ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   رمضانيات (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=23)
-   -   مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام) (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=198771)

ابوالوليد المسلم 07-04-2019 07:18 AM

مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
مرحــبا بـالحبيب الـــوافد
(احكام خاصة بالصيام)
اللجنة العلمية
(موقع المسلم)


تعريف الصوم لغة

الصوم مصدر صام يصوم، ومعناه: الإمساك عن الطعام والكلام والسير ونحو ذلك([1])، ومنه قوله تعالى: )فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا(([2])، أي: إمساكًا عن الكلام([3]). ويقال: صام النهار إذا قام قائم الظهيرة، كما قال الشاعر:
فدعها وسل الهمَّ عنك ِبجسْرةٍ

ذَمُولٍ إذا صَامَ النَّهارُ وهجَّرا([4])


ـــــــــــــــ ـــــــــــــ

([1]) لسان العرب، مادة (صوم)، (12/350)، ومختار الصحاح، مادة (صوم)، (1/375).

([2]) الآية رقم (26)، من سورة مريم.

([3]) فتح القدير (1/277).

([4]) البيت من شعر أمرؤ القيس، انظر: ديوانه، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، عام 1409هـ، (1/19).


تعريف الصيام اصطلاحًا

وأما المعنى الشرعي للصوم:
فهو التعبد لله سبحانه وتعالى بالإمساك عن الأكل والشرب، وسائر المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس([1])، لقوله تعالى: )أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (([2]).
وقيل: الصوم هو عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص، بنية مخصوصة([3]).

ـــــــــــــــ ـــ
([1]) من أجمع ما عُرف به الصوم _حسب ما اطلعت عليه- ، هو تعريف الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (6/310)، حيث قال رحمه الله: "ويجب التفطن لإلحاق كلمة التعبد في التعريف؛ لأن كثيراً من الفقهاء لا يذكرونها بل يقولون: الإمساك عن المفطرات من كذا إلى كذا، وفي الصلاة يقولون هي: أقوال وأفعال معلومة، ولكن ينبغي أن نزيد كلمة التعبد، حتى لا تكون مجرد حركات، أو مجرد إمساك، بل تكون عبادة".

([2]) من الآية رقم (187)، من سورة البقرة.

([3]) انظر: التعريفات (1/178)، والمطلع (1/145).



الأصل في وجوب الصيام

والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع
أما الكتاب فقول الله تعالىhttp://majles.alukah.net/images/smilies/smile.pngيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(([1]).
وأما السنة فلأحاديث كُثر منها حديث ابن عمر "رضي الله عنه" أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان"([2]).
وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على وجوب صيام رمضان([3]).
ـــــــــــــــ ـــــ
([1]) الآية رقم (183)، من سورة البقرة.

([2]) سبق تخريجه ص (131).

([3]) المغني (3/3).

مطالع هلال شهر رمضان و توحيد الصيام بين الشعوب الإسلامية

في كل سنة، ومع استهلال هلال شهر رمضان المبارك، تتجه الأسماع والأنظار من كل فرد من أفراد الأمة إلى وقت إعلان دخول شهر الصوم؛ كلٌ في بلده؛ ومع ذلك هم يترقبون مطلع الهلال في الدول المجاورة إليهم، ويأتي الحديث بين أوساطهم عن تلك الدول: هل وافقونا في الرؤية؟ لماذا صاموا قبلنا؟ ولِمَ لمْ يصوموا معنا؟ ونحو ذلك.

وتستجد مع هذا كله مسألة اختلاف المطالع، وإمكانية توحيد الصوم بين المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، وقبل البدء بذكر آراء الفقهاء وبحث المسألة أقول:
بأن نفس اختلاف المطالع لا نزاع فيه فهو أمر واقع بين البلاد البعيدة بلا شك، وهو في هذا كاختلاف مطالع الشمس بين تلك البلاد، ولا خلاف في أن للإمام ( ولي الأمر) الأمرُ بما ثبت لديه، لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف (1). وفيما يلي أراء المذاهب الأربعة في هذا الموضوع:

المذهب الحنفي:
اختلاف المطالع، ورؤية الهلال نهارًا، قبل الزوال وبعده غير معتبر، ويُلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب، إذا ثبت عندهم رؤية أُولئك بطريق موجب، كأن يتحمل اثنين الشهادة(2).

المذهب المالكي:
وفي المذهب المالكي إذا رُئي الهلال عمَّ الصوم سائر البلاد، قريبًا أو بعيدًا ولا يُراعى في ذلك مسافة قصر، ولا اتفاق المطالع ولا عدمها، فيجب الصوم على كل منقول إليه، إن نقل ثبوته بشهادة عدلين أو بجماعة مستفيضة، أي منتشرة(3).

المذهب الشافعي:

إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد بحسب اختلاف المطالع(4).

المذهب الحنبلي:
إذا ثبتت رؤية الهلال بمكان قريباً كان أو بعيدًا لزم الناس كلهم الصوم، وحكم من لم يره حكم من رآه(5).

وبهذا يتضح لنا أن في هذه المسألة قولين:
القول الأول:
وهو ما ذهب إليه الحنفية(6)، والمالكية(7)، والحنابلة(8)، والذي يقضي بعدم اعتبار اختلاف المطالع، وأنه يوحد الصوم بين المسلمين، واستدلوا لقولهم هذا بما يلي:
1) قوله تعالى: (فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (9).
وجه الدلالة: قوله سبحانه (منكم)، فهو خطاب عام لسائر الأمة، وليس خاص لأحد دون آخر.
2) عن أبي هريرة "رضي الله عنه" قال رسول الله "صلى الله عليه وسلم": "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين"(10). والخطاب للمسلمين، فيشمل جميع المسلمين في جميع أقطار الأرض.
والآية والحديث يدلان على أن إيجاب الصوم على كل المسلمين معلق بمطلق الرؤية، والمطلق يجري إطلاقه، فتكفي رؤية الجماعة أو الفرد المقبول الشهادة(11).
3) ومما استُدل لهم به: قياس البلدان البعيدة على المدن القريبة من بلد الرؤية إذ لا فرق بينهما(12).
4) ومما يعضد هذا القول: أن العلوم الفلكية تُؤيد توحيد أول الشهر الشرعي بين الحكومات الإسلامية، لأن أقصى مدة بين مطلع القمر في أقصى بلد إسلامي وبين مطلعه في أقصى بلد إسلامي آخر هي نحو تسع ساعات، فتكون بذلك بلاد الإسلام كلها مشتركة في أجزاء من الليل تمكنها من الصيام عند ثبوت الرؤية والتبليغ بها برقيًا أو هاتفيًا(13).


القول الثاني:
وهو كما يتضح من العرض السابق ما ذهب إليه الشافعية(14) من أن بدء الصوم يختلف بحسب اختلاف مطالع القمر بين مسافات بعيدة، وأنه إذا رُئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد، ولقولهم هذا أستُدل بالأدلة التالية:
1) ، 2) الدليل الأول والثاني: هما نفس ما استدل به أصحاب القول الأول، إلا أن وجه الاستدلال يختلف، فوجه الاستدلال فيهما (الاغ¤ية والحديث) حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: "أن الحكم عُلق بالشاهد والرائي، وهذا يقتضي أن من لم يشهد ولم يرَ لم يلزمه حكم الهلال، وعليه فإذا اختلفت المطالع فإن البلاد المخالفة لبلاد الرؤيا لا يكون قد شوهد فيها الهلال ولا رُؤي، وحينئذ لا تثبت أحكام الهلال في حقهم"(15).
3) حديث كريب(16) أن أم الفضل بنت الحارث(17) رضي الله عنها بعثته إلى معاوية بالشام، قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل عليَّ رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، وقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت: رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أرأيته؟ قلت: نعم، ورآه الناس وصاموا، وصام معاوية؛ فقال: لكننا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين، أو نراه؛ فقلت: ألا نكتفي برؤية معاوية وصيامه؟ فقال: لا، هكذا أمرنا رسول الله "صلى الله عليه وسلم""(18).
وجه الدلالة منه: أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يأخذ برؤية أهل الشام، وأنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر.
4) حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "إنما الشهر تسع وعشرون، فلا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غُم عليكم فاقدروا له"(19).

5) القياس، فإنهم قاسوا اختلاف مطالع القمر على اختلاف مطالع الشمس المنوط باختلاف البلاد وتباعدها، مما يقتضي اختلاف حكم بدء الصوم تبعًا لاختلاف البلدان(20). قال ابن عثيمين رحمه الله: "ويؤيده النظر والقياس، فإنه إذا كان الشارع قد علق الإمساك للصائم بطلوع الفجر والفطر بغروب الشمس، فقال تعالى:( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(21)، فالشارع علق الحكم بتبين طلوع الفجر إمساكًا، وبالليل إفطاراً، والنبي "صلى الله عليه وسلم" قال: "كلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر"(22)، وقال "صلى الله عليه وسلم": "إذا أقبل الليل من هاهنا -وأشار إلى المشرق- "وأدبر النهار من هاهنا"، -وأشار إلى المغرب- وغربت الشمس فقد أفطر الصائم"(23)، ومعلوم بإجماع المسلمين أن هذا الحكم ليس عامًّا لجميع البلدان، بل هو خاص في كل بلد يثبت فيه هذا الأمر، ولهذا تجد الناس في الشرق يمسكون قبل الناس في الغرب، ويفطرون قبلهم حسب تبين طلوع الفجر وغروب الشمس، فإذا كان التوقيت اليومي متعلقاً في كل بلد بحسبه، فكذلك التوقيت الشهري يتعلق في كل بلد بحسبه"(24).

الخلاصة
هذان القولان في المسألة، ولعل الأقرب أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر، لا سيما البلدان الإسلامية البعيدة، إذا رئي الهلال ببلد لزم حكمه البلد القريب لا البعيد بحسب اختلاف المطالع، وأن ثبوت الرؤية عند الإمام (رئيس الدولة أو من أنابه من مجلس قضاء أو وزارة)، يُلزم أهل البلد الصوم.
وقد ذكر ابن حجر في فتح الباري ستة أقوال في المسألة(25)، وقال ابن تيمية: " فتلخص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يؤدى بتلك الرؤية الصوم أو الفطر والنسك، وجب اعتبار ذلك بلا شك، والنصوص وآثار السلف تدل على ذلك. ومن حدد ذلك بمسافة قصر أو إقليم فقوله مخالف للعقل والشرع"(26). وقال الصنعاني: "والأقرب لزوم أهل بلد الرؤية وما يتصل بها من الجهات التي على سمته"(27).ً

ـــــــــــــــ ــــــ
(1) بداية المجتهد (1/210).
(2) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (1/321)، حاشية الطحاوي (1/436).
(3) حاشية الدسوقي "(1/510)، بداية المجتهد (1/210).
(4) حاشية إعانة الطالبين (2/219)، مغني المحتاج (1/422).
(5) المغني (3/5)، الروض المربع (1/413).
(6) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق (1/321)، حاشية الطحاوي (1/436).
(7) حاشية الدسوقي (1/510)، بداية المجتهد (1/210).
(8) المغني (3/5)، الروض المربع (1/413).
(9) ( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا ْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )الآية (185)، من سورة البقرة.
(10) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب قوله "صلى الله عليه وسلم" إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا، (2/674)، رقم (1810)، ومسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما (2/762)، رقم (18)، واللفظ للبخاري.
(11) انظر: المغني (3/5).
(12) نيل الأوطار (3/188).
(13) انظر: الفقه الإسلامي (2/610)، نقلاً عن كتاب محمد أبو العلا البنا مدرس الفلك بكلية الشريعة بالأزهر، المشار إليه في بحث محمد السايس في بحوث المؤتمر الثالث لمجمع البحوث الإسلامية، ص (99).
(14) حاشية إعانة الطالبين (2/219).
(15) مجموع الفتاوى (25/117).
(16) هو:كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني أبو رشدين مولى بن عباس ثقة من الطبقة الثالثة، مات سنة98هـ، انظر: تقريب التهذيب (1/461).
(17) هي: لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي لبابة الكبرى، أخت ميمونة زوج النبي "صلى الله عليه وسلم" وزوجة العباس بن عبد المطلب وأم أكثر بنيه، يقال : إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة فكان النبي "صلى الله عليه وسلم" يزورها ويقيل عندها، وروت عنه أحاديث كثيرة وكانت من المنجبات ولدت للعباس ستة رجال لم تلد امرأة مثلهم. انظر ترجمتها في: الطبقات الكبرى (8/277)، أسد الغابة (1/1408)، الإصابة (8/97).
(18) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم (2/765)، رقم (28).
(19) أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال وأنه إذا غم في أوله أو آخره أكملت عدة الشهر ثلاثين يوما (2/759)، رقم (6).
(20) سبل السلام (4/88)، الفقه الإسلامي (2/608).
(21) الآية رقم (187)، من سورة البقرة.
(22) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب قول النبي "صلى الله عليه وسلم": "لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال"، (2/677)، (1819)، من حديث عائشة رضي الله عنها، و أخرج مسلم نحوه في كتاب الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر وأن له الأكل وغيره حتى يطلع الفجر، (2/768)، رقم (38)، من حديث عبد الله بن عمر "رضي الله عنه".
(23) أخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب متى يحل فطر الصائم، (2/691)، ومسلم في كتاب الصيام، باب بيان وقت انقضاء الصوم وخروج النهار، (2/772)، رقم (51)، من حديث عمر بن الخطاب ."رضي الله عنه"
(24) الشرح الممتع (6/350).
(25) انظرها (4/123).
(26) انظر: مجموع الفتاوى (25/111)
(27) سبل السلام (4/88).





للموضوع تتمة




ابوالوليد المسلم 07-04-2019 07:20 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

اللجنة العلمية






تنـزُّلٌ كريم:
في ليلة السابعَ عشر من رمضان، و النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الأربعين من عمره، أذن الله عز وجل للنور أن يتنزَّل، فإذا جبريل عليه السلام آخذ بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: اقرأ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أنا بقارئ قال فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ قلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة ثم أرسلني فقال {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم} فرجع بها رسول الله صلى اللهم عليه وسلم يرجف فؤاده) [البخاري 3]
وهكذا نزلت أول آية من هذا الكتاب العظيم على النبي الرؤوف الرحيم في هذا الشهر العظيم.
وهكذا شهدت أيامه المباركة اتصال الأرض بالسماء، و تنزل الوحي بالنور و الضياء، فأشرقت الأرض بنور ربها وانقشعت ظلمات الجاهلية الجهلاء.
و من قبل ذلك شهد هذا الشهر الكريم نزولا آخر، إنه نزول القرآن جملة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا، وكان ذلك في ليلة القدر … {إنا أنزلناه في ليلة القدر} {إنا أنزلنا في ليلة مباركة}، قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة [النسائي و الحاكم]، وقال ابن جرير: نزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه و سلم على ما أراد الله إنزاله إليه.
إنها تلك " الليلة الموعودة التي سجلها الوجود كله في فرح و غبطة و ابتهال، ليلة الاتصال بين الأرض و الملأ الأعلى … ليلة ذلك الحدث العظيم الذي لم تشهد الأرض مثله في عظمته و في دلالته و في آثاره في حياة البشرية جميعا، العظمة التي لا يحيط بها الإدراك البشري ... والنصوص القرآنية التي تذكر هذا الحدث تكاد تَرِفُّ و تنير بل هي تفيض بالنور الهادئ الساري الرائق الودود نور الله المشرق في قرآنه {إنا أنزلناه في ليلة القدر}، و نور الملائكة و الروح و هم في غدوهم ورواحهم طوال الليلة بين الأرض و الملأ الأعلى {تنزل الملائكة و الروح فيها} و نور الفجر الذي تعرضهالنصوص متناسقا مع نور الوحي و نور الملائكة … {سلام هي حتى مطلع الفجر} " [الظلال 6/ 3944]
و أي نعمة أعظم من نعمة نزول القرآن؟ نعمة لا يسعها حمد البشر فحمد الله نفسه على هذه النعمة {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عوجا}.
وهكذا إذن، شهد شهر رمضان هذا النزول الفريد لكتاب الله، و من يومذاك ارتبط القرآن بشهر رمضان {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان}
ومن يوم ذاك أصبح شهر رمضان هو شهر القرآن.



إكثار و اجتهاد:
عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى اللهم عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة [البخاري 6 مسلم 2308].
قال الإمام ابن رجب: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان والاجتماع على ذلك، و عرض القرآن على من هو أحفظ له … و فيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان، وفي حديث فاطمة عليها السلام عن أبيها أنه أخبرها أن جبريل عليه السلام كان يعارضه القرآن كل عام مرة و أنه عارضه في عام وفاته مرتين [البخاري 3624 و مسلم 2450] [لطائف المعارف 354،355].


وفي رمضان يجتمع الصوم و القرآن، وهذه صورة أخرى من صور ارتباط رمضان بالقرآن، فتدرك المؤمن الصادق شفاعتان، يشفع له القرآن لقيامه، و يشفع له الصيام لصيامه، قال صلى الله عليه وسلم: ((الصيام و القرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، و يقول القرآن: رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان)) [أحمد] و عند ابن ماجه عن ابن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول: أنا الذي أسهرت ليلك و أظمأت نهارك)).
"واعلم أن المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه:
- جهاد بالنهار على الصيام!
- وجهاد بالليل على القيام!
فمن جمع بين هذين الجهادين و وفَّى بحقوقهما و صبر عليهما وُفِّي أجره بغير حساب " [لطائف المعارف 360]
و من صور اختصاص شهر رمضان بالقرآن الكريم صلاة التراويح، فهذه الصلاة أكثر ما فيها قراءة القرآن، وكأنها شُرعت ليسمع الناس كتاب الله مجوداً مرتلاً، و لذلك استحب للإمام أن يختم فيها ختمة كاملة.


ناشئة الليل!
قال ابن رجب: و في حديث ابن عباس أن المدارسة بينه و بين جبريل كانت ليلاً يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلا فإن الليل تنقطع فيه الشواغل و يجتمع فيه الهم، و يتواطأ فيه القلب و اللسان على التدبر كما قال تعالى {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} [لطائف المعارف 355]
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره [لطائف المعارف 356] ومما يؤيد ذلك ما رواه الإمام أحمد عن حذيفة قال أتيت النبي صلى اللهم عليه وسلم في ليلة من رمضان فقام يصلي فلما كبر قال الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ثم قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران لا يمر بآية تخويف إلا وقف عندها ثم ركع يقول سبحان ربي العظيم مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد مثل ما كان قائما ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقال رب اغفر لي مثل ما كان قائما ثم سجد يقول سبحان ربي الأعلى مثل ما كان قائما ثم رفع رأسه فقام فما صلى إلا ركعتين حتى جاء بلال فآذنه بالصلاة [أحمد، باقي مسند الأنصار، رقم 22309]
وكان عمر قد أمر أبي بن كعب و تميما الداري أن يقوما بالناس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة حتى كانوا يعتمدون على العصي من طول القيام و ما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر، و في رواية أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها [لطائف المعارف 356] وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال و بعضهم في كل سبع منهم قتادة و بعضهم في كل عشرة منهم أبو رجاء العطاردي [لطائف المعارف 358]
كل هذا التطويل و القيام من أجل تلاوة القرآن و تعطير ليالي شهر القرآن بآيات القرآن.
عن واثلة بن الأسقع- رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضت من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة مضت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان): رواه الطبراني في الكبير عن واثلة، وأحمد في مسنده وابن عساكر، وحسنه الألباني صحيح الجامع رقم (1509).
وشهر رمضان وإن كان موسماً لسائر العبادات، فإنَّ للقرآن فيه مزيد مزية وخصوصية، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: من الآية 185]، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [سورة القدر: 1]، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} [الدخان: من الآية3]، ولهذا كان للقرآن عند السلف خصوصية في موسمه،
* أسلافنا إذا قدم شهر رمضان فتحوا المصاحف وحلوا وارتحلوا مع القرآن الكريم.
ثبت عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه كان في رمضان لا يتشاغل إلاّ بالقرآن الكريم، وكان يعتزل التدريس والفتيا والجلوس للناس، ويقول هذا شهر القرآن الكريم.
* بيوت سلفنا كان لها في رمضان خاصة دويّ كدويّ النحل، تشع نورًا وتملأ سعادة، كانوا يرتلون القرآن الكريم ترتيلاً، يقفون عند عجائبه ويبكون من عظاته ويفرحون ببشارته و يأتمرون بأمره وينتهون بنهيه!


طلب النبي صلى الله عليه وسلم من ابن مسعود أن يقرأ عليه القرآن، فقرأ سورة النساء، فلما بلغ قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً). قال له عليه الصلاة والسلام: ((حسبك الآن)). قال: فنظرت فإذا عيناه تذرفان)). إنه المحب سمع كلام حبيبه فبكى:

إذا اشتبكت دموع في خدود تبين من بكى ممن تباكى

فأما من بكى فيذوب وجدًا لأنّ به من التقوى حراكا
وصحَّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه استمع لأبي موسى رضى الله عنه:
ثم قال له: لو رأيتني وأنا أستمع إلى قراءتك البارحة، لقد أوتيت مزمارأً من مزامير آل داود فقال أبو موسى: لو علمت يا رسول الله أنك تستمع لي لحبرته لك تحبيراً)).
والمعنى لجملت صوتي أكثر وأكثر، فجعلت القرآن الكريم به أكثر تأثيراً وروعة وجمالاً.
كان عمر رضي الله عنه إذا اجتمع الصحابة قال: يا أبا موسى ذكّرنا ربّنا فيندفع أبو موسى يقرا بصوته الجميل وهم يبكون:
وإني ليبكيني سماع كلامه فكيف بعيني لو رأت شخصه بدا
تلا ذكر مولاه فحن حنينه وشوق قلوب العارفين تجدّدًا
لما فسدت أمزجة المتأخرين عن سماع كلام رب العالمين، ظهرت التربية معوجة، والفطرة منكوسة، والأفهام سقيمة.
لما استبدل القرآن الكريم بغيره حل الفساد، وكثر البلاء، واضطربت المفاهيم، وفشلت العزائم.
فهل لنا أن نعيش مع القرآن الكريم في رمضان وغير رمضان، وهل لنا أن نعرف عظمة القرآن الكريم فنملأ حياتنا سعادة بالقرآن الكريم، ونورًا بالقرآن الكريم، وإشراقاً مع القرآن الكريم. هل لنا أن نفعل ذلك؟

أخي الكريم، ها قد عرفتَ من فضل القرآن ما قد عرفتَ، و علمتَ من ارتباط هذا الشهر الكريم بالقرآن العظيم ما قد علمتَ، فلم يبق إلا أن تُشمِّر عن ساعد الجد، وتأخذ نفسك بالعزم، و تدرع الصبر، و تكون مع القرآن كما قال القائل:
أسرى مع القرآن في أفق فذ تبارك ذلك الأفق

وسرى به في رحلة عجب من واحة الإيمان تنطلق

وارتاد منه عوالما ملئت سحرا به الأرواح تنعتق

يامن يريد العيش في دعة نبع السعادة منه ينبثق



" عباد الله هذا شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، و في بقيته للعابدين مستمتع، و هذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم و يسمع، و هو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدع، و مع هذا فلا قلب يخشع و لاعين تدمع ولا صيام يصان عن الحرام فينفع ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع. [لطائف المعارف 364ا/365]
فهل للنفس إقبال؟
وهل للقلب اشتياق؟
وهل نملأ شهر القرآن بتلاوة القرآن؟







حالنا اليوم مع القرآن: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!
حالُنا اليوم مع كتاب الله تعالى حالٌ تأسف لها النفوس، وتتحرَّق لها الأفئدة، وتدمع لها العيون، حالنا اليوم حال من ضيَّعَ شيئاً ثميناً ويطلبهُ ويبحثُ عنه وهو أمامه، ولكن عميت عنه بصيرته، حالنا حال من منّ الله عليه بكنز ولكن ما عرف كيف يتصرف به. هذا هو الحال، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
انظر إلى حال النّاس اليوم مع القرآن الكريم. فمن النّاس من إذا دخل المسجد صلى ركعتين تحية المسجد ثم جلس صامتاً ينتظر إقامة الصلاة. والمسجد مليء بالمصاحف ولكن عميت بصيرته فلا همَّ له إلّا أن تُقام الصلاة. أمّا القرآن لا مكان له في قلبه. ولو قدمت إليه المصحف ليقرأ. قال: شكراً شكراً، وكأنّه امتلأ بالحسنات. فلا إله إلّا الله.
تركوا كتاب الله، تركوا دستور هذه الأمة، وانكبوا على اللهو واللعب، ومشاهدة الخبيث من الأفلام والمسلسلات الهابطة التي في ظاهرتها السلامة وفي باطنها تبث أنواعاً من السموم والندامة. انكبوا على تحريك القنوات الفضائية لمشاهدة العاهرات والفاجرات، ومتابعة الملهيات وما يدعو إلى السيئات. انكبوا على الأكل والشرب وكثرة النوم، فالليل لعب ولهو وسهر إلى طلوع الفجر، والنهار نوم إلى قبيل الغروب، والقرآن لا مكان له في القلوب، لا محل له في جدول أولئك النّاس، فلا حول ولا قوة إلّا بالله. فأين هؤلاء الخلف من أولئك السلف؟ ما هو حالنا مع القرآن في رمضان في هذا الوقت؟ فحال البعض ضياع ودمار وقتل للوقت والنفس وهولا يدري، فغيبة ونميمة وكذب وغش وخداع وبغضاء وشحناء. هكذا يتم قضاء الوقت في هذا الزمان مع الكثير من النّاس.
أخي الكريم: خصص لكتاب الله جزءاً من وقتك حتى تقرأه فيه, فخصص ساعة أو نصف ساعة كل يوم للقرآن الكريم تراجع فيه وتحفظ منه ما تيسر لك. حاول أن تختم كتاب الله لتجده اللذة، والطمأنينة، ولتشعر بالسكينة، وتحفك الملائكة، وتغشاك الرحمة, رحمة رب العباد. حاول وستجد أنّ ذلك سهلاً ميسراً بإذن الله تعالى.


إنّها أمور يندى لها الجبين، ويتفطر لها القلب؛ عندما نرى تلك السهرات والجلسات على الأرصفة في ليالي شهر رمضان المبارك، في الأعوام الماضية، والتي يتمُّ فيها معصية الخالق سبحانه، يعصون الله تعالى في شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النّار، بينما لا مكان في قلوب أولئك للقرآن. فهي جلسات إلى قبيل الفجر، ثم نوم إلى قبيل الغروب. فأين هؤلاء الخلف من أولئك السلف؟!! فرق شاسع وواسع بين الفريقين. ضعف الإيمان واليقين فحصل هذا البعد عن حبل الله المتين. أين هؤلاء من قول المولى - جل وعلا: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورا} [الفرقان:30]. وأين هؤلاء من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه. ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، قال: فيشفعان» [رواه أحمد والطبراني وصححه الألباني• فأولئك لم يعرفوا حقيقة الصيام والقرآن].
فأحوال النّاس مع القرآن في رمضان أحوال عجيبة. فمن النّاس من لا يعرف القرآن في رمضان ولا غير رمضان. ومن النّاس من لا يعرف القرآن إلّا في رمضان فتجده يقرأ القرآن في رمضان لعدة أيام ثم ما يلبث أن يترك القراءة وينكب على اللعب واللهو، فهذا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. ومن النّاس من يختم القرآن الكريم في رمضان ولكنه لاه القلب أعمى البصيرة لا يتدبر ولا يتأمل كلام الله عز وجل، وكأنّه في سجن؛ فإذا انسلخ شهر رمضان وضع المصحف وأحكم عليه الوثاق ولسان حاله يقول: وداعاً إلى رمضان القادم، وكأنّه أيقن أنّه سيدرك رمضان القادم. فلا حول ولا قوة إلّا بالله. قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين».
هذا هو كتابنا إن لم نقرأه نحن فمن الذي سيقرأه إذن. أننتظر من غيرنا أن يقرأ كتابنا، والله تعالى يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً} [الإسراء:9].


أخي المسلم، أختي المسلمة:
الواجب علينا تلاوة القرآن الكريم بالتدبر والتفكر فهو سبب لحياة القلوب ونورها، وقوة الإيمان، وطرد الشيطان، وإيّاكما وهجران القرآن؛ فهجرانه يورث النفاق، وعمى القلب، والغفلة، وتسليط الشيطان.
فهذا هو الحال مع القرآن في شهر رمضان؛ فإلى الله نشتكي هذا الهجران، والبعد عن قراءة القرآن. نشكو إلى الله قسوة القلوب، وكثرة الذنوب، فأين المشمِّرون؟ وأين الراغبون فيما عند الله تعالى؟ فينبغي على المسلم المداومة على قراءة القرآن في شهر رمضان؛ لأنّه الشهر الذي أنزل فيه القرآن. وينبغي على المسلم أن يغتنم هذه الفرص في هذه الأوقات الفاضلة، وفي هذا الشهر خصوصاً؛ لأنّ فيه ليلة هي خير من ألف شهر. فأي خسارة لمن مر عليه رمضان ولم يستفد منه، وأيُّ تضييع لمن مرَّ عليه رمضان ولم يقتنص تلك الفرص.
فيا من فرط في شهرِه وأضاعهُ، يا من بضاعتُه التسويف والتفريطُ! بئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآنُ وشهرُ رمضان، كيف ترجو ممن جعلته خصمك الشَّفاعة؟!
هذا هو حالنا مع القرآن في رمضان، فكيف كان حال السلف رضوان الله عليهم؟







حال السلف مع القرآن في رمضان
رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن يكثر العبد المسلم من تلاوته وحفظه، وتدبره، وعرضه على من هو أقرأ منه:
كان جبريل يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وعارضه في عام وفاته مرتين، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن الكريم كل يوم مرة، وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، وبعضهم في كل عشر، فكانوا يقرءون القرآن في الصلاة وفي غيرها، فكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر في كل ليلة، وكان الزهري إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، ويُقبل على تلاوة المصحف. وكان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة، وأقبل على قراءة القرآن، قال الزهري: ' إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام '.
قال ابن رجب: (كان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة في كل ست ليال) لطائف المعارف (191).
وقد كان للسَّلف رحمهم الله اجتهاد عجيب في قراءة القرآن في رمضان بل لم يكونوا يشتغلون فيه بغيره.
كان الزهري إذا دخل رمضان يقول: إنما هو قراءة القرآن و إطعام الطعام.
قال ابن الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث و مجالسة أهل العلم.
قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة و أقبل على قراءة القرآن.
وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف و جمع إليه أصحابه. [انظر اللطائف359،360]
وكانت لهم مجاهدات من كثرة الختمات رواها الأئمة الثقات الأثبات رحمهم الله:
كان الأسود يختم القرآن في رمضان كل ليلتين، وكان قتادة إذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فإذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة، وقال ربيع بن سليمان: كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة ما منها شيء إلا في صلاة، وروى ابن أبي داود بسند صحيح أن مجاهدا رحمه الله كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب و العشاء، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل، وكان علي الأزدي يختم فيما بين المغرب و العشاء في كل ليلة من رمضان، قال مالك: و لقد أخبرني من كان يصلي إلى جنب عمر بن حسين في رمضان قال: كنت أسمعه يستفتح القرآن في كل ليلة. [البيهقي في الشعب] قال النووي: وأما الذي يختم القرآن في ركعة فلا يحصون لكثرتهم فمن المتقدمين عثمان بن عفان، و تميم الداري، و سعيد بن جبير رضي الله ختمة في كل ركعة في الكعبة [التبيان 48] [وانظر اللطائف 358 - 360 و صلاح الأمة 3/ 5 - 85]
قال القاسم عن أبيه الحافظ ابن عساكر: كان مواظبا على صلاة الجماعة و تلاوة القرآن، يختم كل جمعة و يختم في رمضان كل يوم [سير أعلام النبلاء20/ 562]
هذا هو حال سلفنا الصالح مع القرآن الكريم، وإذا ما خطر لك السؤال عمّا حفزهم إلى تحقيق هذه الحال الطيبة والسيرة العطرة، فالجواب المجمل هو أنهم كانوا يعرفون حقيقة هذا القرآن الذي هاموا به جيّداً! فما تلك الحقيقة؟







حقيقة القرآن الكريم ومراتبُ الناس من حيث علاقتُهم به
هذا الشهر المبارك بما فيه من اجتهادٍ وعبادة وصومٍ وصلاة وقيام، يستجيشُ إيمان الفرد،
ومن ثمّ يجد المرء نفسه قريباً من القرآن، متفاعلاً مع آياته، متدبّراً في معانيها، ولعله عندئذٍ يصل إلى تلمّس حقيقة القرآن الكريم، فلنقف هنا ولنتساءل:


ما هي حقيقة القرآن الكريم؟
يقول الرّسول صلّى الله عليه وسلم: (كتابُ الله، حبلٌ ممدودٌ من السَّماء إلى الأرض)، وفي حديثٍ آخر عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: (أَبْشِرُوا وَأَبْشِرُوا، أَلَيْسَ تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سَبَبٌ طَرَفُهُ بِيَدِ اللَّهِ، وَطَرَفُهُ بِأَيْدِيكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَإِنَّكُمْ لَنْ تَضِلُّوا، وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أَبَدًا) . ونظر بعضُ العلماء إلى القرآن من ناحية طرفه الّّذي بيد النّاس، فعرّفوه بأنه: "اللفظ المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم من أول الفاتحة إلى آخر سورة الناس" ، وعرّفه آخرون بأنّه: "الكلام المعجز، المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتواتر، المتعبد بتلاوته" وأنت ترى أن هذا التعريف جمعَ بين: الإعجاز، والتَّنزيل على النبي صلى الله عليه وسلم، والكتابة في المصاحف، والنقل بالتواتر، والتعبد بالتلاوة، وهي الخصائص العظمى التي امتاز بها القرآن الكريم" .
وهذا الطرفُ من حبل القرآن المتين، هو الّذي يملك الناس أن يتعاملوا معه، فيشُدّونه ويتمسّكون به.
وأمّا الطرف الآخرُ الّذي بيد الله عزّ وجلَّ، ولا يملك الإنسان أن يتعامل معه، فهو أنّ القرآن "نورٌ من عند الله، أنزله إلى خلقه يَستضيئونَ به" ، وهذا النور، يسكبه الله عزّ وجلّ في قلب المؤمن، عند تلاوته للقرآن الكريم، أي عندَ هزِّه وتحريكه وتمسّكه بطرف الحبل الّذي بيده.
إذن، فالقرآن له طرفانِ، طرفٌ نستطيع أن نمسك به، ألا وهو تلاوةُ القرآن خاصَّةً (باعتبار أنّ السمات الأخرى، متحقِّقة في القرآن أصلاً) والتّلاوة هي ما نحن مطالبون به. أمّا الطرف الآخر من القرآن، فليس بيدنا الإمساك به، إنما هو بيد الله عزّ وجلّ، ألا وهو كون القرآن روحاً ونوراً!
وعندما يُمسك المسلمُ بالطرف الذي يليه تالياً للقرآنِ، فعندئذٍ يُفيض الله عزّ وجلّ من أنوار القرآن وروحه، على عبده بحسب ما في قراءته من صدقٍ وتدبُّر وإخلاص!
بلى، أخي المسلم، إذا كان القرآنُ بتلك المثابة: رَوحاً للقلوب، ونوراً يُضيء طريق الحياة، ويكشفُ عنها الظلام ويُزيل من ملامحها القَتام؛ فما أحرانا بأن نُعظِّمَهُ ونُكرِمه، ونوليه ما يستحقُّه من العناية والاهتمام!
فالقرآن الكريم في الحقيقة: ليس مجرّدَ السُّوَر والآيات الّتي نقرؤها أو نسمعُها، فذلك هو الظّاهرُ الّذي يبدو لنا منه، والّذي إذا أحكمناه تلاوةً وتدبُّراً، رفع اللهُ درجتنا وأعلى مرتبتنا، وجعلنا في مقام المناجاةِ له سبحانه وتعالى، والفهم منه، والتّعلّم عنه، والتّعرُّضِ لرَوحه ورحمته ونوره!


وما هي مراتب الناس، من حيث علاقتهم بالقرآن الكريم وإدراكهم لحقيقته والتزامهم بها؟
روى الإمام البخاريُّ في صحيحه، عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
(الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ، كَالْأُتْرُجَّة ِ: طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَرِيحُهَا طَيِّبٌ!
وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ، كَالتَّمْرَةِ: طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لَهَا!
وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَالرَّيْحَانَة ِ: رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ!
وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَالْحَنْظَلَةِ : طَعْمُهَا مُرٌّ أَوْ خَبِيثٌ، وَرِيحُهَا مُرٌّ!) !
في هذا الحديث نلمس أربع مراتب، يترتب فيها الناس بحسب إيمانهم وبحسب علاقتهم بالقرآن، على النحو التالي:
فالمرتبة الأولى، يجتمع فيها الإيمان والقرآن، تشمُّ رائحةً طيّبة، ثمّ تذوق الطّعم فتجده كذلك طيباً! ومثال هذه المرتبة ورمزها هو (الأُتُرُجَّة)!
وفي المرتبة الثانية، يحضر الإيمان ويغيب القرآن، فلا تشمّ رائحةً طيّبةً، ولا ترى سمتاً رائقاً، ولكنّك إذا ذقت الطعمَ ألفيتَه طيّباً! ومثال هذه المرتبة هو (التّمرة).
وفي المرتبة الثالثة، يغيبُ الإيمان، ويحضر القرآن، فتشمُّ رائحةً طيّبةً، وترى سمتاً حسَناً، ولكنّك إذا بلوتَ وجرّبتَ وذُقتَ؛ لم تجد طعماً طيّباً، ومثالُ هذه المرتبة هو (الرَّيحانة).
وفي المرتبة الرابعة، غابا معاً: الإيمان والقرآن، فرائحةٌ خبيثةٌ وطعمٌ مرٌّ، ومثالها (الحنظلة).
إذن، فينبغي على المسلم، أن يُقبل على القرآن، بكلِّ صدقٍ طمأنينة ويقينٍ، واثقاً ممّا سيُفيضه الله عليه من رَوحه ورحمته، عند إمساكه بطرف الحبل الّذي يليه من القرآن، أي عند تلاوته!
وهذا رمضانُ فرصة طيّبة لتوثيق صلتنا بالقرآن، والرُّقيّ بإيماننا، فلنجتهد في تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، ولنجتهد في سماعه بتدبر وخشوع، ونحن نصلي صلواتنا في رمضان!






سطوة القرآن وعِظم تأثيره في النُّفوس!
ألا إنّ للقرآن لسطوةً وتأثيراً ينفذ إلى أعماق الإنسان!
ألا فلنتعرّض لها في هذا الشّهر المبارك! فإنّها تسكب في قلب المؤمن اليقينَ والطمأنينةَ وسعةَ الأفقِ واستعلاء الإيمانِ!
[محاولةٌ لإيضاح معنى سطوة القرآن]
من أعجب أسرار القرآن وأكثرها لفتاً للانتباه تلك السطوة الغريبة التي تخضع لها النفوس عند سماعه .. (سطوة القرآن) ظاهرة حارت فيها العقول ..
حين يسري صوت القاري في الغرفة يغشى المكانَ سكينةٌ ملموسة تهبط على أرجاء ما حولك .. تشعر أن ثمة توتراً يغادر المكان .. كأن الجمادات من حولك أطبقت على الصمت .. كأن الحركة توقفت .. هناك شئ ما تشعر به لكنك لاتستطيع أن تعبر عنه ..
حين تكون في غرفتك -مثلاً- ويصدح صوت القارئ من جهازك المحمول، أوحين تكون في سيارتك في لحظات انتظار ويتحول صوت الإذاعة إلى عرض آيات مسجلة من الحرم الشريف .. تشعر أن سكوناً غريباً يتهادى رويداً رويداً فيما حولك ..
كأنما كنت في مصنع يرتطم دوي عجلاته ومحركاته ثم توقف كل شئ مرة واحدة .. كأنما توقف التيار الكهربائي عن هذا المصنع مرة واحدة فخيم الصمت وخفتت الأنوار وساد الهدوء المكان ..
هذه ظاهرة ملموسة يصنعها (القرآن العظيم) في النفوس تحدث عنها الكثير من الناس بلغة مليئة بالحيرة والعجب ..
[مثالٌ يُوضح معنى سطوة القرآن]
يخاطبك أحياناً شاب مراهق يتذمر من والده أو أمه .. فتحاول أن تصوغ له عبارات تربوية جذابة لتقنعه بضرورة احترامهما مهما فعلا له .. وتلاحظ أن هذا المراهق يزداد مناقشة ومجادلة لك .. فإذا استعضت عن ذلك كله وقلت له كلمة واحدة فقط: يا أخي الكريم يقول تعالى (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الإسراء:24] رأيت موقف هذا الفتى يختلف كلياً .. شاهدت هذا بأم عيني .. ومن شدة انفعالي بالموقف نسيت هذا الفتى ومشكلته .. وعدت أفكر في هذه السطوة المدهشة للقرآن .. كيف صمت هذا الشاب وأطرق لمجرد سماع قوله تعالى (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) .. حتى نغمات صوته تغيرت .. يا ألله كيف هزته هذه الآية هزاً ..
[ما هو أكبر مؤثر يدفع الإنسان الغربي لاعتناق الإسلام؟]

حين قدمت للمجتمع الغربي أول مرة قبل ثلاث سنوات اعتنيت عناية بالغة بتتبع قصص وأخبار (حديثي العهد بالإسلام) .. كنت أحاول أن أستكشف سؤالاً واحداً فقط: ماهو أكثر مؤثر يدفع الإنسان الغربي لاعتناق الإسلام؟ (حتى يمكن الإستفادة منه في دعوة البقية)، كنت أتوقع أنني يمكن أن أصل إلى (نظرية معقدة) حول الموضوع، أوتفاصيل دقيقة حول هذه القضية لايعرفها كثير من الناس، وقرأت لأجل ذلك الكثير من التجارب الذاتية لشخصيات غربية أسلمت، وشاهدت الكثير من المقاطع المسجلة يروي فيها غربيون قصة إسلامهم، وكم كنت مأخوذاً بأكثر عامل تردد في قصصهم، ألا وهو أنهم (سمعوا القرآن وشعروا بشعور غريب استحوذ عليهم) هذا السيناريو يتكرر تقريباً في أكثر قصص الذين أسلموا، وهم لايعرفون اللغة العربية أصلاً! إنها سطوة القرآن ..
[مثالٌ آخر لسطوة القرآن]
ومن أعجب أخبار سطوة القرآن قصة شهيرة رواها البخاري في صحيحه وقد وقعت قبل الهجرة النبوية وذلك حين اشتد أذى المشركين لما حصروا بني هاشم والمطلب في شعب أبي طالب، فحينذاك أذن النبي -صلى الله عليه و سلم- لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة، فخرج أبوبكر يريد الهجرة للحبشة فلقيه مالك بن الحارث (ابن الدغنّة) وهو سيد قبيلة القارَة، وهي قبيلة لها حلف مع قريش، وتعهد أن يجير أبا بكر ويحميه لكي يعبد ربه في مكة، يقول الراوي:
(فطفق أبو بكر يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بالصلاة ولا القراءة في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره وبرز فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين). [البخاري: 2297]!
هذه الكلمة (فيتقصّف عليه نساء المشركين وأبناؤهم) من العبارات التي تطرق ذهني كثيراً حين أسمع تالياً للقرآن يأخذ الناس بتلابيبهم .. ومعنى يتقصّف أي يزدحمون ويكتظون حوله مأخوذين بجمال القرآن .. فانظر كيف كان ابوبكر لايحتمل نفسه إذا قرأ القرآن فتغلبه دموعه .. وانظر لعوائل قريش كيف لم يستطع عتاة وصناديد الكفار عن الحيلولة بينهم وبين الهرب لسماع القرآن ..
[بل هذه السطوة من دلائل حجية القرآن]
ومن أكثر الأمور إدهاشاً أن الله -جل وعلا- عرض هذه الظاهرة البشرية أمام القرآن كدليل وحجة، فالله سبحانه وتعالى نبهنا إلى أن نلاحظ سطوة القرآن في النفوس باعتبارها من أعظم أدلة هذا القرآن ومن ينابيع اليقين بهذا الكتاب العظيم، ولم يشر القرآن إلى مجرد تأثر يسير، بل يصل الأمر إلى الخرور إلى الأرض .. هل هناك انفعال وتأثر وجداني أشد من السقوط إلى الأرض؟ تأمل معي هذا المشهد المدهش الذي يرويه ربنا جل وعلا عن سطوة القرآن في النفوس:
{قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} (107) سورة الإسراء
بالله عليك أعد قراءة هذه الآية وأنت تتخيل هذا المشهد الذي ترسم هذه الآية تفاصيله: قوم ممن أوتو حظاً من العلم حين يتلى عليهم شئ من آيات القرآن لايملكون أنفسهم فيخرون إلى الأرض ساجدين لله تأثراً وإخباتاً .. يا ألله ما أعظم هذا القرآن ..
بل تأمل في أحوال قوم خير ممن سبق أن ذكرهم الله في الآية السابقة .. استمع إلى انفعال وتأثر قوم آخرين بآيات الوحي، يقول تعالى:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}
هذه الآية تصور جنس الأنبياء .. ليس رجلاً صالحاً فقط .. ولا قوم ممن أوتو العلم .. ولا نبي واحد أو نبيين .. بل تصور الآية (جنس الأنبياء) .. وليست الآية تخبر عن مجرد أدب عند سماع الوحي وتأثر يسير به .. بل الآية تصور الأنبياء كيف يخرون إلى الأرض يبكون ..
الأنبياء .. جنس الأنبياء .. يخرون للأرض يبكون حين يسمعون الوحي .. ماذا صنع في نفوسهم هذا الوحي العجيب؟
وقوم آخرون في عصر الرسالة ذكر الله خبرهم في معرض المدح والتثمين الضمني في صورة أخاذة مبهرة يقول تعالى:
{وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة:83]
أي شخص يقرأ الآية السابقة يعلم أن هذا الذي فاض في عيونهم من الدموع حين سمعوا القرآن أنه شئ فاق قدرتهم على الاحتمال .. هذا السر الذي في القرآن هو الذي استثار تلك الدمعات التي أراقوها من عيونهم حين سمعوا كلام الله .. لماذا تساقطت دمعاتهم؟ إنها أسرار القرآن ..
[إنّها حقيقةٌ كبيرة]
هذه الظاهرة البشرية التي تعتري بني الإنسان حين يسمعون القرآن ليست مجرد استنتاج علمي أو ملاحظات نفسانية .. بل هي شئ أخبرنا الله أنه أودعه في هذا القرآن .. ليس تأثير القرآن في النفوس والقلوب فقط .. بل -أيضاً- تأثيره الخارجي على الجوارح .. الجوارح ذاتها تهتز وتضطرب حين سماع القرآن .. قشعريرة عجيبة تسري في أوصال الإنسان حين يسمع القرآن .. يقول تعالى:
{اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]
لاحظ كيف يرسم القرآن مراحل التأثر، تقشعر الجلود، ثم تلين، إنها لحظة الصدمة بالآيات التي يعقبها الاستسلام الإيماني، بل والاستعداد المفتوح للانقياد لمضامين الآيات .. ولذلك مهما استعملت من (المحسّنات الخطابية) في أساليب مخاطبة الناس وإقناعهم فلايمكن أن تصل لمستوى أن يقشعر الجلد في رهبة المواجهة الأولى بالآيات، ثم يلين الجلد والقلب لربه ومولاه، فيستسلم وينقاد بخضوع غير مشروط ..
هذا شئ يراه المرء في تصرفات الناس أمامه .. جرب مثلاً أن تقول لشخص يستفتيك: هذه معاملة بنكية ربوية محرمة بالإجماع، وفي موقف آخر: قدم بآيات القرآن في تحريم الربا، ثم اذكر الحكم الشرعي، وسترى فارق الاستجابه بين الموقفين؛ بسبب ماتصنعه الآيات القرآنية من ترويض النفوس والقلوب لخالقها ومولاها، تماماً كما قال تعالى (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ) ..
فويلٌ للقاسيةِ قلوبهم من ذكر الله!
وفي مقابل ذلك كله .. حين ترى بعض أهل الأهواء يسمع آيات القرآن ولا يتأثر بها، ولا يخضع لمضامينها، ولا ينفعل وجدانه بها، بل ربما استمتع بالكتب الفكرية والحوارات الفكرية وتلذذ بها وقضى فيها غالب عمره، وهو هاجرٌ لكتاب الله يمر به الشهر والشهران والثلاثة وهو لم يجلس مع كتاب ربه يتأمله ويتدبره ويبحث عن مراد الله من عباده، إذا رأيت ذلك كله؛ فاحمد الله يا أخي الكريم على العافية، وتذكر قوله تعالى {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]
وحين يوفِّقُك ربُّك فيكون لك حزبٌ يوميٌّ من كتاب الله (كما كان لأصحاب رسول الله أحزابٌ يوميةٌ من القرآن) فحين تنهي تلاوة وردك اليومي فاحذر يا أخي الكريم أن تشعر بأي إدلال على الله أنك تقرأ القرآن، بل بمجرد أن تنتهي فاحمل نفسك على مقام إيماني آخر؛ وهو استشعار منة الله وفضله عليك أن أكرمك بهذه السويعة مع كتاب الله، فلولا فضل الله عليك لكانت تلك الدقائق ذهبت في الفضول كما ذهب غيرها، إذا التفتت النفس لذاتها بعد العمل الصالح نقص مسيرها إلى الله، فإذا التفتت إلى الله لتشكره على إعانته على العبادة ارتفعت في مدارج العبودية إلى ربها ومولاها، وقد نبهنا الله على ذلك بقوله تعالى (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا) [النور: 21]
فتزكية النفوس فضل ورحمة من الله يتفضل بها على عبده، فهو بعد العبادة يحتاج إلى عبادة أخرى وهي الشكر والحمد، وبصورة أدق فالمرء يحتاج لعبادة قبل العبادة، وعبادة بعد العبادة، فهويحتاج لعبادة الاستعانة قبل العبادة، ويحتاج لعبادة الشكر بعد العبادة .. وكثير من الناس إذا عزم على العبادة يجعل غاية عزمه التخطيط والتصميم الجازم .. وينسى أن كل هذه وسائل ثانوية .. وإنما الوسيلة الحقيقية هي (الاستعانة) .. ولذلك وبرغم أن الاستعانة في ذاتها عبادة إلا أن الله أفردها بالذكر بعد العبادة فقال (إياك نعبد وإياك نستعين) .. وهذه الاستعانة بالله عامة في كل شئ، في الشعائر، وفي المشروعات الاصلاحية، وفي مقاومة الانحرافات الشرعية، وفي الخطاب الدعوي، فمن استعان بالله ولجأ إليه فتح الله له أبواب توفيقه بألطف الأسباب التي لايتصورها ..
اللهم اجعلنا من أهل القرآن، اللهم أحي قلوبنا بكتابك، اللهم اجعلنا ممن إذا استمع للقرآن اقشعر جلده ثم لان جلده وقلبه لكلامك، اللهم اجعلنا ممن إذا سمع ما أنزل إلى رسولك تفيض عيوننا بالدمع، اللهم اجعلنا ممن إذا تليت عليهم آيات الرحمن خرو سجداً وبكياً، اللهم إنا نعوذ بك ونلتجئ إليك ونعتصم بجنابك أن لاتجعلنا من القاسية قلوبهم من ذكر الله.

ويُشير إلى سطوة القرآن ما حكاه سيد قطب قائلاً:
"كنَّا على ظهر الباخرة في عرض الأطلنطي في طريقنا إلى نيويورك، حينما أقمنا صلاةَ الجمعة على ظهر المركب .. ستة من الركاب المسلمين من بلاد عربية مختلفة، وكثير من عمال المركب أهل النوبة، وألقيتُ خطبةَ الجمعة متضمِّنةً آياتٍ من القرآن في ثناياها، وسائرُ ركاب السفينة من جنسيات شتَّى متحلِّقون يشاهدون! وبعد انتهاء الصلاة جاءت إلينا -من بين مَن جاء يُعبِّر لنا عن تأثره العميق بالصلاة الإسلامية- سيِّدةٌ يوغسلافيَّة فارَّة من الشَّيوعيَّة إلى الولايات المتحدة! جاءتنا وفي عينيها دموعٌ لا تكاد تمُسك بها وفي صوتها رعشة، وقالت لنا في انجليزيَّة ضعيفة: أنا لا أملك نفسي من الإعجاب البالغ بالخشوع البادي في صلاتكم .. ولكن ليس هذا ما جئتُ من أجله .. إنَّني لا أفهمُ من لغتكم حرفاً واحداً، غير أنَّني أحسُّ أنَّ فيها إيقاعاً موسيقياً لم أعهده في أيَّة لغة .. ثم .. إنَّ هناك فقرات مميزة في خطبة الخطيب، هي أشدُّ إيقاعاً، ولها سلطانٌ خاصٌّ على نفسي!!! وعرفتُ طبعاً أنَّها الآيات القرآنية، المميَّزة الإيقاع، ذات السلطان الخاص! لا أقول: إنَّ هذه قاعدة عند كلِّ من يسمع ممَّن لا يعرفون العربيَّة .. ولكنها ولا شكَّ ظاهرةٌ ذات دلالة!" في ظلال القرآن: 2/ 821..
وكيف تتحقق هذه السطوة؟
الجواب: إنها تتحقق تلقائياً بالتعرض للقرآن، من خلال تدبّره وسماعه وحفظه!



يتبع

ابوالوليد المسلم 08-04-2019 05:59 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

اللجنة العلمية


الترغيب والحثُّ على تلاوة القرآن في شهر رمضان!



السؤال: ما وجه قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [البقرة:185] بين آيات الصيام؟ الجواب: إنه حثٌ بيِّنٌ على تلاوة القرآن في هذا الشهر الكريم؛ إذ هو شهره الذي نزل فيه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعارضه جبريل بالقرآن في كل عام مرةً في رمضان، فلما كان العام الذي قبض فيه النبي صلى الله عليه وسلم عارضه بالقرآن مرتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما أرى ذلك إلا لحضور أجلي).
وكذلك قد يطرح سؤال مشابهٌ هو:
ما وجه تخلل قوله تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] بين آيات الصيام؟
فالجواب: وبالله تعالى التوفيق، والعلم عند الله تعالى: أن هذا أيضاً حثٌ على الدعاء، فالصائم من الذين تستجاب دعوتهم، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر)، وذكر الحديث، فعليه: يستحب للصائم أن يكثر من الدعاء أثناء صومه، ويستحب له كذلك أن يكثر من تلاوة القرآن، هذا وبالله التوفيق. ......

لتكن علاقتنا بالقرآن في شهر رمضان علاقة استثنائية:
لابد من أن تكون علاقتنا بالقرآن في رمضان علاقة استثنائية، ومهما كان اهتمامنا بالقرآن خلال العام كله فلابد من أن يكون هناك مزيد من الاهتمام الخاص في رمضان الذي ارتبط ارتباطاً وثيقاً بالقرآن، كما في قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر:1 - 5]. فالقرآن جمع له الشرف من كل الوجوه، فهو أشرف كتاب نزل على أشرف أمة بسفارة أشرف الملائكة جبريل عليه السلام، نزل على أشرف نبي وهو محمد عليه الصلاة والسلام في أشرف شهور السنة وهو رمضان في أشرف ليالي هذا الشهر الكريم وهي ليلة القدر في أشرف بقاع الأرض وهي مكة بأشرف لغة وهي اللغة العربية، فهذا القرآن الكريم قد جمع له الشرف من كل الوجوه. فإذاً ينبغي أن تكون أيام رمضان ولياليه فرصة لعقد صلح مع القرآن، وتكون الخطة هي التهيؤ لرمضان قبل حلوله، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنه في كل ليلة من رمضان ينادي مناد: (يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر!). فمن أعظم الخير الذي ينبغي أن ينتهزه الإنسان في رمضان هو تلاوة القرآن الكريم؛ لأن رمضان هو شهر القرآن، فينبغي أن يكثر العبد من تلاوته وحفظه وتدبره وعرضه على من هو أقرأ منه. وقد كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن في رمضان، وفي العام الذي توفي فيه دارسه فيه مرتين.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: ' وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقلَّ من ثلاث على المدوامة على ذلك، فأما الأوقات المفضلة - كشهر رمضان - خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر - أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم'.
وماذا عن عبادة الليل؟!
إن القراءة بالليل من أنفع العبادات، وكم من عبادة لا تخرج لذتها للعابدين إلا في وقت الظلمة، لذا كان أهم أوقات اليوم الثلث الأخير من الليل، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: " إذا كان ثلث الليل الآخر ينْزل ربنا إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطية؟
هل من مستغفر فأغفر له؟ …)).
وكثيرًا ما نغفل عن عبادة الليل خصوصًا في رمضان ـ مع ما يحصل منا من السهر ـ وتلك غفلة كبيرة لمن حُرِم لذة عبادة الليل.
فَشَمِّرْ عن ساعد الجِدِّ، وأدركْ فقد سبق المشمرون قبلك، ولا تكن في هذه الأمور ذيلاً بل كن رأسًا، والله يوفقني وإياك لكما يحب ويرضى.
ولو رتَّب المسلم لنفسه برنامج قراءة للقرآن كل ليلة؛ لارتبط بعبودية لله، ولم يكن في لَيلِهِ من الغافلين، لا جعلني الله وإياك منهم.
ومما قد يغيب عن أذهاننا في أيامنا هذه: أيامِ الإضاءةِ الليلية التي قلبت الليل إلى نهار، فانقلبت بذلك فطرة الله التي فطر الناس عليها بجعله الليل لهم سباتًا يرتاحون فيه، أقول إنه قد يغيب عنا لذة العبادة في الظلمة، لذا لو جرَّب المسلم قراءة القرآن من حفظِه أو الصلاة النافلة الليلية بلا إضاءة، فإن في ذلك جمعًا لهمِّه، وتركيزًا لنفسه؛ لأن البصر يُشغِل المرء في قراءته أو صلاته.
ومن جرَّب العبادة في الظلمة وجدَ لذة تفوق عبادته وهو تحت إضاءة الكهرباء.
كيف نتأثّر بالقرآن؟
يسأل كثيرون عن كيفية التأثر بالقرآن، ولماذا لا نخشع في صلواتنا حين سماع كلام ربِّنا؟
ولا شكَّ أن ذلك عائدٌ لأمور من أبرزها أوزارنا وذنوبنا التي نحملها على ظهورنا، لكن مع ذلك فلا بدَّ من وجود قدرٍ من التأثر بالقرآن، ولو كان يسيرًا، فهل من طريق إلى ذلك؟
إنَّ البعدَ عن المعاصي، وإصلاح القلب، وتحليته بالطاعات هو السبيل الجملي للتأثر بهذا القرآن، وعلى قدر ما يكون من الإصلاح يبرز التأثُّر بالقرآن.
والتأثر بالقرآن حال تلاوته يكون لأسباب متعددة، فقد يكون حال الشخص في ذلك الوقت مهيَّئًا، وقلبه مستعدًا لتلقي فيوض الربِّ سبحانه وتعالى.
فمن بكَّر للصلاة، وصلى ما شاء الله، ثمَّ ذكر الله، وقرأ كتاب ربِّه، ثمَّ استمع إلى الذكر فإنَّ قلبه يتعلق بكلام الله أكثر من رجلٍ جاء متأخِّرًا مسرعًا خشية أن تفوته الصلاة، فأنَّى له أن تهدأ نفسه ويسكن قلبه حتى يدرك كلام ربِّه، ويستشعر معانيه؟!
ومن قرأ تفسير الآيات التي سيتلوها الإمام واستحضر معانيها، فإنَّ تأثره سيكون أقرب ممن لا يعرف معانيها.
ومن قدَّم جملة من الطاعات بين يدي صلاته، فإنَّ خشوعه وقرب قلبه من التأثر بكلام ربِّه أولَى ممن لم يفعل ذلك.
وإنك لتجد بعض المسرفين على أنفسهم ممن هداهم الله قريبًا يستمتعون ويتلذذون بقراءة كلام ربهم، وتجدهم يخشعون ويبكون، وما ذاك إلا لتغيُّر حال قلوبهم من الفساد إلى الصلاح، فإذا كان هذا يحصل من هؤلاء فحريٌّ بمن سبقهم إلى الخير أن يُعزِّز هذا الجانب في نفسه، وأن يبحث عن ما يعينه على خشوعه وتأثره بكلام ربِّه.





استحباب ختم القرآن الكريم في شهر رمضان!
حديث شريف عظيم!
عن أوس بن حذيفة -رضي الله عنه- قال: قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - في وفد ثقيف، فنزلت الأحلافُ على المغيرة بن شعبة، وأنزلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني مالك في قبّة له، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلّم - كل ليلةٍ يأتينا بعد العشاء يحدّثنا قائماً على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، فأكثر ما يحدثنا ما لقيَ من قومه قريش، ثم يقول: لا سواءٌ، وكنّا مستضعفين مستذلين بمكة، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجالُ الحربِ بيننا وبينهم، نُدال عليهم ويدالون علينا؛ فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأتَ عنّا الليلة! قال: "إنّه طرأ عليَّ حزبي من القرآن، فكرهت أن أجيء حتى أتمّه" قال أوس: سألت أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاثٌ، وخمسٌ، وسبعٌ، وتسعٌ، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزبُ المفصَّل وحده. الحديث أخرجه أحمد في المسند، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم.
وهو حديثٌ شريفٌ عظيمٌ، له وقعٌ في النفوس وخفقٌ في الجوانح، جعلهُ أهلُ العلم أصلاً في "تحزيب القرآن" و"تجزئة المصاحف" وبوّبَ الإمام أبو داود في سننه: "بابُ تحزيب القرآن" - 2/ 237 ط عوّامة - فأورد هذا الحديثَ ونظائره لبيان طريقةِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه في قراءة القرآن العظيم والمداومة على ترتيله وتجويده بنظام مشيد محكم ينتظم اليوم والليلة دائباً متصلاً.
والله يعلمُ كم يأخذني هذا الحديثُ بجلالة وقعهِ وحُسن عرضهِ وسلسبيل لفظه إلى عوالم أخرى من السكينةِ والتعظيمِ والتوقيرِ للنبيِّ - صلّى الله عليه وسلّم - تفوق الوصف وتجتاز التقديرَ، وهو يفدُ - صلى الله عليه وسلّم - في لهفٍ إلى هؤلاءِ القوم الذين قدموا عليه من أقاصي البلاد يحدوهم الشوقُ المبرّح للقائهِ ورؤية وجههِ الشريف، فيستعذبُ في سبيل تعليمهم الوَصَبَ ويستطيبُ النَّصَبَ، ويحنو عليهم حنوَّ الوالدِ على ولدهِ ويخاطبهم بأرق العبارات وأنداها، ويراوح بين قدميه الشريفتين من طول القيام في جنب الله ناصحاً مذكّراً قائماً بحق الدعوة وتبليغ شرعِ الله، ويغمرني الحنين والشوق إلى ذيّاك المجلسِ الآنس ببثِّ الحبيبِ المُحب صلّى الله عليه وسلّم إلى أولائه من صالحي المؤمنين وهو يستعبرُ ذاكراًَ ما جرى له من الأذى في ذاتِ الله، فتخضعُ جوانحي وتغشاني المهابة وأنا أقرأ همهماتهِ الأسيفة على قومٍ جاءهم كالنسيم العليل ليأخذ بحجزهم عن النّار ويحميهم من سعيرها ولهيبها البئيس، فيأبون إلا الوقيعة فيها مرتكبين أشنع الجرائم بإيذاء حبيبِ الله وخليلهِ محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم.
ثم اقرأ معي - بسكينةٍ وخضوع - شوقَ أولئكَ الوافدين على حضرتهِ، وهم يعدّون مستكثرين ساعاتِ الوقتِ ويحسبون أجزاءهُ في انتظار طلعتهِ البهيّة ومقدمهِ المهيبِ، فوالله إنّه ليتملّكني العجبُ كيف بقيتْ قلوبهم في الصدور ولم تنخلع منها فرحاً وتعظيماً لرؤيتهِ بعد أن خنقهم الوقتُ وأطبق على أنفاسهم في ترقّبِ ذلك القادم من عالم الغيبِ لينقذهم الله به من أسفل السافلين إلى أعلى العليين.
فإذ بالحبيبِ الشفيق صلى الله عليه وسلم يمسحُ عنهم شعثَ الشوقِ وسفحَ سوائمهِ بعذبِ خطابه قائلاً: "إنّهُ طرأ عليَّ جزئي من القرآن، فكرهت أجيءُ حتى أتمّه" يالله ما أرقهُ من عذرٍ يبديهِ هذا النبيُّ العظيمُ صلى الله عليم وسلّم، وكأنّهُ يستلطفُ قلوبهم التي ناءت بثقل أحمال الشوق والجوى بأنّهُ كان في لقاءٍ - وأيُّ لقاءٍ! - لا يقبلُ التأجيل ولا التسويفَ مع كلامِ الله وتلاوةِ آياتهِ، ومن ذا الذي تسمحُ نفسهُ وتطيبُ بتركِ الاستلذاذ بالقرآن والتنعّمِ بآياته مستقبلاً أمراً آخر كائناً ما كان الأمرُ!
إنَّ هذا لدرسُ الأولوياتِ في الدعوةِ والتعليمِ يا أرباب السلوكِ والتربيّةِ! أما واللهِ إنّهُ لا يعلو على تزكيةِ الروح وتطهيرها بكلام الله والتنعّم بالنظر في كتابهِ والتلذّذِ بتلاوة آياتهِ وسكبِ العبراتِ بين يدي تدبّر معاني القرآن شيءٌ.
إنّه القرآن، كلام ربّك، تنزيلٌ من حكيم حميدٍ، حين يهزّك الحنين والشوقُ إلى التبتّل في محرابِ التدبّر والتفكّر مسبلاً دمعاتِ الندم والأسف واللهفةِ والإجلال، فتغدو معها مباهج الحياة ومغانيها أحقرَ من ذرّة رملٍ في فلاة أبيّةٍ على الإحاطة.
ما الدّنيا؟ ما أموالها؟ ما مفاتنها؟ ما مغانيها؟ ما ملاعبُها؟ ما حطامها الزائلُ؟ ما القصورُ ما الدورُ؟ إنّها لتغدو قاعاً صفصفاً أمام ترنيم العبدِ وتغنّيه بكلام ربّهِ، فتغشاه سكينةُ الصالحين وتعلوه وضاءةُ الذاكرين ويذكرهُ ملك الملوك فيمن عنده، فإذا بالدنيا ريشةٌ تتقاذفها أعاصير الثقة بوعد الله والأنس بنعيمه.
هذا الحديثُ أصلٌ في مسألةِ تحزيب القرآن، والتحزيبُ للقرآن أن يُجعلَ على أجزاءٍ متسقةٍ تقرأ ورداً متصلاً في مدةٍ معلومةٍ، والتحزيبُ من سنن الصالحينَ وطرائقِ المنيبينَ وهدْي المُخبتينَ، وهو دأبٌ درجَ عليه السالكون طريق العبوديّة فما قصّروا عن تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النّهارِ، فكان لكلٍّ منهم زمنهُ المعروفُ يختم فيه تلاوة القرآنِ على مدى حياتهِ، وما بدّلوا تبديلاً.
وقد فهم ذلك أوسُ بن حذيفة - رضي الله عنهُ - راوي الحديثِ، فقاس الغائبَ - وهم الصحابة - على الحاضر - وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلّم -، فأيقن أنهم على دربه في تجزيء القرآن وتحزيبه سائرون ولهديه في ذلك مقتفونَ، ولهذا بادر بسؤال أصحابِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّمَ عن تحزيبهم للقرآن حتى يستنَّ بهم ويهتدي بهديهم، فأخبروه أنهم يجعلون القرآن أحزاباً كل حزبٍ يشتملُ على عددٍ من السورِ التامّةِ.
وظاهر هذا الحديثِ، إذا قرنت إليه إرشاد النبي صلى الله عليه وسلّم لعبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - كما في الصحيح بقوله: "واقرأ القرآن في كل سبع ليال مرة" يقضي بأنَّ المعمولَ به لدى الصحابةِ - رضوان الله عليهم جميعاً - هو ختمُ القرآن في سبعة أيام، وأنَّ هذا هو مقتضى السنّة في ذلك.


وقد بسط شيخ الإسلام ابن تيمية الكلام في موضوع تحزيب القرآن في مجموع الفتاوى، ولخّص مهمّاتِ الكلام عليها، ومن أهمِّ ما بيّنه الشيخُ في ذلك أنَّ طريقةَ الصحابةِ في تقسيم الأحزاب القرآنيّة كانت على السورِ التامة، فلم يكن الصحابة يحزّبون القرآن بحسب عددِ الأجزاءِ وأحزابها المعروفةِ في المصاحفِ الآن، فإن هذه وُضعتْ في زمن الحجاج بن يوسف بحسب عدِّ الآي والحروف ونحوها فيجعلون الحزب قدراً متسقاً من الحروف دون النظر إلى مطالع السور وخواتيمها أو الاعتبار للمعاني وتمامها، وأمّا الصحابةُ فإنهم كانوا يحزّبون القرآن بحسب السور التامة وهو ما يكونُ أعونَ على تدبّر كلام اللهِ تعالى إذ تتضمّن السورُ المعاني متصلة تامّةً فيستوفي القارئ للسور النظرَ في مجموع الآيات الواردة ويُحكمُ تدبّرها وفهمها دون أن ينقطع المعنى أو يقفَ على كلامٍ يتصلُ بما بعدهُ، فيفتتحون القراءة بما فتح الله به السور من المطالع العظيمة التي تأخذ بمجامع القلوب فتزلزلها هيبة وخضوعاً، ويختتمون بما ختم به من الخواتيم المحرّكة للأرواح.
ثمَّ إن كان التحزيبُ في مدةٍ تصلُ إلى الشهر فإنَّ القارئ يحتاجُ إلى فصلِ بعض السور كسورةِ البقرة فحينئذٍ يفصلُ للحاجةِ إلى ذلك على أن يكونُ تحزيبُ السورةِ بالوقوفِ عند المعاني التامةِ المستوفاة فيجعل سورة البقرة حزبين وهكذا.
وذهب بعض السلف إلى تحزيب القرآن على أسباعٍ لا تُراعي خواتيم السور، كما روى ابن أبي داود عن قتادة أنه جعل القرآن أسباعاً ينتهي السبع الأول عند الآية 76 من النساء، والثاني عند الآية 36 من الأنفال .. إلخ ما رواه ابن أبي داود في كتاب "المصاحف" 1/ 466، ولا ريب أنَّ طريقة الصحابة أقوم وأصوب.
وقد كان من عاداتِ بعض السادات من أهل العلم أن يجعلوا ختم القرآن في يومي الاثنين والخميس حتى يوافق ذلك ارتفاع الأعمال وعرضها على الله تعالى، فمن أراد أن يختم في كل أسبوعٍ محزّباً القرآن على طريقةِ الصحابةِ رضي الله عنهم فإنَّ عليه أن يبدأ القراءة يوم الجمعة حتى يختم يوم الخميس فيصيب فضل ارتفاع العمل حال ختم القرآن العظيم.
وإذا عرضنا للتحزيبِ المسبّع بحسب طريقة الصحابة التي أوردها أوس بن حذيفة - رضي الله عنه - في حديثهِ، وهي أيضاً طريقة أكثر السلف كما نقل ذلك عنهم النووي في كتابه "التبيان في آداب حملة القرآن" ص 61 فإنّهُ سوف يكون على النحو الآتي:
- اليوم الأول: 3 سور هي: البقرة وآل عمران والنساء.
- اليوم الثاني: 5 سور هي: المائدة والأنعام والأعراف والأنفال والتوبة.
- اليوم الثالث: 7 سور هي: يونس وهود ويوسف والرعد وإبراهيم والحجر والنحل.
- اليوم الرابع: 9 سور هي: الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والنور والفرقان
- اليوم الخامس: 11 سورة: الشعراء والنمل والقصص والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة والأحزاب وسبأ وفاطر ويس.
- اليوم السادس: 13 سورة: الصافات وص والزمر وغافر وفصّلت والشورى والزخرف والدخان والجاثية والأحقاف ومحمد والفتح والحجرات.
- اليوم السابع: 65 سورة وهي المفصّل: من سورة ق إلى آخر المصحف الشريف.
فهذه 113 سورة من المصحف، وتبقى فاتحة الكتاب وهي داخلة ضمن قراءة الثلاث الطوال الأولى ولكن لقصرها أُسقطت في العدِّ.
قال الدكتور عبدالعزيز الحربي في كتابه "تحزيب القرآن" ص108 - 109: "ولله هذا التحزيب ما أحسنه وما أجملهُ وما أجلّه، فقد جمع بين النظائر على نسقٍ، فلم يفصل بين الأنفال والتوبة، وهما كالسورة الواحدة، وجمع بين السور المفتتحة بالحروف المقطعة المختتمة بالراء، ولا فصل بين العتاق الأول (الإسراء والكهف ومريم وطه والأنبياء)، وجمع بين الطواسين (الشعراء والنمل والقصص)، وذوات "ألم" (العنكبوت والروم ولقمان والسجدة)، ولم يفصل بين الحواميم السبع، وجعل المفصل على حدة، ثمَّ هو فوق ذلك مقسّم في أعداده أحسن تقسيم بطريقة لا كلفة لمعرفتها وترتيبها على الأوتار: ثلاث، وخمس، وسبع .. إلخ".
وأقل ما وردتْ به السنّة في الختم أن يكون في ثلاثة أيام كما ورد بذلك توجيه النبي صلى الله عليه وسلّم لعبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - في الصحيح فهذا غاية ما يقع من العزيمة في ختم القرآن، وغاية ما روي من التوسعة والترخيص في ذلك مرفوعاً إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقرأ في أربعين يوماً كما في رواية أبي داود لحديث عبدالله بن عمرو وفيه: " اقرأه في أربعين يوماً"، وهذا غايته من جهة توسيع المدة وذلك غايته من جهة التضييق، فمن قرأه في أقل ذلك لم يكد يوفّقُ إلى تدبره والتمعّن في معانيه، ومن أدّاهُ حاله إلى قراءته في مدة تزيد عن الأربعين أوشك أن يحمله ذلك على التراخي والتواني، وخيرُ الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلّم وهدي أصحابهِ - رضي الله عنهم - وهو الختم ما بين السبع إلى الشهر.
على أنَّ الإمام النووي - رحمه الله - نقل في كتاب "التبيان في آداب حملة القرآن" ص 59 عن ابن أبي داود أنه روى ختم بعض السلف للقرآن في شهرين، فتكون غاية التوسعة في الختم أن يكون في شهرين بناءً على عمل بعض السلف، وإن كان الأكثرون على أنه لا ينبغي ترك الختم في أكثر من أربعين يوماً كما نقل ذلك الإمام أحمد رحمه الله.
وعلى هذا يكون تجزيء القرآن وتحزيبه بحسب مدة الختم، والمنقول عن السلف في ذلك تردده ودورانه بين أقصى مدته وهي الشهران وأدناها وهي الثلاثة أيام وما بين ذلك فالمنقول عنهم ختمه كل شهر، أو كل عشر ليال، أو ثمانٍ، أو سبعٍ، أو ستٍ، أو خمسٍ، أو أربعٍ، ذكر ذلك النووي في "التبيان" ص 59، وقد تتبع الدكتور عبدالعزيز الحربي في "تحزيب القرآن" ما روي من المدد الأخرى التي يُختم فيها سواءً بحسب الوارد من النصوص أو عملاً لدى السلف فذكر الختم في كل خمسة وعشرين يوماً، أو في عشرين، أو في خمسة عشر، أو في كل أحدى عشر، أو تسعة أيام، وهذين الأخيرين لم يجد أحداً نصَّ على الختم فيه غير أنّهُ ذكر للختم في كل أحد عشر يوماً مزيّة حسنةً تُراجعُ في كتابه ص 124 - 125.
فهذه 15 مدة يُمكن ختم القرآن فيها وتحزيبه، كلُّ حزب بحسب المدّة طولاً وقصراً: شهران، 40 يوماً، شهر، 25 يوماً، 20 يوماً، 15 يوماً، 11 يوماً، 10 أيام، 9 أيام، 8 أيام، 7 أيام، 6 أيام، 5 أيام، 4 أيام، 3 أيام.
وفي كتاب "تحزيب القرآن" جدول مفصّل بالمدد وما يناسبها من أحزاب القرآن وأجزائه، ولكل قارئ أن يختار منها ما هو ألصق بحاله وأرعى لظروفه، والكتاب جدير بالاطلاع وهو من مطبوعات دار ابن حزم.
ومن السلف من كان يختم ثمان ختمات منجّمة بين اليوم والليلة كما نقل النووي في "التبيان" ص 60 عن ابن الكاتب أنه كان يختم بالنهار أربع ختمات وبالليل أربع ختمات، ثم علّق النووي بقوله: "وهذا أكثر ما بلغنا من اليوم والليلة".
ومن النّاس من حملهُ حبُّ القرآن والتعلّقِ به إلى أن ختمهُ قراءة في ركعة واحدةٍ، فقد ثبت ذلك عن ريحانة القرّاءِ وإمامهم عثمان بن عفّان - رضي الله عنه - وثبت كذلك عن غيره بل قال النووي في "التبيان" ص 60: "وأما الذي يختم في ركعة فلا يُحصون لكثرتهم"، وسمعتُ من شيخنا العلامة العابد محمد بن محمد المختار الشنقيطي غير مرّة أنَّ والده ممن ختم القرآن في ركعةٍ واحدةٍ قام بها من الليل، وهذا وإن فعلهُ هؤلاء العبّاد الصالحون أصحاب المقامات العالية إلا أنه لم يكن لهم بعادة ولا طبعٍ، والأتم الأكمل هو سنّة النبي صلى الله عليه وسلّم وهديه بتوزيع القراءة على الأيام حتى يكون أعون على فهم القرآن وتدبّر آياته.
ثمَّ إنَّ هؤلاء الذين ختموا القرآن في أقل من ثلاثة أيام وإن خالفوا ظاهر الأمر النبوي بعدم قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام إلا أنَّ لبعضهم تأويلاً سائغاً في ذلك وهو ما ذكره المباركفوري في "تحفة الأحوذي" 8/ 273 بقوله: "ولو تتبعت تراجم أئمة الحديث لوجدت كثيراً منهم أنهم كانوا يقرؤون القرآن في أقل من ثلاث، فالظاهر أنَّ هؤلاء الأعلام لم يحملوا النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على التحريم".
وقد ذكر الشيخ مازن الغامدي - عليه رحمة الله - في كتابه الذي هو قطعة أثيرةٌ من روحهِ العذبةِ الشفّافة "رحلتي إلى النور" أنَّ الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين - رحمه الله - كان يقرأ في شهر رمضان كل يومٍ عشرة أجزاءٍ من القرآن، فيحصّل بذلك فضيلة ختم القرآن في كل ثلاثة أيام مرّة، وممّا ذكرهُ عن الشيخ أنّهُ دخل إلى مصلّى الجمعة الذي في مقدمة جامعه أحد الأيام من رمضان فختم عشرة أجزاء وهو يمشي في المصلى ذهاباً وإياباً.
وفي كتاب "تحزيب القرآن" ص 139 أنَّ الشيخ عبدالعزيز بن باز - رحمه الله - كان يختم القرآن في قيام الليل كل شهر مرّة يقرأ كل ليلةٍ جزءاً من القرآن في صلاته.
والهائمون بكتاب الله، المنقطعون إلى رياضهِ، المستعذبون لمعانيه وأحكامه كثرٌ، لا يزيدهم إقبال النّاس على الدنيا إلا تمسّكاً بالكتاب العزيز، وتطوافاً بمغانيه الروحانيّة، وحياضه الإيمانيّة، وعضاً عليه بالنواجذِ، ومن أعجب من وقفت على خبره في تتبّعِ كلام الله سماعاً وإسماعاً، وحرصاً على تلقّيهِ من الشيوخ الثقاتِ بأسانيده المتصلةِ الإمام أبو القاسم يوسف بن علي بن جبارة الهذلي المغربي، فقد أخذ القرآن عن 365 شيخاً من آخر المغرب إلى باب فرغانة يميناً وشمالاً وجبلاً وبحراً، حتى قال عن نفسه: "ولو علمت أحداً يقدم علي في هذه الطريقة في جميع بلاد الإسلام لقصدته"، قال فيه الذهبي في كتابه "معرفة القراء الكبار" - ط. طيار قولاج - 2/ 819: "إنما ذكرت شيوخه وإن كان أكثرهم مجهولين، ليُعلم كيف كانت همّة الفضلاء في طلب العلم"، وانظر أيضاً "منجد المقرئين" لابن الجزري ص 188 - 189.
لله هذه الهمم الصالحة في تعظيم القرآن تلاوة وتعلّماً وسماعاً!


يُستحبُّ ختم القرآن في رمضان، ولكن!
يستحب للمسلم أن يكثر من قراءة القرآن في رمضان ويحرص على ختمه، لكن لا يجب ذلك عليه، بمعنى أنه إن لم يختم القرآن فلا يأثم، لكنه فوت على نفسه أجوراً كثيرة.
قال النووي رحمه الله معلقاً على مسألة قدر ختمات القرآن:
" والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر، لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر يحصل له كمال فهم ما يقرؤه، وكذا من كان مشغولا بنشر العلم، أو غيره من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له.
وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهذرمة "."التبيان" (ص76).
ومع هذا الاستحباب والتأكيد على قراءة القرآن وختمه في رمضان، يبقى ذلك في دائرة المستحبات، وليس من الضروريات الواجبات التي يأثم المسلم بتركها.
و أما حديث ابن عمرو قال قال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث * [أبو داود 1394و الترمذي 2949وقال حديث حسن صحيح] فقد أجاب عنه الأئمة رضي الله عنهم.
قال ابن رجب: إنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصا في الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان و المكان، و هو قول أحمد و إسحاق و غيرهما من الأئمة و عليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره [لطائف المعارف 360]
قال الذهبي رحمه الله: و لو تلا و رتَّل في أسبوعٍ و لا زمَ ذلك لكان عملاً فاضلاً، فالدين يسر، فوالله إن ترتيل سبع القرآن في تهجد قيام الليل مع المحافظة على النوافل الراتبة و الضحى و تحية المسجد مع الأذكار المأثورة الثابتة و القول عند النوم و اليقظة و دبر المكتوبة والسحر، مع النظر في العلم النافع و الاشتغال به مخلصا لله مع الأمر بالمعروف و إرشاد الجاهل و تفهيمه و زجر الفاسق ونحو ذلك … لشغل عظيم جسيم و لمقام أصحاب اليمين و أولياء الله المتقين، فإن سائر ذلك مطلوب فمتى تشاغل العبد بختمة في كل يوم فقد خالف الحنيفية السمحة و لم ينهض بأكثر ما ذكرناه [السير 3/ 84 - 86]
سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: هل يجب على الصائم ختم القرآن في رمضان؟
فأجاب:
" ختم القرآن في رمضان للصائم ليس بأمر واجب، ولكن ينبغي للإنسان في رمضان أن يكثر من قراءة القرآن، كما كان ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يدارسه جبريل القرآن كل رمضان " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (20/ 516)
أيسر طريقة لختم القرآن فى رمضان
عدد صفحات المصحف = تقريباً 600 صفحة،
600 صفحه ÷ 30 يوم = 20 صفحه يومياً
20 صفحه يوميا ÷ 5 صلوات = 4 صفحات بعد كل صلاة
فقط أربع صفحات بعد كل صلاة!
والنتيجه = ختم القرآن الكريم كاملاً في الشهر!
ومن أراد أن يختم القرآن مرتين في الشهر؛
فالطريقة أيضاً سهلة جداً:
يقرأ 4 صفحات قبل كل صلاة
و 4 صفحات بعد كل صلاة
فما أعظمه من أجر ..




يتبع

ابوالوليد المسلم 08-04-2019 06:00 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

اللجنة العلمية





القرآن في رمضان: ما بين التلاوة والتّدبر!
يقع سؤال بعض الناس عن أيهما أفضل، قراءة القرآن بتدبر، أو قراءته على وجه الحدر، والاستزادة من كثرة ختمه إدراكًا لأجر القراءة؟
وهاتان العبادتان غير متناقضتين ولا متشاحَّتين في الوقت حتى يُطلب السؤال عن الأفضل، والأمر في هذا يرجع إلى حال القارئ، وقراء القرآن أصناف:
- الصنف الأول: العامة الذين لا يستطيعون التدبر، بل قد لا يفهمون جملة كبيرة من آياته، وهؤلاء لاشكَّ أن الأفضل في حقِّهم كثرة القراءة.
وهذا النوع من القراءة مطلوب لذاته لتكثير الحسنات في القراءة على ما جاء في الأثر: ((لا أقول " ألم " حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)).
-الصنف الثاني: العلماء وطلبة العلم، وهؤلاء لهم طريقان في القرآن:
الأول: كطريقة العامة؛ طلبًا لتكثير الحسنات بكثرة القراءة والخَتْمَاتِ.
الثاني: قراءته قصد مدارسة معانيه والتَّدبر والاستنباط منه، وكلٌّ بحسب تخصصه سيبرز له من الاستنباط ما لا يبرز للآخَر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأعود فأقول: إنَّ هذين النوعين من القراءة مما يدخل تحت تنوع الأعمال في الشريعة، وهما مطلوبان معًا، وليس بينهما مناقضة فيُطلب الأفضل، بل كلُّ نوعٍ له وقته، وهو مرتبط بحال صاحبه فيه.
ولا شكَّ أنَّ الفهم أكمل من عدم الفهم، لذا شبَّه بعض العلماء من قرأ سورة من القرآن بتدبر كان كمن قدَّم جوهرة، ومن قرأ كل القرآن بغير تدبر كان كمن قدَّم دراهم كثيرة، وهي لا تصلُ إلى حدِّ ما قدَّمه الأول.


ومما يحسن التنبيه على أمور تتعلق بتلاوة القرآن في رمضان:
الأمر الأول:

أن يتعرف المرء على نفسه، فليس الناس ذوي حال واحدة في العبادة، لكن من الخسارة أن يمرَّ على المسلم رمضان ولم يختم فيه القرآن، وتلك سُنَّةٌ سنَّها جبريل ـ عليه السلام ـ في مراجعة القرآن في رمضان مع رسول صلى الله عليه وسلم، وهي سنة ماضية عند المسلمين منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.
والملاحظ أنَّ كثيرًا من الناس ينشطون في أول الشهر في أعمال الخير، ومنها تلاوة القرآن، لكن سرعان ما يفترون بعد أيام منه، وترى فيهم الكسل عن هذه الأعمال باديًا.
ولأجل هذا فمن اعتاد من نفسه هذا الأسلوب فإن الأَولى له أن يرتِّب قراءته، ويخصِّص لكل يومٍ جزءًا، فإنه بهذا سيختم القرآن مرَّة في هذا الشهر، ولو استمرَّ على هذا الأسلوب في كل شهور السنة لاستطاع ذلك، والأمر يرجع إلى العزيمة والإصرار.
ولو أنَّ المسلم خصَّص لكل وقت من أوقات الصلوات الخمس أربع صفحاتٍ، فإنه سيقرأ في اليوم عشرين صفحة، وهذا ما يعادلُ جزءًا كاملاً في المصاحف الموجَّه المكتوبة في خمسة عشر سطرًا في الصفحة؛ كمصحف المدينة النبوية.
وبهذه الطريقة يكون مداومًا على عملٍ من أعمال الخير غير منقطع عنه، و"أحبَّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قَلَّ " كما قال صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثاني:
يحسن بمن يقرأ القرآن عمومًا، وبمن يقرأه في رمضان على وجه الخصوص = أن يكون معه تفسيرٌ مختصرٌ يقرأ فيه ليعلم معاني ما يقرأ، وذلك أدعى إلى تذوُّق القراءة والإحساس بطعم قراءة القرآن، وليس من يدرك المعاني ويَعلمها كمن لا يدركها.
ومع أهمية هذا الأمر، فإنك ترى كثيرًا من قارئي القرآن يغفل عنه، ولو خَصَّصَ القارئُ لنفسه كتابَ تفسيرٍ مختصرًا يرجعُ إليه على الدَّوام لأدرك كثيرًا من معاني القرآن.
ولقد عُني المسلمون في هذا العصر بتأليف بعض التفاسير المختصرة، تجد ذلك في بعض بلدان المسلمين، ومنها بلاد الحرمين التي أصدرت وزارتها للشؤون الإسلامية كتاب (التفسير الميسر) وهو اسم على مسمى، وهذا التفسير مع أنَّ الغرض منه الإفادة في الترجمة، إلا أنه نافع لعامة من يريد أن يعرف المعنى الجملي للآيات، ولا يعرف فضل الجهد الذي بُذِل فيه، والقيمة العلمية التي يحتويها إلا من مارس التعامل مع اختلاف المفسرين.
والمقصود أن يحرص المسلم على أن يكون له تفسير من هذه المختصرات يقرأ فيه ويداوم عليه كما يقرأ القرآن ليجتمع له في قراءته الأداء وفهم المعنى.
الأمر الثالث:
في حال قراءة القرآن تظهر ـ على وجه الخصوص عند طلاب العلم ـ بعض الفوائد أو بعض المشكلات، ولابدَّ من التقييد لهذه الفوائد أو المشكلات؛ لئلا تضيع.
إن هذا القرآن لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق من كثرة الردِّ، وبما أنه قرآن كريم مجيد (أي: ذا شرف في مبناه ومعناه، وذا سعة وفضل في مبناه ومعناه)، فإن ما يتعلق به من المعاني والاستنباطات كذلك، فهي معانٍ واستنباطات شريفة لشرف ذلك الكتاب، وكثيرة متسعة لا يحدُّها حدٌّ لمجد ذلك الكتاب.
ولما كان هذا حاله، فَلَكَ أن تتصور: كم من الفوائد التي ستكون بين يدي طلاب العلم لو أن كل عالمٍ كتب ما يتحصَّل له من التدبر أو المشكلات أثناء قراءته لكتاب الله تعالى؟!
مساعد الطيار.
فإن قلت: أيٌّ أفضل؟ أن يكثر الإنسان التلاوة أم يُقلِّلها مع التدبر و التفكر؟ قلت لك: اسمع ما قاله النووي.
قال النووي رحمه الله: و الاختيار أن ذلك يختلف بالأشخاص فمن كان من أهل الهم و تدقيق الفكر استحب له أن يقتصر على القدر الذي لا يختل به المقصود من التدبر و استخراج المعاني و كذا من كان له شغل بالعلم و غيره من مهمات الدين و مصالح المسلمين العامة يستحب له أن يقتصر منه على القدر الذي لا يخل بما هو فيه، و من لم يكن كذلك فالأولى له الاستكثارُ ما أمكنه من غير خروجٍ إلى الملل، و لا يقرؤه هذرمة!
(عادل باناعمة).
مسارات ثلاثة:
وإذا كان هذا شأن القرآن في رمضان فما أجدر العبد المؤمن أن يقبل عليه، و يديم النظر فيه، و إني أقترح على الأخ المؤمن الصادق أن يجعل له مع القرآن في هذا الشهر ثلاثة مسارات:
المسار الأول: مسار الإكثار من التلاوة و تكرار الختمات، فيجعل الإنسان لنفسه جدولا ينضبط به، بحيث يتمكن من ختم القرآن مرات عديدة ينال خيراتها و ينعم ببركاتها.
المسار الثاني: مسار التأمل و التدبر، فيستفتح الإنسان في هذا الشهر الكريم ختمة طويلة المدى يأخذ منها في اليوم صفحة أو نحوها مع مراجعة تفسيرها وتأمل معانيها، و التبصر في دلالاتها و استخراج أوامرها و نواهيها ثم العزم على تطبيق ذلك و محاسبة النفس عليه، و لا مانع أن تطول مدة هذه الختمة إلى سنة أو نحوها شريطة أن ينتظم القارئ فيها و يكثر التأمل و يأخذ نفسه بالعمل، و لعل في هذا بعض من معنى قول الصحابي الجليل: كنا نتعلم العشر آيات فلا نجاوزهن حتى نعلم ما فيهن من العلم و العمل.
المسار الثالث: مسار الحفظ و المراجعة، فيجعل لنفسه مقدارا يوميا من الحفظ و مثله من المراجعة، و إن كان قد حفظ و نسي فهي فرصة عظمى لتثبيت الحفظ و استرجاع ما ذهب، و لست بحاجة إلى التذكير بجلالة منزلة الحافظ لكتاب الله و رفيع مكانته، و حسبه أنه قد استدرج النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى له.
المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه يرى حرصهم على التلاوة بتدبر وتأمل، وفهم وتذكر، أكثر من حرصهم على كثرة القراءة وسرعتها، والإكثار من الختمات، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4)} [سورة المزمل 73/ 1 - 4]. أي اقرأه بترسل وتمهل؛ لأنه يحصل بذلك التدبر والتفكر، وتحريك القلوب به.
وهكذا كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها، وكانت قراءته مدًا.
وقال ابن مسعود: "لا تهذوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدَّقَل (15)، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة".
وقرأ علقمة على ابن مسعود، وكان حسن الصوت، فقال: رتِّل فداك أبي وأمي؛ فإنه زين القرآن.
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: دخلتْ عليَّ امرأة وأنا أقرأ سورة هود، فقالت: يا عبد الرحمن! هكذا تقرأ سورة هود؟! والله إني فيها منذ ستة أشهر وما فرغت من قراءتها.


لكن لا يعني هذا أن المسلم لا يقرأ بسرعة في بعض الأحيان؛ لكي يضبط حفظه، أو يُنهي ورده اليومي، بل إن القراءة في حد ذاتها ولو كانت سريعة فيها أجر وثواب، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قرأ حرفًا من كتاب الله، فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول الم حرف، ولمن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف)) (16).
ولهذا قال شعبة: حدثنا أبو جمرة، قال: قلت لابن عباس: إني رجل سريع القراءة، وربما قرأت القرآن في ليلة مرة أو مرتين، فقال ابن عباس: لأن أقرأ سورة واحدة أعجب إلي من أن أفعل ذلك الذي تفعل، فإن كنت لا بد فاعلاً فاقرأ قراءةً تُسمِعُ أُذنيك، ويعِيها قلبُك (17).
وعلى هذا يمكن أن نقول: إن ثواب قراءة الترتيل والتدبر أجل وأرفع قدرًا، وثواب كثرة القراءة أكثر عددًا؛ فالأول: كمن تصدق بجوهرة عظيمة، أو أوقف أرضًا في مكان مهم ترتفع قيمة العقار فيه، والثاني كمن تصدق بعدد كثير من الدراهم، أو أوقف عددًا من الأراضي كثيرة، لكنها في مكان بعيد، وقيمتها زهيدة (18).






آداب تلاوة القرآن الكريم
1 - إخلاص النية لله تعالى فيها، لأنّ تلاوة القرآن من العبادات الجليلة.
* وقد قال الله تعالى (فاعبد الله مخلصًا له الدين) (المزمل: 2).
* وقال تعالى (وما أمروا إلاّ ليعبدوا لله مخلصين له الدين حنفاء). (البينة: 5).
* وقال النبي صلى الله عليه وسلم ((اقروا القرآن وابتغوا به وجه الله عزّ وجل من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح يتعجلونه ولا يتأجّلونه)). رواه ((أحمد)).
ومعنى ((يتعجلونه)): يطلبون به أجر الدنيا.
2 - أن يقرأ بقلب حاضر، يتدبر ما يقرأ ويتفهم معانية ويخشع عند ذلك قلبه، ويستحضر أن الله يخاطبه في هذا القرآن؟ لأن القرآن كلام الله عز وجلَّ.
* ومن آدابها: أن يقرأ على طهارة؟ لأن هذا من تعظيم كلام الله عز وجل، ولا يقرأ القرآن وهو جنب حتى يغتسل إن قدر على الماء أو يتيمم إن كان عاجزًا عن استعمال الماء لمرض أو عدم وجود الماء
3 - أن لا يقرأ القرآن في الأماكن المستقذرة أو في مجمع لا ينصت فيه لقراءته، لأن قراءته في مثل ذلك إهانة له. ولا يجوز أن يقرأ القرآن في بيت الخلاء ونحوه مما أعد للتبول أو التغوّط، لأنه لا يليق بالقرآن الكريم.
4 - أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند إرادة القراءة:
*لقوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) ولئلا يصدَّه الشيطان عن القراءة أو كمالها.


5 - أن يحسن صوته بالقرآن ويترنم به.
• لما في ((الصحيحين)) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبيّصلى الله عليه وسلم قال: ((ما أذن الله لشيء - أي: ما استمع لشيء - كما أذن لنبيِّ حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به)).
• و فيهما عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: ((سمعت النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحدًا أحسن صوتاً أو قراءةً منه))
لكن إن كان حول القارئ أحد يتأذى بجهره في قراءته كالنائم والمصلي ونحوهما فإنه لا يجهر جهرًا يشوش عليه أو يؤذيه.
• لأنًّ النبي صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: ((كلكم يناجي ربه فلا يجهر بعضكم على بعض في القرآن)) رواه ((مالك)) في ((الموطأ)، قال ابن عبد البر: وهو حديث صحيح.


6 - أن يرتل القرآن ترتيلاً:
• لقوله تعلى (ورتل القرآن ترتيلاً) (المزمل: 4).
فيقرأه بتمهل بدون سرعة لأنَّ ذلك أعون على تدبر معانيه وتقويم حروفه وألفاظه.
• وفي ((صحيح البخاري)): عن أنس بن مالك رضي الله عنه ((أنه سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((كانت مدًّا ثم قرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد: (بسم الله) ويمد: (الرحمن) ويمد (الرحيم))).
• وسئلت أم سلمة رضي الله عنها عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ((كان يقطع قراءته آيةً آيةً ((بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله ربِّ العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين) رواه ((أحمد)) و ((أبو داود)) و ((الترمذي)).
• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ((لا تنثروه نثر الرمل ولا تهذوه هذَّ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكن هم أحد كم آخر السورة)) ,
ولا بأس بالسرعة التي ليس فيها إخلال باللفظ بإسقاط بعض الحروف أو إدغام ما لا يصح إدغامه فإن كان فيها إخلال باللفظ فهي حرام، لأنها تغيير للقرآن.


7 - أن يسجد إذا مر بآية سجدة وهو على وضوء في أي وقت كان من ليل أو نهار، فيكبر للسجود ويقول: ((سبحان ربي الأعلى))، ويدعو، ثم يرفع من السجود بدون تكبير ولا سلام، لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يكون السجود في أثناء الصلاة فإنه يكبر إذا سجد وإذا أقام.
• لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: ((أنه كان يكبر في الصلاة كلما خفض ورفع ويحدث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك)) رواه ((مسلم)).
• وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود)) رواه ((أحمد)) و ((النسائي)) و ((الترمذي)) وصححه.
وهذا يعم سجود الصلاة وسجود التلاوة في الصلاة.
هذه بعض آداب القراءة، فتأدبوا بها واحرصوا عليها وابتغوا بها من فضل الله.




وسائل تدبُّر القرآن
ومن أهم الوسائل التي تعين على التدبر:
1 - تفريغ القلب من الانشغال بغير الله، والتفكر في غير كتابه، فاقرأ القرآن وقلبك فارغ من كل شيء إلا من الله، ومحبته، والرغبة في فهم كلامه، قال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)} [سورة ق 50/ 37].
2 - الترتيل عند قراءة القرآن، وتحسين الصوت به، وتحزينه، فإنه معين على التدبر والتأمل، ولهذا يجد الإنسان من نفسه حب سماع القرآن حين يقرأ به القارئ الماهر، ذو الصوت الحسن، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وقف مرة يستمع لقراءة أبي موسى، وقال إنك قد أعطيت مزمارًا من مزامير آل دواد.


ومعرفة التجويد وضبط قراءة القرآن على شيخ متقن، من أهم الأمور التي تعين على الترتيل؛ لأن التجويد هو إعطاء الحروف حقها ومستحقها، وإنما يكون ذلك بتعلم كيفية القراءة الصحيحة.
3 - استشعار عظمة الله، وأنه يكلمك بهذا القرآن، حتى كأنك تسمعه منه الآن، قال سلْم الخواص: "قلت لنفسي: اقرئي القرآن كأنك سمعتيه من الله حين تكلم به؛ فجاءت الحلاوة" (10). أي أنه لما استشعر هذا المعنى، وحمل نفسه على التفكر بهذا الفكر أحس بحلاوة القرآن، ولهذا روي عن علي أنه قال: "إذا أردتُ أن يكلمني الله قرأت القرآن، وإذا أردت أن أكلم الله قمت إلى الصلاة".
4 - محاولة فهم معاني القرآن، بالرجوع إلى التفاسير التي تهتم ببيان المعنى، دون دخول في دقائق اللغة والإعراب، أو المسائل الفقهية، ومن أحسن هذه التفاسير تفسير ابن كثير، وتفسير ابن سعدي، وتفسير سيد قطب، وإن كان فيه بعض الأمور التي ينبغي أن يتنبه لها المسلم، لكنه جيد من حيث بيان المعنى، فهو يذكر أمورًا جليلة جملية.
أما إن كان الإنسان لديه همة وحرص فإنه يستطيع أن يراجع كتب التفسير الأخرى التي تفيض في بيان المعاني، وتذكر كثيرًا من الفوائد الجمة.


5 - ربط القرآن بواقعك الذي تعيش فيه، وذلك بالنظر في المواعظ التي يذكرها، والقصص التي يحكيها، وكيف أن الله أهلك أممًا كثيرة لما كذبوا وأعرضوا، وأن هذا المصير ينتظر كل من أعرض عن الله، وكفر برسله، مهما كانوا في قوة وعزة.
وأيضًا: بالعمل بالأحكام التي فيه، فمثلاً إذا قرأت قول الله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً (36)} [سورة الإسراء 17/ 36]، فإنك تحمل نفسك على عدم الكلام إلا في شيء تعلمه، وتمتنع عن الكلام في أمر لا تعلمه.
وإذا قرأت قول الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [سورة ق 50/ 18]، انتهيت عن الكلام الباطل، وما لا نفع فيه؛ لأن كل كلمة تقولها فهي مرصودة.
وهكذا كان الصحابة يفعلون، فعن عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: أخذنا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم (11).
6 - معرفة بعض الأبحاث العلمية، التي تعتمد على التجارب الحسية، والتي تسمى بالحقائق العلمية؛ ففيها فوائد جمة، وزيادة فهم لمعنى الآية، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53)} [سورة فصلت 41/ 53].




ثمرات التدبر
1 - حصول اليقين في القلب، كما قال تعالى: {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ} [سورة الجاثية 20]، فمن قرأ القرآن بتدبر وتأمل حصل له اليقين التام؛ لأن القرآن كالماء العذب، والقلب كالشجرة التي لا تستطيع أن تعيش وتنمو إلا بهذا الماء، فالقلب كلما تفكر في معاني كلام الله حصل له الري والشبع، والنمو والاستقرار، والثبات والعلو، ولَمَّا علم الله حاجة القلب إلى مثل ذلك كرر هذه المعاني الشريفة في كتابه، ونوع في بيانها، وضرب لها الأمثال، وصرف فيها من أنواع القول ما يحصل به للقلوب المتدبرة حياة لا تموت معه أبدًا.
2 - زيادة الإيمان، قال تعالى: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)} [سورة التوبة 9/ 124]، وإنما ازداد المؤمنون إيمانًا بسبب فهمها، واعتقاد ما فيها، والعمل بها، والرغبة في فعل الخير، ثم مع ذلك مستبشرون، يبشر بعضهم بعضًا بهذه المنة العظيمة، من إنزال الآيات وفهمها، والعمل بها، مما يدل على أن صدورهم منشرحة، وقلوبهم مطمئنة، فيبادرون إلى العمل مع فرح واستبشار.
أما المنافقون، ومن في قلوبهم مرض؛ فبسبب إعراضهم عن الفهم والتدبر يسأل بعضهم بعضًا أيكم زادته هذه إيمانًا؟! فلا يرون في هذه الآية زيادة إيمان، بل ربما زادتهم شكًا إلى شكهم، ومرضًا إلى مرضهم، بسبب إعراضهم عن فهمها وتدبر معانيها.
3 - حصول العلم الصحيح، ودفع الشبه عن القلب، قال تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)} [سورة فصلت 41/ 44]، أي هذا القرآن يهدي المؤمنين إلى العلم الصحيح، الذي يثمر لهم العلم النافع، ويدفع عنهم أمراض القلوب والأبدان، فلا يكون في قلوبهم شك ولا ريب؛ لأنهم فهموا مراد الله، وعرفوا مقصوده؛ فاندفعت عنهم الأخلاق السيئة، والأعمال القبيحة.
4 - الإعراض عن الدنيا، والتعلق بالآخرة، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38)} [سورة التوبة 9/ 38]، وقال تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)} [سورة طه 20/ 131]، قال الحسن: "يا ابن آدم: والله إن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حُزْنُك، وليشتدَّنَّ في الدنيا خوفُك، وليكثُرَنَّ في الدنيا بكاؤك".
5 - معرفة حقيقة الدنيا، وأنها ظل زائل، ما جمعت إلا لتفرق، وما أضحكت إلا لتبكي، وما أعطت إلا لتسلُب، كثيرها قليل، قال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)} [سورة يونس 10/ 24]
6 - الاعتصام والاجتماع في مقابل الفرقة والتشرذم، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)} [سورة آل عمران 3/ 103].
7 - الشعور بالأمن من المخاوف والعذاب والشقاء، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82)} [سورة الأنعام 6/ 82].
8 - حصول الرهبة والخوف، ثم الرجاء والطمأنينة، قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)} [سورة الزمر 39/ 23]، فحين نسمع آيات الوعيد والتهديد، يحصل للقلوب قشعريرة وخوف، تخشى أن يقع بها هذا الوعيد؛ فإذا سَمِعتْ آيات الوعد والترغيب حصل لها اللين والاطمئنان، وهذا من هُدى الله الذي يهدي به من يشاء.
يتبع

ابوالوليد المسلم 10-04-2019 04:35 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
فوائد الجوع وأثرها في تحقيق التّقوى
اللجنة العمية

في الجوع عشر فوائد هي:
الفائدة الأولى: صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنقاذ البصيرة, فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معان الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك, بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك.
ويقال: مثل الجوع مثل الرعد, ومثل القناعة مثل السحاب, والحكمة كالمطر.
الفائدة الثانية: رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر, فكم من ذكر يجري على اللسان مع حضور القلب ولكن القلب لا يتلذذ به ولا يتأثر حتى كأن بينه وبينه حجاباً من قسوة القلب.
قال أبو سليمان الداراني: أحلى ما تكون إليَّ العبادة إذا التصق ظهري ببطني.
الفائدة الثالثة: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى, فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع, فعنده تسكن لربها وتخشع له وتقف على عجزها وذلها إذا ضعفت منتها وضاقت حيلتها بلقيمة طعام فاتتها, وأظلمت عليها الدنيا لشربة ماء تأخرت عنها. وما لم يشاهد الإنسان ذل نفسه وعجزه لا يرى عزة مولاه ولا قهره, وإنما سعادته في أن يكون دائماً مشاهداً نفسه بعين الذل والعجز ومولاه بعين العز والقدرة والقهر.
الفائدة الرابعة: أن لا تنسى بلاء الله وعذابه, ولا ينسى أهل البلاء, فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع, والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا يتذكر بلاء الآخرة, فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة, ومن جوعه جوع أهل النار, حتى أنهم ليجوعون فيطعمون الضريع والزقوم ويسقون الغساق والمهل, فلا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها, فإنه هو الذي يهيج الخوف, فمن لم يكن في ذلة ولا علة ولا قلة ولا بلاء نسي عذاب الآخرة ولم يتمثَّل في نفسه ولم يغلب على قلبه, فينبغي أن يكون العبد في مقاساة بلاء أو مشاهدة بلاء, وأولى ما يقاسيه من الجوع فإن فيه فوائد جمة سوى تذكر عذاب الآخرة.
الفائدة الخامسة: وهى من أكبر الفوائد: كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء, فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى, ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة, فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة, وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه, والشقاوة في أن تملكه نفسه, وكما أنك لا تملك الدابة الجموح إلا بضعف الجوع فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت, فكذلك النفس. إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا.
وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد.
ولذلك قيل: الجوع خزانة من خزائن الله تعالى, وأقل ما يندفع بالجوع: شهوة الفرج وشهوة الكلام, فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والفحش والكذب والنميمة وغيرها, فيمنعه الجوع من كل ذلك, وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكه لا محالة بأعراض الناس, ولا يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم.
وأما شهوة الفرج فلا تخفى غائلتها, والجوع يكفي شرها. وإذا شبع الرجل لم يملك فرجه, وإن منعته التقوى فلا يملك عينه, فالعين تزني, فإن ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره, فيخطر له من الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب الشهوة ما يتشوش به مناجاته, وربما عرض له ذلك في أثناء الصلاة.
الفائدة السادسة: دفع النوم ودوام السهر, فإن من شبع شرب كثيراً ومن كثر شربه كثر نومه, وفي كثرة النوع ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب, والعمر أنفس الجواهر, وهو رأس مال العبد فيه يتجر, والنوم موت فتكثيره ينقص العمر, ثم فضيلة التهجد لا تخفى وفي النوم فواتها. ومهما غلب النوم فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة. فالنوم منبع الآفات, والشبع مجلبة له, والجوع مقطعة له.
الفائدة السابعة: تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل, وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه, ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال, ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه. والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه.


قال السري: رأيت مع علي الجرجاني سويقاً يستف منه فقلت: ما حملك على هذا؟ قال: إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة.
فانظر كيف أشفق على وقته ولم يضيعه في المضغ.
وكل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها, فينبغي أن يستوفي منه خزانة باقية في الآخرة لا أخر لها بصرفه إلى ذكر الله وطاعته.
ومن جملة ما يتعذر بكثرة الأكل الدوام على الطهارة وملازمة المسجد, فإنه يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء وإراقته. ومن جملته الصوم فإنه يتيسر لمن تعود الجوع, فالصوم ودوام الاعتكاف ودوام الطهارة وصرف أوقات شغله بالأكل وأسبابه إلى العبادة أرباح كثيرة, وإنما يستحقرها الغافلون الذين لم يعرفوا قدر الدين لكن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها: } يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ{([1]).
وقد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع فقال: من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة, وتعذر حفظ الحكمة, وحرمان الشفقة على الخلق لأنه إذا شبع ظنّ أن الخلق كلهم شباع, وثقل العبادة, وزيادة الشهوات, وأن أول سائر المؤمنين يدورون حول المساجد, والشباع يدورون حول المزابل.


الفائدة الثامنة: يستفيد من قلة الأكل صحة البدن ودفع الأمراض, فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضله الأخلاط في المعدة والعروق. ثم المرض يمنع من العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر, وينغص العيش, ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب, وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي واقتحام الشهوات, وفي الجوع ما يمنع ذلك كله.
حكي أن الرشيد جمع أربعة أطباء: هندي, ورومي, وعراقي, وسوادي, وقال: ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه, فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الإهليلج الأسود, وقال العراقي: هو حب الرشاد الأبيض, وقال الرومي: هو عندي الماء الحار, وقال السوادي وكان أعلمهم: الإهليلج يعفص المعدة وهذا داء, وحب الرشاد يزلق المعدة وهذا داء, والماء الحار يرخي المعدة وهذا داء, قالوا: فما عندك؟ فقال: الدواء الذي لا داء معه عندي أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه, وأن ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه, فقالوا: صدقت.


الفائدة التاسعة: خفة المؤنة, فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير, والذي تعود الشبع صار بطنه غريماً ملازماً له أخذ بمخنقه في كل يوم, فيقول ماذا تأكل اليوم؟ فيحتاج إلى أن يدخل المداخل, فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذل, وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية الذل والقماءة, والمؤمن خفيف المؤنة.
وقال بعض الحكماء: إني لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي.
وقال آخر: إذا أردت أن استقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي.
وكان إبراهيم بن أدهم رحمه الله يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقولون إنها غالية, فيقول: أرخصوها بالترك.
وقال سهل رحمه الله: الأكول مذموم في ثلاثة أحوال: إن كان من أهل العبادة فيكسل وإن كان مكتسباً فلا يسلم من الآفات, وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه.


الفائدة العاشرة: أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين, فيكون يوم القيامة في ظل صدقته.
فما يأكله كان خزانته الكنيف, وما يتصدق به كان خزانته فضل الله تعالى, فليس للعبد من ماله إلا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى، فالتصدق بفضلات الطعام أولى من التخمة والشبع!
وكلُّ هذه الفوائد ممّا يؤثر على التّقوى ويُنمّيها!




مراتب التّقوى
ذكر بعض أهل العلم أن للتقوى ثلاث مراتب:
المرتبة الأولى:
التوقي عن كل ما يخلد صاحبه في النار وعليه قوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ} [(26) سورة الفتح] بمعنى أن الإنسان يقي نفسه من العذاب المخلد في النار وذلك بالتبرؤ من الكفر بجميع أنواعه، وأن يتبرأ من الشرك بكل أشكاله الظاهر منه والباطن، فـ {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [(48) سورة النساء].


المرتبة الثانية:
تجنب كل ما يؤدي إلى الإثم من فعل أو ترك، وهي مرتبة المجاهدة وحمل النفس على فعل المأمورات وترك المنهيات، وهي أيضاً مرتبة النفس اللوامة التي تلوم نفسها لِمَ لا تستزيد من الخير، وتلوم نفسها لِمَ فعلت الذنب.
قال الحسن البصري -رحمه الله-: النفس اللوامة: هي والله نفس المؤمن، ما يُرى إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ وما أردت بأكلي؟ وما أردت بحديث نفسي؟ والفاجر لا يحاسب نفسه.
هذه المرتبة هي مرتبة النفس المتيقِّظة التقية الخائفة المتوجسة التي تحاسب نفسها وتجاهدها، وتتلفت حولها، وتتبين هداها، وتحذر خداع ذاتها، هي النفس الكريمة على الله التي أقسم الله بها في كتابه، وقرنها بيوم القيامة في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [(1،2) سورة القيامة]. هذه المرتبة يراقب التقي فيها طاعته لربه أن يكون مخلصاً فيها، ويراقب فيها معصيته وذلك بالتوبة والندم والإقلاع قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [(201) سورة الأعراف].
وهكذا تستقيم أحوال العبد وتشرق الهداية في قلبه باستمرار مجاهدته لنفسه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُ مْ سُبُلَنَا} [(69) سورة العنكبوت] فيبتعد شيئاً فشيئاً عن المعصية ويقترب رويداً رويداً من طاعة ربه ورضوانه حتى يتمكن من نفسه ويسلس قيادها لله، قال الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [(16) سورة التغابن] وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [(17) سورة محمد].


المرتبة الثالثة:
أن يتنزه المرء عن كل ما يشغل سره عن الحق -تبارك وتعالى- ويتبتل إليه بكليته. وهذه مرتبة التقي الذي تجرد بكليته إلى الله، وامتلأ قلبه بحب الله، واطمأنت نفسه بالأنس به، فلم تعد تحدثه بمعصية، ثم يرتقي بعد ذلك في منازل الطاعات والمجاهدات، فهو حيث أمر الله موجود، وحيث نهى الله مفقود، وضع قدمه في طريق التقوى الفسيح، وتقدم فيه ما وسعه التقدم تحقيقاً لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [(102) سورة آل عمران]، فهو يجاهد في الله حق جهاده، ويخشى الله حق خشيته، ويطيع الله حق طاعته، ويتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم- حق اتباعه، ويدعو إلى سبيله حق دعوته، ولا يزال يرتقي في هذا السبيل القويم حتى يصل إلى مرتبة الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه، فيلاحظ أمر الله ورقابته في كل قول وعمل وتصرف، وابتعد عنه الشيطان وتخلص من وساوسه؛ لأنه دائم الذكر لله، دائم التفكير بعظمته وجلاله وقدرته، فإنك لا ترى العبد في هذه المرتبة إلا ذاكراً قانتاً متفكراً مجاهداً عاملاً، همّه رضا الله، وهمّه الآخرة، فهو من الذين عقلوا عن الله، وعلموا عن الله جلاله وعظمته ورحمته وإنعامه، فاستغرقوا في الحمد والشكر والثناء على هذه الآلاء قال الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [(9) سورة الزمر] وهذه هي النفس المطمئنة، المطمئنة إلى ربها المطمئنة إلى طريقها، المطمئنة إلى قدر الله فيها، المطمئنة في السراء والضراء وحين البأس، وفي البسط والقبض، وفي المنع والعطاء، المطمئنة فلا ترتاب، والمطمئنة فلا تنحرف، والمطمئنة فلا تغفل، والمطمئنة فلا تضعف ولا تخضع، والمطمئنة فلا تتلجلج في الطريق، والمطمئنة فلا ترتاع في يوم الهول والرعب، يغمرها جو الأمن والرضا والطمأنينة في مشهد من الود والقربى والسكينة، وتهب عليها ريح الجنة الرضية الندية، وتتجلى عليها طلعة الرحمن -سبحانه وتعالى-: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة ُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} [(27 - 30) سورة الفجر]. قال الله تعالى: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا} [(63) سورة مريم].






ثمرات التقوى
للشيخ ناصر بن محمد الأحمد:
قال الله تعالى: {وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [(132) سورة طه] فما هي عواقب التقوى وما هي ثمراتها؟
إن عواقب التقوى وثمراتها كثيرة وكثيرة جداً فمن ذلك:
الانتفاع بالقرآن الكريم والهداية به:
قال الله تعالى: {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [(1 - 2) سورة البقرة] هل تريد أن تنتفع بالقرآن؟، هل تريد أن تهتدي بهدي القرآن؟، لا سبيل لك إلى ذلك إلا بالتقوى، فالتقوى في القلب هي التي تؤهل المرء للانتفاع بكتاب الله، التقوى هي التي تفتح مغاليق القلب لهذا القرآن فيدخل ليؤدي دوره هناك.
المكانة العالية عند الله والارتفاع فوق الكفرة والساخرين:
قال الله تعالى: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [(212) سورة البقرة].
ومنها: تعليم الله -تبارك وتعالى- للمتقين: {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [(282) سورة البقرة].
الجنات والأنهار والخلود والأزواج المطهرة ورضوان الله:
وهل تتمنى يا عبد الله شيئاً أكثر من هذا، الجنات والأنهار والخلود والأزواج المطهرة ورضوان الله، قال الله تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [(15) سورة آل عمران].
محبة الله -عز وجل-:
قال الله تعالى: {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [(76) سورة آل عمران] وقال سبحانه: {فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [(7) سورة التوبة].
وهل هناك شيء يتمناه العبد بعد محبة الله تعالى له؟.
معيَّة الله لعبده:
{وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [(194) سورة البقرة] قال الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ} [(128) سورة النحل]. أية قوة؟ وأي سلطان؟ وأي حماية ورعاية وأمان والله مع عبده، معية نصر وتأييد وحماية ورعاية، فلستم وحدكم أيها المتقون، ولستم وحدكم أيها المؤمنون، إنكم في معية العلي الجبار القادر القاهر فنعم المولى ونعم النصير.
انتفاء الخوف والحزن وحصول الفوز والبشارة:
قال الله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [(62 - 64) سورة يونس].
فتح البركات من السماء والأرض:
{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [(96) سورة الأعراف].
الحفظ من وساوس الشيطان:
كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [(201) سورة الأعراف].
النجاة من النار:
قال الله تعالى: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [(71 - 72) سورة مريم]. ولو لم يأتك يا عبد الله إلا هذا لكفاك!
الانضمام لوفد الرحمن:
قال الله تعالى: {يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا} [(85) سورة مريم] في مشهد من مشاهد القيامة، يَقدُم المتقون على الرحمن وفداً في كرامة وحسن استقبال تتلقاهم الملائكة، بعكس المجرمين الذين يساقون إلى جهنم كما تساق القطعان، ولا شفاعة يومئذٍ إلا لمن اتقى وعمل صالحاً.
إصلاح العمل وغفران الذنوب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [(70 - 71) سورة الأحزاب].
قال الله تعالى: {هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ} [(49) سورة ص].
الغرف التي فوقها غرف:
{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ} [(20) سورة الزمر].
أنك تؤتى يا عبد الله كفلان من الرحمة والنور والمغفرة:
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [(28) سورة الحديد].
النَّجاة من كيد الأعداء:
كما قال سبحانه: {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [(120) سورة آل عمران] وكم الأمة محتاجة إلى هذا، في وقت تكالب عليها أعدائها من كل جانب.
قبول العمل:
قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [(27) سورة المائدة].






تأثير المعاصي والآثام على الصيام

كان الصحابة وسلف الأمة يحرصون على أن يكون صيامهم طُهرة للأنفس والجوارح، وتَنزُّهًا عن المعاصي والآثام..
قال عمر بن الخطاب: ليس الصيام من الشراب والطعام وحده، ولكنه من الكذب والباطل واللغو.
وقال جابر بن عبد الله الأنصاري: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، والمأثم، ودع أذى الخادم، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك ولا تجعل يوم فطرك ويوم صومك سواء..
وروى طليق بن قيس عن أبي ذر قال: إذا صمت فتحفظ ما استطعت. وكان طليق إذا كان يوم صيامه، دخل فلم يخرج إلا إلى صلاة..
وكان أبو هريرة وأصحابه إذا صاموا جلسوا في المسجد، وقالوا: نُطهر صيامنا.
وعن حفصة بنت سيرين من التابعين قالت: الصيام جنة، ما لم يخرقها صاحبها، وخرقها الغيبة!.
وعن إبراهيم النخعي قال: كانوا يقولون: الكذب يفطِّر الصائم!.
وعن ميمون بن مهران: إن أهون الصوم ترك الطعام والشراب (ذُكر هذه الآثار كلها ابن حزم في المُحلى -6 / 475، 476).
ومن أجل ذلك ذهب بعض السلف إلى أن المعاصي تفطِّر الصائم فمن ارتكب بلسانه حرامًا كالغيبة والنميمة والكذب، أو استمع بأذنه إلى حرام كالفحش والزور، أو نظر بعينه إلى حرام كالعورات ومحاسن المرأة الأجنبية بشهوة، أو ارتكب بيده حرامًا كإيذاء إنسان أو حيوان بغير حق، أو أخذ شيئًا لا يحل له، أو ارتكب برجله حرامًا، بأن مشى إلى معصية، أو غير ذلك من أنواع المحرمات، كان مفطرًا.
فاللسان يُفطِّر، والأذن تُفطِّر، والعين تُفطِّر، واليد تُفطِّر، والرجل تُفطِّر، كما أن البطن تُفطِّر، والفرج يُفطِّر.
وإلى هذا ذهب بعض السلف: أن المعاصي كلها تُفطِّر، ومن ارتكب معصية في صومه فعليه القضاء، وهو ظاهر ما روي عن بعض الصحابة والتابعين.
وهو مذهب الإمام الأوزاعي.
وهو ما أيده ابن حزم من الظاهرية.
وأما جمهور العلماء: فرأوا أن المعاصي لا تُبطل الصوم، وإن كانت تخدشه وتصيب منه، بحسب صغرها أو كبرها.
وذلك أن المعاصي لا يسلم منها أحد، إلا من عصم ربك، وخصوصًا معاصي اللسان ؛ ولهذا قال الإمام أحمد: لو كانت الغيبة تفطّر ما كان لنا صوم!.
هذا والإمام أحمد من هو وهو في ورعه وزهده وتقواه، فماذا يقول غيره؟!.
ويؤكد هؤلاء العلماء: أن المعاصي لا تبطل الصوم، كالأكل والشرب، ولكنها قد تذهب بأجره، وتضيع ثوابه.
والحق أن هذه خسارة ليست هينة لمن يعقلون، ولا يستهين بها إلا أحمق. فإنه يجوع ويعطش ويحرم نفسه من شهواتها، ثم يخرج في النهاية ورصيده (صفر) من الحسنات!.
يقول الإمام أبو بكر بن العربي في شرح حديث: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس للّه حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".
(مقتضى هذا الحديث: أن من فعل ما ذُكر لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه).
وقال العلامة البيضاوي:.
(ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع، والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر اللّه إليه، نظر القبول، فيقول: " ليس للّه حاجة " مجاز عن عدم قبوله فنفى السبب وأراد المسبب والله أعلم).





يقول السائل:
هل للمعاصي والآثام التي يرتكبها الإنسان في نهار رمضان تأثير على الصيام كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها؟
الجواب:
يقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَءَامَن ُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} "ولعل" في لغة العرب تفيد الترجي فالذي يرجى من الصوم تحقق التقوى أي أن الصوم سبب من أسباب التقوى.
وبناء على ذلك فليس الصوم هو مجرد الامتناع عن المفطرات الثلاث الطعام والشراب والشهوة فحسب بل لا بد من صوم الجوارح أيضاً، فاليد لا بد أن تكف عن أذى الناس، والعين لا بد أن تكف عن النظر إلى المحرمات والأذن لا بد أن تكف عن السماع للمحرمات واللسان لا بد أن يكف عن المحرمات كالغيبة والنميمة والكذب ونحوها، والرِجل لا بد أن تكف عن المحرمات فلا تمشي إلى ما حرم الله.


إن الصائم مأمور بتقوى الله عز وجل وهي امتثال ما أمر الله واجتناب ما نهى الله عنه وهذه طائفة عطرة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تشير إلى هذه المعاني:
1. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابَّه أحد أو قاتله فليقل إني صائم) رواه البخاري ومسلم.
2. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري.
3. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل إني صائم إني صائم) رواه ابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم وصححه العلامة الألباني.
4. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب صائم ليس له بصيامه إلا الجوع ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر) رواه النسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح على شرط البخاري وصححه العلامة الألباني.


فهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها أن الصوم لا يقصد به مجرد الامتناع عن الطعام والشراب، بل لا بد من صوم الجوارح عن المعاصي، فعلى الصائم أن يجتنب كل المحرمات ويلتزم بكل ما أمر الله سبحانه وتعالى به حتى تتحقق فيه معاني الصوم الحقيقية، وإن لم يفعل ذلك فإنه لا ينتفع بصومه ويكون نصيبه من صومه مجرد الجوع والعطش، والعياذ بالله، كما أشار إلى ذلك الحديث الأخير، وله رواية أخرى وهي: (رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر) وهي رواية صحيحة.
فالأصل في المسلم الالتزام بشرع الله كاملاً وأن يأتي بالعبادات كما أرادها الله سبحانه وتعالى، بأن تكون هذه العبادات محققة لثمارها الإيجابية في سلوك المسلم وحياته، وأما إن كانت الصلاة مجرد حركات خالية من روحها والصوم مجرد جوع وعطش، والزكاة للرياء والسمعة والحج للشهرة واللقب فقد خاب المسلم وخسر وحبط عمله وكان من المفلسين يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار) رواه مسلم وابن حبان والترمذي والبيهقي وأحمد. وبناء على كل ما تقدم نرى أن المعاصي والآثام لها تأثير واضح في الصيام فهي تفسد المعنى الحقيقي للصيام ولكنها لا تعد من المفطرات.






