي، الكويت، ط3/ 1400ه = 1980م. [3] المرجع السابق نفسه، ص13. [4] الشكر، لابن أبي الدنيا، ص9. [5] عدة الصابرين وذخيرة الشاكين، لابن القيم، ص134، دار ابن كثير، دمشق، ط3/ 1409ه = 1989م. [6] أبو داود (5073)، وسنن النسائي (9750)، وصحيح ابن حبان (861)، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. [7] مستدرك الحاكم (7637)، شعب الإيمان (4300)، وقال الحاكم: حديثٌ صحيح الإسناد. [8] عدة الصابرين، ص126. [9] الترغيب والترهيب، للمنذري، (ج4، ص165، ح19)، ضبط أحاديثه وعلق عليه: مصطفى محمد عمارة، مكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط3/ 1388 هـ = 1968 م. [10] تفسير ابن كثير، (ج3، ص73). [11] مسلم (671). [12] الترمذي (3428)، وحسنه الألباني. [13] شرح النووي على مسلم (ج5، ص171). [14] مسلم (2451). [15] البخاري (2125). [16] مسلم (432). [17] البخاري (7075)، مسلم (2615). [18] البخاري (2076). [19] يقال: أقاله يُقيله إقالةً، وتكون الإقالة في البيعة والعهد، بخلاف: قال يقيل، وقال القوم قيلًا وقائلةً وقيلولةً، والقيلولة نومة نصف النهار؛ انظر: لسان العرب، لابن منظور، (ج11، ص577، ص580) فصل القاف،بتصرف. [20] ابن ماجه (2199)، وأبو داود (3460)، وقال الأرناؤوط: إسناده صحيح. [21] مسند أحمد (2233)، وقال العلامة أحمد شاكر: إسناده صحيح. [22] البخاري (3472)، مسلم (1721). [23] البخاري (2087)، مسلم (1606). [24] مسلم (106). [25] ابن ماجه، والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ. [26] الترمذي (1209)، وقال: حديثٌ حسنٌ. [27] متفق عليه. [28] مسلم (2833). [29] من كتاب أحكام الصيام، ص104. |
| الساعة الآن : 11:46 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour