أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
|
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
أحكام خطبة الجمعة وآدابها المبحث الثاني: شروط خطبة الجمعة د على بن عمر بادحدح ذكر العلماء لخطبة الجمعة شروطًا كثيرة؛ ولكنهم اتفقوا على بعضها، واختلفوا على البعض الآخر. أما الشروط المتفق عليها([1]) فخمسة، وإليك بيانها: الشرط الأول: كونُها في الوقت: اتفق الفقهاء([2]) على أن من شروط خطبة الجمعة أن تكون في الوقت، على خلاف بينهم في تحديد الوقت، كما سبق بيانه في شروط صحة الجمعة. واستدلوا لهذا الشرط بعدة أدلة: 1- حديث السائب بن زيد رضي الله عنه الذي قال فيه: ((كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان رضي الله عنه وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء))([3]). 2- أنه لما كانت الخطبة شرطًا لصحة الجمعة، وجب أن يشترط لها ما اشترط في الجمعة، فلو خطب قبل الوقت لا تصح. الشرط الثاني: أن تكون الخطبة قبل الصلاة: اتفق العلماء([4]) على أن من شروط خطبة الجمعة كونها قبل الصلاة، ولا تصح بعدها، فإن أخرها أعيدت الصلاة إن قرب الزمن، وإن طال أعيدتا؛ لأنهما مع الصلاة كركعتين من الظهر. واستدلوا على ذلك بما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم؛ حيث كانوا يقدمون الخطبة على الصلاة يوم الجمعة. الشرط الثالث: أن تكون الخطبة بحضرة عدد ممن تنعقد بهم الجمعة: سبق وأن بينا العدد الذي اشترطه الفقهاء لصحة الجمعة، وبينَّا خلافهم في هذا العدد، وقد شرطوا فيمن يعتبر لهذا العدد أن يكون ذكرًا حرًّا مكلفًا مستوطنًا، فهؤلاء هم الذين تنعقد بهم الجمعة، وقد اتفق الفقهاء على أن هذا العدد مشروط للخطبة، كما هو مشروط للصلاة؛ وذلك ليتحقق المعنى المراد من الخطبة. الشرط الرابع: أن تكون الخطبة جهرًا وبصوت مرتفع: وذلك أن المقصود من الخطبة الموعظة والتذكير، فلابد من الجهر بِها لكي يتحقق هذا المقصود ويتذكر الحاضرون([5]). الشرط الخامس: أن يكون الخطيب ذكرًا، وأن تصح إمامته للقوم([6]): وذلك متفق عليه بين الفقهاء؛ إذ الجمعة لا تجب على النساء، ولا تنعقد بهن. أما الشروط المختلف فيها([7]) فإليك بيانها: 1- أن تكون خطبتان يجلل بينهما جلسة خفيفة، وإلى ذلك ذهب المالكية والشافعية والحنابلة([8]) لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الحنفية([9]) فذهبوا إلى أن خطبة واحدة تجزئ لصحة الجمعة. 2- أن تكون الخطبة باللغة العربية: وهذا هو قول جمهور العلماء([10]) خلافًا لأبي حنيفة([11]) الذي قال بجواز الخطبة بغير العربية، وذهب المالكية([12]) والشافعية([13]) إلى أنه إن لم يكن فيهم من يحسن العربية فلا تجب الخطبة عليهم لانتفاء هذا الشرط، وقيّد هذا القول بعضهم باعتباره في أركان الخطبة فقط دون غيرها([14])، وذهب الحنابلة([15]) إلى أنه إن لم يوجد من يحسن الخطبة بالعربية بينهم، فتصح حينها بغير العربية لحصول المقصود وهو الوعظ والتذكير وحمد الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقهم في ذلك أبو يوسف ومحمد([16]) صاحبا أبى حنيفة، وأما قراءة القرآن فالراجح أنها لا تكون إلا بالعربية؛ لأنه ذكر مفروض، فشرط فيه العربية كالتشهد وتكبيرة الإحرام، ولأن ترجمة القرآن ليست قرآنًا. 3- القيام في الخطبة: وهذا شرط عند الشافعية([17]) عند القدرة مستدلين بتواتر الروايات بأنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائمًا، وبقول الله تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} [الجمعة: 11]، فإن لم يقدر عليه استحب له أن يستخلف غيره، فإن خطب قاعدًا أو مضطجعًا للعجز جاز بلا خلاف كالصلاة. وأما الحنفية والحنابلة([18]) فقالوا بأن القيام في الخطبة سُنَّة وليس بشرط، وذلك تأسيًا بسنته صلى الله عليه وسلم حيث كان يخطب قائمًا؛ ولكن ذلك لا يدل على الوجوب، فعثمان ومعاوية رضي الله عنهما لما كبرا خطبا قاعدين، ولم ينكر عليهما أحد، وأما المالكية([19]) فاختلفوا في المسألة بين الوجوب والسنية. 4- الجلوس بين الخطبتين: ولم يقل بهذا الشرط سوى الشافعية([20]) مستدلين بما ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة([21])، وذهب الجمهور([22]) إلى أن فِعْله صلى الله عليه وسلم يفيد الندب لا الوجوب. 5- طهارة الخطيب من الحدث: وهي شرط عند الشافعية أيضًا، وقال به أبو يوسف من الحنفية([23])، وأما الجمهور([24]) فلم يشترطوا لصحة الخطبة الطهارة من الحدث الأصغر لكون الخطبة موعظة وذكر، والحدث مطلقًا لا يمنع من الذكر، وإن اتفق الجميع على أن الطهارة في كل ذلك أولى للاتباع. وأما الحدث الأكبر فالمشهور عند المالكية عدم اشتراطه([25])، ونقل ابن قدامة عن شيخه أن اشتراط الطهارة من الحدث الأكبر هو الأشبه بأصول مذهب الإمام أحمد([26]). 6- ستر العورة للخطيب: اشترط الشافعية في القول الجديد ستر العورة في الخطبة([27])، خلافًا للجمهور. 7- إسماع أربعين كاملين ممن تنعقد بهم الجمعة: اشترط كل من الشافعية والحنابلة([28]) أن يسمع الخطيب أربعين كاملين ممن تنعقد بهم الجمعة بناء على اشتراطهم حضور أربعين لصحة الجمعة، وفصل الحنابلة في ذلك فاعتبروا هذا الشرط فيما إذا كان عدم السمع بسبب خفض الصوت ونحوه، أما لو كان المانع نومًا أو غفلةً أو صممًا أو عجميةً فلا أثر لذلك. وأما الحنفية والمالكية([29]) فلم يعدُّوا ذلك شرطًا. 8- الموالاة بين الخطبتين وبين أجزائهما وبين الصلاة: وهو شرط عند الشافعية والحنابلة([30])، ولم يقل بشرطية ذلك غيرهم. 9- النية في الخطبة: ولم ينص على شرطيتها سوى الحنابلة([31])، مستدلين بالحديث المشهور: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى …))([32]) الحديث، وأما الحنفية([33]) فقالوا بوجوبها في الخطبة، وذهب الشافعية([34]) إلى الندب. ([1]) ينظر: "فضائل الجمعة" لمحمد ظاهر أسد، (ص133). ([2]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/206). "بداية المجتهد" (1/189). "المجموع" (4/377). "كشاف القناع" (1/505). ([3]) أخرجه البخاري (870) (1/309). ([4]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/262). "بداية المجتهد" (1/231). "روضة الطالبين" (1/529). "مغني المحتاج" (1/549). "كشاف القناع" (1/510). ([5]) "حاشية ابن عابدين" (2/175). "بداية المجتهد" (1/192-194). "المجموع" (4/374). "نهاية المحتاج" (2/318). "المغني" (3/186). "الإنصاف" (2/390). ([6]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/589). ([7]) ينظر: "فضائل الجمعة" لمحمد ظاهر أسد، (ص136) ومابعدها. ([8]) ينظر "الذخيرة" (2/241). "روضة الطالبين" (1/529). "مغني المحتاج" (1/549). "كشاف القناع" (1/510). ([9]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/590). "البحر الرائق" (2/258). ([10]) ينظر: "روضة الطالبين" (1/531). "مغني المحتاج" (1/522). "كشاف القناع" (1/510). ([11]) ينظر: "حاشية ابن عابدين" (3/19). ([12]) "حاشية العدوي على الخرشي" (2/78). ([13]) ينظر: "المجموع" (4/319). ([14]) ينظر: "المنهاج بشرح المحلي مع حاشيتي القليوبي وعميرة" (1/278). ([15]) الإنصاف" (2/387). ([16]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/329). ([17]) ينظر: "المجموع" (4/383). "مغني المحتاج" (1/552). ([18]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/592). "حاشية ابن عابدين" (3/23). "المدونة" (1/144). "كشاف القناع" (1/514). ([19]) ينظر: "حاشية الخرشي" (2/253). ([20]) ينظر: "روضة الطالبين" (1/532). "مغني المحتاج" (1/552). ([21]) رواه البخاري (886) (1/314). ([22]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/591). "الذخيرة" (2/242). "كشاف القناع" (1/514). ([23]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/591). "روضة الطالبين" (1/532). "مغني المحتاج" (1/554). ([24]) "بدائع الصنائع" (1/591). "الذخيرة" (2/343). "المغني" (2/154). "كشاف القناع" (1/513). ([25]) ينظر: "منح الجليل" للشيخ عليش (1/267-268). ([26]) ينظر: "المغني" (2/184،2/154). ([27]) ينظر: "المجموع" (4/385). ([28]) ينظر: "روضة الطالبين" (1/533). "مغني المحتاج" (1/553). "كشاف القناع" (1/512). ([29]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/598). "حاشية ابن عابدين" (3/19). "المدونة" (1/139). ([30]) ينظر: "مغني المحتاج" (1/554). "المغني" (2/157). "كشاف القناع" (1/511). ([31]) ينظر: "كشاف القناع" (1/512). ([32]) رواه البخاري (1) (1/3). ([33]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/590). "حاشية ابن عابدين" (3/20). ([34]) ينظر: "روضة الطالبين" (1/535). |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
أحكام خطبة الجمعة وآدابها المبحث الثالث: أركان خطبة الجمعة د.علي بن عمر بادحدح لم يذكر الحنفية والمالكية([1]) أركانًا للخطبة، فعند الإمام أبي حنيفة ركنها الأوحد عندهم مطلق الذكر من تحميد أو تسبيح أو تهليل بقصد الخطبة محتجًا بعموم قوله سبحانه وتعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9]الآية، واشترط أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة ذكرًا طويلاً يسمى خطبة([2])، وأما المالكية فالركن عندهم خطبتين مما تسميه العرب خطبة ولو سجعتين([3]). وأما الشافعية والحنابلة ([4]) فعددوا أركانًا للخطبة لا تصح إلا بها، اتفقوا على بعضها واختلفوا في البعض الآخر، وهذه الأركان هي: 1- الحمد والثناء على الله عز وجل: واشترطوا تكرار الحمد في الخطبتين بذات لفظ (الحمد) لا بغيره، واستدلوا لذلك بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبدأ خطبته بحمد الله والثناء عليه. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: ((كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، يحمد الله ويثني عليه …))الحديث([5])، واستدلوا أيضًا بحديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل كلام لا يبدأ بالحمد الله فهو أجذم))([6]). 2- الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم: واشترطوا فيها ما اشترطوا في الحمد من التكرار في الخطبتين مع تحتم لفظ الصلاة أو مشتقاته، وحجتهم في ذلك أن كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله سبحانه وتعالى افتقرت إلى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم([7]). 3- الوصية بتقوى الله عز وجل: وهي روح الخطبة وغايتها، والصحيح أنه لا يتعين لفظ الوصية بالتقوى، واشترطوا تكرارها في الخطبتين. قال إمام الحرمين الجويني: ((ولا خلاف أنه لا يكفي التحذير من الاغترار بالدنيا وزخارفها؛ لأن ذلك قد يتواصى به منكرو الشرائع، بل لابد من الحث على طاعة الله تعالى والمنع من المعاصي))([8]). 4- قراءة آية من القرآن: وهي ركن عندهم في إحدى الخطبتين على الصحيح، ودليلهم في ذلك حديث جابر رضي الله عنه الذي يقول فيه: ((كان للنبي صلى الله عليه وسلم خطبتان يجلس بينهما، يقرأ القرآن ويذكر الناس))([9]). قال البهوتي: ((ولأنهما أقيما مقام ركعتين، والخطبة فرض، فوجب فيها القراءة كالصلاة، ولا تتعين آية بعينها))([10]). 5- الدعاء للمسلمين: وقد عدَّه ركنًا الشافعية في قول، ومحله عندهم في الخطبة الثانية، وذهب الشافعية في قول آخر وافقهم فيه الحنابلة إلى أن الدعاء للمسلمين مندوب وليس بواجب([11]). وكذلك الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل فمستحب بالاتفاق. ([1]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/590). "البحر الرائق" (2/261). "الذخيرة" (1/341). ([2]) ينظر: "المبسوط" (2/30). ([3]) ينظر: "بداية المجتهد" (1/193). ([4]) ينظر: "روضة الطالبين" (1/529). "مغني المحتاج" (1/548). "كشاف القناع" (1/511). ([5]) رواه مسلم (867) (2/592). ([6]) رواه ابو داود (4840) (4/261). وابن ماجه ([7]) ينظر: "المجموع" (4/385-386). ([8]) ينظر: "المجموع" للنووي (4/389). "مغني المحتاج" (2/314). ([9]) رواه مسلم (862) (2/589). ([10]) "كشاف القناع" (1/511). ([11]) "المجموع" (4/390). "نهاية المحتاج" (2/316). "المغني مع الشرح الكبير" (2/157). |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
أحكام خطبة الجمعة وآدابها المبحث الرابع: سنن خطبة الجمعة كتب: د.علي بن عمر بادحدح لخطبة الجمعة سنن وآداب عديدة، منها: 1- أن تكون الخطبة على موضع مرتفع كمنبر أو غيره، لحديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى امرأة من الأنصار فقال لها: ((مري غلامك النجار يعمل أعوادًا أجلس عليها إذا كلمت الناس))([1]). يقول ابن القيم: ((وكان منبره صلى الله عليه وسلم ثلاث درجات، وكان قبل اتخاذه يخطب إلى جذع يستند إليه، فلما تحوّل إلى المنبر، حنّ الجذع وسمع له الصحابة مثل صوت العشار، فنـزل إليه صلى الله عليه وسلم ووضع يده عليه([2]). قال أنس: حن لما فقد ما كان يسمع من الوحي، وفقد التصاق النبي صلى الله عليه وسلم))([3]). 2- سلام الخطيب على الحاضرين بعد صعوده المنبر، وهو مذهب الشافعية والحنابلة([4])، مستدلين بحديث جابر رضي الله عنه: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر سلَّم على القوم))([5])، وأما الحنفية والمالكية([6]) فقالوا بأنه يكتفى بسلام الخطيب حين دخوله المسجد، ولا يسلم إذا صعد المنبر. 3- الجلوس في أول الخطبة على المنبر حتى ينتهي المؤذن من الأذان لحديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهم أنه قال: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين؛ كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن، ثم يقوم فيخطب، ثم يجلس فلا يتكلم، ثم يقوم فيخطب))([7]). 4- أن يقبل الخطيب بوجهه على الناس، قال ابن القيم: ((وكان إذا جلس عليه النبي صلى الله عليه وسلم في غير الجمعة أو خطب قائمًا في الجمعة، استدار أصحابه إليه بوجوههم، وكان وجهه صلى الله عليه وسلم قِبَلهم في وقت الخطبة))([8]). 5- أن يعتمد الخطيب حال الخطبة على قوس أو عصا، لما جاء في حديث الحكم بن حزن أنه قال: ((وفدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة، أو تاسع تسعة… - إلى أن قال - فأقمنا بها أيامًا شهدنا فيها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكأ على عصى أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه …))([9]) الحديث. 6- ومن السنن كذلك طهارة الخطيب من الحدث الأكبر والأصغر، قال بذلك الجمهور - عدا الحنابلة في الحدث الأكبر فقالوا بوجوب الطهارة منه - خلافا للشافعية الذين قالوا بوجوب الطهارة من الحدثين كما بينا([10]). 7- القيام في الخطبتين سنة عند الحنفية والحنابلة، وشرط عند المالكية والشافعية كما سبق بيانه([11]). 8- الجلوس بين الخطبتين سنة عند الجمهور، وشرط عند الشافعية([12]). 9- يسن كذلك الاختصار في الخطبة وعدم التطويل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مَئِنَّة من فقهه، فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا))([13]). 10- الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة على الحق، والقيام بالعدل ونحو ذلك. 11- يُسن أن يتولى الصلاة من تولى الخطبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك وخلفاؤه الراشدون من بعده رضي الله عنهم. ([1]) رواه البخاري (875) (1/310). ومسلم (544) (1/386). ([2]) رواه البخاري (6/444). ([3]) "زاد المعاد" (1/429). ([4]) ينظر: "المجموع" (4/396). "مغني المحتاج" (1/555). "كشاف القناع" (1/514). ([5]) رواه ابن ماجه (1109) (1/352) والبيهقي (5532) (3/204). ([6]) ينظر: "البحر الرائق" (2/259). "حاشية ابن عابدين" (3/23). "الذخيرة" (1/342). ([7]) رواه أبو داود (1092) (1/410). وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (2/886). ([8]) "زاد المعاد" (1/340). ([9]) رواه أبو داود (1096) (1/411). باب الرجل يخطب على قوس. قال صاحب إرواء الغليل: (حسن) رقم (616) (3/78). ([10]) ينظر: "بدائع الصنائع" (1/591). "الذخيرة" (2/343). "روضة الطالبين" (1/532). "المغني" (2/154). "كشاف القناع" (1/513), وانظر فيما سبق: الشروط المختلف فيها لصحة الخطبة. ([11]) الشروط المختلف فيها لصحة الخطبة. ([12]) سبق ذكره في الشروط المختلف يها لصحة الخطبة. ([13]) رواه مسلم (869) (2/594). |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
خطبة الجمعة الاختيار والتجهيز والإلقاء محمد محمود متولي للخطابة منذ أقدم الأمم أثرها غير المنكور، عند اليونان والرومان والهنود والفرس والعرب، وقد كانت القبائل العربية قديماً تقيم الأفراح إذا نبغ فيها خطيب أو شاعر، فهو وسيلة إعلامها والمحامي عن شرفها، وكلما كان الخطيب أمهر، وعلاقته بربه إن كان مسلماً أوفر، أو بالمبدأ الذي يدعو إليه أكبر، كان تأثيره أكثر، لأن الدافع المحفِّز للخطابة يكون قوياً فيدفع الخطيب إلى شحذ قواه الروحية، وملكاته التأثيرية· والخطابة في حقيقتها عمل قلب وعقل في مئات القلوب والعقول، أو آلافها، وكلما اتسعت آفاق هذا القلب وتراحب ذلك العقل، وعظمت همته، وزاد بما يدعو إليه تأثيره كلما كان تأثيره أكبر· والمبادئ همٌّ مقيم في قلوب ورؤوس معتنقيها المخلصين لها، لذا تراهم في همِّ مقيم، لأنهم يريدون لها الذيوع والانتشار، فإذا لم يحدث مرادهم اغتموا، وربما زاد جهدهم، أو نكصوا على أعقابهم، وانظروا تصوير القرآن لمشاعر رسولنا - صلى الله عليه وسلم - تجاه صد الكافرين عن قبول رسالة الإسلام، قال - تعالى -: (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) الشعراء: 3، (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً) الكهف: 6· وفي تنقله - صلى الله عليه وسلم - في موسم الحج وغيره من جمع إلى جمع، ومن قبيلة إلى قبيلة، دليل على عظيم اهتمامه بتبليغ الرسالة· والخطابة ملكة موهوبة ترجع إلى التكوين الجسدي والروحي والنفسي والعقلي، وهذه هي الخطابة الفطرية، وقد تكتسب بحفظ خطب البلغاء والمرس على أساليبهم، وسماع الخطباء الجيدين، لكن الفطرية المصقولة أجدى وأنفع· فأما ما يساعد على إجادتها فطرية كانت أو مكتسبة، فالاطلاع على علوم: التفسير والحديث واللغة والنفس والأخلاق والفقه والعقائد والأصول والسيرة والتاريخ والآداب والبلاغة وغيرها، مع حفظ الكثير من المنظوم والمنثور، ومن أساسياتها الزاد الوفير من القرآن والسنَّة· خطبة الجمعة: هي وسيلة من وسائل الهداية إلى الخير، ونشر الإسلام، والتوعية بما يجب أن يكون عليه المسلم من عمل بدين الله، والتحذير من آثار الانصراف عن منهج الله، ولذا يجب الاستعداد لها استعداداً جيداً، وتحضيرها تحضيراً ممتازاً، وهي لدى مجربيها عبء ثقيل، يحشدون له كل طاقاتهم وربما حرمهم الاستنفار لها من المنام والطعام وغيرهما، وقد سئل عبد الملك بن مروان عن ما عجل الشيب إلى رأسه؟ فقال: ألا ترون أني أعرض عقلي على الناس كل جمعة، لقد شيبته خطبة الجمعة، وهو العربي القح والخطيب الفذ، فكيف بغيره(1). وأحب أن أشير هنا إلى أنه ليس معنى استنفار كل الطاقات، وحشد كل الملكات، والتنقيب في دواوين العلم والأدب أن الخطيب ناجح، فقد يجتمع له كل ذلك ولا ينجح، لأن هناك عاملاً أهم في إدراك النجاح، وهو الإخلاص لله، وقصد وجهه في هداية العباد إلى طريق الرشاد. المراحل التي تمر بها خطبة الجمعة: المرحلة الأولى: تخير الموضوع: كثيراً ما يحدثنا علماء العقائد عن النبي والمتنبئ، والنائحة المستأجرة، والنائحة الثكلى، فالنبي يبذل أقصى ما وسعه في نشر الدعوة، وإن قتل، أو طرد أو أوذي أو شُرِّد، والمتنبئ قناص فرص، طالب منفعة، والنبي لا ينكص أبداً عن دعوته، ويصور حاله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمه: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه" والمتنبئ سريع النكوص وكذلك النائحة المستأجرة تأكل وتشرب، وإذا أضحكت ضحكت· والخطيب المخلص يُعني نفسه في اختيار موضوعات خطبه، فنراه بين الناس يعيش بعين الناقد البصير، وبعقل الطبيب المداوي، وبقلب المصلح المحب الوامق، فيعمد إلى أكثر المنكرات الفاشية في المجتمع حسب رؤيته وسمعه، سواء في أعمال الناس ومعاملاتهم أو أحاديثهم، أو وسائل إعلامهم، أو مدارسهم، أو محاكمهم، فيختار أشدها ضرراً وأشدها فتكاً، فيجعله محور خطابته، وبذا يعايش الواقع، فلا يكون في واد والمجتمع الذي يعيش فيه في واد آخر· وحين يتجمع لديه موضوعات عدة يرتبها حسب أهميتها، ويسجلها في دفتره حتى تحين فرصة تناولها واحداً بعد آخر، على أن يكون مستعداً دائماً للطوارئ التي تطرأ، فتجعله يغير موضوع خطبته في أي لحظة· ثانياً: مرحلة دراسة موضوع الخطبة: تمر مرحلة دراسة الموضوع في عقل الخطيب بمراحل منها: 1 ـ حدد الأضرار المتصلة بالعقيدة والأخلاق والاجتماع والصحة والاقتصاد والعبادة إذا كنت ستدخل في الترهيب، وحدد المنافع العائدة على الفرد والجماعة، إذا كانت في الترغيب وسجلها بقلمك، أو في ذهنك، والأولى أولى خاصة عند كبر السن، وحين تحتاج إلى المراجعة للتنقيح، أو التذكر، أو التأليف، وحتى لا تعني نفسك بالبحث مرة أخرى· 2 ـ استحضر ما جاء في الموضوع المراد جعله خطبة من آيات، وأحاديث صحيحة من حفظك أو من المعجم المفهرس للقرآن والسنَّة، وإذا ذكرت حديثاً ضعيفاً فكن على علم بحاله جيداً ومع آيات القرآن والأحاديث، استحضر بعض الآثار عن السلف. وراجع الآيات والأحاديث في شروحها وتفاسيرها وبعض القواميس إن احتجت لذلك مع قليل من شعر الحكمة، وبعض القصص المقبول غير المخالف للكتاب والسنَّة والعقل مع المحافظة على شرط الإيجاز، وكن دائماً حريصاً على معرفة أسماء المراجع التي ترجع إليها، وأكثر من ذلك أن تعرف رقم الجزء الذي رجعت إليه، والصفحة والطبعة· وحبذا لو بعدت عن الإسرائيليات ما أمكن. 3 ـ اكتب الموضوع كاملاً باختصار إذا كنت مبتدئاً، ثم احفظه، وذلك شاق على النفس، واكتب عناصره بعد تقسيمه إلى عناصر مرتبة ترتيباً منطقياً، المقدمة تسلم إلى الموضوع والعناصر يسلم بعضها إلى بعض، والخاتمة لبيان ضرورة العمل أو الترك حسب الموضوع، وقلل عدد العناصر ما أمكن، فهذا أعون على التذكر، وخصوصاً عند تقدم السن، وقد يلجأ المبتدئ إلى ديوان خطب، فيحفظ منه خطبة، ثم يلقيها، ويحسن اللجوء إلى الدواوين الموجزة كما لا يحسن أن يظل الخطيب معتمداً عليها، لأن ذلك سيمس موهبته، ويضيع شخصيته. 4 ـ تجنب الكتابة المسجوعة، والمحسِّنات البديعية فيما تكتب أو تحفظ، واجعل كلامك مرسلاً عادياً، فهذا أعون على التأثير في الناس· واترك دائماً صفحات بيضاء في نهاية كل موضوع تكتبه لتضيف فيها بعض ما تلاقيه في أثناء الاطلاع، أو اكتب على صفحة، واترك الأخرى بيضاء. 5 ـ أجعل ذهنك يجول في الموضوع، وتأمل فيه، وانشغل به مركزاً ذهنك فيه، حتى يصير لديك تصور له، ولأفضل الترتيبات التي يكون عليها، وأحسن النتائج التي تترتب عليه وتخيل تأثيره على نفسك، لتعرف مدى تأثيره على غيرك، وحاول أن تلقيه على نفسك منفرداً، فأنت مثل من يسمعونك في تأثيرك وتأثرك· ثالثاً: مرحلة الإلقاء الإلقاء هو الثوب الذي ستلبسه الكلمات بعد اختيارها لأداء المعاني، ويمثل الإلقاء نصف عناصر النجاح، ولكل معنى ما يناسبه من الكلمات، وما يناسبه من الإلقاء، وهذه خاصية من خواص لغتنا، فالمعاني القوية تختار لها ألفاظاً قوية، والمعاني السهلة يُختار لها ألفاظ سهلة، وانظر في هذا مثلاً قوله - تعالى -: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقاً) الكهف: 31· وانظر في المقابل: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعاً· وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضاً· الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعاً) الكهف: 99 ـ 101· ومما يجب النصح به الارتجال، فمن ليس عنده زاد كثير للإقلال من الوقت، ويحرص على ألا يلقي خطبته مكتوبة على ورقة، وأنا أرى أن القراءة في الورقة تُذْهِبْ سبعين في المئة من عناصر التأثير، وتبقي ثلاثين ولو وزعت على عوامل النجاح ما نال الخطيب القارئ من الورقة نصفها، لذا فإنه يعتبر ضعيفاً جداً· ويجب ملاحظة ما يلي في مرحلة الإلقاء: 1 ـ وضوح العبارات، بحيث تستفيد منها كل المستويات الثقافية، مع رعاية مقتضى الحال، وتجنب التطويل الممل، والإيجاز المخل، قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: حدِّث الناس ما دحجوك بأبصارهم، وأذنوا لك بأسماعهم، ولحظوك بأبصارهم، وإذا رأيت منهم فترة فأمسك·(2) 2 ـ التجافي عن زخرفة الكلام وتنميقه، وعن ممجوجه وقبيحه، وعن محاكات كلام العامة والسفلة فوق المنبر، وعن التصريح بالأسماء والعائلات والوظائف، فهذا فضح للناس، وتنفير لهم، فالخطابة أدب، وتوجيه بالتي هي أحسن، وتحاشٍ للاستطراد، حتى لا يتخرق الموضوع، ويجب الحرص على وحدة الموضوع، حتى لا تشتت أفكار المستمعين. 3 ـ قصر المقاطع فهو أعون على المتابعة، وجذب الاهتمام، والتأثير في المستمع، لأن طول المقاطع يقلل الحماس والانتباه، وينوِّم المستمعين· فالقضايا المحتاجة إلى إقناع تحتاج إلى حمية الكلام، وهذا لا يكون إلا في الجمل القصيرة، ومثال هذا في القرآن المكي عموماً، ولذا كان من مزاياه قصر المقاطع، فقد كان يؤسس الجماعة ويبني عقائدها في الله ورسوله، واليوم الآخر. 4 ـ اختلاف نبرات الصوت عند الإلقاء، فلا يكون منخفضاً ميتاً، ولا يكون عالياً صاكاً للأسماع مؤذياً للسامعين، مختلطاً بتشنج الخطيب، وإنما يعلو وينخفض إذا استدعى الموقف ذلك، ففي موقف الشدة يشتد، وفي موقف اللين يلين، وهذا التنويع في طبقات الصوت يجب الحضور للسماع والمتابعة، ويريح الخطيب من متاعب علو الصوت، ويريح آذان المسلمين من تأثير مكبرات الصوت عليهم. 5 ـ ضبط العبارات نحوياً، فالخطأ في الإعراب كالجدري في الوجه، ومن لا يعرف النحو قد يخطئ في قراءة الآيات والأحاديث، ونطق آثار السلف، والحرص على إخراج الحروف من مخارجها مرققة أو مفخمة، كما يحرص على معرفة قواعد القراءة القرآنية، وذلك فيه احترام لنفسه، ولسامعيه، ولكتاب الله، وسنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، كما أن القراءة حسب أصولها تعطي المقروء جمالاً وكمالاً يجعل تأثيره على سامعيه أكثر، يقول الجاحظ: "ومتى سمعت ـ حفظك الله ـ بنادرة من كلام الأعراب فإياك أن تحكيها إلا مع إعرابها، ومخارج ألفاظها، فإنك إن غيرتها بأن تلحن في إعرابها··· خرجت من تلك لحكاية، وعليك فضل كبير··· ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير والتشديق والتمطيط والجهورة والتفخيم"(3)· 6 ـ إظهار التأثر بما يقال بالتعايش مع الموعظة، فالوعظ نصاب زكاته الاتعاظ، والناس ليسوا أغبياء، والمخلص العامل موصل جيد للعظة، والكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تتجاوز الآذان، وهذه المراحل التي يمر بها تكوين الخطبة هي ما يعبر عنه "بالإيجاد والتنسيق والتعبير"(4)، وهي مراحل يسلم بعضها إلى بعض، وقوة العناصر جميعاً تؤدي إلى خطابة قوية، وضعف أي عنصر من العناصر الثلاثة يؤدي إلى ضعف الخطابة، فعلى الخطيب الحرص على قوة خطبته بقوة عناصرها الثلاثة. ـــــــــــــــ ــــــــــــــ الهوامش: 1 ـ راجع البيان والتبيين للجاحظ، ج1، ص135· 2 ـ الجاحظ في البيان والتبيين، ج1، ص104، تحقيق عبد السلام هارون، ط الخانجي، ط5، 1405هـ ـ 1985م· 3 ـ راجع البيان والتبيين، ج1، 145: 146· 4 ـ راجع الخطابة للشيخ علي محفوظ، ص28 |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
فن الوعظ أهميته وضوابطه عبد الحكيم بن محمد بلال مدخل: في لسان العرب: الموعِظة: النصح والتذكير بالعواقب [1]، والوعظ هو: ذلك الأسلوب الذي يستخدمه الداعية إلى الله إذا أراد نصح الناس وتذكيرهم بالعواقب، فيرغبهم في الحسنة وثوابها، ويرهبهم من السيئة وعقابها، على الوجه الذي يرق له القلب ويبعث على العمل. ولا غنى للداعية عن استخدام أسلوب الوعظ في دعوته للناس وتربيته لهم، فقد أمر الله به نبيه - صلى الله عليه وسلم - في دعوته، فقال - عز وجل -: (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..) (النحل: 125)، وقال - سبحانه وتعالى -: (.. وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) (النساء: 63)، كما أمر تعالى- به رسله من قبل، فكان نهجهم في دعوتهم، قال تعالى-: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: 44)، فالموعظة وسيلة الذكرى، وسبيل الخشية، والقرآن كله موعظة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين ) (يونس: 57). فالوعظ أسلوب دعوي له أهمية بالغة في إصلاح القلوب، وتهذيب النفوس؛ ذلك أنه متعلق بطب الأرواح وعلاجها من أمراضها الفتاكة القاتلة، وإذا صلح القلب صلح الجسد كله، فانبعثت الأعضاء بالأعمال الصالحة مصداقاً على الإيمان. وكم يكون لكلمة الواعظ من الأثر البالغ في نفوس سامعيها، خاصة إذا نظرنا لما تيسر في هذه الأزمان من وسائل وأدوات، تمكّن الواعظ المربي من إيصال كلمته إلى الآلاف المؤلفة ممن لا تتهيأ لهم رؤيته ولا لقاؤه. ظهور الوعاظ: نظراً لأهمية الوعظ فقد حرص عليه النبي - صلى الله عليه وسلم- ، وكان يتخول أصحابه بالموعظة، ثم حرص عليه الصحابة رضي الله عنهم عند تفرقهم في الأمصار، وكثرة الداخلين في الإسلام، ثم شاع ذلك في عصر التابعين، وبرز منهم: الحسن البصري - رحمه الله -، فكان له مجلس يعظ الناس فيه. ومع ظهور التأليف وُجد من اهتم بهذا الجانب وكتب فيه، كالإمام أحمد الذي ألف كتاباً في الزهد، ومثله ابن المبارك وهناد ابن السري وغيرهما، وخصص الإمام البخاري كتاباً في صحيحه أسماه: "الرقائق"، ومثله الإمام مسلم الذي ضَمّن صحيحه كتاباً بعنوان: "الزهد والرقائق". واهتم به من المتأخرين جمّ من العلماء كابن الجوزي، وابن القيم، وابن رجب، وغيرهم كثير. وفي أواخر عصر التابعين ظهر القصاص والوعاظ، ثم كثروا، وقلت عنايتهم بالسنة، واختلط الحابل بالنابل، وصار بعض الوعاظ كحاطب ليل لا يدري ما يقول، أصحيح أم باطل، صدق أم كذب؟!. كما ذكر ابن الجوزي: "أن الوعاظ كانوا في قديم الزمان علماء فقهاء... ثم خسّت هذه الصناعة، فتعرض لها الجهال، فبَعُد عن الحضور عندهم المميزون من الناس، وتعلق بهم العوام والنساء، فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص، وما يعجب الجهلة، وتنوعت البدع في هذا الفن" (2). المخاطبون بالوعظ: يحتاج الناس كلهم إلى المواعظ والتذكير، صغيرهم وكبيرهم، جاهلهم وعالمهم، فاجرهم وتقيهم، ولو كان أحد في غنية عنها لكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يتعهدهم بالمواعظ، ويهذب نفوسهم بما يرقق قلوبهم، والشواهد من السنة متوافرة. ولكن ينبغي أن يكون خطاب الناس على قدر عقولهم ومداركهم وعلومهم، فلا يكون الخطاب واحداً لكل أحد، وذلك لسببين: الأول: تفاوت الناس في الدرجات، وبالتالي في الواجبات، فقد يجب على العالم ما لا يجب على الجاهل، ويجب على الغني ما لا يجب على الفقير، ويجب على القادر القوي ما لا يجب على العاجز الضعيف، وهكذا.. الثاني: أن بعض الحديث يكون فتنة إذا كان مما يُساء فهمه، ولذا قال علي -رضي الله عنه-: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!" (3)، أي: بما يفهمون، وفي بعض رواياته: "ودعوا ما ينكرون" أي: يشتبه عليهم فهمه، وقال ابن مسعود: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة" (4). أساليب الوعظ: لا تظن أن الوعظ لا يكون إلا بخطب رنانة، أو كلام مطوّل يُجمع له الناس، ويتهيئون له، ثم تُطَأطأ الرؤوس ويبدأ الواعظ بسرد موعظته! فكل هذا غير لازم، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يعظ أصحابه بالخطبة، وقد يعظهم بما يناسب الحال، فيذكرهم بحقارة الدنيا حين يرى جَدْياً أَسَكّ، ويذكرهم بنعيم الجنة حين يعجب أصحابه من حلة حرير، ويذكرهم برحمة الله حين يرى امرأة تبحث عن صبيّها في السبي، ثم تضمه وترضعه، وهكذا... فقد تكون الموعظة قصة تُسرد، أو مثلاً يُضرب، أو جملة تقال، أو فعلاً يحتذى به، بدون تكلف أو تقعر. ضوابط الوعظ: في هذا العصر كثر في الوعاظ الاعتماد على الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة التي تُذْكَر بصيغة الجزم، وكذا: الاعتماد على القصص المحكية التي لا زمام لها ولا خطام، كما نجد من يعتمد الوعظ أسلوباً وحيداً في الدعوة لا ثاني له، أو يُكثر من وَعْظ الناس كثرةً تملّهم... فلهذه الأمور ونحوها تبرز الحاجة الملحة للتنبيه على بعض الضوابط التي ترد الأمر إلى نصابه، وتجعل الوعظ في صورته الشرعية البهيّة المؤثرة النافعة. ومن هذه الضوابط ما يلي: أولاً: الاعتماد على الكتاب والسنة: يجب أن يكون اعتماد الواعظ في وعظه على كتاب الله تعالى-، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهما أصل كل موعظة، عن النواس بن سمعان -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ((ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه، والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله تعالى-، والأبواب المفتحة: محارم الله -تعالى-، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله - عز وجل -، والداعي فوق الصراط: واعظ الله في قلب كل مسلم))(5). والواعظ حين يحث الناس على أمر ويُحذّرهم من آخر ينبغي أن يبين لهم الدليل، ولا يجعل حديثه مجرد أوامر ونواهٍ مجردة عن الدليل، وعن ذكر المنافع أو المضار للشيء المأمور به أو المنهي عنه، وكل ذلك مُتضمن في الكتاب والسنة، بالتأمل والتدبر لنصوصهما، فإذا ما أراد الواعظ أن يُثري موعظته ويُبلغ كلامه فإن أمامه مواعظ يعجز الفصحاء عن مجاراتها، وينقطع الحكماء دون محاكاتها، وأين كلام الله من كلام البشر، وأين كلام من لا ينطق عن الهوى من كلام عامة البشر؟! وقد يعطي الله -تعالى- بعض خلقه لساناً فصيحاً وبياناً بليغاً، لكن الموعظة منه لا تكمل دون الاستشهاد بالكتاب والسنة؛ فإن لهما أثراً وهيمنة على القلوب. ثانياً: في الصحيح غنية عن الضعيف: وعند اعتماد الواعظ الكتاب والسنة، فإنه سيجد في تفسير القرآن كثيراً من الروايات الضعيفة، والإسرائيليات الموضوعة، وسيجد في كتب الحديث كثيراً من الأحاديث التي لا تثبت، وحينئذ: فإن عليه الحيطة والحذر بمراجعة كلام أهل العلم فيها، وهذا التحري دليل على صدق الواعظ؛ ففي حديث مسلم: ((كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع))(6). وقد كان حال الوعاظ في هذا الباب عجباً، فقد قلّ فيهم العلم، وصدق في بعضهم قول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إنكم في زمان كثير علماؤه، قليل خطباؤه، وإن بعدكم زماناً كثير خطباؤه، والعلماء فيه قليل" (7)، وصار كثير منهم لا يهتمون بتمييز القصص والحكايات، فهمّهم الإتيان بالغريب من الأخبار، والعجيب من القصص، التي قد ينشدّ لها العوام والجهلة، وبلغ ببعضهم الحال إلى أن اقترن ذكره بالوضع في الحديث والكذب فيه، حسبة للأجر والثواب!، أو تكسباً واسترزاقاً، وعدّهم أهل الحديث في جملة الوضاعين (8). وقد طفحت كتب المواعظ بالقصص المنكرة، والعجائب المختلقة، ولهذا حذر الأئمة من أخبار القصاص ورواياتهم، فألف ابن تيمية كتاباً سماه: "أحاديث القصاص"، وألف السيوطي كتاباً سماه: "تحذير الخواص من أكاذيب القصاص"، ولابن الجوزي: "القصاص والمذكرين" (*) ونحوها كثير. ومن كتب الوعظ التي ينبغي الحذر منها، حيث كثر فيها الغث: "الروض الفائق في المواعظ والرقائق" لأبي مدين الحريفيش، "وروض الرياحين في حكايات الصالحين" لأبي السعادات اليافعي، و "قرة العيون ومفرح القلب المحزون، وبستان العارفين، وتنبيه الغافلين" كلها لأبي الليث السمرقندي، و "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي (**). ولئن أجاز بعض السلف ذكر الحديث الضعيف في أبواب الفضائل، فإن هذا ليس على إطلاقه، فقد شرطوا له شروطاً ثلاثة: 1- ألا يكون الضعف شديداً. 2- أن يكون الحديث مندرجاً تحت أصل عام. 3- ألا يعتقد عند العمل به ثبوته (9). ولا يخفى أن هناك فرقاً بين ذكر الحديث الضعيف والاحتجاج به، فإن ذكره لا يعني إثبات حكم شرعي به (10). يتبع |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
فن الوعظ أهميته وضوابطه عبد الحكيم بن محمد بلال ثالثاً: تعهد الناس بالموعظة: النفس تمل وتسأم فيضعف أثر التذكير فيها؛ وربما كرهته فلم يُنتفع به حينئذ، لذا: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لخبرته بالنفوس يتعهد أصحابه بالنصح والتذكير، أياماً وأياماً، ولا يُكثِر عليهم؛ لئلاّ يملوا، وكذا كان صحابته الذين تربوا على يديه يمتثلون ذلك، بل ويوصون به: فعن عكرمة عن ابن عباس قال: "حدّث الناس كل جمعة مرة، فإن أبيت فمرتين، فإن أبيت فثلاث مرات، ولا تُملّ الناس هذا القرآن، ولا ألْفينّك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم فتقطع عليهم حديثهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه.. " الحديث (11). وعن أبي وائل، قال: كان عبد الله يعني ابن مسعود يذكرّ الناس في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن: لوددت أنك ذكّرتنا كل يوم، قال: "أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخولنا بها؛ مخافة السآمة علينا" (12). فعلى الواعظ أن يتفرس في حال الموعوظين، ويتحيّّن نشاطهم ليقبلوا بقلوبهم، فينتفعوا بإذن الله – تعالى -، ولينظر الداعية في مدى تطبيقه لهذا المبدأ التربوي العظيم، الذي تُحفظ به الأوقات، والجهود، ويُؤْمَنُ به من نفرة الناس وضجرهم، وله في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير أسوة، فقد كان كما قال جابر بن سمرة: (لا يطيل الموعظة يوم الجمعة، إنما هن كلمات يسيرات) (13)، وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحدث حديثاً لو عدّه العادّ لأحصاه" (14). رابعاً: الحذر من المبالغة، والتهويل، وتقنيط الناس: اجتهاداً في محبة الخير للناس والخوف عليهم يقوم الواعظ أحياناً بتضخيم جزاء السيئة، وعقوبة المعصية، فيزيد على الوارد فيها أحياناً، ويهول ويعظم أخرى، حتى يخيل لسامعه أن عذاب الله نازل به لا محالة، وأنه لا توبة له، وأن عمله الصالح لن ينفعه، وأنه لا حيلة له!. وقد يحدث العكس أحياناً عند بعض الوعاظ، فيُهَوّنون من المعصية ويقللون من شأنها! والمنهج الشرعي الوسط: الموازنة بين الترغيب والترهيب، والخوف والرجاء، قال الله -تعالى-: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العَذَابُ الأَلِيمُ) (الحجر: 49، 50). ولهذا أثنى الله على عباده المؤمنين بجمعهم بين هاتين الصفتين الكريمتين، فقال: (.. وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ.. ) (الإسراء: 57)، وقالت عائشة -رضي الله عنها- لعبيد بن عمير: "إياك وإملال الناس وتقنيطهم" (15). خامساً: البلاغة بلا تكلف: كانت مواعظ النبي - صلى الله عليه وسلم - بليغة غير متكلفة، فقد جاء في حديث العرباض -رضي الله عنه-: "وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب..." (16)، قال ابن رجب: "والبلاغة في الموعظة مستحبة؛ لأنها أقرب إلى القلوب واستجلابها، والبلاغة: هي التوصل إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالها إلى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصحها وأحلاها للأسماع، وأوقعها في القلوب، وكان - صلى الله عليه وسلم - يقصر خطبتها، ولا يطيلها، بل كان يبلغ ويوجز" (17)، وفي ظل اهتمام المتحدث ببلاغته في خطبته قد يجنح فيقع في التكلف، يظنه بلاغة!. ومن صور التكلف: أ- التقوّل لما لا يعلم: عن مسروق قال: "دخلنا على عبد الله بن مسعود، قال: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم؛ فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم، قال الله - عز وجل - لنبيه: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِين َ) (18). ب - السجع: في قول ابن عباس المتقدم: "... فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب"، قال الغزالي: "المكروه من السجع هو المتكلف؛ لأنه لا يلائم الضراعة والذلة، وإلا ففي الأدعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة" (19). والحال في الموعظة بالنسبة للسجع كالحال في الدعاء، فإن فيه في الغالب تكلفاً مُذْهِباً لرونق الموعظة وخشوعها، إلا الحسن منه، وهو: ما خلا من التكلف والتكرار، وكانت الألفاظ المسجوعة حلوة المذاق. ج - الثرثرة والتشدق والإطناب لغير حاجة: الثرثرة تعني: كثرة الكلام تكلفاً وخروجاً عن الحق (20)، عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن من أحبكم إليّ وأقربكم مجلساً مني يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ، وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون... )) الحديث (21). فينبغي للواعظ أن يراعي في وعظه الحال من جهة الإيجاز والإطناب، وإن كان الأصل: أن المواعظ تكون أميل إلى الإيجاز بعيداً عن التشدق والثرثرة، واقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي نهى عن ذلك، وأخذاً بمنهج السلف في ذلك، وقد تكون للإطناب حاجة من ضعف فهم السامعين، أو ظن الواعظ صعوبة فهم ما ألقاه عليهم. سادساً: استغلال المناسبات والأحداث: كان - صلى الله عليه وسلم - يستغل المناسبة أو الحدث ولو كان يسيراً قد لا يوقف عنده، ولا يؤبه به وينطلق من خلاله مربياً واعظاً، والشواهد كثيرة، منها: قوله لما دخلت العشر: ((ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر.. ))(22). قوله يوم النحر: ((أي شهر هذا؟... فأي بلد هذا؟... فأي يوم هذا؟.. )). ثم قال: ((فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا؛ في بلدكم هذا، في شهركم هذا... ))(23). أُهديت له - صلى الله عليه وسلم - حلة حرير، فجعل أصحابه يمسونها، ويعجبون من لينها، فقال: ((أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ خير منها... ))(24). وهكذا ينبغي للواعظ؛ فلا يحدث الناس عن الزهد في الدنيا أو الموت وهو في مناسبة زواج! أو يحدثهم عن فضل الفقير الصابر وهم أغنياء في زمن سعة... ونحو ذلك كثير. وكم يخسر الواعظ حين تمر به مناسبة أو حدث، ويكون قد هيأ في نفسه كلاماً من قَبْل ليعظ به الناس، فيلقي ذلك الكلام ويعرض عن استغلال تلك المناسبة! إنه يفوّت بذلك رصيداً من الفهم عند السامعين كان يمكنه تحصيله لو استغل تلك المناسبة أو ذلك الحدث. ويتحقق ذلك في أبهى صوره عندما يجمع الواعظ بين العلم والحكمة، فيقدر لكل أمر قدره، ويعطيه ما يستحقه. سابعاً: الهيمنة بالتأثير الوعظي على المخاطبين: عن العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فبماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: ((أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة... )) الحديث. وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سبحانه وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هكذا بيده، ويحركها، يقبل بها ويدبر، يمجد الرب نفسه: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر حتى قلنا: ليخرّن به!))(26). "ولا يتصف الواعظ الداعية بهذه الهيمنة والتأثير إلا أن يكون مخلص النية، رقيق القلب، خاشع النفس... وإلا فالمسؤولية كبيرة عند رب العالمين: روى ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: ((ما من عبد يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة، ما أردت بها؟)) قال: فكان مالك إذا حدثني بهذا بكى، ثم يقول: أتحسبون أن عيني تقرّ بكلامي هذا عليكم، وأنا أعلم أن الله سائلي عنه يوم القيامة ما أردت به؟!، أنت الشهيد على قلبي، لو أعلم أنه أحب إليك، لم أقرأ على اثنين أبداً)) (27). وفرق كبير بين داعية يتكلم بلسانه، وهو متصنع للكلام ليسبي به قلوب الرجال، وبين داعية مخلص مكلوم القلب على الإسلام يتكلم بنبضات قلبه، ولواعج حزنه وأساه) (28). قال ذرّ لأبيه عمر بن ذر: يا أبت: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت يا أبتي سمعت البكاء من هاهنا وهاهنا؟ فقال: يا بني: ليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلى(29). إن الموعظة المخلصة، إذا وجدت لها نفساً صافية، وقلباً متفتحاً متدبراً، فإنها أسرع للاستجابة، وأبلغ في التأثير، وهذا المعنى قد أكده القرآن في آيات كثيرة، كقوله تعالى-: (إنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق: 37) وقال: (تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ) (ق: 8). ثامناً: الاستشهاد بالقصة الصحيحة المؤثرة: ينبغي للواعظ استخدام القصص الهادفة المؤثرة، فهي تشدّ السامع، وتقرّب له الهدف، وهذا هو منهج القرآن، قال الله تعالى-: (نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (القصص: 3)، وهذه طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسيرة مليئة بقصص من كانوا قبلنا مما حكاه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه، كقصة الذين تكلموا في المهد، والثلاثة الذين أطبق عليهم الغار، وقصة أصحاب الأخدود، وغيرها كثير. ومن المسلّمات التربوية: أن التربية بالقدوة لها أثر عظيم، بل إنها تفوق الكلام النظري بكثير، والقدوة قد تكون حاضرة مشاهدة، وقد تكون محكيّة بالقصص، فلا عجب أن تكثر القصص كثرة كاثرة في كتاب الله (تعالى) وسنة نبيه. ولكن لابد من انتباه الواعظ إلى أمرين: الأول: أن عليه كما سبق ذكره أن يتحرى الصحيح منها، ولا يذكر القصة لذيوعها وانتشارها بين الناس، بل لثبوتها. الثاني: أن عليه ألا يقف عند جزئيات الحوادث التاريخية وتفاصيلها، ويهمل الدروس والعبر المستفادة منها، فإنها هي المقصودة من القصص، قال -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ.. ) (يوسف: 111)، ولكن ينبغي أن تكون الاستفادة باستنباط الدروس والعبر بلا مبالغة ولا تهويل، بحيث لا يستنبط منها غير ما تنبئ عنه، وبذلك توضع القصة في موضعها الصحيح. تاسعاً: الوعظ في موضعه الصحيح: ركز بعض الناس على التربية بالوعظ تركيزاً شديداً، وظنّ أنّ الوعظ هو الوسيلة الوحيدة للبناء والتربية، والصحيح أن الوعظ باب مهم من أبواب التربية، ولكنه ليس الباب الوحيد، فأبواب الدين كثيرة ولله الحمد، كالعلم والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله.. ونحوها، وهذه الأبواب تكوّن بمجموعها وحدة واحدة متآلفة، ويجب إعطاء كل باب حقه الشرعي، في وقته الشرعي دون إفراط أو تفريط. كما أن الوعظ لا يعد نهاية المطاف، بل إن الهدف من الوعظ هو إعداد النفس وتزكيتها، لتَحَمّل تكاليف هذا الدين، وتَعلّمِ أحكامه، وحَمْلِ رسالته. _____________ الهوامش: (1) لسان العرب، م6 ص4874. (2) انظر: تلبيس إبليس، ص 123. (3) البخاري، كتاب العلم، باب 49. (4) مسلم، المقدمة، ص 11. (5) رواه أحمد، ج4 ص182، وانظر صحيح الجامع، ح 4887. (6) مسلم، ح 5، وعند أبي داود ح 4992: (كفى بالمرء إثماً). (7) أخرجه أبو خيثمة في كتاب العلم، ص 109. (8) انظر شرح الألفية للسخاوي، ج1، ص283. (9) السابق: ج1ص313. (10) انظر الفتاوى، ج18 ص 66. (11) رواه البخاري، ح 6337. (12) رواه البخاري، ح 70. (13) رواه أبو داود، ح 1107، وانظر: صحيح سنن أبي داود، ح 979. (14) البخاري، ح 3567. (15) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، للخطيب البغدادي، ج2 ص 128. (16) صحيح سنن الترمذي، ح 1257. (17) جامع العلوم والحكم، ج2 ص 111. (18) رواه البخاري، ح 4809. (19) الفتح، ج11 ص 143. (20) لسان العرب، م1 ص 477. (21) صحيح سنن الترمذي، ح 1642. (22) رواه الترمذي، ح 757. (23) رواه مسلم، ح 679. (24) رواه البخاري عن البراء، ح 3802. (25) رواه مسلم، ح 2957. (26) وصحح أحمد شاكر إسناده، ح 5414. (27) أخرجه في الصمت وآداب اللسان، ص295، رقم 514، وقال المنذري في الترغيب، ج1 ص 125: بإسناد جيد أهـ، والمرفوع في ضعيف الجامع، ح2502. (28) تربية الأولاد في الإسلام، عبد الله ناصح علوان، ج2 ص 715. (29) الحلية، لأبي نعيم، ج5 ص 110. (*) وقد شحن ابن الجوزي كتبه الوعظية بالأحاديث الموضوعة، والقصص الباطلة، كما ذكر ذلك السخاوي (شرح الألفية، ج1 ص277) ومن هذه الكتب: المدهش، وذم الهوى، والمواعظ والمجالس. (**) ذكر ابن تيمية كتاب (الإحياء) فأنصفه، كما هو منهج أهل السنة، فذكر أن فيه فوائد في أعمال القلوب والأدب، لكن فيه مواد مذمومة فاسدة: من كلام الفلاسفة وأغاليط الصوفية، وفيه أحاديث موضوعة كثيرة، ويمكن الاستفادة بالكتاب مع تخريج الحافظ العراقي، ولكن ينبغي ألا يشتغل به إلا ذوو القدم الراسخ في العلم الشرعي |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
خطبة الجمعة والتوحيد محمد بن إبراهيم السبر الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإن العناية بطرق موضوعات التوحيد والعقيدة في خطبة الجمعة أمر مهم غفل عنه بعض الخطباء في غمرة الحديث عن الدنيا وما استجد فيها من مفاتن ومباهج وما طرأ من أحداث ونوازل، وقد كان تقرير ذلك وبيانه والعناية به من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال ابن القيم - رحمه الله -: "وكذلك كانت خطبه - صلى الله عليه وسلم - إنما هي تقرير لأصول الإيمان من الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيداً، ومعرفة بالله وأيامه، لا كخطب غيره التي إنما تفيد أموراً مشتركة بين الخلائق وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيماناً بالله، ولا توحيداً له، ولا معرفة خاصة به، ولا تذكيراً بأيامه، ولا بعثاً للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة، غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم، ويبلي التراب أجسامهم؛ فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا؟ وأي توحيد ومعرفة وعلم نافع حصل؟!. ومن تأمل خطب النبي - صلى الله عليه وسلم - وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد، وذكر صفات الرب جلّ جلاله، وأصول الإيمان الكلية والدعوة إلى الله، وذكر آلائه - تعالى -التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم. ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسوماً تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سنناً لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصعوا الخطب بالتسجيع والفقر وعلم البديع، فنقص بل عدم حظ القلوب منها وفات المقصود بها" (1). وكلام ابن القيم - رحمه الله تعالى- هذا ليس على ظاهره حتى لا يفهم أنه يهون من شأن هذه الأمور، لكنه ذكر ذلك واصفاً بعض الخطب في زمانه، حيث إن معظمها يكون هكذا، ويغلب عليها جانب التصوف ومجرد ذم الدنيا دون الاهتمام بالتوحيد وأصول الدين التي ينبغي أن يذكر بها الناس، والله أعلم (2). تحريك القلوب وقال سماحة العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية السابق - رحمه الله تعالى -: "ينبغي أن تكون الخطبة مشتملة على ذكر دعائم الدين وقواعده العظام، وكذلك ينبغي بل يجب أن يأتي بما يحرك القلوب. أما شيء لا يحركها فلا ينبغي ". ثم الاقتصار على ذكر فناء الدنيا والموت لا يكفي، كما أنه لا يكفي الاقتصار على كلمات الحِكَم النافعة. لابد من موعظة وشيء يحرك القلوب. ثم أيضاً اعتماد التسجيع وكونه هو همّ الخطيب مرجوح ولا ينبغي؛ فإن أتى به مع إتيانه بالأمور المهمة فلا مانع" (3). الخطبة عبر العصور وكما كان هذا هو شأن إمام الأنبياء والمرسلين فهو شأن أصحابه وخلفائه من بعده وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين كانوا يولون جانب التوحيد جلّ اهتمامهم وغاية عنايتهم، وفي عصرنا الحاضر كانت العناية بهذا الباب الجانب الطاغي على خطب أئمة الدعوة السلفية من لدن شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب في خطبه المشهورة وتلاميذه من بعده ومن سار على منهجه. ودعوته السلفية الحقة التي عمّ نفعها وآتت بفضل الله ثمارها وأمثل على ذلك بمثال واحد يدل على جهود علماء المسلمين في بلاد التوحيد بالخطابة عن التوحيد، وهو علامة القصيم الفقيه المفسر الشيخ/ عبدالرحمن بن سعدي - رحمه الله تعالى - فمن نظرة لفهرس ديوان خطبه نجد التركيز على القضايا الكلية وأصول الاعتقاد والعمل والأخلاق، حيث بلغت الخطب التي بيّن الشيخ أصول التوحيد ومنزلته وأهميته اثنتي عشرة خطبة، والخطب التي تحدث فيها الشيخ عن التوكل على الله أربع خطب، وعن حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته وشمائله خمس خطب، وعن التقوى وثمارها وعلاماتها خمس خطب، وعن نعم الله - تعالى - على خلقه سبع خطب... إلخ. اثنتا عشرة خطبة في التوحيد فقط من أصل 160 تدل دلالة واضحة على عناية الشيخ ابن سعدي - رحمه الله - واهتمامه في خطبه بأمر التوحيد(4). البدع الحولية ومن هنا فلا بد للخطيب الموفق والداعية المسدد من: - تخصيص خطب تُعنى بالتوحيد والعقيدة والتحذير من البدع والخرافات والمحدثات. - التطرق للمناسبات والبدع الحولية كبدع الاحتفال بالمولد النبوي وليلة الإسراء والمعراج وإحياء ليلة النصف من شعبان.. إلخ. - استغلال الأحداث المعاصرة والنوازل في ربط الناس بالتوحيد وإحياء معاني العقيدة والإيمان بالقضاء والقدر والتوكل على الله - تعالى -.. إلخ. - استغلال الآيات الكونية والحوادث الأرضية من كسوف وزلازل وبراكين وفيضانات وأعاصير لتقرير معاني التوحيد. ____________ (1) زاد المعاد " 1/423". (2) انظر الشامل في فقه الخطيب والخطب للشريم ص: 57. (3) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم: 3/20. (4) انظر موضوعات خطبة الجمعة، د. عبدالرحمن اللويحق، ص: 77 (بتصرف) |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
مراعاة مقتضى حال المخاطَب يوسف بن عبد الله العليوي إذا كان الداعية إلى الله مأموراً ببلاغة القول، وقد قال الله - عز وجل - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: (وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا) [النساء: 63]، فإن البلاغة مدارها على رعاية المتكلم في كلامه الفصيح لمقتضى الحال. و (الحال) هي مجموعة الأمور التي تحيط بالكلام وتؤثِّر فيه، فتدعو إلى التكلم على وجه مخصوص؛ بحيث يكون للكلام خصوصية زائدة على أصل المراد، وهذه الخصوصية هي "مقتضى الحال"؛ فـ (الحال) في المخاطَب هي الإنكار، و "مقتضى الحال" هو تأكيد الكلام. وللعرب وأهل العلم والبلاغة والأدب مقالات في شأن رعاية مقتضى الحال، من ذلك المقولة المشهورة عن العرب: "لكل مقام مقـال"، وفيهـا قال الحُطيئـة لعمـر بن الخطـاب - رضي الله عنه -: تَحنَّـن علَيَّ هداك المليكُ *** فإنَّ لكلِّ مقامٍ مقالاً وكلما كان المرء مراعياً في مخاطَباته وكتاباته لبلاغة الكلام ومقتضيات الأحوال كان أسَدَّ قولاً، وأكثر تأثيراً، وأقوى إقناعاً، وأقدر على التواصل، وأقرب للقبول، وأبعد عن عثرات الكلام وسقطاته. مع التنبيه إلى أن مطابقة مقتضى الحال أمر نسبي؛ فلا يمكن لبشر أن يحيط بالأحوال جميعها، بل لا يمكن في الحال الواحدة أن يحيط بها ويدرك تمامها؛ فإن هذا لا يكون إلا لله الخبير القدير. قال - تعالى -: (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَة ِ الْـحَسَنَةِ) [النحل: 125]. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "بالحكمة؛ أي: كل أحد على حسب حاله وفَهْمِه وقوله وانقياده"[1]. ويُلحَظ في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لغيره مراعاته للعوامل المؤثرة في شخصية المخاطَب، ويَبرز منها: ديانته، ومستوى تديُّنه، وبيئته التي عاش فيها واكتسب طباعها، ومنزلته الاجتماعية أو الوظيفية التي تضفي عليه طابعاً معيَّناً، وجنسه "ذكراً أو أنثى" وعُمُره "كهلاً أو شاباً أو طفلاً"، وصفاته السلوكية التي يتصف بها. 1 - مستوى التدين: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُلين القول للأعراب، ثم هو قد يشتد في القول على بعض أصحابه الأقربين، ومن ذلك حديث أسامة - رضي الله عنه - الذي يقول فيه: بعثَنَا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الحُرَقَة فصبَّحنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف الأنصاري، فطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قَدِمنا بلغ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لا إِلَهَ إِلا الله؟)) قلت: كان متعوذاً. وفي رواية قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أَفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا؟)) قال أسامة: فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم"[2]. قال القرطبي: "وتكرار ذلك القول إنكار شديد، وزَجْر وَكِيْد، وإعراض عن قبول عذر أسامة"[3]. ومن ذلك ما رواه جابر - رضي الله عنه - أن معاذاً - رضي الله عنه - كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يأتي قومه فيصلي بهم الصلاة. فصلى ليلة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء، ثم أتى قومه فأمَّهم، فافتتح بسورة البقرة فانحرف رجل فسلَّم، ثم صلى وحدَه صلاة خفيفة، فبلغ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك الرجلَ فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! إنا قوم نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا، وإن معاذاً صلى بنا البارحة، فقرأ البقرة، فتجوزت، فزعم أني منافق، فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على معاذ، فقال: ((يَا مُعَاذُ! أَفَتَّانٌ أَنْت؟ أَوْ: «أَفَاتِنٌ؟)) ثَلاثَ مِرَارٍ، ((فَلَوْلا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى))[4]. ولعل توجيه الخطاب إلى معاذ - رضي الله عنه - مع تقديم النداء في مقام الإنكار، واختيار صيغة المبالغة (فَتَّان) في الرواية المشهورة، وتكرار القول ثلاث مرات، لعله ليوقع في نفس معاذ - رضي الله عنه - عِظَم ما ارتكبه، مع أمْـنِ جانب معـاذ - رضي الله عنه - أن يرتد أو يتردد، وهو من خاصة أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -. 2 - نوع الديانة: يتـأثر الخطـاب بديانة المخاطَب التي يدين بهـا، ويظهـر - مثلاً - في خطـابه لليهـود تعظيـمُ الله - عز وجل - وتنزيهُـه، والتأكيـد على نبوته - صلى الله عليه وسلم - وصِدْق رسالته، وهذه المعاني يبرز خلافُها لدى يهود؛ فهم ينسبون النقائص والقبائح إلى الله - عز وجل - كقولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء... وغيرها، - تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً-. كما يراعي - صلى الله عليه وسلم - ما عليه يهود من صفات الكذب والمكر والخداع، التي صارت فيهم كالجبِلَّة والديانة، ويأتي الخطاب مع اليهود يحمل معه قوة الحق وقوة الأسلوب؛ لأن اليهود أهل عناد واستكبار. ومن أمثلة ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لـمَّا دخل خيبر غازياً، وكان أهلها يهوداً قال لـمَّا رآهم: ((اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ. خَرِبَتْ خَيْبَرُ... ))[5] وجملة التكبير المكررة بهذه الصيغة الموجَزة التي تقدَّم فيها لفظ الجلالة (الله) لتُشعر بكمال التنزيه لله - سبحانه وتعالى - وتأكيده. ومن ذلك حديث البراء ابن عازب - رضي الله عنه - قال: مُرَّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بيهودي مُحمَّماً مجلوداً فدعاهم - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟)) قالوا: نعم! فدعا رجلاً من علمائهم، فقال: ((أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى؛ أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟ » قال: لا. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أُخبِرك، نجده الرجم... )) الحديث[6]. ويُلحظ هنا الاختلاف بين خطاب العامة والعالِم؛ فالعالم سأله النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سأل العامة؛ لكنه قدَّم بين يدي سؤاله له استنشاداً بالله - عز وجل - تذكيراً له ووعظاً، أما العامة فلم يستنشدهم؛ لأن العالم يردعه علمه عما يسوء إذا ذُكِّر ووُعِظ، خصوصاً أن علماء اليهود يدركون صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا اجتمع هذا وذاك في مثل هذا الموقف؛ فإنه يغلب أن هذا العالم سيرتدع عن الكذب، وقد حصل، فأجاب بالصدق. أما في خطابه للنصارى؛ فنجد النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إلى العبودية ويؤكد لهم وحدانية الله وألوهيته، وعدم الإشراك به. وخطابه لهم فيه رقة لا تكون مع يهود، وقد يكون ذلك لِـمَا قاله الله - سبحانه - فيهم: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ) [المائدة: 82 - 83]. ومن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - للنصارى الذي تظهر فيه تلك الخصائص كتابه - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل وقومه، وفيه: ((بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلامٌ عَلَى مَن اتَّبَعَ الْهُدَى. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ؛ فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأرِيسِيِّينَ.. . ))[7]. 3 - البيئة: للبيئة تأثير كبير في تكوين شخصية المرء، وتظهر رعاية النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا العامل المؤثِّر في اختياره - صلى الله عليه وسلم - الدعاء على كفار مكة في الحرم؛ لما للحرم من مكانة خاصة في نفوس أهل الجاهلية، ويرون أن الدعـوة فيه لا تُرَدُّ، كمـا روى عبـد الله ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، إذ قال بعضهم لبعض: أيكم يجيء بسلى جزور بني فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به، فنظر حتى سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وَضَعه على ظهره بين كتفيه، وأنا أنظر لا أغني شيئاً، لو كان لي منعة! قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ساجد لا يرفع رأسه، حتى جاءته فاطمة، فطرحت عن ظهره، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه، ثم قال: ((اللَّهُمَّ! عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ)) ثلاث مرات، فشق عليهم؛ إذ دعا عليهم. قال: وكانوا يرون أن الدعوة في ذلك البلد مستجابة. ومنذ أن بعث الله - عز وجل - رسوله - صلى الله عليه وسلم - والمشركون يعادونه ويسبُّونه ومن معه من المسلمين؛ فما كان منـه - صلى الله عليه وسلم - إلا أن اختار أشد الكلام عليهم وقعاً وأنفذَه ذِكراً وسَيراً بين العرب؛ فدعا شعراء المسلمين وخاصة الأنصار إلى هجائهم، كما روت عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((اهْجُوا قُرَيْشاً؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْها مِنْ رَشْقٍ بِالنَّبْلِ)) قال حسان: والذي بعثك بالحق! لأَفْرينَّهم بلساني فري الأديم... قالت عائشة: فسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لحسان: ((إِنَّ رُوْحَ الْقُدُسِ لا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحَتَ عَن اللهِ ورَسُولِه)) وقالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((هَجَاهُمْ حَسَّانُ، فَشَفَى وَاشْتَفَى))[8]. ولعله أَمَر الأنصار بهذه المهمة؛ لأنه لا يربطهم بقريش نَسَب فيضعفوا في هجائهم، كما أنهم هم الذين آووا الرسول - صلى الله عليه وسلم - واستماتوا في نصرته؛ فنصروه بأيديهم؛ فحق لهم نصره بألسنتهم. ومن مراعاة البيئة اختيار الألفاظ والتعبيرات منها؛ ويظهر هذا جلياً في الصور البيانية التي لا تخرج عن عناصر البيئة التي يعيش فيها المخاطَبون، ومن أمثلة ذلك: تصوير حدود العبد في الحلال والحرام وما بينهما من المشتبهات بصورة الراعي مع الحمى، وتصوير القائم على حدود الله أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، والواقع فيها بصورة قوم في سفينة في البحر، والتصوير بجبل أُحُد في أكثر من صورة لبيان عِظَمِ الشيء، والتشبيه بالإبل. ومن ذلك تخصيص المخاطَب ببعض المنهيات؛ لكونها مما اعتاده وكَثُر تعاطيه لها في بيئته التي يعيش فيها، ومن ذلك مبايعته - صلى الله عليه وسلم - لرهط قال لهم فيها: ((أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئاً، وَلا تَسْرِقُوا، وَلا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلـوا أَوْلادَكُـمْ، وَلا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَـهُ بَيْنَ أَيْدِيكُـمْ وَأَرْجُلِكُـمْ ، وَلا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ))[9]. ولما نزل قول الله - عز وجل -: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) [الشعراء: 214]، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا، فهتف: ((يَا صَبَاحَاهْ!)) [10]. وصعود الجبل والنداء بمثل: (يا صباحاه!) عادة اعتادوها في الأمر الجلل، فصنع النبـي - صلى الله عليه وسلم - مثـل ما اعتادوه في بيئتهم، إشعاراً بخطر ما يريده ويدعوهم إليه؛ ولذا أقبلوا عليه واجتمعوا إليه. ومما يُلحظ مراعاةً للبيئة أيضاً: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يراعي في خطابه طبيعة اللين والرِّقة لدى الأنصار، وطبيعة الغلظة والجفاء والجهل لدى الأعراب. 4 - المنـزلة: منزلة المخاطَب - سواء أكانت سياسية أم وظيفية أم اجتماعية أم غيرها - لها أثر في رعاية المتكلم له في خطابه، وهذا جانب قرر القرآن الكريم رعايته. قال - سبحانه -: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) [النور: 63]. ومن ذلك ما قاله الله - عز وجل - لموسى وهارون - عليهما السلام - حين أرسلهما إلى فرعون: (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه: 42 - 44]، فبيَّن الله - عز وجل - لهما حاله، وكيف يخاطبانه بما يناسب هذه الحال. وفي رسائله - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والرؤساء نلحظ تأثير هذا الجانب جلياً في وصفه للمرسَل إليهم، كما في رسالته إلى هرقل: ((مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ))[11]، وفي رسالته إلى المقوقس قال: ((مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الْـمُقَوقِسِ عَظِيمِ القِبْطِ)) قال النووي في رسالة هرقل: "لم يقل: إلى هرقل فقط، بل أتى بنوع من الملاطفة، فقال: (عظيم الروم) أي الذي يعظمونه ويقدِّمونه، وقد أمر الله - تعالى - بإلانة القول لمن يُدعى إلى الإسلام، فقال - تعالى -: (ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْـحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَة ِ الْـحَسَنَةِ) [النحل: 125] وقال - تعالى -: (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَّيِّنًا) [طه: 44] وغير ذلك)[12]، وقال ابن حجر: "لم يخلِّه من إكرام لمصلحة التألُّف"[13]. ويختار النبي - صلى الله عليه وسلم - في رسائله إلى الملوك الألفاظ التي تُشعِرهم بالاطمئنان على مُلْكهم إذا أسلموا ترغيباً لهم في الإسلام، ويظهر ذلك في رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل؛ حيث نلحظ معنى (السلام) يتكرر في نص الرسالة ست مرات بدءاً من مطلعها إلى ختامها (سلام، الإسلام، أسلم، تسلم، أسلم، مسلمون) وهذه الكلمات تصرِّح وتلمِّح وتوحي إلى هرقل بأن المقصود هو الإسلام، وأما مُلْكه فباق إن أسلم. ومن ملاطفته - صلى الله عليه وسلم - ما خاطب به ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة حينما جيء به أسيراً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ورُبط في المسجد؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمرُّ به ويقول له: ((مَـاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) كرر ذلك ثلاث مرار في ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ)) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل، ثم دخل المسجد[14]. قال النووي: "قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟)) وكرر ذلك ثلاثة أيام، هذا من تأليف القلوب، وملاطفة لمن يرجى إسلامه من الأشراف الذين يتبعهم على إسلامهم خَلْق كثير"[15]. يتبع |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
مراعاة مقتضى حال المخاطَب يوسف بن عبد الله العليوي 5 - الجنس والعمر: ومن ذلك: أنه حينما يخاطب النساء؛ فإنه يناديهن ويصفهن بما يدل على وَصْف الأنثى إذا كان الخطاب مختصاً بهن، من مثل قوله: ((يا معشر النساء!...))، ((يا نساء المسلمات!... )) ولما طلب النساء منه أن يجعل لهُنَّ يوماً يخصهن بالحديث، وَعَدَهُنَّ يوماً لقيهُنَّ فيه، فوعظهن وأمرهُنَّ، فكان مما قال لهن: ((مَا مِنْكُنَّ مِن امْرَأَةٍ تُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْهَا مِنْ وَلَدِهَا ثَلاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إِلا كَانُوا لَهَا حِجَاباً مِن النَّارِ))[16]، وهذا الحديث خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثله المسلمين عامة، والرجال خاصة؛ ففي البخاري عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَا مِن النَّاسِ مِنْ مُسْـلِمٍ يُتَوَفَّـى لَـهُ ثَلاثٌ لَمْ يَبْلُغُـوا الْحِنْثَ إِلا أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمْ))[17]، قال ابن حجر في حديث النساء: "إنما خص المرأة بالذكر؛ لأن الخطاب حينئذٍ كان للنساء، وليس له مفهوم لما في بقية الطرق"[18]. ويراعي النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطابه حال الأنثى حين يحصل لها ما يختص به النساء من الحيض وما يصحبه من تغيُّرات واضطرابات لدى الأنثى، ومن ذلك ما ورد في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: خرجنا لا نرى إلا الحج، فلما كنا بسَرِف حضت، فدخل عليَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبكي، فقال: ((مَا يُبْكِيْكِ؟)) فقلت: والله! لوددت أني لم أكن خرجت العام. قال: ((مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟!)) وفي رواية: ((مَا لَكِ؟ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ)) قلت: نعـم! قـال: ((إِنَّ هَـذَا أَمْرٌ كَتَبَـهُ اللـهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضـي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي))[19]، وفي حديث أم سلمة قالت: بينما أنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مضطجعة في الخميلة، إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: ((مَا لَكِ أَنَفِسْتِ؟)) قلت: نعم! فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة[20]. في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((نَفِسْتِ)) عدول عن التعبير بـ (الحيض) إلى التعبير بـ (النفاس) مع أن التعبير المعدول عنه هو الأشهر عند المخاطبة في التعبير عن حالها، وهو تعبير القرآن أيضاً، وعبَّر به أيضاً النبي - صلى الله عليه وسلم - في أحاديث أُخْرى؛ لكنْ فَرْق بين خطاب موجَّه إلى امرأة حصل لها الحيض، وأخرى لم يحصل لها ويبيَّن لها أحكام الحيض مجردة عن أي حالة نفسية تقع فيها. أما التي حصل لها الحيض فهي تعيش حالة من التغيرات والاضطرابات النفسية والعقلية والجسدية تؤدي إلى هبوط نفسِيٍّ وعقليٍّ دون المستوى الطبعي، تكون المرأة فيه أشبه بالمريضة؛ فتحتاج إلى رعاية وعَطْف وحنان، وهذا الذي حصل من النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث خاطب زوجتيه بخطاب رقيق، فيستفهم بهمزة الاستفهام قائلاً: ((أَنَفِسْتِ؟)) أو تأتي العبارة بصورة الترجي توقعاً لحصول الأمر: ((لَعَلَّكِ نَفِسْتِ)) واختار لفظة تؤدي المعنى لكن من مادة أخرى تناسب الحال؛ إذ المادة (ن ف س) تتكون من حروف أسهل مخرجاً ونطقاً من حروف مادة (ح ي ض) فخروج اللفظة سيكون هادئاً رقيقاً، يُشعِر باللين واللطف، وربما كان لهذه اللفظة إيحاء بمعانٍ أخرى تشاركها في المادة كالتنفس والتنفيس... وغيرهما، وهي معاني إيجابية، لا توحي بها لفظة (الحيض) التي صارت لها دلالة مشهورة تأنف منها الأنثى كثيراً. ويُتْبِع النبي - صلى الله عليه وسلم - استفهامه لعائشة - رضي الله عنها - بخبر مؤَكَّد يريد به تسليتها وتخفيف مصابها، فيقول: ((إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ؛ فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي))، ومن الألفاظ التي اختارها النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: ((بَنَاتِ آدَمَ)): أما (بنات) فلعله لأجل إضافتها إلى (آدم) أو لكون عائشة - رضي الله عنها - لا زالت شابة صغيرة، ولعل إضافة (بنات) بصيغة الجمع إلى (آدم) ليشمل جميع الخلق من النساء بلا استثناء نساء قوم أو دين، وهذا فيه تسلية لها؛ لأن النفس البشرية تتعزى وتتسلى حينما ترى من يشاركها مصابها وهمومها؛ فلا تكون وحيدة المصاب حينئذٍ. ومع أن الغرض من خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجيه - رضي الله عنهما - هو تسليتهما والتخفيف عنهما مما وقعتا فيه، إلا أنه يُلحظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلف أسلوبه بين خطاب عائشة وخطاب أم سلمة، رضي الله عنهما؛ ولعل ذلك لأن أم سلمة لم يظهر منها جزع وبكاء كما حصل لعائشة، ولعل لفارق العمر بين الاثنتين أثراً في ذلك، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يُتْبِع قوله الرقيق لأم سلمة بفعل رقيق؛ فيدعوها لتضطجع معه في الخميلة، ويكفي هذا تسلية ولطفاً، والله أعلم. ومن المعاني التي خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - بها النساء: النهي عن التطيب إذا أرادت المرأة الخروج إلى الصلاة في المسجد، وخاصة في صلاة العشاء؛ ومع أن النهي عن خروج المرأة متطيبةً عامٌّ في كل الأوقات، إلا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خص العشاء الآخرة بمزيد من النهي؛ ولعل ذلك لأن العطر يستثير الشهوة، ويستميل إلى المرأة، والليل وقت الظلمة وخُلوِّ الطريق؛ فكان الخوف عليهن في الليل أكثر، وقيل: لأن عادتهن استعمال البخور في الليل لأزواجهن، والله أعلم[21]. ومن تأثير عُمُرِ المخاطَب في أساليب النبي - صلى الله عليه وسلم - ما ورد في خطابه مع الأطفال، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خُلُقاً، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير؛ فكان إذا جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرآه قال: ((أَبَا عُمَيْر! مَا فَعَلَ النُّغَيْر؟)) نَغْر كان يلعب به، وفي رواية: ((يَا أَبَا عُمَيْرٍ!))[22]. وفي هذا الموقف ما راعى فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - حال المخاطب وعُمُره وحاجته، ومن ذلك: 1 - أن موت النَّغْر قد لا يعني شيئاً للكبار، لكنه بالنسبة لهذا الصغير شيء محزن؛ فهو يرى لعبته جزءاً من حياته؛ فيحزن لفقدها. وحينما يحزن؛ فإننا ينبغي أن نعامله ونخاطبه من منطلق نظرته هو، لا من نظرتنا نحن؛ فنخضع لمشاعره ونحترم أحاسيسه ونشاركه عواطفه، ومن هنا كـان خطـاب النبـي - صلى الله عليه وسلم - لهذا الفطيم الـذي قد لا يدرك من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه يُحِس بحزنه، ويشاركه ألمه، ويضفي عليه عَطْفه وحنانه. وبهذا نفسر نداء النبي - صلى الله عليه وسلم - للطفل: ((أَبَا عُمَيْرٍ)): إما بحذف حرف النداء، وإما - في الرواية الأخرى - بذكره وهو (يا) وقد يكون الحذف الأقرب إلى المقام ملاطفة للمخاطَب، وإشعاراً له بسرعة الاستجابة لمشاعره والقرب منه وزوال الحواجز النفسية بينهما، وهذان (الملاطفة والتقريب) من الأغراض التي يُحذَف لها حرف النداء[23]. 2 - أن تصغير الأسماء (عمير) و(نغير) وهذا يتلاءم مع خطاب طفل صغير، ويأتي التصغير أيضاً ليحقق السجع، الذي يُحدِث تأثيـراً فـي النفـس؛ إذ هو يخـاطب الوجـدان والمشـاعـر أكثـر مـمـا يخـاطـب العقـول. 3 - ومما يلائم الصغير في هذا الخطاب: الإيجاز في التركيب مع وضوح الألفاظ؛ فخطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مكوَّن من جملتين: ندائية ((أَبَا عُمَيْرٍ)) واستفهامية ((مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟)) وكلتاهما موجزتان واضحتان، لم يتعدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهما الألفاظ التي يفهمها الطفل؛ لأن الطفل في مثل هذا السِّن لا يستوعب كل ما يقال له، وثروته اللفظية محدودة[24]. ومن مراعاة حال العُمُر في الخطاب النبوي البليغ، أَمْرُ الشباب بالزواج، أو ما يخفف حدَّة الشهوة، والنهي عن إتيان دواعيها، ومــن ذلـك مـا رواه عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - شباباً لا نجد شيئاً، فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَن اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ))[25]، قال ابن حجر: "خص الشباب بالخطاب؛ لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النكاح بخلاف الشيوخ"[26]. والأمر بالزواج هنا - لمن استطاع مؤنته - مقدَّم على الأمر بالصيام لمن لم يستطعها، تنبيهاً إلى أن الأصل في الشاب أن يُشبِع رغبته، لا أن يحسم مادتها، وأن الزواج هو الذي يُشبِع هذه الرغبة؛ فإذا بلغ الزواجَ فعليه أن يعْجَل به ويبادر إليه؛ ولذا جاء الأمر به في جواب الشرط مقروناً بالفاء، وجاءت صيغتا (الغضِّ والإحصان) في تعليل الأمر على أفعل التفضيل. 6 - الصفات السلوكية: في خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يراعي مقتضى هذه الصفات والحالات التي تؤثر في الصفات، ومن شواهد ذلك ما رواه أبو هريرة من أن رجلاً دخل المسجد فصلى، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناحية المسجد، فجاء فسلم عليه، فردَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - السلام، وقال له: ((ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ!)) فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم، فرد - عليه السلام -، وقال: ((ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ!)) فقال: والذي بعثك بالحـق! ما أُحْسِن غيره، فعلِّمني! فقال: ((إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِل الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، وَاقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِن الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ وَتَطْمَئِنَّ جَالِساً، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِماً، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ كُلِّهَا))[27]. قال النووي في فوائد الحديث: "وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته، وإيضاح المسألة، وتلخيص المقاصد، والاقتصار في حقه على المهم دون المكملات التي لا يحتمل حاله حفظها والقيام بها"[28]. وقد يقول قائل: إذا كان المخاطَب افتقد الطمأنينة في أفعال الصلاة عن جهل، وكان مقتضى حاله أن يوجز معه في ما يحتاج إليه؛ فلِمَ أطنب النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر إسباغ الوضوء واستقبال القبلة، وليسا من الصلاة؟ والجواب: إن هذا من الأسلوب الحكيم، وقد أشار إليه النووي؛ حيث قال في فوائد الحديث: (فيه أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكــان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه، يُستحَب له أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام في ما لا يعني، وموضع الدلالة أنه قال: "علمني يا رسول الله!" أي علمني الصلاة، فعلمه الصلاة، واستقبال القبلة والوضوء، وليسا من الصلاة، لكنهما شرطان لها"[29]. ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لـمَّا رأى استعجاله في الصلاة، ظن أنه يستعجل في غيرها مما هو شـرْط لهـا، فـلا يأتـي به علـى ما ينبغي؛ ولذا جاء الأمر بـ (إسباغ الوضوء) لا مجرد الوضوء. إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان يريد أن يعلم الرجل ترتيب الأفعال لربما اكتفى بقوله: اركع، فقم، فاسجد، فارفع، فاسجد فقم، لكنه - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعلمـه الطمأنينة في أداء صلاته، ولم يكن تعليمه إياها ابتداءً؛ وإنما عن خطأ ناشئ من جَهْل، واستعجال قد يكون طبعاً في المخاطَب؛ ولذا لم يكتفِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بدلالة (ثم) وحدها وإلا قال: اركع ثم قم ثم اسجد ثم ارفع ثم اسجد... ولا بدلالة (حتى) وحدها وإلا قال: اركع حتى تقوم، فقم حتى تسجد، فاسجد حتى ترفع، فارفع حتى تسجد... ولا بدلالتهما معاً، بل نص على ما قصَّر فيه المخاطَب، وكرره ليتقرر لديه ويتأكد، ولم يكتفِ أيضاً بذلك، بل أتى بالحال التي تتعلق بالطمأنينة في كل فِعْل؛ ليزيد الأمر تأكيداً وتقريراً، والله أعلم. ومن المواقف التي راعى فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - الصفة السلوكية لدى المخاطَب، ما جاء من أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - رأى أن له فضلاً على مَنْ دونه، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ ))[30]. ففي هذا الموقف ظن سعد - رضي الله عنه - أنه بشجاعته وقوَّته وماله لا يساوى في الغنيمة بمن دونه من الضعفاء والفقراء؛ فخاطبه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بخطاب فيه مراعاة لمقتضى حاله، فأعلى مِن شأن مَنْ يرى أنهم دونه، وأضعف ما في نفسه مما يُظن من الإعجاب والزهو، ومن ذلك: 1 - جاء الخطاب بأسلوب القصر، بطريق النفي والاستثناء، و (هل) هنا فيها معنى النفي؛ أي: ما تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم. إن القصر هنا جاء مراعاة لمقتضى حال المخاطَب، الذي صدر عنه ما يُظن أنه احتقار للمقصور عليه وغفلة عن أهميته، وأن النصر لا يكون إلا بالشجاعة وكثرة المال؛ فقوبل ذلك بقصر يؤكد خلاف ما يظنه المخاطَب؛ فيعلي من شأن المقصور عليه، ويبيِّن أن الأسباب الأخرى متوقفة عليه، وجاء هذا القصر على النوع المسمى بـ (قصر القلب) لما فيه من قلب وتبديل لحُكْم المخاطَب كله بغيره، مبالغة في التأكيد على أهمية شأن الحُكْم الذي تضمنته جملة القصر، وحضاً للمخاطب على الاتصاف بالتواضع. 2- جاء القصر في رواية الصحيح بصيغة الاستفهام مراداً به النفي؛ لما في الاستفهام من معنى التقرير، وكأن الأمر حقيقة متقررة لدى المخاطَب، فيراد تذكيره بها وتأكيدها له. 3 - لم يُسنَد فِعْل النصر إلى المخاطَب، بل أُسنِد إلى غيره، فبُنِي لِـمَا لم يُسـمَّ فاعله، والفـاعـل هـو اللـه - عز وجل - كما جاء معلوماً في الرواية الأخرى، ولعل ذلك مقابل ما قد يكون في نفس المخاطَب من تعظيم أسباب القوة البشرية، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يذكِّــر المخـاطَــب بأن النصـر لا يكـون إلا من الله - عز وجل - الذي يقدِّره ويحدِّد أسبابه ويـيسرها؛ وأن القوة البشرية مهما بلغت، ما هي إلا سبب من أسباب النصر التي يريدها - سبحانه وتعالى - والله أعلم. وبما سبق يتضح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان من منهجه في خطاب الناس أن يراعي أحوالهم والعوامل المؤثرة فيها، وقد ظهر ذلك في اختيار الألفاظ والعبارات والمعاني والأساليب البلاغية واختيار الوسائل والقوالب التي تحمل تلك الألفاظ والمعاني والأساليب. أسأل الله أن يرزقنا حُسْنَ الاتباع لهدي نبيه - صلى الله عليه وسلم - والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. _______________ [1] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. [2] أخرجه البخاري: (4269 و6872)، ومسلم: (96). [3] المفهم لما أشكل من كتاب مسلم. [4] أخرجه البخاري: (705 و6106)، ومسلم: (465). [5] أخرجه البخاري: (610)، ومسلم: (1365). [6] أخرجه مسلم: (1700). [7] أخرجه البخاري: (7 و2941 و4553)، ومسلم: (1773). [8] أخرجه مسلم: (2490). [9] أخرجه البخاري: (18 و6801)، ومسلم (1709). [10] أخرجه البخاري: (4770 و4801)، ومسلم (208). [11] أخرجه البخاري: (7)، ومسلم: (1773). [12] شرح صحيح مسلم: 12/108. [13] فتح الباري: 1/38. [14] أخرجه البخاري: (462 و4372)، ومسلم: (1764). [15] شرح صحيح مسلم: 12/89. [16] أخرجه البخاري: (101 و102 و7310)، ومسلم: (2634). [17] أخرجه البخاري: (1248). [18] فتح الباري: 3/121. [19] أخرجه البخاري: (294)، ومسلم: (1211). وسَرِف: بفتح السين، وكسر الراء، موضع قرب مكة، بين وادي فاطمة والتنعيم. [20] أخرجه البخاري: (298)، ومسلم: (296). [21] ينظر: الكاشف عن حقائق السنن: 3/30، وفيض القدير: 3/173، وحاشية السندي على سنن النسائي: 8/154و155، ومرقاة المفاتيح: 3/135. [22] أخرجه البخاري: (6129 و6203)، ومسلم: (2150). [23] ينظر: الكشاف: 2/444، وخصائص التعبير القرآني: 2/7، وعلم المعاني لـبسيوني فيود: 2/146. [24] ينظر: من أساليب الرسول - صلى الله عليه وسلم - في التربية. [25] أخرجه البخاري: (1905 و5066)، ومسلم: (1400). [26] فتح الباري. [27] أخرجه البخاري: (757 و793 و6667)، ومسلم: (397). [28] شرح صحيح مسلم. [29] شرح صحيح مسلم. [30] أخرجه البخاري: (2896) |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
آداب الخطيب وصفاته الاولى( الإخلاص) د.علي بن عمر بادحدح المقصود بالإخلاص هنا (صلاح الباطن وصفاء السريرة وتوجه القلب نحو الله سبحانه، وألا يكون للعبد في قوله وفعله أي مطمع سوى طاعة الله ومرضاته. وهو قوة فعالة في توجيه النفس البشرية وقيادة القلب الإنساني)([1]). (فالواعظ يقصد بوعظه وجه الله عز وجل ولا يقصد توصلاً إلى غرض دنيوي لتحصيل مال أو جاه أو شهرة)([2]) (أو يحرص على مدح مادح أو تجنبًا لقدح قادح، فالله لا يقبل من العمل إلا ماكان خالصًا صوابًا)([3]) (وقد مدح الله المخلصين وأثنى عليهم في القرآن الكريم فقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بالإخلاص مبينًا لهم أنه كمال الإيمان، فقال صلى الله عليه وسلم ((من أعطى لله تعالى ومنع لله تعالى وأحب لله تعالى وأبغض لله تعالى وأنكح لله تعالى فقد استكمل الإيمان))([4]) وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه ((أخلص دينك لله يكفك القليل من العمل))([5]) ([6]) (والخطيب الذي يتحلى بالإخلاص هو أقدر على التأثير في نفوس جمهوره وتوجيه قلوبهم وأذهانهم لأن كلامه ينبع من أعماقه. وكم من خطيب شخصت فيه صفة الإخلاص وأشرقت استطاع أن يعالج أقسى القلوب وأن يؤثر في أعتى النفوس فينقل صاحبها- بإذن الله تعالى- من الظلام إلى النور)([7]). عن أبي يوسف قال: (يا قوم أريدوا بعملكم الله، فإني لم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أتواضع إلا لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلسًا قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح)([8]) (وقال الإمام أبو جمال الدين الفرج ابن الجوزي: لقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مائتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مائتي نفس، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل)([9]). وعندما يتجرد الخطيب عن الإخلاص ويغلب الهوى وحب الشهرة وما إلى ذلك فإن الخطيب (لن يتمكن من الوصول إلى أعماق الناس والتأثير فيهم وتحريك مشاعرهم لأنه فقد المصباح المنير الذي به يضيء أرجاء القلوب وينير ساحات العقول وعلى هديه يعالج أوصاب النفوس)([10]) قال بعض السلف: (إن العالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله، زلت موعظته عن القلوب كما يزل القطر على الصفا)([11]). ([1]) "خصائص الخطبة والخطيب" (ص 111). ([2]) "تحفة الواعظ" (ص 21) ([3]) "إرشادات لتحسين خطبة الجمعة" (ص 21). ([4]) رواه الحاكم في "المستدرك" (رقم2694) (2/178). وأبو داود (بدون $وأنكح لله))) رقم (46814/220). والطبراني في "الأوسط" (رقم9083) (9/41)، وقال في "مجمع الزوائد" (1/90)فيه صدقة بن عبد الله السمين وقد ضعفه البخاري وأحمد وغيرهما، وقال أبو حاتم، محله الصدق. ([5]) رواه المنذري في "الترغيب والترهيب" (1/22). والبيهقي في "شعب الإيمان" (5/342) وقال حديث مرسل. ([6]) "خصائص الخطبة والخطيب" (ص 110) بتصرف. ([7]) "خصائص الخطبة والخطيب" (ص 111) باختصار. ([8]) "تحفة الواعظ" (ص 21). ([9]) المرجع السابق (ص 20). ([10]) "خصائص الخطبة والخطيب" (ص 112). ([11]) "تحفة الواعظ" (ص 18). |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
فقه الوعظ بسام الشطي ما أحوجنا إلى الوعظ لانشغالنا بالدنيا، نسينا الآخرة فقست قلوبنا فأصابنا فتور وضعف في الإيمان، فالوعظ يحيي القلب ويحرره من الشيطان، قال -تعالى-: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله). فالموعظة مزيج من الترغيب والترهيب والنصح وعلو الصوت والتذكرة بالآخرة والألوهية وحقيقة الإنسان، قال - تعالى -: (وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا). - يحتاج المسلم إلى الموعظة بين الفينة والأخرى؛ لأنها شفاء للصدر، قال - تعالى -: (يأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور)، فكان عبدالله بن مسعود يعظ في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبدالرحمن لوددت أنك ذكرتنا في كل يوم، فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بها مخافة السآمة علينا. - فوائد الموعظة كثيرة، منها: تذكير الغافل، تعريف الخلق بالخالق، وتبصير الناس بشرائع الإسلام وحدوده، وتجديد الإيمان وتحريكه، وزجر العاصي، وتثبيت المهتدي، وكشف مكائد ومصائد شياطين الإنس والجن. - وللواعظ آداب يتحلى بها: الإخلاص والعلم بما يعظ، والرفق على الناس والصبر على أذاهم، والعمل بما يأمر به الناس وينهاهم عنه، فصاحة اللسان وعذوبته، واتباع السنة وآثار السلف، الورع في مسائل الحلال والحرام. - على الواعظ الالتزام بالسلوكيات الآتية: اختيار أوقات مناسبة للناس، وعدم الإطالة في الكلمة، التركيز في الموضوع وتحديد معالمه عدم التوسع في القصص الغريبة والمبالغة في طرحها، وعدم الطعن في العلماء وغمز الولاة، وعدم تجريح السامعين والتهجم عليهم أو التهكم بهم، وعدم المبالغة في ضرب الأمثلة التافهة، والنزول إلى الأسلوب المفهوم وعدم التحدث بأسلوب التعالي أو غريب اللفظ، والحرص على جمع الكلمة وتأليف القلوب والإصلاح بين الراعي والرعية، ويرغبهم في التفقه في دين الله - عز وجل -. - إلقاء الموعظة ارتجالا يؤثر أكثر.. فالواعظ يرفع صوته ويحرك يده ويتفاعل مع الكلام: "كان النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم"[رواه مسلم عن جابر]، وإذا نبع الكلام من القلب لامس شغاف القلوب وخالطها". - تحفيز الأذهان من خلال طرح السؤال: فكان الرسول –صلى الله عليه وسلم- يطرح السؤال: ((أتدرون من المفلس؟))، ((أتدرون ما الغيبة)) ((أتدرون أي يوم هذا؟)) وتحفيزهم بذكر معلومة أو خبر مثال ذلك: رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف، قيل من يا رسول الله؟ قال: ((من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما، فلم يدخل الجنة))[رواه مسلم]. - لا تحرض الرجل على أهله أو خدمه.. كأن يقول: أين الرجولة عن المرأة التي تتبرج وباستطاعته القول: أيها الغيورون شجعوا المرأة على الحجاب وأثنوا عليها إن تحجبت.. وغيرها من العبارات، واصبروا على الخادم حتى يتعلم. - خاطبهم بأنهم إخوانك وارفق بهم ولا تتعالَ عليهم، وحرك ملكة الإبداع والاستنباط فيهم وأنزل الأحكام الشرعية على الواقع ولا تشعرهم باليأس والقنوط بل بالتفاؤل، وادفعهم ليقوم كل منهم نفسه ويحاسبها، واعمل تجربة عملية أمامهم، فقل نتوقف الآن وكل منا يستغفر الله مائة مرة فكان رسولنا –صلى الله عليه وسلم- يستغفر في اليوم مائة مرة رغم أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فمتى طبقنا هذا آخر مرة؟ وكم يأخذ تطبيق ذلك من الوقت؟. - الموعظة تجعل المستمع متقيا بالعلامات الآتية: صدق الحديث، ووفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق فيما يقرب إلى الله. قالها الحسن البصري - رحمه الله - |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
كيف تكون خطبتك مؤثرة ؟ محمد بن عبد الله الخضيري الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله ومن والاه إلى يوم الدين أما بعد: فمضمون الخطبة هو الجانب الأهم في الخطبة، وهو الذي عليه مدار إصلاح القلوب والأعمال، والأخلاق والسلوك، تثبيتا للصواب، وتكثيراً له، وتحذيراً من الخطأ وتقليلا له، وهناك عدة معالم وأسس تنطلق منها الخطبة الهادفة وترتكز عليها: الأولى:تقرير الأصول والأركان حيث يكون للخطيب عناية خاصة بتقرير مسائل الإيمان والعقيدة، ولا يأنف من ذكرها والتأكيد عليها بين الفينة والأخرى، ولا يستبد به الولع بالمستجدات أيا كانت، وتطغى عليه هذه النـزعة، فيهمل تلك الجوانب العظيمة، ولربما تركها أو تساهل فيها بعض الخطباء؛ اعتماداً على سبق معرفة المستمعين لها أو دراسته إياها، وهذا على فرض ثبوته، فإن لغة الخطيب قدسية المكان وعبودية الاستماع تختلف عن لغة التعليم والدراسة فهما، وتأثراً وتطبيقا، إضافة إلى أن في المستمعين ربما من لم يتعلم في التعليم النظامي، أو ليست هذه المسائل من ضمن فقرات المنهج، ولهذا كانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم مشتملة على هذه القضايا الأساسية . يقول ابن القيم- رحمه الله- كما في زاد المعاد: ( كانت خطبه صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان، من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعده لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته، فيملأ القلوب من خطبته إيماناً وتوحيدا..) ويقول أيضا: ( ومن تأمل خطب النبي- صلى الله عليه وسلم- وخطب أصحابه، وجدها كفيلة ببيان الهدي والتوحيد، وذكر صفات الرب جل جلاله، وأصول الإيمان الكلية، والدعوة إلى الله، وذكر آلائه التي تحببه إلى خلقه، وأيامه التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم )[1] القضية الثانية:التنويع، فالخطبة الناجحة النافعة هي التي ينوع الخطيب في موضوعاتها كل خطبة بما يناسب مقامها وظروفها الزمانية والمكانية، بحيث لا يكرر ولا يعيد، بل يرسم لنفسه خطاً بيانياً علميا يحاول أن يأتي عليه جميعا في فترة معينة يحددها؛ بحيث إن المستمع الذي لا يكاد يفارق هذا الخطيب؛ يطمئن إلى أنه استوعب واستمع إلى جميع ما يحتاجه في أمور دينه، ولم يفته منه شيء، وقد يعيد الخطيب بعض الموضوعات التي تتأكد الحاجة إليها، ولكن بأسلوب مغاير وعرض مختلف، وتهيئة الخطيب نفسه على تنويع الموضوعات حسب ما تقتضيه المناسبات أو الظروف والأزمات؛ يقضي على الرتابة عنده والتكرار الذي ربما لا يحس به، كمن يأسره مثلا موضوع معين أو أكثر أو تخصص معين ؛ فتجده لا ينفك عن طرحه إلا قليلا، وكان سيد الخطباء صلى الله عليه وسلم يراعي مقتضى الحال في خطبه، ويذكر عنه ابن القيم- رحمه الله-: ( وكان- صلى الله عليه وسلم- يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم). ويقول أيضا: ( وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم) ومن هنا فإن على الخطيب أن يتناول في خطبته القضايا الإيمانية والعبادية والأخلاق والسلوكيات . القضية الثالثة: العلمية: فالخطبة الناجحة المؤثرة؛ هي التي يعتمد فيها الخطيب على التأصيل العلمي؛ لأنه يتحدث من منبر شرعي، يحضره الناس لتلقي الطرح الشرعي المؤصل، وليس المنبر موقعاً خاصاً أو ديوانية أو وسيلة إعلامية تنسب للشخص ذاته، فعلى الخطيب أن يتقي الله فيما يطرح، فلا يخوض في القضايا بغير تأصيل وعلم وسبق تحر وبحث، وألا يكون طرحه للقضايا المهمة مبنياً على وجهة نظر شخصية عارية عن التنقيح أو التحقيق، ومهما كان للخطيب فصاحة وبلاغة وثقافة، فلا يغنيه ذلك عن التأصيل العلمي والرجوع إلى المحكمات دون المشتبهات، وإلى اليقينيات دون الظنيات، وإلى ما تثبت منه دون ما ظنه، أو اشتبه عليه، يقول أحد السلف: ( من أعجب برأيه ضل ومن استغنى بعقله زل ). وقد أعجبني كلاماً للشيخ الطنطاوي- يرحمه