علامات التقوى
قد رأينا في المحور السابق ثمرات التقوى، والآن ننظر في علاماتها، وقد يكون تحقق الثمرات أو عدم تحققها علامةً على وجود التقوى أو عدم وجودها، ومن ثمّ فهناك علاقة بين المحورين!
لكن هذا المحور يتميّز بأنّه يستهدف قياس مدى تحقّق التقوى وثمراتها في نفوسنا، فنقول:
الله سبحانه وتعالى يجعل حكمة الصيام التقوى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} فهل للتقوى علامات نستطيع من خلالها أن نراجع أنفسنا: هل ظهرت فينا ثمرةُ الصيام أم لا؟ أم أنَّنا نصوم ونقوم ولا تظهر نتائجُ صيامنا وقيامنا؟
هناك معيار في القرآن، يتكون من ستّ علاماتٍ، يستطيع الإنسان من خلالها أن يعرفَ ما إذا كانت التقوى قد حلَّت في كينونته، وعندئذٍ يلزمها ويستمسك بها، أو أنّها لم تحلّ، فهو مدعوٌّ عندئذٍ إلى مراجعة نفسه ومحاسبتها بناءً على هذه العلامات القرآنية الستة:


يذكر الدكتور محمود أبو الهدى الحسيني هذه العلامات على النحو التالي:
1 - أن يشعر يتغير في باطنه مختصرُه ومضمونُه زيادةُ تعظيم لدين الله:
قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32] وجمهور المفسرين على أن المقصود من شعائر الله في هذه الآية دينه.
فقد كنت تعظم القانون الذي وضعه الإنسان، وتعظم دين الله، فرأيت بعد الصيام أن تعظيم دين الله أصبح تعظيمًا يفوق كل تعظيم ..
وكنت تعظم دين الله وتعظم الدنيا، فرأيت بعد الصيام أنك تعظم دين الله تعظيمًا يفوق تعظيمك للدنيا ..
وكنت تعظم الأولاد، وتعظم الأسرة، وتعظم الصديق ... فلما دخلت في مدرسة الصيام نظرت إلى قلبك فوجدت أنه يعظم دين الله تبارك وتعالى تعظيمًا يفوق كل تعظيم ..
وماذا يعني هذا؟ أهي شعارات أم أنها قضية عملية؟
فعلى مستوى المعاملة، وعلى مستوى العبادة، وعلى مستوى كل سلوك ... نجد توجيهًا في دين الله تبارك وتعالى يخص تلك العبادة أو المعاملة، ولا يوجد في حياتنا سلوكية إلاَّ ونجد في كتاب الله تبارك وتعالى توجيهًا يخصها، فإذا أردت أن تعامل الزوجة رأيت في القرآن توجيهًا، وإذا أردت أن تعامل الولد رأيت في القرآن توجيهًا، وإذا أردت أن تتعامل مع الناس بالمال وجدت في القرآن توجيهًا، وإذا أردت أن تتعامل مع الحاكم وجدت في القرآن توجيهًا، وإذا أردت أن تتعامل مع المحكوم وجدت في القرآن توجيهًا، وإذا أردت أن تتعامل على مستوى الاجتماع والاقتصاد، أو على مستوى السياسة، أو على مستوى الأحوال الشخصية، أو على المستوى الشخصي ... ستجد في دين الله تبارك وتعالى توجيهًا ...
فإذا كان انفعال قلبك لهذا التوجيه على جهة التعظيم، فقد ظهرت العلامة الأولى، وإذا كنت تنظر إلى هذا التوجيه الذي يوجهك فيه ربّنا تبارك وتعالى فتراه أمرًا يتساوى مع ما تسمعه من كلام الناس، فالعلامة الأولى من علامات التقوى لم تظهر فيك.




2 - أن يظهر فيك شعور تقديم خيرية الآخرة على خيرية الدنيا:
قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 32] فدلَّت هذه الآية على أن المتّقي يكون في حالةٍ يشعر فيها بخيرية الآخرة على الدنيا، فيشعر في باطنه أن الذي ينتظره في الآخرة لا يمكن في حالٍ من الأحوال أن يُقارَن بالعاجل الذي تمتد يده إليه في الدنيا، فالدنيا دارُ اختبارٍ وامتحان، فقد تنال فيها بعضًا من الحظ والنصيب وقد لا تنال، لكنها ممرٌّ إلى الآخرة، والدين يضبط حالة مرورنا في هذه الدنيا ويوجهها، لكنه لا يجعل الدنيا مقصودًا في رحلة السفر.
وعندما نقرأ في القرآن قصة سحرة فرعون نموذجًا من النماذج التي ينبغي على من يريد اختبار التقوى في قلبه أن يكررها كثيرًا، لأنها قصة عملية واقعية ليست من نسج الخيال، فإننا نقرأ قوله تعالى: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} [طه: 70].
فرعون يملك مُتع الدنيا ويعدهم بكل شيء منها، ويعدهم أن تكون متع الدنيا تلك طوع أيديهم، لكنهم يرون الحق ساطعًا يخرجه موسى عليه الصلاة والسلام بإذن الله.
إنه الحق الذي يقول: لا إله إلاّ الله ..
الحق الذي يقول: لا ربّ إلاّ الله ..
الحق الذي يقول: لا عظيم إلاّ الله ..
إن الكون كله أداة بيد الله، وما فرعون وما يملكه إلاّ أداة من أدوات قدرة الله سبحانه وتعالى، وهذه حقيقة يغيب عنها أسرى العادة والمحسوس.
ففي قوله: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا} ظهرت حقيقة التقوى، ونحن نسجد في صلاة التراويح فهل سجودنا يماثل سجود السحرة الذين ألقوا سجدًا؟
{قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى، قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ} [طه: 70 - 71] إنه قاطع طريق، فكل شيء بإذن الواحد، وفرعون يريد أن يجعل إذنه قاطعًا بين العبد وربه.
يا فرعون أنت وما تملكه من متاع، وما تزعمه من إذن، إنما هو بيد الله سبحانه وتعالى، ومندرج في منظومة الاختبار الدنيويّ.
{إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ} [طه: 71] وهاهنا يجابهُ السحرةَ بأكذوبة توجّه إليهم وتُفترَى عليهم وهي: ما ظهر لكم مندرج في سحركم.
ويأتي الترهيب، فلا يتوقف الأمر عند منع العطاء، إنما يتجاوزه إلى التهديد الذي يصل إلى حد الإيذاء البدنيّ، لا إلى مستوى قطع المنافع، إنما يتجاوزه إلى مستوى قطع الأوصال.
{فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ} [طه: 71]
وهكذا يفعل الجزارون .. وهكذا يفعل كثير من الحكام، الذين ما هم في حقائقهم إلا صور، لكن حقائقهم جزارون يذبحون شعوبهم، ويكذبون عليهم، والله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان ساوى بين الحاكم والمحكوم، علا أو لم يعلُ، كبيرًا كان أو صغيرًا ... فما هو إلاّ عبد من عباد الله، لكن الإنسان يطغى حين يرى بيده المحسوس.
{وَلأُصَلِّبَنَّ كُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] إنه التعذيب والتنكيل ..
إنه يهدد بإزاحة هذا القفص البدنيّ وتحطيمه وتهشيمه.
{وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 71] فمن الذي سيبقى؟
سوف أزيحكم وأبقى .. هل تقدرون على تعذيبي؟ فأنا أقدر على تعذيبكم.
وهكذا يقف المقطوع عن النظر البعيد، وهكذا يقف الجاهل الذي حُرم أن يرى غير الدنيا.
وسنرى يا فرعون، وما هي إلاّ أيام وتكون غريقًا في البحر.
من أنت؟
أنت الذي تظن - بسبب كونك مخدوعًا بالحس - أنك مهيمن على الأشياء؟
أما نظرت إلى الجبابرة الذين سبقوك؟
من أنت؟
إن كنت أيها الإنسان أعلمَ من غيرك ففي يدك اختبار هو العلم، فتصرَّفْ فيه على أنك عبدٌ لله.
إن كان في يدك الحكم، أو المال، أو العيال ... فتذكر أنها أماناتٌ وضعها الله في يدك، وما أنت إلاّ عبد من عباد الله مختبر فيما آتاك الله، فاتَّقِ الله فيما آتاك.
إذا آتاك عيالاً أو حكمًا أو منصبًا أو جاهًا ... فأنت مختبر، ولا تتوهم إن كنت غنيًّا أنك فوق الفقير، وإن كنت عالمًا أنك فوق الجاهل .. لا، إنما اختبر الله كلاً منكم بشيء، وسوف تكون النتيجة هناك في الآخرة عندما يقف الجميع ويقول الله سبحانه وتعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ} [غافر: 16] فهناك لن يكون من فارق بين غنيٍّ أو فقير أو حاكم أو محكوم، بل سيكون الجميع على قدم المساواة.
لكن ما الذي قاله سحرة فرعون بعدما سمعوا ما سمعوه من تهديد ووعيد؟
وها هنا تظهر حقيقة: {وَلَلدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأنعام: 32].
إنه الاختيار الذي أنت مطالب به في كل لحظة، وينبغي أن تسأل نفسك في الموقف وفي اللحظة: هل هذا الموقف الذي أقفه أنفعُ لي في الآخرة أم أنه أضرُّ لي في الآخرة وأنفع في الدنيا؟
هذا هو السؤال الذي يعطيك العلامة الثانية من علامات التقوى.
وها هنا ينجح السحرة في الامتحان ويقولون: {لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا} [طه: 72] فيقسمون بالله أنهم لن يؤثروا فرعون ومُلكَه على ما ظهر لهم من الحقّ، وهاهنا تظهر حقيقة التقوى، وهاهنا يرى هذا المتقي.
ورحم الله أبا العلاء المعرّي الذي كان يقول في شعره:
جَهِلَ الديانةَ مَنْ إذا عَرَضَتْ لهُ أطماعُهُ لم يُلْفَ بالمتمَاسِكِ
فالمطامع تحرفه وتصرفه، ولا يُرى ثابتًا على منهاجه.
ثم قالوا: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72] هاهنا تظهر حقيقة التقوى.
إذًا: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ} حقيقة يراها المتقي.
وكذلك: {وَلَلدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}
وَ: {إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}
ولما جرحت أصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق صار يكرر أبياتًا لعبد الله بن رواحة الصحابيّ الجليل ويقول فيها:
إنْ أنتِ إلاَّ أصبعٌ دَمِيتِ وفي سبيلِ اللهِ ما لَقيتِ
فينبغي على المؤمن الذي يريد حقيقة التقوى أن يرتقي إلى هذا المستوى فيقول لجسده: ما أنت أيها الجسد إلاّ مطية أرحل من خلالها إلى الآخرة، فالمقصود عندي هو الآخرة، مقصودي هو الله.
{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ}
يقول السحرة: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [طه: 70 - 73]


3 - أن تشعر بالطمأنينة والأمان: وقد قال أهل المعرفة رحمة الله عليهم: "العارف مطمئن".
أي أن يزول من باطنك الاضطراب، فتكون مستشعرًا حالة السكينة وحال الأمن، حتى وإن تخرب ظاهرك، قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنْ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأعراف: 35] إنهم يعيشون حالة السرور بربهم، ويعيشون في بواطنهم حالة السكينة والطمأنينة.
نعم، لأنهم تولَّوا ربهم وحده، فتولاهم الله، فكانوا أولياءه، ألم تقرؤوا في كتاب الله قوله: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس: 62 - 63].
إذًا: هذا الشعور الباطن بالسكينة إنما أنتجته الثقة بالله، وأنتجته الطمأنينة بالله، وأنتجه الاعتماد على الله، وأنتجه التوكل على الله ..
ومما قرأت في سيرة الولي إبراهيم بن الأدهم رحمة الله عليه أنه مرة كان يصلي، وإذا سبع كبير جلس إلى جانبه، فلما انتهى إبراهيم بن أدهم من الصلاة نظر فوجد السبع يمكث إلى جانبه يزمجر، لكن باطن إبراهيم لا يهتز، ويقول إبراهيم بن أدهم لهذا السبع: "إن كنت أُمرت فينا بأمر فامضِ لما أمرت به، وإلاّ فانصرف أيها الخبيث".
- إن كنت أمرت فينا بأمر، أي أرسلك الله سبحانه وتعالى لتنفذ أمرًا من أجل أن نرحل من هذه الدنيا إلى الآخرة، ولتخلصنا من قضية الاختبار هذه التي نحن فيها في حالة من المشقة والمجاهدة.
- فامضِ لما أمرت به، لما تنتظر؟
- وإلاّ فامضِ أيها الخبيث.
فما كان من ذلك السبع إلاّ أن حنى رأسه ثم أدار ظهره وولى.
إنها الطمأنينة بالله ..
إنها حال استقرار الباطن التي لا يعرفها المضطربون بسبب المادة.
نعم، لقد حدث مثل هذا في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد رأى سفينة مولى رسول الله سبعًا في الصحراء، فجاء إليه ثم قال له: دلني على الطريق فإنني ضللت الطريق، فما كان من ذلك السبع إلاّ أن مشى أمامه فدله على الطريق.
وقطع يومًا سبع من السباع الطريق على الناس، فجاء إليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فأزاحه بيده عن طريق الناس.
إذًا: العلامة الأولى: تعظيم دين الله.
العلامة الثانية: تقديم الآخرة على الدنيا، فيشعر في باطنه بهذه الخيرية، خيرية الدار الآخرة على الدنيا.
العلامة الثالثة: الطمأنينة والسكون الباطن الذي يشعر به اعتمادًا على الله واستنادًا إلى عظيم قدرته، وجلال مقام ربوبيته.

يتبع

ابوالوليد المسلم 10-04-2019 04:42 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
علامات التقوى

اللجنة العلمية

4 - أنه لا يخاف إضرار العدو به: وهذه قضية في غاية الدقة، حينما نفهمها أنها إضرار العدو بالمال أو الجسد لا نستطيع فهمها، لكن حينما نفهمها كما فهمنا قصة سحرة فرعون سنرى أن فرعون لم يكن قادراً على الإضرار بهم.
والتفسير المادّيّ للنصّ الذي سأقرؤه مُشكل، لأن الله سبحانه وتعالى يقول فيه: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] فمهما كاد الأعداء بدينكم سيبقى دينَكم.
مهما كاد الأعداء ليكونوا متفوقين على قدرة الله فلن يكونوا متفوقين ..
مهما كاد الأعداء من أجل أن يجعلوا الإسلام مساويًا لغيره فلن يكون هذا، والله لا يساوي بين الإسلام وغيره، قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19] وقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
مهما كاد أعداء الله من أجل أن يقلبوا الحقائق فلن يصلوا إلى ذلك ..
نعم، ربما يؤثّرون على الأبدان، وعلى الأموال: {وَلَنَبْلُوَنَّ كُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} أي الخوف الظاهر لا الباطن {وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] فهذا من سنة الله سبحانه، أما الإضرار الذي هو نتيجة نهائية، فهل استطاع فرعون أن يضر بالسحرة؟ لا ..
لقد قُتل السحرة وغرق فرعون وفاز السحرة، وصاروا في الجنة عند الله، وصار فرعون في الدرك الأسفل من النار.
فتأتي العلاقة الرابعة هذه زيادة في البيان على ما تقدم في العلامة الثالثة، لأن العلامة الثالثة أمن واستقرار عام، أما العلامة الرابعة فإنها تخص ما يمكن أن يضطرب به قلب مؤمن، وهو كيد العدو.


5 - الأوبة العاجلة إلى الله عند حصول الزلل:
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 101]
لا تستمروا على الزلل .. ولا تستمروا على المعصية ..
فإن غلبتك نفسك لحظة تذكَّرْتَ الله فرجعت إليه، وانطرحت في أعتابه باكيًا نادمًا ساجدًا، وتقول له: عدت إليك يا رب.
{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} فلا يدومون على الزلل، لأن المعصوم من الزلل هم رسل الله، أما المؤمنون فلربما تزل أقدامهم لحظة بسببٍ ما، لكنهم سرعان ما يعودون، وسرعان ما يتوبون، وسرعان ما يؤوبون، وسرعان ما تعود إليهم حقيقة تعظيم دين الله تبارك وتعالى التي تقدمت في العلامة الأولى ..


6 - انفعال السماء والأرض للمتَّقي بالبركة: فيرى المتقي بعد ثباته على التقوى أن بركة السماء تخصه بأمر، وأن بركة الأرض تخصه بأمر، ونقرأ هذا في قوله تبارك وتعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ} على التنكير، ولم يقل: البركات، ليكون كلٌّ مختصًّا ببركة من البركات، {مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] لكانت زياداتٌ خاصة جاءتهم من السماء وجاءتهم من الأرض.
ومصداق هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلاةٍ مِنْ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: "اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ" فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ، فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ (الأرض السوداء البازلتية)، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ (مسيل ماء) قَدْ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ، فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلانٌ (لِلاسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ)، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنْ اسمِي؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ: "اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ" لاسْمِكَ، فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذْ قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ.


وهكذا رأينا تفسيرًا عمليًّا يحكيه لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تنفعل السماء، وكيف تنفعل الأرض.
وهذا مثال من الأمثلة لا يراد منه الحصر إنما يراد منه إيراد المثل.
أخيرًا نعيد هذه العلامات الستة حتى نتذكرها ونجعلها ميزانًا لصيامنا: هل تظهر نتائج صيامنا التي هي علامات التقوى أم أننا ننقطع عن الطعام والشراب ونحن بعيدون عن حقيقة التقوى التي محلها القلب؟
قال صلى الله عليه وسلم: (التقوى ها هنا، التقوى هاهنا، التقوى ها هنا) وكان يشير إلى صدره صلى الله عليه وسلم.
1 - الشعور بتعظيم دين الله تبارك وتعالى تعظيمًا يفوق كل تعظيم.
2 - أن تشعر بخيرية الآخرة على الدنيا.
3 - وجود الأمن والسكينة والطمأنينة في باطنك.
4 - أن تشعر بالأمن من كيد العدو.
5 - الأوبة العاجلة إلى الله تعالى عند كل زلل.
6 - انفعال السماء والأرض للمتقي، وهذا قد يظهر كما قلت في أمثلة كثيرة، وتراه بعينك علامة حسية تُطَمْئِنُكَ وتثبّتك على منهج التقوى وعلى منهج شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن.


وقد كان بعض الأخوة يتحدثون عن العلاقة بين القرآن ورمضان على أنها العلاقة بين هذا الصائم وتلاوة القرآن، وقلت: لا، إن العلاقة بين رمضان والقرآن إنما هي علاقةٌ بالأمور الثلاثة التي جاء القرآن بها، والتي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي: يتلو عليهم آياته، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم.
هذه هي العلاقة مع القرآن، فإذا تحصلت هذه العلاقة مع القرآن فقد صحت صلتك التي تصل فيها بين رمضان والقرآن، أما أن تجعل الصلة - كما هو الحال اليوم عند المسلمين - بين القرآن ورمضان تلاوة القرآن فقط، فهذه ليست العلاقة بالقرآن.
فالعلاقة بالقرآن: تلاوة، ثم علم، ثم تزكية، فإذا تحصَّل لك ذلك في رمضان فقد صحت صلتك بالقرآن في رمضان، وإذا لم تصح فإنك ما فارقت المنافقين بوصف من الأوصاف، لأن المنافقين يقرؤون القرآن ولا يتجاوز حناجرهم.
وأذكر هذا لأنه ذو صلة بموضوع البحث الذي هو علامات التقوى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
رُدَّنا اللهم إلى دينك ردًّا جميلاً، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
أقول هذا القول وأستغفر الله.


بسم الله الرّحمن الرّحيم
فضل التوبة في رمضان





حقيقة الحياة الدّنيا أنّها دارُ ابتلاء!
نوع الابتلاء:
روى البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه أن النبَّيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، قال: (حُجبت النار بالشهوات، وحُجبت الجنة بالمكاره).
قال في مرقاة المفاتيح:
"(حُجِبَتِ النَّارُ) أَيْ: أُحِيطَتْ (بِالشَّهَوَاتِ) : كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا (وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ):
كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ".
قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
مَعْنَاهُ لَا يُوصَلُ إِلَى الْجَنَّةِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الْمَكَارِهِ، وَلَا يُوصَلُ إِلَى النَّارِ إِلَّا بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ، وَكَذَلِكَ بِهَا مَحْجُوبَتَانِ بِهِمَا، فَمَنْ هَتَكَ الْحِجَابَ وَصَلَ إِلَى الْمَحْجُوبِ، فَهَتْكُ حِجَابِ الْجَنَّةِ بِاقْتِحَامِ الْمَكَارِهِ، وَهَتْكُ حُجُبِ النَّارِ بِارْتِكَابِ الشَّهَوَاتِ!
وَأَمَّا الْمَكَارِهُ فَيَدْخُلُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَالْعَادَاتُ، وَالْمُوَاظَبَة ُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَالصَّبْرُ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الَّتِي النَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِهَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الشَّهَوَاتُ الْمُحَرَّمَةُ كَالْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الشَّهَوَاتُ الْمُبَاحَةُ فَلَا تَدْخُلُ فِي هَذَا اهـ.
وَيُنَاسِبُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ، أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ بَنَى مَكَّةَ عَلَى الْمَكْرُوهَاتِ وَالدَّرَجَاتِ» " أَيْ: لَا تَحْصُلُ دَرَجَاتُهَا إِلَّا بِالتَّحَمُّلِ عَلَى مَكْرُوهَاتِهَا ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
إذن، هذا الحديث الشريف يجسد حقيقة الابتلاء في الحياة الدنيا، فالنّار المخوفةُ طبعاً، حُجِبت بالشهواتِ ذات اللذة العارضة، حتى نسي النّاس ذلك الخطر الذي يتهدّدهم.
والجنّة المُحبَّبة بما ورد من أنّ فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، حُجِبت بالمكاره والمقصود بها إلزام النفس بالحقِّ، المخالف لشهوتها وهواها، فصارت هذه المكاره مانعاً من التوجه نحو الجنّة وما أعدّ الله فيها لعباده من النعيم!


يؤكد معنى هذا الحديث قولُه صلى الله عليه وسلم:
(ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيْ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ يَفْتَحُ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ، وَالصِّرَاطُ الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنِ فَوْقَ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ)!
حقيقة الحياة الدنيا: صورة تمثيلية:
قال الإمام ابن القيّم:
مثل أهل الدنيا في غَفْلتهم، مثل قومٍ رَكِبوا سفينة، فانتهتْ بهم إلى جزيرة، فأمَرَهم الملاَّح بالخروج لقضاء الحاجة، وحذَّرهم الإبطاءَ، وخوَّفهم مرورَ السفينة، فتفرَّقوا في نواحي الجزيرة، فقَضَى بعضُهم حاجته، وبَادَرَ إلى السفينة، فصَادَف المكان خاليًا، فأخَذَ أوْسَعَ الأماكن وألْيَنَها وأوْفَقَها لِمُراده، ووقَف بعضُهم في الجزيرة ينظر إلى أزهارها وأنوارها العجيبة، ويسمع نَغَمات طيورها، ويُعجبه حُسْنُ أحجارها، ثم حدَّثَتْه نفسُه بفَوْت السفينة، وسرعة مُرورها، وخَطَرِ ذَهابها، فلم يصادِفْ إلاَّ مكانًا ضَيِّقًا، فجلس فيه، وأكبَّ بعضُهم على تلك الحجارة المستحسنة، والأزهار الفائقة، فحمل منها حملَه، فلمَّا جاء لَم يجدْ في السفينة إلاَّ مكانًا ضعيفًا، وزاده حمله ضِيقًا، فصارَ محمولُه ثقلاً عليه ووبالاً، ولَم يَقْدِرْ على نبذه، بل لَم يجدْ من حملِه بُدًّا، ولَم يجدْ له في السفينة موضعًا، فحَمَله على عاتقه، ونَدِم على أخْذه، فلم تنفعْه النَّدَامة، ثم ذَبُلَتِ الأزهار وتغيَّرت رائحتُها، وآذاه نتنُها، وتولج بعضُهم في تلك الغياض، ونَسِي السفينة، وأبعد في نزهته؛ حتى إنَّ الملاَّح نادَى الناسَ عند دَفْع السفينة، فلم يَبلغْه صوتُه؛ لاشتغاله بملاهيه، فهو تارة يتناول من الثمر، وتارة يشمُّ تلك الأنوار، وتارة يعجب من حُسن الأشجار، وهو على ذلك خائفٌ من سَبُع يخرج عليه، غير منفكٍّ من شوك يتشبَّثُ في ثيابه، ويدخل في قَدَميه، أو غُصن يجرحُ بَدَنه، أو عوسج يَخرِق ثيابه ويَهتك عورته، أو صوت هائل يُفزعه، ثم من هؤلاء مَن لَحِق السفينة ولَم يَبقَ فيها موضع، فماتَ على الساحل، ومنهم مَن شَغَله لَهْوه، فافترسته السباع، ونَهشتْه الحَيَّات، ومنهم مَن تاه، فهامَ على وجْهه حتى هَلك.
فهذا مثال أهل الدنيا في اشتغالهم بحظوظهم العاجلة، ونسيانهم مَوردَهم وعاقبةَ أمرهم، وما أقبح بالعاقل أن تَغرَّه أحجار ونبات يصير هشيمًا، قد شَغَل بالَه وعوَّقه عن نجاته ولَم يَصحبْه! ".


ويقول ابن بطال:
قوله (صلى الله عليه وسلم): (حجبت النار بالشهوات وحُجبت الجنة بالمكاره) من جوامع الكلم وبديع البلاغة فى ذم الشهوات والنَّهي عنها، والحض على طاعة الله، وإن كرهتها النُّفوسُ وشقَّ عليها؛ لأنه إذا لم يكن يوم القيامة غير الجنة والنار ولم يكن بدٌّ من المصير إلى إحداهما فواجب على المؤمنين السعى فيما يدخل إلى الجنة وينقذ من النار، وإن شق ذلك عليهم؛ لأن الصبر على النار أشق، فخرج هذا الخطاب منه (صلى الله عليه وسلم) بلفظ الخبر وهو من باب النهى والأمر.
وقوله: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك) فدليل واضح أن الطاعات الموصلة إلى الجنة والمعاصى المقربة من النار قد تكون فى أيسر الأشياء، ألا ترى قوله (صلى الله عليه وسلم): (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقى لها بالا؛ يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقى لها بالا؛ يكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه). فينبغى للمؤمن ألا يزهد فى قليل من الخير يأتيه، ولا يستقل قليلاً من الشر يجتنيه فيحسبه هينًا، وهو عند الله عظيم، فإنَّ المؤمن لا يعلم الحسنة التى يرحمه الله بها، ولا يعلم السيئة التى يسخط الله عليه بها، وقد قال الحسن البصريُّ: من تُقُبِّلت منه حسنةٌ واحدة دخل الجنة. وقوله (صلى الله عليه وسلم): (أصدقُ كلمةٍ قالها الشاعر: ألا كلُّ شىءٍ ما خلا الله باطل) فالمراد به الخصوص؛ لأنَّ كل ما قرَّب من الله فليس بباطل، وإنما أراد أنَّ كل شيء من أمور الدنيا التى لا تئول إلى طاعة الله، ولا تقرب منه فهى باطل. (شرح صحيح البخارى لابن بطال 10/ 198).







كلُّ ابن آدمَ خطّاءٌ ولكن:

مقدمة:
إذا كانت حقيقة الحياة الدنيا أنها دار ابتلاء، فإنّ حقيقة الإنسان أنّه لا يبلغ كماله إلا شيئاً فشيئاً، ولذا فقد ورد في الحديث الصحيح قوله صلى الله عيه وسلم: (كلُّ بني آدم خطّاءٌ، وخير الخطائين التوابون)! ولكن ينبغي للإنسان العاقل أن يتدرج في التخلي عن خطئه شيئاً فشيئاً، ولن يستطيع أن يتخلّى عنه تماماً، فقد كُتِبَ على الإنسان حظُّه من المعاصي والذنوب، مدركٌ ذلك لا محالة، فمستقل ومستكثر، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا، لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُو نَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) [رواه مسلم]!
إذن: من حقوق الإنسان في الإسلام: الحقُّ في أن يُخطئ!
ولكن لا بدّ من هذه القيود، فمن حقّ الإنسان أن يخطئ، ولكن ليس من حقّه:
1 - أن يتعمد الخطأ: يقول الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)} (سورة الأحزاب).
2 - أن يقع في الخطأ مرةً بعد أخرى، بدون أن يحدث توبةً، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لاَ يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) (متفق عليه) واللدغ هو العضُّ والإصابة من ذوات السُّموم كالعقرب والحية، والجُحر الثقب، والمعنى أن المؤمن ينبغي أن يكون حذراً بحيث لا يُخدع من جهةٍ واحدة مرتين! وهو في معنى المقصود.
3 - أن يرضى بالخطأ، بل الواجب عليه أن يُبادر بالاستغفار، وهذا هو الفارق بين المؤمن والمنافق، وكما قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما يرويه البخاريُّ: "لمؤمن يري ذنبه كالجبل يخاف أن يقع عليه، والمنافق يري ذنبه كذبابٍ وقعَ على أنفه فقال به هكذا وهكذا".
بل ويجب عليه أن يجتهد من أجل إقامة صرح الحقِّ والحقيقة:
في نفسه أولاً، وفي كلّ ما له عليه ولايةٌ شرعيّة!
ثمّ فيما وراء ذلك!






أسباب الوقوع في الأخطاء والخطايا

سببان أساسيّان: النفس والشيطان!
النّفس:
"اتَّفق السالكون إلى الله على اختلاف طرقهم، وتباين سلوكهم على أن النفس قاطعة بين القلب وبين الوصول إلى الرب، وأنه لا يدخل عليه سبحانه ولا يوصل إليه إلا بعد إماتتها وتركها بمخالفتها والظفر بها.
فإن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعا لها تحت أوامرها. وقسم ظفروا بنفوسهم فقهروها، فصارت طوعا لهم منقادة لأوامرهم.
قال بعض العارفين: انتهى سفر الطالبين إلى الظفر بأنفسهم. فمن ظفر بنفسه أفلح وأنجح، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك. قال تعالى:
{فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الحياةَ الُّدنْيَا * فَإنَّ الجحِيمَ هِىَ الْمَأْوَى وَأمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنّ الجنَّةَ هِىَ المَأْوَى} [النازعات: 37 - 41].
فالنفس تدعو إلى الطغيان وإيثار الحياة الدنيا، والرب يدعو عبده إلى خوفه ونهى النفس عن الهوى. والقلب بين الداعيين، يميل إلى هذا الداعى مرة وإلى هذا مرة وهذا موضع المحنة والابتلاء"
الشيطان:
"من تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس، فإن النفس المذمومة ذكرت فى قوله: {إِن النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف: 53].
واللوامة فى قوله: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللوَّامَةِ} [القيامة: 2].
وذكرت النفس المذمومة فى قوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى} [النازعات: 40].
وأما الشيطان فذكر فى عدة مواضع، وأفردت له سورة تامة. فتحذير الرب تعالى لعباده منه جاء أكثر من تحذيره من النفس، وهذا هو الذى لا ينبغي غيره، فإن شر النفس وفسادها ينشأ من وسوسته، فهى مركبه وموضع شره، ومحل طاعته، وقد أمر الله سبحانه بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن وغير ذلك، وهذا لشدة الحاجة إلى التعوذ منه، ولم يأمر بالاستعاذة من النفس فى موضع واحد، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها فى خطبة الحاجة فى قوله صلى الله عليه وسلم: "وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا".


النفس والشيطان:
"وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم بين الاستعاذة من الأمرين فى الحديث الذى رواه الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضى الله عنه:
"أَنّ أَبَا بكرٍ الصِّديقَ رَضى الله عنه قَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِى شْيئاً أَقولُهُ إِذا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ قُلِ: اللهُمَّ عَالمَ الْغَيَبِ وَالشّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالأرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَىْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِى وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِى سُوءًا أَوْ أَجرهُ إِلَى مُسْلِمٍ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ".".
عن: (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) لابن القيم.





الحضُّ على التوبة!

الجميع بلا استثناء مدعوون إلى التَّوبة:
قال - تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (الزمر: 54).
وقال في شأن النصارى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المائدة: 73).
ثم قال - جلّت قدرته - محرضًا لهم على التوبة: {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُو نَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (المائدة: 74).
وقال في حق أصحاب الأخدود الذين حفروا الحُفَر لتعذيب المؤمنين وتحريقهم بالنار: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات ِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} (البروج: 10).
قال الحسن البصري رحمه الله: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة). اهـ.
بل إنه - عز وجل - حذّر من القنوط من رحمته فقال: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: (من أيّس عبادَ الله من التوبة بعد هذا؛ فقد جحد كتاب الله - عز وجل -).


والتوبةُ واجبةٌ على الفَوْرِ:
لا يجوزُ تأخيرُها ولا التسويفُ بها؛ لأنَّ الله أمَرَ بها ورسولُه، وأوَامِرُ الله ورسولِهِ كلُّها على الفورِ والمبادرةِ لأنَّ العبدَ لا يدري ماذا يحصلُ له بالتأخيرِ، فلعلَّهُ أن يَفْجَأَهُ الموتُ فلا يستطيعُ التوبةَ، ولأنَّ الإِصرارَ على المعصيةِ يوجبُ قَسْوةَ القلب وبُعْدَه عن الله عزَّ وجلَّ وضعفَ إيمانه، فإنَّ الإِيمانَ يزيْد بالطاعاتِ وينقصُ بالعصيانِ، ولأنَّ الإِصرارَ على المعصيةِ يوجبُ إلْفَهَا والتَّشبُّثَ بها، فإنَّ النفسَ إذا اعتادتْ على شيء صَعُبَ عليها فراقه، وحينئذ يعسرُ عليه التخلصُ من معصيتِه، ويفتحُ عليه الشيطانُ بابَ معاصٍ أخرى أكبرَ وأعظمَ مما كانَ عليه؛ ولِذَلِكَ قال أهلُ العلم وأربابُ السلوكِ: إن المعاصيَ بَرِيدُ الكفر ينتقلُ الإِنسانُ فيها مرحلةً مرحلةً حتى يزيغَ عن دينِه كلِّه، نسأل الله العافيةَ والسلامةَ.


ومن لم يتب في شهر التوبة، فمتى سيتوب؟
ومن لم يندم في شهر رمضان فمتى سيئوب؟ هاهو شهر رمضان، قد غلقت فيه أبواب النيران، وفتحت فيه أبواب الجنان، وصفدت فيه مردة الجان، وكُبِت فيه الشيطان، ها هو باب التوبة قد فتح، فليدخل فيه التائبون، {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى}، رمضان! شهر تغسل فيه الحوبات، وتنبذ فيه الخطيئات، فلا يخرجن هذا الشهر إلا وقد تبدلت الطباع، وتغيرت الأوضاع، وظهر أثر رمضان على الظاهر والباطن، هكذا نستلهم منه العبر، ونجني الدرر، من شهر البكاء والعبرات، والندم على ما فات، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، يا عالم الخفيات، يا مجيب الدعوات.



أيها الصَّائمون:
التّوبةُ خضوعٌ وانكسَار، وتذلُّل واستغفارٌ، واستِقالَة واعتِذار، وابتِعاد عن دواعِي المعصيةِ، ونوازِع الشرِّ، ومجالس الفِتن، وسُبُل الفساد، وأصحابِ السّوء، وقرَناء الهوى!
التوبةُ صفحةٌ بيضاء، وطهر ونقاء، وخشيَة وصفاء، وإشفاق وبكاء، وتضرُّع ونداء، وسؤالٌ ودعاء، وخوفٌ وحياء!
التوبة خجَل ووَجل، وعودة ورجوع، وانكسار وخضوع، وندم ونزوع، وإنابةٌ وتدارك، وخوف من المهالك!
التوبة يا عباد الله نجاةٌ من كلّ غمّ، ووقاية من كلّ همّ، وظفَرٌ بكلِّ مطلوب، وسلامةٌ من كلّ مرهوب، بابُها مفتوح، وخيرُها ممنوح، ما لم تغرغِر الروح، قال صلى الله عليه وسلم قال اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: "يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُون ِي أَغْفِرْ لَكُمْ" [أخرجه مسلم]!

فأكثروا -عبادَ الله- من التوبةِ والانكسار، والتذلُّل والاعتذار، فقد كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يكثِر من التّوبةِ والاستغفار، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (ما رأيتُ أكثرَ استغفارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم) (رواه أحمد)، يقول صلواتُ ربي وسلامه عليه: " والله إني لأستغفِر الله وأتوب إليه في اليومِ أكثرَ من سبعين مرة " [أخرجه البخاريّ]، وقال عليه الصلاة والسلام: " يا أيّها النّاس، توبوا إلى الله واستغفِروه، فإني أتوب في اليومِ مائة مرّةٍ " [أخرجه مسلم].


أيّها المسلمون،
هذه التوبةُ قد شُرِعت أبوابُها، وحلَّ زمانها، ونزل أوانُها، فاقطعوا حبائلَ التسويف، وهُبّوا إلى الرحيم اللطيف، {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا}، وإياكم وطول الأمل، والتواني والكسل، فالموت يفجأ الأجل، والقبر صندوق العمل، {وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}، وعن عبد الله بن عمَر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ اللهَ عزَ وجلَ يقبَل توبة العبدِ ما لم يغرغِر " [أخرجه الترمذي]، ألا لا تغترّوا بعيشٍ لا يدوم، وأمل معدوم، وتوبوا إلى الله عزّ وجلّ من كبائر الذنوب، وفادحات الخطوب، لتغفر لكم الصغائر والعظائم، قال تعالى: {إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً}، ألا فاحذروا عباد الله الظلم والجور، وتوبوا على الفورِ، وإياكم والإصرار، وتوبوا إلى العزيز الغفار، وأحدِثوا توبَةً لكلّ الذنوب التي وقعت، وتوبوا من المعاصِي ولو تكرَّرت، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}!


فيا عبدَ الله، لا تكن ممّن استغفِر الله بلسانِه، وقلبُه مصِرٌّ على المعصيةِ، وهو دائمٌ على المخالفة، وليكن الاستغفارَ باللسان، موافقاً الجَنان، مقروناً بصلاح الجوارِحِ والأركان، {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، فأقبِلوا على الله بتوبةٍ نصوح وإنابة صادقة، وقلوبٍ منكسرة، وجِباه خاضِعة، ودموعٍ منسكِبة، فأنتم في شهر التوبة، والإحسان والكرامة، اللهمّ لك الحمد أن بلِّغتنا شهرَ رمضان!




فضائل عبودية التوبة
أما فضائلُ عبوديّةِ التوبةِ وأسرارُها، وبركاتُها فعديدة متنوعةٌ:
- فالتوبة سببُ الفلاح، وطريق السَّعادة، وبالتَّوبة تكفّر السيئات، وإذا حسُنت التوبة بدّل الله سيئاتِ صاحِبها حسنات.
- والتوبةِ من أحبِّ العبوديات إلى الله، فهو - تبارك وتعالى - يفرح بتوبة التائبين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «للهُ أفرحُ بتوبة العبد من رجل نزل منزلًا، وبه مهلكة، ومعه راحلتُه عليها طعامُه وشرابُه، فوضع رأسَهُ، فنام نومةً، ثم رفع رأسَهُ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلتُه؛ حتى اشتد عليه الحرُّ والعطشُ، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع، فنام نومةً، ثم رفع رأسه؛ فإذا راحلتُه عنده» رواه البخاري ومسلم.
ولم يجئ هذا الفرحُ في شيء من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التائب وقلبِه، ومزيدُ هذا الفرح لا يعبر عنه.


- والتوبة توجب للتائب آثارًا عجيبة من مقامات العبودية التي لا تحصل بدون التوبة؛ فتوجب له المحبةَ، والرقّةَ، واللطفَ، وشكرَ اللهِ، وحمدَه، والرضا عنه، فَرُتِّب له على ذلك أنواعٌ من النعم لا يهتدي العبد إلى تفاصيلها، بل لا يزال يتقلب في بركتها وآثارها ما لم ينقضْها أو يفسدْها.
- والتوبة تقتضي حصولَ الذلِ، والانكسارِ، والخضوعِ لله، وهذا أحبُّ إلى الله من كثير من الأعمال الظاهرة - وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة - فالذلُّ، والانكسارُ روحُ العبوديةِ، ولبُّها، ولأجل هذا كان الله - عز وجل - عند المنكسرةِ قلوبُهم، وكان أقربَ ما يكون من العبد وهو ساجد؛ لأنه مقامُ ذلٍّ وانكسار، ولعل هذا هو السِّرُ في استجابةِ دعوة المظلوم والمسافر والصائم؛ للكَسرة في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعةَ المظلومِ تُحْدِثُ عنده كسرةً في قلبه، وكذلك المسافر يجد في غربته كسرةً في قلبه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سَوْرةَ النَّفْسِ السَّبُعية الحيوانية كما قرَّر ذلك ابن القيم رحمه الله.


يقول ابن القيّم:
وَمِنْ مُوجِبَاتِ التَّوْبَةِ الصَّحِيحَةِ أَيْضًا: كَسْرَةٌ خَاصَّةٌ تَحْصُلُ لِلْقَلْبِ لَا يُشْبِهُهَا شَيْءٌ، وَلَا تَكُونُ لِغَيْرِ الْمُذْنِبِ، لَا تَحْصُلُ بِجُوعٍ، وَلَا رِيَاضَةٍ، وَلَا حُبٍّ مُجَرَّدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَمَرٌّ وَرَاءَ هَذَا كُلِّهِ، تَكْسِرُ الْقَلْبَ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ كَسْرَةً تَامَّةً، قَدْ أَحَاطَتْ بِهِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَأَلْقَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ طَرِيحًا ذَلِيلًا خَاشِعًا، كَحَالِ عَبْدٍ جَانٍ آبِقٍ مِنْ سَيِّدِهِ، فَأُخِذَ فَأُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُنْجِيهِ مِنْ سَطْوَتِهِ، وَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ بُدًّا وَلَا عَنْهُ غَنَاءً، وَلَا مِنْهُ مَهْرَبًا، وَعَلِمَ أَنَّ حَيَاتَهُ وَسَعَادَتَهُ وَفَلَاحَهُ وَنَجَاحَهُ فِي رِضَاهُ عَنْهُ، وَقَدْ عَلِمَ إِحَاطَةَ سَيِّدِهِ بِتَفَاصِيلِ جِنَايَاتِهِ، هَذَا مَعَ حُبِّهِ لِسَيِّدِهِ، وَشِدَّةِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ، وَعِلْمِهِ بِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ وَقُوَّةِ سَيِّدِهِ، وَذُلِّهِ وَعِزِّ سَيِّدِهِ.


فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى سَيِّدِهِ مِنْ هَذِهِ الْكَسْرَةِ، وَالْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ، وَالْإِخْبَاتِ، وَالِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالِاسْتِسْلَا مِ لَهُ، فَلَلَّهِ مَا أَحْلَى قَوْلَهُ فِي هَذِهِ الْحَالِ: أَسْأَلُكَ بِعِزِّكَ وَذُلِّي إِلَّا رَحِمْتَنِي، أَسْأَلُكَ بِقُوَّتِكَ وَضَعْفِي، وَبِغِنَاكَ عَنِّي وَفَقْرِي إِلَيْكَ، هَذِهِ نَاصِيَتِي الْكَاذِبَةُ الْخَاطِئَةُ بَيْنَ يَدَيْكَ، عَبِيدُكَ سِوَايَ كَثِيرٌ، وَلَيْسَ لِي سَيِّدٌ سِوَاكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْخَاضِعِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، سُؤَالَ مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَرَغِمَ لَكَ أَنْفُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وَذَلَّ لَكَ قَلْبُهُ.
يَا مَنْ أَلُوذُ بِهِ فِيمَا أُؤَمِّلُهُ ... وَمَنْ أَعُوذُ بِهِ مِمَّا أُحَاذِرُهُ
لَا يَجْبُرُ النَّاسُ عَظْمًا أَنْتَ كَاسِرُهُ ... وَلَا يَهِيضُونَ عَظْمًا أَنْتَ جَابِرُهُ



فَهَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ آثَارِ التَّوْبَةِ الْمَقْبُولَةِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فِي قَلْبِهِ فَلْيَتَّهِمْ تَوْبَتَهُ وَلْيَرْجِعْ إِلَى تَصْحِيحِهَا، فَمَا أَصْعَبَ التَّوْبَةَ الصَّحِيحَةَ بِالْحَقِيقَةِ، وَمَا أَسْهَلَهَا بِاللِّسَانِ وَالدَّعْوَى! وَمَا عَالَجَ الصَّادِقُ بِشَيْءٍ أَشَقَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْبَةِ الْخَالِصَةِ الصَّادِقَةِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَأَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ الْمُتَنَزِّهِي نَ عَنِ الْكَبَائِرِ الْحِسِّيَّةِ وَالْقَاذُورَات ِ فِي كَبَائِرَ مِثْلِهَا أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا أَوْ دُونَهَا، وَلَا يَخْطُرُ بِقُلُوبِهِمْ أَنَّهَا ذُنُوبٌ لِيَتُوبُوا مِنْهَا، فَعِنْدَهُمْ - مِنَ الْإِزْرَاءِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَاحْتِقَارِهِم ْ، وَصَوْلَةِ طَاعَاتِهِمْ، وَمِنَّتِهِمْ عَلَى الْخَلْقِ بِلِسَانِ الْحَالِ، وَاقْتِضَاءِ بَوَاطِنِهِمْ لِتَعْظِيمِ الْخَلْقِ لَهُمْ عَلَى طَاعَاتِهِمْ، اقْتِضَاءً لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ غَيْرِهِمْ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ - مَا هُوَ أَبْغَضُ إِلَى اللَّهِ، وَأَبْعَدُ لَهُمْ عَنْ بَابِهِ مِنْ كَبَائِرِ أُولَئِكَ، فَإِنْ تَدَارَكَ اللَّهُ أَحَدَهُمْ بِقَاذُورَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ يُوقِعُهُ فِيهَا لِيَكْسِرَ بِهَا نَفْسَهُ، وَيُعَرِّفَهُ قَدْرَهُ، وَيُذِلَّهُ بِهَا، وَيُخْرِجَ بِهَا صَوْلَةَ الطَّاعَةِ مَنْ قَلْبِهِ، فَهِيَ رَحْمَةٌ فِي حَقِّهِ، كَمَا أَنَّهُ إِذَا تَدَارَكَ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ، وَإِقْبَالٍ بِقُلُوبِهِمْ إِلَيْهِ، فَهُوَ رَحْمَةٌ فِي حَقِّهِمْ، وَإِلَّا فَكِلَاهُمَا عَلَى خَطَرٍ.

يقول ابن عطاء الله السكندري:
"ربما فتح لك باب الطَّاعة، وما يفتح لك باب القَبول، و ربما قضى عليك الذَّنب فكان سبباً في الوصول، فمعصيةٌ أورثت ذلاً و افتقاراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً"!





رمضان هو شهر التوبة والغفران
يستحقّ شهر رمضان أن نصفه بأنّه شهر التوبة والغفران، لثلاثة أسباب:
أولاً: لأنّ شهر رمضان بطبيعته، وبدلالة النصوص الشرعية، يؤدي عند الالتزام بأحكامه والقيام بواجباته، إلى القضاء على الذنوب وآثارها في النفس!
ثانياً: لأنّ معركة المسلم في هذا الشهر المبارك، تكون في مواجهة عدوّها الأول: النَّفس منفردةً عن الشياطين التي تُصفَّد في هذا الشهر الكريم.

ثالثاً: لأنّ الإنسان فيه يجد على الخير أعواناً!
إذن نقف عند هذه الأسباب الثلاثة:



أولاً: رمضان محرقة للذّنوب وآثارها:
"من المعاني التي سُمي شهر الصيام بشهر رمضان , أنه شهرٌ ترتمض فيه الذنوب , أي تحترق , فرمضان مصدر رمض , أي احتراق , ومنه: الرمضاء , وهى بقايا الحريق. قال القرطبي - رحمه الله - ((إنما سُمِّي رمضان لأنه يرمض الذنوب , أي يحرقها بالأعمال الصالحة))
فشهر الصوم فيه تلك الخصوصية لذاته , فان مجرد صيامه إيمانا واحتساباً يحرق الذنوب , لقوله صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) , ويتأكد الإتيان على تلك الذنوب حرقاً بقيام ليلة القدر لقوله صلى الله علية وسلم (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً , غفر له ما تقدم من ذنبه).

ويلاحظ هنا: أن صيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر , إنما جعل لمغفرة ما تقدم من الذنوب سوى الكبائر كما قال صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان لرمضان مكفرات ما بينهن ما اجتنبت الكبائر).
وإضافة إلى حرق الذنوب في رمضان مع الصيام والقيام , فبوسع المرء أن يوسع محرقة الذنوب , ليرمضها كلها , صغارها وكبارها وما تقدم منها وما تأخر باستيفائه لشروط التوبة النصوح من كل ذنب , استجابة لأمر الله {يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا} [التحريم]. وذلك بان يقلع عن الذنب في الحاضر , ويندم عما كان منه في الماضي , ويعزم على ألا يعود في المستقبل , مع رده المظالم إلى أصحابها , قال القرطبي في تفسير هذه الآية ((التوبة النصوح , قيل: هي التي لا عودة بعدها ,كما لا يعود اللبن إلى الضرع , وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة , وقال الحسن: النصوح أن يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره …. وقال سعيد بن جبير: هي التوبة المقبولة , ولا يقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل , ورجاء أن تتقبل , وإدمان الطاعات))
والتوبة النصوح يُحافظ عليها بتكرار الاستغفار , وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار ويقول (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) والاستغفار يحفظ أعمال الطاعة من الضياع وينقيها من النقائض , ولذلك جُعل ختاماً للأعمال الصالحة كلها فتختم به الصلاة والحج وقيام الليل وتختم به المجالس فان كانت ذِكراً كان كالطابع عليها وان كانت لغواً كان كفارة لها , وهكذا صيام رمضان ينبغي أن يختم بالاستغفار , وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار , يأمرهم بان يختموا رمضان بالاستغفار والصدقة فان صدقة الفطر طُهرة للصائم من اللغو والرفث والاستغفار يرقع ما تخرّق من الصيام باللغو والرفث. وقد مرّ أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها - بسؤال العفو ليلة القدر , وطلب العفو استغفار!




يتبع

ابوالوليد المسلم 10-04-2019 04:47 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 


ثانياً: رمضان مصفدةٌ للشياطين:


اللجنة العلمية



من أعظم ما ميّز الله به شهرَ رمضانَ المبارك؛ تصفيد الشياطين فيه، وإراحة الخلق من شرِّهم وضُرِّهم، وترك الفرصة مواتية لمن أسرف على نفسه بالذنوب أن يتوب، فمن صفَّدته الشياطين على مدى عامه المنصرم فلا يتحرك إلا في رضاها تغيّر به الحال فصار القيد على عدوّه، وأطلقه الله بعد قيده، وحرّره من أسر خصمه، فماذا بقي له إلا الفرار إلى الله؟!
فعن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:" إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين (متفق عليه).
وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:" أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك، فرض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب الجحيم، و تُغلُّ فيه مردة الشياطين، و فيه ليلة هي خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم " (صحيح الجامع رقم 55).

وعنه ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم:" إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين و مردة الجن، و غلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، و فتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، و ينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، و يا باغي الشر أقصر، و لله عتقاء من النار، و ذلك كل ليلة (صحيح الجامع رقم 759).
فرمضان فرصة عظيمة لكل مذنب ـ وكلنا ذاك الرجل ـ أن ينطلق في باحة الطاعة الرحبة بعد أن كان في قبضة الشيطان أو كاد، بعد أن فُكَّت عنه القيود، و حُلَّت الأصفاد.
ويعجب البعض من جرأة الناس على انتهاك حرمة الشهر المبارك بالولوج إلى سجن المعصية، والتلطخ بأوحال الذنوب، والوقوع في شراك السيئة، وقد فُقد المحرِّض، وزال الموسوس، وغاب المُزين …

فما معنى تصفيد الشياطين وما زال الناس يقعون في الذنوب والمعاصي؟!
والحقيقة أن هذا سؤال مهم، والأهم منه أن نُجيب عليه ..

فنقول: إنه لا يمكن لذي عينين أن يُنكر إقبال الناس على الخير في رمضان، وكفِّ الكثير منهم عن الكثير من الذنوب والعصيان، فها أنت ترى المساجد تمتلئ بعد قطيعة، والفقراء يغتنون بعد مسغبة، والقرآن يُتلى بعد هجر، وترى معالم الإيثار بعد مظاهر الأثرة، وتبصر النفوس تسكن، والضمائر ترتاح، والقلوب ترضى، والصلات تعود، والروابط تقوى، وغير ذلك مما لا تكاد تراه في غير رمضان، فهذا دليل ظاهر على الإقبال بعد الإدبار، والرجوع عقب التولي، وفي أعداد التائبين الرمضانيين ما يفوق العد والحصر، والمرد في ذلك الخير إلى تصفيد الشياطين وسلسلتهم لمنعهم من وسوستهم …
ومن الردود على هذا الإشكال والإجابة على السؤال، نقول:
* أن الشياطين لا تخلص فيه لِما كانت تخلص إليه في غيره، فتضعف قواها، وتقل وسوستها، لكنها لا تنعدم بالكلية
* وربما أن المراد بالتصفيد والسلسلة إنما هي للمردة ورؤوس الشياطين، دونما من دونهم، فيفعل الصغار ما عجز عن بعضه الكبار، وقيل العكس، فالمصفد الصغار، والمطلوق كبيرهم وزعيم مكرهم وكيدهم لأن الله أجاب دعوته بأن ينظره إلى يوم يبعثون، ليواصل الإغواء والإغراء والإضلال، وفي كلا الحالين فالعدد يقل، والوسوسة تضعف ..
* وربما أن المراد أن الصيام يستلزم الجوع، وضعف القوى في العروق وهي مجاري الشيطان في الأبدان، فيضعف تحركهم في البدن كأنهم مسلسلون مصفَّدون، لا يستطيعون حراكاً إلا بعسر وصعوبة، فلا يبقى للشيطان على الإنسان سلطان كما في حال الشبع والري ..
* وربما أن المراد أن الشياطين إنما تُغل عن الصائمين المعظمين لصيامهم، والقائمين به على وجه الكمال، والمحققين لشروطه ولوازمه وآدابه وأخلاقه، أما من صام بطنه ولم تصم جوارحه ولم يأت بآداب الصيام على وجه التمام، فليس ذلك بأهل لتصفيد الشياطين عنه ..
* وربما أن المراد أن الشياطين يصفدون على وجه الحقيقة، ويقيدون بالسلاسل والأغلال، فلا يوسوسون للصائم، ولا يؤثرون عليه، والمعاصي إنما تأتيه من غيرهم كالنفس الأمارة بالسوء ..
* والله أعلم بالمراد …
يقول ابن عبد البر في التمهيد:
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَصُفِّدَتْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ أَوْ سُلْسِلَتْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ فَمَعْنَاهُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ يَعْصِمُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ فِي الْأَغْلَبِ مِنَ الْمَعَاصِي فَلَا يَخْلُصُ إِلَيْهِمْ فِيهِ الشَّيَاطِينُ كَمَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ فِي سَائِرِ السَّنَةِ!


ثالثاً: وجدان المسلم في رمضان على الخير أعواناً:
ويجد المسلم في رمضان نوعين من الإعانة على الخير:
1 - أنَّ الملائكة تطلب من الله للصائمين ستر الذنوب ومحوها , كما في الحديث عن النبي , صلى الله عليه وسلم , قال في الصوام: وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة والملائكة خلق أطهار كرام. جديرون بأن يقبل الله دعاءهم , ويغفر لمن استغفروا له , والعباد خطاءون محتاجون إلى التوبة والمغفرة كما في الحديث القدسي الصحيح , يقول الله تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم فإذا اجتمع للمؤمن استغفاره لنفسه واستغفار الملائكة له , فما أحراه بالفوز بأعلى المطالب وأكرم الغايات. وهو شهر المواساة والإحسان , والله يحب المحسنين وقد وعدهم بالمغفرة والجنة والفلاح والإحسان أعلى مراتب الإيمان , فلا تسأل عن منزلة من اتصف به في الجنة وما يلقاه من النعيم وألوان التكريم. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ [الذاريات، الآية: 16]
2 - أنه موسم جماعيٌّ للعبادة وعمل الخير، يُشمّر فيه كثيرٌ من الناس عن ساعد الجدِّ، ويجتهدون من أجل مرضاة ربّهم، سبحانه وتعالى! فالجميع صائمون ليس بعض الناس فقط، وبالتالي فإنّ روح الخشوع والخضوع ترفرف في أجواء المجتمع، الأمر الذي يعين المقصرين، ويحفزهم على بذل مزيدٍ من الجهد، كما أنه يحفز المجتهدين إلى مزيدٍ من البذل من أجل الترقي في مراتب إحسان العبادة، والتّقرب إلى الله عزّ وجلّ.
يقول ابن رجب:
"وَأَمَّا الِاسْتِغْفَارُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَهُوَ طَلَبُ الْمَغْفِرَةِ، وَالْعَبْدُ أَحْوَجُ شَيْءٍ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُخْطِئُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ" وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَا رِ، وَالْأَمْرُ بِهِمَا، وَالْحَثُّ عَلَيْهِمَا، وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» . وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً» وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ». وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» وَخَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَاسْتَغْفِرُوه ُ، فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُه ُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ» ". (جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط 2/ 41)
إنَّ رمضان يأتي ومعه مفاتيح الغفران , فمن تسلمها منه اقبل على رب غفور ومن اعرض عنها فهو مغبون مخفور , مفّرط في حق نفسه إذ حرمها من نفحات العفو الإلهي المعروضة في شهر المغفرة , قال صلى الله عليه وسلم (رغِم أنف من أدركه رمضان ولم يغفر له) فهذا دعاء من صلى الله عليه وسلم على من فرطّ في اغتنام كل تلك الفرص المهيأة في شهر الصيام , فلقد اعذر الله لعبد أشهده رمضان , فكيف يدخل فيه ثم يخرج منه دون أن يتوب. إن الشياطين سلسلت فيه , وخمدت نيران الشهوات بالصيام , وانعزل الهوى , وصارت الدولة لحاكم العقل , ولم يبق للعاصي عذر , فأيُّ عذر لعبد شهد شهراً أوله رحمه وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار , أيُّ عذر لتارك الطاعة في شهر الطاعة , الذي تعدل الطاعة في إحدى لياليه طاعة ألف شهر , أي عذر للعصاة في شهر يقال فيه يا باغي الخير أقبل , ويا باغي الشر أقصر ……؟! إنها الغفلة بغيومها والذنوب بثقلها , والتسويف بآثاره وآصاره , وطول الأمل بأوضاره وأضراره , فاللهم سلّم سلّم.
(اللهم تب علينا توبة ترضيك , وباعد بيننا وبين معاصيك وارزقنا توبة نصوحاً تصلح بها أحوالنا , وتكون خاتمة حسنة لأعمارنا ……. أمين)




الاغترار بإمهال الله للمسيئين!
وهذا من الجهل، ومما يصد عن التوبة، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيت الله - عز وجل - يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب؛ فإنما هو استدراج» ثم تلا قوله - عز وجل: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الأنعام: 44 - 45). أخرجه أحمد ورجاله ثقات.
قال ابن الجوزي رحمه الله: (فكلُ ظالمٍ معاقبٌ في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كلُّ مذنبٍ ذنبًا، وهو معنى قوله - تعالى -: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} (النساء: من الآية 123). وربما رأى العاصي سلامة بدنه، فظن أنْ لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة).
وقال: (الواجبُ على العاقل أن يحذرَ مغبةَ المعاصي؛ فإن نارها تحت الرماد، وربما تأخرت العقوبةُ، وربما جاءت مستعجلة).
وقال: (قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلمُ، والعاقلُ من إذا فعل خطيئةً بادرها بالتوبة، فكم مغرور بإمهال العصاة لم يُمهل).
وهذا الاغترار ينتج عدّة أمورٍ كلّها سيّئة:
أولاً: تأجيل التوبة: فيجب على العبد - والحالة هذه - أن يتوب من ذنبه، وأن يتوب من تأجيل التوبة.
ثانياً: الغفلة عن التوبة مما لا يعلمه العبد من ذنوبه: فهناك ذنوبٌ خفيةٌ، وهناك ذنوبٌ يجهل العبد أنها ذنوبٌ، ولا ينجي من ذلك إلا توبةٌ عامةٌ مما يعلمه من ذنوبه ومما لا يعلمه؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» رواه البخاري في الأدب المفرد.
ثالثاً: ترك التوبة مخافةَ الرجوع للذنب، أو خوفًا من لمز الناس، أو مخافة سقوط المنزلة، وذهاب الجاه والشهرة: وهذا خطأ يجب تلافيه؛ فعلى العبد أن يعزم على التوبة، وإذا رجع إلى الذنب فليجدد التوبة مرة أخرى وهكذا، وعليه أن يدرك أنه إذا تاب عوّضه الله خيرًا مما ترك.
رابعاً: التمادي في الذنوب اعتمادًا على سعة رحمة رب العالمين: وهذا خطأ عظيم، فكما أن الله غفور رحيم فإنه شديد العقاب، {وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} (الأنعام: من الآية 147)
خامساً: توبة الكذابين: الذين يهجرون الذنوب هجرًا مؤقتًا لمرض، أو عارض، أو مناسبة أو خوف، أو رجاء جاه، أو خوف سقوطه، أو عدم تمكُّن، فإذا أتتهم الفرصة رجعوا إلى ذنوبهم؛ فهذه توبة الكذابين، وليست بتوبة في الحقيقة.
ولا يدخل في ذلك من تاب، فحدثته نفسه بالمعصية، أو أغواه الشيطان بفعلها ثم فعلها، فندم وتاب؛ فهذه توبة صادقة، كما لا يدخل في ذلك الخطَرَاتُ ما لم تكن فعلًا متحققًا.
بِأَوَاخِرِهَا. وَالْأَعْمَالَ بِخَوَاتِيمِهَا ، وَالْعَاقِبَةَ مَسْتُورَةٌ. كَمَا قِيلَ:
لَا يَغُرَّنَّكَ صَفَا الْأَوْقَاتِ ... فَإِنَّ تَحْتَهَا غَوَامِضَ الْآفَاتِ
فَكَمْ مِنْ رَبِيعٍ نَوَّرَتْ أَشْجَارُهُ، وَتَفَتَّحَتْ أَزْهَارُهُ، وَزَهَتْ ثِمَارُهُ، لَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ سَمَاوِيَّةٌ. فَصَارَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا} [يونس: 24]- إِلَى قَوْلِهِ - {يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24].
فَكَمْ مِنْ مُرِيدٍ كَبَا بِهِ جَوَادُ عَزْمِهِ ... فَخَرَّ صَرِيعًا لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ
وَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ - وَقَدْ شُوهِدَ مِنْهُ خِلَافُ مَا كَانَ يُعْهَدُ عَلَيْهِ -: مَا الَّذِي أَصَابَكَ؟ فَقَالَ: حِجَابٌ وَقَعَ، وَأَنْشَدَ:
أَحْسَنْتَ ظَنَّكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ ... وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ
وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا ... وَعِنْدَ صَفْوِ اللَّيَالِي يَحْدُثُ الْكَدَرُ
لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ؟ إِنَّمَا الْعَجَبُ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا؟
تَعْجَبِينَ مِنْ سَقَمِي ... صِحَّتِي هِيَ الْعَجَبُ
النَّاكِصُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ أَضْعَافُ أَضْعَافِ مَنِ اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ:
خُذْ مِنَ الْأَلْفِ وَاحِدًا ... وَاطَّرِحِ الْكُلَّ مِنْ بَعْدِهِ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ الْوَقْتِ: فَلَمْ يَشْتَغِلُوا بِالسَّوَابِقِ، وَلَا بِالْعَوَاقِبِ. بَلِ اشْتَغَلُوا بِمُرَاعَاةِ الْوَقْتِ، وَمَا يَلْزَمُهُمْ مِنْ أَحْكَامِهِ. وَقَالُوا: الْعَارِفُ ابْنُ وَقْتِهِ. لَا مَاضِيَ لَهُ وَلَا مُسْتَقْبَلَ.
وَرَأَى بَعْضُهُمُ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي مَنَامِهِ. فَقَالَ لَهُ: أَوْصِنِي. فَقَالَ لَهُ: كُنِ ابْنَ وَقْتِكَ.






شروط التوبة الخمس
والتوبةُ التي أمر الله بها هي التوبةُ النصوحُ التي تشتمِلُ على شرَائطِ التوبةِ وهي خمسةٌ:
* الأولُ: أن تكونَ خالِصةً لله عزَّ وجلَّ بأن يكونَ الباعِثُ لها حبَّ الله وتعظيمَه ورجاءَ ثوابِه والخوفَ من عقابِه، فلا يريدُ بها شيئاً من الدَنيا ولا تزَلُّفاً عند مخلوقٍ، فإن أراد هذَا لم تقبلْ توبتُه لأنَّه لم يَتُبْ إلى الله، وإنما تابَ إلى الغرضَ الَّذِي قصدَه.
* الثاني: أن يكونَ نادماً حَزِنًا على ما سلفَ من ذنبه يتمنَّى أنه لم يحصلْ منه؛ لأجلِ أن يُحْدِث له ذلكَ الندمُ إنابةً إلى الله وانكساراً بينَ يديه ومَقْتاً لنفسه التي أمَرَتْه بالسوءِ، فتكونُ توبتُه عن عقيدةٍ وبصيرةِ.
* الثالثُ: أنْ يُقْلِع عن المعصيةِ فوراً، فإن كانتِ المعصيةُ بفعلِ محرمٍ تَرَكَهُ في الحالِ، وإن كانتْ المعصيةُ بتركِ واجبٍ فَعَله في الحالِ إنْ كان مما يمكن قضاؤه كالزكاةِ والحجِّ، فلا تصحُّ التوبةُ مع الإِصرارِ على المعصيةِ، فلو قال: إنه تابَ من الرِّبا مثلاً وهو مستمرٌ على التعامُل به لم تصح توبته، ولم تكن توبته هذه إلا نوعَ استهزاء بالله وآياته لا تزيده مِنَ الله إِلاَّ بُعداً، ولو تابَ من تركِ الصلاةِ مع الجماعةِ وهو مستمرٌ على تركِها لم تصح توبتُه، وإذا كانتِ المعصيةُ فيما يتعلقُ بحقوقِ الخلقِ لم تصحَّ التوبةُ منها حتى يتخلَّصَ من تلك الحقوقِ، فإذا كانتْ معصيتُه بأخذِ مالٍ للغيرِ أو جحدِه لم تصح توبتُه حتى يؤدِّيَ المالَ إلى صاحبِه إن كان حيَّاً، أو إلى ورثتِه إن كان ميتاً، فإن لم يكنْ له ورثةٌ أَدَّاهُ إلى بيت المالِ، وإن كانَ لا يدري مَنْ صاحبُ المالِ تصدَّقَ به والله سبحانَه يعلمُ بِه، وإن كانتْ معصيتُه بغِيْبَةِ مسلم وجبَ أن يَسْتحلَّهُ من ذلك إن كانَ قد علمَ بِغيبتِه إيَّاه أو خافَ أن يَعلَمَ بِها، وإِلاَّ استغفَرَ له وأثْنَى عليهِ بصفاتِه المحمودةِ في المجلسِ الَّذِي اغتابَه فيه، فإن الحسناتِ يُذْهِبْن السيئاتِ.
وتصحُّ التوبةُ من ذنبٍ مَعَ الإِصرارِ على غيرِه، لأنَّ الأعمال تتبعَّضُ والإِيمانَ يتفاضلُ، لكن لا يستحقُّ الوصفَ المطلقَ للتوبةِ وما يستحقُّه التائبون على الإِطلاقِ من الأوصافِ الحميدةِ والمنازلِ العاليةِ حتى يتوبَ إلى الله من جميع الذنوبِ.
الشرط الرابعُ: أن يعزمَ على أن لا يعودَ في المستقبل إلى المعصيةِ؛ لأنَّ هذه ثمرةُ التوبة ودليل صدق صاحبها، فإن قالَ: إنه تائبٌ وهو عازمٌ أو متردِّد في فعلِ المعصيةِ يوماً مَّا لم تصح توبتُه؛ لأنَّ هذه توبةٌ مُؤقَّتةٌ يَتَحَيَّنُ فيها صاحبُها الْفُرَصَ المناسبةَ، ولا تدل على كراهيتِهِ للمعصيةِ وفرارِه منها إلى طاعةِ الله عزَّ وجل.


* الشرط الخامسُ: أن لا تكونَ بَعْدَ انتهاءِ وقتِ قبولِ التوبةِ، فإن كانتْ بعد انتهاءِ وقتِ القبولِ لم تُقْبَلْ، وانتهاءُ وقتِ القبولِ نوعانِ: عامٌ لكلِّ أحدٍ، وخاصٌ لكلِّ شخصٍ بنفسِه.
فأما العامُّ فهو طلوعُ الشمسِ من مغربها، فإذا طلعتْ الشمسُ من مغربها لم تنفع التوبةُ، قال الله تعالى: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} والمرادُ ببعضِ الآياتِ طلوعُ الشمس من مغربها، فسَّرَها بذلك النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن عبد الله بن عَمْرو بن العاصِ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «لا تزال التَّوبَةُ تُقْبَلُ حَتَّى تطلعَ الشَّمسُ من مغربها، فإذا طلعتْ طُبِعَ على كلِّ قلبٍ بِما فيهِ وكفَى الناسَ العملُ» وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تابَ قبلَ أن تطلُعَ الشمس مِنْ مغربها تاب الله عليه» .
وأما الخاصُّ فهو عندَ حضورِ الأجلِ، فمتَى حضر أجلُ الإِنسانِ وعاينَ الموتَ لم تنفعْه التوبةُ ولم تُقْبلْ منه، قال الله تعالى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} وعن عبد الله بن عمرَ بن الْخَطَّابِ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يَقْبَلُ تَوبةَ العبدِ ما لَمْ يغرغر» (3) يعني بروحه.
وَمَتَى صحَّتِ التوبةُ باجتماع شروطِها وقُبِلَت محا الله بها ذَلِكَ الذَّنْبَ الَّذِي تابَ منه وإن عَظُمَ، قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}!






عقبات في طريق التوبة
حتى تكون توبتك في هذا الشهر المبارك، أخي المسلم، على بصيرةٍ، توبة صادقة، غير كاذبةً، فينبغي عليك أن تنتبه إلى طبيعة طريق التوبة، وهو طريقٌ فيه سبع عقباتٍ، يقف عندها الشيطان مريداً الظفَرَ بفريسته عند واحدةٍ منها، وهذه العقبات السبع، بَعْضُهَا أَصْعَبُ مِنْ بَعْضٍ، ولَا يَنْزِلُ الشيطان مِنَ العَقَبَة الشَّاقَّةِ إِلَى مَا دُونَهَا إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنِ الظَّفَرِ بِفريسته فِيهَا!


فانتبه أخي المؤمن إلى هذه العقبات، بادئاً بأخطرها، حتى تعمل على التخلص منه، ثم تنزل إلى ما هو دونها في الخطورة، مستعيناً في ذلك بحال العبودية التي يهيّؤها لك شهر رمضان الكريم، وقربك من القرآن الكريم:
[الْعَقَبَة الْأُولَى: عَقَبَة الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَبِدِينِهِ وَلِقَائِهِ، وَبِصِفَاتِ كَمَالِهِ، وَبِمَا أَخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَنْهُ!]
ولا ينبغي للمسلم أن يستهين بهذه العَقَبَة، ويقول إنه بعيدٌ عن الوقوع فيها، ذلك أنّ الوقوع في بحر الشهوات والمعاصي، يوشك أن يقود الإنسان إلى الوقوع عند هذه العَقَبَة، ومن المعلوم أن المعاصي يمكن أن تصل بصاحبها إلى درجة الكفر العمليّ!
فينبغي عليك أخي المسلم أن تثبّت يقينك ومعرفتك بالله سبحانه وتعالى، وتعرفه بصفات كماله، وتثبتها له! وخير ما تستعين به على ذلك القرآن الكريم، فإنه يقرر هذا المبحث بكلّ وضوحٍ وبساطة!


المهم، َإِنَّهُ إِنْ ظَفِرَ إبليس بالمسلم فِي هَذِهِ العَقَبَةبَرُدَ تْ نَارُ عَدَاوَتِهِ وَاسْتَرَاحَ، فَإِنِ اقْتَحَمَ المسلم هَذِهِ الْعُقْبَةَ وَنَجَا مِنْهَا بِبَصِيرَةِ الْهِدَايَةِ، وَسَلِمَ مَعَهُ نُورُ الْإِيمَانِ طَلَبَهُ عدوّه عَلَى:
[العَقَبَة الثَّانِيَةِ: وَهِيَ عَقَبَة الْبِدْعَةِ]
إِمَّا بِاعْتِقَادِ خِلَافِ الْحَقِّ الَّذِي أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَأَنْزَلَ بِهِ كِتَابَهُ، وَإِمَّا بِالتَّعَبُّدِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ مِنَ الْأَوْضَاعِ وَالرُّسُومِ الْمُحْدَثَةِ فِي الدِّينِ، الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهَا شَيْئًا، وَالْبِدْعَتَان ِ فِي الْغَالِبِ مُتَلَازِمَتَان ِ، قَلَّ أَنْ تَنْفَكَّ إِحْدَاهُمَا عَنِ الْأُخْرَى، كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ: تَزَوَّجَتْ بِدَعَةُ الْأَقْوَالِ بِبِدْعَةِ الْأَعْمَالِ، فَاشْتَغَلَ الزَّوْجَانِ بِالْعُرْسِ، فَلَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا وَأَوْلَادُ الزِّنَا يَعِيثُونَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، تَضِجُّ مِنْهُمُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وهذه العَقَبَة تبدو واضحةً في حياة المسلمين، فالمذاهب البدعية والشركية والصوفية والصفويّة، لها وجودٌ في بلاد المسلمين، ولها دعاة نذروا أنفسهم لخدمتها! وعلى المسلم العاقل أن يراجع نفسه، متفكراً في حقيقة العبودية، وما تقتضيه من الاتباع الكامل للكتاب والسنة، وأن يدرك حقيقة أنّ كلّ بدعةٍ في الدين فهي ضلالٌ مبين!
فَإِنْ قَطَعَ هَذِهِ الْعُقْبَةَ، وَخَلَصَ مِنْهَا بِنُورِ السُّنَّةِ، وَاعْتَصَمَ مِنْهَا بِحَقِيقَةِ الْمُتَابَعَةِ، وَمَا مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الْأَخْيَارُ! انتقل إلى العَقَبَة الثالثة.


[الْعَقَبَة الثَّالِثَةُ: وَهِيَ عَقَبَة الْكَبَائِرِ]:
فَإِنْ ظَفِرَ بِهِ فِيهَا زَيَّنَهَا لَهُ، وَحَسَّنَهَا فِي عَيْنِهِ، وَسَوَّفَ بِهِ، وَفَتَحَ لَهُ بَابَ الْإِرْجَاءِ، وَقَالَ لَهُ: الْإِيمَانُ هُوَ نَفْسُ التَّصْدِيقِ، فَلَا تَقْدَحُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، وَرُبَّمَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِهِ وَأُذُنِهِ كَلِمَةً طَالَمَا أَهْلَكَ بِهَا الْخَلْقَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: لَا يَضُرُّ مَعَ التَّوْحِيدِ ذَنْبٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ حَسَنَةٌ، وَالظُّفْرُ بِهِ فِي عُقْبَةِ الْبِدْعَةِ أَحَبُّ إِلَيْهِ، لِمُنَاقَضَتِهَ ا الدِّينَ، وَدَفْعِهَا لِمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَصَاحِبُهَا لَا يَتُوبُ مِنْهَا، وَلَا يَرْجِعُ عَنْهَا، بَلْ يَدْعُو الْخَلْقَ إِلَيْهَا، وَلِتَضَمُّنِهَ ا الْقَوْلَ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، وَمُعَادَاةَ صَرِيحِ السُّنَّةِ، وَمُعَادَاةَ أَهْلِهَا، وَالِاجْتِهَادَ عَلَى إِطْفَاءِ نُورِ السُّنَّةِ، وَتَوْلِيَةِ مَنْ عَزَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَعَزْلَ مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَاعْتِبَارَ مَا رَدَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَرَدَّ مَا اعْتَبَرَهُ، وَمُوَالَاةَ مَنْ عَادَاهُ، وَمُعَادَاةَ مَنْ وَالَاهُ، وَإِثْبَاتَ مَا نَفَاهُ، وَنَفْيَ مَا أَثْبَتَهُ، وَتَكْذِيبَ الصَّادِقِ، وَتَصْدِيقَ الْكَاذِبِ، وَمُعَارَضَةَ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَقَلْبَ الْحَقَائِقِ بِجَعْلِ الْحَقِّ بَاطِلًا، وَالْبَاطِلِ حَقًّا، وَالْإِلْحَادَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَتَعْمِيَةَ الْحَقِّ عَلَى الْقُلُوبِ، وَطَلَبَ الْعِوَجِ الِصِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَفَتْحَ بَابِ تَبْدِيلِ الدِّينِ جُمْلَةً.
فَإِنَّ الْبِدَعَ تَسْتَدْرِجُ بِصَغِيرِهَا إِلَى كَبِيرِهَا، حَتَّى يَنْسَلِخَ صَاحِبُهَا مِنَ الدِّينِ، كَمَا تَنْسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، فَمَفَاسِدُ الْبِدَعِ لَا يَقِفُ عَلَيْهَا إِلَّا أَرْبَابُ الْبَصَائِرِ، وَالْعِمْيَانُ ضَالُّونَ فِي ظُلْمَةِ الْعَمَى {وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40].


فَإِنْ قَطَعَ هَذِهِ الْعقبَةَ بِعِصْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، أَوْ بِتَوْبَةٍ نَصُوحٍ تُنْجِيهِ مِنْهَا، طَلَبَهُ عَلَى:
[العَقَبَةالرَّا بِعَةِ: وَهِيَ عَقَبَة الصَّغَائِرِ]
فَكَالَ لَهُ مِنْهَا بِالْقُفْزَانِ، وَقَالَ: مَا عَلَيْكَ إِذَا اجْتَنَبْتَ الْكَبَائِرَ مَا غَشِيتَ مِنَ اللَّمَمِ، أَوَمَا عَلِمْتَ بِأَنَّهَا تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَبِالْحَسَنَات ِ، وَلَا يَزَالُ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَمْرَهَا حَتَّى يُصِرَّ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ مُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ الْخَائِفُ الْوَجِلُ النَّادِمُ أَحْسَنَ حَالًا مِنْهُ، فَالْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ أَقْبَحُ مِنْهُ، وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَا رِ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ الْإِصْرَارِ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، ثُمَّ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا بِقَوْمٍ نَزَلُوا بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، فَأَعْوَزَهُمُ الْحَطَبُ، فَجَعَلَ هَذَا يَجِيءُ بِعُودٍ، وَهَذَا بِعُودٍ، حَتَّى جَمَعُوا حَطَبًا كَثِيرًا، فَأَوْقَدُوا نَارًا، وَأَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، فَكَذَلِكَ فَإِنَّ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ تَجْتَمِعُ عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ يَسْتَهِينُ بِشَأْنِهَا حَتَّى تُهْلِكَهُ».


[الْعَقَبَة الْخَامِسَةُ: وَهِيَ عَقَبَة الْمُبَاحَاتِ الَّتِي لَا حَرَجَ عَلَى فَاعِلِهَا]
فَشَغَلَهُ بِهَا عَنْ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَعَنْ الِاجْتِهَادِ فِي التَّزَوُّدِ لِمَعَادِهِ، ثُمَّ طَمَّعَ فِيهِ أَنْ يَسْتَدْرِجَهُ مِنْهَا إِلَى تَرْكِ السُّنَنِ، ثُمَّ مِنْ تَرْكِ السُّنَنِ إِلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَقَلُّ مَا يُنَالُ مِنْهُ تَفْوِيتُهُ الْأَرْبَاحَ، وَالْمَكَاسِبَ الْعَظِيمَةَ، وَالْمَنَازِلَ الْعَالِيَةَ، وَلَوْ عَرَفَ السِّعْرَ لَمَا فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْقُرُبَاتِ، وَلَكِنَّهُ جَاهِلٌ بِالسِّعْرِ.


فَإِنْ نَجَا مِنْ هَذِهِ العَقَبَةبِبَصِ يرَةٍ تَامَّةٍ وَنُورٍ هَادٍ، وَمَعْرِفَةٍ بِقَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالِاسْتِكْثَا رِ مِنْهَا، وَقِلَّةِ الْمُقَامِ عَلَى الْمِينَاءِ، وَخَطَرِ التِّجَارَةِ، وَكَرَمِ الْمُشْتَرِي، وَقَدْرِ مَا يُعَوِّضُ بِهِ التُّجَّارَ، فَبَخِلَ بِأَوْقَاتِهِ، وَضَنَّ بِأَنْفَاسِهِ أَنْ تَذْهَبَ فِي غَيْرِ رِبْحٍ، طَلَبَهُ الْعَدُوُّ عَلَى:
[العَقَبَةالسَّا دِسَةِ: وَهِيَ عَقَبَة الْأَعْمَالِ الْمَرْجُوحَةِ الْمَفْضُولَةِ مِنَ الطَّاعَاتِ]:
فَأَمَرَهُ بِهَا، وَحَسَّنَهَا فِي عَيْنِهِ، وَزَيَّنَهَا لَهُ، وَأَرَاهُ مَا فِيهَا مِنَ الْفَضْلِ وَالرِّبْحِ، لِيَشْغَلَهُ بِهَا عَمَّا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَأَعْظَمُ كَسْبًا وَرِبْحًا، لِأَنَّهُ لَمَّا عَجَزَ عَنْ تَخْسِيرِهِ أَصْلَ الثَّوَابِ، طَمِعَ فِي تَخْسِيرِهِ كَمَالَهُ وَفَضْلَهُ، وَدَرَجَاتِهِ الْعَالِيَةَ، فَشَغَلَهُ بِالْمَفْضُولِ عَنِ الْفَاضِلِ، وَبِالْمَرْجُوح ِ عَنِ الرَّاجِحِ، وَبِالْمَحْبُوب ِ لِلَّهِ عَنِ الْأَحَبِّ إِلَيْهِ، وَبِالْمَرْضِيّ ِ عَنِ الْأَرْضَى لَهُ.
وَلَكِنْ أَيْنَ أَصْحَابُ هَذِهِ الْعُقْبَةِ؟ فَهُمُ الْأَفْرَادُ فِي الْعَالَمِ، وَالْأَكْثَرُون َ قَدْ ظَفِرَ بِهِمْ فِي الْعُقْبَاتِ الْأُوَلِ.
فَإِنْ نَجَا مِنْهَا بِفِقْهٍ فِي الْأَعْمَالِ وَمَرَاتِبِهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَمَنَازِلِهَا فِي الْفَضْلِ، وَمَعْرِفَةِ مَقَادِيرِهَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ عَالِيهَا وَسَافِلِهَا، وَمَفْضُولِهَا وَفَاضِلِهَا، وَرَئِيسِهَا وَمَرْءُوسِهَا، وَسَيِّدِهَا وَمَسُودِهَا، فَإِنَّ فِي الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ سَيِّدًا وَمَسُودًا، وَرَئِيسًا وَمَرْءُوسًا، وَذِرْوَةً وَمَا دُونَهَا، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ» الْحَدِيثَ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «الْجِهَادُ ذِرْوَةُ سَنَامِ الْأَمْرِ» وَفِي الْأَثَرِ الْآخَرِ " إِنَّ الْأَعْمَالَ تَفَاخَرَتْ " فَذَكَرَ كُلُّ عَمَلٍ مِنْهَا مَرْتَبَتَهُ وَفَضْلَهُ، وَكَانَ لِلصَّدَقَةِ مَزِيَّةٌ فِي الْفَخْرِ عَلَيْهِنَّ، وَلَا يَقْطَعُ هَذِهِ الْعُقْبَةَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَائِرِ وَالصِّدْقِ مِنْ أُولِي الْعِلْمِ، السَّائِرِينَ عَلَى جَادَّةِ التَّوْفِيقِ، قَدْ أَنْزَلُوا الْأَعْمَالَ مَنَازِلَهَا، وَأَعْطَوْا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ.


فَإِذَا نَجَا مِنْهَا لَمْ يَبْقَ هُنَاكَ عُقْبَةٌ يَطْلُبُهُ الْعَدُوُّ عَلَيْهَا سِوَى وَاحِدَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَوْ نَجَا مِنْهَا أَحَدٌ لَنَجَا مِنْهَا رُسُلُ اللَّهِ وَأَنْبِيَاؤُهُ ، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ، وَهِيَ:
[العَقَبَة السابعة: عَقَبَة تَسْلِيطِ جُنْدِهِ عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ، عَلَى حَسَبِ مَرْتَبَتِهِ فِي الْخَيْرِ]
فَكُلَّمَا عَلَتْ مَرْتَبَتُهُ أَجْلَبَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ بِخَيْلِهِ وَرَجِلِهِ، وَظَاهَرَ عَلَيْهِ بِجُنْدِهِ، وَسَلَّطَ عَلَيْهِ حِزْبَهُ وَأَهْلَهُ بِأَنْوَاعِ التَّسْلِيطِ، وَهَذِهِ الْعَقَبَة لَا حِيلَةَ لَهُ فِي التَّخَلُّصِ مِنْهَا، فَإِنَّهُ كُلَّمَا جَدَّ فِي الِاسْتِقَامَةِ وَالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَالْقِيَامِ لَهُ بِأَمْرِهِ، جِدَّ الْعَدُوُّ فِي إِغْرَاءِ السُّفَهَاءِ بِهِ، فَهُوَ فِي هَذِهِ العَقَبَةقَدْ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ، وَأَخَذَ فِي مُحَارَبَةِ الْعَدُوِّ لِلَّهِ وَبِاللَّهِ، فَعُبُودِيَّتُه ُ فِيهَا عُبُودِيَّةُ خَوَاصِّ الْعَارِفِينَ، وَهِيَ تُسَمَّى عُبُودِيَّةَ الْمُرَاغَمَةِ، وَلَا يَنْتَبِهُ لَهَا إِلَّا أُولُو الْبَصَائِرِ التَّامَّةِ، وَلَا شَيْءَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ مُرَاغَمَةِ وَلِيِّهِ لِعَدُوِّهِ، وَإِغَاظَتِهِ لَهُ، وَقَدْ أَشَارَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذِهِ الْعُبُودِيَّةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ:
أَحَدُهَا: قَوْلُهُ {وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً} [النساء: 100]




يتبع

ابوالوليد المسلم 10-04-2019 04:49 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
التوبة والمحاسبة

اللجنة العلمية


العلاقة بين التوبة والمحاسبة، علاقة وثيقة!
يقول ابن القيّم عن المحاسبة أنّها: "قَبْلَ التَّوْبَةِ فِي الْمَرْتَبَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا عَرَفَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ أَخَذَ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَهُوَ التَّوْبَةُ.
وَصَاحِبُ الْمَنَازِلِ قَدَّمَ التَّوْبَةَ عَلَى الْمُحَاسَبَةِ، وَوَجْهُ هَذَا أَنَّهُ رَأَى التَّوْبَةَ أَوَّلَ مَنَازِلِ السَّائِرِ بَعْدَ يَقَظَتِهِ، وَلَا تَتِمُّ التَّوْبَةُ إِلَّا بِالْمُحَاسَبَة ِ، فَالْمُحَاسَبَة ُ تَكْمِيلُ مَقَامِ التَّوْبَةِ، فَالْمُرَادُ بِالْمُحَاسَبَة ِ الِاسْتِمْرَارَ عَلَى حِفْظِ التَّوْبَةِ، حَتَّى لَا يَخْرُجَ عَنْهَا، وَكَأَنَّهُ وَفَاءٌ بِعَقْدِ التَّوْبَةِ".
وممّا يقتضيه سعيُ الإنسانِ المخلص إلى ميل مرضاة ربّه في هذا الشهر الكريم، أن يجتهد في حساب نفسه ومحاسبتها، وأن يعمل على إعداد بيانٍ عن عيوبها وذنوبها المستعصية، وعاداتها السّيّئة القارة في سويداء فؤاده ليبدأ علاجها جديا في رمضان، وكذلك أن يعدّ قائمة بالطاعات التي سيجتهد في أدائها ليُحاسب نفسه بعد ذلك عليها، ولا يستهن بها!
وقد روى البخاريُّ عن ابن مسعود قوله: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ» فَقَالَ بِهِ هَكَذَا، قَالَ أَبُو شِهَابٍ: بِيَدِهِ فَوْقَ أَنْفِهِ".


لماذا المحاسبة الجادة؟
لأنَّ همَّة أبناء الآخرة تأبى إلا الكمال، وأقلُّ نقص يعدُّونه أعظم عيب، قال الشاعر:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا كنقص القادرين على التمام
وعلى قدر نفاسة الهمَّة تشرئبُّ الأعناق، وعلى قدر خساستها تثَّاقل إلى الأرض، قال الشاعر:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وهذا رد على من يقول: ومن لنا بمعصومٍ عن عيبٍ غير الأنبياء ويُردد:
من ذا الذي تُرجَى سجاياه كلُّها كفى بالمرء نبلاً أن تُعدَّ معايبه
فإن هذه القاعدة في التعامل مع الناس، أمَّا معاملة النفس، فهي مبنية على التهمة، وعلى طلب الكمال وعدم الرِّضا بالدون:
فإذا كانت النفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسامُ


متى يكون التدرج ومتى يكون الحسم؟
فذاك السالك دومًا يستكمل عناصر الإيمان، كلَّما علم أنَّ ثمة ثُلمة، يعزم لذلك عزمة (تأمل) فإذا شرع في الاستكمال، أدرك ضرورةَ الصفاء فيه، وأن يرفأ ويرتُق بجنس ما وهبه الله من خير آنفًا لئلاً يفضحه النشاز (وجود العيب مع خصال الحُسن) فيعزم لذلك عزمة أخرى فثالثة تستدعي رابعة في نهضات متوالية حتى يصيب مراده. (أي استكمال عناصر الإيمان).
هذه العزمات المتوالية تستحثَّها في كل زمان!
ولكن قد يتسرطن عيبٌ ويتجذّر ذنبٌ وتتأصَّل عادة، ولا يجدي مع مثلِ هذا أساليبُ علاج تقليدية، إنما هي عمليَّةٌ جراحيَّة استئصاليَّة تتطلب حميةً متوفرة في شهر رمضان، وهِمةً شحذتها قُبيل هذا الزَّمان المبارك، فما بقيَ إلا أن تضعَ مبضع العزيمة الحادِّ، وبجلدٍ وصبر على آلام القطع تستأصل تلك الأورام الناهشة في نسيج إيمانك وتقواك، لا تستعمل أيَّ مخدر، فإنَّ شأن المخدر أن يسافر بك في سمادير السكارى وأوهام الحيارى، فتفيق دون أن تدري بأنَّ الورم لم يُستأصل بكامله، بل بقيت منه مُضغةٌ متوارية ريثما تتسرطن ثانية.
فإذا كنت مدخنًا أو مبتلى بالنّظر أو الوسوسة أوالعشق، فبادر إلى تقييد كل هذا البلاء، وابدأ العمليات الجراحية في شهر رمضان، ولا تتذرع بالتدرج الذي سميناه مخدرًا، بل اهجر الذنب وقاطع المعصية وابتُر العادة ولا تجزع من غزارة النزيف وشدة الآلام، فإنه ثمن العلاج الناجح، وضرورة الشفاء الباتّ الذي لا يغادر سقمًا.
ووجه كون شهر رمضان فرصةً سانحةً لعلاج الآفات والمعاصي والعادات:
- إنه شهر حمية أي امتناع عن الشهوات (طعام وجماع) والشهوات مادة النشوز والعصيان،
- كما أن الشياطين فيه تصفّد وهم أصل كل بلاء يصيب ابن آدم،
- أضف إلى ذلك: جماعية الطاعة، حيث لا يبصر الصائم في الغالب إلا أمةً تصوم وتتسابق إلى الخيرات فتضعف همته في المعصية وتقوى في الطاعة!
فهذه عناصر ثلاثة مهمة تتضافر مع عزيمة النفس الصادقة للإصلاح؛ فيتولّد طقس صحي وظروف مناسبة لاستئصال أيِّ داء.
وقبل كل ذلك وبعده، لا يجوز أن ننسى ونغفل عن ديوان العُتقاء والتائبين والمقبولين الذي يفتحه الرب جلَّ وعلا في هذا الشَّهر، وبنظرةٍ عابرة إلى جمهور المتدينين تجد بداياتهم كانت بعبرات هاطلة في سكون ليلةٍ ذات نفحات من ليالي رمضان.
وما لم تتحفّز الهمم لعلاج الآفات في هذا الشهر، لن تبقى فرصة لأولئك السالكين أن يبرأوا، فمن حُرم بركة رمضان ولم يبرأ من عيوب نفسه فيه، فأي زمان آخر يستظلّ ببركته.
وفي صحيح ابن خزيمة أن جبريل قال: "من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقلت: "أي النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: آمين".
لحديث صحيح.
أما استحضار أنواع الطاعات وتقييدها وتوطين العزيمة على أدائها في رمضان فهو من أهم ما يُستعدُّ له في هذا الشهر، وعلى هذا الأصل تحمل كل النصوص الواردة في فضل رمضان والاجتهاد فيه، فمعظمها صريح أو ظاهر في أنه قيل قبل رمضان أو في أوله.


لا بدَّ من شَحذ العزيمة!
ويمنّي بعض الخياليين نفسه بأماني العزيمة التي لا تعدو أن تكون سرابًا يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. فنراه يحلم أحلامًا وردية بأن يجتهد في هذا الشهر اجتهادًا عظيمًا، وتراه يرسم لنفسه صور الحلال وأُبهة الولاية، فإذا ما هجم الشهر، قال المسكين: اليوم خمر، وغدًا أمر.
لما قال أنس بن النضر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة بدر: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلت فيه المشركين، واللهِ لئن أشهدني الله قتال المشركين لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، ثم رووا لنا أنهم وجدوه في أحُد صريعًا به بضع وستونَ، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، علمنا ما أضمر الرجل.
ولما قال ذلك الصَّحابيُّ: يا رسولَ الله ما بايعتُك إلا على سهم يدخل ههنا فأدخل الجنة، قال له الرَّسول -صلى الله عليه وسلم -: "إن تصدُق الله يصدقُكُ" ثم رووا أنَّ السهم دخل من موضع إشارته، علمنا ما عزم عليه الرجل:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصَّغير صغارها وتصغُر في عين العظيم العظائم!





تائبٌ يُناجي: ما أحلاك يا رمضان!

ختاماً، أُخيَّ، اسمع هذه عباراتٌ كتبها رجلٌّ منَّ الله عليه بالهداية، فكان ممّن أُعتِقَت روحه في رمضان الماضي من أسر الهوى والشهوات،
فانطلق إلى ربّه فرحاً مشتاقاً، فاسمعه وهو يحاول أن يصف فرحته وسعادته فيقول:
"ما أجمل رمضان وما أحسن أيامه، سبحان الله! كل هذه اللذة وهذه الحلاوة ولم أذق طعمها إلا هذا العام، أين هي عيني كل هذه السنوات؟
إيه.. بل أين أنا عنها، فإن من تحر الخير يعطه، ومن بحث عن الطريق وجده، ومن أقبل على الله أعانه.
صدق الله في الحديث القدسي: «ومن تقرب مني شبرًا، تقربت منه ذراعا» [رواه مسلم]، سبحان الله!
أشعر أن حملًا ثقيلًا زاح عن صدري؛ وأشعر بانشراح فسيح في نفسي، أول مرة في حياتي أفهم تلك الآية التي أسمعها تقرأ في مساجدنا؛ {فَمَن يُرِدِ اللَّـهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125]، أين ذلك الضيق؟
وتلك الهموم التي كانت تكتم نفسي حتى أكاد اصرع؟ أين تلك الهواجس والأفكار والوساوس؟
أين شبح الموت الذي كان يلاحقني فيفسد علي المنام؟
إنني أشعر بسرور عجيب، وبصدر رحيب، وبقلبي لين دقيق، أريد أن ابكي

!
أريد أن أناجى ربي وأعترف له بذنبي، لقد عصيت وأذنبت وصليت وتركت وأسررت وجاهرت وأبعدت وقربت وشرقت وغربت وسمعت وشاهدت..
ويح قلبي من تناسيه مقامي يوم حشري

واشتغالي عن خطايا أثقلت والله ظهري

ليتني أقبل وعظي ليتني أسمع زجري



والله لولا الحياء ممن بجواري لصرخت بأعلى صوتي؛ أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنب إلا أنت، لسان حالي يقول للإمام؛ لماذا قطعت علي حلاوة المناجاة يا إمام! لماذا رفعت من السجود فحرمتني من لذة الاعتراف والافتقار للواحد القهار؛ يا إمام أريد أن أبكى فأنا لم أبكي منذ أعوام..
ألا يا عين وحيك أسعديني *** بطول الدمع في ظلم الليالي

لعلك في القيامة أن تفوزي *** بخير الدهر في تلك العلالي


يا إمام أسمعني القرآن، فلقد مللت ملاهي الشيطان؛ يا إمام لماذا يذهب رمضان وفيه عرفنا الرحمن وأقلعنا عن الذنب والعصيان!
في صيام الشهر طب ليس يبديه طبيب

فيــه أسرار يعيها صائم حقًا أريب

فيه غيث من صفاء ترتوي فيه القلوب

فيه للأرواح شبع دونه الكون الرحيب

صائم في درع تقوى تنجلي عنه الكروب
ما أحلاك يا رمضان!.. ما أجملك!.. سأشغل أيامك ولياليك، بل ساعاتك وثوانيك.. كيف لا وقد وجدت نفسي فيك!! أليس في الحديث: «رَغِم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له» [صححه الألباني].
التهنئة بدخول شهر رمضان




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالتهنئة بدخول شهر رمضان تعد من قبيل العادات التي لا تخالف الشرع في شيء، ومثل هذا يتوسع فيه، وكما قال الإمام أحمد _رحمه الله تعالى_: أنا لا أبدأ أحداًً، لكن إن بدأني أحد أو هنأني أحد هنيته. فمثل هذا من قبيل العادات ولا بأس به _إن شاء الله_، لاسيما وأن لها أصل شرعي. فالنبي _عليه الصلاة والسلام_ هنَّأه جبريل في نزول آخر سورة البقرة، وكذلك أيضاً كعب بن مالك لما تاب الله _عز وجل_ عليه هنَّأه الصحابة _رضوان الله عليهم_، فهذا أصل في مثل هذه التهاني، ويدخل فيها التهنئة بالعيد كذلك سواء كان الفطر أو الأضحى، والحاصل أن هذه الأمور من قبيل العادات التي لا تنكر على الناس، ولأن لها أصل شرعي على ما تقدم تفصيله، والله _تعالى_ أعلم .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



ابوالوليد المسلم 14-04-2019 11:49 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
التهنئة بدخول شهر رمضان

اللجنة العلمية



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فالتهنئة بدخول شهر رمضان تعد من قبيل العادات التي لا تخالف الشرع في شيء، ومثل هذا يتوسع فيه، وكما قال الإمام أحمد _رحمه الله تعالى_: أنا لا أبدأ أحداًً، لكن إن بدأني أحد أو هنأني أحد هنيته. فمثل هذا من قبيل العادات ولا بأس به _إن شاء الله_، لاسيما وأن لها أصل شرعي. فالنبي _عليه الصلاة والسلام_ هنَّأه جبريل في نزول آخر سورة البقرة، وكذلك أيضاً كعب بن مالك لما تاب الله _عز وجل_ عليه هنَّأه الصحابة _رضوان الله عليهم_، فهذا أصل في مثل هذه التهاني، ويدخل فيها التهنئة بالعيد كذلك سواء كان الفطر أو الأضحى، والحاصل أن هذه الأمور من قبيل العادات التي لا تنكر على الناس، ولأن لها أصل شرعي على ما تقدم تفصيله، والله _تعالى_ أعلم .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ابوالوليد المسلم 14-04-2019 11:49 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
أهمية استغلال أوقات شهر رمضان


اللجنة العلمية


لما كان الوقت هو الحياة، وهو العمر الحقيقي للإنسان، كان حفظه أصل كل خير، وتضياعه منشأ كل شر، ولما كانت أيام شهر رمضان وساعاته ودقائقه ذهبية لا تُعوض، كان لابد من وقفة تُبين قيمة الوقت في يوم الصائم وليله. فإنه إذا عرف الإنسان قيمة شيء ما وأهميته حرص عليه وعزَّ عليه ضياعه وفواته، وهذا شيء بدهي، فالمسلم إذا أدرك قيمة وقته وأهميته، كان أكثر حرصًا على حفظه واغتنامه فيما يقربه من ربه، وها هو الإمام ابن القيم -رحمه الله- يُبين هذه الحقيقة بقوله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته.... فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته"([1]).


ويقول ابن الجوزي -رحمه الله-: "ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل"([2]).
ولقد عني القرآن الكريم والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته. وقد جاءت آيات كثيرة تحثُّ على استغلال بعض الأوقات نحو قول الله "جل جلاله":(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا)([3])،ومثل وصف ما كان عليه حال المتقين نحو قول الله تعالى (كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ)([4])، وجاءت آيات أُخرى تحثُّ على المسابقة في تحصيل الخير استغلالاً للوقت كما في قوله تعالى: (وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ([5]).


وجاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل "رضي الله عنه" أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يـُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه"([6]). وأخبر النبي "صلى الله عليه وسلم" أن الوقت نعمة من نعم الله على خلقه ولابد للعبد من شكر النعمة وإلا سُلبت وذهبت، وشكر نعمة الوقت يكون باستعمالها في الطاعات، واستثمارها في الباقيات الصالحات، يقول "صلى الله عليه وسلم": "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ"([7]).


والوقت الذي هو الليل والنهار هو كرأس مال الإنسان في التجارة، يحافظ عليه العاقل، ويتحفظ في تصرفه أن يذهب إن أساء العمل، أو نقص فيخسر ويندم. فهكذا عمره في هذه الحياة هو الذي يربح إذا استغله في الخير والعلم والعمل الصالح، ويخسر في ضد ذلك، فيجب على العاقل أن يهتم بشغل فراغه فيما يعود عليه بالفائدة العائدة عليه بالخير في دنياه وأخراه، متذكرًا أنّه مسئول ومحاسب عن زمانه، ولعل من الأسباب المعينة على استغلال هذه الأيام المعدودات استشعار قيمة الوقت، وأن له شأناً عند الله، وأن يعلم الصائم أن هذا الوقت هو رأس ماله؛ فإن ضيعه ضاع رأس ماله، وإن حفظه فالربح حليفه. وعلينا أن ندرك أن مفاتيح استغلال الوقت بأيدينا نحن وليس علينا سوى أن نُشمر عن ساعد الجد، فإنما هي أيام معدودة وليال قليلة.


([1]) الداء والدواء لابن القيم، ص (239).

([2]) صيد الخاطر (1/3).

([3]) الآية رقم (79)، من سورة الإسراء.

([4]) الآية رقم (17)، من سورة الذاريات.

([5]) الآية رقم (133)، من سورة آل عمران.

([6]) أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير، رقم (111)، وغيره بألفاظ مختلفة، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، رقم (3593).

([7]) أخرجه البخاري، في كتاب الرقائق، باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش إلا عيش الآخرة، رقم (6049).

ابوالوليد المسلم 15-04-2019 01:50 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
تعريف النية وأهميتها

اللجنة العلمية





النية في صوم رمضان
توطئة
إن المسائل والأحكام المتعلقة بنية الصائم قد اعتنى بها الفقهاء –رحمهم الله- بتوضيحها، والبحث فيها، وما ذاك إلا لأن الصوم عبادة، والعبادة لا تصح إلا بنية، لقوله "صلى الله عليه وسلم": "إنما الأعمال بالنيات"([1])، ولأن الإنسان قد يَضْرِب عن الطعام ويستمر إضرابه يومًا كاملاً؛ فلا يُقال عنه أنه صائم، لأنه لم يقصد التقرب إلى الله "سبحانه وتعالى" بهذا الامتناع، ومثله لو امتنع عن الطعام والشراب ليخفف وزنه، أو خوفًا من الطعام والشراب أن يضره في جسده؛ لذا كان لمبحث تعيين النية حيِّزًا واسعًا من كلام الفقهاء في كتبهم، حتى وصل الأمر إلى الإجماع على وجوب تعيينها، كما قال ابن قدامة في المغني: " لا يصح صومٌ إلا بنية إجماعًا، فرضًا كان أو تطوّعًا؛ لأنه عبادة محضة، فافتقر إلى النية كالصلاة"([2]). قال النووي: "لا يصحّ الصوم إلا بنية، ومحلها القلب، ولا يُشترط النطق بها بلاخلاف"([3]). وفي بداية المجتهد قوله: "أما كون النية شرطًا في صحة الصيام فإنه قول الجمهور"([4]).



وعند نظري في كلام الفقهاء عن النية لحظت أنهم يوردون الكلام في مسألتين قريبتين من بعضهما، وهما حكم تبييت النية لصوم رمصان، وحكم تبييتها لكل يوم من رمضان، فما هو الخلاف فيهما؟ وما الفرق بينهما؟.
والذي أحب أن أتوصل إليه وهو الذي يهمني من مبحث تعيين النية، والذي "تعم به البلوى"؛ هو هل يشترط تعيين النية لصيام كل يوم من أيام رمضان؟ أم يُكتفى بنية واحدة من بداية رمضان تغني عن تبييتها كل ليلة؟. وقد رأيت أن أفرد الحديث عن كل واحدة منهما على حِدة، ثم الخروج بخلاصة لهذا المبحث.



لكن قبل الشروع في المسألتين أذكر تعريفًا مختصرًا للنية:
فقولنا: نوى الشيء، أي قصده واعتقده، والنية هي الأمر والوجه الذي تنويه، وهي ما ينوي الإنسان بقلبه من خير أو شر([5]).
والنية عند الفقهاء: العزم على فعل الشيء تقربًا إلى الله([6]). قال ابن قدامة في المغني([7]): "ومعنى النية القصد: اعتقاد القلب فعل شيء وعزمه عليه من غير تردد، فمتى خطر بقلبه في الليل أن غدًا من رمضان، وأنه صائم فيه، فقد نوى".



([1]) أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب كيف بدء الوحي إلى رسول الله r وقول الله: (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا )، [النساء آية 163]، (1/3)، رقم (1)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قوله "صلى الله عليه وسلم": "إنما الأعمال بالنيات"، وأنه يدخل فيه الغزو وغيره من الأعمال (3/1515)، رقم (155).

([2]) المغني (3/7).

([3]) روضة الطالبين (2/350).

([4]) بداية المجتهد (1/213).
([5]) لسان العرب مادة (نوى) (15/347)، القاموس المحيط مادة (نوى) (1/1728)، المصباح المنير، مادة (نوى) (2/632)، كتاب العين (8/394).


([6]) انظر: الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي، لأبي منصور محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري، تحقيق: محمد جبر الألفي، وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت، الطبعة الأولى، عام 1399هـ (1/41)، المطلع (1/69).

([7]) (3/24).

ابوالوليد المسلم 15-04-2019 01:51 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
تعيين النية في صوم رمضان

اللجنة العلمية

اختلف الفقهاء في حكم تعيين النية في الصوم على قولين:
القول الأول
ذهب الحنفية([1]) في حكم تعيين النية في الصوم إلى تقسيم ذلك إلى قسمين:
القسم الأول: لا يشترط فيه التعيين، وهو: أداء رمضان، والنذر المعين زمانه، وكذا النفل، فإنه يصح بمطلق نية الصوم، من غير تعيين؛ وذلك لأن رمضان وقته مُضيّق، لا يسع غيره من جنسه وهو الصوم، فلم يشرع فيه صوم آخر، فكان متعيناً للفرض، والمتعين لا يحتاج إلى تعيين، والنذر المعين معتبر بإيجاب الله تعالى، فيصاب كل منهما بمطلق النية، وبأصلها، وبنية نفل، لعدم المزاحم. وكل يوم معيّن للنفل ماعدا رمضان، والأيام المحرم صومها، وما يعيّنه المكلف بنفسه، فكل ذلك متعين، ولا يحتاج إلى التعيين.
والقسم الثاني: يشترط فيه التعيين، وهو: قضاء رمضان، وقضاء ما أفسده من النفل، وصوم الكفارات بأنواعها، والنذر المطلق عن التقييد بزمان، سواء أكان معلقًا بشرط، أم كان مطلقًا، لأنه ليس له وقت معين، فلم يتأدَ إلا بنية مخصوصة، قطعًا للمزاحمة.
فصوم رمضان عندهم يتأدّى بنيةٍ من بعد غروب الشمس إلى منتصف النهار، وقالوا بجواز صومه بنية من النهار. قال الكاساني: "وإن كان عينًا وهو صوم رمضان وصوم التطوع خارج رمضان والمنذور المعين يجوز". أي عقد النية بعد طلوع الفجر.
والقول بعدم اشتراط النية كما أنه قول الحنفية فهو رواية كذلك عن الإمام أحمد([2]).
واستدل القائلون بهذا القول بما يلي من الأدلة:


1)حديث الرُّبَيْع بنت مِعْوَذ([3]) رضي الله عنها قالت: أرسل رسول الله "صلى الله عليه وسلم" غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة من كان أصبح صائمًا فليتم صومه ومن كان أصبح مفطرًا فليتم بقية يومه..." ([4]).
2)حديث سلمة بن الأكوع([5])"رضي الله عنه" أن النبي "صلى الله عليه وسلم" بعث رجلاً ينادي في الناس يوم عاشوراء: "أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم يأكل فلا يأكل"([6]).
3)قياس الفرض على النفل، فالنفل صح فيه أن الرسول "صلى الله عليه وسلم" كان ينويه من النهار، فكذلك الفرض يجوز أن ينويه من النهار([7]).


القول الثاني
وهو مذهب الجمهور من المالكية([8])، والشافعية([9])، والحنابلة([10])، أنه لابد من تعيين النية في صوم رمضان، وصوم الفرض والواجب، ولا يكفي تعيين مطلق الصوم، ولا تعيين صومٍ معين غير رمضان، وكمال النّيّة كما قال النّووي([11]): "أن ينوي صوم غد، عن أداء فرض رمضان هذه السّنة للّه تعالى". ومما استدلوا به ما يلي:
1)حديث حفصة رضي الله عنها قالت: قال النبي "صلى الله عليه وسلم": "من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له"([12])، وفي رواية: " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"([13]).
2)كذلك عللوا بأن الصوم عبادة مضافة إلى وقت، فيجب التعيين في نيتها، كالصلوات الخمس، ولأن التعيين مقصود في نفسه، فيجزئ التعيين عن نية الفريضة في الفرض، والوجوب في الواجب([14]).


المناقشات والردود:
أولاً: بعض ما ورد من ردود على أدلة القول الأول:
نُوقش الحديثان (حديث الرُّبَيع وسلمة رضي الله عنهما)([15]): بأنه لا يتم لهم الاستدلال به إلا على القول بأن صوم عاشوراء كان واجبًا، كما قال النووي: "وأجابوا عن استدلال أبي حنيفة بأن صوم عاشوراء كان تطوعًا متأكداً شديد التأكيد ولم يكن واجبًا. وهذا صحيح مذهب الشافعية"([16]). ومما يدل على عدم وجوبه حديث قوله "صلى الله عليه وسلم": "هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر"([17]). وإنما كان واجبًا ثم نسخ عندما فرض الله صوم رمضان؛ لقول عائشة رضي الله عنها: "كان رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أمر بصيام عاشوراء، فلما فرض رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر"([18]).
وأما قياسهم الفرض على النفل نُوقش: بأنه قياس لا يصح؛ لأننا عهدنا من الشارع أنه يخفف في النوافل ما لا يخفف في الفرائض، والفرق بين التطوع والفرض من وجهين: أحدهما أن التطوع يمكن الإتيان به في بعض النهار بشرط عدم المفطرات في أوله بدليل قوله "صلى الله عليه وسلم" في حديث عاشوراء فليصم بقية يومه فإذا نوى صوم التطوع من النهار كان صائمًا بقية النهار دون أوله والفرض يكون واجبًا في جميع النهار ولا يكون صائمًا بغير النية. والثاني أن التطوع سومح في نيته من الليل تكثيرًا له أنه قد يبدوا له الصوم في النهار فاشتراط النية في الليل يمنع ذلك فسامح الشرع فيها كمسامحته في ترك القيام في صلاة التطوع وترك الاستقبال فيه في السفر تكثيرًا له بخلاف الفرض إذا ثبت هذا ففي أي جزء من الليل نوى أجزأه ([19]).
ثانيًا: بعض ماورد من ردود على أدلة القول الثاني:
1. أما استدلالهم بحديث حفصة رضي الله عنها فنوقش: بأن الحديث ضعيف([20]). إلا أنه يمكن الجواب على ذلك من وجهين:
الأول: أن جماعة من المحدثين حكموا بصحته([21]).
الثاني: على فرض التسليم بأن الحديث ضعيف، إلا أنه قد رُوي موقوفًا عن ثلاثة من الصحابة بأسانيد صحيحة؛ إذ جاء عن ابن عمر، وأخته حفصة، وعائشة بنت أبي بكر y ولا يُعرف لهم مخالف من الصحابة([22]).


سبب الخلاف في المسألة:
أورده ابن رشد في بداية المجتهد حيث قال: "وسبب اختلافهم هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة، هو تعيين جنس العبادة، أو تعيين شخصها، وذلك أن كلا الأمرين موجود في الشرع، مثال ذلك: أن النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد الحدث، لأي شيءٍ كان من العبادة التي الوضوء شرط في صحتها، وليس يختص عبادة عبادة، بوضوء وضوء.
وأما الصلاة، فلا بد فيها من تعيين شخص العبادة، فلا بد من تعيين الصلاة، إن عصرًا فعصرًا، وإن ظهرًا فظهرًا. وهذا كله على المشهور عند العلماء، فتردد الصوم عند هؤلاء بين هذين الجنسين فمن ألحقه بالجنس الواحد قال: يكفي في ذلك اعتقاد الصوم فقط ومن ألحقه بالجنس الثاني، اشترط تعيين الصوم"([23]).


وتوضيح ذلك
أن سبب الخلاف هو في القدر الكافي في تعيين النية في العبادة، والمقصود بذلك أحد أمرين:
1.إما أن يكون المقصود أن النية في الصوم يُراد بها جنس العبادة (أي: شهر رمضان كاملاً، كتلة واحدة متكاملة لثلاثين يومًا).
2.وإما أن يُراد بالنية عين العبادة أو شخصها، (أي: كل يوم من أيام رمضان على حِدة منفصل) فيكون مثل الصلوات الخمس، لا بد فيها من تعيين النية لكل صلاة لتمييزها.
فمن قال بأن رمضان يعتبر كتلة واحدة؛ قال: يكفي فيه اعتقاد الصوم فقط، ونية واحدة من بداية الشهر تكفي للشهر كاملاً؛ ومن ألحقه بأن كل يوم لوحده، منفصل، لا علاقة له بما قبله ولا بما بعده؛ قال: باشتراط تعيين النية.





([1]) انظر: بدائع الصنائع (1/128)، وانظر قول الحنفية، في تبيين الحقائق (313)، شرح فتح القدير (2/309)، وحاشية الطحاوي على مراقي (1/426).

([2]) انظر: الفروع (3/30).

([3]) الرُّبيْع بنت مِعْوَذ بن عفراء الأنصارية، صحابية جليلة، روى عنها أهل المدينة، وكانت ربما غزت مع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فتداوي الجرحى وترد القتلى إلى المدينة، وكانت من المبايعات تحت الشجرة بيعة الرضوان، انظر ترجمتها في: أسد الغابة (1/1023)، تقريب التهذيب (1/747)، الإصابة (7/641).

([4]) أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب صوم الصبيان (2/682)، رقم (1859)، ومسلم في كتاب الصيام، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه (2/798)، رقم (136)، واللفظ لمسلم.

([5]) سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله، أول مشاهده الحديبية وكان من الشجعان ويسبق الفرس عَدْوًا وبايع النبي "صلى الله عليه وسلم" عند الشجرة على الموت، وكان شجاعًا، راميًا، سخيًا، خيرًا، محسنًا، فاضلاً، روي أنه كلْم الذئب، قال سلمة "رضي الله عنه" عن نفسة: "رأيت الذئب قد أخذ ظبيا فطلبته حتى نزعته منه فقال ويحك مالي ولك عمدت إلى رزق رزقنيه الله ليس من مالك تنتزعه مني،"، توفي في المدينة 74هـ، وهو ابن ثمانين سنة. انظر ترجمته في: أسد الغابة (1/465)، الإصابة (3/151).

([6]) أخرجه البخاري في كتاب الصوم باب صيام يوم عاشوراء (2/704)، ومسلم في كتاب الصيام، باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه (2/798)، رقم (135)، واللفظ للبخاري.

([7]) وانظر قول الكاساني في هذا في بدائع الصنائع (1/129).

([8]) مواهب الجليل (1/232)، الفواكه الدواني (1/313)، بداية المجتهد (1/214).

([9]) المجموع (6/299)، روضة الطالبين (2/350)، مغني المحتاج (1/423).

([10]) المغني (3/7)، الفروع (3/30)، الروض المربع (1/419).

([11]) في روضة الطالبين (2/350).

([12]) أخرجه النسائي في كتاب الصيام، ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك (4/197)، رقم (2334)، والبيهقي في الكبرى، في كتاب الصيام، باب الدخول في الصوم بالنية (4/202)، رقم (7698)، وصححه الألباني في مختصر إرواء الغليل (1/176)، رقم (914).

([13]) أخرجها الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم الصيام من الليل (3/107)، رقم (730)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح (1/449)، رقم (1987).

([14]) بدائع الصنائع (1/128)، المغني (3/17)، الفقه الإسلامي (2/621).

([15]) المغني (3/17)، الفقه الإسلامي (2/621).

([16]) المجموع (6/301).

([17]) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء (2/702)، رقم (1899)، ومسلم في كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشـوراء (2/795)، (126)، من حديث معاوية بن أبي سفيان "رضي الله عنه".

([18]) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء (2/704)، رقم (1897)، ومسلم في كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء (2/792)، رقم (115)، وانظر: ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه، لهبة الله بن عبد الرحيم بن إبراهيم، تحقيق: حاتم صالح الضامن، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثالثة، عام1405هـ (1/20).

([19]) المغني (3/17)، الفقه الإسلامي (2/621).

([20]) بدائع الصنائع (1/129).

([21]) كالألباني في مختصر إرواء الغليل (1/176)، رقم (914)، وغيره، و قال ابن حجر في التلخيص الحبير (2/188): [اختلف الأئمة في رفعه ووقفه: فقال أبو داود لا يصح رفعه، وقال الترمذي الموقوف أصح، ونقل عن البخاري أنه قال: "هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف"، وقال النسائي: "الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه"، وقال أحمد: "ماله عندي ذلك الإسناد"، وقال الحاكم:، "صحيح على شرط الشيخين وقال في المستدرك: "صحيح على شرط البخاري"، وقال البيهقي: "رواته ثقات إلا أنه روي موقوفا"، قال بن حزم: "الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة"] ا.هـ، بتصرف يسير.

([22]) التلخيص الحبير (2/188)

([23]) بداية المجتهد (1/214).

ابوالوليد المسلم 19-04-2019 01:29 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
تعيين النية لكل يوم جديد من رمضان

اللجنة العلمية



هل يشترط للصائم أن ينوي الصيام قبل كل يوم جديد، أم تكفي نية واحدة وتُجزئ عن جميع أيام الشهر، على قولين:

القول الأول:
تجب نية مستقلة لكل يوم من أيام رمضان، وقال به الحنفية([1])، والشافعية([2])، وهو رواية عن الإمام أحمد والتي عليها المذهب عند أتباعه([3]). فيجب أن ينوي لكل يوم بيومه، فمثلاً في رمضان يحتاج إلى ثلاثين نية. وبناءً على ذلك لو أن رجلاً نام بعد العصر في رمضان، ولم يستيقظ من الغد إلا بعد طلوع الفجر، لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه لم ينو صومه من ليلته([4]).

وعللوا لذلك بما يلي:
1. ولأن هذه الأيام عبادات لا يفسد بعضها بفساد بعض، ويتخللها ما ينافيها فأشبهت القضاء"([5]).
2. أنه صوم واجب فوجب أن ينوي كل يوم من ليله([6]).






القول الثاني:
تجزئ نية واحدة عن جميع شهر رمضان، وهو قول المالكية([7])، ورواية عند الإمام أحمد([8])، وهذا فيما يُشترط فيه التتابع، فتكفي النية في أوله، ما لم يقطعه لعذر فيستأنف النية، وعلى هذا فإذا نوى الإنسان أول يوم من رمضان أنه صائم هذا الشهر كله، فإنه يجزئه عن الشهر كله، ما لم يحصل عذر ينقطع به التتابع، كما لو سافر في أثناء رمضان، فإنه إذا عاد للصوم يجب عليه أن يجدد النية([9]). واستدل هولاء الذين يرون الاجتزاء بنية واحدة عن جميع الشهر بعدة أمور منها:
1. ما ثبت في الحديث: "ولكل امرئ ما نوى"([10])، وهذا نوى صيام الشهر فله ما نوى.
2. أن صوم الشهر عبادة واحدة([11]).
3. قياسه على الحج، فالحج طوافه وسعيه والوقوف بعرفة ...، تجزئ فيه نية واحدة عن جميعه.
4.قال الشيخ ابن عثيمين: "وهذا هو الأصح، لأن المسلمين جميعاً لو سألتهم لقال كل واحد منهم أنا نويت الصوم أول الشهر إلى آخره، فإذا لم تتحقق النية حقيقة فهي محققة حكماً، لأن الأصل عدم القطع، ولهذا قلنا: إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه، ثم عاد إلى الصوم فلا بد من تجديد النية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس"([12]).



الخلاصة والترجيح:
في خاتمة بحث مسألتَي: حكم تبييت النية لصوم رمصان، وحكم تبييتها لكل يوم منه، اتضح الفرق بينهما؛ وهو أن المسألة الأولى إنما ترد في تعيين النية في بداية صوم رمضان في أول يوم فقط لجميع الشهر؛ هل يُشترط للمسلم أن يُعين النية، بأنه سيصوم شهر رمضان، لهذه السنة؟ وفي ذلك قولين: فالجمهور (المالكية، والشافعية، والحنابلة)، على اشتراط ذلك، وخالف الحنفية، بعدم اشتراطها لصيام رمضان، وأنه يُجزيء عقدها في النهار.
وأما المسألة الثانية؛ فمدار الخلاف فيها هو تعيينها لكل يوم من أيام شهر رمضان، وفيها كذلك قولين: فالحنفية، والشافعية، والرواية المشهورة عند الحنابلة على أنه يجب تعيين النية لكل يوم جديد من أيام الشهر الفضيل، بينما يرى المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، الاكتفاء بنية واحدة لجميع الشهر، ومن المعلوم أن كل شخص يقوم في آخر الليل ويتسحر، فإنه قد أراد الصوم ولا شك في هذا،لأن كل عاقل يفعل الشيء باختياره لا يمكن أن يفعله إلا بإرادة، والذي يُفهم من كلام أهل العلم أن الإرادة هي النية، فالإنسان لا يأكل في آخر الليل إلا من أجل الصوم، ولو كان مراده مجرد الأكللم يكن من عادته أن يأكل في هذا الوقت.
فلزم القول بعدم وجوب تجديد النية لكل صيام يوم جديد من أيام رمضان، بل تكفي نية واحدة لصيام جميع أيام رمضان؛ إلا إذا انقطع صيامه؛ كمسافر، ومريض أفطر، وحائض، ونحوهم، فإنهم يعيدون تجديد النية.





([1]) حاشية ابن عابدين (2/380).

([2]) المجموع (6/307).

([3]) شرح منتهى الإرادات، المسمى دقائق أولي النهى لشرح المنتهى، لمنصور بن يونس بن إدريس البهوتي، الناشر: عالم الكتب، بيروت، الطبعة الثانية عام 1996هـ، (1/480)، وقد اختارت هذا القول اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية، انظر: فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء (10/246).

([4]) انظر: الشرح الممتع (6/369).

([5]) المغني (3/24)

([6]) انظر: الشرح الممتع (6/369).

([7]) حاشية ابن عابدين (2/380).

([8]) الكافي (1/393).

([9]) انظر: الشرح الممتع (6/369).

([10]) انظر: الشرح الممتع (6/369-370).

([11]) المغني (3/24)

([12]) انظر: الشرح الممتع (6/370).

ابوالوليد المسلم 19-04-2019 01:29 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية

النية في نصوص الوحيين

أولاً: النية في القرآن الكريم:
القرآن يعبر عن النية بعبارات مختلفة مثل: إرادة الآخرة، أو إرادة وجه الله، أو ابتغاء وجهه، أو ابتغاء مرضاته، يقول تعالى:
(منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة).
(ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها).
(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون).
فهؤلاء هم عبيدُ الدنيا، الذين جعلوا لها كلَّ إرادتهم وسعيهم:
(من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها
مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا).
قسمت الآيتان الناس إلى قسمين:
-مريد العاجلة، وهي الدنيا، ليس له هدفٌ سواها، ومصيره: جهنم،
-ومريد الآخرة، الذي جعلها هدفه وسعى لها سعيها، فمصيره ما ذكرت الآية.
الجزاء إذن مُرتَّب على "الإرادة" و"المراد"، فخبّرني: ما مرادك وقصدك؟ أخبرك: ما مصيرك وجزاؤك!
وهذا المعنى تكرَّر في القرآن:
(من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب).
(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).
(وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون).
(وسيجنبها الأتقى، الذي يؤتى ماله يتزكى، وما لأحد عنده من نعمة تجزى، إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى).
(وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله).
(ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله) .. الآية.
(لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما).
وأود أن أنبه هنا:
أنه لا تعارض بين إرادة الله تعالى وإرادة الآخرة، بل لا ثنائية، فلا معنى لتعليق من علَّق على قوله تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)!
فإرادة الآخرة تعني: إرادة مثوبته ورضوانه، ورجاء ما عنده سبحانه.
ولا يعاب المخلص بأنه يرجو الجنة ويخاف النار، فقد وصف القرآن الأنبياء والصالحين بالرجاء والخوف، والرغب والرهب، وليس بعد القرآن بيان.
والجنة ليست دار النعيم الحسي فحسب، بل هي دار الرضوان الأكبر، والتنعم بالنظر إلى وجه الله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة) فأما الكفار فإنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون، وهذا الحجاب هو أقسى العذاب.