الله- وهو يتحدث عن عيوب الخطبة في زمانه فيقول: ( ومن أعظم عيوب الخطبة في أيامنا؛ أن الخطيب ينسى أنه يقوم مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتكلم بلسان الشرع، وأن عليه أن يبين حكم الله فقط لا آراءه هو، وخطرات ذهنه، إلى أن يقول: ومن الخطباء من يأتي بأحكام غير محققة ولا مسلمة عند أهل العلم، يفتي بها على المنبر، ويأمر الناس بها، ولو اقتصر على المسائل المتفق عليها فأمر بها العامة، وترك الخلافية لمجالس العلماء لكان أحسن ) القضية الرابعة: الاستدلالية: فالخطبة المؤثرة ؛ هي التي يزينها الخطيب بكثرة الأدلة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ ليربط السامعين بمصادر التلقي الشرعية أولا، وليثبت القضية المطروحة ثانيا، ويحسن أن يكون الاستدلال بعد عرض المسألة وطرحها؛ لتتهيأ النفوس لسماع ما يثبت ذلك؛ فإذا سمعته بعد ذلك؛ وعته وعقلته وأحسنت ربط القضية بدليلها . قال عمران بن حطان: خطبت عند زياد خطبة ظننت أني لم أقصر فيها عن غاية، ولم أدع لطاعة علة، فمررت ببعض المجالس فسمعت شيخاً يقول: هذا الفتى أخطب العرب لو كان في خطبته شيء من القرآن[2]. وفي قضية الاستدلال: يجب على الخطيب أن يتحرى الأحاديث التي يلقيها في خطبته، فيتقي الله أن يأتي بأحاديث موضوعة أو منكرة أو ضعيفة، أو يتبع فيها غيره ممن يتساهل من مؤلفي دواوين الخطب القديمة أو الحديثة ورسائل التخريج، وتمييز الصحيح من غيره أصبحت ميسرة جدا بحمد لله ، سواء كان عن طريق البحث الموضوعي في أبواب كتب السنة عن طريق فهارسها، والحاسب الآلي والشبكة العنكبوتية، سهلت ذلك أكثر وأكثر فلا عذر في التقاعس والتقصير في التخريج أو في الحكم على الحديث. خامسا: الوعظية: ولابد من اشتمال الخطبة الناجحة على عنصر الوعظ، كما كان هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وليس الوعظ قسيما للعلم، أو مقابلا له، كما قد يتصور الكثيرون ممن يقصرون معنى الوعظ على الجانب التخويفي أو الترغيب فقط، وهذا فهم قاصر؛ إذ الوعظ في اصطلاح القرآن أعم من مجرد الترغيب والترهيب؛ ولهذا جاء وصف القرآن كله بأنه موعظة: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين َ)) (يونس: 57). وفي الأحكام قال تعالى: (( فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنّ َ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً)) ( الطلاق: 2) ومن هنا يتضح أن الموعظة وعاء، ومَرْكَب وقالب لجميع الموضوعات الإيمانية أو العبادية، أو الأخلاقية أو الاجتماعية، فلا تكون الخطبة مجرد عرض بارد أو تقرير هادئ، أو أخبار مسرودة، وإنما لابد أن تساق بسياق وعظي بالندب للفعل إن كان الموضوع علميا، والتحذير منه إن كان يتعلق بمحرم ومعصية، والتحفيز على ما وراء الخبر إن كان الموضوع خبرا أو قصص قرآني، وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا خطب احمر وجهه وعلا صوته، حتى كأنه منذر حرب يقول صبحكم ومساكم، وهكذا مفهوم اللغة الوعظية في الخطبة، لا يتصور أن يفضَّل عليها أي مضمون . سادسا: الاستباقية: لابد لكي تكون الخطبة ناجحة ومؤثرة علينا نناقش - إضافة إلى القضايا الحاضرة الراهنة وما يحتاج إليه المسلمون في كافة أمورهم ومسائلهم، أن نناقش أيضاً القضايا التي يتوقع وقوعها وحدوثها، أو الأحداث والفتن التي يخشى وقوعها، وذلك توضيحاً لأحكامها إن كانت مناسبات ومواسم، أو تحذيراً من أسبابها إن كانت مصائب وفتنا ومنكرات . وهاهنا قاعدة شرعية تقول: ( الدفع أولى من الرفع)؛ لأن مدافعة الشيء قبل وقوعه تكون من حيث السهولة وقلة مفسدته. يقول الغزال- رحمه الله- : ( إذا حدثت البدع الصارفة عن مقتضى القرآن والسنة فلفقت لها شبه، وثبت لها كلام مؤلف صار ذلك المحظور بحكم الضرورة مأذونا فيه"[3] وإذا تأملنا بعض خطب النبي- صلى الله عليه وسلم- وجدناها على هذا النسق في مثل قوله: (( ويل للعرب من شر قد اقترب))[4] . وقوله: (( أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر))[5]. وقوله: (( والله ما الفقر أخشى عليكم إنما أخشى أن تفتح عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم))[6]. وقوله: (( إن بين يدي الساعة سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ))[7]. ______________________________ __________ [1] الزاد 1/423 [2] البيان والتبيين 1/ 77 [3] إحياء علوم الدين 1/ 22 [4] رواه البخاري رقم الحديث 3168 [5] رواه أحمد في مسنده رقم الحديث 23680 [6] رواه البخاري حديث 2988 [7] رواه ابن ماجه حديث 4036 وأحمد حديث 7899 |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
خطبة الجمعة ... الواقع والمأمول عمر غازي على الرغم من التطور المذهل الذي لحق بوسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، وما نتج عن ذلك من دخول وسائل اتصال جماهيري جديدة كالإنترنت والفضائيات ومن قبلها الإذاعة، لعبت ولا تزال دورا مهماً في حياة الناس وتشكيل أفكارهم والتأثير على سلوكياتهم وأفعالهم، إلا أن دور المنبر وخطيب الجمعة يظل الأقوى فاعلية في نفوس الناس والأقرب إلى قلوبهم ووجدانهم والأعظم تأثيراً في المجتمع ربما من جيوش حاشدة!! وذلك لكونه وسيلة إعلامية يقبل عليها الناس أداءً لفريضة دينية، الأمر الذي يضفي عليها صيغة القداسة، بخلاف أية أداة إعلامية أخرى، مما يجعل المتلقي أكثر استعداداً للقبول والاقتناع. فإذا كان من المستحيل أن تجبر أي سلطة - مهما بلغت من القوة والجبروت- الناس على قراءة صحيفة أو مجلة أو مشاهدة برنامج تلفزيوني ما، فإن جميع فئات المجتمع على تنوعها رجالا ونساءً أطفالا وشبابا وكهولا تجتمع على صلاة الجمعة، كما تلتقي شرائح المجتمع على اختلاف ثقافاتها ومشاربها قادة وسياسيين وعلماء وأدباء وأطباء ومهندسين .. وكذلك العمال والزراع والصناع والتجار، أغنياء وفقراء، جميعهم إلى المنبر: تشرئب أنظارهم.. ولكلمات الخطيب تصغي آذانهم في سكينة ووقار.. وقد ملأ الرضا قلوبهم وتشوقت جوارحهم إلى ما عنده راغبين طائعين. وفي الوقت الذي يتعين على جموع الحاضرين بعد انقضاء الجمعة الحديث عن فائدة ألموا بها أو مسألة فقهية تعلموها أو موعظة أثرت في نفوسهم... يكون الحديث غالباً عن خطيبهم الذي أطال متأففين ضجرين، في حين يكون الآخرون على النقيض متباهين مفتخرين مسرورين لأن خطيبهم حطم الأرقام القياسية في قصر الخطبة!! وما بين هؤلاء وهولاء تكمن المأساة وتقع اللائمة على كثير من الخطباء الذين لم يدركوا المقاصد الجليلة السامية من خطبة الجمعة ولم يستشعروا عظمة المهمة التي أسندت إليهم فلم يقتدوا بما كان عليه إمام الخطباء وخاتم الأنبياء والمرسلين نبينا صلوات ربي وسلامه عليه ومن بعده الخلفاء الراشدين ومن تبعهم. فنلاحظ أن كثيراً من الخطباء يطيل الخطبة لدرجة أن يملها الحاضرون ويسأمونها فتجد الكثير منهم يتثآئبون وربما ثقلت رؤوسهم وأدركهم النعاس، وشعروا بالحنق والضجر تجاه خطيبهم، وانشغلوا بالتذمر والتأفف والضيق عن سماع خطبته، وإطالة الخطبة على هذا النحو مخالف لهديه صلى الله عليه وسلم إذ يقول : { إِنَّ طول صلاة الرجل، وقصَر خطبته مَئِنةٌ – أي: علامة- من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا اَلخطبة، وإِنَّ من البيان لسحْرا } رواه مسلم. فالواجب على الخطباء مراعاة أحوال المأمومين على اختلافهم ففيهم الشيخ المسن الهرم، والمريض، والصغير والضعيف، وصاحب الحاجة ومن يُطمَع في تأليف قلبه للطاعة والعبادة، وقصر الخطبة لا يعني بحال الإخلال بها فتخرج مفتقرة للهدف الذي جعلت من أجله كما يفعل البعض الآخر على النقيض. كذلك من الأمور التي يجب مراعاتها لدى الخطيب تنوع موضوعات خطبه وملاءمتها لواقع أمته ومجتمعه فالخطيب الناجح لابد وأن يكون معايشاً لإخوانه في همومهم وأفراحهم وأتراحهم يشاركهم ويوجههم ويرشدهم ويذكرهم. وممَّا يحز في النفس أن تجد خطيبًا قد اجتمع عنده الناس راغبين طائعين لله غير مجبرين ولا راهبين، وهو مع ذلك يوبخهم ويحذرهم في فظاظة وغلظة، بصوت مرتفع ونبرة نشاز، وكأنهم قد أساءوا الأدب معهم أو خالفوه في أمر ما!! وهذا الفعل مع ما فيه من مخالفة هدي الكتاب والسنة، فهو مدعاة للتنفير منه وعدم الاقتناع بما يدعوا إليه، وهو أيضا سبيل العاجز والله تعالى يقول: " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك". ما سبق ليس هجوما على الخطباء ولا تنقصاً منهم بل هو محاولة لرصد الأخطاء وعلاجها ودعوة للتصدي لقلة قليلة لا تعي خطورة وعظمة الدور المناط بها. وإذا كان من عتب ولوم فإنه يقع في المقام الأول على كاهل الجهات المعنية في الدول الإسلامية من وزارات الشؤون الإسلامية ومن قبلها الجامعات خاصة الكليات المعنية (كليات أصول الدين والشريعة وغيرها)، التي لم تساهم في إعداد الخطيب على الوجه الأمثل، وكيف لها أن تفعل وهي في الغالب لا تضم إلا ضعاف الطلبة وأقلهم مجموعاً دون تمييز، ومن المعلوم أن الخطابة في الأساس موهبة فمهما درس الدارس وتعلم، فلن نستطيع أن نصنع من العيي خطيباً ولا من معقود اللسان فصيحاً طلقاً، فالكتب والمناهج والدراسات إنما هي كالسراج يضئ في العتمة ومعلوم أن السراج المنير لا يستفيد منه سوى المبصر، فلابد أن يكون هناك اختيار دقيق وعناية في اختيار الطلاب والراغبين في دراسة العلوم الشرعية سيما الخطابة والوعظ والإرشاد، كذلك يجب أن يكون هناك تدريب عملي على الخطابة والوعظ للخطيب وللدارس في الكليات المعنية ( أصول الدين – الشريعة ..وغيرها) طوال فترات دراسته مثلما يحدث في نظيراتها من الكليات الأخرى كالطب والهندسة، وبرأيي الخطيب والواعظ والداعية حاجته إلى التدريب وحسن الإعداد أحوج من غيره فبكلماته تتشكل العقول وتوقظ القلوب الميتة، وبسببه بإذن الله يبصر الغافلون ويرجع التائهون، وتنهض الأمة. |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
ضوابط حكاية القصص في الموعظة خالد بن سعود البليهد الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: لا شك أن الموعظة من أعظم وسائل الدعوة والهداية التي لها أثر عظيم على العامة؛ قال - تعالى -: (وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً). وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتخول أصحابه بالموعظة البليغة كما ثبت في حديث العرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون"[رواه الترمذي وصححه]. وتختلف أساليب الموعظة وتتنوع منها ما هو وارد في الشرع ومنها ما هو مكتسب ومنها ما هو صحيح معتبر ومنها ما هو فاسد مخالف للشرع وهذا يحتاج إلى تفصيل وبيان ليس هذا محله وإنما الضابط العام في هذا الباب يجوز استخدام أي أسلوب في الموعظة إذا كان مؤثرا صادقا لا يظهر فيه مخالفة صريحة للشريعة أو معارضة لأصل من أصولها أو يترتب عليه مفسدة أو يكون شعارا للكفار أو لأهل البدع أو يتخذ سنة يداوم عليه فإذا خلا من هذه المحاذير كان استعماله سائغا. ولهذا تنوعت أساليب الموعظة وحصل لها تطور عند وعاظ المسلمين خلال تاريخ الوعظ وتسامح أهل العلم في ذلك ولم يشددوا في اشتراط التوقيف. قال الحسن البصري: "القصص بدعة ونعمت البدعة كم من دعوة مستجابة وسؤال معطى وأخ مستفاد وعلم يصاب". ومن أعظم ركائز الموعظة الوعظ بآيات القرآن وأحاديث الرسول والحكم النافعة والقصص الحسنة والقصائد الفصيحة والتجارب الناجحة. ولا شك أن القصص لها تأثير عجيب وتشويق للنفوس وتحريك للقلوب وتقريب للمراد ولذلك اعتنى القرآن بذكر القصص للأمم السالفة لما في ذلك من العبرة والعظة البليغة؛ كما قال - تعالى -: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ). وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعتني أيضا بإيراد القصص لمن مضى كما ثبت في السنة الصحيحة كثير من القصص النبوية امتثالا لقوله - تعالى -: (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). وقد يكون حكاية الواعظ للقصة البليغة كفاية وغنية عن ذكر كثير من الكلام إذا أحسن الاختيار وأحسن العرض وراعى أحوال السامعين كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل في بعض المناسبات كحكايته قصة أهل الغار وقصة الثلاثة الذين امتحنوا في شكر النعمة وغيرها. وقد قرر أهل العلم أن استعمال القصص في الموعظة أمر شرعي لا غبار عليه لدلالة القرآن والسنة وعمل السلف الصالح. فاستعمال القصص النافعة طريقة حسنة في الدعوة والموعظة. وكان الواعظ يسمى في عرف العلماء قاصا لأنه غالبا يعظ الناس ويذكرهم بقصص التائبين من الأمم الخالية وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم -. وأشرف القصص ما ورد في القرآن ثم ما ورد في السنة الصحيحة ثم ما ورد في الأحاديث الضعيفة ضعفا مقاربا مما خلا متنها من النكارة ثم ما حكاه الأئمة الثقات من المؤرخين والمحدثين والفقهاء ممن عرفوا بالتمييز والضبط. وأسوأ القصص ما ورد في الأحاديث الموضوعة ثم ما حكاه أهل البدع المتساهلين في الرواية كالرافضة والصوفية ثم ما تناقلته وسائل الإعلام من غير برهان ثم ما حكاه المجاهيل من آحاد الناس. ومع أهمية القصص في باب الموعظة ألا أن ثمة ظاهرة سيئة تتابع عليه كثير من الوعاظ وهي التهاون والتساهل في استعمال القصص المنكرة وارتكابهم مخالفات ومحاذير في هذا الباب وقد وجدت هذه الظاهرة في زمن مبكر في القرن الثاني الهجري وتوارد ذم الأئمة للقصاص وذم مسالكهم كما قال الإمام أحمد لما سمع قاصا: (ما أنفعهم للعامة وإن كان عامة ما يتحدثون به كذبا). ومر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - برجل يقص فقال: "أعرفت الناسخ والمنسوخ قال لا قال هلكت وأهلكت". وهذا الذم محمول على من ارتكب المخالفات في باب الوعظ وروج للغرائب واستباح رواية الكذب في تخويف الناس وأعرض عن السنة وفتن الناس في حديثه كما قال ابن الجوزي: "ذم القصاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد ثم غالبهم يخلط فيما يورده وربما اعتمد على ما أكثره محال". أما القاص الصدوق الورع الحريص على اتباع السنة فغير داخل في كلامهم ويحمدونه على فعله كما قال الإمام أحمد: "ما أحوج الناس إلى قاص صدوق لأنهم يذكرون الموت وعذاب القبر". وقال أيضا: "القصاص الذي يذكر الجنة والنار والتخويف وله نية وصدق الحديث فأما هؤلاء الذين أحدثوا من وضع الأخبار والأحاديث فلا أراه". وهذا يدل على أن الإمام أحمد كان يتوسط في باب القصص والمواعظ ولا يشدد كبعض الأئمة من السلف ومذهبه أصح لدلالة النصوص الخاصة والعامة والمقاصد الشرعية والمصلحة المرسلة والله أعلم. وحكاية القصص المنكرة والغرائب داخل في نقل الشائعات والوعيد في هذا الباب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)[أخرجه مسلم]. ولذلك أحببت أن أذكر ضوابط حكاية القصص في الموعظة التي ينبغي على الواعظ مراعاتها والتحقق من توفرها في القصة المراد حكايتها في موعظته حتى يحقق المقصد الشرعي ويعظ الناس على بصيرة ولا يؤاخذ شرعا ولا تلحقه ملامة. ضوابط حكاية القصص: أولا: ألا تكون القصة مكذوبة على الرسول - صلى الله عليه وسلم - لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين))[رواه مسلم]. وفي صحيح البخاري: ((لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار)) فيحرم على الواعظ أن ينسب قصة للرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم أنها كذب أو يغلب على ظنه أنها كذب أو يتساهل في حكايتها وهو يجهل مصدرها أما إذا كان مجتهدا ويظن أنها صحيحة ثم تبين خطأه فهو معذور ولا يدخل في هذا الوعيد. ولا يحل للواعظ مطلقا الاستدلال بقصة منكرة في السنة لغرض الدعوة لفضائل الأعمال فإن الحق لا يتوصل إليه بوسيلة باطلة. ثانيا: ألا تكون القصة تتضمن فتنة على العامة بحيث لا تدركها أفهامهم وتسبب لهم شبهة وشك في إيمانهم لما في البخاري عن علي - رضي الله عنه - قال: "حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله". وتفسيره ما جاء عن عبد الله بن مسعود: "ما من رجل يحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم"[رواه