ثانياً: النية في السنة:
أما السنة، فقد ورد فيها الكثير في فضل النية والإخلاص، أذكر منها بعض ما انتقيته مما ذكره الإمام المنذري في كتابه "الترغيب والترهيب"، وقد بدأها وبدأ كتابه كله بحديث الثلاثة أصحاب الغار، وهو حديث متفق عليه!
وثنَّى بحديث أبى أمامة: فيمن سأل عمَّن غزا يلتمس الأجرَ والذكرَ (أيْ: الأجر من الله والذكر عند الناس)! وأجاب النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات: (لا شيءَ له)! ثم قال: (إن اللهَ لا يقبلُ من العمل إلا ما كان خالصاً، وابتُغي به وجهُه) (رواه النسائي بإسناد جيد).
ثم ثلَّث بحديث عمر المشهور: (إنما الأعمال بالنية) وفي رواية: (بالنيات وإنما لكل
امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) (رواه البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي).
وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم) قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يُخسف بأولهم وآخرهم، وفيهم أسواقُهم ومن ليس منهم؟ قال: (يُخسف بأولهم وآخرهم، ثم يُبعثون على نياتهم) (رواه البخاري ومسلم وغيرهم).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إنَّ أقواماً خلفنا بالمدينة، ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا، حبسهم العذر) (رواه البخاري، وأبو داود)، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من واد، إلا وهم معكم) قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: (حبسهم المرض)!
وعن أبي كبشة الأنماريِّ رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(ثلاث أقسم عليهنَّ وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: ما نَقص مالُ عبدٍ من صدقة ٬ ولا ظُلِم عبدٌ مظلمةً صبر عليها إلا زاده الله عزاً٬ ولا فَتح عبدٌ بابَ مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر)، (أو كلمة نحوها).
(وأحدثكم حديثاً فاحفظوه) قال: (إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٍ رزقه اللهُ مالاً وعلماً، فهو يتَّقي فيه ربّهُ ويصلُ فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً، فهو صادق النية، يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ بعمل فلان، فهو بنيَّته، فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالاً، ولم يرزقه علماً، يخبطُ في ماله بغير علم، ولا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصلُ فيه رحمه، ولا يعلمُ لله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ فيه بعمل فلان، فهو بنيَّته، فوزرهما سواء) (رواه أحمد والترمذي واللفظ له، وقال: حديث حسن صحيح).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: "قال رجل: لأتصدقن [الليلة] بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق فأصبحوا يتحدثون: تُصُدِّق الليلة على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، لأتصدقنَّ بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تُصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية! لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: اللهم لك الحمد على سارقٍ وزانيةٍ وغنيٍّ، فأُتي (أي في المنام) فقيل له: أمَّا صدقتُك على سارقٍ: فلعله أن يستعفَّ عن سرقته، وأما الزَّانية، فلعلها أن تستعفَّ من زناها، وأما الغنيُّ فلعله أن يعتبر، فينفق مما أعطاه الله) (رواه البخاري واللفظ له ومسلم والنسائي)، وقالا فيه: (أما صدقتك فقد تُقُبِّلت) ثم ذكر الحديث.
دلت هذه الأحاديث الوفيرة وغيرها مع ما جاء في كتاب الله على قيمة النية وأهميتها في الدين، وأن روح العمل هي "النية"، ولكن ما هي النية التي رتَّبت عليها الأحاديث كلَّ هذه النصائح؟
يتبع

ابوالوليد المسلم 19-04-2019 01:30 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية



العلاقة بين النِّيَّة والإخلاص

حتى يكون خالصاً وصواباً:
لكل عمل صالح ركنان لا يقبل عند الله إلا بهما:
أولهما: الإخلاص وتصحيح النية.
وثانيهما: موافقة السنة ومنهاج الشرع.
وبالركن الأول تتحقق صحة الباطن، وبالثاني تتحقق صحة الظاهر، وقد جاء في الركن الأول قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، فهذا هو ميزان الباطن.
وجاء في الركن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردودٌ على صاحبه، وهذا ميزانُ الظَّاهر.
وقد جمع اللهُ الرُّكنين في أكثر من آيةٍ في كتابه، فقال تعالى:
(ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى)،
(ومن أحسنُ دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن).
وإسلام الوجه لله: إخلاص القصد والعمل له ..
والإحسان فيه: أداؤه على الصورة المرضية شرعا، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته.
وقد مر بنا قول الفضيل بن عياض: "إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا وصوابا، والخالص: أن يكون لله! والصواب: أن يكون على السنة .. ثم قرأ الفضيل قوله تعالى: (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحد).


ما هو الإخلاص؟
الإخلاص: عمل من أعمال القلوب، بل هو في مقدمة الأعمال القلبية، لأن قبول الأعمال لا يتم إلا به.
والمقصود بالإخلاص: إرادة وجه الله تعالى بالعمل، وتصفيته من كل شوب ذاتي أو دنيوي، فلا ينبعث للعمل إلا لله تعالى والدار الآخرة، ولا يمازج عمله ما يشوبه من الرغبات العاجلة للنفس، الظاهرة أو الخفية، من إرادة مغنم، أو شهوة، أو منصب، أو مال، أو شهرة، أو منزلة في قلوب الخلق، أو طلب مدحهم، أو الهرب من ذمهم، أو إرضاء لعامة، أو مجاملة لخاصة، أو شفاء لحقد كامن، أو استجابة لحسد خفي، أو لكبر مستكن، أو لغير ذلك من العلل والأهواء والشوائب، التي عقد متفرقاتها هو: إرادة ما سوى الله تعالى بالعمل، كائنا من كان، وكائنا ما كان.
أساس الإخلاص: تجريد النيّة:
وأساس إخلاص العمل: تجريد "النية" فيه لله تعالى.
والمراد بالنية: انبعاث إرادة الإنسان لتحقيق غرض مطلوب له.
فالغرض الباعث هو: المحرك للإرادة الإنسانية لتندفع للعمل!
والأغراض الباعثة كثيرة ومتنوعة، منها، المادي والمعنوي، ومنها: الفردي والاجتماعي، ومنها: الدنيوي والأخروي، ومنها التافه الحقير، والعظيم الخطير، منها ما يتعلق بشهوة البطن والجنس!
ومنها ما يتصل بلذة العقل والروح! منها ما هو محظور، ومنها ما هو مباح، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما هو واجب!
وإنما يحدد هذه البواعث: عقائد الإنسان وقيمه التي يؤمن بها، ومعارفه وأفكاره
ومفاهيمه التي كونها بالدراسة أو بالتجربة، أو بتأثير البيئة، وبالتقليد للآخرين.
والمؤمن الحق هو الذي غلب باعث الدين في قلبه باعث الهوى، وانتصرت حوافز الآخرة على حوافز الدنيا، وآثر ما عند الله تعالى على ما عند الناس، فجعل نيته وقوله وعمله لله، وجعل صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين، وهذا هو الإخلاص.
يقول الإمام أبو حامد الغزالي في الإحياء:
"قد انكشف لأرباب القلوب ببصيرة الإيمان، وأنوار القرآن: أن لا وصول إلى السعادة، إلا بالعلم والعبادة، فالناس كلهم هلكى إلا العالِمون، والعالِمون كلهم هلكى إلا العامِلون! والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم، فالعمل بغير نيةٍ عناء! والنية بغير إخلاصٍ رياء، وهو للنفاق كفاء، ومع العصيان سواء، والإخلاصُ من غير صدقٍ وتحقيقٍ هباءٌ، وقد قال الله تعالى في كل عمل كان بإرادة غير الله مشوباً مغموراً: (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا).
الإسلام يرفض الثنائية المقيتة!
إن الإسلام لا يرضى للمسلم أن يعيش بوجهين: وجه لله، ووجه لشركائه، ولا أن تنقسم حياته إلى شطرين: شطر لله وشطر للطاغوت، الإسلام يرفض الثنائية المقيتة? والازدواجية البغيضة، التي نشهدها في حياة المسلمين اليوم، فنجد الرجل مسلما في المسجد أو في شهر رمضان، ثم هو في حياته، أو في معاملاته، أو في مواقفه إنسان آخر، إنَّ الإخلاص هو الذي يوحد حياة المسلم، ويجعلها كلها لله، كما يجعله كله لله، فصلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين!
يتبع

ابوالوليد المسلم 21-04-2019 05:35 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية


العلاقة بين النّيّة وبعض المفاهيم المقاربة لها

يختلط مفهوم النيّة بعدة مفاهيم أخرى، كحديث النّفس والخاطر، والهاجس، والهمّ، والعزم، وفيما يلي نتعرّف على هذه المفاهيم، لكي يتبيّن من سياق الكلام ما هو مقصودٌ بالنّية:

1 - حديث النفس: ومعنى حديث النفس ما يخطر في نفس الإنسان من غير عزم على الفعل، يعني ما يُحَدِّث به الإنسان نفسه من غير عزم على الفعل. الإنسان يحدِّث نفسه بأنّه يعمل أعمالاً، يحدِّث نفسه بأنه يتزوج إمرأة وينجب ويطلّق هذه المرأة ويتزوج أخرى وينجب وهكذا من غير عزم على الفعل فهذا حديث النفس وهو لا يضر الإنسان سواء كان سيئاً أو صالحاً. إذا حدَّث الإنسان نفسه بشئ سيئ فإنه لا يؤاخذ به؟ يعني والعياذ بالله لو أن الإنسان حدَّث نفسه أن يرتكب فاحشةً من فواحش الذنوب من غير عزم على الفعل لكنه حديث نفس كما يقولون أمنياتٌ تمر بالقلب فهذا لا يؤاخذ به الإنسان لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إنَّ الله تجاوز لأمتي عما حدَّثت به أنفسها، مالم تتكلم أو تعمل به) (صحيح الجامع: 1730)
الله عز وجل من رحمته بنا تجاوز لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عن حديث النفس مالم تتكلم أو تعمل به. فمثلاً الإنسان وهو جالس أغضبته امرأتُه في أمر من الأمور فأخذ يحدث نفسه أنه سيطلقها يقول لنفسه هذه المرأة لاتصلح لي أنا لابد أن أطلقها أنا سأفارقها لايؤاخذ بذلك مادام أنه لم يتكلم به.
2 - الخاطر: ومعنى الخاطر أن يستمر الإنسان في حديث النفس مع قدرته على دفعه، يستمر الإنسان في حديث النفس لا يقطع يواصل حديث النفس سواء أكان سيئاً أو حسناً. يعني بعض الناس مثلاً يحدِّث نفسه بأنه ذهب إلى بلاد الكفر ودخل المعركة وقاتل الكافر الفلاني وجندل الكافر الفلاني ولم يبق كافر على وجه الأرض من المحاربين إلا وقتله. يحدِّث نفسه ويستمر فيه هذا الخاطر.
أو كان سيئاً والعياذ بالله يحدِّث نفسه أنه سيعتدي على أحد إخوانه المسلمين، ويستمر في حديث النفس، هذا لا يؤاخذ به (لكن قال أهل العلم إن كان الأمر سيئاً فإن الأليق بالمؤمن ألا يستمر فيه حتى لا يحبه)، نعم هُوَ لا يؤاخذ به لكن يُخشى إذا استمر في حديث نفسه في هذه الأمور أن يتعلق بها فيؤدي هذا إلى المحظور!
الأليق بالمسلم أن يقطعه وألا يستمر فيه لكنه على كل حال لا يؤاخذ به.
3 - الهاجس [الوسواس]: الهاجس هو ما يقع في قلب الإنسان من غير اختياره ويغلب عليه غلبةً بحيث إذا أراده لا يأتيه وإذا كرهه لا يندفع عنه، لا إرادة له فيه، وهذا هو الوسواس. ولا يؤاخذ به الإنسان بإجماع أهل العلم مهما كان شأنه، حتى لو كان يتعلق بالله سبحانه وتعالى، فقد جاء نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتكوا إليه أنهم يجدون الشيء يتعاظم عندهم أن يتكلموا به فقال النبي صلى الله عليه وسلم ((أوجدتم ذلك)) قالوا نعم قال: (ذاك صريح الإيمان) (صحيح مسلم)، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال ((تلك محض الإيمان)) (صححه الألباني في سنن أبي داود رقم 5112.) فالإنسان لا يؤاخذ بالوسواس وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم (أن الشيطان يأتي أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول من خلق ربك) يقول النبي صلى الله عليه وسلم (فإذا بلغ ذلك فليستعذ ولينته) (قال الألباني صحيح بشواهده في ظلال الجنة رقم 650).
الوسواس يقع في قلبِ الإنسان، ويقع في جميع الأمور، يقع في المعتقد، ويقع في الأعمال.
بعض الناس يقع له الوسواس في طلاق امرأته فدائماً يوسوس أنه طلق امرأته، بعض الناس يقع له الوسواس في الوضوء فدائماً يوسوس أنه ما غسل اليد ما تمضمض وهكذا، وقد يقع في الصلاة فيوسوس الإنسان أنه ما صلى أربعة في الرباعية أو نحو هذا، والوسواس إذا خطر للإنسان فهو علامة الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة) (صححه الألباني في سنن أبي داود برقم 5112).
معنى هذا أن الشيطان شَامَ قلب الإنسان فلم يجد طريقاً إليه إلا الوسواس وذلك لصلاحه: فأخذ يوسوس إليه وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ((تلك محض الإيمان)) يعني علامة على إيمان العبد [لكن ينبغي للمسلم إذا أصابه الوسواس أن ينتهي: يعني ألا يرتب على الوسواس شيئاً ولن يزول الوسواس عنك إلا بهذا] طالما أنك تطيع الشيطان في باب الوسواس فإنه يزيد عليك الوسواس. فإذا وسوس إليك أنك ما غسلت يدك فإذا أطعته وغسلت يدك سيزيد عليك مرة ثانية ومرة ثالثة. لكن إذا نهيت قلت أنا غسلت يدي. قال لا ما غسلت يدك، قلت أنا غسلت يدي قال وضوءك وصلاتك لا تصح المسألة خطيرة. قلت لا يهم يذهب عنك أما إذا استجبت وقلت المسألة خطيرة المسألة صلاة العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. لابد أن أتيقن وتعيد الوضوء فإنه يتمكن منك.
ولذلك الحكم الشرعي في الوسواس أن ينتهي عنه ولا يرتب عليه شئ فمثلاً:
إذا قرأت القرآن وأنت تقرأ عرض عليك الشيطان يوسوس لك في الآيات لا تغلق المصحف من أجل الوسواس بل استمر لأنك إن استمريت سيزول عنك هذا الباب. أما إذا أغلقت المصحف يشتد عليك وهكذا.
والذي يهمك أن هذا لايضرك في دينك وقد أجمع أهل العلم على أن الوسواس لا يؤاخذ به الإنسان.
4 - الهم: ومعناه ترجيح الفعل على الترك مع بقاء الاحتمال سواء كان هذا في شيء صالح أو في شئ سييء.
مثال ذلك: حدّثت نفسك أنك ستتصدق الليلة بخمسين ريالاً وكنت متردداً ثم رجحت أنك ستتصدق لكن بقي احتمال أنك يمكن ألا تتصدق لم تجزم. هذا همٌّ بشئ حسن، فكرت أن تكذب على زميلك ثم رجحت أنك ستكذب عليه لكن بقي أن هناك احتمال أنك لن تكذب فهذا هم وقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يقول الله لملائكته: إذا همَّ عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة، وإذا عملها فاكتبوها عشر حسنات، وإذا هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإنما تركها من جرائي، وإذا عملها فاكتبوها سيئة واحدة) .
5 - العزم: وهو عقد القلب على العمل عقداً جازماً، وهذه هي النية!


وفَرَق بعض اللغويين بين النية والعزم بجعل النية: الإرادةَ المتعلقة بالفعل الحالي،
والعزمَ: الإرادة المتعلقة بالفعل الاستقبالي.
لكن يُردّ على هذا الفارق بتفسير النية بالعزم مطلقاً في كتب اللغة.


والنية في الشرع: عزم قلبيٌّ على عمل فرضي أو غيره.
أو عزم القلب على عمل فرضاً كان أو تطوعاً.
وهي أيضاً: الإرادة المتعلقة بالفعل في الحال أو في المستقبل.
وبناء عليه: إن كل فعل صدر من عاقل متيقظ مختار لا يخلو عن نية، سواء أكان من قبيل العبادات أم من قبيل العادات، وذلك الفعل هو متعلَّق الأحكام الشرعية التكليفية من الإيجاب والتحريم، والندب والكراهة والإباحة.

قال الحافظ ابن رجب الحنبلي:
اعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، ... والنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:
أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض، كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلاً، وتمييز رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من العادات، كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظيف ونحو ذلك، وهذه النية هي التي توجد كثيراً في كلام الفقهاء في كتبهم.
والمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو لله وحده لا شريك له، أو لله وغيره. وهذه هي النية التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم على الإخلاص وتوابعه، وهي التي توجد كثيراً في كلام السلف المتقدمين. وقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفاً سماه (كتاب الإخلاص والنية) وإنما أراد هذه النية!
النية والقصد:
أولا: القصد في اصطلاح الفقهاء هو:
العزم المتجه نحو إنشاء فعل.
"معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية" (3/ 96).
والنية هي كما يقول القرافي -رحمه الله-:
قصد الإنسان بقلبه ما يريده بفعله. "الذخيرة" (1/ 20).
وعرفها النووي بأنها: عزم القلب على عمل فرض أو غيره. "المجموع".
ومن تعريف القرافي يتبين أن النية والقصد متقاربان، ولهذا عرف النية بالقصد، لكن ذهب ابن القيم -رحمه الله- إلى أن بينهما فرقا، قال:
فالنية هي القصد بعينه ولكن بينها وبين القصد فرقان:
أحدهما: أن القصد معلق بفعل الفاعل نفسه وبفعل غيره. والنية لا تتعلق إلا بفعله نفسه، فلا يتصور أن ينوي الرجل فعل غيره، ويُتصور أن يقصده ويريده.
الثاني: أن القصد لا يكون إلا بفعلٍ مقدورٍ يقصده الفاعل. وأما النية فينوي الإنسان ما يقدر عليه وما يعجز عنه، ولهذا في حديث أبي كبشة الأنماري الذي رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: ... الخ) فالنية تتعلق بالمقدور عليه والمعجوز عنه، بخلاف القصد والإرادة فإنهما لا يتعلَّقان بالمعجوز عنه، لا من فعله ولا من فعل غيره.
"بدائع الفوائد" (3/ 190)، وانظر: "القواعد الكلية والضوابط الفقهية" للدكتور محمد عثمان شبير ص 93، 94.

يقول السيوطي -رحمه الله-:
اعلم أنه قد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر حديث النية: قال أبو عبيدة: ليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة منه. واتفق الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وابن مهدي وابن المديني وأبو داود والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم، ومنهم من قال: ربعه، ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها .. إلى أن قال: وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا. "الأشباه والنظائر" ص 9.
وهذا يدل على أهمية معرفة المقاصد واعتبارها. والله أعلم.
يتبع

ابوالوليد المسلم 21-04-2019 05:35 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية

أهمية النّية وضرورتها

النية في الصيام وفي كل عبادة فريضة لا بد منها، ولا يهمنا أن تكون ركنا عند بعض الفقهاء، أو شرطًا عند بعضهم، فهذا خلاف علمي أو نظري لا يترتب عليه عمل، ما دام الجميع متفقين على فرضيتها.
والمراد بالنية هنا: أن يقوم بالعبادة امتثالاً لأمر الله تعالى، وتقربًا إليه. فقد يمسك بعض الناس عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، ولما هو أكثر، ولكن بقصد الرياضة ونقص الوزن وما شابه ذلك.
وقد يمسك آخرون احتجاجًا علي أمر معين، وتهديدًا بالقتل البطيء للنفس كما يفعل ذلك كثيرًا المضربون عن الطعام في السجون والمعتقلات، وغيرها. وقد يمسك بعض الناس تشاغلاً أو استغراقًا في عمل يأخذ عليه فكره، وينسيه أكله وشربه.
وكل هؤلاء ليسوا صائمين الصيام الشرعي، لأنهم لم ينووا ولم يقصدوا بإمساكهم وجوعهم وحرمانهم وجه الله تعالى، وابتغاء مثوبته. ولا يقبل الله عبادة إلا بنية. قال عز وجل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء) (البينة: 5). وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (متفق عليه من حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب).
وقال: (كل عمل ابن آدم له، قال الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به، يدع طعامه وشهوته من أجلي) (متفق عليه من حديث أبي هريرة). فمن ترك الطعام والشهوة من أجل شيء غير الله تعالى، فلم يصم الصِّيام الشرعي.
يوسف القرضاوي



وعند البخاري:
الرجل يقاتل حَميَّة، ويقاتل شجاعة، ويقاتل رياء فأي ذلك في سبيل الله؟ قال، صلى الله عليه وسلم: " مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ".
إن الأعرابي لا يعلم، جاء لمعلم الأمة، صلى الله عليه وسلم، يسأله، إن مقاصد الرجال كثيرة ومتعددة، فأيهم ينال شرف الجهاد في سبيل الله، وأيهم يُدخله مقصدُه في أهل الشهادة إن مات؟
فكان جوابه، صلى الله عليه وسلم، أنَّ من كانت نيته إعلاءَ كلمة الله فهو الذي في سبيل الله. فأي أمر فرَّق بين ما لهذا الأخير من ثواب الدنيا وحُسن المآل في الآخرة، وبين هؤلاء الذين ليس لهم إلا ما قصدوا إلى تحصيله من مغانم أو صيت وشهرة، أو رياء وسُمعة، مما لا ينفعهم في الآخرة؟
إنها النية، المقصد، والغرض، والغاية التي تَحرَّك كلٌ منهم بغرض تحقيقها وتوجه إليها، وكانت هي الطاقة الداخلية التي تدفع به إلى هدفه.
وشتان بين ما لهذا وبين ما لهؤلاء، وإن كنَّا نراهم في الميدان سواء كلهم يقاتل، كلهم شجاع، كلهم يضع سيفه في نحر العدو، الفعل واحد ولكن النوايا والمقاصد متباينة، فبأي معيار حدد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ثواب كل منهم، وبأي مقياس حدد قيمة عمل كل منهم؟
إنها النية، ذلك الفعل القلبي، الذي لا يراه أحد، إلا الله سبحانه وتعالى، إنها النية، التي بمقتضاها يكون الجزاء، إما ثواب، وإما عقاب، إنها النية، التي نغفل عنها في تعبُّدِنا وسائر أعمالنا، فلعلنا نخسر كثيراً من ثواب أعمالنا، بسبب أننا لا نستحضر نيتنا حين الفعل فنؤدي بآلية، تفتقد إلى الخشوع، وتفتقر إلى الروح الإيمانية فنُلقي بأعمالنا إلى خواء، ونضيّعها ونحن لا نشعر.
(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) هكذا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليعلمنا أن النية هي الحد الفاصل بين ما هو حق، وما هو باطل بين ما هو حلال وما هو حرام، بين العمل الخالص لوجه الله تعالى وبين العمل الذي يُقصد به غير الله.
ونذكر سبب ورود هذا الحديث، لعلَّ فيه العبرةَ والفهم لأهمية النية، إذ أراد رجلٌ الزواج بامرأةٍ تُدعى " أم قيس "، وكانت من المهاجرات إلى المدينة، ولم يكن الرجل يرغب في الهجرة، فاشترطت عليه، إن أراد زواجها، أن يهاجر معها، فهاجر، ونيته بالهجرة أن يتزوجها، أما هي ومن معها، فكانت نيتهم الهجرة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، طاعة ومحبة له، ونصرة لدين الله، فصارت هي ومن معها بنيتهم الخالصة لله ممن ذكرهم الله سبحانه في قرآنه، وصار هو بنيته الدنيوية مهاجر أم قيس، وسبحان الله، وشتان بين ما لهم وله عند الله، والفرق صنعته النية.
فلكل عملٍ: ظاهرٌ يوافقُ شرعَ الله، عز وجل، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، أو يخالفهما وبهذا يكون صلاح العمل أو فساده ظاهراً.
ولكل عملٍ: باطنٌ، قصدٌ، نيةٌ، وبحسبها يكون الجزاء من الله، عز وجل، ومُستقَر هذا الباطن هو القلب، تلك المضغة التي إذا صلُحت صلُح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد.
فالنية أخوة الإسلام هي روح العمل، وهي الموجِّهة له، وبإخلاصها لله تعالى يكون الفوز بالجنان، بإذن الله تعالى، وبصرفها إلى غير وجهه الكريم سبحانه، نكون قد أخذنا بأنفسنا إلى درك العذاب، والعياذ بالله.
فهذه دعوة إلى من تصله من أمة محمد، صلى الله عليه وسلم:
أن أصلح نيتك وأخلصها لله سبحانه، وألا تغفل عن النية في كل عملٍ من أعمالك، سواء كان عملاً تعبُّدياً خالصاً أو عملاً مباحاً، ترجو بفعله ثواب الله، كأن يكون وسيلة مباحة إلى طاعة أو قُربة.
وأُذكِّر بأنه بصلاح الباطن يصلح الظاهر وبصلاحهما يصلح العمل وبصلاحه يكون رضا الله، عز وجل!
[ناصر الحلواني]
 يتبع

ابوالوليد المسلم 21-04-2019 05:36 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية

تأثير النّيّة في العمل (قاعدة الأعمال بمقاصدها)


ولأهمية النية في توجيه العمل وتكييفه وتحديد نوعه وقيمته، استنبط العلماء قاعدة
فقهية من أرسخ قواعد الفقه، التي عنيت بها كتب القواعد والأشباه والنظائر، وهي:
الأمور بمقاصدها، وفرعوا عليها فروعا كثيرة، منها: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني? لا للألفاظ والمباني.
ومن فروعها ما عبر عنه الحديث: "إن الله عفا لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
كما استشهد الإمام البخاري رحمه الله بحديث: "إنما الأعمال بالنيات" على إبطال
"الحيل" التي ينسب إلى بعض الفقهاء الإفتاء بجوازها، ومعناها: أن العبرة بالصورة لا بالحقيقة، وبالشكل لا بالجوهر، وباللفظ لا بالمعنى.

تنوع جزاء العمل الواحد بتنوع نيته
ومن تأثير النية في الأعمال: أن العمل الواحد يتنوع حكمه الشرعي، وقيمته الأخلاقية، وجزاؤه الأخروي، تبعا لنية صاحبه.
ومن الأمثلة التي ذكرها الحديث لذلك، اقتناء الخيل، فهي لرجل أجر، ولآخر وزر، ولثالث ستر، أو كما سماها حديث آخر: "فرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان" وما ذلك إلا بسبب النية والقصد.
وروي عن ابن مسعود: "الخيل ثلاثة: فرس للرحمن، وفرس للشيطان، وفرس للإنسان?
فأما فرس الرحمن، فالذي يرتبط في سبيل الله عز وجل، فعلفه وبوله وروثه وذكر ما شاء الله (يعني في ميزان صاحبه حسنات كما صح في حديث آخر)، وأما فرس
الشيطان فالذي يقامر عليه ويراهن، وأما فرس الإنسان، فالفرس يرتبطها الإنسان، يلتمس بطنها (أي نتاجها) فهي ستر من فقر".
وقد جاء هذا التقسيم الثلاثي في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
وقال الحافظ السيوطي: قال العلماء: النية تؤثر في الفعل، فيصير بها تارة حراما، وتارة
حلالا، وصورته واحدة، كالذبح مثلا، فإنه يُحلُّ الحيوان إذا ذُبح لأجل الله، ويحرمه إذا ذبح لغير الله، والصورة واحدة.

أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره، فإن القربات كلها مبناها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقصد، ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل، أو دخل الحمام للتنظيف، أو سبح للتبرد، لم يكن غسله قربة
ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له، وإنما لامرئ ما نوى.
ولو أمسك عن المفطرات عادة واشتغالا ولم ينو القربة، لم يكن صائما.
ولو دار حول البيت يلتمس شيئا سقط منه لم يكن طائفاً.
ولو أعطى الفقير هبة أو هدية ولم ينو الزكاة لم يحسب زكاة.
ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يحصل له.
وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والامتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب، ولهذا لو جامع
أجنبية يظنها زوجته لم يأثم بذلك، وقد يثاب بنيته.
ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية، فبانت زوجته أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام.
ولو أكل طعاما حراما يظنه حلالا لم يأثم به، ولو أكله وهو حلال يظنه حراما وقد أقدم عليه أثم بنيته.
وكذلك لو قتل من يظنه مسلما معصوما فبان كافرا حربيا أثم بنيته، ولو رمى صيدا
فأصاب معصوما لم يأثم، ولو رمى معصوما فأخطأه وأصاب صيدا أثم، ولهذا كان القاتل والمقتول من المسلمين في النار لنية كل واحد منهما قتل صاحبه.
فالنية روح العمل ولبه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي
صلى الله عليه وسلم قد قال كلمتين كفتا وشفتا وتحتهما كنوز العلم، وهما قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".

النية لا تؤثر في الحرام:
وإذا كان هذا هو تأثير النية في كل تلك المجالات، فمن المتفق عليه أنها لا تؤثر في الحرام، فحسن النية، وشرف القصد، لا يحيل الحرام حلالا، ولا ينزع منه صفة الخبث
التي هي أساس تحريمه.
فمن أكل الربا، أو اغتصب مالا، أو اكتسبه بأي طريق محظور، بنية أن يبني به مسجدا أو ينشئ دارا لكفالة اليتامى، أو يؤسس مدرسة لتحفيظ القرآن، أو ليتصدق بهذا المال الحرام على الفقراء وأهل الحاجة، أو غير ذلك من وجوه الخير، فإن هذه النية الطيبة لا أثر لها، ولن تخفف عنه وزر الحرام، فقد أكدت الأحاديث الصحيحة: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا".
وفي حديث ابن مسعود: "إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث".
والحرام لا تطهره الصدقة ببعضه، بل لا بد من الخروج عنه كله، ثم إن المال الحرام ليس مملوكاً لحائزه حتى يجوز له التصدق منه، بل هو مملوكٌ لصاحبه الأصلي، فلا يقبل منه إلا أن يرده إليه أو إلى ورثته.
وبهذا يتبينُ لنا أنَّ الإسلام يرفض مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، ولا يقبل إلا الوسيلة النظيفة للغاية الشريفة، فلابد من شرف الغاية وطهارة الوسيلة معا.

يتبع

ابوالوليد المسلم 25-04-2019 06:47 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية

حكم النِّيَّة في الصِّيام

هل النِّيّة من أركان الصيام؟
الشافعية قالوا: أركان الصيام ثلاثة: الإمساك عن المفطرات، والنية، والصائم، فمفهوم الصيام عندهم لا يتحقق إلا بهذه الثلاثة.
الحنابلة، والحنفية قالوا: للصيام ركن واحد، وهو الإمساك عن المفطِّرات،
أمّا النية والصائم فهما شرطان خارجان عن مفهوم الصيام، ولكن لا بد منهما!
أما المالكية فقد اختلفوا،
فقال بعضهم: إن للصيام ركنين: أحدهما: الإمساك، ثانيهما: النية، فمفهوم الصيام لا يتحقق إلا بهما،
ورجَّح بعضُهم أن النية شرطٌ لا ركن، فمفهوم الصيام يتحقق بالإمساك فقط.

للصيام ركنان تتركب منهما حقيقته:
1 - الامساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
لقول الله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل).
والمراد بالخيط الابيض، والخيط الاسود بياض النهار وسواد الليل.
لما رواه البخاري ومسلم: أن عدي بن حاتم قال: لما نزلت (حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود) عمدت إلى عقال أسود، وإلى عقال أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال: " إنما ذلك سواد الليل، وبياض النهار ".


2 - النية: لقول الله تعالى: " وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ".
وقوله صلى الله عليه وسلم: " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ".

أما كون النية شرطا في صحة الصيام فإنه قول الجمهور؛ وشذ زُفر فقال: لا يحتاج رمضان إلى النية إلا أن يكون الذي يدركه صيام شهر رمضان مريضا أو مسافرا فيريد الصوم.
والسبب في اختلافهم الإحتمال المتطرق إلى الصوم هل هو عبادة معقولة المعنى أو غير معقولة المعنى؟ فمن رأى أنها غير معقولة المعنى أوجب النية، ومن رأى أنها معقولة المعنى قال: قد حصل المعنى إذا صام وإن لم ينو، لكن تخصيص زفر رمضان بذلك من بين أنواع الصوم فيه ضعف، وكأنه لما رآى أن أيام رمضان لا يجوز فيها الفطر، أي أن كل صوم يقع فيها ينقلب صوما شرعيا، وأن هذا شيء يخصُّ هذه الأيام.

يقول الشيخ وهبة الزحيلي:
حكم النية عند جمهور الفقهاء (غير الحنفية): الوجوب فيما توقفت صحتُه عليها، كالوضوء والغسل، (ماعدا غسل الميت) والتيمم، والصلاة بأنواعها، والزكاة والصيام والحج والعمرة إلى غير ذلك، والندب فيما لم تتوقف صحته عليها كرد المغصوب، والمباحات كالأكل والشرب والتُّروك!

يتبع

ابوالوليد المسلم 25-04-2019 06:48 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية


متى يجب إنشاء نيّة الصيام؟


ولابد أن تكون قبل الفجر، من كل ليلة من ليالي شهر رمضان.
لحديث حفصة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلاصيام له. "رواه أحمد وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان.
وتصح في أي جزء من أجزاء الليل، ...
وقال كثير من الفقهاء: إن نية صيام التطوع تجزئ من النهار، إن لم يكن قد طعم.
قالت عائشة: دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: " هل عندكم شئ؟ قلنا: لا. قال: " فإني صائم ". رواه مسلم، وأبو داود.
واشترط الاحناف أن تقع النية قبل الزوال وهذا هو المشهور من قولي الشافعي.
وظاهر قولي ابن مسعود، وأحمد: أنها تجزئ قبل الزوال، وبعده، على السواء.
(عن فقه السنة)


ومن اللازم هنا: تحديد الوقت الذي يجب فيه إنشاء نية الصيام. وجمهور الفقهاء على أن الواجب هو تبييت النية من الليل، أي إيقاعها في جزء من الليل قبل طلوع الفجر. واستدلوا بحديث ابن عمر عن حفصة مرفوعًا: "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" رواه أحمد وأصحاب السنن. ومعنى يجمع: أي يعزم. يقال: (أجمعت) الأمر، إذا عزمت عليه.
والحديث مختلف في رفعه ووقفه وحسبنا أن البخاري وأبا داود والنسائي والترمذي وابن أبي حاتم صححوا وقفه (ذكر ذلك الحافظ في "التلخيص" المطبوع مع المجموع -304/ 6).، فلا يصلح إذن للاستدلال على ما اختلفوا فيه. ولهذا كان ثمت مجال للاختلاف في وقت النية متى هو؟ فمن أخذ بالحديث المذكور جعل وقتها قبل الفجر.
ومن لم يأخذ به أجازها قبله وبعده كما هو مذهب أبي حنيفة الذي يجيز صوم رمضان بنية من الليل، وإلى نصف النهار. ومنهم من قصر تبييت النية على الفرض، وأما النفل فأجازوه في النهار إلى ما قبل الزوال.
وحجتهم ما رواه مسلم عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على بعض أزواجه، فيقول: "هل من غداء؟ " فإن قالوا: لا، قال: "فإني صائم" (رواه مسلم -باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال).
وكذلك ما جاء في الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم حين فرض صوم عاشوراء أمر رجلاً من أسلم يؤذن في الناس في النهار: "ألا كل من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم" (رواه البخاري -باب صيام يوم عاشوراء، ومسلم -باب من أكل في عاشوراء فليكف بقية يومه). بل ذهب بعضهم إلى جواز النية بعد الزوال.
وذهب الإمام مالك إلى أن نية الصيام في أول ليلة من رمضان كافية للشهر كله، ومغنية عن تجديد نية لكل ليلة، باعتبار صوم رمضان عملاً واحدًا، وعبادة واحدة، وإن كانت موزعة على الأيام، كالحج تكفيه نية في أوله، وإن كانت أفعاله موزعة على عدد من الأيام، وهو مذهب إسحاق ورواية عن أحمد.
والظاهر: أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، مسقطة لفرض وقتها، بخلاف الحج فإنه كله عمل واحد، ولا يتم إلا بفعل ما اعتبره الشرع من المناسك، والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه. ومهما يكن من الاختلاف في أمر النية، فالمؤكد أنها في صيام رمضان مركوزة في ضمير كل مسلم حريص على صيام شهره، وأداء فرض ربه، ولا مشكلة في ذلك على الإطلاق.
وأما في صوم التطوع، فالأحاديث قاطعة بأن إنشاءها بالنهار جائز، كما عليه عمل الرسول الكريم وصحابته، ولكن يبدو أن الذي يثاب عليه هو الوقت الذي ابتدأ فيه النية، بكّر أو تأخر، إذ لا ثواب إلا بنية.



ويلاحظ أن المراد بالنية في الصيام هو العزم أو الإرادة الكلية وهو المعنى العام للنية، أي أن الصيام يصح بتبييت النية من الليل، دون اشتراط مقارنتها لبدء الصوم وهو طلوع الفجر، فلو نوى ثم أكل، وصام، صح صومه، أما غير الصيام من العبادات التي تتطلب لصحتها مقارنة النية ببدء الفعل فلابد فيها من القصد تحقيقاً: وهو الإرادة المتعلقة ببدء الفعل، فالنية المعتبرة فيه هي القصد تحقيقاً، أي النية المقترنة ببدء تنفيذ الفعل، وهو المراد بالنية عند عدّها لدى الشافعية من أركان العبادة، كالوضوء والغسل والتيمم والصلاة والزكاة والحج، ومثلها كنايات العقود والفسوخ، فلابد فيها من القصد تحقيقاً الذي هو النية المقارنة للفظ الكنائي أو الكتابة وإشارة الأخرس التي يفهمها الفطن، وكذا الاستثناء في الأقارير (الإقرارات) والطلاق، والتعليق في الطلاق بكلمة (إن شاء الله) فلابد فيها من النية بمعنى القصد تحقيقاً قبل الفراغ من المستثنى منه، أي اقتران النية بالكلام المتصل ببعضه.


النية في الفرض واجبة قبل الفجر ولا يجوز تقديمها قبل الليل رواه النسائي وابو داود والترمذي وابن ماجة وقوله صلى الله عليه وسلم " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"
يستثنى تبييت النية في بعض الحالات:
-المجنون اذا افاق
-الكافر اذا اسلم
-الصبي اذا احتلم.
-النائم اذا استيقظ
-ومن أتاه خبر رمضان.
حكم هذه الفئة الامساك دون القضاء
*نية خاصة لكل يوم من شهر رمضان.
اجمع العلماء على ان صوم رمضان كل يوم له نية مستقلة والانسان حين يقوم للسحور كل يوم فان نيته معه من الليل لانه عزم وفعل.

وسئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (ج 25 / ص 215):
ما يقول سيدنا فى صائم رمضان هل يفتقر كل يوم الى نية ام لا؟
فأجاب:
كل من علم أن غدا من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى صومه سواء تلفظ بالنية او لم يتلفظ وهذا فعل عامة المسلمين كلهم ينوى الصيام

[استفتاء]:
ما رأيكم في رجل في آخر يوم من شعبان لم يعلم بطلوع هلال رمضان ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر من أول يوم من رمضان، فهل يستكمل صومه وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له) هل يلزمه القضاء؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً.
[فتوى]:
إذا كان هذا الإنسان نائماً على أنه إن كان غداً من رمضان فهو صائم فهذه نية صحيحة ويصح بها الصوم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى).
فهذا الرجل يقول في نفسه: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، فإذا تبين أنه من رمضان فقد نوى نية صحيحة، وأما الحديث الذي أشار إليه: (من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له) فهذا حديث تكلم العلماء فيه، وضعفه كثير من أهل العلم، ورجحوا أنه موقوف وإذا كان موقوفاً، فليس فيه دليل، ثم نقول كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن المراد بذلك من علم؛ لأن النية تتبع العلم، فمن لم يعلم فكيف ينوي؟ فيكون الإنسان الذي يعلم أن غداً من رمضان ليس له الحق أن يؤخر النية حتى يطلع الفجر؛ لأنه عالم بل لابد أن ينوي قبل أن يطلع الفجر، إذا كان عالماً وكلامنا في الشخص الذي لم يعلم.


فإذا ثبت دخول شهر رمضان فلا بد من تبييت نية الصيام كما ورد في الحديث عن حفصة رضي الله عنها أن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة. وهو حديث صحيح كما قال الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/ 465.
ومن المعلوم عند أهل العلم أن النية محلها القلب ولا علاقة للسان بها لذا فإن التلفظ بالنية بدعة مخالفة لهدي المصطفى - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.


[استفتاء]
ـ[سؤالي: هو أني أعمل في دولة أجنبية أسبانيا وأعمل في أقصى وأصعب المهن وهو البناء وتصل الحرارة إلى درجات عالية وأنا أستهلك في اليوم 9 لترات من الماء وأظن أني لا أستطيع الصيام فهل يجوز لي الإفطار رغم أني إذا فقدت عملي ليس بالسهولة وجود عمل آخر، وأنا محتاج لأموال هذه الشهور لأتزوج بها أنتم تعلمون أن العالم في أزمة اقتصادية، ونحن في أسبانيا نعاني من العنصرية حيث لا يتم تشغيل المسلمين؟]ـ
[فَتْوَى]
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإذا استهل رمضان وجب عليك تبييت نية الصيام كل ليلة من ليالي هذا الشهر، فإذا لحقتك مشقة شديدة أثناء الصيام بحيث تحققت أو غلب على ظنك العجز عن العمل فلك الفطر حينئذ ولا يجوز لك تبييت نية الإفطار


يقول الشيخ السعدي:
وَيَجِبُ تَبْيِيتُ اَلنِّيَّةِ لِصِيَامِ اَلْفَرْضِ.
وَأَمَّا اَلنَّفْلُ فَيَجُوزُ بِنَيَّةٍ من النهار.
يتبع

ابوالوليد المسلم 25-04-2019 06:49 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية


حكم التلفظ بنيّة الصيام

سئل شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله:
ما يقول سيدنا فى صائم رمضان هل يفتقر كل يوم الى نية ام لا؟
فأجاب:
كل من علم أن غدا من رمضان وهو يريد صومه فقد نوى صومه سواء تلفظ بالنية او لم يتلفظ وهذا فعل عامة المسلمين كلهم ينوى الصيام
مجموع الفتاوى (ج 25 / ص 215)
ولا يشترط التلفظ بها فإنها عمل قلبي، لادخل للسان فيه، فإن حقيقتها القصد إلى الفعل امتثالاً لامر الله تعالى، وطلبا لوجهه الكريم.
فمن تسحر بالليل، قاصدا الصيام، تقربا إلى الله بهذا الامساك، فهو ناو.
ومن عزم على الكف عن المفطرات، أثناء النهار، مخلصا لله، فهو ناو كذلك وإن لم يتسحر.

والنية محلها القلب، لأنها عقد القلب على الفعل. والتلفظ باللسان ليس مطلوبًا، ولم يأت في نصوص الشرع ما يدل علي طلب التلفظ بها، لا في الصوم، ولا في الصلاة، ولا في الزكاة، إلا ما جاء في شأن الحج والعمرة.
والإنسان في شؤونه الدنيوية لا يتلفظ بما ينويه، فيقول: نويت السفر إلى بلد كذا، أو نويت أن آكل كذا وكذا .... إلخ فكذلك أمور الدين. ولهذا لا تُعد النية مشكلة بالنسبة للمسلم الملتزم بالصيام فهو بطبيعته ناوٍ له، مصمم عليه، ولو كلفته ألا ينويه ما استطاع.
ومن دلائل نيته قيامه للسحور، وتهيئته له وإن لم يقم، وإعداده ما يلزم لفطور الغد، وترتيبه أعماله ومواعيده على وفق ظروف الصيام. فلا داعي للإكثار من الكلام عن النية فهي حاضرة وقائمة لدى كل مسلم معتاد على الصوم. إنما الذي يحتاج إليها هو من كان له عذر يبيح له الفطر، كالمريض والمسافر فيصوم حينًا، ويفطر حينًا، فإذا صام يحتاج إلى تجديد النية، ليتميز يوم صومه عن يوم فطره.


استحباب التلفظ بالنية في العبادات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد :
فذهب الجمهور من الفقهاء إلى استحباب التلفظ بالنية بصوت يسمع الإنسان فيه نفسه لا الجهر بها فإن الجهر بها بدعة، ومن لم يستحب التلفظ بها لم يحكم بكون التلفظ بدعة محرمة بل قال هو خلاف الأولى وهاك أقوال الأئمة من المذاهب الأربعة المتبوعة رحمهم الله تعالى :
أقوال الحنفية :
قال الحصكفي في الدر المختار عند كلامه عن نية الوضوء : والجمع بين نية القلب وفعل اللسان ) هذه رتبة وسطى بين من سن التلفظ بالنية ومن كرهه لعدم نقله عن السلف اهـ
وقال ابن عابدين في حاشيته تعليقا على ذلك : قوله : ( هذه ) أي الطريقة التي مشى عليها المصنف حيث جعل التلفظ بالنية مندوبا لا سنة ولا مكروها.اهـ
قال الإمام عثمان الزيلعي الحنفي في كتابه تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق ( والشرط أن يعلم بقلبه أي صلاة يصلي ) وأدناه أن يصير بحيث لو سئل عنها أمكنه أن يجيب من غير فكرة , وأما التلفظ بها فليس بشرط ولكن يحسن لاجتماع عزيمته.اهـ
وقال العالم العلامة ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق : وقد اختلف كلام المشايخ في التلفظ باللسان فذكره في منية المصلي أنه مستحب وهو المختار وصححه في المجتبى وفي الهداية والكافي والتبيين أنه يحسن لاجتماع عزيمته وفي الاختيار معزيا إلى محمد بن الحسن أنه سنة وهكذا في المحيط و البدائع وفي القنية أنه بدعة إلا أن لا يمكنه إقامتها في القلب إلا بإجرائها على اللسان فحينئذ يباح ونقل عن بعضهم أن السنة الاقتصار على نية القلب , فإن عبر عنه بلسانه جاز ونقل في شرح المنية عن بعضهم الكراهة وظاهر ما في فتح القدير اختيار أنه بدعة ... وقد يفهم من قول المصنف لاجتماع عزيمته أنه لا يحسن لغير هذا القصد وهذا لأن الإنسان قد يغلب عليه تفرق خاطره فإذا ذكر بلسانه كان عونا على جمعه , ثم رأيته في التجنيس قال والنية بالقلب ; لأنه عمله والتكلم لا معتبر به ومن اختاره اختاره لتجتمع عزيمته.ا هـ . وزاد في شرح المنية أنه لم ينقل عن الأئمة الأربعة أيضا فتحرر من هذا أنه بدعة حسنة عند قصد جمع العزيمة , وقد استفاض ظهور العمل بذلك في كثير من الأعصار في عامة الأمصار فلعل القائل بالسنية أراد بها الطريقة الحسنة لا طريقة النبي صلى الله عليه وسلم . اهـ
مذهب المالكية :
قال العلامة الدردير رحمه الله تعالى في الشرح الكبير ( ولفظه ) أي تلفظ المصلي بما يفيد النية كأن يقول نويت صلاة فرض الظهر مثلا ( واسع ) أي جائز بمعنى خلاف الأولى . والأولى أن لا يتلفظ لأن النية محلها القلب ولا مدخل للسان فيها.
قال الدسوقي رحمه الله تعالى في حاشيته على الشرح الكبير : لكن يستثنى منه الموسوس فإنه يستحب له التلفظ بما يفيد النية ليذهب عنه اللبس كما في المواق وهذا الحل الذي حل به شارحنا وهو أن معنى واسع أنه خلاف الأولى والأولى عدم التلفظ هو الذي حل به بهرام تبعا لأبي الحسن والمصنف في التوضيح ، وخلافه تقريران :
الأول أن التلفظ وعدمه على حد سواء .
ثانيهما أن معنى واسع أنه غير مضيق فيه فإن شاء قال أصلي فرض الظهر أو أصلي الظهر أو نويت أصلي ونحو ذلك .اهـ
مذهب الشافعية :
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في المجموع : النية الواجبة في الوضوء هي النية بالقلب ولا يجب اللفظ باللسان معها , ولا يجزئ وحده وإن جمعهما فهو آكد وأفضل , هكذا قاله الأصحاب واتفقوا عليه .
وقال شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري في أسنى المطالب وهو يعدد سنن ومستحبات الوضوء : (والتلفظ بها ) ليساعد اللسان القلب , وللخروج من خلاف من أوجبه ( سرا ) اهـ
فائدة : قال الإمام النووي في الأذكار : وقال : اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبة كانت أو مستحبة لا يحسب شيء منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه، إذا كان صحيح السمع لا عارض له . انتهى.
مذهب الحنابلة :
معتمد مذهب الحنابلة استحباب التلفظ بالنية قال الإمام المرداوي الحنبلي في الإنصاف : لا يستحب التلفظ بالنية على أحد الوجهين , وهو المنصوص عن أحمد قاله الشيخ تقي الدين . قال : هو الصواب , الوجه الثاني : يستحب التلفظ بها سرا , وهو المذهب , قدمه في الفروع , وجزم به ابن عبيدان , والتلخيص , وابن تميم , وابن رزين . قال الزركشي : هو الأولى عند كثير من المتأخرين .
وقال البهوتي الحنبلي في كشاف القناع : (واستحبه ) أي التلفظ بالنية ( سرا مع القلب كثير من المتأخرين ) ليوافق اللسان القلب قال في الإنصاف : والوجه الثاني يستحب التلفظ بها سرا وهو المذهب .
وقال الرحيباني الحنبلي في مطالب أولي النهى : (ومحلها ) أي : النية ( القلب , فلا يضر سبق لسان بغير منوي), كما لو أراد أن يقول : نويت الوضوء , فيقول : نويت الصلاة , ( وسن لا لنحو مفارق ) لإمامه (في أثناء صلاة ) كمعتكف نواه وهو يصلي , ( نطق بها ) - أي : النية - ( سرا في كل عبادة ) , كوضوء وصلاة وتيمم ونحوها , ليوافق فعل اللسان القلب .
قال الزركشي الحنبلي: هو أولى عند أكثر المتأخرين . قال في " الإنصاف " : على المذهب , وجزم به ابن عبيدان , و " التلخيص " وابن تميم , وابن رزين , (وإن كان ) النطق بها ( خلاف المنصوص ) عن الإمام أحمد , وجمع محققين .

فائدة :
قال ابن علان الصديقي الشافعي في الفتوحات الربانية على الأذكار النووية : نعم يسن النطق بها ليساعد اللسان القلب ولأنه صلى الله عليه وآله وسلم نطق بها في الحج فقسنا عليه سائر العبادات وعدم وروده لا يدل على عدم وقوعه وأيضا فهو صلى الله عليه وآله وسلم لا يأتي إلا بالأكمل وهو أفضل من تركه والنقل الضروري حاصل بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يواظب على ترك الأفضل طول عمره فثبت أنه أتى في نحو الوضوء والصلاة بالنية مع النطق ولم يثبت أنه تركه والشك لا يعارض اليقين ومن ثم أجمع عليه الأمة في سائر الأزمنة وبما ذكر اندفع ما شنع به ابن القيم في الهدي على استحباب التلفظ بالنية قبل تكبيرة الإحرام . اهـ
المصدر: منارة الشريعة
يتبع

ابوالوليد المسلم 25-04-2019 06:49 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية


من ثمرات إخلاص النّيّة

للإخلاص ثمرات طيبة في النفس والحياة نجُملها فيما يلي:
أولاً: السكينة النفسية:
فهو يمنح صاحبه سكينة نفسية، وطمأنينة قلبية، تجعله منشرح الصدر، مستريح
الفؤاد، فقد اجتمع قلبه على غاية واحدة، هي رضا الله عز وجل، وانحصرت همومه في هم واحد، هو سلوك الطريق الذي يوصل إلى مرضاته، ولا ريب أن وضوح الغاية?
واستقامة الطريق إليها: يريح الإنسان من البلبلة والاضطراب بين الاتجاهات، وتناز ع
الرغبات، وتعدد السبل.
وقد ضرب الله مثلا للمؤمن الموحد بالعبد الذي له سيد واحد، عرف ما يرضيه وما يسخطه، فجعل كل همه في إرضائه، واتباع ما يحبه وللمشرك بالعبد الذي يملكه شركاء متشاكسون، كل واحد يأمره بخلاف ما يأمره به الآخر، وكل يريد منه غير ما يريد صاحبه، فهمه شعاع، وقلبه أوزاع، قال تعالى: (ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا، الحمد لله، بل أكثرهم لا يعلمون).
ومعنى "سلما" له: أي خالصا له لا يشاركه فيه أحد.
وبهذا تحرر الإنسان المؤمن بإخلاصه العبودية لله من تعاسة العبودية لغيره: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد القطيفة" وسعد بالعبودية لله وحده.
لقد جمع همومه في هم واحد هو رضوان الله تعالى، وجعل نيته وقصده في الآخرة!
فهان عليه كل ما يلقى في هذه الدنيا.
يقول عليه الصلاة والسلام: (من كان الدنيا همه، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين
عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كُتب له، ومن كانت الآخرة نيته، جمع الله له أمره،
وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا، وهي راغمة).
ثانياً: القوة الروحية:
والإخلاص يمنح المخلص قوة روحية هائلة، مستمدة من سمو الغاية التي أخلص
لها نفسه، وحرر لها إرادته، وهو رضا الله ومثوبته.
فإن الطامع في مال أو منصب أو لقب أو زعامة: ضعيف كل الضعف، إذا لاح له بادرة أمل في تحقيق ما يطمع فيه من دنيا، ضعيف أمام الذين يملكون إعطاءه ما يطمح إليه! ضعيف إذا خاف فوات مغنم يرجوه، أما الذي باعها لله، فهو موصول بالقوة التي لا تضعف، والقدرة التي لا تعجز، ولهذا كان في تجرده وإخلاصه أقوى من كل قوة مادية يراها الناس.
فالقوة الروحية أعظم من كل القوى المادية، وذكر الغزالي في "الإحياء" قصة ترمز إلى هذا المعنى، إنها قصة العابد الذي سمع أن شجرة يعبدها الناس من دون الله، فحمل فأسه، وذهب مصمما على أن يقطعها، ويقطع معها دابر فتنة تقديسها وعبادتها، وفي الطريق قابله إبليس فأراد أن يثنيه فأبى، فتصارعا، فصرع العابد إبليس، وبدا كأنه ريشة في يده!
وهنا بدأ إبليس في مفاوضة ماكرة مع العابد: أن يعود ويدع الشجرة، فإن قطعها لا
يفيد، فقد يعبدون شجرة أخرى، وتعهد أن يعطيه كل يوم دينارا، يجده تحت وسادته، فينتفع به، وينفق منه على المساكين، ومازال إبليس بالرجل، حتى اقتنع، وسلمه مبلغا مقدما، ثم ظل مدة يتسلم فيها الدينار كل صباح وفق ما اتفقا عليه.
ولكن العابد فوجئ يوما بأنه لم يجد الدينار تحت الوسادة، كما اعتاد، فصبر عدة أيام!
لعل صاحبه يفي له بما وعده، بيد أنه لم يفعل، فما كان من العابد إلا أن حمل فأسه، وذهب ليقطع الشجرة من جديد، فقابله إبليس، فتحدَّاه، وتنازعا واصطرعا، فصرع إبليس الرجل هذه المرة، وكان كأنه عصفور بين رجليه!
وهنا سأله العابد: ما الذي جعله يغلبه هذه المرة، بعد أن انتصر على إبليس بجدارة في المرة الأولى؟ هنا قال له إبليس: لقد كان غضبك في المرة الأولى لله، فكان لديك من القوة ما لم يكن لي قِبَل بها، ولا طاقة لمواجهته، فهزمت أمامك بسرعة. أما هذه المرة فكان غضبك لانقطاع الدينار، فلم يكن عندك من القوة ما كان من قبل، وهزمت أمامي بسرعة البرق.
وهنا ظهر الفرق بين الغضب للدرهم والدينار، والغضب للواحد القهار.
ثالثاً: الاستمرار في العمل:
ومن آثار الإخلاص: أنه يمد العامل بقوة الاستمرار، فإن الذي يعمل للناس، والذي يعمل لشهوة البطن أو الفرج، يَكُفُّ إذا لم يجد ما يشبع شهوته، والذي يعمل أملا في
شهرة أو منصب، يتراخى ويتثاقل إذا لاح له أن أمله بعيد المنال، والذي يعمل لوجه الرئيس أو الأمير، ينقطع أو يتوانى إذا عزل الرئيس أو مات الأمير.
أما الذي يعمل لله فلا ينقطع ولا ينثني ولا يسترخي أبدا، لأن الذي يعمل له لا يغيب ولا يزول، فوجه الله باق إذا غابت وجوه البشر، أو هلك الخلق كل الخلق: (كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون).
ولهذا قال الصالحون: ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل! وهذا ما صدقه الواقع، وما رأيناه ولمسناه، ولازلنا نراه ونلمسه في كل زمان ومكان.
رابعاً: تحويل المباحات والعاديات إلى عبادات:
والإخلاص هو "إكسير" الأعمال، الذي إذا وضع على أي عمل ولو كان من المباحات
والعادات حوله إلى عبادة وقربة لله تعالى، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لسعد: "إنك ما تنفق نفقة تبغي بها وجه الله تعالى إلا أثبت عليها، حتى اللقمة تضعها في في (أي فم) امرأتك".
وقال تعالى في شأن الذين يجاهدون في سبيله: (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب
ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون).
فجعل جوعهم وعطشهم ومشيهم ونفقتهم مما يسجل لهم في رصيد حسناتهم عند الله عز وجل، مادام ذلك في سبيل الله، ولن تكون هذه الأشياء في سبيل الله إذا أداها المسلم لتكون كلمة الله هي العليا.
وذلك أن الوسائل والآلات بحسب المقاصد والغايات!
خامساً: إحراز ثواب العمل وإن لم يتمه أو لم يعمله:
ومن بركات الإخلاص لله: أن المخلص يستطيع أن يحرز ثواب العمل كاملا وإن لم يقدر على إتمامه بالفعل، لنستمع إلى قول الله تعالى: (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفورا رحيما).
بل يستطيع المسلم بنيته الخالصة لله أن يدرك ثواب العمل كاملا، وإن لم يؤده ولم يشرع فيه، ولهذا أمثلة كثيرة جاءت بها الأحاديث.
روى البخاري عن أنس بن مالك قال: رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه
وسلم، فقال: "إن أقواما خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا وهم معنا، حبسهم العذر".
وروى النسائي وابن ماجه عن أبي الدرداء يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم: "من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل، فغلبته عيناه حتى أصبح، كتب له ما نوى، وكان صدقة عليه من ربه".
وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من سأل الله الشهادة بصدق، بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه".
وقال أيضا: "من طلب الشهادة صادقا، أعطيها، ولو لم تصبه"، والحديثان يؤكدان وصفا أو شرطا لابد منه، لمن يحصل على "الشهادة" وهو على فراشه، لم يقتل ولم يصب ?
وهو أن يكون سؤاله للشهادة "بصدق"، أن يطلبها "صادقا"، فما كل من يسأل الشهادة بلسانه، يكون صادقا في أعماقه، فالمدار على السرائر، والله أعلم بها.
وقد يتقرب المخلص إلى ربه بعمل فيخطئ في تأديته، ويضعه في غير موضعه، فتأتي نيته الصالحة شفيعا، فتصحح له خطأه، وتكمل له نقصه.
وفي هذا جاء حديث الصحيحين في الرجل الذي تصدق في ثلاث ليال فصادفت صدقته مرة رجلا سارقا، ومرة امرأة زانية، والثالثة رجلا غنيا، ولكنه حمد الله على كل حال ?
وأراد الله تعالى أن يثبت قلبه ويشرح صدره، فأتاه في المنام من يقول له: "أما صدقتك
على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها ?
وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله"، وتقبل الله صدقته ببركة نيته، ولم يضع أثرها في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك جزاء المخلصين.
سادساً: النصر والكفاية الإلهية:
ومن ثمرات الإخلاص: أن المخلص مؤيد من الله، مكفي به سبحانه، كما قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده). وعلى قدر إخلاص المرء لربه، وتجرده له، يكون مدد الله تعالى وعونه وكفايته وولايته!
إن الإمداد على قدر الاستعداد: إمداد الله بالنصر والتأييد، أو بالتوفيق والتسديد، على
حسب ما في القلوب من تجريد النية، وصفاء الطوية، يقول تعالى: (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم).
ويقول: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا).
وقد جاء عن عمر رضي الله عنه في رسالته الشهيرة في القضاء قوله: "فمن خلصت نيته في الحق ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله".
قال ابن القيم في شرح هذه الكلمات في "الإعلام": "هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره، وانتفع غاية الانتفاع: فأما الكلمة الأولى فهي منبع الخير وأصله، والثانية أصل الشر وفصله، فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه كان الله معه، فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ورأس التقوى والإحسان خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا
غالب له، فمن كان معه فمن ذا الذي يغلبه أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولا، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجا ومخرجا ? وإنما يؤتى العبد من تفريطه وتقصيره في هذه الأمور الثلاثة، أو في اثنين منها، أو في واحد، فمن كان قيامه في باطل لم ينصر، وإن نصر نصرا عارضا فلا عاقبة له، وهو مذموم مخذول. وإن قام في حق لكن لم يقم فيه لله، وإنما قام لطلب المحمدة والشكور والجزاء من الخلق، أو التوصل إلى غرض دنيوي، كان هو المقصود أولا، والقيام في الحق وسيلة إليه، فهذا لم تضمن له النصرة، فإن الله إنما ضمن النصرة لمن جاهد في سبيله، وقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، لا لمن كان قيامه لنفسه ولهواه، فإنه ليس من المتقين ولا من المحسنين، وإن نصر فبحسب ما معه من الحق، فإن الله لا ينصر إلا الحق. وإذا كانت الدولة لأهل الباطل فبحسب ما معهم من الصبر، والصبر منصور أبدا ? فإن كان صاحبه محقا كان منصورا له العاقبة، وإن كان مبطلا لم يكن له عاقبة، وإذا قام العبد في الحق لله ولكن قام بنفسه وقوته، ولم يقم بالله مستعينا به متوكلا عليه ? مفوضا إليه، بريا من الحول والقوة إلا به، فله من الخذلان وضعف النصرة بحسب ما قام به من ذلك. ونكتة المسألة أن تجريد التوحيدين في أمر الله لا يقوم له شيء البتة ?
وصاحبه مؤيد منصور، ولو توالت عليه زمر الأعداء.
قال الإمام أحمد: حدثنا داود، أنبأنا شعبة، عن واقد بن محمد بن زيد، عن ابن أبي مليكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: من أسخط الناس برضاء الله عز وجل
كفاه الله الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله إلى الناس".
سابعاً: تأييد الله تعالى ومعونته في الشدائد والأزمات:
ومن ثمرات الإخلاص: أن الله تعالى يمد المخلص بعونه، ويحرسه بعينه التي لا تنام ?
ولا يتخلى عنه إذا حلت بساحته الخطوب، وأحاطت به الشدائد والكروب، فهو سبحانه يستجيب دعاءه، ويلبي نداءه، ويكشف عنه الغمة.
ومن عجيب ما ذكره القرآن في ذلك: استجابة الله تعالى دعاء المشركين، إذا جرت بهم الفلك في البحر، وهاجت عليهم الريح، وأحاط بهم الموج من كل مكان، فيدعون الله في تلك اللحظات بصدق وإخلاص، فيستجيب لهم، وإن غيروا بعد ذلك وبدلوا، يقول الله تعالى: (هو الذي يسيركم في البر والبحر، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ? دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق).
وإنما أنجاهم واستجاب لهم، لأنهم (دعوا الله مخلصين له الدين) فقد رجعوا في تلك اللحظة إلى الفطرة، وسقطت الآلهة المزيفة، ولم يبق لديهم إلا الله يدعونه بإخلاص ويتجهون إليه.
ومن أبرز الأمثلة والوقائع في أثر الإخلاص في إنقاذ المكروب من كربته: قصة الثلاثة
"أصحاب الغار".
فمن رحمة الله تعالى: أن الأرض لا تخلو من المخلصين، فهم للحياة الروحية كالماء والهواء للحياة المادية!
ثامناً: خلاص المجتمعات واستقامة الحياة:
ثمرة الإخلاص ليست مقصورة على الآخرة، بمعنى أننا لا نطلب الإخلاص لتكون أعمالنا مقبولة عند الله، ونفوز في الآخرة بالجنة، ونزحزح عن الناس فحسب، فهناك فوق هذا: أن الإخلاص مطلوب لكي تستقيم الأمور في هذه الدنيا، ويقوم العدل، ويزول الظلم والظلام، وتتخلص المجتمعات من آثار الفساد.
إنما تفسد الحياة، وتختل موازينها، إذا اختفى الإخلاص، وبرز النفاق، وعلا صوت المنافقين، وراجت بضاعتهم. إن هؤلاء لا يبالون في سبيل شهوات أنفسهم ومصالحهم الآنية المادية الدنيوية العاجلة أن يجعلوا الأقزام عمالقة، والشياطين ملائكة، واللصوص أشرف الناس، وأن يتهموا الشرفاء، ويخونوا الأمناء، ويكذبوا على الأبرياء، وأن يجعلوا السراب ماء، والأصدقاء لآلئ، كما رأينا ذلك في بعض الشعراء قديما، وبعض الصحفيين حديثا.
إن حب الدنيا، وحب مظاهرها الكاذبة، من المال والجاه والمنصب والزعامة والظهور، هو الذي صنع الفراعنة والجبابرة، الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، والذي مكن لهؤلاء ومهد لهم الأرض، هم المنافقون الذين يتمسحون بأعقابهم، ويبررون كل تصرفاتهم، ويجعلون كل أقوالهم حكما ودررا، وكل أعمالهم بطولات وغررا.
ولا ينقذ الأمم من الضياع والكساد والفساد إلا المخلصون الذين يقومون لله لا للناس?
ويعملون للحق لا للهوى، ويجاهدون لإعلاء كلمة الله، لا لإعلاء كلمة فلان أو علان.
إن الخلاص كل الخلاص، لا يتحقق إلا بالإخلاص.
(عن النية والإخلاص للقرضاوي)
يتبع

ابوالوليد المسلم 26-04-2019 10:59 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
نية الصوم

اللجنة العلمية

عوامل مساعدة على تحقيق إخلاص النّيّة
هناك أمور تعين المسلم السالك طريق الله على إخلاص النية والعمل لله تعالى. إنها بواعث نفسية، ودوافع روحية، وعوامل فكرية، وجوانب عملية، إذا توافرت وتوطدت فهي جديرة أن تؤثر في عقل السالك وضميره، وتدفعه إلى الأمام في طريق المخلصين! وتساعده على تحرير نفسه، وتنقية دواعيه من الشوائب الذاتية والدنيوية.
أولاً: العلم الراسخ:
أول هذه المعينات أو البواعث: أن يعلم علما يستيقنه في أعماقه بأهمية الإخلاص وضرورته الدينية، وثمراته في الدنيا والآخرة، وأن الله تعالى لا يقبل عملا إلا بإخلاص!
مهما تكن صورته، وأنه تعالى مطلع على ما في قلبه، فهو يعلم السر وأخفى، ولا تخفى عليه خافية، كما قال إبراهيم عليه السلام: (ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء).
ولا يتم ذلك إلا بأن يقرأ ويكرر ما جاء في القرآن والسنة في ذلك، وما جاء في كلام
الصالحين، ويستيقن من خطر الرياء، وحب الجاه والشهرة، وحب الدنيا .. وتأكد هذه المعارف في النفس ورسوخها يعينها على أن تتخلص من أهوائها الذاتية، ومن شهواتها الدنيوية.
فإن مقام "الإخلاص" كغيره من المقامات أو الأخلاق الربانية مركب مكون من ثلاثة
عناصر:
1. عنصر معرفي إدراكي.
2. وعنصر وجداني انفعالي.
3. وعنصر عملي إرادي.
وهذا ما يعبر عنه الإمام الغزالي في "الإحياء" عادة بأنه معجون مركب من: علم، وحال وعمل.
ولا ريب أن أول هذه العناصر هو العلم والمعرفة، فالعلم هو الذي يسبق في الوجود، ولا يمكن أن يتوجه الإنسان إلى شيء لا يدركه ولا يعلمه بوجه من الوجوه، إنما يأتي
التوجه الوجداني: المحبة والرغبة، أو البغض والرهبة نتيجة للمعرفة والإدراك. وكلما قويت المعرفة، ورسخ العلم، حتى وصل إلى درجة اليقين، كان تأثيره في الوجدان أقوى وأعمق، فالمرء يعرف أولا، فيتأثر ثانيا، فيتحرك ثالثا. وهذا ما أشار إليه القرآن في قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم إنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم).
كان العطف هنا بحرف "الفاء" للدلالة على الترتيب والتعقيب، فهؤلاء الذين أوتوا العلم يعلمون أن القرآن هو الحق من عند الله، فيترتب على هذا العلم الإيمان به، ويترتب على هذا الإيمان: حركة قلوبهم بالإخبات والخشوع لله تعالى.
ثانياً: صحبة أهل الإخلاص:
ومما يعين على الإخلاص: صحبة أهل الإخلاص ومعايشتهم، والحياة في رحابهم! ليتأسى بهم، ويأخذ عنهم، ويتخلق بأخلاقهم، فإن التأسي بهم صلاح، والتشبه بهم فلاح.
وقد صور النبي صلى الله عليه وسلم أثر الصحبة والمجالسة في الصاحب والمجلس تصويرا بليغا معبرا، فقال: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك (أي يعطيك) وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير أما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا خبيثة".
ومن رحمة الله بالناس: أن الأرض لا تخلو من هؤلاء، فليجتهد سالك طريق الآخرة في البحث عنهم، والاقتباس منهم، فهم كما جاء في الصحيح: "هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".
لقد نوَّه الحكماء والشعراء والأدباء بالصحبة والأصحاب، وقال في ذلك الشاعر: عن المرء لا تسأل، وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي!
لا ريب أن من أعظم البواعث على الإخلاص: صحبة المخلصين، الذين نذروا حياتهم لله! وباعوا أنفسهم وأموالهم لله، هؤلاء الذين يجالسونك في الله، ويحبونك في الله، وتحبهم في الله .. ليسوا من الذين يقبلون عليك، ويلتفون بك، إذا أقبلت عليك الدنيا، ويعرضون عنك إذا أدبرت عنك الدنيا، فهم ذباب طمع، وفراش نار.
هؤلاء الذين أمر الله رسوله الكريم أن يصبر نفسه معهم، ولا تعدو عيناه عنهم، وذلك
في قوله سبحانه: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه
ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا).
إن الذي يصحب هؤلاء يتأثَّر بهم، ويأخذ عنهم، ويقتبس منهم فضائلهم، بالأسوة الحسنة، وبالحال المؤثرة، ولهذا قال السلف: "حال رجل في ألف رجل، أبلغ من مقال
ألف رجل في رجل". يعنون بحاله: سلوكه وخلقه وعمله.
وقد جاء عن سلمان رضي الله عنه: "مثل الأخوين المؤمنين كمثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى، وما التقى مؤمنان قط إلى أفاد الله أحدهما من صاحبه خيرا".
المهم ألا تعيش وحدك، ولا تخلد إلى صومعة العزلة، وحياة الرهبنة، فلا رهبانية في الإسلام، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، والخير والرحمة مع الجماعة، والهلاك والضياع مع الانفراد والشذوذ عن الجماعة. ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار، والشيطان مع الواحد، وهو مع الاثنين أبعد، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، فهي مع القطيع محمية به ? محروسة ببركة التجمع، وهي إذا شردت عنه التهمها الذئب منفردة، والشيطان هو ذئب الإنسان. والمرء قليل بنفسه كثير بإخوانه، والجماعة قوة على الطاعة، وعون على الحماية من المعصية.
فتعرف على إخوانك في الله، وضع يدك في أيديهم، وتعلم منهم وعلمهم، وتعاون معهم على البر والتقوى، وتواص معهم بالحق والصبر، تعرف عليهم في المساجد، وفي
مجالس الخير، وفي حلقات العلم، وفي ميادين الدعوة، ولا تخلو الأرض إن شاء الله منهم. قال تعالى: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) وقال تعالى: (والعصر، إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)!
فأوص غيرك بالحق، وتقبل الوصية من غيرك به، وليس هناك مؤمن أصغر من أن يوصى !
ولا أكبر من أن يوصي، وهذا معنى التواصي، الذي يقتضي التفاعل من الجانبين، وقد
قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض).
وفي الحديث: "المؤمن مرآة المؤمن".
ثالثاً: قراءة سير المخلصين:
ومما يعين على الإخلاص، ويبعث عليه: قراءة سير المخلصين، والتعرف على حياتهم، للتأثر بهم، والاهتداء بهداهم، فإذا لم يستطع السالك إلى الله أن يجد المخلصين الأحياء ليصاحبهم، فلا أقل من أن يصحب المخلصين الأموات، فإن الأخلاق كالأفكار لا تموت بموت أصحابها.
فهذه القراءة لون من الصحبة والمعايشة، ولكنها صحبة فكرية ونفسية، ومعايشة روحية وإيمانية.
ومن فضل الله تبارك وتعالى: أن في تراثنا كثيرا من "النماذج المخلصة" التي لا يملك من قرأها إلا أن يتأثر بها.
من هذه النماذج نموذج الثلاثة "أصحاب الغار" الذين قص علينا قصتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. حين أطبقت عليهم الصخرة، فلم ينجهم منها إلا أعمال صالحة كانوا قدموها خالصة لوجه الله تعالى، فتوسلوا إلى الله بها، وقال كل واحد منهم: "اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه". ففرج الله عنهم ?
وأخرجهم من ورطتهم بسبب إخلاصهم. وقد مر بنا هذا النموذج مفصلا فليرجع إليه.
ومن هذه النماذج ما جاء في الحديث الذي رواه النسائي في سننه عن شداد بن الهاد رضي الله عنه: أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به وابتعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه. فلما كانت غزاته غنم النبي صلى الله عليه وسلم فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسم قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: "قسمته لك".
قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى إلى هاهنا وأشار إلى حلقه بسهم، فأموت، فأدخل الجنة، فقال: "إن تصدق الله يصدقك".
فلبثوا قليلا: ثم نهضوا إلى قتال العدو، فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحمل، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أهو هو"؟ قالوا: نعم، قال: "صدق الله فصدقه".
ثم كفنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته التي عليه، ثم قدمه فصلى عليه، وكان بما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك، خرج مهاجرا في سبيلك، فقتل شهيدا، أنا شهيد على ذلك".
ومن ذلك: ما حفل به التاريخ الإسلامي من روائع البطولات، ووقائع المخلصين الذين نذروا أنفسهم لله، وجعلوا حياتهم كلها لله، وجهادهم كله لله، فلم يشركوا به أحدا.
من هؤلاء: ما كتبه الإمام حسن البنا رضي الله عنه في أحد أحاديث الجمعة في جريدة
"الإخوان المسلمون" اليومية عن "صاحب النقب"، وتتلخص قصته في أن المسلمين في إحدى معاركهم وقفوا أمام حصن منيع من حصون عدوهم، وطال حصارهم لهذا الحصن، ثم فكر أحد الجنود في فتح ثغرة أو نقب في جدار الحصن، يتسلل منه، ويفتح
الباب للمقاتلين المسلمين.
فعل ذلك الجندي المسلم، ونقب النقب وحده في هدوء وصمت، مما مكن المسلمين من تحقيق النصر المنشود بأقل التضحيات.
المهم أن قائد المعركة بحث عن "صاحب النقب" الذي كان وراء هذا النصر، ولم يتقدم أحد يقول: أنا هو. فخطب في جنوده قائلا: أقسمت بالله على من نقب النقب أو عرف صاحبه إلا دلني عليه. وبينما القائد في خيمته دخل عليه رجل، وقال له: هل تريد أن تعرف صاحب النقب؟ قال: نعم والله.
قال: أنا أدلك عليه، ولكن له شروطا يطلبها، قال: له كل ما يشترط، فما شروطه رحمك الله؟ قال: ألا تسأله عن اسمه، ولا تعلن عنه في الناس أو إلى الخليفة، ولا تكافئه
على عمله، قال: له ذلك، فأين هو؟ قال: أنا هو! فقام القائد وعانقه. فطالبه بالوفاء بالشرط، فلم يملك القائد إلا الاستجابة، وذاب هذا الجندي المجهول في المحيط الكبير!
فلم يره أحد بعد ذلك.
فكان القائد يدعو الله أن يحشره مع صاحب النقب، وأن ينصر دينه به وبأمثاله من أهل الإيمان والإخلاص: (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين).

رابعاً: المجاهدة للنفس:
ومن المعينات على الإخلاص: المجاهدة. ونعني بالمجاهدة توجيه الإرادة إلى جهاد النفس الأمارة بالسوء، ومقاومة رغباتها الذاتية والدنيوية، حتى تخلص لله تعالى.
ولا يستطيع أحد أن يسلك طريق القوم، وهو مستسلم لأهواء نفسه، وحبها للجاه والظهور، وطموحها إلى الشهرة والثناء، أو للثروة والمال، أو لغير ذلك من شهوات النفس، وزخارف الدنيا. وإنما يسلك الطريق من اصطحب معه إرادة قوية، وتصميما على المجاهدة، و"الإرادة" هي الأساس، و"المجاهدة" هي المحور.
وإن أخطر شيء على سالك الطريق هو اليأس من الانتصار في هذه المعركة، وإلقاء السلاح اعترافا بالهزيمة النفسية، أو إقرارا بالعجز أو باستحال الوصول.
وقد كان بعض الحكماء يكره من أصحابه وتلاميذه كلمات ثلاثا، هي: لا أقدر، لا أعرف! مستحيل.
فأما من قال له: لا أقدر، فيقول له: حاول.
وأما من قال له: لا أعرف، فيقول له: تعلم.
وأما من قال له: مستحيل، فيقول له: جرِّب.
ولاشك أن في مجاهدة النفس صعوبة ومعاناة ومشقة، يجدها من يريد طريق الآخرة ? وخصوصا في أول الأمر، ولكن بالاجتهاد والمحاولة والتكرار والصبر، والاستعانة بالله تعالى، يسهل الصعب، ويتيسر العسير.
وهذه سنة الله في خلقه: أن من جد وجد، ومن زرع حصد، ومن سار على الدرب وصل!
وهذا وعد الله سبحانه لمن جاهد فيه: أن يهديه سبيله وينير له طريقه، كما قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله لمع المحسنين).
وهذه الآية مكية، أي أنها نزلت قبل أن يشرع الجهاد بالمعنى العسكري، فهي أحق بأن تكون في ألوان الجهاد الأخرى، وفي مقدمتها: جهاد النفس، وهو أول مراتب الجهاد وأولاها.
وفي الحديث الشريف: "المجاهد من جاهد نفسه لله"، أو قال: "في الله عز وجل".
خامساً: الدعاء والاستعانة بالله:
ومما يقوي ذلك كله ويشد عضد سالك الطريق إلى الله: أن يستعين بالله تبارك وتعالى على أمره كله، فمنه وحده العون، وبه التوفيق، وإليه يرجع الأمر كله. وقد علمنا الله تعالى أن نقول في صلواتنا أبدا: (إياك نعبد وإياك نستعين). فهذه هي حقيقة التوحيد: إفراد الله عز وجل بالعبادة والاستعانة، فلا عبادة إلا له، ولا استعانة إلا به تبارك وتعالى، وفي الصحيح: "استعن بالله ولا تعجز".
والدعاء سلاح المؤمن، وسبب من الأسباب الروحية التي شرعها الله للإنسان ليحقق مطالبه، ويسد حاجاته.
وعندما تعجز وسائل الإنسان المادية، أو تضعف قدرته، أو تهن إرادته، فليس أمامه إلا
باب الله الكريم، يطرقه بالدعاء، ويسأله من فضله، وهو أهل الإجابة، وقد مر بنا الحديث الذي عمله لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه".








ختاماً أخي، ازرع في أرض قلبكَ هذه النّوايا الطّيّبة!

الآن، أنت مدعوٌّ يا أخي إلى أن تستجيش كلَّ مشاعرك وأشواقك، لتعقدَ منها نيَّاتٍ تستودعها في قلبك، لتكون باعثاً يدفعك إلى الاجتهاد في صيام هذا الشهر وقيامه:
1- فأودِع في قلبك الأمل بأن تكون من أولئك الّذين نوَّه بذكرهم المولى عزّ وجلّ، فقال: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112] قال المفسرون: "أما قوله: {السَّائِحُونَ} فإنهم الصائمون". وقالت عائشة -رضي الله عنها-: "سياحة هذه الأمة: الصيام" .
2- استحضر أنك تقوم بعمل لا مثيل له «عليك بالصوم فإنه لا عدل له» [صححه الألباني، صحيح الترغيب: 986].
3- استحضر أنك تقوم بعمل ادّخر الله ثوابه: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17].
4- أن تكفر سيئاتك «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ» [رواه البخاري].
5- مغفرة ما تقدم من ذنوبك بصيام رمضان وقيامه وقيام ليلة القدر.
6- أن يشفع لك الصيام يوم القيامة.
7- اغتنام صلاة الله -عز وجل- والملائكة عليك: «إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين» [حسنه الألباني، صحيح الموارد: 728].
8- أن يبعدك الصوم عن النار «الصوم جنة يستجنّ بها العبد من النار» [حسنه الألباني، صحيح الجامع :3867].
9- الصوم يوم الصيف نحتسب به أن يعوضنا عنه يوم تدنو الشمس من الرؤوس (يوم القيامة).
10- «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» [حسنه الألباني، صحيح الجامع : 3868].
11- أن تدخل يوم القيامة من باب الريان ولا يدخل معك إلا الصائمون.
12- إذا مت وأنت صائم دخلت الجنة: «من ختم له بصيام يوم دخل الجنة» [صححه الألباني، صحيح الجامع: 6224].
13- أن تغتنم الدعوة التي لا ترد عند إفطارك.
14- تكون من الأبرار: «جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل، ويصومون النهار، ليسوا بأثمة ولا فجار» [صححه الالباني، صحيح الجامع: 3097]
15- الحصول على الفرحتين الموعودتين: عند فطرك، وعند لقاء ربك.
16- أن يكون خلوف فمك أطيب عند الله من ريح المسك.
17- اغتنام ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
18- أن تكتب من القانتين أو من المقنطرين على قدر عدد الآيات التي تقوم بها، سواء مع إمامك في التراويح، أو وحدك في التهجد.
19- أن تكتب مع الصديقين والشهداء بصيامك رمضان وقيامك: جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم -، فقال: "يا رسول الله، أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان، وقمته، فممّن أنا؟" قال: «من الصديقين والشهداء» [صححه الألباني، صحيح الترغيب: 361].
20- أن ترفع درجاتك في الجنة ويكون لك السبق: «أليس قد صام بعده رمضان؟» [حسنه الألباني].
ولا أعدم منك دعوة صالحة أن يجمعني الله بك والفائزين..
في جنات النعيم
اللهم اجعلنا من عتقائك في رمضان
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

ابوالوليد المسلم 26-04-2019 10:59 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية





معنى الإسراف في القرآن الكريم
(ما المقصود بالإسراف؟)
الإسراف: هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان، وهو في الإنفاق أشهر, يقول تعالى: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (31) سورة الأعراف.
فالإسراف يشمل كلُّ تجاوز في الأمر، وقد جاء في القرآن الكريم على معانٍ متقاربة ترجع جميعها إلى الأصل اللغوي، وهو التجاوز في الحد.
من أهم مظاهر الترف: الإسراف في إنفاق الأموال وتبديدها دون ضرورة مما يحرم مستحقيها فيشيع من جراء ذلك البؤس
والشقاء في الطبقات الكادحة، ومن البؤس والشقاء يتفجر الحقد، وتروج الرذيلة، وينبت الإجرام.
فالإسلام يرى: أن مال كل فرد هو مال الأمة، وهو في الأصل
مال الله أعطاه للإنسان وديعة لينفقه على نفسه وعلى مجتمعه
في سبيل الخير، وهذا ما صرح به القرآن:
(وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ) ? النور:33
(وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) الحديد:7
فإسراف الغني في إنفاق المال وتبذيره بغير الطرق المشروعة هو
إعتداء على مجموع الأمة، لأن المال عصب الحياة ومصدر قوة الأمة، به تنشؤ المعامل التي تؤوي العاطلين عن العمل، وبه تستصلح الأرض للزراعة، وبه تحصل الأمة على السلاح الذي
يقيها من اعتداء الغير، وغير ذلك مما فيه رفاهيتها وصلاحها.
ولهذا يأمر الإسلام الحكام أن يكونوا عينا على تصرفات الأفراد
ليحولوا بينهم وبين كل إسراف وتبذير لأموال الأمة بغير حق
ولقد وصف الله المبذرين بالسفه، وأمر بالحجر على أموالهم.
قال سبحانه وتعالى:
(وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) النساء:5
في هذه الآية إشارتان بليغتان في النهي عن التبذير:
الأولى- قوله تعالى (أموالكم) ليلفت الأنظار إلى أن مال السفيه، هو مال الأمة.
الثانية - قوله تعالى: (التي جعل الله لكم قياما) أي أن الأموال جعلها الله لتقوم عليها مصالحكم فيجب المحافظة عليها وعدم إعطائها للسفيه.
ولقد راج التبذير في مجتمعنا في الطبقة الغنية والطبقة المتوسطة، وهذا ما ينذر بأوخم العواقب.
ولهذا نهى الإسلام عن الإسراف و التبذير فقال تعالى:
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ? إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف31
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال)
والإسراف كما يكون من الغني فإنه يكون من الفقير، ولهذا قال سفيان الثوري رضي الله عنه: "ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف، وإن كان قليلاً"، وكذا قال ابن عباس رضي الله عنه: "من أنفق درهماً في غير حقه فهو سرف".
(الإسراف في الذنوب والكفر)
ويقول في شأن الإسراف في الذنوب والكفر: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ} (53) سورة الزمر.
(الإسراف من صفات الكافرين)
والإسراف صفة من صفات الكافرين؛ يقول تعالى: {وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ} (127) سورة طه. وهو صفة من صفات الجبارين الذين يملكون بأيديهم السلطة والمال، يقول تعالى: {وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} (83) سورة يونس. وقال تعالى: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ} (151) سورة الشعراء.
(العلاقة بين الإسراف والتّبذير)
والإسراف والتبذير، يلتقيان في معنى الإنفاق بغير طاعة، ولكنَّ الإسراف أعمُّ من التبذير؛ لأنَّ التبذيرَ معناهُ التفريقُ, وأصلُه إلقاءُ البذر في الأرض, واستُعير لكلِّ مضيّعٍ مالَهُ، يقول تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} (27) سورة الإسراء.
(العلاقة بين الإسراف والسّفه)
والإسراف والسفه يلتقيان في معرض الغفلة والطيش وخفة النفس ونقصان العقل، وإنَّ ما يحصل من السفيه في إنفاق المال بما لا يُرضي الله ليُبيِّن الحقيقةَ في أنَّ السفه سببٌ من أسباب الإسراف.
(المقارنة بين الإسراف والكرم)
ويختلف الإسراف عن الكرم رغم أنَّ كلاً منهما عطاء، لكن الكرم يكون وفق أصول الشرع, مثل: إطعام الضيف، وإكرام الفقير، ومنه: فإنَّ البخل ضد الكرم, وليس ضد الإسراف، وإنما الإسراف ضد الاعتدال والاستقامة، والإسراف قرين الكبر والمَخيلة يظنُّ المسرف أنَّ له فضلاً بإسرافه، فيُصيبه الكبر والبطر, والإسراف كما يكون من الغنيِّ، فقد يكون من الفقير أيضاً؛ لأنَّ الإسراف في هذه الحالة أمر نسبيٌّ.
(أبشع صور الإسراف)
لقد قدم الإسلام للبشرية منهجاً متكاملاً وتصوراً واضحاً عن طبيعة التصرف في جميع شئون الحياة، وبين بشكل واضح حدود الحلال والحرام فيها, ونهى عن الإسراف في شتى صوره, وإن أبشع صور الإسراف عندما يكون في معصية الله والتعدي على حدوده، فهو محرم بالإجماع!
(ضابط الإنفاق في المباحات)
وأما الإنفاق في المباحات فيجب الالتزام بالعدل والاستقامة والتوسط فيها، حتى لا يتحول الإنفاق على المأكل والمشرب والملبس إلى البذخ والتفاخر والتعالي على الناس!
(شرُّ مواضع الإسراف)
بل إنَّ شرَّ مواضع الإسراف أن تقام الولائم العظيمة ويدعى إليها الأغنياء، ويحرم منها الفقراء, وإنَّ ما يلقى منها في الفضلات ليُشبع خلقاً كثيراً من أهل الحاجة في مناطق المجاعة.
(بذل المال في سبيل الله لا يكون إسرافاً)
وأما المبالغة في بذل المال طاعةً لله وفي سبيله، فلا يكون إسرافاً, وإن كان هذا البذلُ مشروطاً بأن لا يُضيِّع المنفِقُ من يعول، ويذرَ ذريته عالةً على الناس.
(الإسراف في مجال العقوبات والحدود)
وفي مجال العقوبات والحدود، فإنَّ الشَّرع قد أقرَّ عقوبات محددة على أفعال معلومة، ولا يجوز التجاوز في تنفيذها عن حدها المقرر، وقد شدد الإسلام على الالتزام بهذا المنهج في قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} (33) سورة الإسراء. أي لا يتجاوز في القتل إلى غير القاتل من إخوانه وأقربائه كما كان يفعل أهل الجاهلية قديماً، وكما هو الحال اليوم مع أهل الجهل حيث تنتشر أعمال الأخذ بالثأر التي تتعارض مع أحكام الإسلام.
(لا بدّ من القصد في الأمور كلّها)
من طبيعة البشر التوسعُ في النفقات، والمبالغة في الاستهلاك، وهدرُ الأموال عند أول شعور بالثراء واليسار، ولا يعرفون أيَّ معنىً لوفرة المال إذا لم يصاحبها استهلاك أكثر، ورفاهية وتمتع بالكماليات أوسع, وقد صرح القرآن بأن من طبيعة الإنسان السرف عند الجِدَة، وتجاوز حدود القصد والاعتدال, قال الله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} (6 - 7) سورة العلق. وقال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاء} (27) سورة الشورى.
ولتهذيب الإنسان وتربيته أمر الله تعالى بالقصد في الأمور كلها حتى في أمور العبادات؛ كيلا يملَّها العبد؛ قال -عليه الصلاة والسلام-: (وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا) 1.
(الإسراف ضدُّ القصد)
وضدُّ القصد السرف وهو منهيٌّ عنه كما في قوله تعالى: {وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (31) سورة الأعراف. ومن دعاء عباد الله الصالحين: {ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (147) سورة آل عمران.
(ما ورد في الإسراف في الأطعمة)
والإسراف في شراء الأطعمة وأكلها أو رميها من مواطن النهي الجلي في القرآن, قال تعالى: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (141) سورة الأنعام. وكذا الإسراف في الملابس والمراكب والأثاث وغيرها محرمٌ كما قال تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (31) سورة الأعراف. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ) 2.
(لماذا التَّشديد في النهي عن السَّرف)
قد يتساءل متسائل:
لماذا يُنهى عن السرف, ولماذا هذا التشديد في النهي عن السرف؟
فالجواب أنه:
ما كان ذلك إلا لأجل الحفاظ على الأموال والموارد التي يُسأل عنها العبدُ يوم القيامة؛ فهو يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ والسرف يعارض حفظ المال، بل يتلفه ويؤدي إلى إفقار نفسه، ومن ثم إفقار أهل بيته وقرابته وأمته، والله تعالى كره لنا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال!
إنَّ حفظ المال فيه حفظُ الدين والعرض والشرف, والأممُ التي لا تمتلك المال لا يحترمها الآخرون، والشخص الذي ليس له قوة من مال أو جاه لا ينظر الناس إليه ولا يأبهون به، ومن أجل ذلك قال الحكماء: من حفظ ماله فقد حفظ الأكرميْن: الدين والعرض.
(السَّرَف طريقٌ محرّم في الإنفاق)
إنَّ الشريعة الإسلامية لم تحرم اكتساب الأموال ونماءها والتزود منها، بل حضَّت على ذلك, ولكنها حرمت الطرق المحرمة في كسبها وإنفاقها, وإن من الطرق المحرمة في إنفاقها السرف فيها وإهدارها بغير حق، إما في سفر باذخ محرم، وإما في حفلة زواج باهظة الثمن, ولو تأملنا فيما ينفق من أموال على السفر إلى بلاد الكفر والفجور لوجدناه يعدل ميزانيات دول كاملة، وما ينفق على حفلات الأعراس التي يلقى فائض أطعمتها في النفايات يساهم في إنقاذ الملايين ممن يموتون جوعاً، وفي كل عام يموت الآلاف من البشر جوعاً؛ فهل من حفظ المال هدره بأي طريقة؟ وهل من شكر الله تعالى على نعمته إنفاقه فيما يسخطه سبحانه وتعالى؟!
(كان من هدي السلف القصدُ)
فاتقوا الله عباد الله واقتدوا بسلف الأمة الذين لم يكن من هديهم الإسراف وتضييع الأموال؛ بل كانوا مقتصدين ينفقون أموالهم في الحق، ويحفظونها عن الإنفاق فيما لا فائدة فيه, قال الحسن -رحمه الله-: "كانوا في الرِّحال مخاصيب، وفي الأثاث والثياب مجاديب". أي: ما كانوا يعتنون بالتوسعة في أثاث البيت من فرش ووسائد وغيره، وفي ثياب اللبس وما يجري مجراها كما يتوسعون في الإنفاق على الأهل". لقد كانوا -رحمهم الله- مع زهدهم وورعهم يعتنون بقليل المال ولا يحتقرون منه شيئاً مع اقتصاد في المعيشة والنفقة؛ ولذا كان القليل من المال يكفيهم, وقد أبصرت أم المؤمنين ميمونة -رضي الله عنها- حبة رمان في الأرض فأخذتها وقالت: إنَّ الله لا يحب الفساد.
(شيوع ظاهرة السّرف الإنفاق)
إن السرف في الإنفاق في العصور المتأخرة تحوَّل من سلوكٍ فرديٍّ لدى بعض التجار والواجدين إلى ظاهرةٍ عامة تجتاح الأمة كلها؛ فالواجد يسرف، والذي لا يجد يقترض من أجل أن يسرف ويلبي متطلبات أسرته من الكماليات وما لا يحتاجون إليه، وهذا من إفرازات الرأسمالية العالمية التي أقنعت الناس بذلك عبر الدعاية والإعلان في وسائل الإعلام المختلفة.
إن المذاهب الرأسمالية ترى أنَّ المحرك الأساس للإنتاج هو الطلب؛ فحيثما وجد الطلب وجد الإنتاج، ومن ثم فإن الإعلانات التجارية تتولى فتح شهية المستهلك للاستهلاك، وتلقي في روعه أنه إذا لم يستهلك السلع المعلن عنها فسيكون غير سعيد، وغير فعال، وسيظهر بمظهر غير لائق، وهذا كله جعل الناس يلهثون خلف سلع كمالية، ويبكون عليها كما يبكي المولود في طلب الرضاعة, وأضحى ربُّ الأسرة المستورة يستدين بالربا من البنوك لتلبية رغبة أسرته في السفر للخارج، أو لإقامة حفلة زواج لابنه أو ابنته تليق بواقع الناس، وهكذا يقال في العمران والأثاث والمراكب والملابس والمطاعم وغيرها, بينما منهج الإسلام تربية الناس لا على الاستهلاك وإنما على الاستغناء عن الأشياء بدل الاستغناء بها حتى لا تستعبدهم المادة كما هو حال كثير من الناس اليوم؛ إذ أصبحوا منساقين بلا إرادة ولا تبصُّر إلى الإسراف وهدر الأموال فيما لا ينفع تقليداً للغير.
(أيّها المسرف!)
هل من معاني الأخوة في الدين أن تستمتع بما أعطاك الله فيما حُرِّم عليك وأنت ترى مآسي إخوانك المسلمين؟! ولو لم يوجد مسلم على وجه الأرض يحتاج إلى جزء من مالك يسدُّ رمقه ويبقي على حياته لمَا حَسُن بك أن تهدر مالك في غير نفع؛ فكيف والمسلمون في كل يوم يموت منهم العشرات بل المئات من جراء التجويع والحصار والحرمان؟!
(احذر عاقبة الإسراف!)
إن عدم الاهتمام بذلك قد يكون سبباً للعقوبة وزوال الأموال، وإفقار الناس؛ حتى يتمنوا ما كانوا يُلقون بالأمس في النفايات -عياذاً بالله- وكم يمر بالناس من عبر في ذلك ولكن قلَّ من يعتبر؛ فكم من أسر افتقرت من بعد الغنى؟! وكم من دول بطرت شعوبها وأسرفت على نفسها فابتلاها الله بالحروب والفتن التي عصفت بها، فتمنَّى أفرادها بعض ما كانوا يملكون من قبل؟! والتاريخ مليء بأحداث من هذا النوع؛ فالمعتمد بن عَبَّاد -رحمه الله- كان من ملوك الأندلس، ويملك الأموال الطائلة، والقصور العظيمة، ولما اشتهت زوجتُه وبعضُ بناته أن يتخوَّضن في الطين أمر بالعنبر والعود فوُضع في ساحة قصره، ورُشَّ عليه ماءُ الورد وأنواع من الطيب، وعُجِن حتى صار مثل الطين؛ فتخوَّضت فيه أسرته المترفة, وما ماتت تلك الأسرة المترفة حتى ذاقت طعم الفقر وألم الجوع؛ إذ استولى "يوسف بن تاشفين" على مملكة ابن عباد، وكان النسوة اللائي تخوَّضن في العود والعنبر لا يجدن ما يأكلن إلا من غزل الصوف بأيديهن الذي لا يسد إلا بعض جوعهن. وهذا أبو عبد الله الزغل من آخر ملوك غرناطة الأندلسية باع أملاكه فيها بعد أن استولى عليها النصارى، وحمل مالاً عظيماً قُدِّر بخمسة ملايين من العملة المعروفة آنذاك, ورحل إلى إفريقيا, فقُبِض عليه وصودرت أمواله، وسُملت عيناه, ورمي في السجن بسبب بيعه غرناطة للنصارى وتخليه عنها، ولما خرج من السجن لم يجد من يطعمه ويؤويه، فأخذ يستعطي الناس في الأسواق، ويطوف وعلى ثيابه رق غزال مكتوب عليه: "هذا سلطان الأندلس العاثر المجد" لعل من يراه يرحمه ويعطيه بعض المال.
لقد أبان لنا التاريخ عاقبة المسرفين كانت ذلاً وخسراً؛ فواجب علينا أن لا نطغى إذا أُعطينا؛ بل نشكر المنعم سبحانه بتسخير نعمه لطاعته والاقتصاد في الإنفاق؛ فذلك خير لنا في الدنيا والآخرة، وهو سبب حفظ المال3.
اللهم احفظ علينا نعمك، ووفقنا لشكرك وطاعتك، وأعنَّا على ذكرك وحسن عبادتك، واجعل ما أنعمت به علينا من الخيرات معينة على ما أمرتنا به من الطاعات.
يتبع

ابوالوليد المسلم 26-04-2019 11:00 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية

أسباب الإسراف
وللإسراف أسباب وبواعث توقع فيه وتؤدِّي إليه، ونذكر منه:
(1) النَّشأة الأولى:
فقد يكون السبب في الإسراف إنما هي النشأة الأولي أي الحياة الأولي ذلك أن المسلم قد ينشأ في أسرة حالها الإسراف والبذخ فما يكون منه سوى الإقتداء والتأسي إلا من رحم الله على حد قول القائل:
وينشئ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
ولعلنا بهذا ندرك شيئا من أسرار دعوة الإسلام وتأكيده على ضرورة إنصاف الزوجين والتزامهم بشرع الله وهديه:
{وأنكحوا الأيامي منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم .... }
{ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه}
(تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).
(2) السعة بعد الضيق:
وقد يكون الإسراف سببه السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر ذلك أن كثيرا من الناس قد يعيشون في ضيق أو حرمان أو شدة أو عسر وهم صابرون محتسبون بل وماضون في طريقهم إلى ربهم وقد يحدث أن تتغير الموازين وأن تتبدل الأحوال فتكون السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط أو الاعتدال فينقلب على النقيض تماما فيكون الإسراف أو التبذير.
ولعلنا بهذا ندرك بعض الأسرار التي من أجلها حذر الشارع الحكيم من الدنيا وأوصى بأن يكون النيل منها بقدر.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم فأبشروا وأملوا ما يسركم فو الله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتتنافسوها كما تنافسوها تهلككم كما أهلكتم).
(إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعلمون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء).
(3) صحبة المسرفين:
وقد يكون في الإسراف إنما هي صحبة المسرفين ومخالطتهم ذلك أن الإنسان غالبا ما يتخلق بأخلاق صاحبه وخليله لاسيما إذ طالت هذه الصحبة وكان هذا الصاحب قوى الشخصية شديد التأثير.
ولعلنا بذلك ندرك السر في تأكيد الإسلام وتشديده على ضرورة انتقاء الصحاب أو الخليل ولقد مرت بنا بعض النصوص الدالة على ذلك أثناء الكلام عن أسباب الفتور.
(4) الغفلة عن زاد الطريق:
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن زاد الطريق ذلك أن الطريق الموصلة إلى رضوان الله والجنة ليست طريقاً مفروشة بالحرير والورود والرياحين بل بالأشواك والدموع والعرق والدماء والجماجم وولوج هذه الطريق لا يكون بالترف والنعومة والاسترخاء وإنما بالرجولة والشدة ذلك هو زاد الطريق والغفلة عن هذا الزاد توقع المسلم العامل في الإسراف.
ولعلنا بذلك ندرك سر حديث القرآن المتكرر المتنوع عن طبيعة الطريق: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب}.
{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ....... إلى غير ذلك من الآيات.
(5) الزوجة والولد:
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الزوجة والولد.
إذ قد يبتلى المسلم بزوج وولد دأبهم وديدنهم الإسراف وقد لا يكون حازما معهم فيؤثرون عليه وبمرور الأيام وطول المعاشرة ينقلب مسرفا مع المسرفين.
ولعلنا بذلك نفهم بعض الأسرار التي قصد إليها الإسلام حين أكد ضرورة انتقاء واختيار الزوجة وقد قدمت بعض النصوص الدالة على ذلك قريبا أثناء الحديث عن السبب الأول وحين أكد على ضرورة الاهتمام بتربية الولد والزوجة.
{يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}
(ألا كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤل عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤل عن رعيته والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤلة عن عنهم ...... الحديث).
(6) الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا وما ينبغي أن تكون:
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا وما ينبغي أن تكون ذلك أن طبيعة الحياة الدنيا أنها لا تثبت ولا تستقر على حال واحد بل هي متقلبة تكون لك اليوم وعليك غدا وصدق الله العظيم: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}.
والواجب يقتضي أن نكون منها على وجل وحذر: نضع النعمة في موضعها وندخر ما يفيض عن حاجتنا الضرورية اليوم من مال وصحة ووقت إلى الغد أو بعبارة أخرى: ندخر من يوم إقبالها ليوم إدبارها.
تلك طبيعة الحياة الدنيا وهذا ما ينبغي أن تكون والغفلة عن ذلك قد توقع في الإسراف.
(7) التهاون مع النفس:
وقد يكوون السبب في الإسراف التهاون مع النفس ذلك أن النفس البشرية تنقاد وتخضع ويسلس قيادها بالشدة والحزم وتتمرد وتتطلع إلى الشهوات وتلح في الانغماس فيها بالتهاون واللين وعليه فإن المسلم العامل إذا تهاون مع نفسه ولبى كل مطالبها أوقعته لا محالة في الإسراف.
ولعلنا بذلك نفهم السر في تأكيد الإسلام على ضرورة المجاهدة للنفس أولا وقبل كل شئ:
{إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.
{قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها}.
{والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.
(8) الغفلة عن شدائد وأهوال يوم القيامة:
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن الشدائد وأهوال يوم القيامة ذلك أن يوم القيامة يوم فيه من الشدائد والأهوال ما ينعقد اللسان وتعجز الكلمات عن الوصف والتصوير وحسبنا ما جاء في كتاب الله عز وجل ـ وسنة النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا اليوم.
ومن ظل متذكرا ذلك متدبرا فيه قضى حياته غير ناعم بشيء في هذه الحياة الدنيا أما من غفل عن ذلك فإنه يصاب بالإسراف والترف بل ربما ما هو أبعد من ذلك.
ولعلنا بهذا ندرك شيئا من أسرار دوام خشيته صلى الله وعيه وسلم لربه وقلة تنعمه ونيله من الحياة الدنيا ,
يقول صلى الله عليه ويسلم: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا).
وفي رواية أخرى: (وما تلذذتم بالنساء على الفراش).
(9) نسيان الواقع الذي تحياه البشرية عموما والمسلمون على وجه الخصوص:
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هو نسيان الواقع الذي تحياه البشرية عموما والمسلمون على وجه الخصوص:
ذلك أن البشرية اليوم تقف على حافة الهاوية ويوشك أن تتزلزل الأرض من تحتها فتسقط أو تقع في تلك الهاوية وحينئذ يكون الهلاك أو الدمار أما المسلمون فقد صاروا إلى حال من الذل والهوان يرثى لها ويتحسر عليها ومن بقى مستحضرا هذا الواقع وكان متبلد الحس ميت العاطفة فإنه يمكن أن يصاب بالترف والإسراف والركون إلى زهرة الدنيا وزينتها.
ولعلنا بذلك ندرك شيئا من أسرار حزنه واهتمامه صلى الله عليه وسلم بأمر البشرية قبل البعثة وبعدها حتى عاتبه ربه ونهاه عن ذلك:
{فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا}.
{لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين}.
{فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}.
(10) الغفلة عن الآثار المترتبة على الإسراف:
وقد يكون السبب في الإسراف إنما هي الغفلة عن الآثار المترتبة على الإسراف ذلك أن للإسراف آثاراً ضارة وعواقب مهلكة على نحو الذي سنعرض له بعد قليل.
ولقد عرف من طبيعة الإنسان: أنه غالبا ما يفعل الشيء أو يتركه إذا كان على ذكر من آثاره وعواقبه أما إذا غفل عن هذه الآثار فإن سلوكه يختل وأفعاله تضطرب فيقع أو يسقط فيما لا ينبغي ويهمل أو يترك ما ينبغي.
وعليه فإن المسلم العالم إذا غفل عن الآثار المترتبة على الإسراف يكون عرضة للوقوع في الإسراف.
ولعلنا بذلك نفهم السر في اهتمام الإسلام بذكر الحكم والمقاصد المنوطة بكثير من الأحكام والتشريعات.

أسباب الإسراف والتبذير: (من مصدرٍ آخر)
وللإسراف والتبذير أسباب وبواعث توقع فيه، وتؤدي إليه، ونذكر منها:
1 - جهل المسرف بتعاليم الدين الذي ينهى عن الإسراف بشتى صوره، فلو كان المسرف مطلعا على القرآن الكريم والسنة النبوية لما اتصف بالإسراف الذي نهي عنه: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا، فعاقبة المسرف في الدنيا الحسرة والندامة وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا، وفي الآخرة العقاب الأليم والعذاب الشديد وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لاَ بَارِدٍ وَلاَ كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ.
ومن نتيجة جهل المسرف بتعاليم الدين مجاوزة الحد في تناول المباحات، فإن هذا من شأنه أن يؤدي إلى السمنة وضخامة البدن وسيطرة الشهوات، وبالتالي الكسل والتراخي مما يؤدي به إلى الإسراف، جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: " إياكم والبطنة في الطعام والشراب، فإنهما مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة، وعليكم بالقصد فيهما، فأنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف. . . ".
2- حب الظهور والتباهي: وقد يكون الإسراف سببه حب الشهرة والتباهي أمام الناس رياء وسمعة والتعالي عليهم، فيظهر لهم أنه سخي وجواد، فينال ثناءهم ومدحهم، لذا ينفق أمواله في كل حين وبأي حال، ولا يهمه أنه أضاع أمواله وارتكب ما حرم الله.
3 - المحاكاة والتقليد: وقد يكون سبب الإسراف محاكاة الغير وتقليدهم حتى لا يوصف بالبخل، فينفق أمواله كيفما كان من غير تبصر أو نظر في العاقبة التي سينتهي إليها.
4 - الغفلة عن الآثار المترتبة على الإسراف والتبذير: وقد يكون السبب في الإسراف والتبذير إنما هو الغفلة عن الآثار المترتبة عليهما، ذلك أن للإسراف آثارا ضارة، وللتبذير عواقب مهلكة.
ولقد عرف من طبيعة الإنسان أنه غالبا ما يفعل الشيء أو يتركه، إذا كان على ذكر من آثاره وعواقبه، أما إذا غفل عن هذه الآثار، فإن سلوكه يختل. . وقد تبين من خلال دراسة ميدانية عن المشكلات الاقتصادية التي تواجه الشباب أن معظم التعبيرات الحرة من أفراد عينة البحث كانت تعبر عن التبذير والإسراف في غير مكانه بنسبة 2.8 %. ومن نماذج تعبيراتهم الحرة: إنني مبذر أذهب إلى المحل وأنا لا أحدد ما سأشتري، عدم التوازن في النفقات وعدم تنظيم الصرف، أحيانا أضع مالا في غير مكانه الصحيح، عدم قدرتي على حفظ نفسي من صرف المال. هذه التعبيرات تبرز حاجة الشباب خاصة إلى المنهج الإسلامي في معالجة ظاهرة الإسراف والتبذير وإنفاق المال في كل ما هو شرعي وغير ضار.
يتبع

ابوالوليد المسلم 26-04-2019 11:00 AM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية


آثارُ الإسراف
هذا وللإسراف آثارٌ ضارَّة وعواقب مهلكة، سواء على العاملين أو على العمل الإسلاميِّ، وإليك طرفاً من هذه الآثار:
(1) علَّة البدن:
أي أن الأثر الذي يتركه الإسراف: إنما يكمن في علة البدن ذلك أن هذا البدن محكوم بطائفة من السنن والقوانين الإلهية بحيث إذا تجاوزها الإنسان بالزيادة أو بالنقص تطرقت إليه العلة وحين تتطرق إليه العلة فإنه يقعد بالمسلم عن القيام بالواجبات والمسؤليات الملقاة على عاتقه أو المنوطة به.
(2) قسوة القلب:
والأثر الثاني الذي يترتب على الإسراف: إنما هو قسوة القلب ذلك أن هذا القلب يرق ويلين بالجوع أو بقلة الغذاء ويقسو ويجمد بالشبع أو بكثرة الغذاء سنة الله {ولن تجد لسنة الله تحويلا} وحين يقسو القلب أو يجمد فإن صاحبه ينقطع عن البر والطاعات، والويل كل الويل لمن كانت هذه حالة {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} وحتى لو جاهد المسلم نفسه وقام بالبر والطاعات فإنه لا يجد لها لذة ولا حلاوة بل لا يجنى من ورائها سوى النصب والتعب ( ... ورب قائم حظه من قيامه السهر)
(3) خمول الفكر:
والأثر الثالث الذي يترتب على الإسراف إنما هو خمول الفكر ذلك أن نشاط الفكر وخموله مرتبط بعدة عوامل، البطنة أحدها، فإذا خلت البطنة نشط الفكر، وإذا امتلأت اعتراه الخمول حتى قالوا قديما: (إذا امتلأت البطنة نامت الفطنة)
ويوم أن يصاب الفكر بالخمول يوم أن يحرم المسلم الفقه والحكمة وحينئذ يفقد أخص الخصائص التي تميزه عن باقي المخلوقات.
(4) تحريك دواعي الشر والإثم:
والأثر الرابع الذي يخلقه الإسراف إنما هو تحريك دواعي الشر والإثم ذلك أن الإسراف يولد في النفس طاقة ضخمة ووجود هذه الطاقة من شأنه أن يحرك الغرائز الساكنة أو الكامنة في هذه النفس وحينئذ لا يؤمن على المسلم العامل الوقوع في الإثم والمعصية إلا من رحم الله ولعل ذلك هو السر في تأكيد الإسلام على الصوم لمن لم يكن قادرا على مؤن النكاح إذ يقول صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)
(5) الانهيار في ساعات المحن والشدائد:
والأثر الخامس الذي يتركه الإسراف إنما هو الانهيار في ساعات المحن والشدائد ذلك أن المسرف قضى حياته في الاسترخاء والترف فلم يألف المحن والشدائد ومثل هذا إذا وقع في شدة أو محنة لا يلقى من الله أدنى عون أو تأييد فيضعف وينهار لأن الله عز وجل لا يعين ولا يؤيد إلا من جاهد نفسه وكان صادقا مخلصا في هذه المجاهدة {لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم}.
(6) عدم الرعاية أو الاهتمام بالآخرين:
والأثر السادس الذي يتركه الإسراف إنما هو عدم الرعاية أو الاهتمام بالآخرين ذلك أن الإنسان لا يرعى الآخرين ولا يهتم غالبا إلا إذا أضناه التعب وعصبته الحاجة كما أثر عن يوسف عليه السلام: أنه لما صار على خزائن الأرض ما كان يشبع أبدا فلما سئل عن ذلك قال: أخاف أن شبعت أن أنسى الجياع.
والمسرف مغمور بالنعمة من كلا جانب فأنى له أن يفكر أو يهتم بالآخرين.
(7) المساءلة غدا بين يدي الله:
والأثر السابع المترتب على الإسراف إنما هي المساءلة غدا بين يدي الله كما قال سبحانه {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم}.
ومجرد الوقوف بين يدي الله للمساءلة والمناقشة عذاب كما قال صلى الله عليه وسلم: ( ... من نوقش الحساب يوم القيامة عذب).
(8) الوقوع تحت وطأة الكسب الحرام:
والأثر الثامن الذي يتركه الإسراف إنما هو الوقوف تحت وطأة الكسب الحرام ذلك أن المسرف قد تضيق به أو تنتهي موارده فيضطر تلبية وحفاظا على حياة الترف والنعيم ?التي ألفها إلى الواقع والعياذ الله في الكسب الحرام وقد جاء في الحديث: (كل جسد نبت من سحت أي من حرام فالنار أولى به).
(9) أخوة الشياطين:
والأثر التاسع يتركه الإسراف هي أخوة الشياطين كما قال سبحانه وتعالى: {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا}.
وأخوة الشياطين تعنى الصيرورة والانضمام إلى حزبهم وإن ذلك لهو الخسران المبين والضلال البعيد {ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون}.

لا شك أن هناك العديد من النتائج والآثار السيئة المترتبة على شيوع ظاهرة الإسراف والتبذير، ومن ذلك:
1 - الإسراف خطر علي العقيدة: الإسراف يرفع مستوى معيشة الفرد والأسرة رفعا كاذبا يفوق الدخل الحقيقي المستمر، ثم لا تكاد المكاسب الجانبية تزول ولا يبقى سوى الدخل الحقيقي، حتى يلجأ كثير من المسرفين إلى طرق شريفة وغير شريفة لاستمرار التدفق النقدي وتحقيق المستوى العالي من الإنفاق الذي اعتادوه فتمتد اليد بشكل أو بآخر فيقعوا تحت وطأة الكسب الحرام، ذلك أن المسرف قد تضيق به أو تنتهي به موارده، فيضطر تلبية وحفاظا على حياة الترف والنعيم التي ألفها إلى الوقوع في الكسب الحرام، وقد جاء في الحديث: كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به.
2 - الإسراف نوع من التسرع والتهور: الإسراف نوع من التهور والتسرع، وعدم التبصر بعواقب الأمور، وقد يكون دليلا على الاستهتار وعدم الحكمة في تحمل المسئولية، وكل ذلك يؤدي إلى وخيم العواقب، وسيء النتائج، فهو يقتل حيوية الأمة ويؤدي بها إلى البوار والفساد، ويملأ القلوب حقدا وضغينة، ويقضي على حياة الأمن والاستقرار، كما أن فيه كسرا لنفوس الفقراء وبطرا لأهل الغنى.
3 - الإسراف ودواعي الشر والإثم: فالسرف داع إلى أنواع كثيرة من الشر؛ لأنه يحرك الجوارح إلى المعاصي ويشغلها عن الطاعات، كما أنه يحرك الغرائز الساكنة أو الكامنة في هذه النفس، وحينئذ لا يؤمن على الفرد من الوقوع في الإثم والمعصية. فالشيطان أعظم ما يتحكم في الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.
4 - الإسراف وتأثيره على البيئة: يعتبر الإسراف سببا رئيسا من أسباب تدهور البيئة واستنزاف مواردها. وهو وإن كان متعدد الصور والأساليب، إلا أنه يؤدي بشكل عام إلى نتيجة واحدة:
إهلاك الحرث والنسل، وتدمير التوازن البيئي.
5 - الترف والدعوة إلى النعومة والليونة: يؤدي الترف إلى النعومة والليونة، التي تدفع الناس إلى الرذائل، وتقعد بهم عن الجهاد والتضحية، وفي ذلك أعظم الخطر على الأمة.
6 - التبذير والهوى: التبذير مما يأمر به الهوى وينهى عنه العقل، وأحسن الأدب في هذا تأديب الحق سبحانه حين قال: وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا، فالإنسان قد يعطى رزق شهر في يوم، فإذا بذر فيه بقي شهرا يعاني البلاء، وإذا دبر منه عاش شهرا طيب النفس.
7 - عدم الرعاية والاهتمام بالآخرين: ذلك أن الإنسان لا يراعي الآخرين ولا يهتم بهم غالبا، إلا إذا أضناه التعب وغصته الحاجة، كما أثر عن يوسف عليه السلام لما سئل: لا نراك تشبع أبدا؟ قال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. والمسرف مغمور بالنعمة من كل جانب، فأنى له أن يفكر أو يهتم بالآخرين!
يتبع

ابوالوليد المسلم 29-04-2019 09:10 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية

الإسراف في شهوة البطن، أو (فضول الطعام)
فأعظم المهلكات لابن آدم: شهوةُ البطن، فبها أُخرج آدمُ عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار، إذ نُهيا عن الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما.
والبطن على التحقيق: ينبوع الشَّهوات ومنبتُ الأدواء والآفات، إذ يتبعها شهوة الفرج وشدة الشبق إلى المنكوحات، ثم تتبعُ شهوةَ الطعام والنكاح شدةُ الرغبة في الجاه والمال اللذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات، ثم يتبع استكثارَ المال والجاه أنواعُ الرُّعونات وضروب المنافسات والمحاسدات، ثم يتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء، ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء، وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء!
ولو ذلل العبد نفسه بالجوع، وضيَّق به مجاري الشيطان؛ لأذعنت لطاعة الله عز وجل ولم تسلك سبيلَ البطر والطغيان، ولم ينجرَّ به ذلك إلى الانهماك في الدنيا، وإيثار العاجلة على العُقبى، ولم يتكالب كلَّ هذا التكالب على الدنيا!
وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحد، وجب: شرحُ غوائلها وآفاتها تحذيراً منها، ووجب إيضاحُ طريقِ المجاهدةِ لها والتنبيهُ على فضلِها ترغيباً فيها، وكذلك شرح شهوة الفرج فإنها تابعة لها!
ويقول ابن قيّم الجوزية:
(حبس النّفس عن الشهوات)

لَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ: حَبْسَ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامَهَا عَنِ الْمَأْلُوفَاتِ ، وَتَعْدِيلَ قُوَّتِهَا الشَّهْوَانِيَّ ةِ؛ لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو بِهِ مِمَّا فِيهِ حَيَاتُهَا الْأَبَدِيَّةُ، وَيَكْسِرُ الْجُوعُ وَالظَّمَأُ مِنْ حِدَّتِهَا وَسَوْرَتِهَا، وَيُذَكِّرُهَا بِحَالِ الْأَكْبَادِ الْجَائِعَةِ مِنَ الْمَسَاكِينِ.
وَتُضَيَّقُ مَجَارِي الشَّيْطَانِ مِنَ الْعَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجَارِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَتُحْبَسُ قُوَى الْأَعْضَاءِ عَنِ اسْتِرْسَالِهَا لِحُكْمِ الطَّبِيعَةِ فِيمَا يَضُرُّهَا فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا، وَيُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا وَكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِمَاحِهِ وَتُلْجَمُ بِلِجَامِهِ، فَهُوَ لِجَامُ الْمُتَّقِينَ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالْمُقَرَّبِي نَ، وَهُوَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ الصَّائِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهُوَ تَرْكُ مَحْبُوبَاتِ النَّفْسِ وَتَلَذُّذَاتِه َا إِيثَارًا لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَهُوَ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَالْعِبَادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى تَرْكِ الْمُفْطِرَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهُوَ أَمْرٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الصَّوْمِ.
وَلِلصَّوْمِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَالْقُوَى الْبَاطِنَةِ، وَحِمْيَتِهَا عَنِ التَّخْلِيطِ الْجَالِبِ لَهَا الْمَوَادَّ الْفَاسِدَةَ الَّتِي إِذَا اسْتَوْلَتْ عَلَيْهَا أَفْسَدَتْهَا، وَاسْتِفْرَاغِ الْمَوَادِّ الرَّدِيئَةِ الْمَانِعَةِ لَهَا مِنْ صِحَّتِهَا، فَالصَّوْمُ يَحْفَظُ عَلَى الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ صِحَّتَهَا، وَيُعِيدُ إِلَيْهَا مَا اسْتَلَبَتْهُ مِنْهَا أَيْدِي الشَّهَوَاتِ، فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] [الْبَقَرَةِ 183].
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الصَّوْمُ جُنَّةٌ).
وَأَمَرَ مَنِ اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هَذِهِ الشَّهْوَةِ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَصَالِحَ الصَّوْمِ لَمَّا كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ الْمُسْتَقِيمَة ِ، شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ، وَإِحْسَانًا إِلَيْهِمْ وَحِمْيَةً لَهُمْ وَجُنَّةً.
وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ أَكْمَلَ الْهَدْيِ، وَأَعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلْمَقْصُودِ، وَأَسْهَلَهُ عَلَى النُّفُوسِ.
وَلَمَّا كَانَ فَطْمُ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا مِنْ أَشَقِّ الْأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا، تَأَخَّرَ فَرْضُهُ إِلَى وَسَطِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لَمَّا تَوَطَّنَتِ النُّفُوسُ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالصَّلَاةِ، وَأَلِفَتْ أَوَامِرَ الْقُرْآنِ، فَنُقِلَتْ إِلَيْهِ بِالتَّدْرِيجِ.
من (زاد المعاد)
وقال في "غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب"
مَطْلَبٌ: يُكْرَهُ الْإِسْرَافُ فِي الْأَكْلِ وَالشِّبَعِ الْمُفْرِطِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْآكِلَ لَا يَخْلُو مِنْ حَالَاتٍ أَرْبَعٍ: إحْدَاهَا الشِّبَعُ غَيْرُ الْمُفْرِطِ، وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَتَجَاوَزَ الْأَثْلَاثَ فِي الْأَكْلِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْحَدِيثِ مُجَاوَزَةً غَيْرَ مُضِرَّةٍ لِلْآكِلِ فِي بَدَنِهِ وَلَا إسْرَافَ.
الثَّانِيَةُ: الشِّبَعُ الْمُفْرِطُ وَإِلَيْهَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ (وَمَكْرُوهٌ) تَنْزِيهًا عَلَى الْأَصَحِّ (الْإِسْرَافُ) فِي الْأَكْلِ وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: اعْلَمْ أَنَّ كَثْرَةَ الْأَكْلِ شُؤْمٌ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي النَّفْرَةُ عَمَّنْ عُرِفَ بِذَلِكَ وَاشْتُهِرَ بِهِ وَاِتَّخَذَهُ عَادَةً.
وَلِهَذَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: «رَأَى ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - مِسْكِينًا فَجَعَلَ يَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ كَثِيرًا فَقَالَ: لَا يَدْخُلَنَّ هَذَا عَلَيَّ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ». قُلْت وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَلَفْظُهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْمُسْلِمُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ «أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ فَكَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا قَلِيلًا، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ «أَضَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَيْفًا كَافِرًا فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَ حِلَابَهَا
حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِشَاةٍ فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّ الْمُؤْمِنَ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَإِنَّ الْكَافِرَ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ».
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيّ ُ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ».
وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ «فَإِنْ غَلَبَتْ الْآدَمِيَّ فَثُلُثٌ لِلطَّعَامِ» الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ كُفَّ عَنَّا جُشَاءَك، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ أَبُو جُحَيْفَةَ. «فَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: أَكَلْت ثَرِيدَةً مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ، ثُمَّ أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَعَلْت أَتَجَشَّأُ فَقَالَ: يَا هَذَا كُفَّ عَنَّا مِنْ جُشَائِك، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَاعْتَرَضَهُ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ، ثُمَّ قَالَ لَكِنْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادَيْنِ : أَحَدُهُمَا ثِقَاتٌ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِي ُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْأَوْسَطِ، وَالْبَيْهَقِيّ ُ وَزَادَ «فَمَا أَكَلَ أَبُو جُحَيْفَةَ مِلْءَ بَطْنِهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا كَانَ إذَا تَغَدَّى لَا يَتَعَشَّى وَإِذَا تَعَشَّى لَا يَتَغَدَّى».
وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ: فَمَا مَلَأْت بَطْنِي مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ أَهْلَ الشِّبَعِ فِي الدُّنْيَا هُمْ أَهْلُ الْجُوعِ غَدًا فِي الْآخِرَةِ» وَفِي مُعْجَمِ الْبَغَوِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُرَقَّعِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْبَرَ، وَهِيَ بِخَضِرَةٍ مِنْ الْفَوَاكِهِ فَوَاقَعَ النَّاسُ الْفَاكِهَةَ فَمَعَثَتْهُمُ الْحُمَّى فَشَكَوْا إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنَّمَا الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ وَسِجْنُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ، فَإِذَا أَخَذَتْكُمْ فَبَرِّدُوا الْمَاءَ فِي الشِّنَانِ فَصُبُّوهَا
عَلَيْكُمْ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ يَعْنِي بَيْنَ الْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ قَالَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَذَهَبَتْ عَنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَمْ يَخْلُقْ اللَّهُ وِعَاءً إذَا مُلِئَ شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، فَإِذَا كَانَ لَا بُدَّ فَاجْعَلُوا ثُلُثًا لِلطَّعَامِ وَثُلُثًا لِلشَّرَابِ وَثُلُثًا لِلرِّيحِ». وَإِلَى هَذَا أَشَارَ النَّاظِمُ بِقَوْلِهِ: وَمَكْرُوهٌ الْإِسْرَافُ وَالثُّلْثَ أَكِّدْ.
يتبع

ابوالوليد المسلم 29-04-2019 09:10 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية

الطريق لعلاج الإسراف
ومادامت هذه آثار وعواقب الإسراف وتلك أسبابه وبواعثه فإن طريق العلاج تتخلص في:
(1) التفكر في الآثار والعواقب المترتبة على الإسراف فإن ذلك من شأنه أن يحمل على تدارك الأمر والتخلص من الإسراف قبل فوات الأوان.
(2) الحزم مع النفس وذلك بفطمها عن شهواتها ومطالبها وحملها على الأخذ بكل شاق وصعب من قيام ليل إلى صوم تطوع إلى صدقة إلى مشى على الأقدام إلى حمل الأثقال .... ونحو ذلك.
(3) دوام النظر في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته فإنها مليئة بالتحذير من الإسراف بل ومجاهدة النفس والأهل والعيش على الخشونة والتقشف إذ يقول صلى الله عليه وسلم:
(والمؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبع أمعاء) وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ضافه ضيف وهو كافر فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فحلبت فشرب حلابها ثم أخرى فشربه ثم أخرى فشربه حتى شرب حلاب سبع شياه ثم أنه أصبح فأسلم فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاة فشرب حلابها ثم أمر بأخرى فلم يستتمها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والمؤمن يشرب في معي واحد والكافر يشرب في سبع أمعاء).
ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه).
وإذ تحكي أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها لعروة بن الزبير ابن أختها فتقول (إن كنا لننظر إلى الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول: الله صلى الله عليه وسلم نار، فيقول لها عروة، ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر و الماء، إلا أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار، كان لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فيسقيناه).
وإذ تقول أيضاً: (كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه من ليف)
(ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعاً حتى قبض)
بل كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارزق آل محمد قوتاً)
وأن المسلم العامل لدين الله حين يقف على ذلك، وعلى غيره تتحرك مشاعره، وتتأجج عواطفه فيترسم خطاه صلى الله عليه وسلم ويسير على هديه اقتداء وتأسياً وطمعاً في معيته في الجنة:
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين وحسن أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله وكفي بالله عليماً}.
4 - دوام النظر في سيرة سلف هذه الأمة، من الصحابة المجاهدين و العلماء العاملين فقد اقتدى هؤلاء به صلى الله عليه وسلم فكان عيشهم كفافاً، ولا هم لهم من الدنيا إلا أنها معبر أو قنطرة توصل للآخرة.
دخل عمر بن الخطاب على ابنه عبد الله - رضي الله تعالى عنهما - فرأى عنده لحماً، فقال: ما هذا اللحم؟ قال: أشتهيه! قال: وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كلَّ ما اشتهاه)!
وأتى سلمان الفارسي أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما - في مرضه الذي مات فيه فقال: أوصني يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: (إن الله فاتح عليكم الدنيا فلا يأخذنَّ منها أحد إلا بلاغاً)
وكتب سعد بن أبى وقاص إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - وهو على الكوفة يستأذنُه في بناء بيت يسكنه فوقع في كتابه:
(ابنِ ما يستركَ من الشمس، ويُكنُّك من الغيث، فإنَّ الدنيا دار بلغة)
وحكى ميمون أنَّ رجلاً من بني عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- استكساه إزاراً قائلاً: قد تخرَّق إزاري، فقال له عبد الله: (اقطع إزارك ثم اكتسه) فكره الفتى ذلك، فقال له: ويحك اتق الله، ولا تكوننَّ من القوم الذين يجعلون ما رزقهم الله تعالى في بطونهم وعلى ظهورهم) ......
إلى غير ذلك من الأخبار المودعة في بطون الكتب المنثورة هنا وهناك.
وأن المسلم العامل حين يقف على هذه الأخبار يتحرك من داخله فيتولد عنه حب السير على نفس المنهج فتراه يطرح الترف و السرف ويعيش على الخشونة و التقشف ليكون ناجياً مع الناجين.
5 - الانقطاع عن صحبة المسرفين، مع الارتماء في أحضان ذوى الهمم العالية و النفوس الكبيرة، الذين طرحوا الدنيا وراء ظهورهم، وكرسوا كل حياتهم من أجل اسئناف حياة إسلامية كريمة، تصان فيها الدماء والأموال والأعراض، ويقام فيها حكم الله عز وجل في الأرض، غير مبالين بما أصابهم ويصيبهم في ذات الله، فإن ذلك من شأنه أن يقضى على كل مظاهر السرف والدعة و الراحة، بل ويجنبنا الوقوع فيها مرة أخرى، لنكون ضمن قافلة المجاهدين وفي موكب السائرين.
6 - الاهتمام ببناء شخصية الزوجة و الولد فإن ذلك من شأنه أن يقضي على كل مظاهر الترف، وأن يحول دون التورط فيها مرة أخرى، بل ويعين على سلوك طريق الجادة حين تنقضي هذه الحياة بأشواكها وآلامها ونرد إلى ربنا فنلقى حظنا هناك من الراحة و النعيم المقيم.
7 - دوام التفكر في الواقع الذي تحياه البشرية عموماً و المسلمون على وجه الخصوص، فإن ذلك يساعد على التخلص من كل مظاهر الإسراف بل ويحول دون التلذذ أو التنعم بشيء من هذه الحياة، حتى يمكن لمنهج الله وترفع الراية الإسلامية من جديد.
8 - دوام التفكر في الموت، وما بعده من شدائد وأهوال، فإن ذلك أيضاً يعين على نبذ كل مظاهر الإسراف و الترف، ويحول دون الوقوع فيها مرة أخرى استعداداً لساعة الرحيل ويوم اللقاء.
9 - تذكر طبيعة الطريق، وما فيها من متاعب وآلام، وأن زادها ما يكون بالإسراف والاسترخاء و الترف بل بالخشونة و الحزم و التقشف، فإن ذلك له دور كبير في علاج الإسراف ومجاهدة النفس و القدرة على اجتياز وتخطى المعوقات و العقبات.
يتبع

ابوالوليد المسلم 29-04-2019 09:11 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية

الآثار الصحية للالتزام بالقصد في الطعام خلال شهر رمضان
هلّ علينا شهر رمضان، شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النّيران، ومع إطلالة هذا الشَّهر المبارك يحلو الحديثُ عن الفوائد الروحية والنفسية والجسدية لصيام رمضان, وتلك إنّما تتحقق عند الالتزام بسنن الصيام وآدابه وكذلك عند الالتزام بالقصد في طعام رمضان، وعدم الإسراف فيه، وفيما يلي نستعرض هذه الآثار الطبية والصحية، وذلك على النحو التالي:
1 - {كلوا واشربوا ولا تسرفوا} "الأعراف":

هذه آية في كتاب الله، جمعت علم الغذاء كله في ثلاث كلمات. فإذا جاء شهر رمضان، والتزم الصائم بهذه الآية، وتجنب الإفراط في الدهون والحلويات والأطعمة الثقيلة، وخرج في نهاية شهر رمضان، وقد نقص وزنه قليلا، وانخفضت الدهون، يكون في غاية الصحة والسعادة، وبذلك يجد في رمضان وقاية لقلبه، وارتياحا في جسده. فالكنافة والقطائف وكثير من الحلويات واللحوم والدسم تتحول في الجسم إلى دهون، وزيادة في الوزن، وعبء على القلب. وقد اعتاد الكثير منا على حشو بطنه بأصناف الطعام، ثم يطفئ لهيب المعدة بزجاجات المياه الغازية أو المثلجات.
وقد أكد الباحثون أنه على الرغم من عدم التزام الكثير من المسلمين، للأسف الشديد، بقواعد الإسلام الصحية في غذاء رمضان ورغم إسرافهم في تناول الأطباق الرمضانية الدسمة والحلويات، فإن صيام رمضان قد يحقق نقصا في وزن الصائمين بمقدار 2 - 3 كيلوجرامات في عدد من الدراسات العلمية.
2 – (لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر).

حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وفي التعجيل بالإفطار آثار صحية ونفسية هامة. فالصائم يكون في ذلك الوقت بحاجة ماسة إلى ما يعوِّضه عما فقد من ماء وطاقة أثناء النهار، والتأخير في الإفطار يزيد من انخفاض سكر الدم، مما يؤدِّي إلى شعور بالهبوط والإعياء العام، وفي ذلك تعذيب نفسي لا طائل منه، ولا ترضاه الشريعة السمحاء.
3 – (إذا أفطر أحدكم فليُفطر على تمر):

وهذا حديث آخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الأربعة. وعن أنس رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفطر قبل أن يصلي على رطيبات، فإن لم تكن رطيبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسوات من الماء " رواه الترمذي وأبو داود، فالصائم عند الإفطار بحاجة إلى مصدر سكري سريع، يدفع عنه الجوع، مثلما هو بحاجة إلى الماء. والإفطار على التمر والماء يحقق الهدفين وهما دفع الجوع والعطش. وتستطيع المعدة والأمعاء الخالية امتصاص المواد السكرية بسرعة كبيرة، كما يحتوي الرطب والتمر على كمية من الألياف مما يقي من الإمساك، ويعطي الإنسان شعورا بالامتلاء فلا يكثر الصائم من تناول مختلف أنواع الطعام.
4 - أفطر النّبيُّ صلى الله عليه وسلم على مرحلتين:

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجل فطره على تمرات أو ماء، ثم يعجل صلاة المغرب، ويقدمها على إكمال طعام إفطاره. وفي ذلك حكمة نبوية رائعة. فتناول شيء من التمر والماء ينبه المعدة تنبيها حقيقيا، وخلال فترة الصلاة تقوم المعدة بامتصاص المادة السكرية والماء، ويزول الشعور بالعطش والجوع. ويعود الصائم بعد الصلاة إلى إكمال إفطاره، وقد زال عنه الشعور بالمهم. ومن المعروف أن تناول كميات كبيرة من الطعام دفعة واحدة وبسرعة قد يؤدي إلى انتفاخ المعدة وحدوث تلبك معوي وعسر هضم.
6 - أوصى النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الحديث بضرورة تناول وجبة السحور:

ولا شك في أن تناول السحور يفيد في منع حدوث الإعياء والصداع أثناء نهار رمضان، ويخفف من الشعور بالعطش الشديد.
كما حثَّ الرسول صلى الله عليه وسلم على تأخير السحور، فقال: "ما تزال أمتي بخير ما تجمَّلوا ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور "
ويستحسن أن يحتوي طعام السحور على أغذية سهلة الهضم كاللبن الزبادي والعسل والفواكه وغيرها.
7- تجنب النوم بعد الإفطار:

بعض الناس يلجأ إلى النوم بعد الإفطار والحقيقة، فإن النوم بعد تناول وجبة طعام كبيرة ودسمة قد يزيد من خمول الإنسان وكسله. ولا بأس من الإسترخاء قليلا بعد تناول الطعام. وتظل النصيحة الذهبية لهؤلاء الناس هي ضرورة الاعتدال في تناول طعامهم، ثم النهوض لصلاة العشاء والتراويح، فهي تساعد على هضم الطعام، وتعيد لهم نشاطهم وحيويتهم.
8 - رمضان فرصة للتوقف على التدخين:

من المؤكد أن فوائد التوقف عن التدخين تبدأ منذ اليوم الأول الذي يقلع فيه المرء عن التدخين، فمتى توقف عن التدخين بدأ الدم يمتص الأوكسيجين بدلا من غاز أول أكسيد الكربون السام، وبذلك تستقبل أعضاء الجسم دما مليئا بالأوكسجين، وتخف الأعباء الملقاة على القلب شيئا فشيئا.
والمدخنون الذين يريدون الإقلاع عن هذه العادة الذميمة سوف يجدون في رمضان فرصة جيدة للتدرب على ذلك. فإذا كنت أيها الصائم تستطيع الإقلاع عن التدخين لساعات طويلة أثناء النهار، فلماذا لا تداوم على ذلك. وليس هذا صعب بالتأكيد، لكنه يحتاج إلى عزيمة صادقة، وتخيل دائم لما تسببه السيجارة من مصائب لك ولمن حولك.
9 - إذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفث ولا يغضب:

حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، متفق عليه، فماذا يفعل الغضب في رمضان؟ من المعلوم أن الغضب يزيد من إفراز هرمون الأدرينالين في الجسم بمقدار كبير، وإذا ما حدث ذلك في أول الصيام (أي أثناء هضم الطعام) فقد يضطرب الهضم ويسوء الامتصاص، وإذا حدث أثناء النهار تحول شيء من الجليكوجين في الكبد إلى سكر الجلوكوز ليمد الجسم بطاقة تدفعه للعراك، وهي بالطبع طاقة ضائعة.
وقد يؤدي ارتفاع الأدرينالين إلى حدوث نوبة ذبحة صدرية عند المصابين بهذا المصابين بهذا المرض، كما أن التعرض المتكرر للضغوط النفسية يزيد من تشكل النوع الضار من الكولسترول، وهو أحد الأسباب الرئيسية لتصلب الشرايين.
10 - وصية للحامل والمرضع في شهر رمضان:

ينبغي على الحامل والمرضع استشارة الطبيب فإذا سمح لها بالصيام فينبغي عليها عدم التهام كمية كبيرة من الطعام عند الإفطار، وتوزيع طعام الإفطار المعتدل إلى وجبتين: الأولى عند الإفطار، والباقي بعد أربع ساعات. كما تنصح بتأخير وجبة السحور، والإكثار من اللبن الزبادي، والإقلال من الطعام الدسم والحلويات.
أما المرضع، فإن صامت فيجب أن توفر للمولود كمية إضافية من الماء والسوائل ليشربها خلال ساعات الحرِّ بجانب الرضاعة من ثدي الأم وعليها الاهتمام بغذائها من حيث الكمية والنوعية. كما ينبغي أن تكثر من الرضعات في الفترة بين الإفطار والسحور. فإذا ما شعرت بالتعب والإرهاق فعليها إنها صومها واستشارة الطبيب.
11 - درِّبوا أطفالكم على الصيام برفق ولين:

ينبغي تدريب الطفل على الصيام بعد سن السابعة، وتعتبر السنة العاشرة السنة النموذجية لصيام الطفل، ولا يجوز ضربهم أو إجبارهم على الصيام لأن ذلك قد يدفع الطفل إلى تناول المفطرات سرا، وتكبر معه هذه الخيانة، ويراعى التدرج في صيام الطفل عاما بعد عام.
وعلى الأم أن تراقب طفلها أثناء صيامه، فإذا شعرت بمرضه أو إرهاقه وجب عليها أن تسارع بإفطاره. وهناك عدد من الأمراض التي تمنع الطفل من الصيام كمرض السكر وفقر الدم وأمراض الكلى وغيرها.
وينصح الأباء والأمهات بأن يحتوي طعام الطفل على كافة العناصر الغذائية، وأن يحرصوا على إعطائه وجبة السحور.
12 – {فمن كان منكم مريضا أو على سفرٍ؛ فعِدَّةٌ أيَّامٍ أخر} "البقرة 184":

فمن رحمة الله بعبادة أن رخَّص للمريض بالإفطار في شهر رمضان، فإذا أخبر الطبيب المسلم مريضه أنه إذا صام أدى صيامه
إلى زيادة المرض عليه أو إلى إهلاكه وجب عليه الإفطار.
والفطور رخصة للمريض، كما هي للمسافر، ولكن لو تحامل المريض على نفسه وصام أجزاه الصوم، ولا قضاء عليه، غير أنه إذا شق عليه الصوم مشقة شديدة، فليس من البر الصوم في المرض، بل ربما كان المريض أولى من المسافر بهذا، لأن المسافر الذي يشق عليه السفر يجب عليه الفطر خشية المرض، فالمرض أشد خطرا، ولهذا قدم في القرآن على السفر.
13 - إن كنت مريضاً راجع طبيبك قبل البدء بالصيام:

فالقول الفصل في الصيام المريض أو عدمه هو للطبيب المسلم المعالج، فهو أدري بحالة المريض وعلاجه، وهو الذي يعطي المريض النصيحة المثلى والإرشادات المناسبة. فإذا سمح لمريضه بالصيام، حدد خطة العلاج، وقد يضطر لتعديل طريقة تناول الدواء أو عدد جرعات الدواء.
14 - وصية لمرضى القلب:

يستطيع كثير من مرضى القلب الصيام، فعدم حدوث عملية الهضم أثناء النهار تعني جهدا أقل لعضلة القلب وراحة أكبر. فإن عشرة في المائة من كمية الدم التي يدفع بها القلب إلى الجسم تذهب إلى الجهاز الهضمي أثناء عملية الهضم.
والمصابون بارتفاع ضغط الدم يستطيعون عادة الصيام شريطة تناول أدويتهم بانتظام، وهناك حاليا العديد من الأدوية التي يمكن إعطاؤها مرة واحدة أو مرتين في اليوم.
وينبغي على هؤلاء المرضى تجنب الموالح والمخللات والإقلال من ملح الطعام، أما المصابون بالذبحة الصدرية المستقرة فيمكنهم عادة الصيام مع الاستمرار في تناول الدواء بانتظام.
وهناك عدد من حالات القلب التي لا يسمح فيها بالصيام كمرضى الجلطة الحديثة، والمصابين بهبوط (فشل) القلب الحاد، والمصابين بالذبحة القلبية غير المستقرة وغيرهم.
15 - وصية للمصابين بالحصيات الكلوية:

إذا لم يكن لدى المرء حصيات كلوية من قبل فلا داعي للقلق في رمضان. أما إذا كانت لديهم حصيات، أو قصة تكر حدوث حصيات كلوية فيمكن أن تزداد حالتهم سوءا إذا لم يشرب المريض السوائل بكميات كافية. ويستحسن في مرضى الحصيات بالذات الامتناع عن الصيام في الأيام الشديدة الحرارة، حيث تقل كمية البول بدرجة ملحوظة. ويعود تقدير ذلك للطبيب المعالج، وعموما ينصح مرضى الحصيات الكلوية بتناول كميات كافية من السوائل في المساء وعند السحور، مع تجنب التعرض للحر والمجهود المضني أثناء النهار، كما ينصح هؤلاء بالإقلال من تناول اللحوم ومواد معينة مثل السبانخ والسلق والمكسرات وغيرها.
16 - وصية لمرضى السكر:

إذا قرر الطبيب أنه بإمكان مريض السكر الصيام، فينبغي على المريض الالتزام بوصايا الطبيب، والمحافظة على نفس كمية ونوعية الغذاء الذي وصفه له.
وتقسم هذه الكمية إلى ثلاثة أجزاء متساوية، بحيث يتناول الأولى عند الإفطار، والثانية بعد صلاة التراويح، والثالثة عند السحور.
ويفضل تأجيل وجبة السحور قدر الإمكان، والإكثار من تناول الماء، والإقلال من النشاط الجسدي أثناء فترة الصيام، وخاصة في الفترة الحرجة ما بين العصر والمغرب. وإذا شعر المريض بأعراض انخفاض السكر فعليه أن يفطر ولا ينتظر وقت الإفطار ولو كان ذلك الوقت قريبا.
17 - وصية للمصابين بعسر الهضم

كثيرا ما تتحسن حالة هؤلاء المرضى في شهر رمضان، شريطة ألا تكون لديهم قرحة حادة في المعدة أو الإثنى عشر أو التهاب في المرئ أو أي سبب عضوي آخر.
وينصح هؤلاء بتناول وجبات صغيرة من الطعام، وتجنب التخمة والأطعمة الدسمة والحلويات، كما ينصح بتجنب التعرض للضغوط النفسية الشديدة، والابتعاد عن البهارات والمسبكات.
18 - وصية أخيرة: هل حقا نحن نصوم رمضان؟

فالصيام حركة في النهار سعيا وراء الرزق الحلال. وهو حركة في الليل في صلاة التراويح، وهو دعوة لجسم سليم .. وقلب تائب لله، طامع في رحمته.
ولكن للأسف الشديد، فإن الصيام الذي يمارسه البعض منا، ليس هو الصيام الذي شرعه الخالق، فهو نوم لمعظم النهار، وغضب لأتفه الأسباب ن بدعوى الصيام، فالصيام عند البعض كسل جسدي، وانفعال نفسي في النهار، وتخمة وسهر في اللهو والعبث في ليل رمضان.
أليس حراما أن نضيع هذا الموسم الفياض بالخيرات كل عام؟
أليس رمضان موسما للطاعة والعبادة، وموسما للصحة والسعادة، وفوق هذا وذاك رحمة ومغفرة وعتقا من النار؟!

يتبع

ابوالوليد المسلم 29-04-2019 09:11 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية


حول الإسراف في الأكل والشرب في رمضان
الإسراف في كلِّ شيءٍ مذموم ومنهيٌّ عنه، لا سيما في الطعام والشراب، قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/31.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ) رواه الترمذي (2380) وابن ماجه (3349). وصححه الألباني في صحيح الترمذي (1939).
والإسراف في الطعام والشراب فيه مفاسد كثيرة:
منها: أن الإنسان كلما تنعم بالطيبات في الدنيا قَلَّ نصيبه في الآخرة.
روى الحاكم عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَكْثَرُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
ورواه ابن أبي الدنيا وزاد: فما أكل أبو جحيفة ملءَ بطنه حتى فارق الدنيا.
صححه الألباني في السلسلة الصحيحة (342).
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: والله إني لو شئت لكنت من ألينكم لباسا، وأطيبكم طعاما، وأرَقِّكُم عيشا، ولكني سمعت الله عز وجل عَيَّرَ قوما بأمر فعلوه فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُ مْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) الأحقاف / 20. حلية الأولياء (1/ 49).
ومنها: أن الإنسان ينشغل بذلك عن كثير من الطاعات، كقراءة القرآن الكريم، والتي ينبغي أن تكون هي الشغل الشاغل للمسلم في هذا الشهر الكريم، كما كانت عادة السلف.
فتجد المرأة تقضي جزءاً كبيرا من النهار في إعداد الطعام، وجزءً كبيرا من الليل في إعداد الحلويات والمشروبات.
ومنها: أن الإنسان إذا أكل كثيراً أصابه الكسل، ونام كثيرا، فيضيع على نفسه الأوقات.
قال سفيان الثوري رحمه الله: إذا أردت أن يصح جسمك ويقل نومك أقلل من طعامك.
ومنها: أن كثرة الأكل تورث غفلة القلب.
قيل للإمام أحمد رحمه الله: هل يجد الرجل من قلبه رِقَّةً وهو شَبع؟ قال: ما أرى. أي: ما أرى ذلك.

الإفراط في إعداد الأطعمة للإفطار هل يقلل من ثواب الصوم؟
الحمد لله، لا يقلل من ثواب الصيام، والفعل المحرم بعد انتهاء الصوم لا يقلل من ثوابه، ولكن ذلك يدخل في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/31.
فالإسراف نفسه محظور،
والاقتصاد نصف المعيشة، وإذا كان لديهم فضل فليتصدقوا به،
فإنه أفضل " انتهى.

ما هو حكم الأكل إلى الشِّبَع، وهل يُعدُّ إسرافاً؟
الإسرافُ مذموم في الأكل وغيره. قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/31، وقال تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأنعام/141، وقال سبحانه: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) الإسراء/29، وقال: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا) الإسراء/26، 27.
والفرق بين الإسراف والتبذير: "أن السرف صرف الشيء فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي. والتبذير صرفه فيما لا ينبغي" قاله المناوي في "فيض القدير" (1/ 50).
ثانيا:
الإسراف هو مجاوزة الحد، ويكون ذلك بالأكل فوق الشبع، وهذا لا يتحدد بوجبة أو وجبتين أو ثلاثة، فقد يأكل الإنسان وجبة واحدة في اليوم ويسرف فيها. وقد يأكل ثلاث وجبات بغير إسراف.
وحديث المقداد فيه الحث على التقليل من الطعام والاكتفاء بما يقيم الصلب، وليس فيه تعرض لعدد الوجبات، فقد يأكل هذه اللقيمات ثلاث مرات في فطوره وغدائه وعشائه، ويكون مقتصدا مقلا، فإن أراد أن يتجاوز اللقيمات - في وجبته - فليجعل ثلثا لطعامه، وثلثا لشرابه، وثلثا لنفَسه، فإن احتاج إلى وجبة أخرى - كما هو غالب حال الناس - فلا حرج في ذلك، ويراعي فيها ما سبق أيضا، وهكذا لو احتاج إلى ثلاث وجبات أو أربع، وعدد الوجبات يختلف باختلاف الشخص، ونوع الطعام، وطبيعة المجهود الذي يبذله.
والمقصود هو حفظ البدن، وعدم الإضرار به، سواء بالشبع أو بالجوع.
والمقصود أيضا: التقوي على الطاعة، وهذا يحصل بالأكل المعتدل، لا بالتخمة المُثقلة، ولا بالجوع المنهك.
قال القرطبي رحمه الله في تفسير آية آل عمران: "قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة. فأما ما تدعو الحاجة إليه، وهو ما سد الجوعة وسكن الظمأ، فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال، لأنه يضعف الجسد ويميت النفس، ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع وتدفعه العقل. وليس لمن منع نفسه قدر الحاجة حظ من بر ولا نصيب من زهد، لأن ما حرمها من فعل الطاعة بالعجز والضعف أكثر ثوابا وأعظم أجرا.
وقد اختُلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه. قال ابن العربي: وهو الصحيح، فإنّ قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. ثم قيل: في قلة الأكل منافع كثيرة، منها أن يكون الرجل أصح جسما وأجود حفظا وأزكى فهما وأقل نوما وأخف نفسا. وفي كثرة الأكل كظ المعدة ونتن التخمة، ويتولد منه الأمراض المختلفة، فيحتاج من العلاج أكثر مما يحتاج إليه القليل الأكل. وقال بعض الحكماء: أكبر الدواء تقدير الغذاء " انتهى من "تفسير القرطبي" (7/ 191).
وفي الموسوعة الفقهية (25/ 332): "من آداب الأكل: الاعتدال في الطعام، وعدم ملء البطن، وأكثر ما يسوغ في ذلك أن يجعل المسلم بطنه أثلاثا: ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس؛ لحديث: (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه). ولاعتدال الجسد وخفته؛ لأنه يترتب على الشبع ثقل البدن، وهو يورث الكسل عن العبادة والعمل. ويُعرف الثلث بالاقتصار على ثلث ما كان يشبع به. وقيل: يعرف بالاقتصار على نصف المد، واستظهر النفراوي الأول لاختلاف الناس. وهذا كله في حق من لا يضعفه قلة الشبع، وإلا فالأفضل في حقه استعمال ما يحصل له به النشاط للعبادة، واعتدال البدن.
وفي الفتاوى الهندية: الأكل على مراتب:
فرض: وهو ما يندفع به الهلاك، فإن ترك الأكل والشرب حتى هلك فقد عصى.
ومأجور عليه، وهو ما زاد عليه ليتمكن من الصلاة قائما، ويسهل عليه الصوم.
ومباح، وهو ما زاد على ذلك إلى الشبع لتزداد قوة البدن ولا أجر فيه ولا وزر ويحاسب عليه حسابا يسيرا إن كان من حل.
وحرام، وهو الأكل فوق الشبع إلا إذا قصد به التقوي على صوم الغد، أو لئلا يستحي الضيف فلا بأس بأكله فوق الشبع.
وقال ابن الحاج: الأكل في نفسه على مراتب: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه. ومحرم.
فالواجب: ما يُقيم به صُلبه لأداء فرض ربه؛ لأنَّ ما لا يُتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب.
والمندوب: ما يعينه على تحصيل النوافل وعلى تعلم العلم وغير ذلك من الطاعات.
والمباح: الشبع الشرعي. والمكروه: ما زاد على الشبع قليلا ولم يتضرر به، والمحرم: البطنة. وهو الأكل الكثير المضر للبدن.
وقال النووي: يكره أن يأكل من الطعام الحلال فوق شبعه.
وقال الحنابلة: يجوز أكله كثيرا بحيث لا يؤذيه، وفي الغنية: يكره مع خوف تخمة. ونُقل عن ابن تيمية كراهة الأكل المؤدي إلى التخمة كما نقل عنه تحريمه " انتهى.
ثالثا:
تبين مما سبق أنه لا حرج في تناول أكثر من وجبة طعام في اليوم، وأن ذلك بمجرده لا يعد إسرافا، بل الإسراف أن يأكل فوق الشبع ولو في وجبة واحدة.
ومما يدل على جواز الوصول إلى حد الشبع، وأن المكروه أو المحرم ما جاوزه: ما روى البخاري (5381) ومسلم (2040) عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ وفيه قصة تكثير الطعام بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وقوله: (ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ أَذِنَ لِعَشَرَةٍ فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ ثَمَانُونَ رَجُلًا).
وقد بوب عليه البخاري في صحيحه: باب من أكل حتى شبع.
وأورد فيه أيضا قول عَائِشَةَ رضى الله عنها: (تُوُفِّىَ النَّبِىُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ: التَّمْرِ وَالْمَاءِ).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: " قَالَ اِبْن بَطَّالٍ: فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث جَوَاز الشِّبَع وَأَنَّ تَرْكه أَحْيَانَا أَفْضَل ... قَالَ الطَّبَرِيُّ: غَيْر أَنَّ الشِّبَع وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا فَإِنَّ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ , وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ سَرَف ; وَالْمُطْلَق مِنْهُ مَا أَعَانَ الْآكِل عَلَى طَاعَة رَبّه وَلَمْ يَشْغَلهُ ثِقَله عَنْ أَدَاء مَا وَجَبَ عَلَيْهِ ا هـ ... قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي الْمُفْهِم لِمَا ذَكَرَ قِصَّة أَبِي الْهَيْثَم إِذْ ذَبَحَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِصَاحِبَيْهِ الشَّاة فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا: وَفِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز الشِّبَع , وَمَا جَاءَ مِنْ النَّهْي عَنْهُ مَحْمُول عَلَى الشِّبَع الَّذِي يُثْقِل الْمَعِدَة وَيُثَبِّط صَاحِبه عَنْ الْقِيَام لِلْعِبَادَةِ وَيُفْضِي إِلَى الْبَطَر وَالْأَشَرّ وَالنَّوْم وَالْكَسَل , وَقَدْ تَنْتَهِي كَرَاهَته إِلَى التَّحْرِيم بِحَسَبِ مَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْمَفْسَدَة " انتهى من "فتح الباري".


الإسراف والتبذير في المأكل والمشرب
من الأخطاء التي يقع فيها بعض الصائمين، وهذا أمر ملفت للأنظار ومحزن في الوقت ذاته: الإسراف والتبذير في المآكل والمشارب، فما عليك إلا أن تنظر إلى سفرة لتجد عليها أصنافاً عديدة من ألوان الطعام والشراب، سبحان الله! هذا الأمر يخالف حكمة مشروعية الصيام أصلاً، ويزداد الإثم والذنب حين الانتهاء من الطعام بأكل القليل جداً، ثم تملأ سلة المهملات بما تبقى من الطعام والشراب، في الوقت الذي يموت فيه الآلاف من شدة الجوع والعطش ولا حول ولا قوة إلا بالله! ورحم الله من قال: إنكم تأكلون الأرطال، وتشربون الأفضال، وتنامون الليل ولو طال، وتدعون أنكم أبطال!! هيهات هيهات! نأكل ملء بطوننا، ونشرب ملء بطوننا، ونضحك ملء أفواهنا، وننام ملء جفوننا، وندعي أنه إن لم ندخل الجنة نحن فمن يدخلها؟! ما أقل حياء من طمع في جنة الله ولم يعمل بطاعة الله!! إن سلف الأمة رضوان الله عليهم كانوا يصومون النهار، ويقومون الليل، وتورمت أقدامهم من القيام بين يدي الله جل وعلا، وبالرغم من ذلك كانوا يبكون ويرتعدون كعصفور مبلل بماء المطر خوفاً من لقاء الله جل وعلا.
ها هو فاروق الأمة عمر رضوان الله عليه يدخل عليه ابن عباس -كما في صحيح البخاري - وهو على فراش الموت، فيجد فاروق الأمة يبكي خوفاً ووجلاً، ويقول: (والله إني لأرجو أن أخرج من الدنيا كفافاً لا لي ولا علي) فاروق الأمة يقول هذا! فينبغي ألا نسرف في المأكل والمشرب، وأقصد من هذا الاعتدال، فأنا لا أحرم طيبات ما أحل الله لعباده، بل أقصد بهذه الفقرة الاعتدال، فإننا أمة وسط، يجب علينا أن نكون وسطاً في كل شيء، والرسول صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فيجب علينا أن نكون معتدلين، وأن نكون وسطاً في المآكل والمشارب، استلذ بطيبات الله تبارك وتعالى، وبما أحل الله لك، لكن من غير سرف ولا تبذير، فإن الإسراف حرام.
يتبع

ابوالوليد المسلم 29-04-2019 09:12 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية

الإسراف في النوم في رمضان: (فضول النوم)

يقول ابن القيم:
الْمُفْسِدُ الْخَامِسُ: كَثْرَةُ النَّوْمِ. فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيُثَقِّلُ الْبَدَنَ، وَيُضِيعُ الْوَقْتَ، وَيُورِثُ كَثْرَةَ الْغَفْلَةِ وَالْكَسَلِ، وَمِنْهُ الْمَكْرُوهُ جِدًّا، وَمِنْهُ الضَّارُّ غَيْرُ النَّافِعِ لِلْبَدَنِ، وَأَنْفَعُ النَّوْمِ مَا كَانَ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَّةِ
إِلَيْهِ، وَنَوْمُ أَوَّلِ اللَّيْلِ أَحْمَدُ وَأَنْفَعُ مِنْ آخِرِهِ، وَنَوْمُ وَسَطِ النَّهَارِ أَنْفَعُ مِنْ طَرَفَيْهِ، وَكُلَّمَا قَرُبَ النَّوَمُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ قَلَّ نَفْعُهُ، وَكَثُرَ ضَرَرُهُ، وَلَاسِيَّمَا نَوْمُ الْعَصْرِ، وَالنَّوْمُ أَوَّلَ النَّهَارِ إِلَّا لِسَهْرَانَ.
وَمِنَ الْمَكْرُوهِ عِنْدَهُمُ النَّوْمُ بَيْنَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، فَإِنَّهُ وَقْتُ غَنِيمَةٍ، وَلِلسَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ عِنْدَ السَّالِكِينَ مَزِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، حَتَّى لَوْ سَارُوا طُولَ لَيْلِهِمْ لَمْ يَسْمَحُوا بِالْقُعُودِ عَنِ السَّيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهُ أَوَّلُ النَّهَارِ وَمِفْتَاحُهُ، وَوَقْتُ نُزُولِ الْأَرْزَاقِ، وَحُصُولِ الْقَسْمِ، وَحُلُولِ الْبَرَكَةِ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ النَّهَارُ، وَيَنْسَحِبُ حُكْمُ جَمِيعِهِ عَلَى حُكْمِ تِلْكَ الْحِصَّةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نَوْمُهَا كَنَوْمِ الْمُضْطَرِّ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَعْدَلُ النَّوْمِ وَأَنْفَعُهُ نَوْمُ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ، وَسُدُسِهِ الْأَخِيرِ، وَهُوَ مِقْدَارُ ثَمَانِ سَاعَاتٍ، وَهَذَا أَعْدَلُ النَّوْمِ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ أَثَّرَ عِنْدَهُمْ فِي الطَّبِيعَةِ انْحِرَافًا بِحَسَبِهِ.
وَمِنَ النَّوْمِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ أَيْضًا النَّوْمُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، عَقِيبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهَهُ. فَهُوَ مَكْرُوهٌ شَرْعًا وَطَبْعًا.
وَكَمَا أَنَّ كَثْرَةَ النَّوْمِ مُورِثَةٌ لِهَذِهِ الْآفَاتِ، فَمُدَافَعَتُهُ وَهَجْرُهُ مُورِثٌ لِآفَاتٍ أُخْرَى عِظَامٍ: مِنْ سُوءِ الْمِزَاجِ وَيُبْسِهِ، وَانْحِرَافِ النَّفْسِ، وَجَفَافِ الرَّطُوبَاتِ الْمُعِينَةِ عَلَى الْفَهْمِ وَالْعَمَلِ، وَيُورِثُ أَمْرَاضًا مُتْلِفَةً لَا يَنْتَفِعُ صَاحِبُهَا بِقَلْبِهِ وَلَا بَدَنِهِ مَعَهَا، وَمَا قَامَ الْوُجُودُ إِلَّا بِالْعَدْلِ، فَمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ مَجَامِعِ الْخَيْرِ، وَبِاللَّهِ الْمُسْتَعَانُ.

الإسراف في النوم
ويقع الإسراف -يا أيها الإخوة- في النوم، فبعضهم يصوم وهو في الحلم، هل تدري كيف يعمل؟
بعض الشباب سل بهم خبيراًَ: يصلي الفجر ثم ينام إلى الظهر، ثم يواصل النوم على بركة من الله إلى صلاة العصر، ثم ينام من العصر إلى الغروب، فتوقظه أمه ليفطر فما أحس جوعاً ولا ظمأ ولا عاش عبادة ولا قرآناً ولا نوافل ولا تسبيحاً، يأكل التمر متناولاً كأنه أتى من القرون التي قبل الإسلام، لا حلاوةً، ولا رقةً، ولا شعوراً، ولا خلوداً، ولا طعماً لأسرار الصيام.
إن أسرار الصيام معناها: أن تشعر بالجوع؛ لأن الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى يقول: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] وأنا لا أقول: لا تنام؛ لكن لماذا يُعْكس البرنامج في النهار، فيصبح نوماً كله والليل سهراً، ونعود إلى عمر الخيام -عليه من الله ما يستحقه- حيث يقول:
فما أطال النوم عمراً وما قصر في الأعمار طول السهر
وهذا البيت يُنْشَد، وكثير من الشباب على الرصيف يصفقون لهذا البيت، وما يعلمون أن هذا البيت فيه كفر، وما قاله إلا زنديق، يقول: نم أو قم في الليل فإنه ليس وراءك إلا نوم في القبر لا بعث بعده -عليه من الله ما يستحقه- ولذلك يقول بعضهم الآن في بعض الصحافة: انتقل إلى مثواه الأخير، وليس المثوى الأخير هو القبر -كما يقول القنوي وهو ممن اتهم بالزندقة وبالتصوف- إنما المثوى الأخير: إما إلى جنة وإما إلى نار: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7] وقال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمْ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام:62].
يقول الغزالي: "من عمره ستون سنة ينام منها عشرين سنة، والتفصيل في ذلك أنك تنام في الأربع والعشرين الساعة ثمان ساعات، فإذا نمت ثمان ساعات في كل أربع وعشرين ساعة فقد نمت في الستين سنة عشرين سنة، ثم صفي من غيرها للأكل وللشرب ولدورات المياه والاغتسال، فبعضهم إذا دخل دورة المياه مكث فيها ساعتين، وبعضهم إذا اغتسل يأخذ في الغسل ساعة ونصف؛ لأن الحياة معقدة، وإذا أكثر الجسم من الترفيه تعقدت الروح، تعقيد في اللباس وتعقيد في الغسل وتعقيد في الطعام؛ وهذه هي المضرة بعينها:
يا كثير الرقاد أكثرت نوماً إن بعد الحياة نوماً طويلاً
وبعد النوم يقظة إلى حساب ومعاد، ثم إلى جنة أو نار، وهذه هي وقت الصيحة التي يصيح بها الملك يوم يجمع الله الأولين والآخرين.





الإسراف في الكلام في رمضان (فضول الكلام)
إياكم وفضول الكلام
· عَنْ أبي هُرَيرةَ - رضي الله عنه - عن رَسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: (مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله واليَومِ الآخرِ، فَلْيَقُلْ خَيراً أَوْ لِيَصْمُتْ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله واليَوْمِ الآخِرِ، فَليُكْرِمْ جَارَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ واليَومِ الآخرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) متفق عليه.
- وأعمال الإيمان تارة تتعلَّق بحقوق الله، كأداءِ الواجبات وترك المحرَّمات، ومِنْ ذلك قولُ الخير، والصمتُ عن غيره.
- وتارةً تتعلق بحقوق عبادِه كإكرامِ الضيف، وإكرامِ الجارِ، والكفِّ عن أذاه.
· قال ابن مسعود رضي الله عنه: إيَّاكم وفضولَ الكلام، حسبُ امرئ ما بلغ حاجته، وعن النَّخعي قال: يَهلِكُ الناسُ في فضول المال والكلام.
مفاسد كثرة الكلام:
- إن الإكثارَ من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجبُ قساوةَ القلب كما في " الترمذي " من حديث ابن عمر مرفوعاً: (لا تُكثِرُوا الكلامَ بغيرِ ذكر الله، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله يُقسِّي القلب، وإنَّ أبعدَ الناس عن الله القلبُ القاسي).
- وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مَنْ كَثُرَ كلامُه، كَثُرَ سَقَطُهُ، ومَنْ كَثُرَ سَقَطُه، كَثُرَتْ ذُنوبهُ، ومَن كَثُرَتْ ذنوبُه، كانت النارُ أولى به.
· وقال ابن مسعود: والله الذي لا إله إلا هو، ما على الأرض أحقُّ بطول سجنٍ مِنَ اللِّسانِ.
· وقال وهب بن منبه: أجمعت الحكماءُ على أنَّ رأسَ الحكمِ الصمتُ.
· وكان السَّلفُ كثيراً يمدحُون الصَّمتَ عن الشَّرِّ، وعمَّا لا يعني؛ لِشِدَّته على النفس، ولذلك يقع فيه النَّاسُ كثيراً، فكانوا يُعالجون أنفسهم، ويُجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم.
· هل تزن كلماتك؟:
- سبحان الله العظيم!، ما أكثر ما نتحدث ونستفسر ونتطلع ونحرص على الأمور التي لا تنفعنا في دنيانا ولا في آخرتنا، وإنما هي من لغو الكلام، ولو حاسب الإنسان نفسه في آخر اليوم قبل نومه لوجد أن كلامه في ما لا فائدة فيه ولا ثمرة ولا نتيجة أكثر من كلامه في ما فيه فائدة.
· أكثر ما يدخل النار:
- عن معاذ رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نَبيَّ الله، وإنَّا لمُؤَاخَذُونَ بِما نَتَكَلَّمُ بهِ؟ فقالَ: (ثَكِلتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وُجوهِهِمْ، أو على مَنَاخِرِهم إلاَّ حَصائِدُ أَلسِنَتِهِم). رواهُ الترمذيُّ، وقال: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ.
- قال ابن رجب: وظاهرُ هذا الحديث يدلُّ على أنَّ أكثر ما يدخل النَّاسُ به النار النُّطقُ بألسنتهم، فإنَّ معصية النُّطق يدخل فيها:
1 - الشِّركُ وهو أعظمُ الذنوب عندَ الله - عز وجل -.
2 - ويدخل فيها القولُ على الله بغير علم، وهو قرينُ الشِّركِ.
3 - ويدخلُ فيه شهادةُ الزُّور التي عدَلت الإشراك بالله - عز وجل -.
4 - وكذلك السِّحر والقذفُ وغيرُ ذلك مِنَ الكبائر والصَّغائر كالكذب والغيبةِ والنَّميمة.
5 - وسائرُ المعاصي الفعلية لا يخلو غالباً من قول يقترن بها يكون معيناً عليها.
وفي حديث أبي هُريرة، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: (أكثرُ ما يُدخِلُ النَّاسَ النارَ الأجوفان: الفمُ والفرجُ) خرَّجه الإمام أحمد والترمذي.
· صلاح اللسان وأثره على الجوارح:
- قال يحيى بن أبي كثير: ما صلح منطقُ رجل إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطقُ رجل قطُّ إلاَّ عرفت ذلك في سائر عمله.
· من عواقب فضول الكلام:
- قال ابن القيم: وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابا من الشر كلها مداخل للشيطان فإمساك فضول الكلام يسد عنه تلك الأبواب كلها وكم من حرب جرتها كلمة واحدة.
كتبه: الشيخ خالد بن عبد الرحمن الحسينان
حفظه الله تعالى
يتبع

ابوالوليد المسلم 01-05-2019 01:11 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية


الإسراف في الخُلطة في رمضان: (فضول الخلطة)
أصبحت الرغبة في مخالطة الناس والاجتماع بهم بصرف النظر عن الفائدة الشرعية المرجوة منهم عادة الكثيرين فلا يكاد أحدهم يجد وقت فراغ من مشاغل البيت والأسرة إلا ويسارع إلى البحث عمن يجتمع معه ويؤانسه
وبهذا المسلك فات على كثير من الصالحين عبادات عظيمة كان السلف يحرصون عليها غاية الحرص ، مثل الخلوة بالنفس ، ومناجاة الله والتضرع بين يديه
وهذه بعض الكلمات والأقوال في فضول المخالطة :
قال عمر رضي الله عنه ( خذوا بحظكم من العزلة )
وقال ابو الدرداء رضي الله عنه ( نعم صومعة الرجل بيته ، يكف بصره ولسانه )
وقال شيخ الاسلام رحمه الله ( وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع ـ وذلك بالزهد فيه ـ فذلك مستحب )
وقال سيد قطب رحمه الله ( ولا بد لأي روح يراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية فتحولها وجهة أخرى ، لا بد لهذه الروح من خلوة وعزلة لبعض الوقت ،وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة وهموم الناس الصغيرة التي تشغل الحياة!
ويقول ابن القيّم:
فَأَمَّا مَا تُؤْثِرُهُ كَثْرَةُ الْخُلْطَةِ: فَامْتِلَاءُ الْقَلْبِ مِنْ دُخَانِ أَنْفَاسِ بَنِي آدَمَ حَتَّى يَسْوَدَّ، يُوجِبُ لَهُ تَشَتُّتًا وَتَفَرُّقًا، وَهَمًّا وَغَمًّا، وَضَعْفًا، وَحَمْلًا لِمَا يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِهِ مِنْ مُؤْنَةِ قُرَنَاءِ السُّوءِ، وَإِضَاعَةِ مَصَالِحِهِ، وَالِاشْتِغَالِ عَنْهَا بِهِمْ وَبِأُمُورِهِمْ ، وَتَقَسُّمِ فِكْرِهِ فِي أَوْدِيَةِ مَطَالِبِهِمْ وَإِرَادَاتِهِم ْ، فَمَاذَا يَبْقَى مِنْهُ لِلَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ؟ .
هَذَا، وَكَمْ جَلَبَتْ خُلْطَةُ النَّاسِ مِنْ نِقْمَةٍ، وَدَفَعَتْ مِنْ نِعْمَةٍ؟ وَأَنْزَلَتْ مِنْ مِحْنَةٍ، وَعَطَّلَتْ مِنْ مِنْحَةٍ، وَأَحَلَّتْ مِنْ رَزِيَّةٍ، وَأَوْقَعَتْ فِي بَلِيَّةٍ؟ وَهَلْ آفَةُ النَّاسِ إِلَّا النَّاسُ؟ وَهَلْ كَانَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ الْوَفَاةِ أَضَرَّ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ؟ لَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى حَالُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تُوجِبُ لَهُ سَعَادَةَ الْأَبَدِ.
وَهَذِهِ الْخُلْطَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى نَوْعِ مَوَدَّةٍ فِي الدُّنْيَا، وَقَضَاءِ وَطَرِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ تَنْقَلِبُ إِذَا حَقَّتِ الْحَقَائِقُ عَدَاوَةً، وَيَعَضُّ الْمُخْلِطُ عَلَيْهَا يَدَيْهِ نَدَمًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا - يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا - لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي} [الفرقان: 27 - 29] وَقَالَ تَعَالَى {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67] وَقَالَ خَلِيلُهُ إِبْرَاهِيمُ لِقَوْمِهِ {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] وَهَذَا شَأْنُ كُلِّ مُشْتَرِكِينَ فِي غَرَضٍ، يَتَوَادُّونَ مَا دَامُوا مُتَسَاعِدِينَ عَلَى حُصُولِهِ، فَإِذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ الْغَرَضُ، أَعْقَبَ نَدَامَةً وَحُزْنًا وَأَلَمًا، وَانْقَلَبَتْ تِلْكَ الْمَوَدَّةُ بُغْضًا وَلَعْنَةً، وَذَمًّا مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لَمَّا انْقَلَبَ ذَلِكَ الْغَرَضُ حُزْنًا وَعَذَابًا، كَمَا يُشَاهَدُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مِنْ أَحْوَالِ الْمُشْتَرِكِين َ فِي خِزْيِهِ، إِذَا أُخِذُوا وَعُوقِبُوا، فَكُلُّ مُتَسَاعِدِينَ عَلَى بَاطِلٍ، مُتَوَادِّينَ عَلَيْهِ لَا بُدَّ أَنْ تَنْقَلِبَ مَوَدَّتُهُمَا بُغْضًا وَعَدَاوَةً.
وَالضَّابِطُ النَّافِعُ فِي أَمْرِ الْخُلْطَةِ أَنْ يُخَالِطَ النَّاسَ فِي الْخَيْرِ كَالْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَالْأَعْيَادِ وَالْحَجِّ، وَتَعَلُّمِ الْعِلْمِ، وَالْجِهَادِ، وَالنَّصِيحَةِ وَيَعْتَزِلَهُم ْ فِي الشَّرِّ، وَفُضُولِ الْمُبَاحَاتِ، فَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى خُلْطَتِهِمْ فِي الشَّرِّ، وَلَمْ يُمْكِنْهُ اعْتِزَالُهُمْ فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَنْ يُوَافِقَهُمْ، وَلْيَصْبِرْ عَلَى أَذَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْذُوهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةٌ وَلَا نَاصِرٌ. وَلَكِنْ أَذًى يَعْقُبُهُ عِزٌّ وَمَحَبَّةٌ لَهُ وَتَعْظِيمٌ، وَثَنَاءٌ عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وَمُوَافَقَتُهُ مْ يَعْقُبُهَا ذُلٌّ وَبُغْضٌ لَهُ، وَمَقْتٌ، وَذَمٌّ مِنْهُمْ وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ عَاقِبَةً، وَأَحْمَدُ مَآلًا، وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى خُلْطَتِهِمْ فِي فُضُولِ الْمُبَاحَاتِ، فَلْيَجْتَهِدْ أَنْ يَقْلِبَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ طَاعَةً لِلَّهِ إِنْ أَمْكَنَهُ، وَيُشَجِّعَ نَفْسَهُ وَيُقَوِّيَ قَلْبَهُ، وَلَا يَلْتَفِتْ إِلَى الْوَارِدِ الشَّيْطَانِيِّ الْقَاطِعِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ، بِأَنَّ هَذَا رِيَاءٌ وَمَحَبَّةٌ لِإِظْهَارِ عِلْمِكَ وَحَالِكَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلْيُحَارِبْهُ ، وَلْيَسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَيُؤَثِّرْ فِيهِمْ مِنَ الْخَيْرِ مَا أَمْكَنَهُ.
فَإِنْ أَعْجَزَتْهُ الْمَقَادِيرُ عَنْ ذَلِكَ، فَلْيَسُلَّ قَلْبَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ كَسَلِّ الشَّعْرَةِ مِنَ الْعَجِينِ، وَلْيَكُنْ فِيهِمْ حَاضِرًا غَائِبًا، قَرِيبًا بَعِيدًا، نَائِمًا يَقْظَانًا، يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُبْصِرُهُمْ، وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمْ وَلَا يَعِيهِ، لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ قَلْبَهُ مِنْ بَيْنِهِمْ، وَرَقَى بِهِ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى، يَسْبَحُ حَوْلَ الْعَرْشِ مَعَ الْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ الزَّكِيَّةِ، وَمَا أَصْعَبَ هَذَا وَأَشَقَّهُ عَلَى النُّفُوسِ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَبَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُ أَنْ يَصْدُقَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَيُدِيمَ اللُّجْأَ إِلَيْهِ، وَيُلْقِيَ نَفْسَهُ عَلَى بَابِهِ طَرِيحًا ذَلِيلًا، وَلَا يُعِينُ عَلَى هَذَا إِلَّا مَحَبَّةٌ صَادِقَةٌ، وَالذِّكْرُ الدَّائِمُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَتَجَنُّبُ الْمُفْسِدَاتِ الْأَرْبَعِ الْبَاقِيَةِ الْآتِي ذِكْرُهَا، وَلَا يَنَالُ هَذَا إِلَّا بِعُدَّةٍ صَالِحَةٍ وَمَادَّةِ قُوَّةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَزِيمَةٍ صَادِقَةٍ، وَفَرَاغٍ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.



الإسراف في النَّظر في رمضان (فضول النظر)
فضول النَّظر هو إطلاقه بالنظر إلى الشيء بملء العين، والنظر إلى ما لا يحل له، وهو على العكس من غض البصر، والغض هو النقص، وقد أمر الله عز جل به فقال. (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور: 30، 31).
والله عز وجل لا يأمر بصرف كل النظر وإنما يأمر بصرف بعضه، قال تعالى:
(من أبصارهم) ولما كان تحريم فضول النظر من تحريم الوسائل فيباح للمصلحة الراجحة، ويحرم إذا خيف منه الفساد ولم تعارضه مصلحة أرجح من تلك المفسدة، ولم يأمر الله سبحانه بغضه مطلقا بل أمر بالغض منه، وأما حفظ الفرج فواجب بكل حال لا يباح إلا بحقه فلذلك أمر بحفظه.
وقد أمر الله عز وجل بغض البصر وصيانة لفرج وقرن بينهما في معرض الأمر، وبدأ بالأمر بالغض لأنه رائد للقلب كما قيل:
ألم تر أنَّ العينَ للقلب رائدٌ فما تألفُ العينانِ فالقلب آلِفُ
ولأنَّ غض البصر وسيلة إلى حفظ الفرج وصيانته، وهو الباب الأكبر إلى القلب، وأعمر طرق الحواس إليه وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته ووجب التحذير منه.
وعن أبى هريرة رضي الله عنه عن البني صلى الله عليه وسلم قال: "كُتب على ابنِ آدم نصيبُه من الزنا، فهو مدرك ذلك لا محالة، العينان زناها النظر، والأذنان زناها الاستماع، اللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، الرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه" (البخاري ومسلم).
وعن جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فقال: "اصرف بصرك" (رواه مسلم).
آفات فضول النظر:
الآفة الأولى: فضول النظر معصية ومخالفة لأمر الله عز وجل وليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى وما سعد من سعد إلا بامتثال أوامره، وما شقى من شقى إلا بتضييع أوامره.
الآفة الثانية: أنه يفرق القلب ويشتته ويبعده من الله وليس على العبد شيء أضر منه فإنه يوقع الوحشة بين العبد وربه، وغض البصر يورث القلب أنسا بالله عز وجل وجمعيه عليه.
الآفة الثالثة: أنه يضعف القلب ويحزنه وغض البصر يقوي القلب ويفرحه.
الآفة الرابعة: أنه يكسب القلب ظلمة وإذا أظلم القلب أقبلت عليه سحائب البلاء والشر من كل مكان، فما شئت من بدعة وضلالة واتباع هوى واجتناب هدى وإعراض عن أسباب السعادة واشتغال بأسباب الشقاوة، فإن ذلك إنما يكشفه النور الذي في القلب فإذا فقد ذلك النور بقى صاحبه كالأعمى الذي يجوس في حنادس الظلام، وغض البصر لله عز وجل يكسب القلب نورا وإشراقا يظهر في العين وفي الوجه وفي الجوارح، ولهذا ذكر الله عز وجل آية النور عقب الأمر بغض البصر فقال تعالى: (قلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) (النور:30). ثم قال إثر ذلك: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) (النور: من الآية35). أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل جانب.
الآفة الخامسة: فضول النظر يقسي القلب ويسد على العبد باب العلم، وغض البصر يفتح للعبد باب العلم ويسهل عليه أسبابه، وذلك بسبب نور القلب فإنه إذا استنار ظهرت فيه حقائق الأشياء.
الآفة السادسة: أنه يسمح بدخول الشيطان إلى القلب فإنه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي فيمثل له صورة المنظور إليه ويزينها ويجعلها صنما يعكف عليه القلب، ثم يمنيه ويوفد على القلب نار الشهوة ويلقى عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة، فيصير القلب في اللهب قد أحاطت به النيران من كل جانب، فهو وسطها كالشاة وسط التنور، ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات بالصور المحرمة أنه جعل لهم في البرزخ تنورا من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى حشر أجسادهم، وغض البصر يسد على الشيطان مدخله إلى القلب.
الآفة السابعة: إن إطلاق البصر يوقع العبد في الغفلة اتباع الهوى، قال الله تعالى: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) (الكهف: من الآية28). وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه، وغضه لله عز وجل يفرغ القلب للتفكير في مصالحه والاشتغال بها.
الآفة الثامنة: إن النظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه كما قيل:
كل الحوادث مبداها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
كم نظرة فعلت في قلب صاحبها فعل السهام بلا قوس ولا وتر
والمرء ما دام ذا عينٍ يقلبها في أعين الناس موقوف على خطر
يسر مقلته ما ضر مهجته لا مرحباً بسرور عاد بالضرر
الآفة التاسعة: فضول النظر وإطلاق البصر يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه كما يقول القائل:
وكنت متى أرسلتَ طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر
الآفة العاشرة: أن النظرة تجرح القلب جرحا فيتبعها جرح على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها، كما يقول القائل:
ما زلت تتبع نظرة في نظرة في إثر كل مليحة ومليح
وتظن ذاك دواء جرحك وهو في التحقيق تجريح على تجريح
فذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا فالقلب منك ذبيح أي ذبيح
الآفة الحادية عشرة: إطلاق البصر يذهب نور البصيرة والجزاء من جنس العمل، وغض البصر يسبب إطلاق نور البصيرة ويورث العبد الفراسة كما قال شاه بن شجاع الكرماني: ((من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واعتاد الحلال لم تخطئ فراسته)). وكان شاه هذا لا تخطئ له فراسة.
الآفة الثانية عشرة: فضول النظر يوقع القلب في ذل اتباع وضعف القلب، ومهانة النفس وحقارتها، وما جعله الله لمن آثر هواه على رضاه، وقد جعل الله سبحانه العز قرين طاعته والذل قرين معصيته فقال تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) (فاطر: من الآية10). أي من كان يريد العزة فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح، فمن أطاع الله فقد والاه، وله من العزة بحسب طاعته، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته.
الآفة الثالثة عشرة: فضول النظر يوقع القلب في أسر الشهوة، فإن الأسير هو أسير شهوته وهواه فهو كما قيل: (طليق برأي العين وهو أسير).
ومتى أسرت الشهوة والهوى القلب تمكن منه عدوه وسامه سوء العذاب وصار:
كعصفورة في كف طفل يسومها حِيا ضَ الردى والطفل يلهو ويلعب
الآفة الرابعة عشرة: فضول النظر يوجب استحكام الغفلة عن الله والدار الآخرة ويوقع في سكرة العشق كما قال تعالى عن عشاق الصور
(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) (الحجر:72). فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل والعمه الذي هو فساد نور البصير، فالنظرة كأس من خمر والعشق هو سكر ذلك الخمر، وسكران العشق قلما يفيق إلا وهو في عسكر الأموات نادماً مع الخاسرين.

ابوالوليد المسلم 01-05-2019 01:11 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
كلوا واشربوا ولا تسرفوا

اللجنة العلمية


لم لا نربي ناشئتنا على عدم الإسراف؟!

حثنا ديننا الحنيف بتعاهدهم وتفقد أحوالهم الدينية وتوجيههم لما فيه صلاحهم وتدريبهم على الثبات على عقائدهم والعمل بأوامر ربهم جل وعلا وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم واجتناب ما نهيا عنه ومما يؤكد أهمية العناية بهؤلاء الناشئة قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة) ,
وقول النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الصلاة: مروهم لسبع واضربوهم عليها لعشر , ولقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في تربية الناشئة وتعليمهم في سن مبكرة يدل على ذلك ما رواه الإمام البخاري رحمه الله بسنده قال: حدثنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان قال الوليد بن كثير أخبرني أنه سمع وهب بن كيسان أنه سمع عمر بن أبي سلمة يقول: كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك فما زالت تلك طعمتي بعد.
وروى البخاري أيضا قال: حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا محمد بن زياد قال سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أخذ الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كخ كخ ليطرحها ثم قال أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة) فانظر أخي المسلم كيف كان حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تعليم الناشئة مما يؤكد مسئولية الوالدين وأولياء الأمور تجاه ناشئتهم.
وهذه المسئولية لا تقتصر على حكم من الأحكام بل شاملة لجميع أوامر الشريعة وأحكامها وقد نهى الله تعالى ونهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في كل شيء ومن الأدلة على ذلك قول الله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) وقوله تعالى: (ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) , وقوله جل وعلا: (ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً)
وقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن الفضول في الطعام ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فان كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه.
وقوله في النهي عن الفضول في الحديث:
إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنع وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ,
هذه النصوص من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم تحثنا جميعا على عدم الفضول والبعد عن الإسراف في كل شيء وفي عصورنا المتأخرة غفل كثير من الناس عن تدبر كتاب الله تعالى والعمل بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فوقعوا فيما نهوا عنه من الإسراف في كل شيء والفضول في كل شيء ومن أهم هذه الأمور التي أسرف فيها الكبير والصغير والرجل والأنثى الوقت الذي هو أثمن ما يمتلكه الإنسان فهو أغلى من الذهب والفضة بل من الطعام والشراب لأنه هو حياة الإنسان وهلاكه وهو سعادة الإنسان وشقاوته فمتى ما عمر فيما يرضي الله جل وعلا أكسب سعادة وتوفيقا وجنة بإذن الله جل وعلا ومتى ما أهدر هذا الوقت في طاعة الشيطان وغضب الرحمن كان وبالا وحسرة وندامة على صاحبه في الدنيا والآخر ونارا تتلظى نسأل الله السلامة والعافية,
وان من المؤسف أن نرى الكثير ممن لم يثمن الوقت ولم يعرف قدره فيقضي الساعات الطوال فيما لا نفع له به ولا خير له كالحديث في أعراض المسلمين أو استماع آلات اللهو والنظر إليها أو نحو ذلك مما يقتل الوقت ولا طائل فائدة فيه وهذا هو مفهوم الإسراف في الوقت.
ومنها ذلك أيضا الإسراف في الطعام والماء ونحوها فتجد الرجل يصنع الطعام لاثنين أو ثلاثة ما يكفي عشرة أو أكثر فإذا فرغوا من الأكل وضعوا ما تبقى في صندوق القمامة وأما الإسراف في الماء فحدث ولا حرج ومن أراد أن يتثبت مما أقول فليحضر إلى إحدى دورات المياه في مسجد من المساجد ولينظر فقط كيف يتوضأ الكثير جداً من الناس أقول
وإن لنا في رسولنا صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة فقد كان صلى الله عليه وسلم يكفيه المد من الماء للوضوء والصاع للغسل
وقد أنكر على أحد أصحابه إسرافه الماء يدل على ذلك ما رواه ابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يتوضأ فقال: لا تسرف لا تسرف ,
وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: ما هذا السرف، فقال:

أفي الوضوء إسراف، قال: نعم وإن كنت على نهر جار)
ونحن اليوم لا نبالي في صرف الماء ولا نلقي لذلك بالا ولا نثمن أنه ينقل إلينا بجهود هذه الحكومة الرشيدة من البحار وتصرف الملايين لنقله وتحليته فلندرك أنه من أعظم النعم ومن يضمن بقاء واستمرار هذه النعمة إذا لم نشكرها بالمحافظة عليها وترشيد استهلاكها.
فعلينا أن نراجع أنفسنا وأن نتقيد بشريعة ربنا جل وعلا وهدي نبينا صلى الله عليه وسلم وعلينا أن نتعاهد من ولانا عليهم الله من الناشئة شبابا وفتيات فنغرس في نفوسهم حب الاعتدال وننشئهم على فقه هذه التوجيهات الربانية والأوامر النبوية الكريمة ونحبب إليهم العلم بها ونبين لهم أن الإسراف ممقوت في كل شيء إلا في رضا الله سبحانه وتعالى والله تعالى أعلم.

ابوالوليد المسلم 01-05-2019 01:12 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 





المحافظة على الصلاة في رمضان



اللجنة العلمية



http://majles.alukah.net/imgcache/2019/04/106.jpg
الصَّلاة عمادُ الدِّين

أي: هي القاعدة الأساسيّة التي يقوم عليها دينُ المرء المسلم!
وذلك للأسباب الآتية: أنّها:
1 - تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ قال الله تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45] (سورة العنكبوت).
2 - أفضل الأعمال بعد الشهادتين؛ لحديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها قال: قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين قال: قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله» (متفق عليه).
3 - تغسل الخطايا؛ لحديث جابر - رضي
الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل الصلوات الخمس كمثل نهر غمر على باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات» (صحيح مسلم).
4 - تكفر السيئات؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر» (صحيح مسلم).
5 - نور لصاحبها في الدنيا والآخرة؛ لحديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال:
«من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور، ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأبي بن خلف» (مسند الإمام أحمد).
وفي حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه -: «والصلاة نور» (صحيح مسلم)؛ ولحديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة» (أبوداود/الألباني).
6 - يرفع الله بها الدرجات ويحط الخطايا؛ لحديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له:
«عليك بكثرة السجود فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة» (صحيح مسلم).
7 - من أعظم أسباب دخول الجنة برفقة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لحديث ربيعة بن كعب الأسلمي - رضي الله عنه - قال: «كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيته بوضوئه وحاجته فقال لي: سل فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود» (صحيح مسلم).
8 - المشي إليها تكتب به الحسنات وترفع الدرجات وتحط الخطايا؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والأخرى ترفع درجة» (صحيح مسلم).
وفي الحديث الآخر: «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله عز وجل له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عز وجل عنه سيئة». (أبوداود).
9 - تُعدُّ الضيافةُ في الجنة بها كلما غدا إليها المسلم أو راح لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلا كلما غدا أو راح» (متفق عليه)
والنزل ما يهيأ للضيف عند قدومه.
10 - يغفر الله بها الذنوب فيما بينها وبين الصلاة التي تليها: لحديث عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء، فيصلي صلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة التي تليها» (صحيح مسلم).
11 - تكفر ما قبلها من الذنوب؛ لحديث عثمان - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها، وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم يأت كبيرة، وذلك الدهر كله» (صحيح مسلم).
12 - تصلي الملائكة على صاحبها ما دام في مصلاه، وهو في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته، وصلاته في سوقه بضعا وعشرين درجة. وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد، لا ينهزه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة، فلم يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه» (متفق عليه).
13 - انتظارها رباط في سبيل الله؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (صحيح مسلم).
14 - أجر من خرج إليها كأجر الحاجِّ المحرم لحديث أبي أمامة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضُّحى (التَّرغيب والتَّرهيب) لا يُنصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين» (صحيح الترغيب والترهيب).
15 - من سبق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله - عز وجل - مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئا» (صحيح سنن أبي داود).
16 - إذا تطهر وخرج إليها فهو في صلاة حتى يرجع، ويكتب له ذهابه ورجوعه؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع فلا يقل: هكذا وشبك بين أصابعه» (صحيح الترغيب والترهيب) وعنه - رضي الله عنه - يرفعه: «من حين يخرج أحدكم من منزله إلى مسجدي فرجل تكتب حسنة ورجل تحط سيئة حتى يرجع» (صحيح الترغيب والترهيب)!
يتبع

ابوالوليد المسلم 01-05-2019 01:13 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
اللجنة العلمية

الصّلاة عمادُ العبوديّة في رمضان

وذلك للأسباب الآتية:
أولاً: الصلاة تجمع أنواعاً من العبادة؛ كالقراءة، والركوع، والسجود، والدعاء، والذل، والخضوع، ومناجاة الرب سبحانه وتعالى، والتكبير، والتسبيح، والصَّلاة على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلم.
ثانياً: الصّلاة في رمضان هي العبادة التي تحتلُّ مكانةً بارزة، بين أعمال رمضان وعباداته، حيث يحرص المسلمون على إقامتها في المساجد، كما يحرصون على صلاة القيام فيه.
ثالثاً: البُشريات النّبوية الخاصّة بشهر رمضان، وما أُعدّ للصائمين فيه، تعلّقت بالصوم، كما تعلّقت كذلك بالصلاة، وخاصّةً صلاة القيام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
(مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (صحيح البخاري)
(مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) (صحيح البخاري)
(مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا)! (صحيح البخاري)
(تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ) (صحيح البخاري)
(كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) (صحيح البخاري)
[فتوى]
السؤال:
أيهما أفضل في نهار رمضان قراءة القرآن أم صلاة التطوع؟
الجواب:
الحمد لله كان من هديه صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الإكثارُ من أنواع العبادات، وكان جبريل يدارسه القرآن ليلاً، وكان إذا لقيه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود الناس، وأجودَ ما يكون في رمضان، وكان يُكثر فيه من الصدقة والإحسان وتلاوة القرآن والصلاة والذكر والاعتكاف!
هذا هدي الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وفي هذا الشهر الكريم!
أما المفاضلة بين قراءة القارئ وصلاة المصلي تطوعاً فتختلف باختلاف أحوال الناس وتقدير ذلك راجع إلى الله عز وجل لأنه بكل شيء محيط!
(من كتاب الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح للشيخ ابن باز)
وقد يكون العمل المعيّن في حقّ شخص، أفضلَ وغيرُه في حقّ شخص آخرَ أفضل، بحسب تقريب العمل لفاعله من الله عزّ وجلّ، فقد يتأثّر بعض الأشخاص بالنوافل ويخشعون فيها، فتقرّبهم إلى الله أكثرَ من أعمالٍ أخرى، فتكون في حقّهم أفضلَ والله أعلم.

[فتوى]
السؤال:
ما حكم الصوم مع ترك الصلاة في رمضان؟
الجواب:
إن الذي يصوم ولا يصلي، لا ينفعه صيامه ولا يقبل منه، ولا تبرأ به ذمته، بل إنه ليس مطالباً به ما دام لا يصلي، لأنَّ الذي لا يصلي مثل اليهودي والنصراني، فما رأيكم أنَّ يهودياً أو نصرانياً صام وهو على دينه، فهل يقبل منه أم لا؟
إذن نقول لهذا الشخص: تب إلى اللَّه بالصلاة، وصم ومن تاب تاب اللَّه عليه!
(فتاوى فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين).

وهذا برنامج يوميٌّ يقترحه الشيخ محمد صالح المنجد للصائم في رمضان، ولعلنا نلحظ فيه أنّ الصلوات قد توزّعت على جوانب هذا اليوم، محتلّةً منه مساحة كبيرةً، لتؤكد أنّه كما أنّ الصلاة عمادُ الدّين، فإنها كذلك عماد العبوديّة في رمضان:
يوم المسلم في رمضان
يبدأ المسلم يومه بالسحور قبل صلاة الفجر , والأفضل أن يؤخر السحور إلى أقصى وقت ممكن من الليل.
ثم بعد ذلك يستعد المسلم لصلاة الفجر قبل الآذان , فيتوضأ في بيته , ويخرج إلى المسجد قبل الآذان ,
فإذا دخل المسجد صلى ركعتين (تحية المسجد) , ثم يجلس ويشتغل بالدعاء , أو بقراءة القرآن , أو بالذكر , حتى يؤذن المؤذن , فيردد مع المؤذن ويقول ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفراغ من الأذان , ثم بعد ذلك يصلي ركعتين (راتبة الفجر) , ثم يشتغل بالذكر والدعاء وقراءة القرآن إلى أن تُقام الصلاة , وهو في صلاة ما انتظر الصلاة.
بعد أن يؤدي الصلاة مع الجماعة يأتي بالأذكار التي تشرع عقب السلام من الصلاة , ثم بعد ذلك إن أحب أن يجلس إلى أن تطلع الشمس في المسجد مشتغلا بالذكر وقراءة القرآن فذلك أفضل , وهو ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر.
ثم إذا طلعت الشمس وارتفعت ومضى على شروقها نحو ربع ساعة فإن أحب أن يصلي صلاة الضحى (أقلها ركعتين) فذلك حسن , وإن أحب أن يؤخرها إلى وقتها الفاضل وهو حين ترمض الفصال، أي: عند اشتداد الحر وارتفاع الشمس فهو أفضل.
ثم إن أحب أن ينام ليستعد للذهاب إلى عمله , فلينوي بنومه ذلك التَّقوِّي على العبادة وتحصيل الرزق , كي يؤجر عليه إن شاء الله تعالى، وليحرص على تطبيق آداب النوم الشرعية العملية والقولية.
ثم يذهب إلى عمله , فإذا حضر وقت صلاة الظهر , ذهب إلى المسجد مبكرا , قبل الأذان أو بعده مباشرة , وليكن مستعدا للصلاة مسبقا , فيصلي أربع ركعات بسلامين (راتبة الظهر القبلية) , ثم يشتغل بقراءة القرآن إلى أن تقام الصلاة، فيصلي مع الجماعة , ثم يصلي ركعتين (راتبة الظهر البعدية).
ثم بعد الصلاة يعود إلى إنجاز ما بقي من عمله , إلى أن يحضر وقت الانصراف من العمل , فإذا انصرف من العمل فإن كان قد بقي وقت طويل على صلاة العصر ويمكنه أن يستريح فيه , فليأخذ قسطا من الراحة , وإن كان الوقت غير كاف ويخشى إذا نام أن تفوته صلاة العصر فليشغل نفسه بشيء مناسب حتى يحين وقت الصلاة , كأن يذهب إلى السوق لشراء بعض الأشياء التي يحتاجها أهل البيت ونحو ذلك , أو يذهب إلى المسجد مباشرة من حين ينتهي من عمله , ويبقى في المسجد إلى أن يصلي العصر.
ثم بعد العصر ينظر الإنسان إلى حاله , فإن كان بإمكانه أن يجلس في المسجد ويشتغل بقراءة القرآن فهذه غنيمة عظيمة , وإن كان الإنسان يشعر بالإرهاق , فعليه أن يستريح في هذا الوقت , كي يستعد لصلاة التراويح في الليل.
وقبل أذان المغرب يستعد للإفطار
, وليشغل نفسه في هذه اللحظات بشيء يعود عليه بالنفع , إما بقراءة قرآن , أو دعاء , أو حديث مفيد مع الأهل والأولاد.
ومن أحسن ما يشغل به هذا الوقت المساهمة في تفطير الصائمين , إما بإحضار الطعام لهم أو المشاركة في توزيعه عليهم وتنظيم ذلك , ولذلك لذة عظيمة لا يذوقها إلا من جرب.
ثم بعد الإفطار يذهب للصلاة في المسجد مع الجماعة , وبعد الصلاة يصلي ركعتين (راتبة المغرب) , ثم يعود إلى البيت ويأكل ما تيسر له - مع عدم الإكثار -, ثم يحرص على أن يبحث عن طريقة مفيدة يملأ بها هذا الوقت بالنسبة له ولأهل بيته , كالقراءة من كتاب قصصي , أو كتاب أحكام عملية , أو مسابقة , أو حديث مباح, أو أي فكرة أخرى مفيدة تتشوق النفوس لها , وتصرفها عن المحرمات التي تبث في وسائل الإعلام , والتي يعد هذا الوقت بالنسبة لها وقت الذروة , فتجدها تبث أكثر البرامج جذبا وتشويقا , وإن حوت ما حوت من المنكرات العقدية والأخلاقية، فاجتهد يا أخي في صرف نفسك عن ذلك , واتق الله في رعيتك التي سوف تسأل عنها يوم القيامة , فأعد للسؤال جوابا.
ثم استعد لصلاة العشاء , واتجه إلى المسجد , فاشتغل بقراءة القرآن , أو بالاستماع إلى الدرس الذي يكون في المسجد.
ثم بعد ذلك أدِ صلاة العشاء , ثم صلِ ركعتين (راتبة العشاء) ثم صلِّ التراويح خلف الإمام بخشوع وتدبر وتفكر , ولا ينصرف قبل أن ينصرف الإمام , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة ". رواه أبو داود (1370) وغيره، وصححه الألباني في "صلاة التراويح " (ص 15).
ثم اجعل لك برنامجا بعد صلاة التراويح يتناسب مع ظروفك وارتباطاتك الشخصية، وعليك مراعاة ما يلي:
البعد عن جميع المحرمات ومقدماتها.
مراعاة تجنيب أهل بيتك الوقوع في شيء من المحرمات أو أسبابها بطريقة حكيمة، كإعداد برامج خاصة لهم , أو الخروج بهم للنزهة في الأماكن المباحة , أو تجنبيهم رفقة السوء والبحث لهم عن رفقة صالحة.
أن تشتغل بالفاضل عن المفضول.
ثم احرص على أن تنام مبكرا , مع الإتيان بالآداب الشرعية للنوم العملية والقولية , وإن قرأت قبل النوم شيئا من القرآن أو من الكتب النافعة فهذا أمر حسن، لا سيما إن كنت لم تنه وردك اليومي من القرآن , فلا تنم حتى تنهه.
ثم استقيظ قبل السحور بوقت كاف للاشتغال بالدعاء , فهذا الوقت _ وهو ثلث الليل الأخير _ وقت النزول الإلهي , وقد أثنى الله عز وجل على المستغفرين فيه , كما وعد الداعين فيه بالإجابة والتائبين بالقبول , فلا تدع هذه الفرصة العظيمة تفوتك.
يوم الجمعة هو أفضل أيام الأسبوع , فينبغي أن يكون له برنامجٌ خاصٌّ في العبادة والطاعة , يراعى فيه ما يلي:
التبكير في الحضور إلى صلاة الجمعة، البقاء في المسجد بعد صلاة العصر , والاشتغال بالقراءة والدعاء حتى الساعة الأخيرة من هذا اليوم , فإنها ساعة ترجى فيها إجابة الدعاء.
يتبع

ابوالوليد المسلم 01-05-2019 01:14 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
اللجنة العلمية

الصائمون والصلاة في شهر رمضان

للصّائمين في هذا الشهر المبارك مع الصلاة أحوالٌ تستحقُّ أن يُوجّه تلقاءها البصر، ليكون المسلمُ منها على حذرٍ من التّردّي في هُوّة سحيقة، بل ليرقَى بنفسه ويتطلّع إلى بلوغ أعلى درجات القرب من الله سبحانه وتعالى، فلينظر المسلم في هذه الأحوال، ويتبصّر في العاقبة والمآل، عسى أن يُعتق نفسه من أسر الهوى والشهوات والشبهات، ويتوجّه إلى ربّه بوجهه وقلبه، في هذا الشهر الكريم، عسى أن يكون من الفائزين.
فلنستطلع في هذه الأحوال:
أولاً:
حال أولئك الصنف الذين يصومون، بيد أنّهم لا يُصلّون لا في هذا الشهر الكريم، ولا في غيره من الشهور!

فنقول لهم: أي صوم هذا الذي ترتجون ثوابه وأجره؟ أما تعلمون أن الصلاة هي عمود الدين وآكد وأهمُّ أركان الإسلام بعد الشَّهادتين، أما علمتم أن من تركها عمداً جاحداً لوجوبها فقد كفر بإجماع المسلمين، ومن تركها تهاوناً وكسلاً فقد كفر على القول الصحيح، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة» ولا يخفاك أن الكافر لا يُقبل منه صيام ولا غيره.
ثانياً:
حالُ من يصوم رمضانَ، بيد أنّه لا يُصلِّي إلا فيه!
أما هذا فقد أغضب ربه وخادعه! وهذا حريٌّ أن يكون عبداً لرمضان لا لرب رمضان!! وكما قيل فيه وفي شاكلته "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان" وحكمهم حكم الصنف الأول أعلاه.
ثالثاً:
حال من يصوم رمضان ولا يعرف الصلاةَ ولا الجماعةَ طيلة أيام العام، إلا صلاة الجمعة، وصلاة المغرب في رمضان!

وهذا إن لم يتب من جرمه فأمره عظيم، وخطره وبيل ومرده إلى ويل. قال الله تعالى: {فويلٌ للمصلين. الَّذين هم عن صلاتهم ساهون} [الماعون:4 - 5] فهذا المبخوس بعد أن استفاق من نومه على صوت المؤذن أو بالأصح على وقت الإفطار والتهم ألوان الأطعمة والأشربة، ساقته قدماه- حسب العادة- إلى المسجد ومن المعتاد أن تجد المسجد في صلاة المغرب في رمضان مزدحماً وربما يضيق بالمصلين- أما سائر الفروض فهو لا يصليها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وهذا إن كان ممن أضاف إلى ترك الجماعة ترك الصلاة بالكلية فهو على خطر عظيم نسأل الله العافية.
رابعاً:
حال من يصوم رمضان ويُصلّي صلوات الفجر والظهر والعصر في بيته، وربما يضيّع أوقاتهن!
فمن الناس من يقضي ليل هذا الشهر المبارك وأوقاته الفاضلة في المعاصي ما بين سهرٍ على منكرات، ومجالس آثام ومعاصٍ، لا تُعدُّ ولا تحصى، فهؤلاء ضيعوا ليلهم في غضب الله، واستخدموا نعمه الظاهرة والباطنة فيما يسخطه عليهم، ويبعدهم عن رضوانه.
ولا يخفى أن من ترك الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتُها دونما عذر شرعي صحيح، لا تبرأ ذمته ولو أعاد الصلاة ألف مرة، إذ إنَّ كلَّ عبادةٍ لها وقت معلوم لا تصح إلا فيه، ومن تعمد ترك الصلاة بسهر في معصية؛ فقد أتى كبيرة من أعظم الكبائر.
خامساً:
من يصوم رمضان ويُصلّي صلواته جماعةً في المسجد، إلا صلاة الفجر، وربما يصليها في رمضان إن كان مستيقظاً!

ابتُلي عدد من الناس بالتخلف عن صلاة الفجر جماعة، بل ربما عن صلاتها في وقتها- وقد تجد من أهل المساجد من نسي أو تناسى أن هناك صلاة خامسة تُدعى (صلاة الفجر) - إذ دأبهم طيلة العام السهر إلى ساعات متأخرة من الليل، فتجد أحدهم تاركاً لهذه الفريضة إمَّا عمداً أو لعدم المبالاة بها، وفي الوقت نفسه تجده شديد العناية بضبط منبه الوقت على ساعة الدراسة أو العمل!!، ولكن في رمضان قد يصليها لا لكونه مهتماً بها لكن لدخولها في وقت صحوه ويقظته!!، ولهؤلاء نقول تذكروا أن «أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر .. » هذا هو حكم رسولك صلى الله عليه وسلم، وهل تعلم يا أخي عقوبة المنافق!؟
سادساً:
من يصوم رمضان ولكنه لا يعرف الطريق إلى المسجد والجماعة، لا في رمضان ولا في غيره!
فهذه فئةٌ محرومةٌ من الخير، ومن تفيؤ ظلال بيوت الله التي هي خير البقاع على وجه الأرض، نسأل الله لنا ولهم الهداية، فهم لا يعرفون المساجد ولا الجماعة، حتى في هذا الشهر المبارك حيث تتنزل البركات، وتصبو القلوب إلى خالقها، فمن باب أولى أنهم لا يؤمونوها فيما سواه.
روى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا المنافق معلوم النفاق" وهل يحرص من يتوانى ويتكاسل عن قصد بيت الله على أن يُقيمها في بيته، في وقتها؟!
سابعاً:
من يصوم رمضان وينشط في أوله بالصلاة، في وقتها، في المسجد، إلا أنه يكسل بعد مضي أيام منه، لا سيما الأيام الفاضلة في آخره". إن المسلم الكيس الفطن يبذل قصارى جهده ليغتنم الفرص ومواسم الخير، فالعمر قصير، والذنب كثير والخطب كبير، فرمضانُ موسم جدٍّ وعمل، لا نوم وكسل، ولكن من اختلطت عليه مشاربُ الحياة ومداخلها تجده في أول الأمر حريصاً على الخير وطرقه، ولكن ما أن يسلكه إلا وتدخل عليه الحياة ومشاغلها، فتجده تضعف همته وتخور عزائمه. وإن من الخسارة أن يكون ذلك التفريط في آخر الشهر المبارك، حيث الأيام والليالي الفاضلة التي لا يعد لها في السنة مثيل، وكفى بلية القدر فضلاً وشرفاً.
ثامناً:
من يصوم رمضان ويحرص على صلاة التراويح جماعةً، وتجده في الوقت نفسه يتخلف ويفرط في الصلوات المفروضة!

فممَّا لا شكَّ فيه أن الفرائض مقدمة على النفل، وأن الواجب مقدم على المستحب، فما عساه أن يُسمى هذا الذي يفرط في الصلوات المكتوبة، إما بالنوم وإما بالانشغال بما لا يتفق مع هذا الشهر المبارك، وفي الوقت نفسه تجده أحرص ما يكون على صلاة التراويح، فهذا قد ظلم نفسه وحرمها مما أوجب عليه، واهتم بالطاعات التي هي من باب النفل والزيادة.
تاسعاً:
من يصوم رمضان ويصلي مع جماعة المسلمين، إلا انه لا يحرص على إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، وربما تفوته الجماعة وإضافة إلى ذلك فهو مُضيَّع للسنن القبلية والبعدية!
وهذا مما ابتُلي به الكثير من الشباب، بل ومَن يُعدون من أهل الخير، إذ لا تراهم إلا في الصفوف الأخيرة يقضون صلاتهم. فإلى هؤلاء جميعاً نقول: ألا تريدون أن تكونوا ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» حديث حسن ولا ننسى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «خيرُ صفوف الرجال أولها وشرها آخرها» [رواه مسلم].
عاشراً:
من يصوم رمضان، ويحافظ على الصلوات جماعة في المسجد، ويكون رمضان دافعاً له على تقوية إيمانه وزيادته!
فهذه الطائفة الموفَّقة هم من عُمَّار المساجد، ولرمضان في حياتهم الإيمانية أكبر الأثر، إذ تجد أحدهم في هذا الشهر المبارك حريصاً على المبادرة إلى المساجد عند سماع النّداء أو قبيله، محافظاً على الصفوف الأولى، فهؤلاء نقول لهم، احمدوا الله واشكروه، واسألوه من فضله وتعرضوا لنفحات مولاكم، وادعوه بالثبات على ذلك في رمضان وغير رمضان، وإياكم من نقض الغزل بعد القوة!!
حادي عشر:
من يصوم رمضان ويصوم الأيام المسنون صومها، ويجتهدُ في الطاعات والقرب ما كان منها واجباً أو نفلاً، وللصلاة في حياته النصيب الأكبر!
فهؤلاء نسأل الله أن يجعلنا منهم، فهم في جنة غناء وارفة الظلال، وهذا هو شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله تعالى- يصور هذه الجنة بقوله: "إن في الدنيا جنةً من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة" ورغم ذلك نجد أحدهم يعمل العمل ويخشى ألا يُقبل منه، فماذا عسى أن يقول مَن جمع إلى الإساءة والذنب الأمنَ من عقاب رب العالمين وتعلق بنصوص الوعد والمغفرة والرحمة وأهمل وتناسى ما ورد في نصوص العقاب من أمور عظيمة وأهوال جسيمة يذوب القلب لسماعها- نسأل الله العافية-.
وفي آخر المطاف هذه دعوة من رب كريم رحيم طالما بادرناه بالذنوب والمعاصي وهو سبحانه يتودد إلينا بالنعم والرحمات {قُل يا عباديَ الَّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رَّحمة الله إن الله يغفر الذُّنوب جميعاً} [الزمر: 53]، نعم إنه يغفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها {إنَّه هُوَ الْغفور الرَّحيم} ولكن هناك أمراً لا بد من تحقيقه ألا وهو {وأنيبوا إلى ربِّكم وأسْلِمُوا له} [الزمر:54].
أخي .. فلنعد إلى الله ونسلم له حقيقةَ الإسلام، ولنقل بلسان الحال والمقال: {ربَّنا ظَلَمْنا أنفُسنا وإن لَّم تغفر لنا وتَرْحَمْنا لنكوننَّ من الخاسرين} [الأعراف:22].
وتذكر أن سيئاتك مهما بلغت فإنَّ الله تعالى يبدلها حسناتٍ .. نعم حسنات!! ولا تسلم نفسك للشيطان وخطواته! وكن ممن قال فيهم ربُّ البريَّات: {إلاَّ من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبدِّل الله سيِّئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رَّحيماً} [الفرقان:70].
وفي ختام هذه الكلمات ندعو الله تعالى بما علمنا أن ندعوه به {ربَّنا لا تُزغ قُلُوبَنَا بعد إذ هَدَيْتنا وَهَبْ لنا من لدنك رحمةً إنَّك أنت الوهَّاب} [آل عمران:8].
{ربَّنا عليْك توكَّلْنا وإلَيْكَ أنبْنا وإلَيْكَ المَصِير} [الممتحنة:4].
(دار القاسم للنشر، مع تصرّفٍ يسير)!
يتبع

ابوالوليد المسلم 01-05-2019 01:14 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
المحافظة على الصلاة في رمضان

اللجنة العلمية

ليكن رمضان بدايةً لتوثيق صلتك بالمساجد!
يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: «وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلاَّ مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ في الصَّفِّ» [رواه مسلم].
وعن أبى هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَو رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلاً كُلَّمَا غَدَا أَو رَاحَ» [رواه البخاري ومسلم]، وعن جابر -رضي الله- قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَثَلِ نَهَرٍ جَارٍ غَمْرٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ» [رواه مسلم]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ ما لم تغش الكبائر» [رواه مسلم].

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له، إلا من عذر» [رواه ابن ماجة وصححه الألباني].

نصيحة لمن يتخلف عن أداء الصلاة مع الجماعة
أخي الكريم: يؤسفني ويحز في نفسي ويؤلم قلبي إصراركم على التخلف عن أداء الصلاة مع الجماعة في المسجد على الرغم من أنكم تتمتعون بالصحة والعافية والعقل والسمع والبصر والعلم والمعرفة، وغير خاف عليكم أنكم مخلوقون للعبادة والصلاة أم العبادات وتعلمون أن الصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل غير المرأة الحائض والنفساء وأنها تجب على كل حال في الصحة والمرض والإقامة والسفر والأمن والخوف على قدر الاستطاعة.
قال صلى الله عليه وسلم: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» [رواه البخاري وأهل السنن]، «فإن لم تستطع فمستلقيا» {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [المحدث: ابن الملقن - المصدر: تحفة المحتاج - الصفحة أو الرقم: 1/ 286، خلاصة الدرجة: صحيح أو حسن، كما اشترط على نفسه في المقدمة].
وغير خاف عليك أنه يجب على الرجل المسلم أداء الصلاة في أوقاتها مع الجماعة في المساجد التي بنيت لأجلها وشرع الأذان لأجلها في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله، وتعلم أن الصلاة تكفر الذنوب والآثام وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وأن تارك الصلاة محكوم بكفره وقتله وعدم تزويجه المرأة المسلمة وأنه إذا مات كافرا بترك الصلاة لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين إلا من تاب تاب الله عليه وهو التواب الرحيم والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وتعلم أن الحياة محدودة والأنفاس معدودة وأن الموت يأتي فجأة وليس بعد الموت إلا الجنة في نعيم أبدي أو النار في عذاب سرمدي، أعاذنا الله والمسلمين منها، ومن أسباب دخول النار ترك الصلاة قال تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ?42? قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [سورة المدثر: 42 - 43]، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} [سورة التحريم: 6]، {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا} [سورة طه: 132]، {قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ} [سورة إبراهيم: 31]، {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى? صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ?34? أُولَ?ئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} [سورة المعارج: 34 - 35].
اللهم اجعلنا وجميع المسلمين من المحافظين على الصلوات، المكرمين بنعيم الجنات، برحمتك يا أرحم الراحمين يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
يتبع

ابوالوليد المسلم 01-05-2019 01:15 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
المحافظة على الصلاة في رمضان

اللجنة العلمية

ليكن رمضان محطةَ انطلاقك للمحافظة على صلاة الفجر!
أمّا بعد، فإن صلاة الفجر من أعظم الصلوات حتى خصها رب العزة بقوله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودًا} أي وصلاة الفجر إنها كانت مشهودة محضورة تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهي صلاة يُذكر فيها اسم الله في وقتٍ ينامُ أكثرُ الخلق ويغفلون عن ذكره تعالى وتقدس!
أخٌ يشتكي ويقول: إن صلاة الفجر تفوتني في كثير من الأيام، فلا أصليها في وقتها إلا نادراً، والغالب ألا أستيقظ إلا بعد طلوع الشمس أو بعد فوات صلاة الجماعة في أحسن الأحوال، وقد حاولت الاستيقاظ بدون جدوى فما حل هذه المشكلة؟
حل هذه المشكلة - كغيرها - له جانبان: جانب علمي، وجانب عملي.
أما الجانب العلمي فيأتي من ناحيتين:
الناحية الأولى:
أن يعلم المسلم عظمة مكانة صلاة الفجر عند الله عز وجل:
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من صلّى الصبح في جماعة فكأنما صلّى الليل كله) مسلم ص 454 رقم 656، الترمذي 221. وقال عليه الصلاة والسلام: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) رواه الإمام أحمد المسند 2/ 424، وهو في صحيح الجامع 133،
وقال: (من صلّى الفجر فهو في ذمة الله فلا يطلبنكم الله بشيء من ذمته) ومعنى في ذمة الله: أي في حفظه وكلاءته سبحانه، " من كتاب النهاية 2/ 168" والحديث رواه الطبراني 7/ 267، وهو في صحيح الجامع رقم 6344.وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادي، فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) رواه البخاري الفتح 2/ 33.
وفي الحديث الآخر: (أفضل الصلوات عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة، في جماعة) رواه أبو نعيم في الحلية 7/ 207، وفي السلسلة الصحيحة 1566.
وفي الحديث الصحيح: (من صلّى البردين دخل الجنة) رواه البخاري الفتح 2/ 52.
والبردان الفجر والعصر.
الناحية الثانية:
أن يعلم المسلم خطورة تفويت صلاة الفجر:
ومما يبين هذه الخطورة الحديث المتقدم: (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر) وفي الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (كنا إذا فقدنا الرجل في الفجر والعشاء أسأنا به الظن) رواه الطبراني في المعجم الكبير 12/ 271،قال الهيثمي رجال الطبراني موثقون المجمع 2/ 40. وإنما تكون إساءة الظن بذلك المتخلف عن هاتين الصلاتين لأن المحافظة عليهما معيار صدق الرجل وإيمانه، ومعيار يقاس به إخلاصه، ذلك أن سواهما من الصلوات قد يستطيعها المرء لمناسبتها لظروف العمل ووقت الاستيقاظ، في حين لا يستطيع المحافظة على الفجر والعشاء مع الجماعة إلا الحازم الصادق الذي يُرجى له الخير.
ومن الأحاديث الدالة على خطورة فوات صلاة الفجر قوله صلى الله عليه وسلم: (من صلّى الصبح فهو في ذمة الله، فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإن من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم) رواه مسلم ص 454 ومعنى من يطلبه من ذمته بشيء يدركه أي من يطلبه الله للمؤاخذة بما فرط في حقه والقيام بعهده يدركه الله إذ لا يفوت منه هارب، حاشية صحيح مسلم ترتيب عبد الباقي 455.
هاتان الناحيتان كفيلتان بإلهاب قلب المسلم غيرة، أن تضيع منه صلاة الفجر، فالأولى منهما تدفع للمسارعة في الحصول على ثواب صلاة الفجر، والثانية هي واعظ وزاجر يمنعه من إيقاع نفسه في إثم التهاون بها.
وأما الجانب العملي في علاج هذه الشكاية فإن هناك عدة خطوات يمكن للمسلم إذا اتبعها أن يزداد اعتياداً ومواظبة على صلاة الفجر مع الجماعة، فمن ذلك:
1 - التبكير في النوم: ففي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره النوم قبل صلاة العشاء والحديث بعدها، فلا ينبغي للمسلم أن ينام قبل صلاة العشاء والمُشاهد أن غالب الذين ينامون قبل العشاء يمضون بقية ليلتهم في خمول وكدر وحال تشبه المرضى.
ولا ينبغي كذلك أن يتحدث بعد صلاة العشاء، وقد بين أهل العلم سبب كراهية الحديث بعدها فقالوا: لأنه يؤدي إلى السهر، ويُخاف من غلبة النوم عن قيام الليل، أو عن صلاة الصبح في وقتها الجائز أو المختار أو الفاضل.
والمكروه من الحديث بعد صلاة العشاء كما قال الشراح: هو ما كان في الأمور التي لا مصلحة راجحة فيها، أما ما كان فيه مصلحة وخير فلا يكره، كمدارسة العلم، ومعرفة سير الصالحين وحكايتهم، ومحادثة الضيف، ومؤانسة الزوجة والأولاد وملاطفتهم، ومحادثة المسافرين بحفظ متاعهم وأنفسهم، إلى آخر ذلك من الأسباب المباحة.
فما الحال إذا تفكرنا فيما يسهر من أجله كثير من الناس اليوم من المعاصي والآثام إذن فعلى المسلم أن ينام مبكراً، ليستيقظ نشيطاً لصلاة الفجر، وأن يحذر السهر الذي يكون سبباً في تثاقله عن صلاة الفجر مع الجماعة.
حقاً إن الناس يتفاوتون في الحاجة إلى النوم، وفي المقدار الذي يكفيهم منه، فلا يمكن تحديد ساعات معينة يُفرض على الناس أن يناموا فيها، لكن على كل واحد أن يلتزم بالوقت الكافي لنوم يستيقظ بعده لصلاة الفجر نشيطاً، فلو علم بالتجربة والعادة أنه لو نام بعد الحادية عشر ليلاً مثلاً لم يستيقظ للصلاة، فإنه لا يجوز له شرعاً أن ينام بعد هذه الساعة .. وهكذا.
2 - الحرص على الطهارة وقراءة الأذكار التي قبل النوم، فإنها تعين على القيام لصلاة الفجر.
3 - صدق النية والعزيمة عند النوم على القيام لصلاة الفجر، أما الذي ينام وهو يتمنى ألا تدق الساعة المنبهة، ويرجو ألا يأتي أحد لإيقاظه، فإنه لن يستطيع بهذه النية الفاسدة أن يصلي الفجر، ولن يفلح في الاستيقاظ لصلاة الفجر وهو على هذه الحال من فساد القلب وسوء الطوية.
4 - ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ مباشرة، فإن بعض الناس قد يستيقظ في أول الأمر، ثم يعاود النوم مرة أخرى، أما إذا بادر بذكر الله أول استيقاظه انحلت عقدة من عُقد الشيطان، وصار ذلك دافعاً له للقيام، فإذا توضأ اكتملت العزيمة وتباعد الشيطان، فإذا صلّى أخزى شيطانه وثقل ميزانه وأصبح طيب النفس نشيطاً.
5 - لا بد من الاستعانة على القيام والتواصي في ذلك، للصلاة بالأهل والصالحين، وهذا داخل بلا ريب في قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) وفي قوله (والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).
فعلى المسلم: أن يوصي زوجته مثلاً بأن توقظه لصلاة الفجر، وأن تشدد عليه في ذلك، مهما كان متعباً أو مُرهقاً، وعلى الأولاد أن يستعينوا بأبيهم مثلاً في الاستيقاظ، فينبههم من نومهم للصلاة في وقتها، ولا يقولن أب إن عندهم اختبارات، وهم متعبون، فلأدعهم في نومهم، إنهم مساكين، لا يصح أن يقول ذلك ولا أن يعتبره من رحمة الأب وشفقته، فإن الرحمة بهم والحدَبَ عليهم هو في إيقاظهم لطاعة الله: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليهم).
وكما يكون التواصي والتعاون على صلاة الفجر بين الأهل، كذلك يجب أن يكون بين الإخوان في الله، فيعين بعضهم بعضاً، مثل طلبة الجامعات الذين يعيشون في سكن متقارب ومثل الجيران في الأحياء، يطرق الجار باب جاره ليوقظه للصلاة، ويعينه على طاعة الله.
6 - أن يدعو العبد ربه أن يوفقه للاستيقاظ لأداء صلاة الفجر مع الجماعة؛ فإن الدعاء من أكبر وأعظم أسباب النجاح والتوفيق في كل شيء.
7 - استخدام وسائل التنبيه، ومنها الساعة المنبهة، ووضعها في موضع مناسب، فبعض الناس يضعها قريباً من رأسه فإذا دقت أسكتها فوراً وواصل النوم، فمثل هذا يجب عليه أن يضعها في مكان بعيد عنه قليلاً، لكي يشعر بها فيستيقظ.
ومن المنبهات ما يكون عن طريق الهاتف، ولا ينبغي للمسلم أن يستكثر ما يدفعه مقابل هذا التنبيه، فإن هذه نفقة في سبيل الله، وأن الاستيقاظ لإجابة أمر الله لا تعدله أموال الدنيا.
8 - نضح الماء في وجه النائم، كما جاء في الحديث من مدح الرجل الذي يقوم من الليل ليصلي، ويوقظ زوجته، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ومدح المرأة التي تقوم من الليل وتوقظ زوجها، فإن أبى نضحت في وجهه الماء رواه الإمام أحمد في المسند 2/ 250 وهو في صحيح الجامع 3494.
فنضح الماء من الوسائل الشرعية للإيقاظ، وهو في الواقع منشط، وبعض الناس قد يثور ويغضب عندما يوقظ بهذه الطريقة، وربما يشتم ويسب ويتهدد ويتوعد، ولهذا فلا بد أن يكون الموقظ متحلياً بالحكمة والصبر، وأن يتذكر أن القلم مرفوع عن النائم، فليتحمل منه الإساءة، ولا يكن ذلك سبباً في توانيه عن إيقاظ النائمين للصلاة. [على أن يكون ذلك بالاتفاق بين الزوجين].
9 - عدم الانفراد في النوم، فلقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيت الرجل وحده رواه الإمام أحمد في المسند 2/ 91 وهو في السلسلة الصحيحة رقم 60.
ولعل من حِكم هذا النهي أنه قد يغلبه النوم فلا يكون عنده من يوقظه للصلاة.
10 - عدم النوم في الأماكن البعيدة التي لا يخطر على بال الناس أن فلاناً نائمٌ فيها، كمن ينام في سطح المنزل دون أن يخبر أهله أنه هناك، وكمن ينام في غرفة نائية في المنزل أو الإسكان الجماعي فلا يعلم به أحد ليوقظه للصلاة، بل يظن أهله وأصحابه أنه في المسجد، وهو في الحقيقة يغّط في نومه. فعلى من احتاج للنوم في مكان بعيد أن يخبر من حوله بمكانه ليوقظوه.
11 - الهمة عند الاستيقاظ، بحيث يهب من أول مرة، ولا يجعل القيام على مراحل، كما يفعل بعض الناس الذين قد يتردد الموقظ على أحدهم مرات عديدة، وهو في كل مرة يقوم فإذا ذهب صاحبه عاد إلى الفراش، وهذا الاستيقاظ المرحلي فاشل في الغالب، فلا مناص من القفزة التي تحجب عن معاودة النوم.
12 - ألا يضبط المنبه على وقت متقدم عن وقت الصلاة كثيراً، إذا علم من نفسه أنه إذا قام في هذا الوقت قال لنفسه: لا يزال معي وقت طويل، فلأرقد قليلاً، وكل أعلم بسياسة نفسه.
13 - إيقاد السراج عند الاستيقاظ، وفي عصرنا الحاضر إضاءة المصابيح الكهربائية، فإن لها تأثيراً في طرد النعاس بنورها.
14 - عدم إطالة السهر ولو في قيام الليل، فإن بعض الناس قد يطيل قيام الليل، ثم ينام قبيل الفجر بلحظات، فيعسر عليه الاستيقاظ لصلاة الفجر، وهذا يحدث كثيراً في رمضان، حيث يتسحرون وينامون قُبيل الفجر بقليل، فيضيعون صلاة الفجر، ولا ريب أن ذلك خطأ كبير؛ فإن صلاة الفريضة مقدمة على النافلة، فضلاً عمن يسهر الليل في غير القيام من المعاصي والآثام، أو المباحات على أحسن الأحوال، وقد يزين الشيطان لبعض الدعاة السهر لمناقشة أمورهم ثم ينامون قبل الفجر فيكون ما أضاعوا من الأجر أكثر بكثير مما حصلوا.
15 - عدم إكثار الأكل قبل النوم، فإن الأكل الكثير من أسباب النوم الثقيل، ومن أكل كثيراً، تعب كثيراً، ونام كثيراً، فخسر كثيراً، فليحرص الإنسان على التخفيف من العشاء.
16 - الحذر من الخطأ في تطبيق سنة الاضطجاع بعد راتبة الفجر، فربما سمع بعض الناس قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا صلّى أحدكم فليضجع على يمينه) رواه الترمذي رقم 420 وهو في صحيح الجامع 642.
وما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلّى سنة الفجر يضطجع، ثم يُؤذنه بلال للصلاة، فيقوم للصلاة، وربما سمعوا هذه الأحاديث، فعمدوا إلى تطبيق هذه السنة الثابتة، فلا يحسنون التطبيق، بحيث يصلي أحدهم سنة الفجر، ثم يضطجع على جنبه الأيمن، ويغط في سبات عميق حتى تطلع الشمس، وهذا من قلة الفقه في هذه النصوص، فليست هذه الاضطجاعة للنوم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤذنه بلال للصلاة وهو مضطجع، وكان أيضاً كما في الحديث الصحيح الذي رواه أحمد وابن حبان إذا عرس (أقبل) الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى، وأقام ساعده. رواه أحمد في المسند 5/ 298 وهو في صحيح الجامع رقم 4752، وهذه الكيفية في النوم تمنع من الاستغراق؛ لأن رأس النائم في هذه الحالة يكون مرفوعاً على كفه وساعده، فإذا غفا سقط رأسه، فاستيقظ، زد على ذلك أن بلالاً كان موكلاً بإيقاظه صلى الله عليه وسلم لصلاة الفجر.
17 - جعل قيام الليل في آخره قبيل الفجر، بحيث إذا فرغ من الوتر أذن للفجر، فتكون العبادات متصلة، وتكون صلاة الليل قد وقعت في الثلث الأخير - وهو زمان فاضل - فيمضي لصلاة الفجر مباشرة وهو مبكر ونشيط.
18 - اتباع الهدي النبوي في كيفية الاضطجاع عند النوم، بحيث ينام على جنبه الأيمن، ويضع خده الأيمن على كفه اليمنى، فإن هذه الطريقة تيسر الاستيقاظ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم بخلاف النوم بكيفيات أخرى، فإنها تؤثر في صعوبة القيام.
19 - أن يستعين بالقيلولة في النهار، فإنها تعينه، وتجعل نومه في الليل معتدلاً ومتوازناً.
20 - ألا ينام بعد العصر، ولا بعد المغرب، لأن هاتين النومتين تسببان التأخر في النوم، من تأخر نومه تعسر استيقاظه.
21 - وأخيراً فإن الإخلاص لله تعالى هو خير دافع للإنسان للاستيقاظ للصلاة وهو أمير الأسباب والوسائل المعينة كلها، فإذا وجد الإخلاص الذي يلهب القلب ويوقظ الوجدان، فهو كفيل بإذن بإيقاظ صاحبه لصلاة الصبح مع الجماعة، ولو نام قبل الفجر بدقائق معدودات.
ولقد حمل الإخلاص والصدق بعض الحريصين على الطاعة على استعمال وسائل عجيبة تعينهم على الاستيقاظ تدل على اجتهادهم وحرصهم وتفانيهم، وذلك يخضع لاجتهاد كل إنسان بما يناسبه من وسائل معينة على صلاة الفجر.
و الحقيقة المرة هي أن ضعف الإيمان، وقلة الإخلاص تكاد تكون ظاهرة متفشية في الناس اليوم، والشاهد على ذلك ما نراه من قلة المصلين ونقص الصفوف في صلاة الفجر، بالرغم من كثرة الساكنين حول المسجد في كثير من الأحياء.
على أننا لا ننكر أن هناك أفراداً يكون ثقل النوم عندهم أمراً مرضياً قد يُعذرون به، لأنه أمر خارج عن الإرادة فمثل هذا عليه أن يلجأ إلى الله بالتضرع، ويستفيد ما استطاع من الوسائل الممكنة، وأن يراجع الطبيب لمحاولة إيجاد علاج. والله أعلم
جعلنا الله وإياكم من المحبين لله عز وجل .. ورزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل

ابوالوليد المسلم 02-05-2019 05:03 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
المحافظة على الصلاة في رمضان

اللجنة العلمية


سنن الصَّلوات المؤكَّدة والمندوبة

نعم، الصلاة عماد عبودية الصائم في رمضان، فليحرص على إقامتها في هذا الشهر الفضيل!
لقد سنَّ لنا رسولُ الله صلَّي الله عليه وسلَّم سُنن الصلاة، لنجبُرَ بها ما قد يكون في الصَّلوات المكتوبة من النقص والتّقصير:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أولَ ما يحُاسب الناسُ به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، قال: يقول ربُّنا جلَّ وعزَّ لملائكته، وهو أعلم: "انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها؟ " فإن كانت تامة، كُتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئا، قال: "انظروا هل لعبدي من تطوُّعٍ؟ "، فإن كان له تطوُّع، قال: "أتمُّوا لعبدي فريضته من تطوُّعه"، ثم تؤخذُ الأعمال على ذاكم) (صحيح سنن أبي داود).
وذلك أمرٌ يتأكّد ندبُهُ في رمضان، شهرِ العبوديّة، فحريٌّ بنا أن نحافظ على سنن الصلوات، ما كان منها فريضةً، وما كان منها نفلاً!
وصلاة التَّطوُّع: هي ما يُطلبُ فعلُه من المكلَّف زيادةً عن المكتوبة، طلباً غير جازم، وهي إما أن تكون غير تابعة للصلاة المكتوبة: كصلاة التراويح، والخسوف، والكسوف، والاستسقاء!
وإمَّا أن تكون تابعةً للصلاة المكتوبة، كالنوافل القبلية والبعدية، وتنقسم إلى مسنونة ومندوبة!
السُّنن الرَّواتب المؤكَّدة:
وهي دائمة مستمرة، تابعة للفرائض، واختلف أهل العلم في عددها، على النّحو التّالي:
- عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح! أو:
- اثنتا عشرة ركعة: أربعٌ قبل الظُّهر، وركعتان بعده، وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء، وركعتان قبل صلاة الصُّبح!
عن أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعًا، غَيْرَ فَرِيضَةٍ، إِلَّا بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ) قَالَتْ أَمُّ حَبِيبَةَ: "فَمَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ"، وقَالَ عَمْرٌو: "مَا بَرِحْتُ أُصَلِّيهِنَّ بَعْدُ"، وقَالَ النُّعْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ! (رواه مسلم)!
يقول الإمام النوويُّ:
قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ:
وَاخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فِي أَعْدَادِهَا مَحْمُولٌ عَلَى تَوْسِعَةِ الْأَمْرِ فِيهَا، وَأَنَّ لَهَا أَقَلَّ وَأَكْمَلَ، فَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْأَقَلِّ، وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ فِعْلُ الْأَكْثَرِ الْأَكْمَلِ، وَهَذَا كَمَا سَبَقَ فِي اخْتِلَافِ أَحَادِيثِ الضُّحَى، وَكَمَا فِي أَحَادِيثِ الْوِتْرِ، فَجَاءَتْ فِيهَا كُلِّهَا أَعْدَادُهَا بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَقَلِّ الْمُجْزِئِ فِي تَحْصِيلِ أَصْلِ السُّنَّةِ، وَعَلَى الْأَكْمَلِ وَالْأَوْسَطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ!
وآكد هذه السنن الرواتب: ركعتان قبل الفجر:
قالت عائشة: (لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم، على شيء من النوافل أشدَّ منه تعاهداً على ركعتي الفجر) (متفق عليه)، وكان يقول: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) (مسلم).
وقتها بين الأذان والإقامة؛ ولا يُصلّى بعدها إلا فريضة الفجر؛ يقرأ فيهما: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} و {قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ}، ومن السنة الاضطجاع بعدهما على الشقِّ الأيمن، ولا تُتْرَكُ في الحضر ولا في السفر؛ ومن فاتته صلاها بعد الفجر أو بعدما ترتفع الشمس!
ومن السنن الرّاتبة: أربع ركعات بعد الجمعة: (فإن عجل بك شيء فصلِّ ركعتين في المسجد، وركعتين إذا رجعت) (مسلم).
وأما الصلاة قبل الجمعة فنافلة مطلقة بدون تقدير؛ لحديث سلمان الفارسي! قال: قال رسول الله ?: ((لا يغتسل رجل يوم الجمعة، ويتطهر ما استطاع من الطهر، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى)) (البخاري)!
وقت الرواتب مع الفرائض:
كل سنة قبل الصلاة فوقتها من دخول الوقت إلى إقامة الصلاة، وكل سنة بعدها فوقتها من الفراغ من الصلاة إلى خروج وقتها.
قضاء الرواتب:
قد ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ? كان إذا لم يصلِّ أربعاً قبل الظهر صلاهنَّ بعدها.
وثبت أن النبي ? قضى راتبة الفجر مع الفريضة لما نام عن صلاة الفجر في السفر!
والسنة ترك الرواتب في السفر إلا سنة الفجر والوتر؛
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله -: "وكان تعاهده ? ومحافظته على سنة الفجر أشد من جميع النوافل، ولم يكن يدعها هي والوتر سفراً ولا حضراً ... ولم ينقل عنه في السفر أنه صلّى سنة راتبة غيرهما".
وأما التطوع المطلق فمشروع في الحضر والسفر مطلقاً، مثل: صلاة الضحى، والتهجد بالليل، وجميع النوافل المطلقة، والصلوات ذوات الأسباب: كسنة الوضوء، وسنة الطواف، وصلاة الكسوف، وتحية المسجد وغير ذلك!
صلاة الوتر:
سنة مؤكدة: (الوتر حقٌ على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحبَّ أن يوتر بواحدة فليفعل) (صحيح سنن أبي داود)! ولصلاة الوتر فضل عظيم: (إن الله تعالى قد أمدكم بصلاة وهي خير لكم من حُمرِ النَّعم، وهي الوِتر، وجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر) (أبوداود).
ولحديث أُبيّ بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الوتر بـ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، وفي الركعة الثانية بـ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وفي الركعة الثالثة بـ: قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ!
ومن السنة: القنوت في الوتر لحديث الحسن بن عليٍّ رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولها في قنوت الوتر: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلّ من واليت [ولا يعزُُّ من عاديت] () [سبحانك] () تباركت ربنا وتعاليت) ().
وصلاة الضحى من السنن المؤكدة: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلها وأرشد إليها أصحابه، وأوصى بها!
تحية المسجد:
•عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس) رواه مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك
ركعتين عند السفر او القدوم من السفر:
لقوله صلي لله عليه وسلم (ما خلف أحد عند أهله أفضل من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفرا) رواة الطبراني
صلاة التهجد بالليل
لقوله صلي الله عليه وسلم (أفضل صلاة بعد الفريضة صلاة الليل) رواة مسلم
صلاة الوضوء:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لبلال: (يابلال حدثني بأرجي عمل عملته في الإسلام، إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة؟ قال: ما عملت عملاً أرجي عندي من أني لم أتطهر طهوراً في ساعةٍ من ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كُتب لي أن أصلي) رواة البخاري ومسلم
يتبع

ابوالوليد المسلم 02-05-2019 05:04 PM

رد: مرحــبا بـالحبيب الـــوافد (احكام خاصة بالصيام)
 
المحافظة على الصلاة في رمضان

اللجنة العلمية


أسباب الخشوع في الصلاة

33 سبباً للخشوع في الصلاة:

الحرص على ما يجلب الخشوع ويقويه:

1 - الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها: ويحصل ذلك بأمور منها الترديد مع المؤذن والإتيان بالدعاء المشروع بعده، والدعاء بين الأذان والإقامة، وإحسان الوضوء والتسمية قبله والذكر والدعاء بعده. والاعتناء بالسواك وأخذ الزينة باللباس الحسن النظيف، و التبكير والمشي إلى المسجد بسكينة ووقار وانتظار الصلاة، وكذلك تسوية الصفوف والتراص فيها.
2 - الطمأنينة في الصلاة: كان النبي يطمئن حتى يرجع كل عظم إلى موضعه.
3 - تذكر الموت في الصلاة: لقوله: {اذكر الموت في صلاتك، فإن الرجل إذا ذكر الموت في صلاته لحريّ أن يحسن صلاته، وصلّ صلاة رجل لا يظن أنه يصلي غيرها}.
4 - تدبر الآيات المقروءة وبقية أذكار الصلاة والتفاعل معها:
ولا يحصل التدبر إلا بالعلم بمعنى ما يقرأ فيستطيع التفكّر فينتج الدمع والتأثر قال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً [الفرقان:73].
* و مما يعين على التدبر التفاعل مع الآيات بالتسبيح عند المرور بآيات التسبيح و التعوذ عند المرور بآيات التعوذ .. وهكذا.
* ومن التجاوب مع الآيات التأمين بعد الفاتحة وفيه أجر عظيم، قال رسول الله: {إذا أمَّنَ الإمام فأمِّنُوا فإنه مَن وافق تأمِينُهُ تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه} [رواه البخاري]، وكذلك التجاوب مع الإمام في قوله سمع الله لمن حمده، فيقول المأموم: ربنا ولك الحمد وفيه أجر عظيم أيضا.
5 - أن يقطّع قراءته آيةً آية: وذلك أدعى للفهم والتدبر وهي سنة النبي، فكانت قراءته مفسرة حرفا حرفا.
6 - ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها: لقوله تعالى: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4]، ولقوله: {زينوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا} [أخرجه الحاكم].
7 - أن يعلم أن الله يُجيبه في صلاته: قال: {قال الله عز وجل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي فإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين، قال الله: مجّدني عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين، قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل}.
8 - الصلاة إلى سترة والدنو منها:
من الأمور المفيدة لتحصيل الخشوع في الصلاة الاهتمام بالسترة والصلاة إليها، وللدنو من السترة فوائد منها:
* كف البصر عما وراءه، و منع من يجتاز بقربه… و منع الشيطان من المرور أو التعرض لإفساد الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: {إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها حتى لا يقطع الشيطان عليه صلاته} [رواه أبو داود].
9 - وضع اليمنى على اليسرى على الصّدر:
كان النبي إذا قام في الصلاة وضع يده اليمنى على اليسرى و كان يضعهما على الصدر، و الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع.
10 - النظر إلى موضع السجود:
لما ورد عن عائشة أن رسول الله إذا صلى طأطأ رأسه و رمى ببصره نحو الأرض، أما إذا جلس للتشهد فإنه ينظر إلى أصبعه المشيرة وهو يحركها كما صح عنه.
11 - تحريك السبابة: قال النبي: {لهي أشد على الشيطان من الحديد}، و الإشارة بالسبابة تذكّر العبد بوحدانية الله تعالى والإخلاص في العبادة وهذا أعظم شيء يكرهه الشيطان نعوذ بالله منه.
12 - التنويع في السور والآيات والأذكار والأدعية في الصلاة:
وهذا يُشعر المصلي بتجدد المعاني، ويفيده ورود المضامين المتعددة للآيات والأذكار فالتنويع من السنّة وأكمل في الخشوع.
13 - أن يأتي بسجود التلاوة إذا مرّ بموضعه:
قال تعالى: وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً [الإسراء:109]، وقال تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً [مريم:58]، قال رسول الله: {إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار} [رواه مسلم].
14 - الاستعاذة بالله من الشيطان: الشيطان عدو لنا ومن عداوته قيامه بالوسوسة للمصلي كي يذهب خشوعه ويلبِّس عليه صلاته. و الشيطان بمنزلة قاطع الطريق، كلما أراد العبد السير إلى الله تعالى، أراد قطع الطريق عليه، فينبغي للعبد أن يثبت و يصبر، ويلازم ماهو فيه من الذكر و الصلاة و لا يضجر فإنه بملازمة ذلك ينصرف عنه كيد الشيطان: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً [النساء:76].
15 - التأمل في حال السلف في صلاتهم: كان علي بن أبي طالب إذا حضرت الصلاة يتزلزل و يتلون وجهه، فقيل له: ما لك؟ فيقول: جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها و أشفقن منها و حملتُها. و كان سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خديه على لحيته.
16 - معرفة مزايا الخشوع في الصلاة: ومنها قوله: {ما من امريء مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها و خشوعها و ركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة، و ذلك الدهر كله} [رواه مسلم].
17 - الاجتهاد بالدعاء في مواضعه في الصلاة وخصوصا في السجود: قال تعالى: ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً [الأعراف:55]، وقال نبينا الكريم: {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء} [رواه مسلم].
18 - الأذكار الواردة بعد الصلاة: فإنه مما يعين على تثبيت أثر الخشوع في القلب وما حصل من بركة الصلاة.
ثانياً: دفع الموانع والشواغل التي تصرف عن الخشوع وتكدِّر صفوه:
19 - إزالة ما يشغل المصلي من المكان: عن أنس قال: كان قِرام (ستر فيه نقش وقيل ثوب ملوّن) لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي: {أميطي - أزيلي - عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي} [رواه البخاري].
20 - أن لا يصلي في ثوب فيه نقوش أو كتابات أو ألوان أو تصاوير تشغل المصلي:
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قام النبي الله يصلي في خميصة ذات أعلام - وهو كساء مخطط ومربّع - فنظر إلى علمها فلما قضى صلاته قال: {اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة و أتوني بأنبجانيّه - وهي كساء ليس فيه تخطيط ولا تطريز ولا أعلام -، فإنها ألهتني آنفا في صلاتي} [رواه مسلم].
21 - أن لا يصلي وبحضرته طعام يشتهيه: قال: {لا صلاة بحضرة طعام} [رواه مسلم].
22 - أن لا يصلي وهو حاقن أو حاقب: لاشكّ أن مما ينافي الخشوع أن يصلي الشخص وقد حصره البول أو الغائط، ولذلك نهى رسول الله أن يصلي الرجل و هو حاقن: أي الحابس البول، أوحاقب: و هو الحابس للغائط، قال اصلى الله عليه وسلم: {لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان} [صحيح مسلم]، وهذه المدافعة بلا ريب تذهب بالخشوع. ويشمل هذا الحكم أيضا مدافعة الريح.
23 - أن لا يصلي وقد غلبه النّعاس: عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله: {إذا نعس أحدكم في الصلاة فلينم حتى يعلم ما يقول} [رواه البخاري].
24 - أن لا يصلي خلف المتحدث أو النائم: لأن النبي نهى عن ذلك فقال: {لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث} لأن المتحدث يلهي بحديثه، ويشغل المصلي عن صلاته. والنائم قد يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته. فإذا أُمن ذلك فلا تُكره الصلاة خلف النائم والله أعلم.
25 - عدم الانشغال بتسوية الحصى: روى البخاري رحمه الله تعالى عن معيقيب رضي الله عنه: {أن النبي قال في الرجل يسوي التراب حيث يسجد قال: إن كنت فاعلا فواحدة} والعلة في هذا النهي؛ المحافظة على الخشوع ولئلا يكثر العمل في الصلاة. والأَولى إذا كان موضع سجوده يحتاج إلى تسوية فليسوه قبل الدخول في الصلاة.
26 - عدم التشويش بالقراءة على الآخرين: قال رسول الله: {ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة} أو قال (في الصلاة) [رواه أبو داود].
27 - ترك الالتفات في الصلاة: لحديث أبي ذر قال: قال رسول الله: {لا يزال الله عز وجل مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف عنه} وقد سئل رسول الله عن الالتفات في الصلاة فقال: {اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد} [رواه البخاري].
28 - عدم رفع البصر إلى السماء: وقد ورد النهي عن ذلك والوعيد على فعله في قوله: {إذا كان أحدكم في الصلاة فلا يرفع بصره إلى السماء} [رواه أحمد]، واشتد نهي النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك حتى قال: {لينتهنّ عن ذلك أو لتخطفن أبصارهم} [رواه البخاري].
29 - أن لا يبصق أمامه في الصلاة: لأنه مما ينافي الخشوع في الصلاة والأدب مع الله لقوله: {إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قِبَل وجهه فإن الله قِبَل وجهه إذا صلى} [رواه البخاري].
30 - مجاهدة التثاؤب في الصلاة: قال رسول الله: {إذا تثاءَب أحدُكم في الصلاة فليكظِم ما استطاع فإن الشيطان يدخل} [رواه مسلم].
31 - عدم الاختصار في الصلاة: عن أبي هريرة قال: {نهى رسول الله عن الاختصار في الصلاة} والاختصار هو أن يضع يديه على الخصر.
32 - ترك السدل في الصلاة: لما ورد أن رسول الله: {نهى عن السدل في الصلاة وأن يغطي الرجل فاه} [رواه أبو داود] والسدل؛ إرسال الثوب حتى يصيب الأرض.
33 - ترك التشبه بالبهائم: فقد نهى رسول الله في الصلاة عن ثلاث: عن نقر الغراب وافتراش السبع وأن يوطن الرجل المقام الواحد كإيطان البعير، وإبطان البعير: يألف الرجل مكانا معلوما من المسجد مخصوصا به يصلي فيه كالبعير لا يُغير مناخه فيوطنه.
هذا ما تيسر ذكره من الأسباب الجالبة للخشوع لتحصيلها والأسباب المشغلة عنه لتلافيها.
يتبع


الساعة الآن : 06:57 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 479.31 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 477.54 كيلو بايت... تم توفير 1.77 كيلو بايت...بمعدل (0.37%)]