البخاري]. فيجب على الواعظ أن يمسك عن القصة ولو كانت صحيحة إذا علم أن في حكايتها معنى خفيا أو شبهة قوية أو إثارة لمسألة مشتبهة أو حديثا عن دقائق باب الأسماء والصفات وغير ذلك مما لا تدركها عقول غير المتخصصين بالشريعة فيؤدي بهم ذلك إنكار الثوابت وتغلغل الشبه الفاسدة في قلوبهم فيسيؤا الظن بربهم ويهلكوا. ثالثا: ألا تخالف دلالة القرآن والسنة والإجماع لأن ما خالف الحق فباطل. قال - تعالى -: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا). وقال ابن تيمية: "وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام، لم يكن لأحد أن يخرج عن إجماعهم، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة". فلا يحل للواعظ أن يحكي قصة فيها مخالفة ظاهرة للقرآن أو السنة أو الإجماع المحفوظ مهما كان راويها لأن الخرافات لا تبطل الشرع ومن المؤسف أن بعض الوعاظ يحكي قصة تشتمل على منكرات والواجب أن يطرحها ويكذبها ولا يلتفت إليها ويكون يقينه عظيما بصدق الشرع لا يتطرق إليه الشك بالواهيات. رابعا: ألا تكون القصة تشتمل على قدح في اعتقاد أهل السنة من غلو وتزيين للشرك ووسائله لأن الشريعة جاءت بإبطال ومنع كل ما يمس جناب التوحيد. فإذا كانت القصة تشتمل على الغلو بشيء معظم أو فيها تزيين لوسيلة من وسائل التأله لغير الله أو فيها تزهيد لحرمة التوحيد أو ثناء على الكفار والمشركين فلا يحل للواعظ حكايتها والاشتغال بها لأن التوحيد أعظم الحقوق على المسلم فإذا نقض أو خدش فلا خير في سائر الحقوق والفضائل. ومن المحزن أن بعضهم يحكي قصصا فيها محاذير عقدية ويتساهل مع أن النصوص شددت في هذا الباب فلا ينبغي التساهل مهما ادعى المتحدث أن نيته صالحة وأن غرضه أخذ العبرة. وإذا اضطر الواعظ لذكر حدث وكان فيه محذور وجب عليه أن يعلق ويبين وجه مخالفته للاعتقاد في نفس المجلس لتبرأ ذمته ولا يلتبس الحق بالباطل على السامعين. ولما ذكرت أم سلمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور بين لها النبي - صلى الله عليه وسلم - مخالفة ذلك للتوحيد فقال: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله))[متفق عليه]. خامسا: ألا يكون فيها إغراء بالفاحشة وتزيين بالشهوات؛ لأن ذلك يدخل في قوله - تعالى -: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). فلا يحل للواعظ أن يتوسع في ذكر قصص أهل الفجور ويفصل في أحوالهم بما يمرض قلوب المؤمنين ويسبب لهم الفتنة ويفتح عليهم أبواب الشيطان بل عليه أن يجمل ويكني في ذكر ما يستحيا منه متبعا أدب القرآن والسنة في هذا الباب. سادسا: ألا يكون فيها فضح لمسلم محترم وهتك لستره ولو كان في عداد الأموات لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالستر في جملة من الأحاديث كقوله: ((يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفضي الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله))[رواه أحمد]. فلا يحل للواعظ ذكر قصة لمسلم معين وفضحه بين الأشهاد ولو قصد التنفير من فعل المنكر إلا إذا كان هذا الشخص مجاهرا بالمعاصي مبارزا لله ورسوله يظهر عليه العناد والاستخفاف بالشعائر فلا كرامة له. سابعا: ألا تكون القصة مخالفة للحس والواقع لا يقبلها العقل إلا ما ورد من طريق الشرع الثابت من المعجزات والكرامات للأنبياء والصديقين أما مالم يرد في الشرع ولم ينقل من طريق المعصوم وتناقلته العامة فينبغي إغلاق بابه وعدم حكايته والتساهل في قبوله لأن الكذب دخل كثيرا فيه واشتمل على مفاسد وصار مطية للغلو في الأولياء وعبادتهم ووصفهم بصفات الألوهية والنبوة ولا يمكن تمييزه وصار شعارا لأهل البدع. والمحققون من أهل السنة يتحفظون في نقل الكرامات فلا ينقلون إلا ما ثبت منها وعرف عن أهلها الالتزام بالشرع واتباع السنة ولم تكن مخالفة لأصول الشرع ولذلك الكرامات المنقولة في أصولهم قليلة لم يتوسعوا فيها أما أهل البدع من المتصوفة والرافضة وغيرهم فيكثرون نقل كرامات أوليائهم ويتوسعون جدا في هذا الباب ويبنون دينهم على هذه الخرافات. ثامنا: ألا تستغرق حكاية القصة جميع الموعظة أو أغلبها بحيث يغلب استعمال القصص على ذكر أدلة الكتاب والسنة لأن ذلك يشغل عن سماع الحق والتدبر فيه وكل ما يشغل ويصرف القلوب عن كلام الله وكلام رسوله فمذموم وداخل في هجر القرآن والإعراض عنه. وهذا كحال بعض الوعاظ اليوم الذين لا يعظون إلا بالقصص ويكثرون منها في المحاضرة ويقصرون جدا في ذكر الكتاب والسنة وأقوال السلف فيقوم عنهم السامع ولم يستفد علما يذكر ويكون تأثره وقتيا يزول عما قريب. تاسعا: ألا يكون في القصة إثارة لنعرة جاهلية أو انتقاص لأسرة أو قبيلة بعينها أو جنسية معينة أو عرق لأن ذلك من أمور الجاهلية التي نهى عنها الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: ((إن الله - عز وجل - قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي وفاجر شقي أنتم بنو آدم وآدم من تراب ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن))[رواه أبو داود]. فلا يليق بالواعظ أن يسخر من جنسية أو طائفة أو عرق أثناء حكاية القصة ولو كان غرضه الدعوة لفضيلة لأن ذلك يؤذي المؤمنين ويعرض نفسه للتهمة وتطاول السفهاء. فإذا تحققت هذه الضوابط في القصة ساغ حكايتها في الموعظة وإن خلت من بعضها لم يسغ حكايتها في الموعظة لاشتمالها على مفسدة وتشويه للدين وتعدي على حدود الله وتلبيس الحق بالباطل. ومن الأخطاء الشائعة لدى بعض الوعاظ حكاية غرائب القصص عن الأموات وأحوالهم في القبور فهذه القصص كثيرا منها كذب وما يثبت منها فيه فتنة للعامة وما صح مخالف لما أمر به الشارع من الستر على أهل الفجور. وكذلك حكاية بعض الوعاظ قصص أهل الفجور والفواحش والتوسع في ذكر التفاصيل التي تهيج النفوس وتزين لها الباطل وتفسد حاجز الحياء وتشغل الفكر والواجب الكف عن هذا مطلقا. وفي حكاية غرائب القصص والتساهل في رواية المنكرات فتنة عظيمة للواعظ حيث يلقى شهرة بين الناس بأسرع وقت وينال حظوة كبيرة وتشرأب له الأعناق ويشار إليه بالبنان ولكن بعد أن ينال هذه المنزلة ويكتشف الناس ضحالته في الوعظ وتساهله في الرواية وقلة غيرته على السنة سرعان ما يسقط من أعين الناس ويتكلم فيه الجاهل ويذهب سعيه ولا يبارك في عمله ويتناساه التاريخ ولا يلحق بالثقات من أهل الوعظ. وثمة أسباب توقع الواعظ في التساهل في رواية الأكاذيب والغرائب: 1- كثرة الوعظ والارتباط ببرامج وعظية كثيرة بحيث يتزاحم عليه الوقت فلا يستطيع تنقيح القصص وحسن الاختيار. 2- ضعف التأصيل في منهج العلم فلم يتلق دراسة مؤصلة أو دورة علمية. 3- التربية على طريقة متساهلة لإحدى الجماعات الإسلامية التي تسهل وترخص في حكاية القصص دون قيود ومقاييس لأجل تحقيق غاية لمصلحة الجماعة كما هو شائع في جماعة الدعوة والتبليغ وغيرها. 4- الاستجابة لرغبات الجمهور وطلبات العامة فيصير همه إرضاء محبيه على حساب دينه. 5- السعي وراء بريق الشهرة بأقصر الطرق. قال إبراهيم النخعي: "من جلس ليجلس إليه فلا تجلسوا إليه". وإن أعظم سبب يجعل الواعظ يغرب في القصص ويتساهل في حكاية المناكير عدم تلقيه منهج أهل السنة وتربيه على تعظيم السنة واتباع منهج السلف الصالح فينشأ في الجملة على حب الله والرسول - صلى الله عليه وسلم - والغيرة والحرص على الخير مع وجود خلل كبير في وعظه ودعوته وبيانه وهو قصور في تعلم السنة وضعف في الإتباع وقلة بصيرة في تمييز السنة ومعرفة الصحيح من الضعيف فيترتب على ذلك أمران: 1- عدم امتلاكه قدرة على تنقيح الخبر والتثبت والتأكد من صحة القصة. 2- عدم رغبته في اختيار الصحيح وتجنب الفاسد من القصص والمواعظ. ويكون منهجه في الوعظ غالبا إيراد القصص والأحاديث التي تلقاها من الشيوخ الذين يعظمهم ومما يشتهر في بطون كتب المواعظ والتاريخ والقصص فحاله كحاطب ليل يجمع كل غث وسليم من غير تمييز كما قال ابن الجوزي: "ومعظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصاص لأنهم يزيدون أحاديث تثقف وترقق والصحاح يقل فيها هذا". ولذلك كثيرا ما يروي الواعظ قصة غريبة فإذا سئل ما مصدر هذه القصة قال حدثني فلان عن فلان وهو ثقة فإذا فتش عن حال الرواة وجد أنهم مجاهيل. ولذلك يجب على من يتصدر للوعظ ويرزق صوتا مؤثر وبيانا ساحرا أن يجتهد في تلقي قدرا من العلم ممن يوثق بعلمه ويؤصل نفسه في باب تمييز الأحاديث ونقل الأخبار ويكون عنده معرفة بالجملة في المصادر الصحيحة وكيفية البحث وفهم كلام النقاد واصطلاحاتهم فإن أشكل عليه شيء رجع إلى أهل العلم وتبين منهم. قال الذهبي: (الوعظ فن بذاته يحتاج إلى مشاركة جيدة في العلم ويستدعي معرفة حسنة بالتفسير وإكثارا من حكايات الفقراء والزهاد". وينبغي على الواعظ أن يتحرى موافقة الشرع واتباع السنة والإخلاص في وعظه ولا يكن همه زيادة كثرة الأتباع ونيل المراتب والصيت الحسن وليجتهد على توطين نفسه على الورع في الموعظة فلا يتكلم إلا بما يستوثق من علمه ولا يحكي قصة إلا صحيحة ولا يكثر فيقع في المهالك وإنما تكون مواعظه عند تحقق المصلحة ودعاء الحاجة |
رد: أحكام خطبة الجمعة وآدابها*** متجدد
همسات للمبتدئين بإلقاء الكلمات عبد الرزاق الشمري معشر القراء الكرام..لا يخفى عليكم ما للكلمات والمحاضرات من دور بارز في الدعوة إلى الله، وقد كتبت مجموعة من الهمسات للمبتدئين أمثالي في إلقاء الكلمات الدعوية، هي من خلال تجربتي المتواضعة ومن كلام الإخوة ومن حضوري لبعض الدورات التدريبية، أراها مفيدة لي ولعلها بإذن الله تكون مفيدة لكم، أترككم مع الهمسات: 1- أعظم مطلب في هذا المجال هو الإخلاص لله - عز وجل -، فلا تبدأ لأجل أن تصل لشهرة أو لأجل أن يقال عنك شيخ أو ملقٍ بارع، وإنما ألقِ الكلمات بإخلاص ليكون لك في الآخرة الخلاص، واحرص على سلامة منهجك بطلب العلم و الرجوع للكتاب و السنة و اسأل ربك التوفيق. 2- ضبط العلم و تمكنك منه يعطيك ثقة في نفسك تجعلك تبدع في طرحك للكلمات فالاستعداد مطلب للانطلاق. 3- الدعوة ليس لها عمر معين، فبادر إن وجدت في نفسك القدرة و الكفاءة ولو بالقليل قبل أن تفوت الفرصة فتندم، وأذكر أن صاحباً قال لصاحبه: لا تتعجل في الدعوة فعمرك صغير! فقال له صاحبه وما هو السن المناسب برأيك؟ قال: بعد الأربعين، فقال صاحبه: موافق ولكن بشرط أن تضمن لي العيش حتى ذلك السن!. 4- الخذلان أيها المبارك أن تطلب العلم في المساجد أو تتخرج من كلية شرعية فيراك الناس داعية و يتلهفون لك ثم يكون لسان حالك: نفسي نفسي! 5- لا تجعل نفعك يقتصر على مسجدك أو مدينتك، بل اذهب ذات اليمين وذات الشمال، اذهب للقرى، سافر لمدن أخرى، فأهل مدينتك مهما كنت مبدعاً سيزهدوا بك أحياناً، فالناس تحب التجديد وكما قيل (أزهد الناس بالعالم أهله) و (زمار الحي لا يُطرب) و الواقع شاهد بذلك. 6- نسمع بدورات (فن التسويق) و(فن الإدارة) والداعية أحوج ما يحتاج إلى مثل هذه الفنون في الدعوة، فالدعوة بضاعة، أسلوبك يحدد انتشارها من عدمه، فاحرص على تطوير قدراتك ومهاراتك و أساليبك، فحضورك لدورة تعينك على الدعوة هي من الأمور التي تؤجر عليها. 7- إتقانك لفنون الإلقاء تعني نجاحك بإذن الله، فالدعوة أسلوب ولكل مقام مقال، فرفع الصوت و خفضه وحركات الوجه و اليدين كلها أمور يجدر بالداعية إتقانها إما بحضور محاضرات دورات أو سؤال المبدعين في إلقاء الكلمات. 8- راقب الناجحين في دعوتهم و في كلماتهم، فهم لم يأتوا بشيء لا تستطيع أنت فعله، قلدهم واستفد منهم و جدّد و أبدع، ولتكن لديك قاعدة: فما تراه حسناً من الدعاة خذه و ما تراه سلبياً اجتنبه. 9- لا يكن همك كم عدد الحضور، فالكثرة ليست معياراً، و إنما العبرة بإحياء مجلس ذكر ولو كان الحضور قليلاً. 10- كن ذا علاقة جيدة مع الناس، كوّن علاقات و اكسب صداقات، فكم من داعيةٍ كانت له صداقات مع الإخوة ففرقتهم الدنيا في الشمال و الجنوب و الشرق و الغرب، فكانوا سبباً في التنسيق معه من تلك الديار، التي لم يكن ببال الداعية الذهاب لها يوماً!. 11- لا يكن همك لبس العباءة (البشت) في كلماتك و خاصة أنك في البداية لأنه يجعل في النفس شيء، لكن إزهد و تواضع فالعبرة بالقلوب لا بالمظاهر، فالناس تنتقد ذلك، وكم رأينا من العلماء من لا يلبس البشت تواضعاً و شباباً للتو بدؤوا الدعوة لا تفارقهم عباءتهم! 12- احرص على مواعيد كلماتك و احمل معك مفكرة لتدوينها و إياك و كثرة الاعتذار، فكم من داعية سقط من أعين الناس لإخلافه الموعيد. 13- احرص على على الاعتذار مبكراً في حال عدم مقدرتك على الحضور، و اشكرهم على حسن ظنهم و عدهم بتعويضهم في أقرب وقت. 14- كن مهذباً في ردودك معهم و موافقتك أو اعتذارك و اجعل الفضل لهم و ادع لهم قبل الأمر و بعده. 15- لا تنتظر من ينسق لك حتى تلقي، بل بادر و استأذن من الإمام فإن أذن لك و إلا فالتمس له العذر. 16- لا تطل على الناس بكثرة الحديث و إنما أوجز ولتكن الكلمة من 5 - 8 دقائق، وإن اضطررت فلا تزد عن عشرة دقائق و ادع لهم في النهاية ولمن أتاح لك الفرصة. 17- تقبل النقد البناء من الآخرين و استفد منها، وقد كتبت مقالاً سابقاً بعنوان (شكراً لانتقادي) تكلمت فيه عن هذا الأمر. 18- لا تُغفِل فقه الأولويات، فإن كنت إماماً فرتب أمورك مع الكلمات دون تفريط بالمسجد لأن الإمامة مقدمة. 19- ربما يفضل في بدايات الإلقاء أن تتخير المساجد التي لا تُعرَف فيها و يقل عدد المصلين بها حتى تتدرب و تجتاز رهبة الإلقاء. 20. ربما يأتيك بعض الناس ليستفتيك فإياك والفتيا في أمر تجهله لا يفتننك الشيطان، وإنما قل: لا أدري. 21- إسأل عن الموضوع الذي يهم أهل الحي أو عن آخر كلمة ألقيت عندهم حتى لا تقع في التكرار. 22- اجعل في صدرك ومحفوظك مجموعة من العناوين التي تستحضرها وقت الحاجة مثل: الصلاة، الاستغفار، التوبة، صلة الرحم.. إلخ بحيث تكون مستعداً في أي وقت. 23- ربما تكون مقصراً في عبادة فتقول كيف أنصح الناس وأنا مقصر؟!. فالجواب: وهل في الناس من ليس مقصراً؟ يقول الشاعر: لو لم يعظ في الناس من هو مذنبٌ: فمن يعظ العاصين بعد محمدِ! فربما لم يفتح الله عليك بقيام الليل لكن يجعلك سبباً للفتح على آخرين، وعليه فقس، لكن أن تكون مقصراً في التبكير للمسجد مثلاً و تلقي على أهل مسجدك عن التبكير فهذا خطأ، وإنما عالج نفسك ثم عظ غيرك، أو اذهب لمسجدٍ آخر و لتكن نصيحة ً لنفسك أولاً ثم لهم. 24- أطلب من الإمام أن يتلو آيات معينة لها صلة بموضوعك ثم علق عليها في كلمتك. 25- ليست العبرة بفصاحتك، فلربما تكون عند عوام لا يفهمون بعض الفصيح، فتنزل لهم وخاطبهم بعقولهم ولو بالعامية فلكل مقام مقال. 26- حين تعطي مواعيداً فحاول أن تتواجد في المكان مبكراً أو أن تفرغ نفسك و تذهب قبل الموعد، و جميل أن تكون مع الأذان أو قبله في المسجد، فهذا له أهمية في الارتياح النفسي و التهيؤ لإلقاء الكلمة. 27- خذ معك بعض الأحيان مبلغاً من المال أو بطاقات اتصال مسبوقة الدفع (سوا - موبايلي - زين) أو مما يخف حمله، و اسأل الأطفال والشباب في نهاية الكلمة وكافئهم وسترى للكلمة تأثيراً، وقد جربتها فوجدت لها قبولاً و أثراً نافعاً بحمد الله. 28- الكلمة لها سماتها و الخطبة لها سماتها فانتبه. 29- إن كنت حسن الصوت فرتل الآيات في الكلمة فإن لها وقعاً في النفس. 30- تجنب القصص التي لا يصدقها كثير من الناس وكأنها خيال، لئلا يكذبك الناس، و احرص على ما تقبله العقول. 31- لا تنزعج من انصراف الناس عنك و قيامهم أو قيام الإمام ـ مع أن الأولى جلوسه إكراماً لك ـ لكن ربما يكون منشغلاً و كذلك الناس فلا تيأس، إلا إن أطلت وأمللت فلا تلم الناس. 32- اتق الله حين تتصل بك النساء لتنسيق محاضرة أو استشارة، و احذر من أن تزين لها الكلمات و الدعوات، فكم سمعنا من أخواتٍ فاضلات تعلقن بدعاة و السبب انبساطهم بالأسلوب معهن، فلا تكن عوناً للشيطان على أخياتك. ختاماً أسأل الله أن يجعلنا وإياكم مفاتيح للخير مغاليق للشر وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين |
| الساعة الآن : 07:23 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour