رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الاخير من سورة التوبة كاملا بأسلوب بسيط الآية 111، والآية 112: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ﴾ في مُقابل ذلك: ﴿ الْجَنَّةَ ﴾ وما أعَدَّ اللهُ لهم فيها من النعيم، فهُم ﴿ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ويُقَدِّمون أرواحهم وأموالهم قرباناً إلى ربهم لإعلاء كلمته، بأنْ يُعبَدَ وحده ولا يُعبَد غيره، ﴿ فَيَقْتُلُونَ ﴾ الكفار والمشركين ﴿ وَيُقْتَلُونَ ﴾ أي يَموتون شهداء في سبيل الله. فبهذا وَعَدَهم ربهم بالجنةِ ﴿ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ﴾ الوفاءَ به، ثم أخبر تعالى بأنّ هذا الوعد موجودٌ في أشرف كُتُبِهِ المُنَزَّلة، فهو مَذكورٌ ﴿ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ ﴾ التي جاء بها أكْمَل الرسل ﴿ أولو العَزم ﴾، وكلها اتفقتْ على هذا الوعد الصادق، ﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾: يعني ولا أحد أصْدَق - ولا أقدَر - مِن اللهِ تعالى في الوفاء بما وَعَدَ به، ﴿ فَاسْتَبْشِرُوا ﴾ أي فافرَحوا - أيها المؤمنون - ﴿ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ ﴾ اللهَ ﴿ بِهِ ﴾، وبما وَعَدَكم به تعالى من النعيم الأبدي، ﴿ وَذَلِكَ ﴾ البيع ﴿ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾. ومن صفات هؤلاء المؤمنين الذين بَشَّرَهم اللهُ بالجنة أنهم هم ﴿ التَّائِبُونَ ﴾ الذين رجعوا عَمَّا كَرِهَهُ الله إلى ما يحبه ويرضاه، ﴿ الْعَابِدُونَ ﴾ الذين أخلصوا العبادةَ للهِ وحده،واجتهدوا في طاعته (بِحُبٍّ كامل مع ذلٍ تام، وذلك باستشعار نِعَمِهِ وذنوبهم)، ﴿ الْحَامِدُونَ ﴾ الذين يَحمدون اللهَ على كل ما امتحنهم به من خيرٍ أو شر، قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: (عَجَباً لأمْر المؤمن، إنّ أمْرَهُ كله خير، وليس ذاكَ لأحدٍ إلا للمؤمن، إنْ أصابتْهُ سَرَّاءُ شَكَر، فكان خيراً له، وإنْ أصابتْهُ ضَرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له). وهم﴿ السَّائِحُونَ ﴾ أي الصائمون، ﴿ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ ﴾ أي المقيمون الصلاة، المُكثِرون من نوافلها (فكأنهم دائماً في ركوع وسجود)، وهم ﴿ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ بالحكمة والموعظة الحسنة ﴿ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ بشرط ألاَّ يتسبب إنكارهم للمُنكَر في مُنكرٍ أكبر منه، ﴿ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾ أي القائمون على طاعة الله، الواقفون عند حدوده، ﴿ وَبَشِّرِ ﴾- أيها النبي - هؤلاء ﴿ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ المتصفين بهذه الصفات بالنصر والتأييد في الدنيا، وبدخول الجنة في الآخرة. الآية 113: ﴿ مَا كَانَ ﴾ ينبغي ﴿ لِلنَّبِيِّ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ معه ﴿ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ﴾ أي ولو كانوا أصحابَ قرابةٍ لهم ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا ﴾ ماتوا على الشِرك، و﴿ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ﴾، فقد قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾، وقال سبحانه: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ﴾. الآية 114: ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ﴾ المُشرك ﴿ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴾ وهي قوله له: ﴿ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾، ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ ﴾: أي فلماتبيَّن لإبراهيم أنَّ أباه يُعادِي اللهَ تعالى، وأنه لن ينفع معه الوعظ والتذكير، وأنه سيموتُكافرًا: ﴿ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ وتَرَك الاستغفار له، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ ﴾ أي كثيرالتضرع إلى اللهِ تعالى، فلذلك وَعَدَ أباه بالاستغفار له، ﴿ حَلِيمٌ ﴾ أي كثير العفو عن أذى الناس وأخطائهم. الآية 115: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ ﴾ ولا يُعذبهم بأفعالهم ﴿ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ﴾ أي حتى يُبيِّنلهم الحلال والحرام لكي يتقوه، فإذا لم يتقوه - بعد أن عَلَّمَهم وأقامَ الحُجَّة عليهم- أضَلَّهم سبحانه بِعَدْلِهِ وحِكمته، ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فلا يُضِلُّ سبحانه إلا مَن عَلِمَ أنه يَستحق الضلال، كما أنه لا يَهدي إلا مَن عَلِمَ أنه يَستحق الهداية. الآية 116: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ وما فيهنّ، لا شريك له في الخلق والتدبير والعبادةوالتشريع، ﴿ يُحْيِي ﴾ مَن يشاء ﴿ وَيُمِيتُ ﴾ مَن يشاء، وذلك لِكَمَال قدرته وعظيمِ سُلطانه ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾ يتولىأموركم ﴿ وَلَا نَصِيرٍ ﴾ يَنصركم على عَدُوِّكم، فلِذا وَجَبَتْ طاعته والتوكل عليه وحده، وحَرُمَ تَعَلُّق القلب بغيرهِ مِن سائر خَلقه. الآية 117: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ ﴾ أي الذين خرجوا معه لقتال الأعداء في غزوة "تَبُوك" في شدة الحر والجوع والعطش، فلقد تاب سبحانه على هؤلاء المؤمنين ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ﴾: أي مِن بعد ماكاد يَميل قلوب بعضهم إلى التكاسل عن الجهاد والتخلف عنه، وذلك لشدة الحال وصعوبة الموقف، ولكنّ اللهَ ثبَّتهموقوَّاهم، ووفقهم للتوبة والرجوع عن ذلك. قال ابن عباس رضي الله عنهما - ما مُختَصَره -: (كانت التوبة على النبي صلى الله عليه وسلم بسبب إذنه للمنافقين في القعود، ودليل ذلك قوله تعالى:﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾؟، وكانت التوبة على المؤمنين مِن مَيل قلوب بعضهم إلى التخلف عنه ﴾،﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ﴾ أي ثم قَبِلَ سبحانه توبتهم بعد أن وفقهم إليها وأعانهم عليها ﴿ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. الآية 118، والآية 119: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ ﴾: يعني وكذلك تاب سبحانه على الثلاثة ﴿ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾: أي الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليهوسلم بغير عُذر - وهم كعب بن مالكوهلال بن أُميَّة ومُرَارة بن الربيع - وقد تأخر هؤلاء الثلاثة في توبتهم ﴿ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾: أي حتى إذا ضاقت عليهم الأرض رغم اتِّساعها، وذلك بسبب هَجْر الناس لهم (حتى زوجاتهم)، وذلك بأمْرٍ من النبي صلى الله عليه وسلم حتى يَحكم اللهُ فيهم، ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾: أي وضاقت صدورهم لِمَا أصابها من الحُزن والغمًّ بسبب تخلفهم عن الجهاد، ﴿ وَظَنُّوا ﴾ يعني وأيْقَنوا ﴿ أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ﴾ فحينئذٍ تعلقتْ قلوبهم بخالقهم وحده، وظلوا على هذه الشِدَّة نَحْوَ خمسين ليلة، ﴿ ثُمَّ تَابَ ﴾ سبحانه ﴿ عَلَيْهِمْ ﴾ أي أَذِنَ لهم بالتوبة ووفقهم لها ﴿ لِيَتُوبُوا ﴾ أي لِتَقَع منهم فيَقبلها ﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾. إذ التوبة مِن اللهِ على العبد تتضمن إذنَهُ له بالتوبة، وأن يُوَفقه إلى فِعلها على الوجه الذي يحبه سبحانه، وأن يُعينه عليها ويُثبته، وأن يُكَرِّهَ إليه المعاصي ويُحَبِّبَ إليه الطاعات، ثم يَقبلها منه (فاللهم تُب علينا توبةً نَصوحاً تُرضيك عنا). واعلم أنّ هؤلاء الثلاثة لم يَعتذروا للنبي صلى الله عليه وسلم عن تخلفهم خوفاً من الكذب، فلَمَّا تابَ اللهُ عليهم: جعلهم مثلاً للصِدق، ودعا المؤمنين أن يكونوا معهم فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ ﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ في توبتهم ونيَّاتهم وأقوالهم وأعمالهم، لتكونوا معهم في جنات النعيم. الآية 120: ﴿ مَا كَانَ ﴾ ينبغي ﴿ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا ﴾ في أهلهم وديارهم ﴿ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ ﴿ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ﴾: يعني ولاينبغي أن يَرضوا لأنفسهم بالراحة والرسول في تعبٍ ومَشَقة؛ ﴿ ذَلِكَ ﴾ - أي نَهْي المؤمنين عن التخلف والراحة - ﴿ بِأَنَّهُمْ ﴾ أي بسبب أنهم ﴿ لَا يُصِيبُهُمْ ﴾ في سَفرهم وجهادهم ﴿ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ ﴾: أي عطش ولا تعب ولا جُوع ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ﴿ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ ﴾: أي ولا يَنزلونأرضًاً من أرض العدو يَغتاظ الكفارُ لنزولهم فيها، ﴿ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ﴾: أي ولا يُصيبون مِن عَدُوّ اللهِ قتلاً أو أَسْراً أوهزيمةً ﴿ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ﴾ فلهذا لا ينبغي لهم أن يَتخلفوا حتى لا يَفوتهم هذا الأجر العظيم، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾. الآية 121: ﴿ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً ﴾ في سبيل الله، ﴿ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا ﴾ في سَيْرِهِممع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جهاده (ذاهبين إلى العدو أو راجعين): ﴿ إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ﴾ أجْرُ عملهم ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ في الآخرة - على نفقتهم وتعبهم في جهادهم - ﴿ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ أي بمِثل جزاء أحسن عمل كانوا يعملونه قبل خروجهم في سبيل الله. الآية 122: ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً ﴾: يعني وما كان ينبغي للمؤمنين أن يَخرجوا جميعًا لقتال عدوِّهم، كما لا يَصِحّ لهمأن يقعدوا جميعًا، ﴿ فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ ﴾: يعني أفلا يَخْرُج مِن كل قبيلةٍ منهم جماعة واحدة تحصل بها الكفاية والمقصود؟،و﴿ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾: أي ولِيَتعلم هؤلاء المجاهدون أحكام الدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء جهادهم معه، ﴿ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ﴾ عَواقب الشِرك والمعاصي ﴿ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ﴾ من الجهاد ﴿ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ عذابَ الله بامتثال أوامره واجتنابنواهيه (فهذا خيرٌ للمسلمين مِن أن يَخرجوا جميعاً ). واعلم أن هذه الآية نزلت عندما عَلِمَ المسلمون نتائج التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: (لن نتخلف بعد اليوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً)، فأنزل اللهُ تعالى هذه الآية يُرشدهم إلى ما هو خيرٌ لهم في دينهم ودُنياهم. الآية 123: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ﴾ أي ابدؤوا بقتال الأقربفالأقرب إلى دار الإسلام من الكفار، ﴿ وَلْيَجِدُوا ﴾ يعني ولْيَجِد الكفار ﴿ فِيكُمْ غِلْظَةً ﴾ وشدة، حتى تُدخِلوا بذلك الرعبفي قلوب المشركين في أنحاء الأرض، لِيَكُفوا عن شَرِّهم وفسادهم وتضعف قوتهم ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ بنصره وتأييده، ألاَ فاتقوهُ سبحانه لِيَنصركم على أعدائكم. الآية 124، والآية 125: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ﴾ على الرسول صلى الله عليه وسلم، ﴿ فَمِنْهُمْ ﴾: يعني فمِن هؤلاء المنافقين ﴿ مَنْ يَقُولُ ﴾ - إنكارًا واستهزاءً -: ﴿ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ ﴾ السورة ﴿ إِيمَانًا ﴾ باللهِ وآياته؟﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ بتعَلُّمِهاوتَدَبُّرها وتلاوتها والعمل بها، ﴿ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾: أي وهم يَفرحون بما أعطاهم اللهُ من الإيمانواليقين، ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ أي نفاق وشك في دين الله ﴿ فَزَادَتْهُمْ ﴾ هذه السورة ﴿ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ ﴾ أي نفاقًاوشَكّاً إلى ما هم عليه من النفاق والشك، ﴿ وَ ﴾ طبع اللهُ على قلوبهم حتى ﴿ مَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾. الآية 126: ﴿ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ ﴾: يعني أوَلاَ يرى هؤلاء المنافقون أنّ اللهَ يَمتحنهم بالجهاد، ويَبتليهم بالفتن، ويَفضح نفاقهم ﴿ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ﴾؟ ﴿ ثُمَّ ﴾ هم مع ذلك ﴿ لَا يَتُوبُونَ ﴾ مِن كُفرهم ونفاقهم،﴿ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾: أي ولا هم يَتعظون بما يُشاهدونه من آيات الله تعالى، وبما يَرونه من تحقيق وَعْدِ اللهِ بالنصر للمسلمين على أعدائهم. الآية 127: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ أي تغَامَزَ المنافقون بالعيون سُخريَةً بنزولها، وغيظًاً مِمَا نزل فيها مِن ذِكْر عيوبهم وأفعالهم، ثم يقولون لبعضهم: ﴿ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ إن قمتم مِن عند محمد؟ فإن لم يَرَهم أحد: قاموا ﴿ ثُمَّ انْصَرَفُوا ﴾ مِن عِنده عليهالصلاة والسلام خوفاً من الفضيحة، فكانَ جزاؤهم أنْ ﴿ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ عن الهدى؛ ﴿ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ﴾: أي بسبب أنهم لايريدون أن يَفهموا آيات القرآن وما تهدي إليه، وذلك لِظُلمة قلوبهم وخُبث نفوسهم. الآية 128: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ ﴾ أيها المؤمنون ﴿ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي عَرَبيٌ مِن جِنسِكُم، ﴿ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ ﴾: أي يَشُقّ عليه ما تَلقَوْنَ مِن المَكروهوالمَشقة، ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ ﴾: أي حريصٌ على هِدايتكم وصَلاح شأنكم في الدنيا والآخرة، وهو ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. الآية 129: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾: يعني فإن أعرض المشركون والمنافقون عن الإيمان بك - أيها الرسول - ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم: ﴿ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾: أي يَكفيني سبحانه جميع ما أهمَّني، ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾: أي لا معبود بحقٍ إلا هو، ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ يعني عليه وحده اعتمدت، وإليهفَوَّضْتُ جميع أموري، فإنه ناصري ومُعيني ﴿ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾. [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرةمن (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (إشراف التركي )، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذيليس تحته خط فهو تفسير الآية الكريمة. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍيَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذاالأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (َعنىواضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلماتالتي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأول من سورة يونس كاملا بأسلوب بسيط الآية 1: ﴿ الر ﴾: سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة، فراجِعْها إنْ شِئت. ﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ يعني: هذه هي آيات الكتاب المُشتمِل على الحِكَم العظيمة، المُحكَم الذي لا يَأتيه الباطل. الآية 2: ﴿ أَكَانَ لِلنَّاسِ ﴾ أمْرًا ﴿ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ ﴾ وهو محمد صلى الله عليه وسلم، الذي أوحينا إليه ﴿ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ ﴾ عقابَ اللهِ تعالى ﴿ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ ﴾ يعني إنّ لهم أجرًا حسنًاً - بما قدَّموه من الإيمان والعمل الصالح -، يَلقونه ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ في الدار الآخرة؟ فلَمَّا جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الوَحْي وتَلاهُ عليهم: ﴿ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ﴾: أي قال المُنكِرون: إنَّ محمدًا ساحر، وما جاء به سِحرٌ واضح، وقد كَذَبوا في ذلك، فإنه لو كانَ ساحراً، لَسَحَرَهم لِيؤمنوا به، حتى يستريحَ هو وأصحابه من ذلك الإيذاء والتعذيب الذي يَلقونه منهم، وحتى لا يُخرجوهم مِن بلدهم وديارهم وأموالهم كما فعلوا. وكذلك فإنه لو كانَ ساحراً، لَعَلِمَ السَحَرة على عهده أنه ساحر (كَلَبِيد بن الأعصم اليهودي وغيره)، ولَفَضَحوا حقيقته أمام الناس، فلَمَّا لم يفعلوا - رغم ما يَحدث للنبي من معجزاتٍ عظيمة (كانشقاق القمر وغيرها)، ورغم ما للقرآن من بلاغةٍ وقوةٍ في البيان، ورغم عَجْز السَحَرة والمشركين في أن يَأتوا بمِثل ما أتى به - عُلِمَ أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسولٌ من عند الله يُوحَى إليه. الآية 3: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ ﴾ أيها الناس هو ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى ﴾ - أي عَلا وارتفع - ﴿ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ استواءً يَليقُ بجلاله وعظمته، ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾: أي يُدَبِّر أمورَ خلقه، ولا يُعارضه في قضائه أحد، ﴿ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾: أي لا يَشفع عنده شافع يوم القيامة إلا مِن بعد أن يَأذن له بالشفاعة (وذلك لِعَظَمته وعزة سلطانه)، فكيف إذاً تعبدونَ - أيها المشركون - هذه الأصنام وتنتظرون شفاعتِها لكم؟! ﴿ ذَلِكُمُ ﴾ أي المُتصِّف بهذه الصفات - الخَلق والتدبير والعُلُوّ والعظمة - هو ﴿ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ المستحق وحده للعبادة ﴿ فَاعْبُدُوهُ ﴾ ولا تُشرِكوا به شيئاً من مخلوقاته، ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾: يعني أفلا تتعظون وتتفكَّرونَ فيما ينفعكم؟ الآية 4: ﴿ إِلَيْهِ ﴾ سبحانه ﴿ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا ﴾ يوم القيامة للحساب والجزاء ﴿ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ﴾: أي وبهذا وَعَدَكُم اللهُ وعداً حقاً، لابد مِن إتمامه، إذ ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ﴾: أي هو وحده الذي يستطيعُ أن يَبدأ إيجاد الخلق من العدم ﴿ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ - كهيئته الأولى - بعد الموت (فالقادرُ على ابتداء الخلق: قادرٌ على إعادته). ثم وَضَّحَ سبحانه الحِكمة من البَعث يوم القيامة، فقال: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ ﴾ أي لِيَجزيهم - على إيمانهم وأعمالهم الصالحة - جزاءً قد بَيَّنَهُ سبحانه لعباده، وأخبَرَهم أنه قد أَخفَى لهم من النعيم ما بِهِ تقِرُّ أعينهم وتَسعَدُ قلوبهم)، ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ ﴾ أي شرابٌ مِن ماءٍ شديد الحرارة، يَشوي الوجوه ويُقَطِّع الأمعاء، ﴿ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ من مُختلَف أصناف العذاب، جزاءً ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ (وهذا من تمام عَدْلِهِ سبحانه، إذ إنه لو تَرَكَ الناسَ بغير جزاء، لاستوى العاصي والمُطيع، وربما كان بعضُ العاصين - في هذه الدنيا - أحسنَ حالاً من المُطيعين، فكانَ من الحِكمة أن يَلقى كُلُّ عاملٍ جزاءَ عمله). وقد خَصَّ سبحانه جزاء المؤمنين بقوله: ﴿ بالقِسط ﴾ أي بالعدل، مع أن الجزاء كله عدل - بل ربما كانت الزيادة في ثواب المؤمنين فضلاً زائداً على العدل - وذلك لإشعار المؤمنين بأنّ جزاءهم قد استحقوه بما عملوا، وليس تفَضُّلاً منه سبحانه عليهم، وهذا مِن أعظم الكرم. واعلم أنه سبحانه قد خَصَّ شراب الحميم بالذِكر - من بين أنواع العذاب - لأنه أكْرَه أنواع العذاب على النفوس، ولأنهم سيكونون - لِشِدَّة عطشهم - في أشد الحاجة إلى الماء، فيضطرون إلى شُربه رغم سخونته وغليانه، فيكونُ ذلك ذلاً وإهانةً لهم، واللهُ أعلم. الآية 5: ﴿ هُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا ﴾ (والفرق بين الضياء والنور: أن الضياء هو الضوء الصادر مِن مصدره مُباشرَةً، فيكون الجسم مُضِيء بذاته، وأما النور: فهو الضوء المنعكس عن مصدر معين، فالقمر ليس مُنيراً بذاته، بل بانعكاس ضوء الشمس عليه، ولعل هذا يُفسر قوله تعالى: ﴿ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ﴾، فآية الليل هي القمر، فجعله اللهُ تعالى مُظلماً، وجعل آية النهار - وهي الشمس - مضيئة، فاستفاد القمر من ضيائها فأصبح مُنيراً، واللهُ أعلم. ﴿ وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ ﴾: أي وجعل للقمر منازل يَسيرُ فيها، (والمراد بالمنازل هنا: المواقع التي يَظهر فيها القمر في كل ليلة من الشهر، وهي ثمانية وعشرون مَنزلة، يَنتقل فيها القمر مِن هلال إلى بدر، ثم يعودُ إلى هلال مرة أخرى، وهكذا). وقد فعل سبحانه ذلك ﴿ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ﴾ إذ إنه بالقمر تُعرَفُ الأيام والشهور، ﴿ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾: أي ما خَلَقَ اللهُ تعالى الشمس والقمر إلا لِحِكمةٍ عظيمة (لأنّ عظمة هذه المخلوقات تدل على عظمة خالقها وكمال قدرته)، (وما فيها من الانتظام والإتقان والإحكام يدل على كمال حِكمته)، (وما فيها من المنافع الضرورية لِخَلقه يدل على سِعَة رحمته بالخلق، وعلى سِعَة عِلمه بمصالحهم، وأنه الإله الحق الذي يَجب أن يُعبَد ولا يُعبَد سواه)، ﴿ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ ﴾ أي يُبَيِّن سبحانه الحُجَج والأدلة ﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ أي يَعلمونَ الحِكمة من إبداع الخلق، فلذلك يَتَّبعون الحق - بمجرد ظهوره - ولا يَتَّبعونَ أهوائهم. الآية 6: ﴿ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ مِن الطُول والقِصَر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يَخلُف كلٌّ منهما الآخر، ﴿ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ من عجائب المخلوقات، وما فيهما أيضاً من إبداعٍ ونظام: ﴿ لَآَيَاتٍ ﴾ أي علامات واضحة تدل على عظمة الخالق سبحانه، وعلى كماله وجماله وقوة سلطانه، فلذلك يَجب أن يُعبَدَ سبحانه بِحُبِّه غاية الحب، وبالخوف منه غاية الخوف، وبالرجاء - في رحمته - غاية الرجاء، وأن يُذكَرَ فلا يُنسَى، وأن يُشكَرَ فلا يُكفَر، وأن يُطاعَ فلا يُعصَى، ولذلك قال بعدها: ﴿ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ﴾ يعني إنَّ الذين يَنتفعونَ بهذه الآيات هم الذين يَتقون عذابَ اللهِ وسخطه، فيفعلون أوامره ويجتنبونَ مَعاصيه. الآية 7، والآية 8: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾: أي لا يَنتظرون لقائنا في الآخرة للحساب والجزاء لأنهم لا يؤمنون بذلك، ﴿ وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ عِوَضًا عن الآخرة ﴿ وَاطْمَأَنُّوا بِهَا ﴾ وأحَبُّوها ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾ أي لا يَلتفتون إلى آيات القرآن وحُجَجه، ولا يَتفكرون في آيات اللهِ الكونية ﴿ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾ أي مَقرُّهم نارُ جهنم; جزاءً ﴿ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ في حياتهم من الشرك والمعاصي. الآية 9، والآية 10: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ ﴾ أي يُوفقهم ربهم إلى العمل المُوصِل إلى جَنَّته بسبب إيمانهم، ثم يُثِيبهم بدخول الجنة، ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾ أي تجري الأنهار مِن تحت بَساتينهم وقصورهم ﴿ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴾، ﴿ دَعْوَاهُمْ فِيهَا ﴾ أي يَطلبون ما يَشاءونه فيها بكلمة: ﴿ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ ﴾ وهو ثناءٌ على اللهِ تعالى، والغرض منه: طلب إفاضة النعيم من الطعام والشراب وغيره، ﴿ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا ﴾ أي وتحية اللهِ وملائكته لهم - وكذلك تحية بعضهم لبعضٍ في الجنة - هي قولهم: ﴿ سَلَامٌ ﴾، ﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ﴾ يعني: وآخر دعائهم - بعد انتهائهم من الطعام والشراب الذي طلبوه - هو قولهم: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أي الشُكر والثناء للهِ ﴿ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الثاني من سورة يونس كاملا بأسلوب بسيط الآية 11: ﴿ وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ ﴾: يعني ولو يُعَجِّلُ اللهُ للناس إجابة دعائهم على أنفسهم بالشر كتعجيله لهم في إجابة دعائهم بالخير: ﴿ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ ﴾ أي لَهَلَكوا وماتوا، ولكنه سبحانه رؤوفٌ حليم، (واعلم أنه يَدخل في ذلك أيضاً: أفعال العباد التي تقتضي تعجيل العقوبة لهم في الدنيا قبل الآخرة، ولكنه سبحانه يُمهلهم ولا يُهملهم، ويَعفو عن كثيرٍ من حقوقه، فلو يُؤاخذهم سبحانه بما كسبوا، ما ترَكَ على الأرض مِن دابَّة). ومِن ذلكَ أيضاً: استعجالُ بعض المشركين بالعذاب في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ﴾، فهو سبحانه لم يُعَجِّل للمشركين العذاب والشر في الدنيا استدراجاً لهم، لِيَزدادوا ضلالاً، فيَستحقوا بذلك عذاب الآخرة، ولذلك قال بعدها: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ ﴾: أي فنترك الذين لا يؤمنون بلقائنا في تمرُّدهم وظلمهم وكُفرهم ﴿ يَعْمَهُونَ ﴾ أي يَترددون حائرين كالعُميان، لا يَجدون مَخرجاً مما هم فيه من الضلال والعَمَى. واعلم أنّ لفظ (الناس) الموجود في الآية هو اسمٌ عام لجميع الناس، ولكنْ لَمَّا كان الكلام على المشركين في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ﴾، ولَمَّا كانوا هم أول المستحقين للشر من الناس: قال تعالى بعدها: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾. الآية 12: ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ ﴾ أي استغاثَ بنا - لِنَكشف عنه شِدَّتَه - سواء كانَ مُضطجعًا على جنبه ﴿ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا ﴾ وذلك على حسب الحال التي يكونُ بها عند نزول البلاء به، ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ ﴾ أي استمرَّ على ما كانَ عليه من الغفلة والجحود قبل أن يُصيبه الضر، ونَسِيَ ما كان فيه من الشدة والبلاء، وترَكَ الشُكر لربه الذي فرَّج عنه كَرْبَه، كأنه لم يَكن هو ذاكَ الذي دعا بكَشْف ضُرِّه، ﴿ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾: يعني وكما زُيِّن لهذا الإنسان استمراره على جُحوده وعِناده بعد أن كَشَفَ اللهُ الضُرَّ عنه، فكذلك زُيِّنَتْ أعمال المُسرِفينَ على أنفسهم بالشِرك والمعاصي، فرأوها حسنة ﴿ فإنهم يَدعون اللهَ وحده وقت الشدة، ويُشركون به وقت الرخاء ﴾. الآية 13: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ ﴾ أي الأمم التي كانت ﴿ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ - أيها المشركون - ﴿ لَمَّا ظَلَمُوا ﴾ يعني لمَّا أشركوا، ﴿ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ أي بالمعجزات الواضحات من عند اللهِ تعالى، وبالحُجَج التي تبَيِّن صِدق مَن جاء بها ﴿ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾: أي فلم تكن هذه الأمم التي أهلكناها لِتُصَدِّقَ رُسُلها وتنقاد لها، فاستحقوا الهلاك، و ﴿ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ﴾: يعني وبِمِثل ذلك الإهلاك نَجزي كل مُجرم مُتجاوز لحدود اللهِ تعالى. الآية 14: ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ ﴾ - أيها الناس - ﴿ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ أي تَخلُفونهم بعد هَلاكهم ﴿ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ ثم نُجازيكم على أعمالكم. الآية 15: ﴿ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا ﴾ القرآنية ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ أي واضحات: ﴿ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ﴾: أي قال المُنكِرون للبعث: ﴿ ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا ﴾ ﴿ أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ بأن تجعل الحلال حرامًا، والحرام حلالاً، وألاّ تَذكُر ما في القرآن مِن عيبٍ لآلهتنا واتِّهامٍ لنا بضَعف العقول، ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾ أي مِن عند نفسي ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ ﴾ يعني وما أتَّبع في كل ما آمُرُكم به وأنهاكم عنه ﴿ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ من ربي، ﴿ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي ﴾ بتبديل كلامه ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهو عذابُ يوم القيامة. الآية 16: ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ﴾ أي لو شاء اللهُ ألاَّ أتلو عليكم هذا القرآن، لَمَا أرسلني به إليكم، ولَبَقِيتُ على الحالة التي كنتُ عليها مِن أول عمري ﴿ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ﴾: أي فإنكم تعلمون أنني مَكثتُ فيكم مدة طويلة - وهي أربعون سنة - قبل أن يُوحيه إليَّ ربي، ويأمرني بإبلاغه. وأنتم تعلمونَ أيضاً أنني عِشتُ بينكم أُمِّياً، لا أقرأ ولا أكتب، ولم أشتهر يوماً ما بالبلاغة أو الخطابة أو الحِكمة أو قوة البيان، فدَلّ ذلك على أنّ هذا القرآن الذي تلوتُهُ عليكم، والذي أعْجَزَ أهل اللغة كلهم - رغم براعتهم في الفصاحة والبلاغة - هو وَحْيٌ من عند الله. ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾: يعني أفلا تستعملون عقولكم لِتعلموا أنّ تلاوته صلى الله عليه وسلم للقرآن هي دليل رسالته؟، إذ لو كان قد اشتهر قبل الوحي بالعِلم والبلاغة، لكانت حالته بعد الوحي معتادة، ولم يكن فيها إعجاز، فدَلَّ عدم تشابه الحالين على أنّ هذا الحال الأخير هو حال رباني خالِص، وأنّ هذا القرآن هو كلامُ اللهِ تعالى. الآية 17: ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾: يعني فلا أحد أشد ظلمًا ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ - بأنْ زَعَمَ أنّ له ولدٌ أو شركاء - ﴿ أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ ﴾ الواضحة، ﴿ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ﴾: يعني إنّ الذين أجرموا على أنفسهم بالشِرك والمعاصي لا يَنالون الفوز والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة. الآية 18: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ ﴾ إن لم يَعبدوه، ﴿ وَلَا يَنْفَعُهُمْ ﴾ في الدنيا والآخرةِ إنْ عَبَدوه، ﴿ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ يعني إنما نَعبدهم ليَشفعوا لنا عند الله، ﴿ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني أتُخبِرون اللهَ تعالى - مِن أمر هؤلاء الشفعاء - بشيءٍ لا يَعلمه في السماوات أو في الأرض؟ فإنه لو كان فيهما شفعاء يَشفعون لكم عنده، لَكانَ أعلم بهم منكم، ولَأمَرَكم بعبادتهم ليُقرِّبوكم إليه، ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾. الآية 19: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي جماعة واحدة مُتفقين على التوحيد الذي فَطَرَهم اللهُ عليه، ﴿ فَاخْتَلَفُوا ﴾: أي فتفرَّقوا، بأنْ ثَبَتَ بعضهم على التوحيد، وأصَرّ بعضهم على الشِرك، ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾ بإمهال العاصين وعدم معاجلتهم بالعقوبة: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي لَقَضى اللهُ بين الناس ﴿ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ بأن يُهْلك أهل الباطل في الدنيا، ويُنَجِّي أهل الحق. الآية 20: ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾: يعني أفلا تنزِل على محمد معجزة حِسِّيَّة مِن عند ربه لِنَعلم بها صِدقه فيما يقول؟، ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ﴾: أي لا يَعلم الغيب إلا الله، فلو شاءَ سبحانه أن يَفعل ما طلبتم لَفعَلَ، وإن لم يَشأ لم يَفعل، ﴿ فَانْتَظِرُوا ﴾ - أيها المُعانِدون - قضاءَ اللهِ تعالى بنَصْر مَن على الحق مِنّا ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ وعلى يقينٍ مِن أنّ اللهَ سينصرني عليكم. الآية 21: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾: يعني وإذا أذقنا المشركين فرجًا ورخاءً بعد كربٍ وشدةٍ أصابتهم: ﴿ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا ﴾:يعني إذا هم يُكَذِّبون، ويَستهزئون بآياتنا، ﴿ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ﴾ بكم وأسرع استدراجًا لكم، فـ ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا ﴾ أي ملائكتنا الحافظين ﴿ يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ أي يَكتبون عليكم تكذيبكم واستهزائكم وأنتم لا تشعرون ﴿ فكتابة الملائكة لِمَكْرهم: دليلٌ على مَكْر اللهِ تعالى بهم، إذ يُبَيِّتُ لهم المَكْر الذي يريد أن يُجازيهم به على مَكْرِهم ﴾. الآية 22: ﴿ هُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ ﴾ - أيها الناس - ﴿ فِي الْبَرِّ ﴾ على الدَوَابّ وغيرها، ﴿ وَالْبَحْرِ ﴾ يعني ويُسَيِّرُكم في البحر في السُّفُن، ﴿ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ ﴾ أي في السُفن ﴿ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا ﴾:أي وجَرَتْ السُفن بريحٍ طيبة، وفرح رُكَّابها بهذه الريح الطيبة: ﴿ جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ ﴾ أي جاءت هذه السُفن ريحٌ شديدة ﴿ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ﴾: أي وأيقنوا أنّ الهلاك قد أحاط بهم: ﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾: أي أخلصوا الدعاءَ للهِ وحده، ونَسوا ما كانوا يَعبدون من دونه، فقالوا: ﴿ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا ﴾ يارب ﴿ مِنْ هَذِهِ ﴾ الشدة التي نحن فيها ﴿ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾: أي سنكونُ مِن الشاكرينَ لك على نِعَمك، فلا نُشرِك بك ولا نَعصيك. الآية 23: ﴿ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ ﴾ اللهُ من الأهوال والشدائد: ﴿ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ يعني إذا هم يُفسدون في الأرض بالظلم وبالمعاصي، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ يعني إنما عاقبة ظُلمكم ومَعاصيكم راجعةٌ على أنفسكم، فإنكم تُمَتَّعون ﴿ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الزائلة ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ ﴾ ﴿ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، ثم نحاسبكم على أعمالكم. فالعبدُ لابد أن يَعلم أنه مهما طالَ عُمره، فإنه سيَرجع يوماً إلى ربه، ليَسأله على الصغير والكبير، على كل نعمةٍ وكل ذنب، ألاَ فلْيُعِدّ جواباً لسؤال الملك القهار، وذلك بكثرة الحمد والاستغفار، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ﴾. الآية 24: ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وما فيها مِن زينةٍ وأموال وغير ذلك: ﴿ كَمَاءٍ ﴾ أي كَمَثَل مطر ﴿ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ ﴿ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ﴾ أي فنَبتتْ بهذا المطر أنواع كثيرة من النباتات التي نَمَتْ وازدهرتْ حتى اشتبك بعضها ببعض، وأثمرتْ الكثير مِن مُختلَف الحبوب والثمار ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ ﴾. ﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾: أي حتى إذا ظهر حُسْنُ وبهاء هذه الأرض (المزروعة)، ونضجتْ ثمارها ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾: أي وظن أهل هذه الأرض أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها: ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾: أي جاءها قضاؤنا بهلاك ما عليها من النبات والثمار ﴿ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ﴾ ﴿ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا ﴾: أي فجعلنا هذه النباتات والأشجار محصودة مقطوعة لا شيءَ فيها ﴿ كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ ﴾: أي كأنها لم تكن قائمة على وجه الأرض بالأمس ﴿ فكذلك يأتي الفناء على دُنياكم، فيُهلِكها اللهُ تعالى في لحظةٍ خاطفةٍ من ليلٍ أو نهار ﴾. ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ ﴾: يعني وَكَما بَيَّنا لكم - أيها الناس - مَثَل هذه الدنيا وعرَّفناكم بحقيقتها، فكذلك نُبيِّن أدلتنا ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ في آيات اللهِ تعالى، فيَجتهدوا في فِعل ما يَنفعهم في الدنيا والآخرة. الآية 25: ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾: يعني واللهُ يَدعوكم إلى جناته التي أعَدَّها لأوليائه، ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ مِن خَلْقه فيُوفقه ﴿ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أي إلى الطريق الواضح الذي لا عِوَجَ فيه، وهو الإسلام. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري ) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] تفسير الربع الثالث من سورة يونس كاملا بأسلوب بسيطرامي حنفي محمود الآية 26: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾: يعني إنّ المحسنين - الذين اتقوا ربهم، وعَبَدوه بما شَرَع، وأحسَنوا معاملة خَلقِه - أولئك لهم ﴿ الْحُسْنَى ﴾ أي الجنة ﴿ وَزِيَادَةٌ ﴾ عليها (وهي النظر إلى وجه اللهِ تعالى في الجنة)، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في صحيح مسلم -: (إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ، يقول اللهُ تعالى: تريدون شيئاً أَزِيدُكُم؟، فيقولون: ألم تُبَيِّض وجوهنا؟ ألم تُدخِلنا الجنة وتنجنا من النار؟، قال: فيُرفَعُ الحجاب، فيَنظرون إلى وجه الله، فما أُعْطُوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم)، ثم تَلا صلى الله عليه وسلم: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾. ﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ﴾: أي ولا يُغَطي وجوههم حُزنٌ ولا كآبة ﴿ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾، بل يَملأها الفرح والسرور، ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. الآية 27: ﴿ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ ﴾ - مِن ذنوب الشِرك والمعاصي - فـ ﴿ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا ﴾ أي لهم جزاءٌ يَسُوؤهم في جهنم بحسب السيئات التي عملوها، ﴿ وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ﴾: أي ويُغطي وجوههم ذلٌ ومَهانة، ﴿ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ﴾: أي ليس لهم مِن مانعٍ يَمنعهم مِن عذاب اللهِ تعالى، ﴿ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ﴾: أي كأنَّ وجوههم قد أُلْبِسَتْ قِطَعاً مِن سَواد الليل المُظلِم ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ بسبب شِركهم وكُفرهم. الآية 28، والآية 29: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾: أي واذكُر - أيها الرسول - يومَ نَحشر الخلق جميعاً للحساب والجزاء، ﴿ ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ ﴾ أي الزَموا مكانكم ﴿ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ ﴾ الذين كنتم تعبدونهم من دون اللهِ لِترَوا ما يُفْعَلُ بكم، ﴿ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ ﴾: أي فَفَرَّقْنا بين المشركين ومَعبوديهم، حيثُ يقول المشركون: (ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كُنَّا ندعو من دونك)، ﴿ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ ﴾: ﴿ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ يعني: فاللهُ وحده يَشهد بأننا لم نكن نعلم ما كنتم تقولون وتفعلون، و ﴿ إِنْ كُنَّا ﴾ أي ولقد كنَّا ﴿ عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ﴾ لا نشعر بها (وبهذا تبرَّأ شركاؤهم منهم، فلم يَدفعوا عنهم من عذاب اللهِ شيئًا، بل حصلَ لهم الضررُ منهم، بعدَ ما ظنوا أنهم سيَشفعون لهم عند ربهم). الآية 30: ﴿ هُنَالِكَ ﴾ أي في موقف الحساب: ﴿ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ﴾: أي تتذكر كل نفس أعمالها السابقة، وتَختبرها: هل هي ضارةٌ بها أو نافعةٌ لها؟، ثم تُجازَى بحَسبها، ﴿ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ﴾: أي ورَجَعَ الجميع إلى اللهِ سَيِّدُهُم الحق ليَحكم بينهم، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾: أي وغابَ عن المشركين ما كانوا يَعبدون مِن دون اللهِ افتراءً عليه. • الآية 31، والآية 32: ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: ﴿ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ بالمطر، ﴿ وَالْأَرْضِ ﴾ أي ومَن يَرزقكم من الأرض بما يُنبته فيها من أنواع النبات والشجر الذي تأكلون منه أنتم وأنعامكم؟، ﴿ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾ يعني وَمَن يَملك أسماعكم وأبصاركم، إن شاء أبقاها لكم وإن شاء سَلَبَها منكم؟، ﴿ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾: يعني ومَن الذي يَملِك الحياة والموت في الكون كلِّه؟، فيُخرِجُ الجسمَ الحي من الجسم ميت، كإخراج الأشجار والنباتات من الحبوب والنَوَى، ﴿ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ كإخراج البيضة من الطائر، ﴿ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾: يعني ومَن يُدبِّر أمْر السماء والأرض وما فيهما من المخلوقات؟ ﴿ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ﴾: يعني فسوف يُجيبونك بأنّ الذي يَفعل ذلك كله هو اللهُ وحده، لأنهم يَعترفون بأنّ اللهَ تعالى ليس له شريكٌ في تلك الأفعال، ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم إلزامًا بالحُجَّة: ﴿ أَفَلَا تَتَّقُونَ ﴾: يعني أفلا تخافون عقاب اللهِ إن عبدتم معه غيره؟! • ثم قل لهم: ﴿ فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ﴾ أي المستَحِق وحده للعبادة ﴿ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ ﴾: يعني فأيّ شيء غير الحق إلا الضلال؟، ﴿ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ﴾: يعني فكيف تَنصَرِفون عن عبادته إلى عبادة غيره من المخلوقين؟! • الآية 33: ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾: يعني وَكَما صَرَفَ اللهُ قلوب هؤلاء المشركين عن الحق - بعد معرفته - إلى الضلال، فكذلك وَجَبَ حُكم اللهِ وقضاؤه ﴿ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا ﴾ وهم الذين خرجوا عن طاعة ربهم إلى مَعصيته والكفر به واستمروا على ذلك ﴿ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ بوحدانية اللهِ تعالى، ولا بنُبُوَّة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بسبب إصرارهم وِعِنادهم من بعد ما تَبَيَّن لهم الحق. • الآية 34: ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾: يعني هل مِن مَعبوداتكم مَن يَبدأ خَلْقَ أيّ شيءٍ من العدم، ثم يُميته، ثم يُعيده كهيئته قبل أن يُميته؟، ﴿ قُلِ ﴾ لهم: ﴿ اللَّهُ ﴾ وحده الذي ﴿ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾، ﴿ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾: يعني فكيف تنحرفون عن عبادة المُتَفرِّد بالخَلق إلى عبادة مَن لا يَخلق شيئًا وهم يُخلَقون؟! • الآية 35: ﴿ قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي ﴾ الناسَ ﴿ إِلَى الْحَقِّ ﴾ بالبيان والحُجَّة؟، ﴿ قُلِ اللَّهُ ﴾ وحده الذي ﴿ يَهْدِي ﴾ الضالَّ ﴿ لِلْحَقِّ ﴾ بالأدلة والبراهين، والإلهام والتوفيق، ﴿ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ﴾ وهو اللهُ سبحانه وتعالى ﴿ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ﴾ أي يُعبَد ويُطاع ﴿ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي ﴾: يعني: أم تُتَّبَع هذه الأصنام التي لا تهتدي إلى شيءٍ لِعَجْزِها، كما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا ﴾، وبالطبع لا تستطيع أن تهدي عابديها إلى ما فيه تحصيل مقاصدهم، كالنصر على الأعداء وغير ذلك. • وأما الاستثناء في قوله: ﴿ إِلَّا أَنْ يُهْدَى ﴾ فهو استهزاءٌ بهذه الآلهة التي لا تهتدي إلى الوصول إلى مكان، إلا إذا نقلها الناس ووضعوها في المكان الذي يُريدونه لها، ﴿ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ بهذا الحكم الباطل فتُسَوُّونَ بين اللهِ وخلقه؟ • ويُذَكِّرُني قوله تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ﴾ بقصة فتاة - كانت على النصرانية - وكان عندهم نشيد في الإنجيل يحتوي على كثير من الألفاظ الخارجة عن الأدب والحياء، فكانت هذه الفتاة تستنكر أن يكون هذا كلام الله، وكانت تتألم كثيراً عندما تجد فتاة مُسلِمة تتلو القرآن في المواصلات بصوتٍ مرتفع، ولا تستحي من ذلك، بل تجد ثناءً من الناس عليها، أمَّا هي فكانت تستحي أن تقرأ هذا النشيد أمام الناس حتى لا يُظَنّ بها سُوء. • وفي أحد المرات دخلتْ حُجرتها ليلاً، وأخذتْ تُحَدِّث الصور (التي يَرسمونها ويَظنون أنها للمسيح عليه السلام وأمه)، فقالت لهم: (هل هذا النشيد هو كلام الله؟) - وبالطبع لم ترُدّ عليها الصور - ثم صعدتْ إلى سطح العَقار الذي تسكن فيه، ثم نظرتْ إلى السماء وقالت: (يا ربّ يا حقيقي، هل هذا النشيد هو كلامك؟)، فلما قالت ذلك، سمعتْ أذان الفجر يقول: (اللهُ أكبر اللهُ أكبر)، فكرَّرتْ السؤال: (يا ربّ يا حقيقي، هل هذا النشيد هو كلامك؟)، فارتفع النداء من مسجد آخر: (اللهُ أكبر اللهُ أكبر)، فبَكَتْ وقالت: (نعم يارب، أنت أكبر وأعظم مِن أن تقول هذا الكلام). • ثم نزلتْ بعد ذلك إلى حُجرتها حتى تنام، فسمعتْ إقامة الصلاة، وكانَ المسجد الذي بجوارهم يصلي فيه رجل كبير في السن، وكانَ دائماً يقرأ في صلاة الفجر بسورتَي الأعلى والإخلاص، أمَّا في هذا اليوم، فوجدتْ شابّاً يُصلي بقوْل اللهِ تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ﴾ إلى آخر سورة المائدة. • فعندئذٍ علمتْ أنّ اللهَ تعالى هو الذي أرسل لها هذا الشاب لِيُجيبها على سؤالها، وليُبطِلَ لها ألوهية عيسى عليه السلام ، فبهذا هَداها اللهُ تعالى إلى الإسلام عندما لجأتْ إليه سبحانه بصِدق. • الآية 36: ﴿ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ﴾: أي وما يَتَّبع أكثر هؤلاء المشركين - في تَسمِيَتِهم للأصنام بالآلهة واعتقادهم بأنها تقرِّبهم إلى اللهِ تعالى - إلا تخميناً وتقليداً لآبائهم بغير دليل، حتى اعتادوا على ذلك وظنوه حقًاً وهو لا شيء، فـ﴿ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ﴾ أي لا يُغني عن العِلم شيئاً، والمطلوب في العقيدة: العِلم لا الظن، ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ من الكفر والتكذيب، وسيُعاقبهم على ذلك أشد العقوبة. • الآية 37: ﴿ وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ يعني: وما كان لأحدٍ أن يأتي بهذا القرآن غير اللهِ تعالى، لأنه لا يَقدِرُ على ذلك أحدٌ من الخَلق، ﴿ وَلَكِنْ ﴾ أنزله اللهُ رحمةً للعالمين، وحُجَّةً على العباد أجمعين، فكانَ هذا القرآنُ ﴿ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي موافقاً للكتب السماوية السابقة (مُصدقًا لما فيها مِن صِحَّة، ومبيِّنًا لِما فيها من تحريف)، ﴿ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ ﴾ لأحكام الحلال والحرام وجميع الإخبارات الصادقة ﴿ لَا رَيْبَ فِيهِ ﴾ أي لا شك في أنه تنزيلٌ ﴿ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾. • الآية 38: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾: يعني بل يقولون: (إنّ هذا القرآن قد افتراه محمد مِن عند نفسه)، مع أنهم يعلمون أنه بشر مثلهم!! إذاً ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: إذا كانَ هذا من كلام البشر ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ ﴾ أي مِثل هذا القرآن في أسلوبه وهدايته، ﴿ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾: أي واستعينوا على ذلك بكل مَن قَدَرْتم عليه مِن إنسٍ وجن ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في دعواكم (ولو كان ذلك مُمكِنًا: لادَّعَوا قدرتهم على فِعله، ولأتَوْا بمِثله، ولكنْ لَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُم: تبيَّنَ أنَّ ما زعموه باطل). • الآية 39: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ﴾: يعني بل سارَعوا إلى التكذيب بالقرآن وما فيه من الوعد والوعيد قبل أن يَتدبروا آياته، وقبل أن يفهموه حق فهمه، ﴿ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ﴾: أي وسوف يأتيهم ما وُعِدوا به في القرآن (من العذاب الذي يَؤول إليه أمْرهم يوم القيامة)، وسيَعلمون حينها مَن على الحق ومن على الباطل، ﴿ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ بعذاب اللهِ حتى ذاقوا بأسَه، ﴿ فَانْظُرْ ﴾ أيها الرسول ﴿ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴾. • وفي هذا إرشادٌ إلى التثبت في الأمور، وأنه لا ينبغي للإنسان أن يُسارع بقبول شيءٍ أو رَدِّه، قبل أن يُحِيطَ به عِلمًا. • الآية 40، والآية 41: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ يعني: ومِن قومك - أيها الرسول - ﴿ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ أي يُصَدِّق بالقرآن, ولكنه يُخفِي إيمانه خوفاً مِن أذى المشركين، ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ ﴾ كِبراً وعِناداً. • ويُحتمَل أن يكون المعنى: أنّ اللهَ تعالى أرادَ أن يُصَبِّر رسوله على عدم إيمان قومه - رغم ظهور الأدلة وقوة البراهين -، فقال له: (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ) أي من المشركين مَن سيُؤمن بالقرآن مُستقبَلاً، (وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ) فيَموت على كُفره، (وبالفِعل، فقد آمَنَ عددٌ كبير من المشركين ولم يُؤمن عددٌ آخر). ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ ﴾ الذين لا يؤمنونَ بسبب اتِّباعهم لأهوائهم، فهؤلاء هم الذين يُفسدون عقول الناس ويَصدونهم عن الإيمان والتوحيد, فسيُجازيهم ربهم على ذلك بأشد العذاب، ﴿ وَإِنْ كَذَّبُوكَ ﴾ أي استمَرُّوا على تكذيبك ﴿ فَقُلْ ﴾ لهم: ﴿ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ﴾ يعني: لي ثواب عملي (على تبليغي وطاعتي للهِ تعالى)، ولكم جزاء عملكم (على شِرككم وتكذيبكم)، ﴿ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾: يعني فأنتم لا تُسألون عن عملي، وأنا لا أُسأل عن عملكم. • الآية 42، والآية 43، والآية 44: ﴿ وَمِنْهُمْ ﴾ يعني: ومِنَ هؤلاء المشركين ﴿ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ أي يَسمعون تلاوتك للقرآن ولكنهم لا يَهتدون، ﴿ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ﴾: يعني أفأنت - أيها الرسول - تَقْدر على إسماع الصُمّ؟ والجوابُ: لا، فكذلك أنت لا تقدر على هداية هؤلاء المشركين، لأنهم كالصمٌّ، حيثُ لا يَسمعونك سماع تدبُّر وانتفاع، ﴿ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ ﴾ يعني: وخصوصًا إذا كان عقلهم مَعدومًا، لأنهم قد سمعوا ما بِهِ تقومُ الحُجَّة عليهم. ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ ﴾ أي يَنظر إلى هَدْيِكَ وأخلاقك وإلى أدلة نُبُوَّتك الصادقة، ومع هذا فهم لا يَهتدون، بسبب تكَبُّرهم عن الانقياد للحق، ﴿ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ ﴾: يعني أفأنت تقدر على أن تَخلق للعُمْي أبصارًا يَهتدون بها؟! فكذلك أنت لا تقدر على هدايتهم، ﴿ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ﴾ يعني: وخصوصًا إذا كانوا فاقدي البَصيرة، وإنما هدايتهم بإذن اللهِ وحده، فلا تحزن عليهم. • وفي هذا إشارة إلى أنّ عدم هدايتهم كان بسبب استحبابهم العَمَى على الهُدَى وإيثارهم للدنيا على الآخرة، ولذلك قال تعالى بعدها: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا ﴾ ﴿ وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ أي يظلمون أنفسهم بالشِرك والمعاصي، لأنهم بذلك يُعَرِّضونها لغضب اللهِ وعقابه، (إذ يأتيهم الحق فلا يَقبلونه، فيُعاقبهم اللهُ بالطبع على قلوبهم، والخَتم على أسماعهم وأبصارهم). •الآية 45: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ أي واذكر أيها الرسول يومَ يَجمعهم اللهُ تعالى للبعث والحساب، فيَكونونَ ﴿ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا ﴾ أي كأنهم لم يَمكثوا في الدنيا (وهم أحياء) ولا في قبورهم (وهم أموات) ﴿ إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ﴾، فكأنهم قد نسوا في تلك اللحظة كل ما مَرَّ بهم في الدنيا وكل ما مَرَّ بهم في القبر، وذلك لِمَا شاهَدوه من أهوال القيامة، ولِطُولِ وقوفهم في حر الشمس، ولِتَغطية العرق لجميع جسدهم، وبسبب رؤيتهم لجهنم التي سيُعذبون فيها (والإنسان إذا عَظُمَ خوفه: نَسِيَ كل ما مَرَّ به مِن نعيمٍ أو عذاب، خاصةً إذا قارَنَ ذلك بعذاب الآخرة الأبدي). • وهم في هذا الموقف ﴿ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ﴾: أي يَعرف بعضهم بعضًا كحالهم في الدنيا (واعلم أن هذا التعارف إنما هو تعارف توبيخ، حيث يقول بعضهم لبعض: (أنت أضللتَني وأعَنتَني على الكفر والشرك)، ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ﴾ حيث استبدلوا النعيم المقيم بالعذاب الأليم، ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ أي وما كانوا مُوَفَّقين لإصابة الرشد فيما فعلوا في الدنيا. • الآية 46: ﴿ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ ﴾ يعني: وإمَّا أن نُرِيَكَ - أيها الرسول - في حياتك ﴿ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾ من العقاب (كما حدثَ في بدر) ﴿ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قبل أن نُرِيَكَ ذلك فيهم: ﴿ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾ في الحالتين بعد موتهم ﴿ ثُمَّ ﴾ نُصيبهم بالعذاب الذي نَعِدهم، والذي استحقوه بأفعالهم، فقد كانَ ﴿ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ ﴾ في الدنيا، لم يَخْفَ عليه شيءٌ من أفعالهم. • الآية 47: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ ﴾: أي وقد كانَ لكل أمّةٍ - مَضَتْ - رسولٌ أرسله اللهُ إليهم لِيُوَحِّدوهُ تعالى ويُطيعوه، ﴿ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ ﴾ في الآخرة لِيَشهد عليهم: ﴿ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾ أي بالعدل ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. • الآية 48، والآية 49: ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾: أي ويقول لك المشركون - أيها الرسول -: ﴿ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ ﴾ أي متى تقوم هذه القيامة التي تَعِدوننا بها أنت ومَن اتَّبَعك ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾؟ ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾: أي لا أستطيع أن أدفع عن نفسي ضَرًا، ولا أجلب لها نفعًا ﴿ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾ أن يَدفع عني مِن ضرٍّ أو يَجلب لي مِن نفع، إذاً فكيف لي أن أُعَجِّلَ لكم العذاب، إذا كانَ اللهُ يريدُ تأجيله؟! وكيف لي أن أحدِّدَ لكم موعده؟! ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾: أي لكل قومٍ وقتٌ لانتهاء أجلهم، فـ ﴿ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ ﴾ عنه ﴿ سَاعَةً ﴾ ليَعتذروا ويتوبوا، ﴿ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ أي ولا يَتقدم أجلهم عن الوقت المعلوم. • الآية 50، والآية 51: ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء الذين يَستعجلونك بعذاب الله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ ﴾ أي أخبِروني ﴿ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا ﴾ أي وقت نومكم بالليل ﴿ أَوْ نَهَارًا ﴾ في وقت غفلتكم: أتطيقونه وتقدرون تحَمُّلَه؟! إذاً فـ ﴿ مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُون ﴾: يعني فما الذي يَدفعكم أيها المشركون حتى تستعجلوا بنزول العذاب؟!، فإنه لا يَعودُ عليكم إلا بالهلاك. • وقد كان المتوقَّع أن يقول لهم سبحانه: (ماذا تستعجلون منه؟)، أي بصيغة المُخاطَب، لأنّ الخطاب كانَ موجهاً إليهم في قوله: ﴿ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا ﴾، ولكنه قال لهم: ﴿ مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُون ﴾، أي بضمير الغائب، وذلك تهميشاً لهم واحتقاراً لشأنهم، واللهُ أعلم. • ثم قال تعالى: ﴿ أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ ﴾: يعني أبَعدَما وقع العذاب بكم: آمنتم به في وقتٍ لا يَنفعكم فيه الإيمان؟، وقيل لكم حينئذ: ﴿ آَلْآَنَ ﴾ تؤمنون به ﴿ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ﴾ إنكاراً له واستخفافاً به؟! • الآية 52: ﴿ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أنفسهم بالكفر والمعاصي: ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ ﴾ أي العذاب الدائم، فـ ﴿ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ في حياتكم من الشرك والمعاصي؟ (والسؤال للتقرير والتوبيخ، وجوابه: نعم). [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الرابع من سورة يونس كاملا بأسلوب بسيط • الآية 53: ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ﴾: يعني ويَسألك مُشرِكو قومك - أيها الرسول - عن العذاب يوم القيامة: ﴿ أَحَقٌّ هُوَ ﴾؟ ﴿ قُلْ ﴾ لهم:﴿ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ﴾ يعني: نعم وربي إنه لَحَقٌّ لا شك فيه، ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي ولن تُعجِزوا اللهَ تعالى في أن يَبعثكم ويُجازيكم، فأنتم في قبضته وسلطانه. • الآية 54: ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ﴾ - أي أشركَتْ بالله تعالى - ﴿ مَا فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني لو أنها امتلكتْ جميع ما في الأرض وكانَ في إمكانها أن تجعله فداءً لها من عذاب يوم القيامة:﴿ لَافْتَدَتْ بِهِ ﴾، وإن فعلتْ ذلك، فلن يُقبَلَ منها، لأنه يومٌ لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليم. ﴿ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ ﴾: يعني وأخفى الذين ظلموا حسرتهم ﴿ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ﴾ واقعٌ بهم يوم القيامة، ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ﴾: أي وقضى اللهُ بينهم بالعدل، ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾؛ لأن اللهَ تعالى لا يُعاقِب أحداً بذنب أحد ﴿ إلا مَن كانَ سبباً في إضلال الناس ولم يَتُب عن ذلك الإضلال ﴾. • الآية 55، والآية 56: ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ ﴾ وحده جميع﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ فهو سبحانه المُتفرِّد بالمُلك والإحاطة والتدبير، فيَفعل سبحانه ما يشاء في الوقت الذي يشاء، لا يَمنعه من ذلك مانع، ولهذا قال بعدها: ﴿ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾: يعني ألاَ إنّ لقاءَ اللهِ تعالى وعذابه للمشركين كائِنٌ يوم القيامة لا مَحالة، لأنه سبحانه لا يُعارضه أحد في تحقيق ما يريد، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾، ( واعلم أنّ كلمة: ( ألاَ ) هي كلمة تأتي في أوّل الكلام للتنبيه، ومعناها: ( انتبهوا لِما أقوله لكم ) ). ثم ذكَرَ سبحانه الدليل على قدرته على البعث والإحياء، فقال: ﴿ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ أي هو وحده المُتفرِّد بالإحياء والإماتة، وأنتم تعلمون ذلك أيها المشركون، فلقد كنتم أمواتًا - وأنتم في العَدم - فأوجدكم سبحانه ونَفَخَ فيكم الحياة، فكذلك لا يُعجزه إحياء الناس بعد موتهم، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ بعد موتكم للحساب والجزاء. • الآية 57: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ تذكِّركم عقابَ اللهِ وتُخوِّفكم وعيده، وهي هذا القرآن وما اشتمل عليه من الآيات والعِظات لإصلاح أخلاقكم وأعمالكم، ﴿ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾: أي وهذا القرآن دواءٌ لِمَا في القلوب من الجهل والشرك وسائر الأمراض، ﴿ وَهُدًى ﴾ أي ورُشدٌ لِمَن اتَّبعه مِن الخَلق، فيُنَجيه من الهلاك، ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾: أي وجعله سبحانه رحمةً للمؤمنين - وخَصَّهم بتلك الرحمة لأنهم المنتفعون به، وأما الكافرون فلا يَزيدهم القرآن إلا هلاكاً، لأنه قد أقام الحُجَّة عليهم -، فآمِنوا أيها الناس بهذا القرآن وتداووا به وتعَلَّموه واعملوا به: تَشْفوا وتَسعَدوا في الدنيا والآخرة. • الآية 58: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾ أي بَلِّغْ أيها الرسول جميع الناس أنْ يَفرحوا بالقرآن وعلومه وبالإسلام وشرائعه، فإنّ ذلك ﴿ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ مِن متاع الدنيا الزائل (قال أبو سعيد الخُدري وعبد الله ابن عباس رضي الله عنهم: (فضْلُ الله: القرآن، ورحمته: الإسلام). فالقرآن هو أعظم فضل تفضَّلَ اللهُ به على عباده، والإسلام - وما يَحتوي عليه من عبادة اللهِ تعالى ومَعرفته ومَحَبَّته - هو أعظم رحمة للناس، لأنه المُنَجِّي لهم من عذاب جهنم، المؤَدِّي بهم إلى السعادة والسرور في جنات النعيم. • الآية 59: ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء المُعاندين: ﴿ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ ﴾: يعني أخبِروني عن هذا الرزق الذي خلقه اللهُ لكم من الحيوان والنبات وغير ذلك ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا ﴾ أي فحَلَّلتم بعضه لأنفسكم وحَرَّمتم بعضه، ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ بذلك التحليل والتحريم؟! ﴿ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴾: يعني أم تكذبونَ على اللهِ تعالى فيما تقولون؟ ﴿ والغرض من هذا الاستفهام: هو تقريرهم بذلك الإثم العظيم وتوبيخهم عليه ﴾. • الآية 60: ﴿ وَمَا ظَنُّ ﴾ هؤلاء ﴿ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ - بتحريم ما أحَلَّهُ الله وتحليل ما حَرَّمَه الله - فما ظنهم أنّ اللهَ فاعلٌ بهم ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾؟ أيَحسبون أنه يَصفح عنهم ويَغفر لهم؟! ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ بترْكِهِ مُعاجلة مَن افترى عليه الكذب بالعقوبة في الدنيا وإمهاله إياه، ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ أي لا يشكرونَ اللهَ على ذلك الإمهال - بأن يتوبوا ويَنتهوا عَمّا هم فيه -، بل يَزيدهم هذا الإمهال طغياناً. • الآية 61: ﴿ وَمَا تَكُونُ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ فِي شَأْنٍ ﴾ مِن شئونك﴿ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ ﴾ أي وما تتلو مِن كتاب اللهِ مِن آيات ﴿ وَلَا تَعْمَلُونَ ﴾ يا أمّة محمد ﴿ مِنْ عَمَلٍ ﴾ خيراً كانَ أو شراً:﴿ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا ﴾ أي حُضوراً مُطَّلِعين عليكم ﴿ إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ﴾ أي وقت ابتدائكم في ذلك العمل واستمراركم عليه، فنحفظه عليكم ونَجزيكم به. فراقِبوا الله في أعمالكم، وأدُّوها بإخلاصٍ وإتقان، وجدٍّ واجتهاد، وإياكم وما يُغضِبُ اللهَ تعالى، فإنه مُطَّلِعٌ عليكم، عالِمٌ بظَواهركم وبَواطنكم، ﴿ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ﴾: أي وما يَغيبُ عن عِلم ربك ﴿ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴾ أي ما يُعادل وزن ذرةٍ ﴿ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴾ ﴿ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا ﴾ مُثبَتٌ ﴿ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ أي في كتابٍ عند اللهِ واضح، أحاطَ به عِلمه وكَتبه قلمه (وهو اللوح المحفوظ). • الآية 62، والآية 63، والآية 64: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾ في الآخرة مِن عقاب اللهِ تعالى: ﴿ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ على ما فاتهم من حظوظ الدنيا. ثم وضَّحَ سبحانه صفات هؤلاء الأولياء، فقال: ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ أي باللهِ ورسوله وعملوا بشرعه﴿ وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ اللهَ بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه، فأولئك ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى ﴾ مِن الله تعالى ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ بما يَسُرُّهم، ﴿ وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾ بالجنة، ﴿ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ﴾: أي لا يُخلِفُ اللهُ وَعْدَهُ ولا يُغَيِّرُه، ﴿ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ لأنه اشتمل على النجاة مِن كل مَحذور، والفوز بكل مطلوبٍ ومحبوب (وعلى هذا فكُلُّ مؤمنٍ تقيٍّ هو وليٌّ للهِ تعالى، ولكنْ تختلف درجة ولايته بحسب إيمانه وتقواه). • الآية 65: ﴿ وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ ﴾: أي ولا يَحزُنك - أيها الرسول - قول المشركين في ربهم بأنّ له شركاء؛ ﴿ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾: يعني فإنّ اللهَ تعالى هو المُتفرِّد بالقوة الكاملة والقدرة التامة في الدنيا والآخرة، فلن يَضُرَّه سبحانه قولهم وافتراؤهم، و ﴿ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لأقوالهم، ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بأفعالهم ونيَّاتهم، وسيُجازيهم عليها. • ويُحتمَل أن يكون المعنى: (ولا يَحزُنك أيها الرسول قول المُكَذِّبين فيك بأنك تفتري الكذب على ربك، فإنَّ أقوالهم لا تضرك شيئًا، وإذا كنتَ تظن أنهم أهْلُ عزة، فاعلم أنّ عِزَّتهم محدودة وزائلة، والْعِزَّةَ الحق للهِ تعالى وحده، يُعطِيها مَن يشاء، ويَمنعها عَمَّن يشاء، وسوف يُعطيها لك وللمؤمنين ويَنصركم عليهم، وهو سبحانه السميع العليم، فاكتَفِ بعِلم اللهِ وكفايته، فإنّ مَن يتوكل على اللهِ فهو حَسْبُه). • الآية 66: ﴿ أَلَا إِنَّ لِلَّهِ ﴾ وحده جميع ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ﴾ من الملائكة والإنس والجن وغير ذلك من المخلوقات، فليس لأحدٍ غيره في هذا الكون شيئاً،﴿ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ يعني: وما يَتَّبع المشركون في الحقيقة شركاءَ للهِ تعالى، فإنه ليس له شريكٌ أصلاً، و ﴿ إِنْ يَتَّبِعُونَ ﴾ يعني وما يَتَّبعون ﴿ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ الناتج عن التخمين واتباع الآباء بغير دليل، ﴿ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾ يعني: وما هم إلا يَكذبون فيما يَنسبونه إليه سبحانه. • الآية 67: ﴿ هُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ﴾ أيها الناس، وتستريحوا من التعب في طلب الرزق، ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ﴾: أي وجعل سبحانهالنهار؛ لِتُبصِروا فيه، ولِتسعَوْا في طلب رزقكم، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾: يعني إنَّ في اختلاف حال الناس في الليل والنهار، وفي عناية اللهِ تعالى بمصالح خلقه: ﴿ لَآَيَاتٍ ﴾ على أنّ اللهَ وحده هو المستحق للعبادة. ثم خَصَّ سبحانه الذين يَنتفعون بهذه الآيات بقوله: ﴿ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ أي يَسمعون هذه الحجج، ويَتفكرون فيها. ومِن لطيف ما يُذكَر أنّ اللهَ تعالى شاءَ أن يأتي بالأسلوب القرآني المُعجِز في قوله: ﴿ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ﴾، فقد أثبت العلم الحديث أنّ العين لا تُبصِرُ بذاتها، وإنما تُبصِرُ بعد انعكاس الضوء عليها (بدليل أنه إذا كانَ هناك شخصٌ يقف في حجرةٍ بها مصباح مُضيء، وأنت تقف في الظلام فإنك تراه، وإذا كان نفس الشخص يقف في الظلام فأنت لا تراه، إذن: فإنّ ضوء المصباح هو الذي عَكَسَ الرؤية إلى عينك فأبْصَرَتْ)، وكذلك فإنّ النهار هو المُبصِر؛ لأنه جاء بالضوء اللازم لِيَنعكس إلى العيون حتى تستطيع الإبصار، فسبحان مَن عَلَّمَ محمداً صلى الله عليه وسلم - النبي الأُمِّي - هذه الحقيقة. • الآية 68: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال المشركون: ﴿ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ - وذلك كقولهم: الملائكة بنات الله، أو المسيح ابن الله، أو عزيرٌ ابن الله - ﴿ سُبْحَانَهُ ﴾ أي تقدَّسَ اللهُ عن ذلك كله وتنزَّه، فـ ﴿ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾ عن كل ما سواه، لأنه سبحانه ليس مُحتاجًا إلى ولدٍ كما يحتاجُ البشر، فإنَّ البشر يحتاجون إلى ولدٍ يَخدمهم ويَرعاهم في كِبَرهم، وعند مرضهم، وحالَ ضَعفِهم، أما اللهُ تعالى فهو القوي الغني الذي لا يحتاجُ إلى شيءٍ مما يحتاجُه البشر، ولأنه سبحانه ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ فكل ما في السماوات والأرض ملْكُه وعبيده، فكيف يكونُ له ولدٌ مِمَّن خَلَق، وكُلُّ شيءٍ مملوكٌ له؟! فهذا أكبر دليل على بُطلان نسبة الولد للهِ تعالى، إذ هو خالقُ كل شيء، فهل يُقالُ لِمَن خَلَقَ شيئاً أنه وَلَدَهُ؟! لو صَحَّ هذا لقالوا لِكُلّ مَن صَنَعَ شيئاً إنه أبو المصنوع، ولا يوجد قائلٌ بهذا أبداً، إذَن فأيُّ معنى لِنسبة الولد إليه سبحانه، إلا تزيين الشياطين للباطل حتى يَقبله أولياؤهم من الإنس؟!، ﴿ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا ﴾: أي وليس عندكم دليلٌ على ما تفترونه من الكذب، ﴿ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾؟! • الآية 69، والآية 70: ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لقومك: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ - بأن يَنسبوا له الولد أو الشريك - ﴿ لَا يُفْلِحُونَ ﴾أي لا يَنالون الفوز والفلاح في الدنيا ولا في الآخرة، إنما هو﴿ مَتَاعٌ ﴾ قصير يُمَتَّعونه﴿ فِي الدُّنْيَا ﴾ ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ﴾ بعد انتهاء آجالهم﴿ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ ﴾ في جهنم، جزاءً﴿ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" ( بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) ( بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية )، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الخامس من سورة يونس كاملا بأسلوب بسيط • الآية 71: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ ﴾: أي واقصُص - أيها الرسول - على كفار "مكة" خبر نوح عليه السلام ﴿ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي ﴾ يعني إنْ كانَ ثَقُلَ عليكم وجودي بينكم، وضاقت أنفسكم من دَعْوَتي لكم إلى توحيد ربكم ﴿ وَتَذْكِيرِي ﴾ لكم ﴿ بِآَيَاتِ اللَّهِ ﴾ وحُجَجِه: ﴿ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ أي فعلى اللهِ وحده اعتمادي، وبه ثقتي في أن يَحفظني مِن شَرِّكم، ﴿ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ﴾: أي فأعِدُّوا لي ما استطعتم مِن مَكرٍ وقوة حتى تؤذوني، وادعوا أيضاً شركاءكم المزعومين، ﴿ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ﴾: أي ولا تجعلوا كيدكم لي في الخفاء، بل اجعلوه ظاهرًا منكشفًا، ﴿ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ ﴾: أي ثم اقضوا عليَّ بالعقوبة وأَصِيبوني بالسُوء الذي في إمكانكم ﴿ وَلَا تُنْظِرُونِ ﴾: أي ولا تُمهِلوني، بل عَجِّلوا بعقوبتي، فإني لا أهتم بآلهتكم، لاعتمادي على حِفظ اللهِ وحده. • الآية 72، والآية 73: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ ﴾: أي فإن أعرضتم عن دَعْوَتي: ﴿ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ ﴾: يعني فإنني لم أطلب منكم أجرًا على دَعْوَتي لكم حتى تُعرِضوا؛ ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾: أي فثَوَابي عند ربي وأجري عليه سبحانه، ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ أي المُنقادين لِحُكم اللهِ تعالى وأوامره. ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ أي فاستمَرُّوا على تكذيبه، فدعانا لِنُصْرَتِه ﴿ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ ﴾ من المؤمنين ﴿فِي الْفُلْكِ ﴾ أي في السفينة، ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ ﴾ أي يَخْلُفون هؤلاء المكذبين، ويَسكنون الأرض مِن بعدهم جِيلاً بعدَ جِيل، ﴿ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا ﴾ ﴿ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ ﴾: أي فتأمل -أيها الرسول - كيف كان عاقبة القوم الذين أنذَرَهم رسولهم بعذاب اللهِ فكذَّبوه. • واعلم أنّ في تلاوة هذا القَصَص فائدتان: (الأولى: تصبير الرسول صلى الله عليه وسلم على ما يَلقاه مِن أذى قومه، والثانية: تنبيه المشركين وتحذيرهم من الاستمرار على الشِرك والعصيان حتى لا يَحِلّ بهم مِن العذاب ما حَلّ بغيرهم). • الآية 74: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ ﴾ أي أرسلنا من بعد نوحٍ ﴿ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ ﴾ (كصالح وهود وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم) ﴿ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾: أي فجاء كُلُّ رسولٍ قومه بالمعجزات الدالَّة على صِدق رسالته، ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ ﴾: يعني فلم يُقِرّ أقوامهم بالتوحيد، كما لم يُقِرّ به قومُ نوحٍ ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾، ﴿ كَذَلِكَ نَطْبَعُ ﴾: يعني وكما ختمنا على قلوب هؤلاء الأقوام لإصرارهم على الشرك وعدم توبتهم منه، فكذلك نَختم ﴿ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾ الذين تجاوزوا حدود اللهِ تعالى في كل زمان، عقوبةً لهم على شِركهم وعلى مخالفتهم لرسلهم. • ويُحتمَل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ﴾ أي: فما كان اللهُ لِيَهديهم للإيمانِ ﴿ بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي بسبب تكذيبهم بهذه الآيات الواضحة عندما جاءتهم أول مرة (جزاءً لهم على رَدِّهم الحق)، كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾، واللهُ أعلم. • الآية 75، والآية 76: ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ - أي مِن بعد هؤلاء الرسل - أرسلنا ﴿ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ﴾ - وهم أشراف قومه - ﴿ بِآَيَاتِنَا ﴾ أي بالمعجزات الدالّة على صِدقهما، ﴿ فَاسْتَكْبَرُوا ﴾: أي فاستكبر فرعون وأشراف قومه عن قَبول الحق ﴿ وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ حيث أفسدوا القلوب والعقول، وسفكوا الدماء وعذبوا الضعفاء، ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا ﴾ وهي الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام وعددها تسع، ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال فرعونَ وقومَه - ليتخلصوا من الهزيمة التي أصابتهم أمام قومهم -: ﴿ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أي إنَّ هذا لَسِحرٌ ظاهر. • الآية 77: ﴿ قَالَ ﴾ لهم ﴿ مُوسَى ﴾ مُتعجبًا: ﴿ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ﴾ إنه سِحر؟! ﴿ أَسِحْرٌ هَذَا ﴾ ؟! أي انظروا إلى وَصْف ما جئتكم به، تجدوه الحق، ﴿ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ ﴾ يعني: واعلموا أنّ الساحرين لا يُفلحون ولا يَنتصرون، لأنّ صَنِيعهم ما هو إلا تخييل وتمويه لأعين الناس، (وقد عَلِموا بعد ذلك - وظَهَرَ لكل أحد - مَن الذي سَحَرَ أعين الناس، ومَن الذي أبْطَلَ السِحر بما معه من الحق فأفلح وانتصر). • الآية 78: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال فرعون ومَلؤه لموسى عليه السلام: ﴿ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا ﴾ أي لِتَصْرفنا ﴿ عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا ﴾؟، ﴿ وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي وحتى يَكونُ لكما - أنت وهارون - العظمة والسلطان في أرض "مصر"؟، ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ ﴾: يعني وما نحن بمقرِّين لكما بأنكما رسولان أرسلكما اللهُ إلينا لنعبده وحده ولا نُشرك به. • الآية 79: ﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ﴾ لجنوده: ﴿ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ ﴾ أي مُتقِن للسحر. • الآية 80، والآية 81، والآية 82: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى ﴾: ﴿ أَلْقُوا ﴾ على الأرض ﴿ مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ ﴾ مِن الحبال والعِصِيِّ التي معكم، ﴿ فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى ﴾ لهم: إنَّ ﴿ مَا جِئْتُمْ بِهِ ﴾ وألقيتموه هو ﴿ السِّحْرُ ﴾، و ﴿ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ﴾ ويَفضحكم أمام الناس ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ الذين أفسدوا في الأرض بالشِرك والمعاصي، ﴿ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ ﴾: أي وسوف يُظهِرُ اللهُ الحقَّ الذي جئتُكُم به، وسَيُعلِيهِ على باطلكم ﴿ بِكَلِمَاتِهِ ﴾ أي بأمره، إذ يقولُ سبحانه للشيء كُن فيكون ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ﴾. • الآية 83: ﴿ فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ ﴾ أي بعض الشباب من بني إسرائيل، آمَنوا بموسى عندما انتصر على السَحَرة، وكذلك آمَنَ عدد قليل من آل فرعون (كامرأة فرعون ومُؤمن آل فرعون)، ولكنهم كتموا إيمانهم، وهم ﴿ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ أي وهم خائفون من فرعون أن يَفتنهم بالعذاب، وخائفونَ أيضاً من سادة قومهم أن يُحَرِّضوا فرعون عليهم لِيُعَذبهم، وهذا التحريض كقول الملأ لفرعون: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ ﴾، فقال لهم فرعون: ﴿ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾، إذ كانَ أمْرُ العذاب بيد فرعون لا بيد الملأ، ولعل هذا هو السبب في أنّ اللهَ تعالى قال: ﴿ أَنْ يَفْتِنَهُمْ ﴾ بضمير المُفرَد، ولم يقل: ﴿ أَنْ يَفْتِنَوهُمْ ﴾، ولأنّ إنكار الملأ عليهم إنما هو لِخَوفهم من فرعون أن يَسلبهم رئاستهم، فلذلك انحصر الخوف في فرعون، واللهُ أعلم). ﴿ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ ﴾ أي ظالمٌ مستكبر ﴿ فِي الْأَرْضِ ﴾ أي في أرض مصر المليئة بالخيرات والنعم، ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾ المتجاوزين الحد في الكفر والفساد. • الآية 84، والآية 85، والآية 86: ﴿ وَقَالَ مُوسَى ﴾ لقومه: ﴿ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا ﴾ أي فثِقوا بنصره، وسَلِّموا لأمْره ﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾ يعني إن كنتم خاضعين له بالطاعة والانقياد، ﴿ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ أي عليه اعتمدنا وإليه فوَّضنا أمْرَنا، ﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ أي لا تنصر الكافرين علينا، فيكون ذلك فتنةً لنا عن الدين، أو يُفتَن الكفارُ بنَصْرهم، فيقولوا: (لو كان هؤلاء على الحق، ما غُلِبوا)، ﴿ وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ وهم فرعون ومَلَئِه؛ لأنهم كانوا يُكَلِّفون بني إسرائيل بالأعمال الشاقة. • الآية 87: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ ﴾ هارون ﴿ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا ﴾ أي اتَّخِذا لقومكما بيوتًا في "مصر" تكونُ مَساكن ومَلاجئ تحتمون بها مِن بطش فرعون وقومه، ﴿ وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً ﴾ أي أماكن تُصَلُّون فيها عند الخوف ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ أي أدُّوها في أوقاتها على الوجه الذي شُرِعَ لكم، ﴿ وَبَشِّرِ ﴾ يا موسى ﴿ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ بالنصر في الدنيا وبالجنة في الآخرة. • الآية 88: ﴿ وَقَالَ مُوسَى ﴾ - وهو يدعو ربه -: ﴿ رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ فلم يَشكروا نِعَمَكَ ﴿ رَبَّنَا ﴾، وإنما استعانوا بهذه الأموال ﴿ لِيُضِلُّوا ﴾ الناس ﴿ عَنْ سَبِيلِكَ ﴾، ﴿ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ ﴾ أي أتلِفها عليهم (إمَّا بالهلاك، وإمَّا بجَعْلها حجارة)، حتى لا يَنتفعوا بها، ﴿ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ أي اختم على قلوبهم حتى لا تنشرح للإيمان ﴿ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾. • الآية 89: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى لهما: ﴿ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا ﴾ في فرعون وملئه وأموالهم (وقد كان موسى يدعو، وهارون يُؤَمِّن على دعائه، ومِن هنا نُسِبَتْ الدعوة إلى الاثنين في قوله تعالى: ﴿ دَعْوَتُكُمَا ﴾). ﴿ فَاسْتَقِيمَا ﴾ على دينكما، واستمِرَّا على دعوة فرعون وقومه إلى توحيد اللهِ وطاعته ﴿ وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾: أي ولا تسلكا طريق مَن لا يَعلم حقيقة وعدي ووعيدي، (واعلم أن النون التي في قوله: ﴿ ولا تَتَّبِعَانِّ ﴾ تُسَمَّى نون التوكيد). [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: "أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأخير من سورة يونس كاملا بأسلوب بسيط الآية 90، والآية 91، والآية 92: ﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ ﴾: أي وقطعنا ببني إسرائيل البحر حتى جاوَزوه إلى شاطئه سالِمين، ﴿ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ ﴾ أي مَشوا في البحر وراءهم ﴿ بَغْيًا وَعَدْوًا ﴾ أي ظلمًاواعتداءً بغير حق، لأنه ليس له أيّ حق في أن يَمنعهم من الخروج مِن بلده إلى بلدهم. ﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ ﴾: أي حتى إذا أحاط الغرق بفرعون: ﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾ ﴿ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ أي وأنا من المستسلمين لهذا الإله بالانقيادوالطاعة، ﴿ آَلْآَنَ ﴾ يا فرعون عندما نزل بك الموت تقرُّ للهِ بالعبودية ﴿ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾: أي وقد عصيته قبل نزولعذابه بك ﴿ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ الصادِّين عن سبيله! فلا تنفعك التوبة ساعةالاحتضار، ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ ﴾ أي سنُنَجِّي جسدك من الغرق، ليَنظر إليك مَن كَذَّبَ بهلاكك، و ﴿ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾: أي لتكونلِمن بعدك من الناس عِبرةً يَعتبرون بك، ﴿ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ فلا يَتفكرون فيها ولا يَعتبرون. الآية 93: ﴿ وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ ﴾: أي ولقد أنزلنا بني إسرائيل منزلاً صالحًا طيباً في أرض فلسطين وبلاد الشام،﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾: أي ورزقناهم الرزق الحلال الطيب من خيرات هذه الأراضي المباركة، ﴿ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ﴾: أي فما اختلف اليهود في أمْردينهم إلا مِن بعد ما جاءهم العلم المُوجِب لاجتماعهم (ومِن ذلك مااشتملت عليه التوراة من الإخبار بنُبُوَّة محمد صلى الله عليه وسلم)، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ ﴾ - أيها الرسول - سوف ﴿ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ مِن أمرك،فيُدخِل المُكذبين بك النار، ويُدخِل المؤمنين بك الجنة (كعبد الله بن سلام وغيره). الآية 94، والآية 95: ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ﴾ في شأن بني إسرائيل مِن أنهم يَعلمون أنك رسول الله: ﴿ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ مِمَّن آمَنَ بك من علماء التوراة والإنجيل المُنصِفين - كعبد الله بن سَلام وغيره - فإنّ ذلك ثابتٌ في كُتبهم، ﴿ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ بأنك رسول الله، وأنّ هؤلاء اليهود والنصارى يَعلمون صحةذلك، ويجدون صفتك في كُتبهم، ولكنهم يُنكرون ذلك كِبراً وحسداً، لأنهم كانوا يرجونَ أن يكون الرسول الخاتَم مِن بني إسرائيل وليس من العرب. ﴿ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾: أي فلا تكونن من الشاكِّين في صحة ذلك، (واعلم أنّ هذا الخطاب من باب الفرض، فقد ثبت عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال - في هذه الآية -: (لم يَشُكّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسأل)، وكذلك فإنّ هذه الجملة: (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) تُعَدُّ دافعاً لأهل الكتاب أن يَسألوا علمائهم الصادقين ويؤمنوا. ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (فهذه الآيات - وإن كانت خطابًا للرسول صلى الله عليهوسلَّم - فإنها موجَّهة للأمَّةِ عموماً، وإلاَّ، فكيف يَشُكّ الرسول صلى الله عليه وسلم وقد صعد به جبريل عليه السلام إلى سِدرة المنتهى - بعد السماء السابعة - وكَلَّمَ ربه سبحانه وتعالى ورأى الجنة والنار بعينيه؟!). • واعلم أنّ كل خطاب من اللهِ تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، هو خطاب لجميع الأمة، إلا ما كان خاصّاً بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، كقول اللهِ تعالى له: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ). الآية 96، والآية 97: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ﴾ بطَرْدهم من رحمته بسبب إصرارهم وعنادهم: ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ بحُجَج اللهِ تعالى، ولا يُقرُّون بوحدانيته، ﴿ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ ﴾، فلا تزيدهم الآيات إلا طغياناً، ثم يَستمرون على ذلك ﴿ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ واقعاً بهم، فحينئذٍ يؤمنون، ولكنْ لايَنفعهم إيمانهم. الآية 98: ﴿ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا ﴾: يعني إنه لم ينفع أهلَ قريةٍ إيمانُهُم عند نزول العذاب بهم ﴿ إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ ﴾ عليه السلام، فإنهم ﴿ لَمَّا آَمَنُوا ﴾ وصَدَقوا في توبتهم - عندما أيقنوا أن العذاب نازلٌ بهم ورأوا علاماته -: ﴿ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ ﴾ - أي عذابَ الذل والمَهانة - ﴿ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ وذلك بعد أنكانَ العذابُ قريباً منهم، ﴿ وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾: أي وتركناهم في الدنيا يتمتعون بالحلال الطيب إلى وقت انتهاء آجالهم، (فلماذا لا يَتوبُ أهل مكة كما تابَ قوم يونس؟!). •ولعل الحِكمة مِن رفع العذاب عن قوم يونس دونَ باقي الأمم: أنّ اللهَ تعالى عَلِمَ أنَّ غيرهم من المُهلَكين لو رُفِعَ عنهم العذاب: لَعَادوا لِمَا نُهُوا عنه، وأما قوم يونس، فإنه سبحانه عَلِمَ أنّ إيمانهم سيَستمر، وقد استمر فعلاً وثبتوا عليه. الآية 99: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾ بما جئتَهمبه - أيها الرسول -، فهو قادرٌ على ذلك، ولكنه سبحانه يَهدي مَن يشاء ويُضِلّ مَن يشاء وَفْق عدله وحِكمته، ﴿ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ أي وليسفي استطاعتك أن تفعل ذلك، ولم يُكَلِّفك اللهُ به، (واعلم أنّ هذا الاستفهام: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ)؟ يُسَمَّى استفهام إنكاري، أي يُنكِرُ تعالى على رسوله شدّة حِرصه على إيمان قومه، حتى كأنه يريد إكراههم على الإيمان بما جاء به من التوحيد). الآية 100: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ وتوفيقه، فلا تُهلِكْ نفسك حُزناً عليهم فما عليك إلا البلاغ، وأنْ تَعرِض الإيمان على الناس عَرْضاً لا إجبارَ معه، فمَن آمَن: نجا، ومَن لم يؤمن: هَلَك، ﴿ وَيَجْعَلُ ﴾ سبحانه ﴿ الرِّجْسَ ﴾ أي العذاب ﴿ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ إذ لو عَقِلوا لَمَا كفروا بربهم وعصوه وهو خالقهم ورازقهم ومالِكُ أمْرِهم، ولأنَّ مَن يُشرِك بربه صَنَماً في عبادته: لا يُعَدُّ من العاقلين. الآية 101:، والآية 102: ﴿ قُلِ ﴾ - أيها الرسول - لقومك: ﴿ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾: أي تفكَّروا واعتبِروا بما في السماوات والأرض من آيات اللهِ الدالّة على وحدانيته، ﴿ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ يعني: ولكنّ الآيات المُنذِرة بعقاب اللهِ لا تنفع قومًايُصِرُّونَ على الكفر بها؛ وذلك لِعِنادهم واتِّباعهم لأهوائهم، ﴿ فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا ﴾ يَومًا يَرون فيه العذاب ﴿ مِثْلَ أَيَّامِ ﴾ المكذبين ﴿ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي الذين مَضَوا قبلهم؟ ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ فَانْتَظِرُوا ﴾ ما كَتَبَ اللهُ عليكم من العذاب إن لم تتوبوا إليه وتُسلِموا، فـ ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ﴾ وعلى يقينٍ بمجيئ ذلك العذاب في الدنيا أو في الآخرة، وذلك بحسب إرادة اللهِ تعالى بكم. الآية 103: ﴿ ثُمَّ ﴾ إذا جاءهم ذلك العذاب في الدنيا: ﴿ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ بهم، ﴿ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾: أي وكما نجينا المؤمنين السابقين من العذاب، فكذلك نُنَجِّيك - أيها الرسول - ومَن آمَنَ بك، إذا أراد اللهُ إنزال العذاب بقومك. الآية 104، والآية 105: ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لقومك: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي ﴾ الذي دَعَوتُكُم إليه،وهو الإسلام، وترجون تحويلي عنه: ﴿ فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ ﴾: أي فاعلموا أنني لن أعبد الأصنام التي تعبدونها ﴿ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾، ﴿ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ ﴾: أي ولكن أعبد اللهَ وحده، فهو الذي خلقكم، وهو الذي يُميتكم ويَقبض أرواحكم (فهو المستحق وحده للعبادة، إذ هو الذي بيده الإحياء والإماتة)، ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي مِن المُقِرِّينَ بوحدانيته، العاملين بشَرعه،﴿ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ﴾: أي وأُمِرْتُ أن أستقيمَ على دين الإسلام وألاَّ أميلَ عنه أبداً، وقيل لي: ﴿ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. • وإنما خَصَّ تعالى الوجه بالاستقامة، وذلك في قوله: (وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ) لأنه أكرم الجوارح وأشرفها، وبه يَحصُل التوجُّه إلى كل شيء، فإذا خضعوجه العبد لله: خضعتْ له جميع جوارحِه، فلا يُشرك بعبادته أحدًا. الآية 106: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ﴾ ﴿ فَإِنْ فَعَلْتَ ﴾ ذلك ﴿ فَإِنَّكَ إِذًا ﴾ تكونُ ﴿ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ لأنفسهم بالشِرك والمعصية. الآية 107: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ ﴾: يعني وإن يُصِبْكَ اللهُ بشدةٍ أو بلاء: ﴿ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾ جلَّ وعلا، ﴿ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾: يعني وإن يُرِدْ أن يُنزلَ عليك نعمةً - مِن رزقٍ أو رخاء أو نصرٍ أو صحة - فلن يَمنعها أحدٌ عنك، ﴿ يُصِيبُ بِهِ ﴾: أي يُصِيبُ سبحانه بالسَرّاءوالضَرّاء ﴿ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ (وقد كانَ المُتوَقَّع بعد أنْ ذَكَرَاللهُ تعالى قدرته على الإصابة بالخير والضُرّ، أن يقول بعدها: (وهو على كل شيءٍ قدير)، ولكنه تعالى قال: (وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، وذلك لأنّ إعطاءه للخير هو فضلٌ منه سبحانه ورحمة لعباده، إذ لولا غفرانه لسيئاتهم وتقصيرهموغفلاتهم، لَمَا كانوا أهلاً لهذا الخير، ولَمَسَّهم اللهُ بضرٍ شديد في الدنيا والآخرة). الآية 108: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ أي قد جاءكم الرسول بالقرآن الذي فيه هدايتكم، ﴿ فَمَنِ اهْتَدَى ﴾ أي استمسك بهُدى اللهِ تعالى: ﴿ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ يعني فإنما ثمرة عمله راجعةٌ إليه، ﴿ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾: يعني ومَن انحرف عن الحقوأصرَّ على الضلال، فإنما ضلاله وضرره يعود على نفسه، ﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴾: أي وما أنا عليكم بحفيظ ولا رَقيب حتىتكونوا مؤمنين، وإنما أنا رسولٌ أبلِّغكم ما أُرْسِلْتُ به إليكم (واعلم أنّ الوكيل هو مَن يُوَكَّل إليه الأمر لِيُدَبِّرَه). الآية 109: ﴿ وَاتَّبِعْ ﴾ أيها الرسول ﴿ مَا يُوحَى إِلَيْكَ ﴾ من ربك، فاعمل بِهِ ﴿ وَاصْبِرْ ﴾ على طاعة اللهِتعالى، واصبر على أذى من آذاك في تبليغ رسالته ﴿ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ ﴾ أي حتى يَقضي اللهُ أمْرَهُ فيهموفيك، ﴿ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾؛ لأنّ حُكمه سبحانه مُشتمِلٌ على العدل التام، أمّا غَيره تعالى فقد يُصِيبُ في قوله ويُخطئ، وقد يَعدِلُ في حُكْمِهِ ويَظلم. [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرةمن (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبو بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذيليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍيَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذاالأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنىواضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلماتالتي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأول من سورة هود كاملا بأسلوب بسيط الآية 1، والآية 2: ﴿ الر ﴾ سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة. ♦ إنَّ هذا القرآنَ هو ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ﴾ أي أُتقِنَت آياته، ﴿ ثُمَّ فُصِّلَتْ ﴾ أي: ثم بُيِّنَتْ آياته للناس - بَياناً في أعلى أنواع البَيان - وذلك بتوضيح الحلال والحرام، والقصص والمواعظ، والآداب والأخلاق، والعقائد والبراهين، بما لا مَثِيل له في أيّ كتابٍ سابق. ♦ وقد كان ذلك التفصيل ﴿ مِنْ لَدُنْ ﴾ أي مِن عند﴿ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ وهو اللهُ سبحانه وتعالى، الحكيمُ في تدبيره وتصَرُّفه وشَرْعه وقضائه، الذي يَضع الأمور في مَواضعها، الخبيرُ بأحوال عباده وما يُصلح خَلقه (فلذلك لا يكونُ كتابه إلا المَثَل الأعلى في كل شيء)، وقد أنزله اللهُ تعالى وبَيَّنَ أحكامه لأجْل ﴿ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ﴾ إذ لا مَعبودَ بحقٍّ إلا هو، ولا عبادة تنفع إلا عبادته. ♦ وقل أيها النبي للناس: ﴿ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ ﴾ يعني: إنني رسولٌ لكم مِن عند اللهِ تعالى،﴿ نَذِيرٌ ﴾ أُنذِرُكم عقابهُ إنْ أشركتم به وعصيتموه ﴿ وَبَشِيرٌ ﴾ أُبَشِّركم بثوابه إنْ وَحَّدتموهُ وأطعمتموه. الآية 3، والآية 4: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ أي اطلبوا منه أن يَغفر لكم ما صَدَرَ منكم من الشرك والذنوب، ﴿ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ أي: ثم ارجِعوا إليه بالإيمان والعمل الصالح: ﴿ يُمَتِّعْكُمْ ﴾ في دُنياكم ﴿ مَتَاعًا حَسَنًا ﴾ بطِيب العَيش وسعة الرزق ﴿ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾: يعني إلى وقت انتهاء آجالكم،﴿ وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ يعني: ويُعطِ سبحانه أهلَ الإحسان والبِرّ مِن فضله ونعيمه في الجنة، ما تقِرّ به أعْيُنُهم، (فالفضل المذكور أوّلاً: هو العمل الصالح، والفضل المذكور ثانياً: هو دخول الجنة)، وهذا كقوله تعالى: ﴿ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ ﴾. ﴿ وَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾: يعني وإن تتولوا (والمعنى: وإن تُعرِضوا عمَّا أدعوكم إليه) ﴿ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴾ (وهو يوم القيامة) الذي يَجمع اللهُ فيه الأولين والآخِرين. ♦ واعلموا أنّما ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ جميعًا بعد موتكم فاحذروا عقابه، ﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي: وهو سبحانه قادرٌ على بَعثكم وحَشركم وجَزائكم. الآية 5: ﴿ أَلَا إِنَّهُمْ ﴾ - أي المشركين -﴿ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ ﴾: أي يُخفونَ الكُفر في صدورهم ﴿ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ﴾ يعني: وذلك ظنًاً منهم أنه يَخفَى على اللهِ تعالى ما تُخفيه نفوسهم. ♦ فرَدَّ اللهُ على ذلك الظن الفاسد بقوله: ﴿ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ ﴾: يعني ألاَ يَعلمون أنَّهم- حين يُغَطُّونَ أجسادهم بثيابهم - فإنه تعالى ﴿ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أي لا يَخفَى عليه سِرُّهم وعَلانيتهم، بل ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ أي عليمٌ بكل ما تُخفِيهِ صدورهم من النِيَّات والخواطر. الآية 6: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ ﴾ - أي تدبّ على وجه الأرض - ﴿ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾، ﴿ وَيَعْلَمُ ﴾ سبحانه﴿ مُسْتَقَرَّهَا ﴾أي مكان استقرارها في حياتها وبعد موتها، ﴿ وَمُسْتَوْدَعَهَا ﴾ أي: ويَعلم الموضع الذي تموت فيه (واعلمأنّ اللفظ "مُستَودَعَها": يُوحِي بأنها تُوَدِّع الدنيا في هذا المكان)، ﴿ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾: أي كل ذلك مكتوبٌ في كتابٍ واضح عند اللهِ تعالى، وهو اللوح المحفوظ. ♦ ومِن لطيفِ ما يُذكَر أنّ حاتم الأصَمّ سُئِلَ يَوماً: (مِن أين تأكل يا حاتم؟)، فقال: (مِن عند الله)، فقيل له: (اللهُ يُنزلُ لك دنانير ودَراهِم من السماء؟)، فقال: (كأنّ ما لَهُ إلاّ السماء! يا هذا: الأرض له، والسماء له، فإن لم يُؤتني رزقي من السماء، ساقَهُ لي من الأرض). الآية 7: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ ﴿ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ﴾ - قبل أن يَخلقالسماوات والأرض -، فلمَّا خلق سبحانه السماوات والأرض: استوَى على عرشه فوق السماء السابعة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾، وقد كانت أمُّ المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها تقول: (زَوّجَني اللهُ تعالى من فوق سبع سماوات)، وذلك في قوله تعالى لنَبِيِّهِ محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ﴾، (ولك أن تُراجِع - في إثبات استواء اللهِ تعالى على عرشه فوق السماء السابعة - تفسير قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ ﴾، في الآية الثالثة من سورة الأنعام مِن هذا التفسير، فإنّ فيه بَياناً شافياً، وللهِ الحمدُ والمِنَّة). ♦ وقد خَلَقَ سبحانه كلَّ شيءٍ لأجْلِكُم، ثم خَلَقَكم ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾: أي لِيَختبركم أيُّكُم أتقنُ في الطاعةً وأحسنُ في العمل الصالح (وهو كلّ ما كانَ خالصًا للهِ تعالى، وموافقًا لِمَا كان عليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم). ﴿ وَلَئِنْ قُلْتَ ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: ﴿ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ ﴾ يعني إنكم ستُبعَثون أحياءً بعد موتكم: ﴿ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ - مُسارِعينَ إلى التكذيب مِن غير تدَبُّرٍ وتثَبُّت -: ﴿ إِنْ هَذَا ﴾ أي: ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا﴿ إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ أي سحرٌ ظاهر، وهم يَعلمون أنهم كاذبونَ في ذلك، فلقد اعترف لهم أحد رؤسائهم - وهو الوليدُ بن المُغِيرة - أنّ ما يَقوله السَحَرةُ شيئ، وأنَّ هذا القرآن شيئٌ آخر، وأنه ليس بكلامِ بَشَر (وذلك عندما سمع القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أجْبَره المشركون بعد ذلك أن يقولَ للناس إنه سِحر). ♦ واعلم أنهم عندما يقولون عن القرآن إنه سِحر، فإنهم في حقيقة الأمر يَعترفون بهزيمتهم في أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، فيَضطروا إلى اللجوء إلى هذا القول الباطل. الآية 8: ﴿ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ ﴾ يعني إلى أجَلٍ معلوم، فاستبطؤا نزوله: ﴿ لَيَقُولُنَّ ﴾ - يعني حينئذٍ سيقول المشركون - استهزاءً وتكذيبًا: ﴿ مَا يَحْبِسُهُ ﴾: يعني أيّ شيء يَمنع نزول هذا العذاب إن كانَ حقًا؟ ﴿ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ ﴾ ذلك العذاب، فإنه ﴿ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ ﴾: أي لا يستطيعُ أحدٌ أن يَدفعه عنهم، ﴿ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾: يعني وحينئذٍ سيُحِيطُ بهم العذاب الذي كانوا به يَستهزئون. ♦ واعلم أنّ لفظ "أمَّة" يأتي أحياناً بمعنى: (جماعة من الناس)، وأحياناً بمعنى: (فترة من الزمن)، واعلم أيضاً أنّ اللهَ تعالى قد ذكَرَ لفظ: (حاقَ) بصيغة الماضي - مع أنّ العذاب لم يأتِ بعد - وذلك لتأكيد وقوعه في عِلم اللهِ تعالى. الآية 9، والآية 10، والآية 11: ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ﴾ يعني: ولئن أعطينا الإنسان نعمةً مُعَيَّنة - مِن صحةٍ أو رزقٍ أو أمْنٍ أو غير ذلك - ﴿ ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ ﴾ بسبب عِصيانه وغفلته واغتراره بتلك النعمة وعدم شُكره عليها: ﴿ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ ﴾: يعني إنه - حينما تُسلَب منه تلك النعمة - لَشديد اليأس مِن رحمة اللهِ تعالى، ساخطٌ على قضائه، و ﴿ كَفُورٌ ﴾: أي جَحود بالنعم التي أنعمَ اللهُ بها عليه قبل ذلك السَّلب. ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ﴾ - وذلك كأنْ يُوَسِّعَ اللهُ عليه في رزقه بعد أن كانَ في ضِيقٍ من العَيش -﴿ لَيَقُولَنَّ ﴾ عند ذلك: ﴿ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ﴾: أي ذهب الضِيقُ عني وزالت الشدائد، ﴿ إِنَّهُ ﴾ حينئذٍ﴿ لَفَرِحٌ ﴾ أي مُتكبر بالنعم،﴿ فَخُورٌ ﴾ أي مُبالغ في الفخر والتعالِي على الناس بما أعطاهُ اللهُ له. ♦ ثم استثنى اللهُ الصابرينَ الشاكرين - مِمَّن سبق - فقال: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ على ما أصابهم من الضُرّ (احتسابًا للأجر عند اللهِ تعالى)، ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ شُكراً للهِ على نِعَمِه ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ ﴾ لذنوبهم﴿ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ في الآخرة. الآية 12: ﴿ فَلَعَلَّكَ ﴾ - أيها الرسول لِعِظَم ما تراه مِن تكذيب قومك - ﴿ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ ﴾ مِمّا أنزله اللهُ عليك وأمَرك بتبليغه، (وهذا الكلام غرضه: النهي والاستنكار، يعني: (لا تترك تبليغ ما فيهِ سَبٌّ لآلهتهم كما طلبوا منك)، وذلك لأنهم قالوا له: لو أتَيْتَنا بكتابٍ ليس فيه سَبُّ آلهتنا لاتَّبعناك). ♦ وقد بَلَّغَ الرسول صلى اللهعليه وسلم رسالة ربه كاملة، تقول السيدة عائشة رضي اللهُ عنها: (لو كانَ النبي صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً من الوحي، لَكَتَمَ هذه الآية: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾. ﴿ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ ﴾ أي مِن تلاوة القرآن عليهم خشية أن يَطلبوا منك بعض المَطالب على وجه العِناد، كـ﴿ أَنْ يَقُولُوا ﴾: ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ ﴾ - أي هَلاَّ أُنزِلَ -﴿ عَلَيْهِ كَنْزٌ ﴾ أي مالٌ كثير يَعيشُ عليه فيَدُلّ ذلك على إرسال اللهِ له وعنايته به، ﴿ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ﴾ لِيَشهد له بصِدقه في رسالته. ♦ فلا يَضرك قولهم أيها الرسول، ولا يَضِق صدرك بمَطالبهم فـ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ ﴾ أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحاه اللهُ إليك،وقد أنذرتَهم، فلا تحزن إذاً على إعراضهم، ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ فيَحفظ سبحانه أعمالهم ويُحاسبهم عليها، (واعلم أنّ الوكيل هو مَن يُوَكَّل إليه الأمر لِيُدَبِّرَه). الآية 13، والآية 14: ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ﴾ يعني: بل يقولون: (إنّ هذا القرآن قد افتراه محمد مِن عند نفسه)، مع أنهم يَعلمون أنه بَشَرٌ مِثلهم!! إذاً ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: إذا كانَ هذا مِن كلام البشر ﴿ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ ﴾ مِن عندكم﴿ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ أي: واستعينوا على ذلك بكل مَن تقدرون عليه مِن إنسٍ وجن، ليساعدوكم على الإتيان بهذه السور العشر﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ في دَعواكم، (ولو كانَ ذلك مُمْكِنًا: لادَّعَوا قدرتهم على فِعله، ولكنْ لَمَّا ظهر عَجْزُهُم: تبيَّنَ أنَّ ما زعموه باطل)، ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ ﴾ أي: فإن لم يَستجب لكم أعوانكم في الإتيان بمثله - لِعَجْز جميع الخلق عن ذلك - ﴿ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ ﴾: أي فاعلموا أيها المشركون أنّ هذا القرآن قد أنزله اللهُ على رسوله محمد، بعلمٍ منه سبحانه بأحوال عباده في كل زمان ومكان، وبما يَصلح لهم وما لا يَصلح (فهو تنزيلُ مَن أحاطَ عِلمُهُ بكل شيء، وَوَسِعَتْ رحمته كل شيء)،﴿ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي: واعلموا أنه لا معبود بحقٍ إلا الله، ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾: أي فهل أنتم - بعد عَجْزِكم وقيام الحُجَّةِ عليكم - مُسلمونَ مُنقادونَ للهِ تعالى؟ الآية 15، والآية 16: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ ﴾ - مُقابل أعمالِهِ الحَسَنة -: ﴿ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾ - كالمُرائين الذين يريدون بأعمالهم الثناء من الناس -: ﴿ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا ﴾: أي نُعطِهم - مُقابل ثواب أعمالهم - مِن متاع الدنياوزينتها﴿ وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾ أي لا يُنقَصون من أعمالهم شيئاً في الدنيا، لأنّ اللهَ تعالى لا يريد أن يَجعل لهم نصيباً في الجنة، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ﴾ ﴿ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا ﴾ أي: وذهب عنهم ثوابُ ما عملوه في الدنيا، ﴿ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾أي: وكانَ عملهم باطلاً، لأنه لم يكن خالصاً لوجه اللهِ تعالى. الآية 17: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ أي على حُجَّةٍ مِن ربه، (والمقصود بهذه الحُجَّة: القرآن الكريم، الذي أنزل اللهُ فيه البراهين، وتَحَدَّى به المشركين)، ﴿ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ ﴾ أي: ويَتْبَعُ هذا القرآن دليلٌ آخر يَنطق به ويَشهد بصِدقه، وهو محمد عليه الصلاة والسلام (لسانُ الصِدق، وصاحبُ الخُلُق العظيم)، حيثُ نَظَرَ إليه أعرابي يَوماً فقال: (واللهِ ما هو بوجه كذّاب)، ﴿ وَمِنْ قَبْلِهِ ﴾ يعني: ويَشهد بصِدق القرآن دليلٌ ثالث نَزَلَ قَبله، وهو التوراة﴿ كِتَابُ مُوسَى ﴾ الذي أنزله اللهُ عليه ليكونَ﴿ إِمَامًا ﴾ يُهتَدَى به ﴿ وَرَحْمَةً ﴾ لمن آمَنَ به (وذلك قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام)، فهذا الكتاب يَشهد بصدقه صلى الله عليه وسلم، حيثُ ذَكَرَ صفاته وصِفات أُمَّته في أكثر مِن مَوضع. ♦ أفمَن هو على هذه البينات والبراهين مِن صِحَّة دينه - والمقصود به النبي صلى الله عليه وسلم - كمن لا دليلَ له إلا التقليد الأعمى؟! لا يَستويان أبداً، ﴿ أُولَئِكَ ﴾ أي الذين جاءتهم تلك البيّنات والحُجَج ﴿ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ أي يُصدِّقون بهذا القرآن ويَعملون بأحكامه، ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ ﴾ (وهم الذين تَحَزَّبوا - أي اجتمعوا - على عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم مِن جميع الأمم، وأوّلهم: المشركون واليهود، والنصارى والمَجوس) ﴿ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ﴾ أي قد جعلها اللهُ جزاءً لمن كَفر بالقرآن الكريم، على الرغم مِن وضوحه وقوة حُجَته. ﴿ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ﴾: أي فلا تكن - أيها الرسول - في شَكٍّ من القرآن، بعد ما شَهِدَتْ الأدلة على أنه مِن عند اللهِ تعالى ﴿ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾ (واعلم أنَّ هذا - وإنْ كان خطابًا للرسول صلى الله عليه وسلَّم - فإنه مُوَجَّه للأمَّةِ عموماً)،﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ (لِعِنادهم واتِّباعهم لأهوائهم). الآية 18، والآية 19: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ يعني: ولا أحد أشد ظلماً﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ فزَعَمَ أنّ له شريكٌ أو ولد﴿ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ ﴾ أي سيُعرَضون﴿ عَلَى رَبِّهِمْ ﴾ يوم القيامة ليُحاسبهم على أعمالهم، ﴿ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ ﴾ (والأشهاد: جَمْع شاهد، وهم: الملائكة والنبيون وأعضاء الإنسان، والأرض (التي فُعِلتْ عليها الطاعات والمعاصي)، وغير ذلك). ♦ فهؤلاء يَشهدون على الكاذبين يوم القيامة، ويقولون: ﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ ﴾ فغَضِبَ عليهم، وطَرَدَهم من رحمته﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ (أي بُعداً لهم مِن رحمة اللهِ تعالى)، وهؤلاء الظالمون هم ﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي يَمنعون الناس عن الدخول في سبيل اللهِ المُوَصِّلة إلى جَنَّته (وهي الإسلام) ﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ أي يريدون أن تكون هذه السبيل عَوجاء لِتُوافِق أهوائهم، ﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ فلا يُؤمنون ببَعثٍ ولا جزاء. الآية 20، والآية 21، والآية 22: ﴿ أُولَئِكَ ﴾ الكافرون﴿ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ﴾: أي لم يكونوا لِيَهربوا من عذاب اللهِ في الدنيا، بل هو قادرٌ على أنْ يُنزل بهم عذابه مَتَى أرادَ ذلك، ﴿ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي: وما كان لهم مِن أنصارٍ يَمنعونهم مِن عقابه سبحانه،﴿ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ في جهنم، لأنهم﴿ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ﴾: أي كانوا لا يَستطيعون أن يَسمعوا القرآن سَماعَ تَدَبُّر وانتفاع ﴿ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ ﴾ أي: وما استطاعوا أن يُبصِروا آيات اللهِ - في هذا الكون - إبصارَ تَفَكُّر واهتداء (وذلك لاشتغالهم بالباطل الذي كانوا مُقيمين عليه)، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ﴾ أي أهلكوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، (إذ معنى خُسران النفس: عدم الانتفاع بها في الدنيا، حين كان في إمكانهم أن يَجعلوها تفعل الخير الذي يُؤدي بهم إلى الجنة)، ﴿ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾: أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِباً مِن شفاعة آلهتهم لهم يوم القيامة، ﴿ لَا جَرَمَ ﴾ أي حَقًا، ولا شَكَّ﴿ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ﴾ أي أخْسَرُ الناسِ صَفَقةً، لأنهم استبدلوا النعيم المُقيم بالعذاب الأليم. الآية 23: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﴾ أي انقادوا للهِ تعالى وخَشَعوا له: ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾، (واعلم أنّ الخُشوع هو الذل والخوف من اللهِ تبارك وتعالى، فالخاشعون ذليلون مِن كَثرة النِعَم، وذليلون أيضاً من كثرة الذنوب، وهم الخائفون من المَلِك الجبار، الذي سيَحكم عليهم بجنةٍ أو بنار). الآية 24: ﴿ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ ﴾ يعني: مَثَل فريقَي الكفر والإيمان: ﴿ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ ﴾﴿ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ﴾ ففريق الكفر لا يُبصِر الحق ولا يَسمع داعيَ الله، أمّا فريق الإيمان فقد أبصر حُجَجَ اللهِ فآمَنَ بها، وسَمِعَ داعيَ اللهِ فأجابه،﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ﴾ أي: هل يَستوي هذان الفريقان؟ والجواب: لا، ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾: يعني أفلا تتفكرون أيها المشركون بعقولكم، فتعلموا أنَّ ما أنتم عليه هو الباطل، وأنّ اللهَ تعالى هو وحده المُستحق للعبودية؟! [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الثالث من سورة هود كاملا بأسلوب بسيط الآية 41: ﴿ وَقَالَ ﴾ نوحٌ لمن آمَنَ معه: ﴿ ارْكَبُوا فِيهَا ﴾ أي في السفينة، قائلين ﴿ بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا ﴾ أي: ببركة اسم اللهِ تعالى يكونُ جَرْيُها على الماء (حتى يَحفظها من الغَرَق)، وببركة اسمهِ تعالى تَرسو وتَقف (حتى يَحفظها من التَحَطُّم)، ﴿ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ حيثُ غَفَرَ لنا ورَحِمَنا، فلم يُهلكنا بذنوبنا، ونَجّانا من القوم الظالمين. الآية 42: ﴿ وَهِيَ ﴾ - أي السفينة - ﴿ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ ﴾ في عُلُوِّها، ﴿ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ ﴾ ﴿ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ ﴾ أي في مكانٍ بعيد عن المؤمنين حين ركبوا، فقال له نوح: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ ﴾ حتى لا تغرق كما يَغرقون. الآية 43: ﴿ قَالَ ﴾ ابن نوح: ﴿ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي ﴾: أي سألجأ إلى جبلٍ أتحَصَّن به ﴿ مِنَ الْمَاءِ ﴾، فـ ﴿ قَالَ ﴾ له نوح: ﴿ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ أي مِن قضائه بالغرق والهلاك ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ﴾ يعني إلا مَن رحمه اللهُ ونَجّاه معنا في السفينة، فلم يَستجب ابنه له ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ ﴾ أي منعه الموج المرتفع أن يَصل إلى ابنه أو يُكلمه ﴿ فَكَانَ ﴾ الابن ﴿ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾. الآية 44: ﴿ وَقِيلَ ﴾ أي: وقال اللهُ تعالى - بعد هلاك قوم نوح -: ﴿ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ﴾ ﴿ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ﴾ أي لا تُمطِري ﴿ وَغِيضَ الْمَاءُ ﴾ أي نَقص وجَفّ، ﴿ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ بهلاك المُكذبين ونجاة المؤمنين، ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ﴾ أي: ورَسَت السفينة على جبل الجوديِّ، ﴿ وَقِيلَ بُعْدًا ﴾ أي هَلاكًا ﴿ لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ الذين تجاوزوا حدود اللهِ ولم يُوَحِّدوه. ♦ واعلم أنّ اللهَ تعالى قد أمَرَ الأرض أن تَبلع ماءها أولاً، لأنها تحمل الماء الذي خرج منها، وكذلك تحمل الماء الذي نزل إليها (فكانَ عليها أكثر الماء)، وكذلك يَستشعر الإنسان عظمة ربه تعالى في نداءه للأرض والسماء، وكأنهما جُندِيَّان في معركة، ثم أُمِرا بالانسحاب بعد أن أَتَمَّ كُلٌّ منهما مُهِمَّته. الآية 45: ﴿ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي ﴾ الذي غرق ﴿ مِنْ أَهْلِي ﴾ ﴿ وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ﴾ وقد وعَدْتني أن تُنجيني وأهلي من الغرق والهلاك، ﴿ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾ وأعْدَلُهم. الآية 46، والآية 47: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى: ﴿ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ﴾ يعني إنّ ابنك - الذي هَلَكَ - ليس مِن أهلِك الذين وعدتُكَ أنْ أُنجيهم، فـ ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ أي لأنه كافر، وعَمَلُهُ عملٌ غيرُ صالح، ففي قراءةٍ أخرى: ﴿ إنه عَمِلَ غيرَصالح ﴾، ﴿ فَلَا تَسْأَلْنِ ﴾ يانوح ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾، وفوِّضْ الأمرَ إليَّ، ﴿ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾: يعني أعظك وَعْظاً تنجو به من صفات الجاهلين. ♦ فحينئذٍ نَدِمَ نوحٌ على ما صَدَرَ منه، و ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ﴾ أي أعتصم بك مِن ﴿ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ ﴿ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي ﴾ يعني: وإنْ لم تغفر لي ذنبي ﴿ وَتَرْحَمْنِي ﴾ برحمتك: ﴿ أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ أيالهالكين في الدنيا والآخرة. الآية 48: ﴿ قِيلَ ﴾ أي: قال اللهُ تعالى: ﴿ يَا نُوحُ اهْبِطْ ﴾ من السفينة إلى الأرض ﴿ بِسَلَامٍ مِنَّا ﴾ ﴿ وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ ﴾ مِن الآدميين وغيرهم (من الأزواج التي حملتَها معك)، وبالفِعل، فقد بارَكَ اللهُ في الجميع، حتى ملأتْ ذرياتهم جميع أنحاء الأرض، ﴿ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ﴾ يعني: وهناك أُمَمٌ - مِن أهل الشَقاء - سنُمَتِّعهم في الدنيا إلى أن يَبلغوا آجالهم ﴿ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ يوم القيامة. الآية 49: ﴿ تِلْكَ ﴾ القصة التي قصصناها عليك - أيها الرسول - هي ﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ﴾ ﴿ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا ﴾ البَيان، ﴿ فَاصْبِرْ ﴾ على تكذيب قومك وإيذائهم لك، كما صَبَرَ نوح على أذى قومه فكانت العاقبة له، ﴿ إِنَّ الْعَاقِبَةَ ﴾ الطيبة في الدنيا والآخرة ﴿ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ الذين يَخشونَ اللهَ تعالى فيَجتنبوا مَعاصيه. الآية 50: ﴿ وَإِلَى عَادٍ ﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة عاد: ﴿ أَخَاهُمْ هُودًا ﴾ حينَ عبدوا الأصنام مِن دون اللهِ تعالى، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يَستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾ فأخلِصوا له العبادة، ﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ﴾ يعني: ما أنتم إلا كاذبونَ على اللهِ تعالى بزَعْمِكم أنّ له شُرَكاء. الآية 51: ﴿ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾ أي لا أطلب منكم أجراً على ما أدعوكم إليه من التوحيد، ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ يعني: ما أجري إلا على اللهِ الذي خلقني، ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ فتُمَيِّزوا بين الحق والباطل؟! الآية 52: ﴿ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾ نادمينَ على ما فعلتم، مُعترفينَ بخطئكم ﴿ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ مِن شِرككم وذنوبكم، فإنكم إنْ فعلتم ذلك ﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾: أي يُرسل المطر عليكم متتابعًا كثيرًا فتَكثُر خيراتكم ﴿ وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ ﴾ (فإنهم كانوا مِن أقوى الناس)، ولهذا قالوا: (مَن أشَدّ مِنّا قوة)؟، فوعدهم هُود عليه السلام أنهم إن آمَنوا، زادهم اللهُ قوةً إلى قوتهم، ﴿ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ ﴾ أي: ولا تُعرضوا عَمَّا دعوتُكم إليه، مُصِرِّينَ على إجرامكم. الآية 53، والآية 54، والآية 55: ﴿ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ ﴾ أي ما جئتنا بحُجَّةٍ واضحةٍ على صحة ما تدعونا إليه، وقد كَذَبوا في ذلك، فإنه ما جاءَ نبيٌ لقومه، إلاَّ وبَعَثَ اللهُ على يديه مُعجِزَةً تَشهَد له بصِدق رسالته، وأمّا إنْ كانَ قَصْدهم بالبَيِّنة: المُعجزة التي يَقترحونها عليه، فهذه غير لازمة، بل اللازم أن يأتي النبي بآيةٍ تدل على صحة ما جاء به. ♦ ثم قالوا له: ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ ﴾ أي مِن أجْل قولك ﴿ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ ﴾ يعني: وما نقول إلا أنّ بعض آلهتنا قد أصابتك بجنون بسبب نَهْيِكَ عن عبادتها، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم هود: ﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ ﴾ على ما أقول، ﴿ وَاشْهَدُوا ﴾ أنتم أيضاً على ﴿ أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ من الأصنام التي تعبدونها ﴿ مِنْ دُونِهِ ﴾ سبحانه، ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ﴾:أي فاجتمعوا - أنتم وآلهتكم - على إيذائي ﴿ ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴾ أي: ثم لا تؤخروني، بل عَجِّلوا بذلك، فإني لا أهتم بآلهتكم لاعتمادي على حِفظ اللهِ وحده. الآية 56: ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ﴾ أي مالِكُ كُلِّ شيءٍ والمتصرف فيه، فلا يُصيبني شيءٌ إلا بأمْره، و ﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ تدِبُّ على هذه الأرض ﴿ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ﴾ يعني إلا واللهُ مالكها، وهي في سلطانه وتصرفه ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ يعني: إنه سبحانه عَدلٌ في شَرعه وقضائه، فيُجازي المُحسِن بإحسانه والمُسِيء بإساءته. الآية 57: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾: أي فإن تتولوا، والمعنى: (فإن تُعرضوا عمَّا أدعوكم إليه من توحيد اللهِ وإخلاص العبادة له) ﴿ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ ﴾ من ربي، وأقمتُ عليكم الحُجَّة، فإن لم تؤمنوا: فستكونوا من الهالكين ﴿ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ ﴾ أي: وسيأتي ربي بقومٍ آخرينَ يَخلُفونكم، ويُخلصون له العبادة، ﴿ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا ﴾ لأنّ إعراضكم يَضُرُّكم أنتم، أمّا اللهُ تعالى فهو غنيٌ عن عبادتكم، لا تضره مَعصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين، وإنما مَن عمل صالحاً فلنفسه، ومَن أساءَ فعليها، ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾ (فهو سبحانه الذي يَحفظني مِن أن تُصِيبوني بسوء). الآية 58: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ﴾ بعذابهم: ﴿ نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ﴾ ﴿ وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴾ أي: ونجَّيناهم مِن عذابٍ شديد أنزلناه بقوم عاد. الآية 59، والآية 60: ﴿ وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ - ولهذا قالوا لهود: (مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ)، فتَبَيَّنَ بهذا أنهم كانوا مُتَيَقنون بدعوته، وإنما عانَدوا ﴿ وَعَصَوْا رُسُلَهُ ﴾ (لأنّ مَن عَصَى رسولاً فقد عَصَى جميع الرسل، إذ دعوتهم واحدة وهي التوحيد)، ﴿ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾: أي: وأطاعت عادٌ أمْرَ كل متكبرٍ عنيد، لا يَقبل الحق ولا يَخضع له، ﴿ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً ﴾ مِن اللهِ تعالى، فأخبارهم القبيحة قد وصلتْ إلى كل وقتٍ وجِيل، فيَلعنهمالمؤمنون ويَذمُّونهم، ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ لهم أيضاً لعنة، بطَردهم من الجنة وإدخالهم النار، ﴿ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ أي جحدوا ربهم الذي خَلقهم ورزقهم فعبدوا معه غيره، ﴿ أَلَا بُعْدًا ﴾ وهلاكًا ﴿ لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ ﴾ بسبب شِركهم وكُفرهم بنعمة ربهم. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الرابع من سورة هود كاملا بأسلوب بسيط الآية 61: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ ﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة ثمود: ﴿ أَخَاهُمْ صَالِحًا ﴾ حينَ عبدوا الأصنام مِن دون اللهِ تعالى، فـ (قَالَ) لهم: ﴿ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ﴾ وحده، فـ ﴿ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ ﴾ يَستحق العبادة ﴿ غَيْرُهُ ﴾ فأخلِصوا له العبادة، إذ (هُوَ) سبحانه الذي ﴿ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ ﴾ أي بدأ خَلْقكم من الأرض (بخَلق أبيكم آدم منها)، ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ أي جَعَلكم عُمَّارا لها، وجعلكم تنتفعون بما فيها، فكما أنه لا شريك له في ذلك، إذاً فلا تُشركوا به في عبادته، (واعلم أنّ في قوله تعالى: ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ دليلٌ على النَهي عن (تلوث البيئة) وأنه من المُحرَّمات). ♦ ثم قال لهم: ﴿ فَاسْتَغْفِرُوهُ ﴾ أي فاطلبوا منه أن يَغفر لكم ما صَدَرَ منكم من الشرك والذنوب، ﴿ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ أي: ثم ارجعوا إليه بالإيمان والعمل الصالح، ﴿ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ﴾ مِمَّن أخلصَ له العبادة، ورَغِبَ في التوبة إليه، ﴿ مُجِيبٌ ﴾ لمن دعاه وحده، ولم يَدعُ غيره. ♦ واعلم أنَّ القُربَ نوعان: قربٌ بعِلمِهِ - سبحانه - وإحاطته مِن جميع خَلقه، وقربٌ مِن عابدِيهِ وداعِيهِ (بالإجابة والمَعُونة والتوفيق والرحمة)، وهذا مِثلما يقول أحدهم: (هذا الرجل مِن المُقرَّبين لَدَيّ) - أي مُقّرَّبٌ منه في المَنزلة والعطاء وقريبٌ إلى رضاه عنه، وليس مُقّرَّباً منه بجسده. ♦ وهذا النوع من القُرب يَقتضي لُطفه تعالى بسائليه وإجابته لدعواتهم، ولهذا يَقرن سبحانه دائماً اسمه "القريب" باسمه "المُجيب". الآية 62: ﴿ قَالُوا ﴾ أي: قالت ثمود لنبيِّهم صالح: ﴿ يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا ﴾: أي: لقد كنا نرجو أن تكون فِينا سيدًا مُطاعًا ﴿ قَبْلَ هَذَا ﴾ أي قبل هذا القول الذي قلته لنا، (وهذه شهادة منهم لنبيِّهم صالح بأنه كانَ معروفاً بينهم بمَكارم الأخلاق ومَحاسن الصفات، وأنه مِن خِيار القوم)، ولكنه لَمَّا جاءهم بهذا الأمر - الذي لا يُوافق أهواءهم الفاسدة - قالوا له: ﴿ أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا ﴾؟ ﴿ وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ أي مُوقِع في الحيرة والقلق والتردد. الآية 63، والآية 64: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾ أي على عِلمٍ يَقيني أوحاه إليَّ ربي، وأمَرني أن أدعو الناس إليه، وهو عبادته وحده لا شريك له، لأنه الخالق الرازق المُستحق وحده للعبادة، ﴿ وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً ﴾ وهي النُبُوَّة والرسالة، ﴿ فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ ﴾ أي: فمن الذي يَدفع عني عقابَ اللهِ إن عصيتُه ولم أُبَلِّغ رسالته لكم (بسبب توبيخكم لي)؟! ﴿ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ﴾: أي فما تَزيدونني - إن أطعتكم وعصيتُ الله - إلاّ الخُسران والعذاب. ﴿ وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ ﴾ قد جعلها ﴿ لَكُمْ آَيَةً ﴾ تدلُّ على صِدقي فيما أدعوكم إليه (لأنها خرجتْ من الصخرة)، ﴿ فَذَرُوهَا ﴾ أي فاتركوها ﴿ تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ﴾ (فليس عليكم رِزقها)، ﴿ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ ﴾ أي: ولا تذبحوها ﴿ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ ﴾ أي قريبٌ مِن وَقت ذَبْحها. الآية 65: ﴿ فَعَقَرُوهَا ﴾: أي فكذَّبوه وذبَحوا الناقة، ﴿ فَقَالَ ﴾ لهم صالح: ﴿ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ﴾: أي استمتعوا بحياتكم في بلدكم ﴿ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ﴾ فإنّ العذاب نازلٌ بكم بعدها، ﴿ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾ أي لابد مِن وقوعه. الآية 66: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ﴾ بهلاك ثمود: ﴿ نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا ﴾ ﴿ وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ﴾ أي: ونجيناهم مِن ذُلّ ذلك اليوم وإهانته ﴿ إِنَّ رَبَّكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ﴾ (ومِن قوته وعِزَّته أنْ أهلَكَ الأمم الطاغية، ونَجَّى الرُسُل وأتْباعهم). الآية 67، والآية 68: ﴿ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ﴾ يعني: وأخذت الصيحة القوية ثمود الظالمين ﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ ﴾ أي مَوتى هامدين، ساقطينَ على وجوههم لا حِرَاك لهم ﴿ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ﴾: يعني كأنهم - في سُرعة زوالهم - لم يَعيشوا في هذه الديار الخاوية، ﴿ أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ ﴾ أي جحدوا ربهم الذي خَلقهم ورزقهم فعبدوا معه غيره،وكذلك جحدوا بآيته الواضحة (وهي الناقة)، ﴿ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ ﴾ من رحمة اللهِ تعالى. الآية 69، والآية 70: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى ﴾ يعني: ولقد جاءت الملائكة - في صورة بَشَر - إلى إبراهيم عليه السلام، لِيُبَشِّروه بإنجاب الولد - ولم يكن يعلم أنهم ملائكة -، فلَمَّا رأوه ﴿ قَالُوا ﴾ له: ﴿ سَلَامًا ﴾، فـ ﴿ قَالَ ﴾ إبراهيمُ رَدًّا على تحيتهم: ﴿ سَلَامٌ ﴾ ﴿ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾: أي فذهب سريعًا وجاءهم بعِجلٍ سمين مَشويٍّ ليأكلوا منه، ﴿ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ ﴾ أي لا تَصِل إلى العِجل الذي جاءهم به، ولا يأكلون منه: ﴿ نَكِرَهُمْ ﴾ أي أنكَرَ ذلك منهم، ﴿ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ﴾ يعني: وأحَسَّ في نفسه بخوفٍ منهم (لأنه ظن أنهم أرادوا به شراً عندما لم يأكلوا)، فـ ﴿ قَالُوا ﴾ له: ﴿ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ أي إننا ملائكة ربك، وقد أُرسلنا إلى قوم لوط لإهلاكهم. الآية 71: ﴿ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ ﴾ يعني: وامرأة إبراهيم - سارة - كانت قائمة مِن وراء الستر تَسمع الكلام، ﴿ فَضَحِكَتْ ﴾ تعجبًا مِمَّا سمعتْ، ﴿ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ ﴾: أي فبَشَّرَها اللهُ تعالى - على ألسِنة الملائكة - بأنها ستَلِد ولدًا يُسَمَّى "إسحاق" ﴿ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ ﴾ أي: وسيكونُ لها حفيدٌ من إسحاق يُسَمَّى يعقوب. الآية 72: ﴿ قَالَتْ ﴾ سارة مُتعجبة: ﴿ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ ﴾ ﴿ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا ﴾ يعني: وهذا زوجي في حال الشيخوخة والكِبَر؟ ﴿ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ ﴾. الآية 73، والآية 74، والآية 75: ﴿ قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾ وقدرته؟، فما زالت ﴿ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ ﴾ يا ﴿ أَهْلَ الْبَيْتِ ﴾ يعني يا أهل بيت النُبُوّة، ومعنى الآية: (لا تتعجبي مِن أمْر اللهِ تعالى، لأنّ إعطاءكم الولد هو رحمةٌ من الله وبَرَكة ، وأنتم أهلٌ لتلك الرحمة والبَرَكة، فلا عَجَبَ إذاً في وقوعها عندكم)، (واعلم أنّ البَرَكة هي الزيادة مِن الخير والإحسان) ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ حَمِيدٌ ﴾: أي مُستحق للثناء في كل حال، ﴿ مَجِيدٌ ﴾: أي ذو مَجْدٍ وعَظَمة. ♦ واعلم أنّ في قول الملائكة لامرأة ابراهيم: ﴿ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ دليلٌ على أنّ امرأة الرجل تُعتبَر مِن أهل بيته، وفي هذا رَدٌّ واضح على مَن يَزعمون أنهم يُحبون أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يُعادونَ زوجاته. الآية 76: ﴿ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ﴾ أي: فلمَّا زالَ عن إبراهيم الخوف الذي أصابه لعدم أكل الضيوف من الطعام ﴿ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى ﴾ بإسحاق ويعقوب: إذا به ﴿ يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ﴾: أي يجادل رُسُلنا - فيما أرسلناهم به - من إهلاك قوم لوط، ثم ذَكَرَ تعالى سبب مجادلة إبراهيم عليه السلام للملائكة بشأن قوم لوط، فقال: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ ﴾ أي كثير العفو وتَحَمُّل الأذى، لا يُحب المُعاجَلة بالعقاب، ﴿ أَوَّاهٌ ﴾: أي كثير الدعاء والتضرع إلى اللهِ تعالى، ﴿ مُنِيبٌ ﴾: أي يُكثِرُ التوبةَ مِن التقصير، ويُحاسب نفسه على كل ما يَصدر منها. ♦ فبذلك وضَّحَ سبحانه أن إبراهيم عليه السلام كان حليماً رقيق القلب، وكان أوَّاهاً (أي يُكثر مِن قول كلمة (آه) إذا رأى أو سَمِعَ ما يَسُوءه)، وكانَ كثير التوبة والرجوع إلى اللهِ في أموره كلها، فلذلك أراد تأخير العذاب عنهم لعلهم يَتوبون، ولكنّ اللهَ عَلِمَ أنهم لن يَتوبوا، فلذلك قالت له الملائكة: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا ﴾ أي أعرِض عن هذا الجدال في أمْر قوم لوط وطلب الرحمة لهم، فـ ﴿ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ﴾ بهلاكهم، ﴿ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ﴾ أي غير مَدفوعٍ عنهم. الآية 77: ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا ﴾ لإخباره بأمْر إهلاك قومه: إذا به قد ﴿ سِيءَ بِهِمْ ﴾: أي أصابه الغَمّ لمَجيئهم ﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا ﴾ أي: وعَجَزَ عن تدبير خَلاصهم (لأنهم جاءوا له في صورة شباب في غاية الجمال، فخاف عليهم مِن قومه أن يُريدوا بهم الفاحشة، ولم يكن يعلم أنهم ملائكة)، ﴿ وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ﴾ أي: هذا يومُ بلاءٍ وشدة. الآية 78: ﴿ وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ أي: وجاء قومُ لوط يُسرعون إليه، ﴿ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ أي: وكانوا مِن قبل مَجيئهم يأتون الرجال شهوةً مِن دون النساء، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم لوط: ﴿ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ ﴾ - أي بنات القرية جميعاً - ﴿ بَنَاتِي ﴾، تَزَوَّجوهنَّ فـ ﴿ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ ﴾ مِمّا تريدون (وسَمَّاهُنّ بناته، لأنّ نَبِيّ الأُمّة بمَنزلة الأب لهم، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود - رضي اللهُ عنه - في سورة الأحزاب: (وأزواجه أمهاتهم وهو أبٌ لهم)). ♦ ثم قال لهم لوط: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ واحذروا عقابه، ﴿ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي ﴾ أي: ولا تفضحوني بالاعتداء على ضيفي، ﴿ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ﴾: يعني أليس منكم رجل عاقلٌ حكيم، يَنهى مَن أرادَ الفاحشة، ويَمنعه عمَّا يريد؟! الآية 79، والآية 80: ﴿ قَالُوا ﴾ أي: قال قوم لوطٍ له: ﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ ﴾: أي لقد علمتَ مِن قبلُ أنه ليس لنا رغبة في نكاح النساء، ﴿ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ ﴾ أي لا نريد إلا الرجال الذين عندك، فـ ﴿ قَالَ ﴾ لهم حين رفضوا الاستجابة له: ﴿ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾: يعني يا لْيْتَ لي قوة أدفعكم بها، ﴿ أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ يعني: ولو أني أركَن إلى عشيرةٍ قوية تمنعني منكم، لاستطعتُ أن أمنعكم عمّا تريدون، (وقد أرادَ بذلك أنه ليس له أنصارٌ، لأنّه كان غريباً بينهم) ، (ويُحتمَل أن يكون معنى هذه الجملة: ﴿ أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾ أي: بل سَآوي إلى اللهِ سبحانه وتعالى ليَعصمني منكم). الآية 81: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قالت له الملائكة - لمَّا رأوا شدة خوفه ونَفاد حيلته -: ﴿ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ ﴾ وقد أرْسَلَنا سبحانه لإهلاك قومك، وإنهم ﴿ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ ﴾ بسُوء بعد أن نَنصرف عنك، (كما قال تعالى في سورة القمر: (﴿ وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ﴾ أي فأعميناهم حتى لا يَصلوا إلى الملائكة). ♦ ثم قالت له الملائكة: ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ﴾: أي فاخرج مِن قريتك أنت وأهلك المؤمنون ﴿ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ﴾: أي بعد مرور جزء من الليل (يعني قبل الفجر بكثير)، لتتمكنوا من البُعد عن قريتكم، وأسرِعوا بالخروج، وليَكُن هَمُّكم النجاة، ﴿ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ﴾ وراءه، حتى لا يَرى العذاب فيُصيبه ﴿ إِلَّا امْرَأَتَكَ ﴾ فاتركها، فـ ﴿ إِنَّهُ مُصِيبُهَا ﴾ من العذاب (مَا أَصَابَهُمْ) (لأنها كانت تَدُلّ قومها على ضيوف لوط)، ثم قالت له الملائكة: ﴿ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ﴾، فكأنّ لوطاً استعجل ذلك العذاب، فقالوا له: ﴿ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾؟، والجواب: بلى قريب. الآية 82، والآية 83: ﴿ فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا ﴾ بنزول العذاب بهم: قلَبْنا قريتهم التي كانوا يَعيشون فيها، فـ ﴿ جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾ ﴿ وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴾) وهي حجارة صَلبة شديدة الحرارة، ﴿ مَنْضُودٍ ﴾ أي متتابعة في نزولها،وتَتْبَعُ مَن يُحاول الهرب منها، ﴿ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ ﴾: أي مُعَلَّمَة عند اللهِ تعالى بعلامةٍ معروفة لا تُشبه حجارة الأرض، ﴿ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ أي: وما هذه الحجارة التي أمطرها اللهُ على قوم لوط ببعيدةٍ مِن كفار قريش أن يُمْطَروا بمِثلها (وفي هذا تهديدٌ لكل عاصٍ متمرِّد على الله). * وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الخامس من سورة هود كاملا بأسلوب بسيط • الآية 84: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة مَدْيَن: ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾، فـ﴿قَالَ﴾لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحده، فـ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ يَستحق العبادة ﴿غَيْرُهُ﴾ فأخلِصوا له العبادة،﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: ولا تنقصوا الناسَ حقوقهم في مَكاييلهم ومَوازينهم، ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: يعني إني أراكم في سَعَةٍ من العيش، لا تحتاجون معها إلى هذا الغش في الميزان، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ - بسبب إنقاص الكَيل والميزان - ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي يُحِيطُ بكم، ولا يُبقِي منكم أحداً. ♦ واعلم أنّ هذا مِن آداب النصيحة: أن تبدأ بالثناء على مَن تنصحه - فإنّ الناسَ قد فَطَرَهم اللهُ على حُبّ مَن يَمدحهم -، وذلك بأنْ تَذكُر له أيَّ صفةٍ جيدة فيه، كأنْ تقول له: (واللهِ أنا سعيد جداً لأنك حريص على صلاة الجماعة، ولكني - واللهِ - أخافُ عليك مِن فِعل كذا، لأني أحبك)، فبهذا يَقبل منك النصيحة. • الآية 85، والآية 86: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يعني أتِمُّوا الكَيل والميزان بالعدل، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أي: ولا تُنْقِصوا الناس حقهم في عموم أشيائهم. ♦ واعلم أنه قد أعاد النداء عليهم في قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ بعد أن نَهاهم عن ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾، وذلك لزيادة التأكيد والتنبيه على إيفاء الكَيل والميزان. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: ولا تسعوا في الأرض بأنواع الفساد، كالشرك والمعاصي (ومِن ذلك أكْلُكُم أموال الناس بالباطل)، فـ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ﴾ يعني: ما يَتبقى لكم من الربح الحلال - بعد إتمام الكَيل والميزان - هو﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ممَّا تأخذونه بالغش وغير ذلك من الكسب الحرام، فإنّ اللهَ يُبارك لكم في الحلال - ولو كان قليلاً - بشرط: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (فإنّ البَقية لا تكونُ خيراً إلاّ للمؤمنين)، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾:يعني وما أنا عليكم برقيب أحفظ عليكم أعمالكم وأحاسبكم عليها، وإنما أُبَلِّغكم ما أُرْسِلتُ به إليكم. • الآية 87: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ﴾ التي تُداوم عليها ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ من الأصنام، ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾: يعني وتأمرك أيضاً أن نَمتنع عن التصرف في كَسْب أموالنا بما نشاءُ مِن احتيالٍ ومكر؟!، ثم قالوا - استهزاءً به -: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (ومعنى كلامهم: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، ويكونُ آباؤنا هم السُفهاء الضالون؟!)، وهذا كقول الملائكة لأبي جهل - وهو في النار -: ﴿ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم﴾. ♦ واعلم أنهم قالوا له: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾، ولم يقولوا له: ﴿أدِينُكَ يَأْمُرُكَ﴾، لأنّ الصلاة كانت مِن عِماد الشرائع كلّها، وكان المُكذبون في كل أُمَّةٍ يُنكرونها ويَستهزئون بفاعلها، فلَمَّا كانت الصلاة هي الأمر الظاهر مِن دينه، ورأوه يُداوم على فِعلها، جعلوها هي التي تأمره بالإنكار عليهم. • الآية 88: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على يَقينٍ وطُمأنينة مِمّا أوحاه إليَّ ربي وأمَرني أن أدعوكم إليه، وهو أن تعبدوه وحده لا شريك له - لأنه الخالق الرازق المُستحق وحده للعبادة - وأن تنتهوا عن الغش في الميزان، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي رزقًاً حلالاً طيبًا، فأخبِروني إذاً: هل يَليقُ بي أنْ أُنكِر هذا الحق والخير وأتَّبعكم على باطلكم؟ لا يكونُ ذلك أبداً. ♦ وقد قيل: إنّ المُراد بالرزق الحَسَن هنا هو نعمة النُبُوّة والرسالة، وإنّما عَبّرَ عنها بالرزق ليُشابه قولهم: (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء)، لأنّ الأموال رِزق، والنُبُوة والهداية أيضاً رِزق، واللهُ أعلم. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ يعني: وما أريد أن أرتكب أمرًا نَهيتكم عنه، بل إنني سأكونُ أوّل مَن يَتركه، لأكون قدوةً لكم، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ يعني: وما أريد بدعوتي لكم إلا إصلاحكم قَدْر استطاعتي، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي﴾ - في محاولة إصلاحكم-﴿إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (لا بِحَولي ولا بقوتي)، فإني ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي عليه وحده اعتمدتُ في الثبات على دينه الحق، وفي حمايتي مِن كَيدكم، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ يعني: وإليه أرجع في كل أموري. • الآية 89: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾: أي لا تَحمِلنَّكم عداوتكم لي على العناد والإصرار على ما أنتم عليه ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أي حتى لا يُصيبكم﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الهلاك، ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾: يعني وما قومُ لوطٍ - وما نَزَلَ بهم من العذاب - ببَعِيدِين عنكم لا في المكان ولا في الزمان. • الآية 90، والآية 91: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ نادمينَ على ما فعلتم، مُعترفين بخطئكم،﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من الشرك والمعاصي وارجعوا إليه بالإيمان والطاعة، ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ أيكثير المَوَدَّة والمَحبة لمن تاب إليه، فيَرحمه ويَقبل توبته (واعلم أنّ معنى الودود: أنه سبحانه يُحب عباده المؤمنين ويُحبونه). ♦ فلَمَّا تضايقوا من نصائحه ومَواعظه لهم ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ أي لا نفهم﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ (ذلك لبُغضهم لِمَا جاءهم به، لأنه يُخالف أهوائهم)، ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ أي لستَ من الكُبَراء ولا من الرؤساء، ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾: يعني ولولا مُراعاة عشيرتك لقتلناك رَجْماً بالحجارة - وكانت عشيرته مِن أهل مِلَّتِهم -، ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾: يعني وليس لك قَدْرٌ واحترامٌ في نفوسنا. • الآية 92: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي﴾ يعني أعَشيرتي﴿أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾؟ ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: وتركتم أمْرَ ربكم فجعلتموه خلف ظهوركم، ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي لا يَخفى عليه شيئٌ من أعمالكم، وسيُجازيكم عليها عاجلاً أو آجلاً. • الآية 93: ﴿وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي اعملوا على طريقتكم - التي أنتم عليها من مُخالفتي وعداوتي -، فـ ﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ على طريقتي التي شرعها لي ربي، ولن أتركها مهما فعلتم، ثم هَدَّدَهُم بقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ - عند حلول العذاب بكم - ﴿مَنْ﴾ مِنّا الذي﴿يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي يُذِلُّه، ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في قوله، أنا أم أنتم؟ ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أي: وانتظروا ما سيَحِلّ بكم، فإني معكم من المنتظرين (وفي هذا تهديدٌ شديدٌ لهم). • الآية 94، والآية 95: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ بإهلاك قوم شعيب ﴿نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ من السماء فأهلكتهم، ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ أي باركينَ على رُكَبهم، مَيّتينَ لا حِرَاك لهم ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾: يعني كأنهم لم يُقيموا في ديارهم وقتًا من الأوقات،﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ إذ أهلكها اللهُ وأذَلَّها﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (وَوَجْه الشَبَه بين هاتين القبيلتين (مَدين وثمود) هو نوع العقاب المُشترَك بينهما، وهو عذاب الصيحة، واللهُ أعلم﴾. ♦ ويُلاحَظ أنّ اللهَ تعالى قال في قصة صالح: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، وقال في قصة شعيب: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، فجاء الفعل: ﴿أخَذَ﴾ مَرّة مُذكراً ومَرّة مُؤنثاً، فما السبب؟ • والجواب: أنّ كلمة ﴿الصيحة﴾ ليست مُؤنّثاً حقيقياً، بمعنى أنه يجوز أن تأتي مع الفِعل المُذَكَّر: ﴿أخذ﴾، كما يجوز أن تأتي مع الفِعل المُؤنَّث: ﴿أخذتْ﴾. ♦ والفرق بين المؤنث الحقيقي والمؤنث المَجازي: أنّ المؤنث الحقيقي هو كل ما يَلد أو يَبيض، وأما المؤنث المَجازي فهي كلمات استُعمِلتْ بصيغة المؤنث، مع أنها مما لا يَبيض ولا يَلد, مثل: (شجرة, كلمة, يد, شمس, طريق, تفاحة, صيحة، وغير ذلك). ♦ ففي قصة قوم صالح جاء الفعل ﴿أخذ﴾ مُذكراً، لأنه تعالى ذَكَرَ قبلها كلمة ﴿الخزي﴾ وهي كلمة مُذكَّرة، وذلك في قوله: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾، ثم قال بعدها: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ فكان هذا أنسب لتذكير الفعل ﴿أخذ﴾. • وأما في قصة قوم شعيب فلم يَذكر اللهُ كلمة ﴿الخزي﴾، ولكنه ذكَرَ - في سور أخرى - عذاب قوم شعيب بلفظ: (الرجفة والظلة)، فكان هذا أنسب لتأنيث الفعل ﴿أخذتْ﴾، والله أعلم. • الآية 96، والآية 97، والآية 98: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا﴾ الدالّة على أنه رسولٌ من عند اللهِ تعالى، وهي الآيات التسع التي أعطاها اللهُ له فهَزَمَ بها فرعون، (وهي العصا واليد والطوفان، والجَراد والقُمَّل والضفادع، والدم ونقص من الثمرات والأنفس)، ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾أي: وأرسلناه بحُجَّةٍ قوية واضحة، تُبَيِّن لمن تأمَّلها وجوب توحيد اللهِ تعالى وبُطلان ألوهية مَن سواه. ♦ واعلم أنه يُحتمَل أن يكون المراد بالسُلطان المُبِين: ﴿العصا﴾، وإنما أعاد ذِكرها بعد أن ذَكَرَ الآيات عموماً، لأنّ العصا أشهر الآيات وأقواها، وبها هُزِمَ السَحَرة، واللهُ أعلم. ♦ فأرسلناه بهذه الآيات ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ وهم أكابر أتْباعه وأشراف قومه، فكفر فرعون وأمَرَ قومه أن يَتَّبعوه على الكفر ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ وأطاعوه، وخالفوا أمْرَ موسى، ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾أي:وليس في أمْر فرعون رُشْدٌ ولا هُدى، وإنما هو جَهْلٌ وضَلال وكُفرٌ وعِناد، وإنه ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ﴾ أي يَتقدم قومه حتى يُدخلهم النار يوم القيامة، ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾أي: وقبُح هذا المُدخَل الذي يَدخلونه، وهو جهنم. • الآية 99: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ أي: وأتْبعهم اللهُ في هذه الدنيا لعنةً، فأخبارهم القبيحة قد وصلتْ إلى كل وقتٍ وجيل، فيَلعنهمالمؤمنون ويَذمُّونهم، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لهم أيضاً لعنة، بطَردهم من الجنة وإدخالهم النار، ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾:أي قَبُحَ العطاءَ المُعطَى (وهو الغرق في الدنيا، مع لعنة الدنيا والآخرة). • الآية 100، والآية 101: ﴿ذَلِكَ﴾ القصص الذي ذكرناه لك - أيها الرسول - هو﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾ التي أهلكنا أهلها﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ أي نُخبرك به لتُنذر به قومك، ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ يعني: ومِن تلك القرى ما له آثارٌ باقية، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ أي: ومنها ما قد مُحِيَتْ آثاره، فلم يَبْق منه شيء، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بشِركهم وإفسادهم في الأرض، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي فما نَفعتهم آلهتهم التي كانوا يَدعونها ويَطلبون منها أن تدفع عنهم الضر﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بعذابهم، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أي: وما زادتهم آلهتهم إلا تدمير وإهلاك وخُسران. • الآية 102: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: يعني وكما أخَذَ ربك أهل هذه القرى الظالمة بالعذاب، فكذلك يأخذ غيرهم إذا ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ﴾ بالعقوبة﴿أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ لا يُطاق ولا يُحتمَل. • الآية 103، والآية 104: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً﴾: يعني إنّ في أخْذِنا لأهل هذه القرى الظالمة لَعِبرةً وعِظة ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ﴾ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ جميعًا للحساب والجزاء، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أي يَشهده الخلائق كلهم، ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ يعني إلا لانتهاء مُدَّة مَعدودة في عِلمنا، لا تزيد ولا تنقص. • الآية 105: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يعني: يوم يأتي يوم القيامة، لا تتكلم نفسٌ إلا بإذن ربها، ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ مُستحِقّ للعذاب، ﴿وَسَعِيدٌ﴾ قد تفضَّلَ اللهُ عليه بالنعيم، بسبب ما قدَّمَ من الإيمان والعمل الصالح. • الآية 106، والآية 107: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾: أي فأمّا الذين أصابهم الشقاء - لفساد عقيدتهم وسُوء أعمالهم - فالنار مُستَقرُّهم، ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ فإذا رأوا أحد أصناف العذاب مُقبلٌ عليهم، شَهقوا من الخوف، فإذا أصاب أجسادهم، صرخوا من شدة الألم، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فلا يَنقطع عذابهم ولا يَنتهي ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ مِن إخراج عُصاة المُوَحِّدين بعد مدَّة مِن بَقاءهم في النار﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. • الآية 108: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾: يعني وأما الذين رزقهم اللهُ السعادة فيَدخلون الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾: يعني إلا الفريق الذي شاء اللهُ تأخيره، وهم عُصاة المُوَحِّدين، فإنهم يَبقون في النار فترة من الزمن حتى يُنَقّوا مِن ذنوبهم، ثم يُخرجهم اللهُ منها إلى الجنة، ويُعطيربك هؤلاء السُعداء في الجنةِ مِن أصناف النعيم ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غيرَ مقطوعٍ عنهم. • الآية 109: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾: أي فلا تكن - أيها الرسول - في شَكٍّ مِن بُطلان هذه الأصنام التي يَعبدها مُشركوا قومك، فـ ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني: فإنما هم مُقلدون لآبائهم بغير علمٍ أو دليل، ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ أي: وإنَّا لَمُعطُوهم ما وعدناهم به من العذاب تامّاً﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الاخير من سورة هود كاملا بأسلوب بسيط • الآية 110: ﴿ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ - وهو التوراة - ﴿ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ﴾: أي فاختَلَفَ فيه قومه، فآمَنَ به جماعة وكَفَرَ به آخرون (كما فَعَلَ قومك بالقرآن أيها الرسول)، ﴿ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ ﴾ بأنه لا يُعَجِّل لخَلقه العذاب في الدنيا: ﴿ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾: أي لَنَزَلَ بهم قضاءُهُ في الدنيا بإهلاك المُكذِّبين ونجاة المؤمنين، ﴿ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ﴾ يعني: وإنّ الكفار لَفي شَكٍّ مِن هذا القرآن مُوقع في الحيرة والقلق (وذلك بسبب فساد قلوبهم واتِّباعهم لأهوائهم). • الآية 111: ﴿ وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ ﴾ يعني: وإنّ كل العباد - مُؤمنهم وكافرهم - لَيُعطِيَنَّهم ربك جزاءَ عملهم كاملاً يوم القيامة، ﴿ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ لا يَخفى عليه شيءٌ من أعمالهم، فلذلك لن يكونَ جزاءه إلا عادلاً. • الآية 112: ﴿ فَاسْتَقِمْ ﴾ - أيها النبي - ﴿ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ أي كما أمَرَك ربك، ﴿ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾: أي استقم أنت ومَن تابَ مِن المؤمنين الذين معك (لأنّ الإيمان توبة من الشّرك)، ﴿ وَلَا تَطْغَوْا ﴾ أي: ولا تتجاوزوا حدود اللهِ تعالى، ﴿ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ وسيُجازيكم على أعمالكم. ♦ وقد قال عبد الله ابن عبّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾: (ما نَزَلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية هي أشَدّ ولا أشَقّ مِن هذه الآية عليه)، ولذلك حين قال له أبو بكر رضي الله عنه: (يا رسول الله، قد شِبتَ)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شَيَّبَتني هود والواقعة والمُرسَلات وعَمّ يَتساءلون وإذا الشمس كُوِّرَت) (انظر السلسلة الصحيحة ج:2/639)، وقد سُئِلَ صلى الله عليه وسلم عمّا شَيَّبَه في هود فقال: (قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)). ♦ فعليك أخي الحبيب أن تُسارع بالتوبة، فالموتُ يأتي فجأة، فلا يَخدعك طُول الأمل، وذلك بأن تقول في نفسك: (أنا أعلم أني سأموت، ولكنْ ليس الآن)، فلعل آخر فرصة للتوبة هي التي أنت فيها الآن، ثم تجد نفسك بين يَدَي المَلك الجبار، في لحظةٍ خاطفةٍ مِن ليلٍ أو نهار، وحينها لن يَنفعك الندم، ولن يَرحم بكائك أحد، فأسرِع ولا تتردد، وقِف مع نفسك وقفة العُمر، اللهم إنا نعوذ بك من طُول الأمل وتأخير التوبة. • الآية 113: ﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ أي لا تَميلوا إليهم بمَحبتهم أو بالرضا عن أعمالهم ﴿ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ﴾: أي حتى لا تصيبكم النار (لأنكم إذا رضيتم عن أعمالهم، أصبحتم مِثلهم، ودخلتم النار معهم)، ﴿ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ﴾ يَنفعونكم ويَتولون أموركم في الدنيا، ﴿ ثُمَّ ﴾ إذا مَسَّتكم النار في الآخرة ﴿ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ أي لا تجدون مَن يَنصركم ليُخفّف عنكم عذاب النّار أو يُخرجكم منها. • الآية 114، والآية 115: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ يعني: وأَدِّ الصلاةَ على أتمِّ وجه، ﴿ طَرَفَيِ النَّهَارِ ﴾ أي في الصباح والمساء، ﴿ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ﴾ يعني: وفي ساعاتٍ من الليل، ﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي الأمر بإقامة الصلاة وبيان أنّ الحسنات تمحو السيئات، هو ﴿ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ ﴾: أي موعظة لمن اتعظ بها وتذكر. ﴿ وَاصْبِرْ ﴾ - أيها النبي - على الصلاة، وعلى ما تَلْقاه مِن أذى المشركين، ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي لا يُضيع جزاءهم يوم القيامة) والمُحسنون هم الذين يُخلصون أعمالهم للهِ تعالى ويؤدونها على الوجه الأكمل، فتَنتج لهم الحسنات التي يُذهِب اللهُ بها السيئات). • الآية 116: ﴿ فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾: أي فهَلاَّ وُجِدَ من القرون الماضية ﴿ أُولُو بَقِيَّةٍ ﴾ أي أصحابُ بقيّة (يعني أصحاب دين وفَهم وعقل) ﴿ يَنْهَوْنَ ﴾ المشركين الظالمين ﴿ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ ﴾؟، والجواب: لم يكن بينهم أحدٌ من أهل الخير والصلاح ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾: يعني إلا قليلاً مِمَّن آمَن، فنَجَّاهم اللهُ مِن عذابه، ﴿ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ ﴾ (والتَرَف هو النعيم والسعة في العَيش)، ومعنى أنهم اتَّبعوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ: أي أقبلوا على متاع الدنيا الفاني - إقبال المُتّبِع على مَتبوعه - ورفضوا الانقياد لدين اللهِ تعالى واتِّباع رُسُله ﴿ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ لأنّ اللهَ هو الذي أعطاهم هذا النعيم فلم يَشكروه، ولم يَمتثلوا أوامره، فأهلكهم اللهُ تعالى. • الآية 117: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾، وإنما يُهلكهم بسبب ظُلمهم وفسادهم. • الآية 118، والآية 119: ﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ أي لَجَعَلَ الناس كلهم جماعةً واحدة على دينٍ واحد وهو الإسلام، ولكنه سبحانه لم يَشأ ذلك لحكمةٍ يَعلمها، ﴿ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ﴾ في أديانهم ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾ فآمَنوا به واتَّبعوا رسله (فهؤلاء لا يَختلفون في توحيد الله تعالى)، ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ أي: وقد شاء سبحانه أن يَخلقهم مُختلفين، ليظهر للخلق قدرته ورحمته وعدله ومغفرته، ولكنه أيضاً أرسل لهم الرسل، وأوضح لهم طريق الخير وطريق الشر. ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ أي: وبهذا يَتحقق وَعْد ربك في قضائه بأنه سيَملأ جهنم من الجن والإنس الذين اتَّبعوا إبليس وجنوده ولم يَهتدوا للإيمان كِبراً وعِناداً. • الآية 120: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ ﴾ - أيها النبي - ﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ (والمعنى: ونَقص عليك كل ما تحتاج إليه من أخبار الرسل مع أقوامها، مما يكونُ فيه تثبيتاً لقلبك وقوةً لعزيمتك، حتى تُواصِل دعوتك وتُبَلِّغ رسالتك). ﴿ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ ﴾ أي: وقد جاءك في هذه السورة - وما اشتملت عليه من أخبار - بيان الحق الذي أنت عليه، ﴿ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: وجاءك فيها موعظةً يَرتدع بها الكافرون، وذِكرى يَتذكر بها المؤمنون. • الآية 121، والآية 122: ﴿ وَقُلْ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ من قومك: ﴿ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾: أي اعملوا على طريقتكم - التي أنتم عليها - في مقاومة الدعوة وإيذاء الرسول والمُستجيبين له، فـ ﴿ إِنَّا عَامِلُونَ ﴾ على طريقتنا من الثبات على ديننا وتنفيذ أوامر الله، ﴿ وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ﴾ أي: وانتظروا ما سيَحِلّ بكم، فإننا معكم مُنتظرون (وفي هذا تهديدٌ شديدٌ لهم). • الآية 123: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ يعني: وللهِ سبحانه وتعالى عِلمُ كل ما غابَ في السماوات والأرض ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾ يوم القيامة، ﴿ فَاعْبُدْهُ ﴾ - أيها النبي - ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ من الخير والشر، وسيجُازي كلاًّ بعمله. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأول من سورة يوسف كاملا بأسلوب بسيط • الآية 1: ﴿الر﴾ سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة. ﴿تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي: هذه هي آياتُ الكتاب الواضح في مَعانيهِ وهُداه، وحلاله وحرامه. • الآية 2: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ﴾ - أيها العَرَب - ﴿تَعْقِلُونَ﴾ أي تَعقلونَ مَعانيه وتَفهمونها، وتَعملونَ بهَدْيِه. • الآية 3: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ - أيها الرسول - ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ يعني أصَحّ القصص وأصْدَقه، وأنْفَعَهُ وأجْمَلَه، وذلك﴿بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ أي بواسطة وَحْيِنا إليك ﴿هَذَا الْقُرْآَنَ﴾-لأنّ هذه القصص تكونُ عن طريق الوحي - ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ يعني:وقد كنتَ - قبلَ إنزال القرآن عليك - من الغافلين عن هذه الأخبار، لا تَدري عنها شيئًا. • الآية 4: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ﴾ أي اذكر - أيها الرسول - لقومك قَوْلَ يوسف لأبيه يعقوب: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ في المنام ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (فكانت هذه الرؤيا بُشرَى لِمَا وَصَلَ إليه يوسف عليه السلام مِن عُلُوِّ المَنزلة في الدنيا والآخرة). • الآية 5: ﴿قَالَ﴾ يَعقوب لابنه يوسف: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ - وقد كانوا إخوته مِن أبيه، ولَيسوا أشِقَّاء له - ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ أي فيَحسدوك ويُعادوك، ويَسعوا في إهلاكك، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي عداوته ظاهرة للإنسان. • الآية 6: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ يعني: وكما أراكَ ربك هذه الرؤيا، فكذلك يَصطفيك ويَختارك﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي يُعَلِّمك تفسير ما يَراهُ الناسُ في مَنامهم، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ﴾ بالنُبُوَّة والرسالة ﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمَن يَستحق الاصطفاء والاختيار من عباده، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير أمور خَلقه. • الآية 7: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ﴾أي في قصة يوسف﴿وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ﴾ أي أدلة تدل على قدرة اللهِ وحِكمته، وفيها عِبَرٌ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ الذين يَسألون عن أخبارهم، ويَرغبون في مَعرفتها. • الآية 8، والآية 9: ﴿إِذْ قَالُوا﴾ أي اذكُر حين قال إخوة يوسف فيما بينهم: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾:يعني إنّ يوسف وأخاه الشقيق "بِنيامين"﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾، لأنه يُفضِّلهما علينا ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾: أي ونحن جماعة (وكان عددهم تسعة) فكيف يُفَضِّل الاثنين على التسعة؟! ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾: يعني إنّ أبانا لَفي خطأٍ واضح، حيثُ فضَّلهما علينا من غير سبب، إذاً فـ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ ﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ يعني أو ألقوا به في أرض مجهولة بعيدة عن العُمران، وبذلك ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾: أي يَخلُص لكم حُبّ أبيكم وإقباله عليكم، ولا يَلتفت عنكم إلى غيركم ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ - أي مِنْ بعد قَتْل يوسف أو إبعاده - ﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ تائبينَ إلى الله، مُستغفرينَ له مِن ذنبكم، (وفي هذا دليل على أنّ إظهار المَيل إلى أحد الأبناء بالحب، يُورثُ العداوة بين الإِخوة). • الآية 10: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ - لأنّ القتل جريمة فظيعة - ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ يعني: وألقوه في جَوف البئر:﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ أي يَلتقطه بعض المارَّة مِن المُسافرين فتستريحوا منه، هذا ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾: يعني إن كنتم فاعلينَ شيئاً تجاه أخيكم، فهذا أفضل الطرق لذلك. • الآية 11، والآية 12: ﴿قَالُوا﴾ لأبيهم - بعد اتفاقهم على إبعاد يوسف -: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ مع أنه أخونا، ونحن نريد له الخير، ونخاف عليه ونَرعاه، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ يعني: ونحن نَخُصُّهُ بخالص النصيحة؟، ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ عندما نخرج إلى مَراعِينا﴿يَرْتَعْ﴾: أي يَنشط ويفرح، ﴿وَيَلْعَبْ﴾ بالتسابق وغير ذلك من اللعب المُباح، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ مِن كل ما تخافُ عليه. • الآية 13: ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوب عليه السلام: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾: يعني إني لَيُؤلم نفسي مُفارقته إذا ذهبتم به إلى المراعي، ﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ يعني وأنتم مُنشغلون عنه في مَراعيكم. • الآية 14، والآية 15: ﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ أي ونحن جماعة قوية:﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ أي لا خيرَ فينا. ♦ فأرْسَلَهُ أبوهم معهم ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ يعني: وأجمَعوا على إلقائه في جَوف البئر، ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ أي: وأعْلَمَ اللهُ يوسفَ بطريقٍ خَفِيٍّ سريع: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾: أي سوف تُخبر إخوتك مُستقبَلاً بما فعلوه بك، ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أننا أوحينا إليه بذلك (وفي هذا بِشارةٌ له بأنه سيَنجو مِمّا وقع فيه). ♦ وقد قال بعض المُفسرين في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أي لن يَعرفوا - حينما تُعاتبهم - أنك أخوهم، وذلك إخبارٌ بما وقع بعد سنين، مِمّا حَكاهُ اللهُ في هذه السورة بقوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾. • الآية 16: ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً﴾ أي في وقت العِشاء - مِن أول الليل - ﴿يَبْكُونَ﴾ ويُظهِرون الأسف والخوف. • الآية 17: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي نَتسابق في الجَرْي والرمْي بالسهام، ﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ أي عند طعامنا وثيابنا، وما فارقناه إلا وقتًا قليلاً ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ يعني: وما أنت بمُصَدِّقٍ لنا﴿وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: ولو كنا مَوصوفين بالصدق، وذلك لشدة حُبِّك ليوسف. • الآية 18: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: وجاؤوا بقميصه مُلَطَّخًا بِدَمٍ غير دَم يوسف، (وقد قيل إنهم - بعد أنْ ألقوا يوسف في البئر - ذبحوا حيواناً صغيراً يُشبه الماعز ولَطَّخُوا بِدَمِه قميص يوسف، واللهُ أعلم)، فـ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوب عليه السلام: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أي: ليس الأمر كما تقولون، ولكنْ زيَّنت لكم أنفسكم الأمَّارة بالسُوء أمرًا قبيحًا في يوسف، فرأيتموه حَسَنًا وفعلتموه، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي: فصَبْري صَبْرٌ جميل، لا تَسَخُّطَ فيه، ولا شكوى معه لأحدٍ من الخَلق ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ أي: وأستعينُ باللهِ لِيُصَبِّرَني على تَحَمُّل هذا الوصف الكاذب الذي تَحكونه لي. ♦ وإنما فَوَّضَ يعقوب عليه السّلام الأمْرَ إلى اللهِ تعالى، ولم يَسْعَ للكشف عن مَصير يوسف، لأنه عَلِمَ بصعوبة ذلك لِكِبَر سِنِّه، ولأنه لم يكن له أحد يَستعين به على أبنائه، وقد صاروا هم الساعينَ في البُعد بينه وبين يوسف، فيَئِسَ مِن ذلك، وفَضَّلَ الصبر الجميل. ♦ الآية 19، والآية 20، والآية 21: ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ يعني: وجاءت جماعة من المسافرين (وكانوا ذاهبين إلى مصر)، ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾: أي فأرسلوا مَن يأتي إليهم ببعض الماء، ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾: أي فلمَّا أرسلَ الوارد دَلْوَهُ في البئر: تَعَلَّقَ بها يوسف، فـ﴿قَالَ﴾ الوارد: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ يعني: يا بُشرايَ هذا غلامٌ عظيمُ القيمة، ﴿وَأَسَرُّوهُ﴾ يعني: وأخفى الواردُ - وأصحابه - يوسفَ مِن بقية المسافرين فلم يُظهِروهُ لهم، حتى لا يُطالبوهم بالاشتراك معهم في ثَمَنه(بعد أن يَبيعوه)، وأمَّا قوله تعالى: ﴿بِضَاعَةً﴾ يعني إنهم قالوا لهم: (هذه بضاعة، وقد طلب مِنَّا أصحاب الماء أن نوصلها إلى صاحبها بمصر)، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ يعني: واللهُ عليمٌ بما يَعملونه بيوسف. ♦ وقد كان إخوة يوسف يَترددون على البئر ليَعرفوا مَصير أخيهم، فلمَّا رأوه بأيدي الوارد ورِفاقه، قالوا لهم: (هذا عَبدٌ لنا كثير الهرب، وإن أردتم شراءَهُ بِعْنَاه لكم)، فقالوا لهم: (ذاكَ الذي نريد)، فبَاعوه لهم بثَمَنٍ قليل، ولهذا قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي: وباعه إخوته لهؤلاء المسافرين بثَمَنٍ قليل: ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾،﴿وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ أي: وكان إخوته زاهدينَ فيه، راغبينَ في التخلص منه، لأنهم لا يَعلمون مَنزلته عند اللهِ تعالى. ♦ ولمَّا ذهب المسافرون بيوسف إلى "مصر" اشتراه منهم أحد وزرائها، ﴿وَقَالَ﴾ هذا الوزير﴿الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ أي أحسِني معاملته، وأكرِمي إقامته عندنا، ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾: أي لعلنا نستفيدُ مِن خِدمته، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾: يعني أو نُقيمه عندنا مقام الولد (وقد قال ذلك لأنه لم يكن له ولد). ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: وكما أنجينا يوسف من البئر، وكما يَسَّرْنا له أن يَشتريه عزيز "مصر" - وهو الوزير - وجعلناهُ يَعْطِف عليه، فكذلك جعلنا هذا مُقدِّمَةً لتمكينه في أرض "مصر" مِن هذا الطريق، ليَكون على خزائنها - فيما بعد - يَحكمها بالعدل والرحمة، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ أي: وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تفسير الرؤى فيَعرف ما سيَقع منها مُستقبَلاً (ولعل اللهَ تعالى رَبَطَ عِلم التأويل ببيت العزيز، لأنّ يوسف عليه السلام سيَبقى في هذا المكان مُتَفرغاً للتفكر والتعمق في هذا العِلم - الذي وهبه اللهُ له - ليَزداد بذلك عِلماً، مِمّا سيَكونُ سبباً لتمكينه في الأرض عندما يُفَسِّر رؤيا المَلِك)، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ (فإذا أرادَ سبحانه شيئاً، قال له كُن فيكون، ولا أحد يَستطيع أن يَمنع حدوث ما يُريده اللهُ تعالى)، فإنّ الإنسانَ لو تأمَّلَ الأمرَ لَتَعَجَّب: كيف لِغُلامٍ صغير مُلقَى في بئر، أن يَجعله اللهُ فيما بعد على خزائن الأرض؟!، ولكنّ اللهَ تعالى يَفعل ما يريد ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ الأمرَ كله بيد اللهِ. ♦ وفي هذا تصبير للرسول صلى الله عليه وسلم على ما يَجد مِن أذَى أقربائه له، إذ يوسف عليه السلام قد أصابه الأذى من أخوته الذين هم أقرب الناس إليه بعد والديه. ♦ الآية 22: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ يعني: ولمَّا وَصَلَ يوسف إلى مُنتهى قوته في شبابه: ﴿آَتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ أي عَلَّمناهُ كيف يَحكم بين الناس، ﴿وَعِلْمًا﴾ وهو الفقه في الدين، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾يعني: ومِثل هذا العطاء الذي جَزَينا به يوسف على إحسانه، نُعطي المحسنين عِلماً نافعاً جزاءً على إحسانهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ أي عِلماً ونوراً تُفرِّقون بهِ بين الحق والباطل، والهُدى والضلال، والسُنَّة والبِدعة، والحلال والحرام. ♦ الآية 23: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ يعني: وحاولت امرأة العزيز فتنة يوسف، لِحُبِّها الشديد له وحُسن بَهائه، ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ - يعني إنها دَعَتهُ إلى فاحشة الزنا والعِياذُ بالله -،فـ ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ أي أعتصم باللهِ تعالى مِن فِعل الفاحشة، وأستجيرُ به مِن خيانة سيدي ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾: يعني إنه سيدي الذي أحْسَنَ إقامتي في بيته، فلا أخونه في أهله، (وفي نفس الوقت فإنَّ سيده الحق (اللهُ جَلَّ جلاله) قد أكرمه بما سَخّر له من الأمور، فكيف يَخونه فيما حَرَّمَ عليه؟﴾، (واعلم أنهم كانوا يقولون للسيد المالك لفظ: (الرب)، كما نقول: رب البيت﴾، ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾: يعني إنّ مَن تجاوز حدَّهُ لا يُفلِحُ أبداً. ♦ الآية 24: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أي: ولقد مالت نفسها لفِعل الفاحشة، ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ يعني: وحدَّثتْ يوسفَ نفسُه للاستجابة (لأنه بَشَرٌ وليس مَلَكاً)، واعلم أنّ الهَمّ هو خَطرات النفس وليس العمل، والدليل على ذلك قول اللهِ تعالى في الحديث القدسي - كما في الصحيحين -: (مَن هَمَّ بحَسنةٍ فلم يَعملها، كُتِبَتْ له حَسنة). ♦ وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾: يعني لولا أنه رأى آية من آيات ربه تنهاه عمَّا حَدَّثَتْهُ به نفسه (وذلك لأنه اعتصم بربه - في بداية الأمر - قائلاً: مَعاذَ الله، فنَجَّاه الله)، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ﴾ يعني: وإنما أريناه ذلك البرهان لنصرف عنه ﴿السُّوءَ﴾ وهو كل ما يَسُوء الإنسان، ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ وهي الوقوع في جريمة الزنا ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ أي المُختارينَ للرسالة، الذين استخلصناهم لطاعتنا ومَحبتنا، فلا نَرضى لهم أن يَتلوثوا بالذنوب والمعاصي، (واعلم أنّ ذلك يَتضمن أيضاً أنّ يوسف عليه السلام كان يُخلِص عمله لله، فلذلك خَلَّصَهُ اللهُ من السُوء والفحشاء). ♦ وقد قال بعض المُفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أي أرادت أن تضربه عندما امتنع، ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ ليُدافع عن نفسه ويَضربها، ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ أي لولا أنّ اللهَ ألْهَمَهُ أنّ الخير في عدم ضَرْبها، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ وهو ضَرْبها، ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ وهي الزنا. - الآية 25:﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ يعني: وأسرع يوسف إلى الباب يريد الخروج، وأسرعتْ ورائه تحاول الإمساك به، ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي: وجَذبتْ قميصه مِن خلفه - لتمنعه عن الخروج - فقطعتْ القميص. ♦ وفتح يوسف الباب ليَهرب منها، ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ أي: ووجدا زوجها عند الباب (وكانوا يُطلِقون على الزوج لفظ (السيد) لأنه يَملك المرأة﴾، فـ﴿قَالَتْ﴾ لزوجها:﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ يعني: ما جزاء مَن أرادَ بامرأتك فاحشة﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يعني أو يُعَذَّب عذاباً شديداً. ♦ الآية 26، والآية 27: ﴿قَالَ﴾ يوسف: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾: يعني هي التي طلبتْ مِنِّي ذلك. ♦ والظاهر أنه كان مع العزيز رجل من أهل امرأته، أو أنه استدعاه ليَحكم بينهما، قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ فقال: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾: يعني إن كان قميصه قُطِعَ من الأمام: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ في اتِّهامها له ﴿وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما دافَعَ به عن نفسه،﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾: يعني وإن كان قميصه قُطِعَ من الخلف:﴿فَكَذَبَتْ﴾ في قولها ﴿وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾. ♦ الآية 28، والآية 29: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾: أي فلمَّا رأى الزوجُ قميصَ يوسف قد قُطِعَ من خلفه: عَلِمَ براءة يوسف، و ﴿قَالَ﴾ لزوجته: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾: يعني إنّ هذا الكذب الذي اتَّهمتي به هذا الشاب هو مِن جُملة مَكْرِكُنَّ - أيتها النساء - ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، ثم قال ليوسف: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي اترك ذِكْرَ ما كان منها فلا تَذكره لأحد، ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾: أي اطلبي - أيتها المرأة - مِن زوجك العفو عن ذنبك؛ حتى لا يُؤاخِذَكِ به ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ فيما فَعَلتي، وفي افترائك على يوسف. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: "أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الثانى من سورة يوسف كاملا بأسلوب بسيط الآية 30: ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ - بعد أن وصل إليهنَّ خبر امرأة العزيز ويوسف - فتحدثنَ به وقلنَ: ﴿ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أي تحاول فِتنة خادمها، إنه ﴿ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ﴾: أي قد وصل حُبّها لَهُ إلى شَغَافِ قلبها (أي غِلافه)، ﴿ إِنَّا لَنَرَاهَا ﴾ - بهذا الفعل - ﴿ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ أي في ضلالٍ واضح، إذ كيف تُحِبُّ عبدًا لها، على الرغم مِن شَرَفِها وعُلُوّ مَكانتها؟! الآية 31: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾: أي فلَمّا بَلَغَ امرأةَ العزيز ذمُّ هؤلاء النسوة لها: ﴿ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ ﴾ تدعوهنّ لزيارتها ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ﴾: أي وأعَدَّتْ لهنّ ما يَتَّكِئنَ عليه من الوسائد، وما يأكُلْنَهُ من الطعام، ﴿ وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا ﴾ لأنها أعطتهنّ طعامًا يَحتاج إلى تقطيع، ﴿ وَقَالَتِ ﴾ ليوسف: ﴿ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ﴾ ﴿ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ﴾ أي أعظَمْنَهُ في نفوسهنّ، وشَغَلَهُنّ حُسنه وجماله ﴿ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾: أي جَرَحْنَ أيديهنّ وهُنَّ يُقَطِّعنَ الطعام (بسبب الدهشة والذهول الذي أصابهنّ ﴾، ﴿ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾ أي تنزيهًا للهِ تعالى عن العَجز بأنْ يَخلق مِثل هذا الجمال، ﴿ مَا هَذَا بَشَرًا ﴾ لأنّ جماله غير مَعهود في البشر، ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ﴾ أي: ما هذا إلا مَلَك كريم من الملائكة (وظاهر هذه الجملة أنّ المَصريين حِينئذٍ كانوا يَعتقدون في وجود الملائكة). ♦ وقد قال بعض المُفسرين في وصف اللهِ تعالى لكلامهنّ بالمَكر - وذلك في قوله: ﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ ﴾ - أنَّهُنَّ أرَدْنَ بإنكارهنّ على امرأة العزيز أن يَصل قولهنّ إليها، فيكون ذلك سببًا في أن تدعوهنَّ لرؤية جمال يوسف عليه السّلام، وهذا هو ما فعلتْه. الآية 32: ﴿ قَالَتْ ﴾ امرأة العزيز للنسوة: ﴿ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ﴾: أي فهذا هو الفتى الذي لُمتُنَّني في الافتتان به، ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾ أي حاولتُ فِتنته ﴿فَاسْتَعْصَمَ﴾: أي فامتنع (وهذه شهادةٌ منها ليوسف عليه السلام، في صِدق اعتصامه باللهِ تعالى)، ﴿ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ ﴾ به مُستقبَلًا: ﴿ لَيُسْجَنَنَّ ﴾ ﴿ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ أي الذليلين المُهانين. الآية 33: ﴿ قَالَ ﴾ يوسف عليه السلام - مُستعيذًا باللهِ مِن شَرِّهِنَّ ومَكرِهِنَّ -: ﴿ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾ من الوقوع في الفاحشة، ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾ يعني: وإنْ لم تَصرف عني مَكرهنّ أَمِلْ إليهنّ، (فإنني ضعيفٌ عاجز إن لم تَدفع عني السُوء )، ﴿ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ الذين يَرتكبون الذنوبَ لِجَهلهم بقدرة اللهِ تعالى وعَظَمته واطِّلاعِهِ عليهم (فالجاهلُ حقًا هو الذي يُفَضِّلُ لَذّة رخيصة عاجلة، على لَذّات مُتتابعات وشهوات مُتنوعات في جنات النعيم ﴾. الآية 34: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ﴾ لأنّ امرأة العزيز ظَلَّت تُحاولُ فِتنته وهو يَمتنع، حتى يَئِسَتْ مِن ذلك، وصَرَفَ اللهُ عنه كَيدها ﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ﴾ لدعاء يوسف، ودعاء كل مَن دَعاه، ﴿ الْعَلِيمُ ﴾ بحاجة يوسف إليه، ونِيَّته الصادقة. الآية 35: ﴿ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ ﴾ أي: ثم ظَهَرَ للعزيز وأصحابه ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ ﴾ أي مِن بعد ما رأوا الأدلة على براءة يوسف وعِفَّته: ﴿ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾: يعني إنهم عَزَموا على أن يَسجنوه فترة من الزمن، حتى يَنسى الناس الحادثة ولا يَبقى لها ذِكرٌ بينهم، وذلك مَنعًا للفضيحة. الآية 36: ﴿ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ﴾ أي خادمان كانا يَخدمان المَلك، وقد حُبِسُوا بسبب تهمةٍ وُجِّهَتْ إليهما، فـ ﴿ قَالَ أَحَدُهُمَا ﴾: ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ﴾: يعني إنني رأيتُ في المنام أني أعصر عنبًا ليَكونَ خَمرًا، ﴿ وَقَالَ الْآَخَرُ ﴾: ﴿ إِنِّي أَرَانِي ﴾: يعني إنني رأيتُ في المنام أني ﴿ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ﴾، ثم قالا ليوسف عليه السلام: ﴿ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾: أي أخبِرنا بتفسير ما رأيناه، فـ ﴿ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ الذين يُحسنون عبادتهم، ويُحسنون مُعاملة الناس. الآية 37، والآية 38: ﴿ قَالَ ﴾ لهما يوسف عليه السلام: ﴿ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ ﴾ يعني إلاَّ أخبرتُكما بخَبره (أو بِوَصْفِهِ) ﴿ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ﴾ (فلم يُفَسِّر لهما رؤيتهما إلا بعد أن أثبتَ لهما كفائته أولًا، وذلك حتى يَثقا فيه، فبالتالي يُصَدِّقا كلامه عندما يُحَدِّثهما عن التوحيد). ﴿ ذَلِكُمَا ﴾ أي التفسير الذي سأقوله لكما هو ﴿ مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ﴾، وليس مِن عند نفسي (وذلك حتى يَربط قلوبهما باللهِ تعالى وليس بالبشر)، ثم قال لهما: ﴿ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ ﴾ أي ابتعدتُ عن دين قومٍ ﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ إذ كانوا مُشركينَ يَعبدونَ مع اللهِ غيره، ﴿ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ ﴾ لا يُؤمنونَ ببَعثٍ ولا حساب، ﴿ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي﴾: أي واتَّبعتُ دين آبائي ﴿ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ﴾ فعَبَدْنا اللهَ وحده، و﴿ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ في عبادته. ♦ واعلم أنه يُستفاد من هذه الجملة: ﴿ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ﴾، أنّ الإنسان يَجب أن يَترفع عن فِعل الشرك والمعاصي، فيقول: (ما كان لنا أن نَعصي اللهَ تعالى وهو مُطَّلِعٌ علينا)، وكذلك يُرَبِّي أولاده على ذلك، فيقول لهم: (لَسْنا نحنُ الذين نَفعل الخطأ، مِن المُمكن أن يَفعله غيرنا، أمّا نحن فلا يُمكن أن نَفعله أبدًا)، فبهذا يَنشأ الأولاد في بيئةٍ تَكره المعاصي وتحتقرها، فإذا راودَتْ أحدهم نفسه على فِعل شيءٍ خطأ، قال لها: (إن ديني وأخلاقي لا يَسمحان لي أن أفعل ذلك). ﴿ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ أي ذلك التوحيد - بإفراد اللهِ تعالى بالعبادة - هو مِمّا تَفَضَّلَ اللهُ به ﴿ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ ﴾ ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ إذ أرسلَ اللهُ إليهم الرسل لهدايتهم، ولكنهم لم يَشكروهُ على نعمته، ورفضوا اتِّباع الرُسُل. الآية 39، والآية 40: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ﴾: يعني يا صاحبيَّ في السجن: ﴿ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ ﴾: يعني أعِبادةُ آلهةٍ مخلوقة، مُتفرقة هنا وهناك (هذا صنم وهذا كوكب، هذا إنسان وهذا حيوان، هذا شَكله كذا وهذا صِفَته كذا) هل هذا ﴿ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ ﴾ في ذاته وصفاته، ﴿ الْقَهَّارُ ﴾ لجميع المخلوقات؟ (إذ الكُل خَلقه وعَبيده، وهم تحت قَهْره وسلطانه، لا يَتحركون إلا بمشيئته وإرادته). ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً ﴾ لا مَعاني لها (وهي الأصنام) التي ﴿ سَمَّيْتُمُوهَا ﴾ آلهةً ﴿ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ ﴾ جَهلًا منكم وضَلالًا، إذ إطلاقكم لفظ (إله) على صنم - أو على صورة مَرسومة لكوكب - لا يَجعلها آلهة، و ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ﴾:أي ما أنزل اللهُ بها مِن حُجَّةٍ تدل على أنها تستحق العبادة، أو أنها تقربكم إلى ربكم كما تزعمون، فهي مصنوعة بأيديكم لا تَسمع ولا تُبصِر، ولا تنفع ولا تضر، ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾: يعني ما الحُكم الحق إلا للهِ تعالى وحده، وقد ﴿ أَمَرَ ﴾ أي حَكَمَ ﴿ أَلَّاتَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ﴾، ﴿ ذَلِكَ ﴾ هو ﴿ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ أي الدين المستقيم الذي لا عِوَجَ فيه ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ إذ جَهلهم بمَعرفة ربهم الحق - الذي خَلَقهم ورَزَقهم ويُدَبِّر حياتهم - هو الذي جعلهم يَعبدونَ ما يَصنعون. الآية 41: ﴿ يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ﴾ إليكما تفسير رؤياكما: ﴿ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا ﴾: يعني أمَّا الذي رأى أنه يَعصر العنب، فإنه سيَخرج من السجن ويكون ساقي الخمر للمَلك، ﴿ وَأَمَّا الْآَخَرُ ﴾ الذي رأى أنه يَحمل على رأسه خبزًا: ﴿ فَيُصْلَبُ ﴾ أي سيُقتَل وهو مَصلوبٌ على خشبة، ثم يُتْرك ﴿ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ﴾ ﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ ﴾ أي حُكِمَ في الأمر ﴿ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾. ♦ ويُستفاد من الآيات السابقة أنّ يوسف عليه السلام قد اغتنم فرصة سؤال الفَتَيان له، في أن يَدعوهما أولًا إلى اللهِ تعالى، ثم بعد ذلك أجابَ طلبهما، ولهذا يَنبغي للإنسان أن يَغتنم هذه الفرص، بحيثُ إذا جاءه شخصٌ ما، وحكى له مُشكِلة تُواجهه، فعليه أن يسأله أولًا: (هل أنت تصلي أو لا؟)، فإذا كان لا يصلي، فعليه أن يقول له: (إذًا هذا هو سبب المشكلة، لأنك لو كنتَ قريبًا من اللهِ تعالى، ما خَذَلَكَ أبدًا، فعليك أن تُصلِح حالك مع اللهِ أولًا)، ثم بعد ذلك يُعِينه على حل مشكلته، فبذلك يَستجيب. ♦ وكذلك يُستفاد من قولهما له: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أنه يَنبغي أن يكون الإنسان قدوةً للناس قبل أن يَدعوهم إلى الله. الآية 42: ﴿ وَقَالَ ﴾ يوسف ﴿ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا ﴾ - وهو الفتى الذي عَلِمَ يوسفُ أنه سيَخرج من السجن -: ﴿ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ﴾: أي اذكرني عند سيدك المَلك وأخبِره بأنني مَظلوم، ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾: أي فأنسى الشيطانُ ذلك الرجل أن يَذكر للمَلك حالَ يوسف، ﴿ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾:أي فمَكَثَ يوسف في السجن عدة سنوات (واعلم أنّ البِِضْع: مِن ثَلاث إلى تِسع، وقيل: مِن ثَلاث إلى عَشْر، واللهُ أعلم). ♦ وقد قال بعض المُفسرين في قوله تعالى: ﴿ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ﴾ يعني (إنّ الشيطان أَنسَى يوسفَ عليه السلام ذِكْرَ ربّه تعالى، حيث التفتَ بقلبه إلى الخادم والمَلَك، فعاقبه اللهُ بالبقاء في السجن بضع سنين)، ثم استدَلُّوا بهذا الحديث: (لو لم يقل - يعني يوسف - الكلمة التي قال، ما لَبِثَ في السجن طول ما لَبِث، حيثُ يَبتغي الفرج مِن عند غير الله)، واعلم أنني قد ذكرتُ هذا القول مِن باب الأمانة العلمية فقط، وإلاَّ، فإنّ الحديث المذكور ضعيف جدًّا، وكذلك فإنّ يوسف عليه السلام لم يَرتكب خطأً، ولكنه أخَذَ بأسباب النجاة، وهذا لا يَتعارض أبدًا مع التوكل على اللهِ تعالى، ولا يَتعارض مع أنّ يوسف عليه السلام كان يدعو ربه قبل أن يقول هذه الجملة، ولكنه اغتنم فرصةً قد لا تتكرر، واللهُ أعلم. الآية 43: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى ﴾ أي رأيتُ في منامي ﴿ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾ أي سَمينات ﴿ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ أي يأكلهنّ سبع بقرات نَحيلات هَزيلات (وهذا مِن العَجَب: أنّ الضعيف يأكل القوي ﴾، ﴿ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾: يعني ورأيتُ سبع سُنبلات خُضر يأكلهنّ سبع سُنبلات يابسات، ﴿ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ ﴾: يعني يا أيها السادة والكُبَراء ﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ ﴾ ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ ﴾: يعني إن كنتم للرؤيا تُفَسِّرون. الآية 44: ﴿ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ﴾ يعني إنّ رؤياكَ هذه أحلامٌ مُختلَطة لا تفسيرَ لها، ﴿ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ ﴾ أي لا عِلمَ لنا بتفسير الأحلام. الآية 45، والآية 46: ﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا ﴾ أي الذي نَجا من السجن - مِن صاحبَي يوسف - وعاد إلى خدمة المَلك، ﴿ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾: أي وتذكَّر بعد مُدّة - وهي البِضع سنين التي مَكَثها يوسف في السجن - فتذكّر أنّ يوسف يُفَسِّر الرؤى، فقال لهم: ﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ﴾: يعني أنا أخبركم بتفسير هذه الرؤيا، فابعثوني إلى يوسف لآتيكم بتفسيرها. ♦ واعلم أنّ لفظ "أمَّة" يأتي أحيانًا بمعنى: (جماعة من الناس)، ويأتي أحيانًا بمعنى: (فترة من الزمن)، واعلم أيضًا أنّ كلمة (ادّكَر) أصلها: (تذكَّر) ولكنْ أُدغِمَت التاء في الذال فصارت: (ادّكَر). ♦ وعندما وصل الرجل إلى يوسف قال له: ﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ﴾ أي كثير الصِدق - وقد رأى ذلك منه في السجن - فقال له: ﴿ أَفْتِنَا فِي ﴾ تفسير رؤيا لـ﴿ سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ ﴾ أي يأكلهنّ سبع بقرات نَحيلات هَزيلات، ﴿ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ﴾ ﴿ لَعَلِّي أَرْجِعُ ﴾ يعني لِكَي أرجع ﴿ إِلَى النَّاسِ ﴾ أي إلى المَلك وأصحابه فأُخبرهم ﴿ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي ليَعلموا تفسير ما سألتُكَ عنه، فيَنتفعوا به ويَعلموا مَكانتك وفضلك. الآية 47، والآية 48: ﴿ قَالَ ﴾ له يوسف: تفسير هذه الرؤيا أنكم ﴿ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا ﴾: أي تزرعون سبع سنين مُتتابعة جادِّينَ ليَكْثُر العطاء، ﴿ فَمَا حَصَدْتُمْ ﴾ من تلك الزروع في كل سَنة: ﴿ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ﴾: أي فاتركوه في سنابله (في الصوامع) ليَتمَّ حِفظه من التسوُّس، حتى تدَّخِروه للسنين القادمة ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ﴾: يعني إلا قليلاً مِمّا تأكلونه من الحبوب في كل حَصاد، فهذه لا تَدَّخروها، بل أعطوها للناس حتى يأكلوها (ولتكن قليلة، ليَكثُر ما تَدَّخرونه ويَعظُم نَفعه)، ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾: أي سيأتي مِن بعد هذه السنين ﴿ سَبْعٌ شِدَادٌ ﴾: أي سبع سنين شديدة الجفاف ﴿ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ﴾: أي يأكل أهلها كل ما ادَّخَرتموه لهم، ﴿ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ﴾:يعني إلا قليلًا مما تحفظونه وتَدَّخِرونه ليَكون بذورًا للزراعة فيما بعد، فهذه لا تُعطوها للناس ليأكلوها، بل ادَّخِروها للبَذر والحاجة. الآية 49، والآية 50: ﴿ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ ﴾ أي: ثم يأتي من بعد سنوات الجفاف: عامٌ يُغيثهما للهُ فيه بالمطر والسيول وجَرَيان النيل، فيَرفع عنهم تلك الشدة، ﴿ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ﴾ يعني: وفي هذا العام يَعصرون الثمار التي يُمكِن عصرها - كالزيتون والعنب وقصب السكر - وذلك مِن كثرة الثمار والحبوب، وزيادتها على أكْلهم. ♦ فبذلك عَبَّر يوسف عليه السلام عن البقرات السَمينات والسُنبلات الخُضر (بأنهنّ سنواتٌ خِصبة)، وعَبَّرَ عن البقرات الهَزيلات والسُنبلات اليابسات (بأنهنّ سنين قحطٍ وجفاف). ♦ فلَمَّا ذهب الرجل إلى المَلك: أعجبه تفسير الرؤيا، وعرف ما تدل عليه، فأرادَ إكرام يوسف عليه السلام، لِمَا ظَهَرَ له من العلم والكمال والفضل على أهل مصر (في سنوات المجاعة التي ستأتي عليهم)، قال تعالى: ﴿ وَقَالَ الْمَلِكُ ﴾ لأعوانه: ﴿ ائْتُونِي بِهِ ﴾: أي أخرِجوا الرجل الذي فسَّرَ الرؤيا من السجن وأحضِروهُ لي، ﴿ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ ﴾ أي فلمَّا جاءه رسولُ المَلك يدعوه: ﴿ قَالَ ﴾ له يوسف: ﴿ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ﴾: أي ارجع إلى سيدك المَلك ﴿ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ﴾: أي اطلب منه أن يَسأل النسوة اللاتي جَرَحْنَ أيديهنّ عن حقيقة أمْرِهِنّ معي، حتى تَظهر الحقيقة للجميع، وتتضح براءتي، ﴿ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾: يعني إنّ ربي - سبحانه وتعالى - عليمٌ بصَنيعهنّ وأفعالهنّ لا يَخفى عليه شيءٌ من ذلك. الآية 51، والآية 52، والآية 53: ﴿ قَالَ ﴾ المَلك للنسوة اللاتي جَرَحْنَ أيديهنّ: ﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ﴾: يعني ما شأنكنّ حين حاولتنّ فتنة يوسف؟ هل رأيتنّ منه سُوءًا؟ ﴿ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ ﴾: أي تنزيهًا للهِ تعالى عن العجز بأن يَخلق بشرًا عفيفًا مِثل هذا، ﴿ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ﴾، فعندئذٍ ﴿ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ ﴾: ﴿ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ ﴾ أي ظهر الحق بعد خَفائه، فـ ﴿ أَنَا ﴾ التي ﴿ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾: أي حاولتُ فِتنته فامتنع، ﴿ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ في كل ما قاله، ﴿ ذَلِكَ ﴾: أي ذلك القول الذي قلتُهُ في براءة يوسف والإقرار على نفسي ﴿ لِيَعْلَمَ ﴾ زوجي ﴿ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ﴾: أي لم أخُنه بالكذب عليه، ولم تقع مِنِّي الفاحشة أثناء غيابه، واعترفتُ بذلك لإظهار براءة يوسف وبراءتي، ﴿ وَأَنَّ اللَّهَ ﴾ أي: ولِيَعلم زوجي أنّ اللهَ ﴿ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ ﴾: أي لا يُوَفِّق أهل الخيانة لِمَا فيه الرُّشد والصواب، فإنّ كُلَّ خائنٍ لا بد أن يَفضح اللهُ أمْره، فلو كنتُ خائنةً لزوجي، ما هداني اللهُ لِمِثل هذا المَوقف المُشَّرِف، الذي أصبحتُ بِهِ مُبَرَّأةً طاهرة. ♦ ولمَّا كان هذا الكلام فيه نوع من تزكية النفس، فإنها عادت تقول: ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾: يعني وما أُزَكِّي نفسي ولا أُبَرِّئها من المُحاولة والكَيد، ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾: يعني إنّ النفس لَكثيرة الأمر لصاحبها بعمل المعاصي، ﴿ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ﴾: يعني إلا مَن عصمه الله، فأعانه على مُخالفة نفسه ﴿ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ ﴾ لذنوب مَن تاب مِن عباده، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: "أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري؛ (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الاخير من سورة يوسف كاملا بأسلوب بسيط الآية 94: ﴿ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ ﴾: أي ولمَّا خرجتْ القافلة من أرض "مصر"، ومعهم قميص يوسف عليه السلام: ﴿ قَالَ أَبُوهُمْ ﴾ للحاضرينَ عنده: ﴿ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ﴾ أي أشم رائحته (لأنّ الريح حَمَلَتها إليه بأمر اللهِ تعالى)، ﴿ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ ﴾ أي: ولولا أنكم ستَسخرون مِنِّي وتزعمون أنّ هذا الكلام قد صَدَرَ مِنِّي مِن غير شعور، لَصَدَّقتموني فيما أقول، فإني أَجِدُ رائحته. الآية 95: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال الحاضرونَ عنده: ﴿ تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ﴾ يعني إنك لا تزال في خطئك القديم مِن الإفراط في حُبّ يوسف، وعدم نسيانه. الآية 96: ﴿ فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ ﴾: أي فلَمَّا جاءَ مَن يُبشِّره بأنّ يوسف حيٌّ، ﴿ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ ﴾ أي ألقى قميص يوسف على وجه يعقوب ﴿ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ﴾ أي فعادَ مُبصرًا، وعَمَّهُ السرور فـ ﴿ قَالَ ﴾ لمن عنده: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم مِن لُطف اللهِ وحُسن تدبيره ورحمته وكرمه مالا تعلمونه أنتم؟ الآية 97: ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال أبناؤه: ﴿ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا ﴾ أي اسأل اللهَ أن يعفو عنا ويَستر علينا ذنوبنا، ﴿ إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ ﴾ فيما فعلناه بيوسف وشقيقه بنيامين، وفي الضرر والحُزن الذي حدث لك طوال هذه المدة. الآية 98، والآية 99: ﴿ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾: أي سوف أسأل ربي أن يَغفر لكم ذنوبكم ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ ﴾ لذنوب عباده التائبين، ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ بهم. ♦ وقد قيلَ إنّ يعقوب عليه السلام قد أجَّلَ الاستغفار لأبنائه - عندما قال لهم: (سوف أستغفر لكم ربي) - إلى ساعةٍ من ساعات إجابة الدعاء، كآخر الليل (وهو وقت السَحَر) أو يوم الجمعة، واللهُ أعلم. ♦ ثم خرج يعقوب وأهله إلى "مصر" ﴿ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ ﴾ أي ضَمَّ يوسف إليه أباه وأُمَّه، ﴿ وَقَالَ ﴾ لهم: ﴿ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ﴾ أي بمشيئة اللهِ وتقديره وإذنه، ﴿ آَمِنِينَ ﴾ من التعب والجوع، ومِن كل مكروه. الآية 100، والآية 101: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾: أي أجْلَسَ أباه وأُمَّه على عرش مُلكه بجانبه (إكرامًا لهما)، ﴿ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ﴾: أي حَيَّاهُ أبواه وإخوته - الأحد عشر - بالسجود له (سجود تحيةٍ وتكريم، وليس سجود عبادةٍ وخضوع)، وقد كان ذلك جائزًا في شريعتهم، ولكنه حُرِّمَ في شريعتنا؛ إغلاقاً لباب الشرك باللهِ تعالى. ﴿ وَقَالَ ﴾ يوسف لأبيه: ﴿ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي: هذا السجود هو تفسير رؤياي التي قَصَصْتُها عليك مِن قبل في صِغَري، ﴿ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ﴾ أي صِدقًا، ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾: أي وقد تفضَّلَ اللهُ عليَّ حين أخرجني من السجن ﴿ وَجَاءَ بِكُمْ ﴾ إليَّ ﴿ مِنَ الْبَدْوِ ﴾ أي من البادية (وهي هنا: صحراء الشام)، وذلك ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾: أي مِن بعد أن أفسد الشيطان رابطة الأخُوّة بيني وبين إخوتي، ﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ ﴾ في تدبيره ﴿ لِمَا يَشَاءُ ﴾ أي لمن يشاءُ من عباده (كما لَطَفَ بي)، ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾) بمصالح عباده، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ في أقواله وأفعاله. ♦ ويُلاحَظ أنّ يوسف عليه السلام قد جعل نفسه طَرَفاً في القضية عندما قال: (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي)، وذلك حتى لا يُحرج إخوته أمام الناس، فما أروع هذا الأدب الراقي! ♦ ثم دعا يوسف ربه قائلاً: ﴿ رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ ﴾: أي لقد أعطيتَني مِن مُلك مصر ﴿ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ﴾: أي وعلَّمتني من تفسير الرؤى وغير ذلك من العلم، ﴿ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ ﴾ أي يا خالق السماوات ﴿ وَالْأَرْضِ ﴾ ومُبدعهما، ﴿ أَنْتَ وَلِيِّي ﴾: يعني أنت مُتولي جميع شؤوني ﴿ فِي الدُّنْيَا ﴾ ﴿ وَالْآَخِرَةِ ﴾ أي: فكذلك كُن مُتولي أمْري في الآخرة بإنجائي من النار وإدخالي الجنة، ﴿ تَوَفَّنِي ﴾ إليك ﴿ مُسْلِمًا ﴾ (وفي هذا دليل على أنّ دينَ اللهِ واحد - في كل زمان - وهو الإسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد والخضوع التام لأوامر اللهِ تعالى، ولكنّ الشرائع هي التي تختلف)، ﴿ وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ﴾ - من الأنبياء والأبرار - في أعلى درجات الجنة. الآية 102: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي المذكور من قصة يوسف عليه السلام هو ﴿ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ ﴾: أي وما كنتَ حاضرًا مع إخوة يوسف حين دَبَّروا أمْرَ إلقاءه في البئر، وحينَ كذبوا على أبيهم (وهذا يَدُلّ على صِدقك، وعلى أنّ اللهَ يُوحِي إليك). الآية 103، والآية 104: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾ أي: وما أكثرُ الناس بمُصدِّقيك - أيها الرسول - ولو حَرَصْتَ على إيمانهم، وذلك لأنّ الانقياد للحق يَتعارض مع انقيادهم لشهواتهم وأغراضهم الدنيوية الرخيصة (إذاً فلا تَحزن عليهم، لأنه ما عليك إلا البلاغ)، ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي: وإنك لم تَطلب منهم أجْراً على إرشادهم للإيمان - حتى لا يكون ذلك سبباً في إعراضهم عن دَعْوَتِك - ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾ يعني: وما الذي أُرسِلتَ به - مِن القرآن والهُدى - إلا مَوعظة وذِكرَى للناس أجمعين، فبالتفكر فيه يَهتدون إلى الحق، وباتِّباعه يَسعدون في الدنيا والآخرة. الآية 105: ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ ﴾ يعني: وكثير من الدلائل - على وحدانية اللهِ وقدرته - مُنتشرة ﴿ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ كالشمس والقمر والجبال والأشجار، ﴿ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا ﴾ أي يُشاهدها المشركون ﴿ وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾ لا يَتفكرون فيها، ولا يَعتبرون بأنّ المُتفرِّد بالخَلق - سبحانه وتعالى - يَجب إفرادُهُ أيضاً بالعبادة. الآية 106، والآية 107: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ ﴾ أي: وما يُقِرُّ هؤلاء المشركون بأنّ اللهَ تعالى هو خالقهم ورازقهم وخالق كل شيء ﴿ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾ به في عبادتهم للأصنام وغيرها، وكذلك يُشركون به في ذَبْحهم ونَذْرهم وغير ذلك من أنواع العبادات، ﴿ أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ ﴾ يعني: فهل عند هؤلاء المشركين ما يَجعلهم مطمئنين مِن أنّ اللهَ تعالى لن يُنزِّل عليهم عذاباً مِن عنده يُهلكهم جميعاً؟، ﴿ أَوْ ﴾ هل أمِنُوا - أيضاً - أن ﴿ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً ﴾: يعني أن تأتيهم القيامة فجأة ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾؟ الآية 108: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول لهؤلاء المشركين -: ﴿ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾: أي هذه طريقتي، وهي أنني ﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ﴾: أي أدعو إلى عبادة اللهِ وحده ﴿ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾: أي على حُجَّةٍ واضحةٍ من اللهِ تعالى - وهو هذا القرآن الذي أنزل الله فيه الأدلة والبراهين وتحدَّى به المشركين - وعلى عِلمٍ ويقين من شريعة ربي ﴿ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾ من المؤمنين، كُلُّنا ندعو إلى اللهِ على بصيرة، ﴿ وَسُبْحَانَ اللَّهِ ﴾ أي: وأُنَزِّهُ اللهَ تعالى عن الشركاء، وأقول لكم - مُعلِناً براءتي من الشِرك -: ﴿ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾. الآية 109، والآية 110: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ﴾ - إلى الناس - ﴿ إِلَّا رِجَالًا ﴾ أي بَشراً مِن جِنسهم (وهذا إبطالٌ لإِنكارهم أن يكون الرسول رجلاً من الناس)، وهؤلاء الرُسُل ﴿ نُوحِي إِلَيْهِمْ ﴾: أي نُنَزِّل عليهم وَحْيَنا، ونَختارهم ﴿ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى ﴾: أي مِن أهل المُدُن - وليس من أهل البادية (الصحراء) - وذلك لأنّ أهل المُدُن هم أقدَرُ الناس على فَهم الرسالة وتبليغها، ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا ﴾ - أي هؤلاء المُكذبون بالعذاب -، ألم يَمشوا ﴿ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ من المُكذبين وما نَزَلَ بهم من الهلاك؟، ﴿ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ ﴾ أي: ولَنعيم الدار الآخرة ﴿ خَيْرٌ ﴾ من الدنيا وما فيها ﴿ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ ربهم، ففعلوا أوامره واجتنبوا معاصيه، ﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾: يعني أفلا تتفكرون بعقولكم - أيها المشركون - في هذا القرآن الذي يُتلى عليكم - وفيما تشاهدونه من الآيات الكونية - فتؤمنوا بقدرة اللهِ على البعث وتُوَحِّدُوه في عبادته؟ ♦ ولا تستعجل أيها الرسول النصر على المُكذبين، فإنّ الرُسُل الذين مِن قبلك كان يَتأخر عليهم النصر - اختباراً لإيمان أتْباعهم وتَخليصاً لهم من المنافقين - ﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ﴾: أي حتى إذا يَئِسَ الرُسُل من إجابة قومهم ﴿ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا ﴾: أي وأيقنوا أنّ قومهم قد كَذَّبوهم وأنه لا أمَلَ في إيمانهم: ﴿ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا ﴾ عند شدة الكَرب، ﴿ فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ ﴾: أي فنُنجي الرُسُل وأتْباعهم - كما قال تعالى: ﴿ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ - ﴿ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا ﴾ أي عذابنا الشديد ﴿ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ الذين تجرَّأوا على اللهِ تعالى وكذَّبوا رسله (وفي هذا تصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له). الآية 111: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ ﴾: أي لقد كان في قصص المُرسَلين - والعذاب الذي نزل بالمُكذبين - ﴿ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ أي لأهل العقول السليمة، ﴿ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى ﴾: أي ما كان هذا القرآن حديثًا مَكذوبًا (لأنه لا يَقدِرُ أحدٌ من الخَلق أن يأتي بمِثله، فهو الكتاب العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه)، ﴿ وَلَكِنْ ﴾ اللهُ تعالى أنزله رحمةً للعالمين، وحُجَّةَ على العباد أجمعين، وجَعَله ﴿ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾: أي جَعَله مُوافقاً للكتب التي أنزلها على أنبيائه (مُصَدِّقًا لِمَا فيها مِن صِحَّة، ومُبَيِّنًا لِمَا فيها من تحريف) ﴿ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾: أي وبَيانًا لكل ما يَحتاج إليه العباد مِن تحليلٍ وتحريم، وغير ذلك من الإخبارات الصادقة، ﴿ وَهُدًى ﴾: أي إرشادًا من الضلال ﴿ وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾: أي ورحمة لأهل الإيمان به، فتَهتدي به قلوبهم، ويَسعدون - بتلاوته والعمل به - في الدنيا والآخرة. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: "أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الاول من سورة الرعد كاملا بأسلوب بسيط 1- الربع الأول من سورة الرعد الآية 1: ﴿ المر ﴾: سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة. ﴿ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ ﴾ يعني: تلك الآيات - التي نتلوها عليك يا محمد في هذه السورة - هي آيات الكتاب العظيم، ﴿ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾ - أي القرآن والسُنَّة - هو ﴿ الْحَقُّ ﴾ الواضح ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾. الآية 2: ﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ﴾ ﴿ تَرَوْنَهَا ﴾ أي ترون السماء مرفوعةً بقدرتِهِ تعالى مِن غير أعمدة، ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى ﴾ أي عَلا وارتفعَ سبحانهُ ﴿ عَلَى الْعَرْشِ ﴾ استواءً يَليقُ بجلاله وعَظَمته، ﴿ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ أي ذَلَّلَهما لمنافع العباد، ﴿ كُلٌّ ﴾ مِن الشمس والقمر ﴿ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾: أي يَدورُ في فَلَكِهِ إلى يوم القيامة، ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ﴾: أي يُدَبِّر سبحانه أمورَ خَلقه، ﴿ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ ﴾: أي يوضّح لكم الآيات الدالة على استحقاقه وحده للعبادة، وعلى قدرته تعالى على بَعْث الخلائق بعد موتها - إذ هو سبحانه الذي ابتدأ خَلْقها من العدم - ﴿ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ﴾: أي لتكونوا على يَقين بلقاء ربكم يوم القيامة للحساب والجزاء، فحينئذٍ تُخْلِصوا عبادتكم له وحده. الآية 3: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ أي جَعَلها مُمتدة (فبَسَطَها سبحانه للحياةِ فوقها)، وهَيَّأها لمعاشكم، ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ ﴾ أي جبالاً تُثبِّتُها ﴿ وَأَنْهَارًا ﴾ لِشُربكم ومَنافعكم، ﴿ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾: أي جعل سبحانه في الأرض - من كل أنواع الثمرات - صِنفين اثنين، فجعل منها الأبيض والأسود والحلو والحامض، وغير ذلك، ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾: أي يُدخِلُ سبحانهُ الليلَ على النهار حتى يُذهِبَ نُوره، ويُدخِل النهار على الليل حتى يُذهِب ظلامه، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي يَتفكرونَ بعقولهم، فيَتَّعظوا ويَجتهدوا في فِعل ما يَنفعهم في الدنيا والآخرة. ♦ واعلم أنّ قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ﴾ لا يُفهَم منه أنّ الأرض مُسَطَّحة، بل إنه يَدُلّ على أنك أينما ذهبتَ فوق الأرض، تراها مَمدودة أمامك، وهذا لا يُمكِن هَندسيّاً إلا إذا كانَ الشكلُ دائريّاً (إمّا كُرة أو بيضة أو دائرة)، إذ إنها لو كانت مُسَطَّحة: لاَختفى هذا المَدّ عند الوصول لحدودها، فسُبحانَ مَن عَلَّمَ محمداً صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة. الآية 4: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ ﴾ يعني: ومِن آياته سبحانه أن جَعَلَ في الأرض قِطَعاً - من الأراضي الزراعية - يَلتصق بعضها ببعض، فمنها ما يُخْرِجُ نباتًا طيبًا يَنفعُ الناس، ومنها ما لا يُخرِجُ النباتَ إلا رَديئاً قليلاً لا نَفْعَ فيه (مع أنها نفس الأرض)، ﴿ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ ﴾: أي وجعل سبحانه - في الأرض الواحدة - بساتينَ من أعناب، وكذلك جعل فيها أنواعاً مختلفة من الخُضروات والحبوب والفاكهة، ﴿ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ ﴾ أي عدة نَخلات مُشترِكة في مَنبت واحد (يعني يَجمعها أصلٌ واحد) ﴿ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ ﴾ أي: وهناك نَخلات غير مُجتمِعة في نفس المَنبت، وإنما كل نخلة قائمة على أصلها. ♦ كُلُّ ذلك في تربة واحدة، و﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ ﴾ ولكنه يَختلف في شكله وحجمه وطعمه، ﴿ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾ أي: وبَعضها أفضل من بعض في الأكل (فسبحانَ مَن خَلَقَ الثمرات، وخلق لكل ثمرةٍ مَذاقاً وطَعماً) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ كله ﴿ لَآَيَاتٍ ﴾ أي علاماتٍ على قدرته تعالى، وقد جعل سبحانه هذه الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي يَتفكرون بعقولهم، فيَعلموا أنه سبحانه الخالق الرازق المُستحِق وحده للعبادة، إذ لا يُعقَلُ أبدًا أن يَخلُقَ ويُعبَد غيرُه، وأن يَرزُقَ ويُشكَر غيرُه! الآية 5: ﴿ وَإِنْ تَعْجَبْ ﴾ - أيها الرسول - من عدم إيمان قومك بعد هذه الأدلة: ﴿ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ﴾ أي فالعَجَب الأشدُّ مِن قول الكفار: ﴿ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾: يعني أَئِذا مِتنا وكنا تراباً، نُبعَثُ أحياءً من جديد؟، ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ﴾ الذي أَوْجَدَهم من العدم ﴿ وَأُولَئِكَ ﴾ تكون ﴿ الْأَغْلَالُ ﴾ - وهي سلاسل من نار - تُوضَعُ ﴿ فِي أَعْنَاقِهِمْ ﴾ يوم القيامة ﴿ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾. ♦ ويُحتمَل أن يكون المقصود بالأغلال التي في أعناقهم: أنها مَوانع الهداية في الدنيا، كالتقليد الأعمى، والكِبر والعناد، واتِّباع الهوى، والانقياد وراء الشهوات، وغير ذلك. الآية 6: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ﴾ أي يَستعجلك المشركون بإنزال العذاب - الذي أنذرتَهم به - ليكون دليلاً لهم على نُبُوَّتك، بدلأ مِن أن يَطلبوا إنزال الرحمات والبركات وسعة الرزق والرخاء (وذلك لِجَهلهم وعِنادهم)، لأنّ إنزال الرخاء والبركات - بعد أن تطلبها لهم مِن اللهِ تعالى - سيكونُ دليلاً أيضاً على نُبُوَّتك، وأفضل لهم مِن طلب العذاب والهلاك. ﴿ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ ﴾: أي وقد مَضَتْ عقوبات المُكذبين أمثالهم (كعادٍ وثمود)، ورأوا ديارهم، فكيف لا يَعتبرون بهم؟! ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ ﴾ يعني: إنه سبحانه لَغفورٌ لِمَن تابَ إليه من الناس، فيَفتح لهم باب المغفرة ويَدعوهم إليها ﴿ عَلَى ظُلْمِهِمْ ﴾ أي على الرغم مِن ظُلمهم لأنفسهم بالمعاصي، إذ لو كانَ سبحانه يؤاخذ بالذنب لمجرد وقوعه: ما تَرَكَ على الأرض من دابة، ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ لمَن أصَرَّ على الشِرك والمعاصي ولم يَتُب. الآية 7: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ يعني: هَلاَّ جاءته مُعجزة مَحسوسة مِن عند ربه (كَعَصا موسى وناقة صالح)، وليس ذلك بِيَدِك أيها الرسول، فـ ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ﴾ أي مُبَلِّغٌ لهم، ومُخَوِّفهم مِن عذاب اللهِ تعالى، ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ يعني: ولكل أُمَّةٍ رسولٌ يُرشدهم إلى التوحيد. الآية 8، والآية 9: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى ﴾ في بطنها (ذكرٌ هو أم أنثى؟ أبيض أم أسمر؟ كم سَيَعيش؟ وغير ذلك)، ﴿ وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ ﴾: أي ويَعلم سبحانه ما تُنقِصه الأرحام فيَسقط (أو يُولَد قبل تسعة أشهر)، ﴿ وَمَا تَزْدَادُ ﴾: أي وكذلك يَعلم سبحانه ما يَزيد حَمْله على التسعة أشهر، ﴿ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ ﴾ تعالى مُقَدَّرٌ ﴿ بِمِقْدَارٍ ﴾ مُحَدّد لا يَتجاوزه، وهو سبحانه ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾: أي يَعلمُ ما غابَ عن حَواسِّكم - أيها الناس - ويَعلم ما تشاهدونه، وهو ﴿ الْكَبِيرُ ﴾ في ذاته وأسمائه وصفاته، ﴿ الْمُتَعَالِ ﴾ الذي يَعلو جميعَ خَلْقه بذاته وقَهْره، الذي ليسَ له شَريكٌ ولا شَبِيهٌ ولا زوجة ولا ولد.. الآية 10: ﴿ سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ﴾: يعني يَتساوَى - في عِلمه تعالى - مَن أخفى القولَ منكم ﴿ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ ﴾ أي وَمَن تَكَلَّمَ به بصوت مُرتفع، ﴿ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ ﴾ يعني: ويتساوَى عنده أيضاً مَن استَتَر (أي تخَفّى) بأعماله في ظُلمة الليل، ومَن جَهَرَ بها في وَضَح النهار. الآية 11: ﴿ لَهُ مُعَقِّبَاتٌ ﴾ أي: للهِ تعالى ملائكةٌ يَتعاقبون ويَتوالون على الإنسان بالليل والنهار ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ﴾ أي مِن أمامه ﴿ وَمِنْ خَلْفِهِ ﴾ ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾: أي يَحفظونه بأمْر الله تعالى مِن شر الجن وغير ذلك، (ويُلاحَظ أنّ اللهَ تعالى لم يقل: (يَحفظونه بأمْر الله) وإنما قال: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ﴾، لأنّ ذلك الحِفظ هو مِن قَدَر اللهِ تعالى، إذ إنه سبحانه يُقَدِّرُ البلاء ويُقَدِّر أيضاً ما يَمنع البلاء). ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ أي لا يُغيِّرُ سبحانه نعمةً أنعَمَها على قومٍ إلا إذا غَيَّروا ما أمَرَهم به فعَصوه، ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا ﴾ أي بَلاءً أو عذاباً: ﴿ فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾: أي فلا مَفرَّ منه ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾: أي وليس لهم مِن دون اللهِ وَلِيٌّ يَتولى أمورهم، فيَجلب لهم المحبوب، أو يَدفع عنهم المكروه. الآية 12: ﴿ هُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا ﴾ أي تخافون أن تَنزل عليكم الصواعق المُحرِقة من البرق، ﴿ وَطَمَعًا ﴾: أي وتَرجون أن يَنزل معه المطر، ﴿ وَيُنْشِئُ ﴾ سبحانه ﴿ السَّحَابَ الثِّقَالَ ﴾ أي السحاب المُحَمَّل بالماء الكثير لمنافعكم، فيكونُ مَرفوعاً بقدرته تعالى، رغم ما فيه مِن ماءٍ كثير. الآية 13: ﴿ وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ ﴾ (والرعد هو الصوت الذي يُسمَع من السحاب ويُزعِج العباد، فهو خاضعٌ لربه، مُسَبِّحٌ بحمده) ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ﴾: أي وتُسَبِّحه الملائكة مِن أجْل خوفها منه سبحانه، ومِن هَيْبته وجلاله، ﴿ وَيُرْسِلُ ﴾ سبحانه ﴿ الصَّوَاعِقَ ﴾ المُهلِكة ﴿ فَيُصِيبُ بِهَا ﴾ أي فيُهلِكُ بها ﴿ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من الظالمين والكافرين ﴿ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ ﴾ أي: والكفار يُجادلون في وحدانية اللهِ وقدرته على البعث ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ شَدِيدُ الْمِحَالِ ﴾ أي شديد الحَوْل والقوة، وشديدُ البطش بمن عصاه وجَحَدَ قدرته. ♦ واعلم أنّ عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما كان يقول - إذا سمع صوت الرعد -:) سبحان الذي يُسبح الرعد بحمده والملائكة مِن خِيفته)، واعلم أنّ (سبحان الله وبحمده) تُعادِلُ في المعنى (سبحان الله والحمد لله). الآية 14: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ أي: للهِ تعالى دعوة التوحيد (لا إله إلا الله) التي يَدعو إليها جميع الرسل، فهو الإله الحق الذي يَستجيبُ لمن دَعاه، ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ﴾ - من الآلهة المزعومة - ﴿ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ﴾ مِن دعائهم ﴿ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ﴾ يعني إلا كَحَالِ رجلٍ عطشان، يَمُدّ يَديه إلى الماء ليَشرب منه ﴿ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾: أي وهو لا يستطيع أن يَصل إلى الماء، ويَظل هكذا حتى يَهلك عطشاً، (فهذا مَثَلُ مَن يَعبد غيرَ اللهِ تعالى بدعاءٍ أو ذبحٍ أو نذرٍ أو غير ذلك، فهو مَحرومٌ من الإجابة، خائبٌ في مَسعاه، عاقبته النار والخُسران)، ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ لآلهتهم ﴿ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ أي في ضَياع، لأنها لا تَسمع دعائهم، ولا تَعلم شيئاً عن حالهم. الآية 15: ﴿ وَلِلَّهِ ﴾ وحده ﴿ يَسْجُدُ ﴾ جميع ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ خاضعًا مُنقادًا ﴿ طَوْعًا ﴾ أي طاعةً لأمْره (كالمؤمنين) ﴿ وَكَرْهًا ﴾ أي رغمًا عنهم (كالمنافقين)، وكالكُفار عند الشدائد (حِينَ لا يَنفعهم ذلك)، (واعلم أنّ الكافر - وإن لم يَسجد للهِ تعالى عبادةً - فإنه يَسجد له بخضوعه لأحكامه الجارية عليه - مِن غِنىً وفقر، وصحةٍ ومرض، وسعادةٍ وشقاء - ولا يَقدر أن يَرُدّها)، ﴿ وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ ﴾ أي: وتَنقادُ لعَظَمته ظلال المخلوقات، فتتحرك بإرادته أول النهار وآخره. الآية 16، والآية 17: ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: ﴿ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾؟ ﴿ قُلِ ﴾: ﴿ اللَّهُ ﴾ هو الخالق المُدَبِّر لهما، وأنتم تُقِرُّونَ بذلك، ثم ﴿ قُلْ ﴾ - مُلزِمًا لهم بالحُجَّة -: ﴿ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ أي مَعبودينَ ﴿ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ﴾؟! فكيف لها أن تَنفع عابِدِيها أو تَضُرّ مَن لم يَعبدها؟! ♦ ثم ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ﴾ يعني هل يَتساوَى عندكم ﴿ الْأَعْمَى ﴾ وهو الكافر الذي عَمِيَ عن آيات اللهِ تعالى رغم وضوحها - ﴿ وَالْبَصِيرُ ﴾ الذي أبْصَرَ آيات اللهِ فآمَنَ بها، ولم يَتكبر عن الانقياد للحق؟! لا يَستويانِ أبداً، ﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ ﴾ وهي ظُلُمات الجهل - والتقليد الأعمى بغير دليل - والكفر والمعاصي (وما يَنتج عن ذلك من القلق والحيرة واضطراب النفس) - فهل يَتساوى ذلك ﴿ وَالنُّورُ ﴾ أي نور العلم والإيمان والاطمئنان بذِكر الله تعالى وتوحيده؟! ﴿ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ ﴾سبحانه ﴿ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ﴾؟! تعالى اللهُ عن ذلك عُلوّاً كبيراً، ﴿ قُلِ ﴾ لهم: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ وأنتم تعترفون بذلك - أيها المشركون - إذاً فهو وحده المُستحِق للعبادة ﴿ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾. ♦ ثم ضَرَبَ سبحانه مَثَلا للحق والباطل بماءٍ أنزَلَهُ من السماء، فقال: ﴿ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ أي مَطَراً كثيراً، حتى أصبح سَيلاً من الماء، ﴿ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾: أي فجَرَى سَيْلُ الماء في أَوْدِية الأرض (بقدْرِ صِغَرها وكِبَرها)، ﴿ فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا ﴾ يعني: فحَمَلَ السَيلُ غُثاءً (أي رَغوةً طافية فوقه) لا نَفْعَ فيها. ♦ وضَرَبَ سبحانه مَثَلاآخر، فقال: ﴿ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ﴾ وهي المعادن التي تُوقَدُ عليها النار لِصَهرها، وذلك ﴿ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ ﴾ أي طلبًا للزينة (كما في الذهب والفضة)، ﴿ أَوْ مَتَاعٍ ﴾: يعني أو طلبًا لمنافع يَنتفعونَ بها (كما في النحاس)، فيَخرج من هذه المعادن: ﴿ زَبَدٌ مِثْلُهُ ﴾: أي خَبَثٌ لا فائدةَ فيه (كالذي كانَ مع الماء)، ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ﴾: أي بمِثل هذا يَضرب اللهُ الأمثالَ للحق والباطل: ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ﴾ يعني: فأمّا الباطل فهو كَغُثاء الماء (وهي الرَغوة التي تتلاشى أو تُرْمَى)، ﴿ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ﴾ يعني: وأمّا الحق فهو كالماء الصافي والمعادن النقية (إذ تَبقى في الأرض للانتفاع بها) ﴿ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ﴾ للناسِ لِيَتَّضِح الحق من الباطل والهدى من الضلال. الآية 18: ﴿ لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ ﴾ يعني: إنّ للمؤمنين الذين أطاعوا اللهَ ورسوله: ﴿ الْحُسْنَى ﴾ أي لهم الجنة، ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ ﴾ وكفروا برسوله: أولئك لهم النار، و ﴿ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ ﴾: يعني لو أنهم كانوا يَملكون كل ما في الأرض وضِعْفه معه: ﴿ لَافْتَدَوْا بِهِ ﴾: أي لَجَعَلوه فِداءً لأنفسهم من عذاب اللهِ يوم القيامة (ولن يُقبَلَ منهم)، ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ ﴾ أي يُحاسبهم اللهُ على كل ما قدّموُه مِن عَمَلٍ سيِّئ، فلا يَغفِرُ لهم منه شيئاً، ﴿ وَمَأْوَاهُمْ ﴾ أي ومَصيرهم ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ لتكونَ فِراشاً لهم ﴿ وَبِئْسَ الْمِهَاد ﴾: أي وهي بِئسَ الفِراش والمُستقرُّ. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الاخير من سورة الرعد كاملا بأسلوب بسيط تفسير الربع الأخير من سورة الرعد الآية 19، والآية 20، والآية 21:﴿ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ يعني: هل الذي يَعلم أنّ ما جاءكَ أيها الرسول ﴿ مِنْ رَبِّكَ ﴾ هو ﴿ الْحَقُّ ﴾ - وذلك لِوُضوح علاماته - فيُؤمن به بمجرد ظهوره ﴿ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى ﴾ عن الحق لا يؤمن به؟! لا يستويانِ أبدًا، ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ يعني: إنّ الذين يَتَّعظون بالقرآن وأدِلَّته هم أصحاب العقول السليمة، وهم ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ أي العهد الذي أمَرَهم به سبحانه - من السمع والطاعة لأوامره التي وَصَّاهم بها في كتابه - ﴿ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ﴾ أي لا يَنقضون العهود المؤكدة التي عاهَدوا اللهَ على الالتزام بها (ما لم تكن إثمًا أو قطيعة رَحِم)، ﴿ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ﴾ كالأرحام والمحتاجين، ﴿ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ بفِعل ما أمَر واجتناب ما نَهى ﴿ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ﴾ أي: ويَخافون أن يُحاسبهم اللهُ على كل ذنوبهم، ولا يَغفر لهم منها شيئًا، فحينئذٍ لا يَرجون إلا رحمته، ولا يُحسِنون الظنّ إلا به، حتى يَغفر لهم ذنوبهم ويَقبل منهم أعمالهم. الآية 22، والآية 23، والآية 24:﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ﴾ أي: وهم الذين صبروا على الأذى، وصبروا على الطاعة، وصبروا عن المعصية (طلبًا لرضا ربهم)، ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ﴾ أي: وأدَّوا الصلاة على أتمِّ وجوهها (بخشوعٍ واطمئنان)، ﴿ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ أي وأخرَجوا من أموالهم: (الزكاة المفروضة والصدقات المُستحَبة) ﴿ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾: أي في الخَفاء والعَلَن، ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ أي: ويَدفعون السيئةَ بالحسنة فتمحوها (والمعنى أنهم يَتوبون من المعاصي، ويَجتهدون في فِعل الطاعات حتى يَمحوا بها السيئات، وكذلك يكونون حَلِيمينَ على الجُهَلاء، وصابرينَ على مَن يؤذونهم) ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ أي لهم العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ أي جنات الخلود ﴿ يَدْخُلُونَهَا ﴾ ويقيمون في نعيمها الدائم (الذي خَلا من التعب ومن جميع المُنَغِّصات والمُنَكِّدات)، ﴿ وَمَنْ صَلَحَ ﴾ أي ومعهم الصالحونَ ﴿ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ﴾ -والذرية هي الأبناء (ذكورًا كانوا أو إناثًا) - ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴾ لِتَهنئتهم بدخول الجنة - قائلينَ لهم -: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ﴾: أي سَلِمْتم مِن كل سُوءٍ بسبب صَبْركم في الدنيا، ﴿ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾: أي فنِعْمَ العاقبة المحمودة في الدار الآخرة، وهي الجنة. الآية 25: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ ﴾ يعني: وأمّا الأشقياء الذين لا يُوفون بعهد الله﴿ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ ﴾ أي مِن بعد عَهْدِهِ الذي أخَذَهُ عليهم - بتوحيدهِ - وَهُم في ظَهر أبيهم آدم (وقد أكَّدَ سبحانه هذا العهد بإرسال الرسُل وإنزال الكُتب)، ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ﴾ بعمل المعاصي ونَشْر الشرك والفساد ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ ﴾ أي لهم الطرْد من رحمة اللهِ ﴿ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾: أي لهم العاقبة السيئة في الدار الآخرة، وهي جهنم (التي يَذوقونَ فيها العذابَ الشديدَ الذي يَسُوءهم). الآية 26:﴿ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ يعني: اللهُ وحده الذي يُوَسِّع الرزق على مَن يشاءُ مِن عباده ﴿ وَيَقْدِرُ ﴾: أي ويُضَيِّق على مَن يَشاءُ منهم (فالتصرّف كله بيديه سبحانه، وله الحِكمةُ البالغة في تضييق الرزق وتوسعته؛ لأنه - سبحانه - الأعلمُ بما يُصلِح عباده مِن الفقر والغنى)، ﴿ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أي: وفَرِحَ الكفار بالسعة في الحياة الدنيا (ولم يَعلموا أنّ اللهَ يُعطي الدنيا لمن يُحب ولمن لا يُحب؛ لأنها لا تساوي عنده جناح بَعوضة)، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ ﴾ يعني: وما هذه الحياة الدنيا بالنسبة للآخرة إلا شيءٌ قليل (يُتمتَّعُ به قليلًا ثم يَزولُ سريعًا). الآية 27، والآية 28:﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ يعني: هَلاَّ أُنزَلَ اللهُ مُعجزة مَحسوسة على محمد، كمُعجِزة موسى وعيسى، ﴿ قُلْ ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾ من المُعاندين، فلا يَهتدون ولو رأوا جميع المُعجِزات، ﴿ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ أي: ويَهدي سبحانه - إلى دينه - مَن رجع إليه بالإيمان والطاعات، وتابَ إليه من الشرك والعِصيان، وهؤلاء هم ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ بالحق لَمَّا جاءهم ﴿ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ وتوحيده، ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ يعني: ألاَ بطاعة الله وذِكره تطمئن القلوب المؤمنة وتَأنس، وتَسعد بخالقها (واعلم أنّ أفضل الذكر هو ما كانَ باللسان مع حضور القلب، ويَجوز الذكر باللسان فقط - فالذي يَذكر خيرٌ من الذي لا يَذكر - ولكنه أقلّ درجةً مِمن يَذكر بلسانه وقلبه). الآية 29:﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ ﴾ أي لهم حياةٌ طيبة في الدنيا، ﴿ وَحُسْنُ مَآَبٍ ﴾ أي: ولهم مَرجع حَسَن في الآخرة إلى جنة اللهِ ورضوانه، (واعلم أنّ طُوبَى هي شجرةٌ في الجنة، مَسِيرة مائة عام، تَخرج ثياب أهل الجنة من أكمامها، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم) (انظر حديث رقم: 3918 في صحيح الجامع). الآية 30، والآية 31: ﴿ كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ ﴾ يعني: وكما أرسلنا المُرسَلين قبلك أيها الرسول، فكذلك أرسلناكَ ﴿ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ أي قد مَضَتْ مِن قبلها أُمَم المُرسَلين، ﴿ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾: أي لتقرأ القرآنَ على هذه الأُمَّة (تذكيرًا لهم وتعليمًا، ونِذارةً وبِشارة)، ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ أي: ولكنّ كفار قومك يَجحدون بوحدانية الرحمن واستحقاقه وحده للعبادة، ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ هُوَ رَبِّي ﴾، ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ﴾ أي لا معبودَ بحق إلا هو، ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾: أي عليه اعتمدتُ وَوَثقتُ في حِفظي ونَصري وفي كل أموري ﴿ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ يعني: وإليه وحده رجوعي بالإيمان والطاعة، والدعاء عند الكرب والحاجة، وتوبتي فيما عاتبني عليه ربي. ♦ ثم رد الله تعالى على الكافرين الذين طلبوا إنزال المُعجزات على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ يعني: ولو أننا أنزلنا قرآنًا يُقرأ، فتزول به الجبال عن أماكنها ﴿ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ ﴾: يعني أو تتشقق به الأرض أنهارًا ﴿ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى ﴾: يعني أو يَحيا به الموتى وتُكَلَّم - كما طلبوا منك - ما آمَنوا به إلا أن يَشاء الله. ♦ وهذا يُشبه قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ﴾، ولذلك قال بعدها: ﴿ بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ﴾ يعني: بل للهِ وحده الأمر كله في إنزال المُعجزات وفي هداية مَن يَشاء، ﴿ أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾: يعني: أفلم يَعلم المؤمنونَ ﴿ أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ من غير مُعجِزة؟، إذًا فليَتركوا له الأمْرَ سبحانهُ يَفعل ما يشاء ويَحكم ما يريد، (واعلم أن اللفظ: "يَيْئَس" يأتي أحيانًا بمعنى "يَعلم"، وهذا في إحدى لغات العرب، وقد نزل القرآن بلُغَة العرب). ﴿ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ ﴾ أي تَنزل بهم مصيبةٌ - بسبب كُفرهم - فيُصيبهم عذابها، ﴿ أَوْ تَحُلُّ ﴾: يعني أو تنزل تلك المصيبة ﴿ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ ﴾ فيُصيبهم الخوف مِن تجاوُزها إليهم، ولا يزالون كذلك ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ﴾ بالنصر عليهم (كما حدث في فتح مكة) ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾، (واعلم أن القارعة هي المصيبة التي تَقرع القلوب بالخوف والفزع والهم والحزن، وقد سَمَّى اللهُ يوم القيامة بالقارعة لشدته وأهواله). الآية 32: ﴿ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ أيها الرسول كما استهزأ الكفار بدَعْوَتك ﴿ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾: أي فقد أمهلتُ الكافرين المُستهزئين من الأمم السابقة حتى قامت عليهم الحُجَّة ﴿ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ ﴾ بعقابي، ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ ﴾؟! لقد كان شديدًا مُهلِكًا، (وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ لكفار قريش، وفيه أيضًا تصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يَلقاهُ مِن أذى قومه). الآية 33، والآية 34:﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ يعني: هل الذي خلق النفس البشرية ويَرزقها ويَعلم أعمالها ويُحاسبها عليها - وهو الله سبحانه - أحَقّ أن يُعبَد، أم هذه المخلوقات العاجزة التي لا تَعلم شيئًا عن عابِدِيها؟! ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ ﴾ مِن خَلْقه يَعبدونهم، ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ سَمُّوهُمْ ﴾: أي اذكروا صفاتهم - فإنكم لن تجدوا فيها شيئًا يَجعلهم يَستحقون العبادة - ﴿ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ ﴾: يعني أم تُخبِرونَ اللهَ بشركاء في أرضه لا يَعلمهم؟! ﴿ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ ﴾: يعني أم تُسَمُّونهم "شركاء" بمجرد إطلاق اللفظ عليهم من غير أن يكون لهم حقيقة؟! ﴿ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ ﴾ يعني: بل حَسَّنَ الشيطانُ للكفار قولهم الباطل وصَدَّهم عن دين الله، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أي فليس له أحدٌ يُوفقه إلى الحق والرشاد، ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ بالقتل والأسْر والذل والفضيحة، ﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ ﴾ أي أثقل وأشد ﴿ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾: أي وليس لهم مانع يَمنعهم من عذاب الله تعالى. الآية 35: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ أي: وَصْف الجنة - التي وَعَدَ اللهُ بها عباده المتقين - أنها ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي أنهارُ الماء والعسل واللبن والخمر، ﴿ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا ﴾: أي طعامها لا يَنقطع، وظِلُّها لا يَزول ولا يَنقص، ﴿ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ أي: هذه الجنة هي عاقبة الذين خافوا اللهَ فاجتنبوا معاصيه وأدَّوا فرائضه، ﴿ وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ ﴾ أي وعاقبة الكافرينَ هي نار جهنم (نسألُ اللهَ العافية لنا ولإخواننا المؤمنين مِن شرِّ جهنم). الآية 36:﴿ وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ ﴾ أي: والذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى - مِمَّن آمَنَ بك منهم - كعبدالله بن سَلام والنَجاشي ﴿ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ ﴾ من القرآن، لمُوافقته لِمَا عندهم، ﴿ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ ﴾ أي: ومِن المُتَحَزبين على الكفر ضِدَّكَ يُنكِرون بعض المُنَزَّل عليك، ﴿ قُلْ ﴾ لهم أيها الرسول: ﴿ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ﴾، وهذا كقوله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾، فإذا كنتم تُنكِرونَ بعض القرآن، فخُذوا منه ما لا تستطيعونَ إنكاره (وهو عدم الشرك باللهِ تعالى)، فقد كان النصارى يَتبرؤون من الشرك، وفي نفس الوقت يَعبدون عيسى عليه السلام. ♦ وهذا مِن بلاغة القرآن: (إلزامُ الطرف الآخر بالحُجَّة)، فإنه قال لهم أولًا: (أُمِرْتُ أن أعبد الله)، لأنه لا يَختلف في ذلك أحدٌ من أهل الكتاب، ثم قال لهم بعد ذلك: (ولا أُشْرِكَ به)، وذلك لإبطال عبادتهم لعيسى عليه السلام. ♦ ثم أمَرَه سبحانه أن يقول لهم: ﴿ إِلَيْهِ أَدْعُو ﴾: أي أدعو الناسَ إلى توحيد اللهِ وعبادته (كسائر الرسل مِن قبلي)، فأنا مأمورٌ بالدعوةِ إليه وحده بهذا القرآن، وليس لي أن أختار منه شيئًا وأترك الآخر، فليس معنى أنكم تنكرون بعضه، أن أتَّبع أهوائكم وأُبَلِّغكم ما يُرضِي أسماعكم، وإنما أُبَلِّغكم كل ما يُوحَى إليّ من ربي ﴿ وَإِلَيْهِ مَآَبِ ﴾ يعني: وإليه وحده أَرجع في كل أموري، وإليه وحده مَرجعي بعد موتي فيُجازيني بما قمتُ به من الدعوة إلى دينه. الآية 37: ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا ﴾ يعني: وكما أنزلنا الكتب على الأنبياء بلسان أقوامهم، فكذلك أنزلنا إليك هذا القرآن بِلُغَة العرب لتَحكُمَ به، ﴿ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ يعني: ولئن اتَّبعتُ أهواء المشركين في عبادة غير اللهِ تعالى ﴿ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ﴾ - بأنك على الحق وهُم على الباطل - ﴿ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ ﴾: أي ليس لك حينئذٍ مِن ناصرٍ يَنصرك ويَمنعك من عذاب اللهِ تعالى. الآية 38: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ - هذا رَدٌّ مِن اللهِ تعالى على المشركين الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: (ما لك تتزوج النساء؟)، فإنما هو بَشَرٌ كسائر الرسل مِن قبله - ﴿ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ - وهذا رَدٌّ عليهم أيضًا عندما قالوا: (لو كانَ رسولًا لأَتَى بما طَلَبْنا من المعجزات)، فليس في استطاعة رسولٍ أن يأتي بمعجزةٍ أرادها قومه إلا بإذن الله -فـ ﴿ لِكُلِّ أَجَلٍ ﴾ - يعني لكل أمْرٍ مُحَدّد بوقت -: ﴿ كِتَابٌ ﴾ كَتَبَ اللهُ فيه ذلك الأجل، لا يَتقدم عنه ولا يَتأخر. الآية 39: ﴿ يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ﴾ أي يَنسخ اللهُ ما يشاء من الشرائع والأحكام بحسب حاجة عباده، ويُبْقِي ما هو صالحٌ لهم ونافع، فما مَحَاهُ تعالى فهو المنسوخ، وما أبقاهُ فهو المُحكَم (وفي هذا رَدّ على إنكارهم لِنَسْخ بعض الأحكام، كاستقباله لبيت المَقدس ثم الكعبة)، فأعلَمَهم سبحانه أنه ذو إرادة ومَشيئة لا تَخضعان لإرداة الناس ومَشيئاتهم، ﴿ وَعِنْدَهُ ﴾ تعالى ﴿ أُمُّ الْكِتَابِ ﴾ وهو اللوح المحفوظ الذي حَوَى كل المقادير، فلا يَدخله تبديلٌ ولا تغيير، ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (رُفِعَتْ الأقلام وجَفَّت الصحف). ♦ وأمّا قوله صلى الله عليه وسلم: (مَن سَرّهُ أن يُبسَط له - (أي يُوَسَّع له) - في رزقه، ويُنسَأ له - (أي يُؤخَّر له) - في أجَله: فليَصِل رَحِمَه)، فهذا معناه أن اللهَ تعالى كتب في اللوح المحفوظ أن فلانًا يَصل رَحِمَه، ولذلك سأوَسِّع له في رزقه كذا، وأؤخِّر له أجَله إلى وقت كذا، (فصِلَةُ الرحم سببٌ في توسعة الرزق وطول العمر)، وكذلك الحال في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاء)، فإن الدعاء سببٌ في رَد البلاء عن العبد، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما مِن مُسلم يدعو بدعوةٍ ليس فيها إثم ولا قطيعة رَحِم، إلا أعطاهُ اللهُ بها إحدى ثلاث: إما أن يُعَجِّل له دَعْوَته، وإمّا أن يَدخِرها له في الآخرة، وإما أن يَصرف عنه من السوء مِثلها) (انظر صحيح الترغيب والترهيب ج:2). الآية 40، والآية 41:﴿ وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ ﴾ يعني: وإمَّا أن نُرِيَكَ - أيها الرسول - في حياتك بعض العقاب الذي توَعَّدْنا به أعداءك (كما حدثَ في بدر) ﴿ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ ﴾ قبل أن نُرِيَكَ ذلك فيهم: ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ﴾: أي ففي الحالتين ما عليك إلا تبليغ الدعوة، ﴿ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴾ والجزاء. ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ﴾؟ وذلك بفتح المسلمين لبلاد المشركين وإلحاقها ببلاد المسلمين، وبهذا تنقص أرض الكفر، وتزداد أرض الإيمان، ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ﴾ (وذلك لأن حُكمه سبحانه مُشتمِلٌ على العدل التام، أما غَيره تعالى فقد يُصِيبُ في قوله ويُخطئ، وقد يَعدِلُ في حُكْمِهِ ويَظلم)، ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ فلا يَشغله شيءٌ عن آخر، ولا يُتعِبُهُ إحصاءٌ ولا عدد. الآية 42: ﴿ وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي دَبَّرَوا المَكايد لِرُسُلهم (كما فَعَلَ هؤلاء معك)، ﴿ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ﴾ أي فيُبطِلُ سبحانه مَكْرَهم، ويُعيده عليهم مِن حيث لا يشعرون، لأنه سبحانه ﴿ يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ مِن خيرٍ أو شر (ومِن ذلك عِلمُهُ تعالى بمَكْرهم)، فأين مَكْرُ مَن يَعلمُ كل شيء مِن مَكْرِ مَن لا يَعلم شيئًا؟! أفلا يَفهم كفار قريش هذا فيَكُفوا عن مَكْرهم برسول اللهِ ودَعْوَتِه؟! ﴿ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ ﴾ - عند لقاء ربهم يوم القيامة - ﴿ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾: أي لمن تكون العاقبة المحمودة في الدار الآخرة؟ إنها للرسل وأتْباعهم، (وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ للكافرين). الآية 43: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ للنبي محمد: ﴿ لَسْتَ مُرْسَلًا ﴾: أي ما أرسلك اللهُ إلينا، ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ فشهادته تعالى لي بالنبوَّة هي ما أعطاهُ لي من المُعجِزات الباهرات (كانشقاق القمر وغير ذلك)، وكذلك وَحْيُهُ إليَّ بهذا القرآن الذي أُنذِرُكُم به، والذي لا يستطيعُ أن يقوله بَشَر، وأنتم تعلمون ذلك لأنكم أبْلغ البَشَر، هذا أولًا، وثانيًا: ﴿ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴾: أي وتَكفيكم أيضًا شهادة علماء اليهود والنصارى، مِمّن آمَنَ برسالتي، واتَّبعَ الحق فصَرَّحَ بتلك الشهادة ولم يَكتمها. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأن ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأول من سورة إبراهيم الآية 1، والآية 2، والآية 3: ﴿ الر ﴾: سَبَقَ الكلام عن الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة. ♦ إنَّ هذا القرآن هو ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ لِتُخْرِجَ ﴾ به ﴿ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ أي من ظُلُمات الجهل والضلال إلى نور الهدى والإيمان ﴿ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ﴾ وتوفيقه لهم ﴿ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ ﴾: يعني إلى الإسلام، الذي هو طريقُ اللهِ العزيز (والعزيز هو الغالب الذي لا يَمنعه شيء مِن فِعل ما يريد)، ﴿ الْحَمِيدِ ﴾ الذي يَستحق الحمد والثناء في كل حال، لِكَثرة نِعَمِه على جميع مخلوقاته. ♦ فالإسلام هو طريقُ ﴿ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ - خلقًا وتصرُّفًا وإحاطة - ولذلك فهو الذي يجب أن تكون العبادة له وحده، ﴿ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ يوم القيامة، (واعلم أنّ كلمة: "وَيْل" هي كلمة تهديد ووعيد، وتأتي أيضاً بمعنى "هلاك"). ♦ وهؤلاء الكافرون هم ﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ ﴾: أي يَختارون الحياة الدنيا الفانية، ويَتركون الآخرة الباقية، ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أي يَمنعون الناس عن اتِّباع دين الله﴿ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ﴾ أي: ويريدون هذه السبيل (وهي الإسلام) أن تكونَ معوجّة لِتُوافِق أهواءهم، ﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾ عن الحق وعن كل أسباب الهداية. الآية 4: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ ﴾ مِن قبلك أيها النبي ﴿ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾ يعني إلا بِلُغَة قومه ﴿ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ﴾: أي لِيُوَضِّح لهم شريعة اللهِ تعالى ﴿ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ بعدله وحِكمته ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ بفضله ورحمته ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ الذي - مِن عِزَّتِه سبحانه - أنه انفرَدَ بالهداية والإضلال، ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ الذي يَضع الأمور في مَواضعها، فلذلك يَهدي مَن طلب الهداية بصِدق وسَعَى في تحصيل أسبابها، ويُضِلُّ مَن رغب في الضلال، وسعى إليه وفَضَّلَهُ على الهدى. ♦ واعلم أنه لا حُجَّة لغير العرب في هذه الآية: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ ﴾، لأنّ كُلُّ مَن تُرجِمَ له الإسلام بِلُغَته، وَجَبَ عليه الدخول فيه والعمل بشرائعه، لِيَسعد في الدنيا والآخرة. الآية 5:﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى ﴾ إلى بني إسرائيل ﴿ بِآَيَاتِنَا ﴾: أي بالمُعجزات الدالة على صِدقه، وأمَرناه ﴿ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ أي من الضلال إلى الهدى، ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾ العظيمة التي نَجَّى اللهُ فيها عباده المؤمنين، وأهلَكَ فيها العُصاة والطاغين (كيَوْم عاشوراء الذي نَجَّاكم اللهُ فيه من الغرق، وأغرق فرعون وجنوده) ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ ﴾: يعني إنّ في هذا التذكير لَدلالاتٍ يُستدَلّ بها على فضل اللهِ تعالى على عباده المحسنين، وانتقامه من أعدائه الجاحدين. ♦ وقولُهُ تعالى: ﴿ لِكُلِّ صَبَّارٍ ﴾ أي كثير الصبر على طاعة الله، وعن مَعاصِيه، وعلى أقداره، ﴿ شَكُورٍ ﴾ أي قائم بحقوق اللهِ تعالى، فيَشكره على نِعَمِه (وقد خَصَّ اللهُ الصابرينَ الشاكرينَ بالذِكر؛ لأنهم هم الذين يَعتبرون بآياته ولا يَغْفُلون عنها). الآية 6، والآية 7: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ أي اذكر - أيها الرسول - لقومك حين قال موسى لبني إسرائيل: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ ﴾: أي اذكروا حين أنقذكم اللهُ مِن بَطش فرعون وأتْباعه، فقد كانوا ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾: أي يُذيقونكم أشدَّ العذاب، ﴿ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ الذكور (حتى لا يأتي منهم مَن يَستولي على مُلْك فرعون)، ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ﴾: أي ويَتركون بناتكم أحياءً ذليلات للخِدمة والإهانة، ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ أي: وفي ذلك اختبارٌ لكم من ربكم، وفي إنجائكم مِنْهُ نعمة عظيمة، تستوجبُ شُكرَ اللهِ تعالى في كل عصوركم وأجيالكم. ♦ وقال لهم موسى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ ﴾ أي اذكروا حين أَعْلَمَكم ربكم أنكم ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ يعني لئن شَكرتموني على نِعَمي لأَزيدنَّكم مِن فضلي، ﴿ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ يعني: ولئن جحدتم نِعَمي عليكم لأَعذبنَّكم عذابًا شديدًا. الآية 8: ﴿ وَقَالَ مُوسَى ﴾ لهم: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ فلن تَضُرُّوا اللهَ شيئًا; ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ ﴾ عن عبادة خَلْقه، ﴿ حَمِيدٌ ﴾: أي مُستحِق للحمد والثناء في كل حال. الآية 9: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ ﴾ - يا أُمَّة محمد - ﴿ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾: أي خبر الأمم التي كانت قبلكم، كـ ﴿ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ ﴿ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ﴾: أي لا يُحصِي عددهم إلا اللهُ تعالى، وقد ﴿ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ﴾ أي بالأدلة الواضحة على صِدقهم، ﴿ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ ﴾ أي فوَضَعَ الأقوامُ أيديهم على أفواه رُسُلهم (يَطلبون منهم السكوت) ﴿ وَقَالُوا ﴾ لِرُسُلهم: ﴿ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ﴾ أي كفرنا بما جئتمونا به ﴿ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ أي مُوقِع في الحيرة والقلق والتردد. الآية 10: ﴿ قَالَتْ ﴾ لهم ﴿ رُسُلُهُمْ ﴾: ﴿ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي خالق السماوات والأرض، ومُنشِئهما من العدم على غير مثالٍ سابق؟، وهو سبحانه ﴿ يَدْعُوكُمْ ﴾ إلى توحيده وطاعته ﴿ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾ (وهي كل الذنوب التي بينكم وبين ربكم، أمّا مَظالم الناس: فرُدُّوها إليهم تُغفَر لكم)، ﴿ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ أي آمِنوا حتى لا يُعَجِّل سبحانه بهلاككم، بل يؤَخّر بقاءكم في الدنيا إلى نهاية آجالكم. ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال الذين كفروا لِرُسُلهم: ﴿ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ﴾: أي ما نَراكم إلا بشرًا - صفاتكم كصفاتنا - ولا فضلَ لكم علينا يُؤَهِّلكم أن تكونوا رُسُلاً، و ﴿ تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا ﴾ أي تمنعونا ﴿ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا ﴾ من الأصنام، ﴿ فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ﴾: أي فأتونا بحُجَّة ظاهرة تَشهد على صحة ما تقولون. ♦ وهنا ينبغي أن نقولُ لمن أصابه وسوسة في إيمانه باللهِ تعالى - حتى يَزداد إيمانه ويَتخلص من هذا الوسواس -: (أخي الحبيب: إنَّ مُؤَسِّسي فِكرة الإلحاد قديماً قد اعترفوا بأنَّ العِلم الحديث قد أثبت أنه لابد مِن وجود خالق لهذا الكون الذي يَسير بهذا النظام المُتَزن، فإنّ الشمس لو ارتفعَتْ عن الأرض (سَنتِيمِتراً) واحداً: فإنّ الأرض سوف تتجمد، وإذا اقترَبَتْ من الأرض (سنتيمتراً) واحداً: فإنّ الأرض سوف تحترق، وإنه لا يمكن للصُدفة أبداً أن تُنشِئَ هذا النِظام الدَقيق، فلا يُمكن لها أن تأتي بالشمس - كل يوم - في موعدٍ مُحدد لا تتأخر عنه لحظة، وإلاَّ، فلو كان الأمرُ بالصُدفة: فإنّ الشمس كانت ستأتي في هذا الموعد مرة وتتأخر عنه مرات، ولا يمكن للصدفة أيضاً أن تأتي بقطعٍ مُبَعثَرَة من الحديد لِتُكَوِّنَ منها سيارة أو طائرة أو قطار، ولا يُمكن لها أن تُسَيِّرَ السفن في البحار والمُحيطات وحدها بدون قائدٍ يقودها، ولا يُمكن لها أن تأتي بكمية من الطوب المُبَعثَر لِتَبنِي بها مباني سكنية ذات طوابق عديدة، في كل طابق منها: أربعة منازل (مُجَهَّزَة) ومفروشة ومَدهونة بألوان مختلفة). ♦ وقالوا أيضاً: (إنه بعد تراكُم الأدلة نستطيع أن نقول: (إنَّ هناك قوة خَفِيَّة وراء هذا الكون تُسَيِّرُهُ بهذا النظام المُحكَم الذي لا يَختل ولا يَضطرب لحظة واحدة)، (وأنَّ هذه القوة قد سَخَّرَتْ جميع المخلوقات لِخِدمة الإنسان، بدليل أنَّ هذا (الجَمَل) الضخم يقوده طفل صغير، ولا يؤذيه ولا يَضُرُّه، بل يتحرك ويَنْقادُ بأمره، وأنه لابد لهذه القوة أن تُعلِنَ عن نفسها حتى تُخبِرَنا لماذا خَلَقَتْنا، وما الذي تُحِبُّ أن نفعله، وما الذي يُغضِبُها، وإنه لا يُعقَلُ أبداً أن تكون قد خَلقَتْ كل هذا الخَلق العظيم عَبَثاً ولعباً دونَ أن تأمرهم وتنهاهم). ♦ وأمّا عدم الاعتراف بهذه القوة بحُجَّة أننا لا نراها: فهذه حُجَّة باطلة، لأنَّ العِلم قد اكتشف أشياءً عديدة لم يكن يراها الإنسان القديم، كالكهرباء، (ومَوْجَات الراديو والتِلفاز)، والفيروسات، والكائنات الدقيقة التي لا تُرَى بالعين المُجَرَّدة، ورغم أننا لا نرى هذه الأشياء: إلا إننا نَتَيَقنُ أنها موجودة، إذاً فليس معنى أننا لا نرى الشيئ أنه ليس موجوداً، وإلاَّ، فإنك لا ترى عقلك، ومع ذلك فأنت على يقين بأنَّ لك عقل. ♦ فلا تَتَّبع هَواك أخي الكريم حتى لا تَضِلّ، ولكنْ تدبَّر القرآن، هذا الكتاب المُعجِز الخالد، الذي إذا رآه أيّ أحدٍ يَحترم عقله، فإنه حَتماً سيقول: (محمدٌ رسول الله، وهذه هي هي مُعجزته (القرآن الكريم)). الآية 11، والآية 12: ﴿ قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ ﴾: ﴿ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ يعني: حقًاً ما نحن إلا بَشَرٌ مِثلكم كما قلتم، ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ ﴾ أي يَتفضل بإنعامه ﴿ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ فيَختارهم لرسالته، فانظروا إلى ما جئناكم به، فإن كانَ حقاً فاقبلوه، وإن كانَ غير ذلك فرُدُّوه، ﴿ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ ﴾ أي مُعجِزة - كما طلبتم - ﴿ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾، فالأمر أمْره، وهو على كل شيءٍ قدير، ولِذا فوَّضنا أمورنا إليه، واعتمدنا عليه ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ (هذا أمْرٌ من الرُسُل - للمؤمنين مِن قومهم - بالاعتماد على اللهِ وحده في نَصْرهم وهزيمة أعدائهم)، وقصَدوا به أنفسهم أيضاً لأنهم أول المؤمنين، ولذلك قالوا:﴿ وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ﴾؟ يعني: وكيف لا نعتمد على اللهِ تعالى ﴿ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ﴾ أي: وهو الذي أرشد كل واحد مِنّا إلى طريق النجاة من عذابه (وهو توحيده واتِّباع أحكام دينه)، وعرَّفَنا سبحانه عظمته وقدرته وعزة سلطانه، فأيُّ شيءٍ يَجعلنا لا نتوكل عليه وهو القوي العزيز؟! ﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا ﴾ بالكلام السيئ وغيره (مُتوكلين على اللهِ تعالى حتى يَنتقم لنا منكم) ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ والمعنى: ومَن كان مُتوكِّلاً - أي مُعتمداً - في أمْرِهِ على غير اللهِ تعالى: فليتوكل على الله وحده. الآية 13، والآية 14: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ ﴾: ﴿ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾ ﴿ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا ﴾: يعني إلاّ إذا دخلتم في ديننا، فحينئذٍ لن نُخرجكم، ﴿ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴾: أي فأوحى اللهُ إلى رُسُله أنه سيُهلك الجاحدين، ﴿ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ ﴾ - أنتم وأتْباعكم - ﴿ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ أي مِن بعد إهلاكهم، ﴿ ذَلِكَ ﴾ أي ذلك الإهلاك للكفار، وإسكان المؤمنين أرضهم هو أمْرٌ مؤكد ﴿ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي ﴾ أي لمن خافَ مِن وقوفه بين يديَّ يوم القيامة ﴿ وَخَافَ وَعِيدِ ﴾: أي وخافَ من وعيدي وعذابي. الآية 15، والآية 16، والآية 17: ﴿ وَاسْتَفْتَحُوا ﴾ أي: ولجأ الرُسُل إلى ربهم وسألوهُ النصرَ على أعدائهم والحُكمَ بينهم، فاستجابَ سبحانه لهم وأهلَكَ أعدائهم،﴿ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴾ أي: وهَلَكَ كل مُتكبر لا يَقبل الحق ولا يَنقاد له، ﴿ مِنْ وَرَائِهِ ﴾: أي سيَلقى مِن بعد هَلاكه: ﴿ جَهَنَّمُ ﴾ تنتظره ليُعذَّبَ فيها، فسيَدخلها ويَعطش فيها، ويَطلب الماء ﴿ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ ﴾: أي يُسقى فيها مِن الصديد الذي يَخْرج من أجسام أهل النار ﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾: أي يحاول ابتلاع هذا الصديد مرة بعد مرة، ﴿ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾: أي ولا يَستطيع أن يَبتلعه; لقذارته وحرارته ومَرارته، ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي: ويأتيه العذاب الشديد من كل نوع، وفي كل عضو مِن جسده، فيتمنى الموت ليستريح من هذا العذاب ﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾، ﴿ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ أي: وله مِن بعد هذا العذاب: نوعٌ آخر من العذاب الشديد، الذي لا يُطاق ولا يُحتمَل، (واعلم أنّ لفظ "وراء" يُطلق على ما كان خلفاً وما كان أماماً، لأنّ كل ما وُورِيَ - أي: استُتِر - فهو وراء). [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. - واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
• من الآية 41 إلى الآية 44: ï´؟ قَالَ ï´¾ اللهُ تعالى لإبليس: ï´؟ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ ï´¾ أي: هذا طريقٌ مستقيم مُوَصِّل إلى جنَّتي، وعَليَّ الوفاءُ به، وهو:ï´؟ إِنَّ عِبَادِي ï´¾ الذين أخلصوا عبادتهم لي ï´؟ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ï´¾: أي ليس لك تَحَكُّم وتَسَلُّط على قلوبهم (لِتُضِلُّهم عن الطريق المستقيم) ï´؟ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ï´¾ يعني: لكنّ تسلُّطَك سيكون على الذين اتَبعوك مِن الضالينَ المشركين (الذين رضوا بطاعتك بدلاً من طاعتي) ï´؟ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ ï´¾ ï´؟ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ ï´¾ أي لها سبع طبقات (لكل طبقةٍ منهم باب)، وï´؟ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ ï´¾ أي: لِكُلّ بابٍ مِن أبواب جهنم: فريقٌ من أتْباع إبليس يَدخلون منه، ولِكُلّ طبقة من طبقات جهنم: قِسمٌ ونصيبٌ من العذاب (وذلك بحسب أعمال العباد) (نسألُ اللهَ أن يُحَرِّم أجسادنا على النار). • من الآية 45 إلى الآية 48: ï´؟ إِنَّ الْمُتَّقِينَ ï´¾ الذين خافوا عذابَ ربهم - فامتثلوا أمْره واجتنبوا نهيه - أولئك ï´؟ فِي جَنَّاتٍ ï´¾ أي في بساتين عجيبة المَنظر، ï´؟ وَعُيُونٍ ï´¾ أي أنهارٌ جارية. ♦ وتقول لهم الملائكة: ï´؟ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ï´¾ أي ادخلوا هذه الجنات سالمينَ مِن كل سُوء، ï´؟ آَمِنِينَ ï´¾ مِن كل خوف، ï´؟ وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ ï´¾: أي لم يُبقِ اللهُ في صدور أهل الجنة ما يُنَغِّصُ نعيمهم، أو يُكَدِّرُ صَفْوَهم وسعادتهم (كحِقدٍ أو حسدٍ أو عداوةٍ أو غضب)، فهم يَعيشونَ في الجنة ï´؟ إِخْوَانًا ï´¾ مُتحابِّين، يَجلسونَ ï´؟ عَلَى سُرُرٍ ï´¾ عظيمة (والسُرُر جمع سرير) ï´؟ مُتَقَابِلِينَ ï´¾: أي تتقابل وجوههم في حُبّ، يَجمعهم مَجلس واحد يَتسامرونَ فيه على السُرُر، فإذا أرادوا الانصراف: تدورُ بهم السُرُر إلى قصورهم (اللهم إنا نسألك الجنة يارب)، وهُم ï´؟ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ï´¾: أي لا يُصيبهم فيها تعبٌ ولا إعياء (وهذا هو نعيم الراحة الأبدية في الجنة)، ï´؟ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ï´¾ أي: وهُم باقونَ في هذا النعيم لا يَخرجون منه أبدًا. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود 2. الربع الثاني من سورة الحِجر • الآية 49، والآية 50: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي﴾: أي أخبِر عبادي- أيها الرسول - ﴿أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ للمؤمنين التائبين، ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ لغير التائبين. • الآية 51، والآية 52: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾: أي وأخبِرهم عن ضيوف إبراهيم من الملائكة (الذين جاؤوا له على هيئة بَشَر) ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا﴾ له:﴿سَلَامًا﴾، فرَدَّ عليهم السلام، ثم قدَّم لهم الطعامَ فلم يأكلوا منه، فـ ﴿قَالَ﴾ لهم:﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾: يعني إنَّا منكم خائفون (وذلك لأنه ظنَّ أنهم أرادوا به شراً عندما لم يأكلوا). • الآية 53: ﴿قَالُوا﴾ أي قالت الملائكة له: ﴿لَا تَوْجَلْ﴾: أي لا تخف﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾: يعني إنَّا جئنا نُبَشِّرك بوَلَدٍ كثير العلم بالدين (وهو إسحاق عليه السلام). • الآية 54: ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ مُتعجبًا: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾: يعني أبَشَّرتموني بالولد، وأنا كبيرٌ في السن، وزوجتي كذلك؟! ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾:يعني فبأيّ أُعجوبةٍ تُبَشِّرونني؟! • الآية 55: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الذي أَعْلَمَنا اللهُ به ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾: أي فلا تكن من اليائسينَ مِن أن تُرزَق بولد. • الآية 56، والآية 57: ﴿قَالَ﴾ إبراهيم - نافياً القنوط عن نفسه -:﴿وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ يعني إنه لا يَيْئَسُ ﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ عن طريق الحق، الذين لا عِلمَ لهم برَبِّهم، وكمال قدرته وسعة رحمته، ثم ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ يعني: فما الأمر الخطير الذي جئتم مِن أجْله أيها المُرسَلونَ مِن عند الله؟ • الآية 58، والآية 59، والآية 60: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾: يعني إنّ اللهَ أرْسَلَنا لإهلاك قوم لوط المجرمين، ﴿إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾: يعني إلا لوطًا وأهله المؤمنين به فلن نُهلكهم، بل سَنُنَجِّيهم جميعاً ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ يعني: إلا زوجته الكافرة، فقد قضينا - بأمْر اللهِ لنا - بإهلاكها مع الباقينَ في العذاب. • من الآية 61 إلى الآية 66: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾: أي فلمّا وصل الملائكة المُرسَلونَ إلى دار لوطٍ عليه السلام: ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾: يعني إنكم قوم غير معروفين، (وكأنه خافَ منهم، وظنّ أنهم أرادوا به سُوءاً)، فـ﴿قَالُوا﴾: ﴿بَلْ﴾ أي لا تَخَفْ، فقد ﴿جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾: أي جئنا نُخبرك بالعذاب الذي كان يَشُكُّ فيه قومك (حينَ كنتَ َتَعِدُهم به)، ثم قالوا له - ليَزيدوا مِن اطمئنانه -: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾: أي وجئناك بالحق مِن عند اللهِ تعالى ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فيما أخبرناك به. ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾: أي فاخرج مِن قريتك أنت وأهلك المؤمنون ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: أي بعد مرور جُزء من الليل (يعني قبل الفجر بكثير)، لتتمكنوا مِن البُعد عن قريتكم، ﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ أي: امشِ أنت وراءهم، حتى لا يَتخلف منهم أحد ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ وراءه، حتى لا يرى العذاب فيُصيبه ﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي:وأسرِعوا إلى حيثُ أمَركم الله (وقد قيل إنهم أُمِرُوا بالذهاب إلى الشام، وقيل إنه كان معهم دليلٌ يَدُلُّهم إلى أين يَتوجهون، واللهُ أعلم). ♦ ثم قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ﴾: يعني: وأوحى اللهُ إلى لوطٍ ﴿ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ وهو: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ يعني: إنّ قومك مُهلَكونَ جميعاً ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي عند طلوع الصبح، (واعلم أنّ دابر القوم: آخِرَهم، لأنه إذا هَلَكَ آخرُ القوم، فقد هَلَكَ أوَّلهم). • الآية 67: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ إلى لوط - حين عَلِموا بمن عنده من الضيوف - وهم ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي فَرِحُونَ بضيوفه، ليَفعلوا بهم الفاحشة. • الآية 68، والآية 69: ﴿قَالَ﴾ لهم لوط: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي﴾ وهُم في حمايتي ﴿فَلَا تَفْضَحُونِ﴾: أي فلا تفضحوني أمام أهل القرية ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي خافوا عقابه ولا تتعرضوا لهم، ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾: أي ولا تهينوني وتذلوني بإيذائكم لضيوفي (لأنهم كانوا يَعتبرون أنّ إهانة الضيّف هي مَذَلَّة وعار في حق مُضِيفه). • الآية 70: ﴿قَالُوا﴾ أي قال له قومه: ﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ يعني ألم نَنْهَكَ عن استضافة أحد من الرجال أو حمايتهم مِنّا، لأنَّنا نريد بهم الفاحشة؟ • الآية 71: ﴿قَالَ﴾ لهم لوط: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ - أي بنات القرية جميعاً - ﴿بَنَاتِي﴾ فتزوَّجوهنّ ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ يعني إن كنتم تريدون قضاء شهوتكم، (وسَمَّاهُنّ بناته، لأنّ نَبِيّ الأُمّة بمَنزلة الأب لهم، ويدل على ذلك قراءة عبد الله ابن مسعود - رضي اللهُ عنه - في سورة الأحزاب: (وأزواجه أُمَّهاتهم وهو أبٌ لهم)). • الآية 72، والآية 73، والآية 74: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ (هذا قَسَمٌ مِن اللهِ تعالى بحياة محمد صلى الله عليه وسلم تشريفًا له)، فكأنه تعالى يقول له: وحَياتك يا محمد ﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾: يعني إنّ قوم لوط لَفي ضلالٍ أزالَ عقولهم ورُشدهم، فهم يَترددون كالسُكارَى لا يريدون إلا الفاحشة، (واعلم أنّ الخالق سبحانه يُقسم بمَن يشاء وبما يشاء، أمّا المخلوق فلا يجوز له القَسَم إلا بالله)، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾: أي فصاحَ بهم مَلَكٌ من الملائكة (قيل إنه جبريل عليه السلام)، ﴿مُشْرِقِينَ﴾ أي (وقت شروق الشمس)، ثم أخبَرَ تعالى بما حدث لهم بعد صيحة المَلَك، فقال: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أي قلَبْنا قريتهم التي كانوا يَعيشون فيها ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وهي حجارة صَلبة شديدة الحرارة. • الآية 75، والآية 76، والآية 77: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني إنّ في قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام (مِن إنجاب إبراهيم للولد رغم كِبَر سِنِّه وعُقم امرأته، ومِن إهلاك قوم لوط وإنجاء المؤمنين) ﴿لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾: أي لَعِظاتٍ للمُتأمِّلين المُعتبِرين، ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ يعني: وإنّ قريتهم لَفي طريقٍ ثابت يراها المسافرون المارُّونَ بها، (وكانت قريش تَمُرّ بها أثناء رحلتها إلى الشام)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي كَوْن قرية لوط واضحةٌ للمسافرين وفيها آثار الهلاك ﴿لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حتى لا يَتجرأوا على مَعصية رب العالمين. ♦ واعلم أنّ المُتوسِّمين هم الناظرون نظر تفكُّر وتأمُّل لمعرفة الأشياء بسِماتها وعلاماتها، ولَعَلَّ اللهَ سبحانه قد خَتَمَ الآيات بلفظ "المؤمنين" للتنبيه على أنّ المتوسّمين هم المؤمنون، واللهُ أعلم. • الآية 78، والآية 79: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ أي: ولقد كان أصحابُ المدينةِ المُلتفَّةِ الشجر - وهم قوم شعيب - ﴿لَظَالِمِينَ﴾ لأنفسهم بالكفر والغش في الميزان ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، ﴿وَإِنَّهُمَا﴾: يعني: وإنّ مَساكن قوم لوط وقوم شعيب:﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ أي في طريقٍ واضح يَمُرُّ بهما الناس في سَفَرهم فيَعتبروا بهم. • من الآية 80 إلى الآية 84: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: ولقد كذَّبَ سكان "وادي الحِجْر" - وهم ثمود - الذين كذبوا صالحًا عليه السلام، فكانوا بذلك مُكَذِّبينَ لجميع المُرسَلين (لأنّ مَن كَذَّبَ نبيًا من الأنبياءَ، فقد كذَّبَهم كلهم، إذ دَعْوتهم واحدة، وهي التوحيد)، ﴿وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا﴾ أي: وأعطينا ثمود آياتنا الدالة على صحة ما جاءهم به صالح عليه السلام (ومِن ضِمنها الناقة)، (وقد يكون المقصود بالآيات هنا: أنها الآيات المُرتبطة بالناقة، لأنها خرجتْ من صخرة، ولأنها كانت تقف أمام كل بيت ليَحلب أهله منها ما شاءوا وغير ذلك، ويُحتمَل أن يكون هناك آيات أخرى أعطاها اللهُ لصالح غير الناقة، واللهُ أعلم)، ﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ لا يَتفكرون فيها، ولا يَعتبرون بها، ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ يَسكنون فيها ﴿آَمِنِينَ﴾ مِن أن تَسقط عليهم أو تُخَرَّب، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾: أي وقت الصباح مُبَكِّرين ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾: أي فلم تنفعهم أموالهم وحصونهم في الجبال، ولم تدفع عنهم مِن عذابَ اللهِ شيئاً حينَ نَزَلَ بهم. • الآية 85، والآية 86: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي لم يَخلقهما سبحانه عَبَثًا، بل خَلَقهما للاستدلال بهما على كمال قدرته، وعلى أنه وحده الخالق الرازق الذي لا تجب العبادة إلا له، وليُعلِمَ عباده أنّ الذي خلق السماوات والأرض قادرٌ على أن يُحيى الموتى، وأنّ ذلك أهْوَنُ عليه مِن خَلْق السماوات والأرض، ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ﴾ التي تقوم فيها القيامة ﴿لَآَتِيَةٌ﴾ لا مَحالة، لِتُوَفَّى كل نفسٍ بما عملتْ، ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾: أي فتجاوَز - أيها الرسول - عَمَّا يقوله المُشركون في حقك، واعفُ عنهم عفواً ليسَ بعده انتقام (عفواً لا يَترك بعده أثراً في القلب من الحقد والغيظ على مَن أساء إليك)، فـ﴿إِنَّ رَبَّكَ﴾ الذي أمَرَكَ بهذا الصفح ﴿هُوَ الْخَلَّاقُ﴾ لكل شيء، ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأعمال خَلْقه، وسيُعيدُهم كما بدأهم، ليُحاسب المُكلَّفين منهم ويَجزيهم بما عملوا، ويَجزيك على عفوك بما تَقِرّ به عَيْنك، ويَسعَد به قلبك، فاصبر واحتسب الأجر عند ربك. • من الآية 87 إلى الآية 91: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ﴾ أي: ولقد أعطيناك - أيها النبي - ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ وهي الفاتحة (إذ هي سَبع آيات تُكَرَّر في كل ركعة)، ﴿وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾: أي: وأعطيناك القرآنَ العظيم (وإنما ذَكَرَ الفاتحة أولاً - مع أنها من القرآن العظيم - لإظهار فضلها وشرفها، إذ هي أعظم سورة في كتاب الله، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم) (انظر صحيح سنن أبي داوود ج: 2/71). ♦ فالقرآن - الذي أعطاهُ اللهُ لك أيها النبي - هو خيرٌ لك مِمَّا هُم فيه من المال والجاه، ولذلك فـ ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾: أي لا تنظر بعينيك مُتطلِّعاً ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: يعني إلى ما مَتَّعْنا به أصنافًا من كفار قريش مِن مُتَع الدنيا، فلا يَخدعْكَ ذلك، فإنَّ هذا كلُّه متاعٌ قليل، وسوف يَزولُ عنهم عن قريب، ثم يُعَذَّبونَ في جهنم وبئس المصير، ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾: أي لا تحزن على كُفرهم وتكذيبهم لك، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تواضَعْ للمؤمنين واعطِف عليهم ولو كانوا فقراء، فإنّ الخير فيهم وليس في أولئك الكَفرة الأغنياء، ﴿وَقُلْ﴾ لقومك ﴿إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾: يعني إني أنا المُنذِر المُوَضِّح لِمَا فيه هداية الناس أجمعين، ومُنذِرُكم - أيها المُعانِدون - أن يُنزِلَ اللهُ بكم العذابَ الأليم ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ أي كما أنزلَ سبحانه العذابَ ﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ وهم طائفةٌ من اليهود والنصارَى، قسَّموا التوراة والإنجيل، فآمَنوا ببعضها وكَفروا ببعضها، وأظهروا بعضها للناس، وأخفوا عنهم بعضها، فعاقبهم اللهُ تعالى، وهُم ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ﴾ أي جعلوا القرآن أجزاءً، فآمَنوا ببعضه، وكفروا بما لا يُناسب أهوائهم منه، (وكذلك المشركين الذين قسَّموا القرآن، فقالوا إنه شِعر وسِحر وغير ذلك، وصَرَّفوه بحسب أهوائهم، ليَصُدُّوا الناسَ عن الهُدى). • الآية 92، والآية 93: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي سيَسألهم ربهم يوم القيامة عن تقسيمهم للقرآن بافتراءاتهم، وعن عبادتهم للأصنام، وغير ذلك من المعاصي والآثام.. • الآية 94: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: فاجهَر أيها النبي بدعوة الحق - التي أمَرك اللهُ بها - وأعلِنها للناس، ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلا تَهتم بعِنادهم، وامضِ في طريق دَعْوتك، فقد برَّأكَ اللهُ مِمَّا يقولون. ♦ واعلم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قضى فترةً من الزمن مُستخفياً بدعوته هو وأصحابه في دار "الأَرْقَم ابن أبي الأَرْقَم" حتى نَزَلَ قول اللهِ تعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ ﴾، فخرج صلى الله عليه وسلم وأعْلَنَ الإسلامَ ودعا إليه. • الآية 95، والآية 96: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾ أي حفظناك مِن شر ﴿الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ أي الساخرينَ من زعماء قريش، وهم ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ في عبادتهم (كالأصنام وغيرها)، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة عملهم في الدنيا والآخرة. • الآية 97، والآية 98، والآية 99: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ مِن الاستهزاء والسُخرية، ومِن المُبالغة في الكفر والعناد، ثم أرشده تعالى إلى ما يُخَفف عنه ذلك الألم النفسي، فقال له: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾: أي فالجأ إلى ربك عند ضِيق صدرك، وسَبِّح بحمده (أي أكثِر مِن قول: سبحان الله وبحمده، (وهي تعادل في المعنى: (سبحان الله والحمد لله)، فأمّا كلمة (سبحان الله): فمَعناها أنك تَنفي عن اللهِ تعالى كل ما لا يَليقُ به، وأمَّا معنى (الحمد لله): أنك تشكرُ اللهَ تعالى على نِعَمه، وتُثنِي على جلاله وكماله)، ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ أي المُصَلِّين المُتذللين للهِ تعالى، فإنّ الصلاة الخاشعة تكفيك ما أهَمَّك وتوسع صدرك، ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ أي استمِرَّ في عبادة ربك حتى يأتيك اليقين (وهو الموت)، فإنّ القبر أول منازل الآخرة، وبمَوت الإنسان ودخوله في الدار الآخرة: يُصبح إيمانه يَقيناً خالصاً، (وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وسلم أمْرَ ربه، فاستمَرّ في عبادته تعالى حتى توفاه الله). ♦ واعلم أنّ العبادة لها تعريفات كثيرة، ولكننا نَذكر منها أنها هي (أداء الطاعة بِذُلّ وحُبّ للهِ تعالى)، واعلم أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - كما في صحيح البخاري -: (مَن قال سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرة: غُفِرَتْ ذنوبه ولو كانت مِثل زَبَد البحر) (وزَبَد البحر هي الرَغوةً الطافية فوق سطح البحر). [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. ♦ واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟[1] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأول من سورة النحل الآية 1، والآية 2: ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ ﴾: أي اقَترب أمْرُ اللهِ بعذابكم أيها المشركونَ ﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾: أي فلا تستعجلوا العذابَ استهزاءً بوعيدِ اللهِ لكم ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾: أي تَنَزَّهَ اللهُ وتَقَدَّسَ عن شِرك المُشركين الذي جَرَّأهم على الاستهزاء بالعذاب، (واعلم أنه سبحانه لم يقل لهم - بضمير المُخاطَب -: (عما تُشركون)، بعد أن كانَ الخطاب مُوَجَّهاً إليهم في قوله: ﴿ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾، وذلك تهميشاً لهم، واحتقاراً لأفعالهم التي لا يَرضى عنها العقلاء). ♦ هذا، وقد أنزل اللهُ بهم بعضَ العذاب الذي استعجلوه، فقد قَتَلَ زعمائهم المُستهزئين في بدر، ثم أصابهم القحط سبع سنين، وعَذَابُ يوم القيامة قد اقترب لمن استعجله، ولذلك عَبَّرَ عنه سبحانه بصيغة الماضي - في قوله: ﴿ أَتَى ﴾ - وذلك لتأكيد وقوعه في عِلم اللهِ تعالى واقتراب مجيئه، فإنه آتٍ لا مَحالة، وكلُّ آتٍ قريب. ♦ ولَمَّا بَرَّأَ اللهُ نفسه عَمَّا وَصَفه به أعداؤه، ذَكَرَ الوحي الذي يَجب اتِّباعه، فقال: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ ﴾ أي بالوحي الذي به حياة الأرواح والقلوب، وهذا يُشبه قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ﴾، (والمقصود بالملائكة هنا: "جبريل" عليه السلام ومَن معه مِن حَفَظَة الوحي)، إذ يَنزلون بالوحي ﴿ مِنْ أَمْرِهِ ﴾: أي بأمْر ربهم سبحانه ﴿ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ المُرسَلين، بـ ﴿ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ﴾ أي خَوِّفوا الناس مِن عاقبة الشِرك، لأنه لا معبودَ بحقٍ إلا أنا ﴿ فَاتَّقُونِ ﴾: أي فاتقوني أيها الناس بأداء فرائضي وإفرادي وحدي بالعبادة. ♦ واعلم أنّ اللهَ تعالى قال: ﴿ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ﴾، ولم يقل (بأمْره)، وذلك لأنّ الوحي من الأمور التي اختَصَّ اللهُ بها نفسه، وهذا كقوله تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾، واللهُ أعلم. الآية 3: ﴿ خَلَقَ ﴾ سبحانه ﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾ أي ليَستدِل بهما العباد على عَظَمة خالقهما وقدرته على إحياء الموتى (لأنّ ذلك أهْوَنُ عليه سبحانه مِن خَلْق السماوات والأرض)، وبأنه وحده الخالق القادر المستحق للعبادة، ﴿ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾: أي تنزَّه - سبحانه - وتعاظَمَ عن شِركهم وافترائهم. الآية 4: ﴿ خَلَقَ ﴾ سبحانه ﴿ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ﴾ أي مِن ماءٍ حقير مُستَقذَر، ثم أخرجه تعالى مِن بطن أُمِّهِ لا يَعلم شيئاً، حتى إذا رَبَّاهُ وأصبح رَجُلاً: ﴿ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾:أي فإذا به يَقْوى ويَغترُّ، ويُصبح شديد الجدال لربه في إنكار البعث وغير ذلك، كقوله: "مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟"، ونَسِيَ قدرة ربه الذي خَلَقَه من العدم. الآية 5، والآية 6، والآية 7: ﴿ وَالْأَنْعَامَ ﴾ - مِن الإبل والبقر والغنم - ﴿ خَلَقَهَا ﴾ سبحانه ﴿ لَكُمْ ﴾ - أيها الناس -﴿ فِيهَا دِفْءٌ ﴾: أي جعل في أصوافها وأوبارها الدفء، ﴿ وَمَنَافِعُ ﴾ أُخرى في جلودها وألبانها وما يَنتج من اللبن (كالزُبد والسَمن والجُبن) وكذلك تنتفعون بأولادها، ﴿ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ أنواعاً مختلفة من اللحوم، ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ ﴾ أي: ولكم فيها زينة تُدْخل السرور عليكم، وذلك ﴿ حِينَ تُرِيحُونَ ﴾:أي عندما تَرُدُّونها إلى البيوت في المساء،﴿ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴾: أي عندما تُخْرجونها للمَرعى في الصباح، ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ ﴾ أي تحمل ما ثَقُلَ مِن أمتعتكم وأحمالكم﴿ إِلَى بَلَدٍ ﴾ بعيدٍ ﴿ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ ﴾: أي لن تستطيعوا الوصول إليه إلا بجهدٍ شديد ومَشَقَّة عظيمة، ﴿ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ حيثُ سَخَّرَ لكم كل ما تحتاجون إليه، إذاً فاعبدوه وحده ولا تُشركوا به. الآية 8: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ﴾ خَلَقَها سبحانه لكم ﴿ لِتَرْكَبُوهَا ﴾ ﴿ وَزِينَةً ﴾ أي: ولتكون جمَالاً لكم ومَنظرًا حسنًاً، ﴿ وَيَخْلُقُ ﴾ سبحانه ﴿ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ مِن وسائل الركوب وغيرها (ويَدخل في ذلك: السيارات والقطارات والطائرات والغواصات، إذ هو سبحانه الذي خَلَقَ مَصدر صُنعها، وهو الحديد، ثم عَلَّمَ الإنسانَ كيف يَصنعها)، وذلك لتزدادوا إيمانًاً به وشُكراً له. ♦ واعلم أنّ هناك خلافٌ بين العلماء في جواز أكْل لحوم الخيل، والراجح: جواز أكْلها (وهو رأي الجمهور)، لحديث أسماء رضي الله عنها - كما في صحيح مسلم - أنها قالت: (فجَزَرنا - أي ذَبَحنا - فرَسَاً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بالمدينة وأكلناه ). الآية 9: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾ أي: وعلى اللهِ إيضاحُ الطريق المستقيم لِهدايتكم، وهو الإسلام، ﴿ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾ أي: ومن الطرق ما هو مائل لا يُوصل إلى الهداية (وهو كل ما خالَفَ الإسلام)، ﴿ وَلَوْ شَاءَ ﴾ سبحانه﴿ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ للإسلام، ولكنه لم يَشأ ذلك لحكمةٍ يَعلمها، ولذلك هَدَى سبحانه مَن رَغَبَ في الهداية واتَّبع أسبابها، وأضَلَّ مَن رغب في الضَلال واتَّبع أسبابه. الآية 10، والآية 11: ﴿ هُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ ﴿ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ ﴾ أي ماءٌ تشربونه وتتطهرون به، ﴿ وَمِنْهُ شَجَرٌ ﴾: أي وأخرج لكم بهذا الماء شجرًا (والمقصود بالشجر هنا: جميع النباتات، حيثُ يَتوقف وجودها على الماء)، ﴿ فِيهِ تُسِيمُونَ ﴾: أي تَرْعَوْن مَوَاشيكم في هذا النبات، ﴿ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ ﴾ أي بهذا الماء الواحد: ﴿ الزَّرْعَ ﴾ أي الزروع المختلفة ﴿ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ ﴾ أنواع﴿ الثَّمَرَاتِ ﴾، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ الإنبات ﴿ لَآَيَةً ﴾ أي دلالة واضحة على قدرته تعالى، وقد جعل سبحانه هذه الدلالة ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي يَتأملون، فيَعلموا أنه سبحانه الخالق الرازق المستحق وحده للعبادة. ♦ ورغم أنّ الزيتون والتمر والعنب مِن ضِمن الثمرات، إلا إنه سبحانه قد ذَكَرها منفصلة، لإظهار فوائدها ومنافعها (وهذا مِن باب ذِكر العام على الخاص لإظهار فضل الشيئ وشَرَفه)، واللهُ أعلم. الآية 12: ﴿ وَسَخَّرَ ﴾ سبحانه ﴿ لَكُمُ اللَّيْلَ ﴾ لراحتكم، ﴿ وَالنَّهَارَ ﴾ لمعاشكم، (والمقصود مِن تسخيرهما: كَونهما مَوجودين باستمرار لا يَفترقان أبداً إلى أن يَأذن اللهُ بانتهائهما)، ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ﴾ سَخّرَهما سبحانه لكم لمعرفة الأيام والشهور، وإضاءة الأرض، وغير ذلك من المنافع، ﴿ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ﴾ أي مُذلَّلاتٌ لكم بأمْر اللهِ وقدرته، وذلك لمعرفة الأوقات، ونُضج الثمرات، والاهتداء بها في الظلمات، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ التسخير ﴿ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ أي يَعقلون عن اللهِ أدلته وبراهينه، إذ إنه لا يُعقَلُ أبدًا أن يَخلُقَ سبحانه ويُعبَد غيرُه، وأن يَرزُقَ ويُشكَر غيرُه! ♦ واعلم أنّ الواو التي قبل كلمة (النجوم) تُسمَّى: (واو الابتداء)، يعني كأنها تبدأ جُملة جديدة، فلذلك جاءت كلمة (النجوم) مرفوعة (لأنها مبتدأ)، ولم تأت مَنصوبة مِثل مَن قبلها (لأنها لم تُعطَف عليهم). الآية 13: ﴿ وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ﴾ أي: وَسَخَّرَ لكم ما خَلَقَه في الأرض - من المَواشي والثمار والمعادن - وغير ذلك مما تختلف ألوانه ومنافعه، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ الخَلق واختلاف الألوان والمنافع ﴿ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾ أي لَعِبرةً لقوم يَتعظون، ويَعلمون أنَّ في تسخير هذه الأشياء علاماتٍ على وحدانية اللهِ وقدرته، فيَعبدوه وحده ولا يُشرِكوا به. الآية 14: ﴿ وَهُوَ ﴾ سبحانه ﴿ الَّذِي سَخَّرَ ﴾ لكم ﴿ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا ﴾من الأسماك وغيرها ﴿ وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً ﴾ أي زينةً ﴿ تَلْبَسُونَهَا ﴾ أي تلبسها نساؤكم (كاللؤلؤ وغيره)، (واعلم أنّ المقصود مِن تسخير البحر: هو تمكين البشر من التصرف فيه، وتذليله لهم بالركوب، وتيسير الغوص - لاستخراج اللآلئ - وصيد الأسماك وغير ذلك، فهي نعمة عظيمة، وإلاّ، فلو شاءَ سبحانه لَسَلّطَ البحر عليهم فأغرقهم)، ﴿ وَتَرَى الْفُلْكَ ﴾ أي ترى السفن العظيمة - رغم ثِقَلها - ﴿ مَوَاخِرَ فِيهِ ﴾: أي تَشُقّ الماء ذهاباً ومَجيئاً، لتحملكم وتحمل أثقالكم ﴿ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي: وتركبونها لتطلبوا رِزقَ اللهِ بالتجارة والربح فيها (وذلك بنقل البضائع والسِلَع من بلدٍ إلى آخر) ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ربكم على هذه النعم العظيمة، ولا تعبدون معه غيره. الآية 15، والآية 16: ﴿ وَأَلْقَى ﴾ أي وَوَضَعَ سبحانه﴿ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ ﴾ أي جبالاً راسية لتُثَبِّت الأرض﴿ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ﴾: أي حتى لا تميل بكم وتتحرك (إذ لو تَحَرَّكَتْ بكم: ما استقامَ العيشُ عليها، ولَتَهَدَّمَ ما عليها وتَساقط)، ﴿ وَأَنْهَارًا ﴾ أي: وجعل في الأرض أنهارًا لسُقياكم وسُقيا دَوَابِّكم وزروعكم وغير ذلك مِن منافعكم، ﴿ وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾أي:وجعل في الأرض طُرُقًاً لتهتدوا بها في الوصول إلى الأماكن التي تقصدونها، ﴿ وَعَلَامَاتٍ ﴾: أي وجعل في الأرض علاماتٍ تَستدلُّون بها على الطُرُق نهارًا (كالهِضاب والأوْدية والأشجار وغير ذلك)، ﴿ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ أي: كما جعل النجوم ليَهتدي بها المسافرون ليلاً، (فرُكَّاب البحر لا يَعرفون اتجاه سَيْرهم في الليل إلا بالنجوم، وكذلك المسافرون في الصحارى، وذلك قبل وجود آلة (البوصلة) والتي لم توجد إلا على ضوء النجم وهدايته). الآية 17: ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ﴾: يعني أتجعلون اللهَ تعالى - الذي يَخلق هذه الأشياء وغيرها - كالآلهة المزعومة التي لا تخلق شيئًا، وتعبدونها معه؟! ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾: يعني أفلا تتذكرون عَظَمَة اللهِ تعالى، فتتوبوا إليه وتُسلِموا له؟! الآية 18: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾: يعني: وإن تعُدُّوا نِعَم اللهِ عليكم لا تستطيعوا حَصْرَها ولا القيام بشُكرها; وذلك لكثرتها وتنوُّعها (لِذا فتذكَّروا نِعَمَهُ سبحانه، واشكروه عليها، مع استشعاركم - أثناء الشكر - بعَجْزكم عن القيام بشُكره كما يَجب)، واستخدِموا نِعَمَهُ في طاعته ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ إذ يَتجاوز عن تقصيركم في أداء شُكر النعم، ولا يَقطعها عنكم لتفريطكم، ولا يُعاجلكم بالعقوبة. الآية 19: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ ﴾ أي يَعلم سبحانه ما تتحدثون به سِرَّاً وما تُخفونه في نفوسكم ﴿ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ أي: ويَعلم سبحانه ما تُظهِرونه لغيركم، (ومِن ذلك أنّ اللهَ عليمٌ بما يُدَبِّرُه المشركون مِن الشر والأذى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فالآية تَحمل أيضاً تهديداً ووعيداً لكفار مكة). الآية 20، والآية 21: ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ يعني: والآلهة المزعومة التي يَعبدها المشركون لا تَخلق شيئًا (وإنْ صَغُر)، ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ يعني: بل هي مخلوقات صَنَعَها الكفار بأيديهم، فكيف إذاً يَعبدونهم وهم يَعلمون أنهم ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾ أي جمادات لا حياةَ فيها؟! ﴿ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴾ أي: ولا تَشعر هذه الأصنام بالوقت الذي يَبعثها اللهُ فيه هي وعابديها، ليُلقَى بهم جميعاً في النار يوم القيامة. الآية 22، والآية 23: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ يعني: إلهكم المستحق وحده للعبادة هو اللهُ الواحد الأحد، (والعبادُ قسمان: قِسمٌ مؤمن بهذه الوحدانية، وقِسمٌ جاحد بها رغم وضوح الأدلة وقوَّتها) ﴿ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ ﴾ هم الذين﴿ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ﴾ لهذه الوحدانية، ﴿ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ ﴾ أي يَتكبرون عن قبول الحق، وعبادة اللهِ وحده، و﴿ لَا جَرَمَ ﴾ أي حَقًا ولا شك ﴿ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾ أي يَعلم ما يُخفونه مِن عقائد وأقوال وأفعال وما يُظهرونه منها، وسيُجازيهم على ذلك كله ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾. ♦ واعلم أنّ اللهَ تعالى قد خَصَّ الذين لا يؤمنون بالآخرة بأنهم هم المُنكِرون للوحدانية - عندما قال:﴿ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ ﴾ - وذلك لعدم خوفهم من العقاب في الآخرة، إذ لو آمنوا باليوم الآخر (الذي هو يوم الجزاء على أعمالهم)، ولو تَخَلَّوا عن أهوائهم وشهواتهم، وخافوا عقابَ اللهِ تعالى: لاَستقاموا على الحق والخير. الآية 24، والآية 25: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ﴾ يعني: وإذا جاءَ أُناسٌ من بلادٍ أخرى ليَسألوا عن الإسلام، فقابلوا هؤلاء المشركين وسألوهم عن القرآن: ﴿ قَالُوا ﴾ لهم: إنه ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي قصص السابقين وأباطيلهم، (وهذا مِن جَهلهم وعِنادهم، وإلاَّ، فكيف يكون هذا الكتاب المُشتمل على الحق والعدل التام، أساطيرَ الأولين؟!)، فكانوا بذلك يَصرفون الناس عن الإسلام ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾: أي لتكون عاقبة افترائهم أن يَحملوا ذنوبهم كاملةً يوم القيامة - لا يُغْفَرُ لهم منها شيء - ﴿ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ ﴾ أي: وكذلك سيَحملون مِن ذنوب الذين كَذَبوا عليهم وأضَلُّوهم، ليُبعدوهم عن الإسلام ﴿ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ أي: وهم لا يَعلمون أنّ مَن دَعا إلى ضَلالة، كان عليه ذنب مَن عَمِلَ بها إلي يوم القيامة،﴿ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ﴾: أي قَبُحَ ما يَحملونه من الذنوب، لأنها ستقودهم إلى نار جهنم ليُعَذَّبوا فيها. ♦ واعلم أنّ اللام التي في قوله تعالى: ﴿ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ ﴾ تسمى: (لام العاقبة)، أي: لتكون عاقبتهم أن يَحملوا ذنوبهم، وهذا مِثل قوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾. الآية 26: ﴿ قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ أي: لقد دَبَّرَ الكفار السابقين المَكايد لرُسُلهم ﴿ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ ﴾: أي فهَدَمَ اللهُ تعالى بُنيانهم مِن أُسُسِه وقواعده، (وهذا كقول العرب: (أتَى عليه الدهر) أى: أهلكه وأفناه، وكما تقول أيضاً: (لقد أُتِيَ فلانٌ مِن مَأمنه) أى نَزَلَ به الهلاك)، أمّا إتيانُ اللهِ تعالى يوم القيامة فيكونُ إتيَانًا حقيقيًّا بذاتِهِ على الوَجْهِ اللائق بهِ سُبحانه، ففي صحيح مُسلم أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال - وهو يتحدث عن يوم القيامة -: (حتى إذا لم يَبْقَ إلاَّ مَن كان يَعْبُدُ اللَّهَ تعالى مِن بَرٍّ وفاجر: أتاهم رَبُّ العالمين سبحانه وتعالى في أدنَى صورةٍ مِن التي رأوهُ فيها). ﴿ فَخَرَّ ﴾ أي فسقط﴿ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ ﴾ ﴿ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾أي: وبذلك قد جاءهم الهلاك - وهم في مَأمنهم - مِن حيثُ لا يتوقعون، وذهب باطلهم وزالَ مَكْرُهم (أفلا يَتعظ كفار قريش بهذا فيَنتهوا عن تدبير السُوءَ لنَبِيِّهم بالقتل أو النفي أو الحبس؟). الآية 27، والآية 28، والآية 29: ﴿ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ ﴾ أي يُذِلُّهم اللهُ بالعذاب يوم القيامة ﴿ وَيَقُولُ ﴾ لهم - توبيخاً -:﴿ أَيْنَ شُرَكَائِيَ ﴾ الذين عبدتموهم مِن دُوني، و﴿ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ﴾: أي كنتم تحاربون الأنبياء والمؤمنين مِن أجْلهم، فأين هم الآن ليَدفعوا عنكم العذاب؟، وحينئذٍ ﴿ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾ أي قال الأنبياء والعالمون: ﴿ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾: يعني إن الذل في هذا اليوم والعذاب سيَكونُ على الكافرين ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾ أي تقبض الملائكة أرواحهم وهم ﴿ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ بالكفر والمعاصي، ﴿ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ﴾: أي فاستسْلَموا لأمْر اللهِ حينَ رأوا الموت، وأنكَروا ما كانوا يَعبدونَ مِن دون الله، فقالوا: ﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ﴾: أي ما كنا نعمل شيئًا من الشِرك والمعاصي، فيُقال لهم: ﴿ بَلَى ﴾ أي كَذَبْتم، فـ ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾، وسيُجازيكم على أعمالكم، ﴿ فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ ﴿ فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ يعني:فإنّ جهنم هي بئس المُستقَرّ للذين تكبَّروا عن عبادة اللهِ وحده. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. رامي حنفي محمود تفسير الربع الثاني من سورة النحل الآية 30، والآية 31، والآية 32:ï´؟ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ï´¾ يعني: وإذا سُئِلَ المؤمنون المُتَّقون: ï´؟ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ ï´¾ على محمد صلى الله عليه وسلم؟ ï´؟ قَالُوا ï´¾: ï´؟ خَيْرًا ï´¾ أي أنزَل عليه الخير والهدى، ï´؟ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا ï´¾: يعني إنَّ للمحسنين - الذين اتقوا ربهم وعبدوه بما شَرَع، ودَعوا الناس إلى توحيده -، هؤلاء لهم في الدنيا (حَسَنَةٌ) أي حياةً طيبة في الدنيا، ï´؟ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ ï´¾ أي: ولَنعيم الدار الآخرة ï´؟ خَيْرٌ ï´¾ لهم وأعظم من الدنيا وما فيها، ï´؟ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ï´¾ في الآخرة، وهي ï´؟ جَنَّاتُ عَدْنٍ ï´¾ أي جناتالخلود، التي ï´؟ يَدْخُلُونَهَا ï´¾ فلا يَخرجون منها أبدًا، ï´؟ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ï´¾: أي تجري الأنهار مِن تحت أشجارها وقصورها، ï´؟ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ï´¾ أي يَطلبونَ فيها كل ما تشتهيه أنفسهم، مِمَّا لَذَّ وطابَ من المطاعم والمشارب والملابس والمراكب وغير ذلك، مِمَّا لم يَخطر على قلب بَشَر من النعيم، (وهذا هو مُنتهَى الإكرام، إذ كَون العبد يَجد كل ما يَشتهي ويَطلب هو نعيمٌ ليس بعده نعيم) ï´؟ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ ï´¾ وهم ï´؟ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ï´¾: أي تقبض الملائكة أرواحهم وقلوبُهم طاهرة من الكفر والشِرك، ï´؟ يَقُولُونَ ï´¾ أي تقول لهم الملائكة: ï´؟ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ï´¾ مِن كل خوف وحزن وتعب ï´؟ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ï´¾ من الإيمان والعمل الصالح والتوبة (لأنّ المتقين كانوا إذا وقعوا في ذنبٍ: سارَعوا بالتوبة، كما قال تعالى: ï´؟ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ ï´¾، فلذلك ماتوا وهم مغفورٌ لهم، (واعلم أنه تعالى وَصَفَ الجنة بأنها: (دار المتقين)، باعتبار أنهم أهلها والجديرون بها). الآية 33، والآية 34: ï´؟ هَلْ يَنْظُرُونَ ï´¾: يعني هل يَنتظر هؤلاء المشركون ï´؟ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ ï´¾ لتقبض أرواحهم وهم على الكفر، ï´؟ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ï´¾ بعذابٍ عاجل يُهلكهم - أو بقيام الساعة - وساعتها سيُؤمنون؟!، ï´؟ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ï´¾: يعني كما كَذَّبَ هؤلاء المشركون مِن قومك، فكذلك كَذَّبَ الكفار مِن قبلهم، فنزل بهم العذاب، ï´؟ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ï´¾ بإهلاكهم ï´؟ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ï´¾ بالكفر والمعاصي، فبذلك استحقوا العذاب، ï´؟ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ï´¾: أي فنزلتْ بهم عقوبة ذنوبهم التي عملوها ï´؟ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ï´¾ أي: وأحاط بهم العذاب الذي كانوا يَسخرون منه، فلم يستطيعوا الفرار. ♦ واعلم أنّ مناسبة هذه الآية لِمَا قبلها: أنّه تعالى لَمَّا أخبر عن العذاب الذي نَزَلَ بالمُكَذِّبين السابقين، وأخبر عن حال تَوَفِّي الملائكة لهم وللمؤمنين، قال - مُنكِراً على كفار مكة عدم مُسارعتهم إلى الإيمان -: ï´؟ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ ï´¾. الآية 35: ï´؟ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ï´¾: ï´؟ لَوْ شَاءَ اللَّهُ ï´¾ ألاَّ نُشرك به، وألاَّ نُحَرِّم شيئاً مِن عند أنفسنا: ï´؟ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ ï´¾ (وهذا جهلٌ منهم بحكمة ربهم وبسُنَّتِهِ في كَوْنِه، مِن هداية مَن اتَّبع أسباب الهدى وإضلال مَن اتَّبع أسباب الضلال). ♦ وقد رَدَّ سبحانه عليهم - في آيةٍ أخرى - بقوله: ï´؟ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ï´¾؟ يعني هل عندكم عِلمٌ صحيح - فيما حَرَّمتم من الأنعام والزروع، وفيما زعمتم مِن أنّ اللهَ قد شاءَ لكم الشِرك ورَضِيَهُ منكم - فتُظهِروهُ لنا؟! ï´؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ï´¾: أي: ما أنتم إلا تَكذبون في هذا الظنّ، الناتج عن التخمين واتّباع الآباء بغير دليل. ï´؟ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ï´¾ أي: كذلك احتَجَّ الكفار السابقون بمِثل هذا الاحتجاج الباطل - وهم يَعلمون أنهم كاذبون - فإنّ الله تعالى قد أمَرَهم ونهاهم، ومَكَّنَهم من القيام بما كَلَّفهم به، وجعل لهم قوة ومَشيئة تصدر عنها أفعالهم، فلذلك بَطلَ احتجاجهم بالقضاء والقدر مِن بعد إنذار الرُسُل لهم ï´؟ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ï´¾؟ (والاستفهام للنفي) أي ليس على الرُسُل إلا التبليغ الواضح لِمَا كَلَّفهم اللهُ به. الآية 36: ï´؟ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا ï´¾ آمِرًا لهم ï´؟ أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ ï´¾ وحده ï´؟ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ï´¾: أي اتركوا عبادة غير اللهِ تعالى (مِن الشياطين والأصنام والأموات وغير ذلك)، ï´؟ فَمِنْهُمْ ï´¾ أي مِن هذه الأمم ï´؟ مَنْ هَدَى اللَّهُ ï´¾ أي هداهُ اللهُ تعالى فاتَّبَعَ المُرسَلين، ï´؟ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ï´¾ أي: ومنهم المُعاند الذي اتَّبع طريق الضَلال، فوجبتْ عليه الضَلالة، فلم يُوَفِّقه الله، فإن كنتم أيها المشركون في شَكٍّ مِن ذلك: ï´؟ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ï´¾ ï´؟ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ï´¾ أي كيف كانت نهايتهم، لتَعتبروا. ♦ واعلم أنّ الطاغوت هو كل ما يَعبُدُه الناس مِن دون اللهِ تعالى، بشرط أن يكون هذا الطاغوت راضياً عن عبادة الناس له، لأنّ عيسى عليه السلام لم يكن راضياً عن عبادة النصارى له. الآية 37: ï´؟ إِنْ تَحْرِصْ ï´¾ - أيها الرسول - ï´؟ عَلَى هُدَاهُمْ ï´¾ أي على هداية هؤلاء المشركين ï´؟ فَإِنَّ اللَّهَ ï´¾ أي فاعلم أنّ اللهَ ï´؟ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ ï´¾ فلا يَقدر أحَدٌ أن يَهدي مَن أضله الله، لأنّ إضلال اللهِ تعالى يكونُ على سُنَن ثابتة، لا تَقبل التبديل والتغيير، (ومِن هذه السنن: تفضيلهم الدنيا على الآخرة، والضلال على الهدى، والانقياد للشهوات على الانقياد للحق)، ï´؟ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ï´¾ يَمنعون عنهم عذابَ اللهِ تعالى (إذاً فلا تُهلِكْ نفسك حُزناً عليهم، فما عليك إلا البلاغ). الآية 38، والآية 39، والآية 40: ï´؟ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ï´¾ أي: وأقسم هؤلاء المشركون باللهِ تعالى - بأغلظ الأيمان - أنّ اللهَ لن يَبعث مَن يَموت بعدما صارَ تراباً، فرَدَّ سبحانه عليهم بقوله: ï´؟ بَلَى ï´¾ أي سيَبعثهم اللهُ تعالى، وبهذا وَعَدَ ربكم ï´؟ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا ï´¾ الوفاء به، ï´؟ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ï´¾ أي لا يَعلمون قدرة اللهِ على إحياء مَن بدأ خَلْقهم أول مرة. ♦ واعلم أنّ المشركين كانوا يَحلفون بآلهتهم وآبائهم في الأمور التافهة، وأما إذا كان الأمر عظيماً: أقسَموا باللهِ تعالى. ♦ وسوف يَبعث اللهُ جميع العباد يوم القيامة ï´؟ لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ï´¾ حقيقة البعثِ ï´؟ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ï´¾ ï´؟ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ ï´¾ حينما حَلفوا أنه لا بَعْثَ ولا جزاء، بل، إنّ أمْرَ البَعث يَسيرٌ علينا، فـ ï´؟ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ï´¾ أي فإذا هو كائنٌ موجود. الآية 41، والآية 42: ï´؟ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ ï´¾ أي والذين هاجروا في سبيل اللهِ طَلَباً لرضاه، وتركوا ديارهم وأموالهم مِن أجْله تعالى ï´؟ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ï´¾ وعُذَّبوا: ï´؟ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ï´¾: أي لَنُسكِننَّهم في الدنيا دارًا حسنة (والمقصود بها هنا: المدينة المنورة)، وكذلك فإنّ كل مَن هاجر في سبيل الله، فإنّ اللهَ تعالى يُوفي له بهذا الوعد، كما قال تعالى: ï´؟ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ï´¾ أي سعةً في العيش والرزق، ï´؟ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ ï´¾ - لأنّ ثوابهم فيها هو الجنة - ï´؟ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ï´¾: (هذه الجُملة لتشجيع المُتباطئين عن الهجرة) أي لو كان المتخلفون عن الهجرة يَعلمون - يَقيناً - ما أعَدَّهُ اللهُ في الجنة للمهاجرين في سبيله، ما تخلَّفَ أحدٌ منهم. ♦ ومِن صفات هؤلاء المهاجرين أنهم هم ï´؟ الَّذِينَ صَبَرُوا ï´¾ على أوامر اللهِ تعالى - وإن كانت مُخالِفةً لِهَواهم - ï´؟ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ï´¾ أي: وعلى ربهم وحده يَعتمدون، فبذلك استحقوا هذه المَنزلة العظيمة. الآية 43، والآية 44: ï´؟ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ ï´¾) - أيها الرسول - ï´؟ إِلَّا رِجَالًا ï´¾ أي رُسُلاً من الرجال (لا من الملائكة)، وكنا ï´؟ نُوحِي إِلَيْهِمْ ï´¾ لِيُبَلِّغوا رسالات ربهم للناس، وإن كنتم - يا مشركي قريش - لا تُصَدِّقونَ بذلك ï´؟ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ï´¾: أي اسألوا أهل الكتب السابقة، ليُخبروكم أنّ الأنبياء كانوا بَشَرًا وليسوا ملائكة ï´؟ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ï´¾. ♦ واعلم أنّ هذه الآية عامة في كل مسألة من مسائل الدين - إذا لم يكن عند الإنسان عِلمٌ منها - أن يَسأل مَن يَعلمها مِن العلماء المُتمكنين في العلم. ♦ ولقد أَرْسَلْنا الرُسُل السابقينَ ï´؟ بِالْبَيِّنَاتِ ï´¾ أي بالدلائل الواضحة على وجوب عبادة اللهِ وحده، ï´؟ وَالزُّبُرِ ï´¾ أي: وأرسلناهم بالكتب السماوية لهداية الناس، ï´؟ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ï´¾: أي وأنزلنا إليك القرآنَ أيها الرسول، لتُوَضِّح للناس ما خَفِيَ مِن مَعانيه وأحكامه، (ويُحتمَل أن يكون المقصود بالذِّكر هنا: السُنّة، لأنها هي المُوَضِّحة لمعاني القرآن)، ولِذا فالراجح أنَّ المقصود بالذِكر هنا: (جميع الشريعة) أي القرآن والسُنَّة، لأنّ القرآن لن يتم إيضاح مَعانيه إلا بالسُنَّة، ï´؟ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ï´¾ أي: ولِكَي يَتدبروا القرآن - بعد أن بَيَّنتَ لهم مَعانيه - فيَهتدوا به. الآية 45، والآية 46، والآية 47: ï´؟ أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ ï´¾: يعني هل أَمِنَ الذين مَكَروا المَكرات السيئات (فالسيئات وَصْف للأفعال الماكرة التي مَكَروها، مِن محاولة قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ومِن الشرك والتكذيب وتعذيب المؤمنين)، (واعلم أنّ هذا يَشمل أيضاً كل مَن يُصِرّ على المعاصي ولا يتوب منها)، أفأمِنَ هؤلاء ï´؟ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ ï´¾ كما فعل بقارون؟، ï´؟ أَوْ ï´¾ هل أَمِنوا أن ï´؟ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ï´¾ أي مِن مكانٍ لا يتوقعونه؟، ï´؟ أَوْ ï´¾ هل أَمِنوا أن ï´؟ يَأْخُذَهُمْ ï´¾ العذاب ï´؟ فِي تَقَلُّبِهِمْ ï´¾ أي: وهم يَتقلبون في أسفارهم وأشغالهم؟، ï´؟ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ï´¾: أي فلن يُعجِزوا اللهَ تعالى إذا أرادَ أخْذَهم وإهلاكهم، ï´؟ أَوْ يَأْخُذَهُمْ ï´¾ يعني: وهل أَمِنوا أن يأخذهم اللهُ ï´؟ عَلَى تَخَوُّفٍ ï´¾ أي في حال خوفهم مِن أخْذِهِ لهم (وذلك في حال توقعهم بنزول العذاب لوجود علاماته)، ويُحتمَل أن يكون المعنى: (أن يُهلكهم واحداً بعد الآخر أو جماعة بعد أخرى (يعني يأخذ القرية فتخاف القرية الأخرى وهكذا، حتى لا يَبقى منهم أحد)، ï´؟ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ï´¾ إذ لولا رأفته ورحمته: لأَذاقهم عذابه دونَ أن يُمهلهم للتوبة. ♦ واعلم أنّ التقلب: هو الحركة (ذهاباً وعودة) مِن أجل السعي في شئون الحياة (مِن تجارةٍ وعمل وسفر وغير ذلك). الآية 48: ï´؟ أَوَلَمْ يَرَوْا ï´¾: يعني ألم يَنظر هؤلاء الكفار ï´؟ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ï´¾ له ظِلّ - كالشَجَر وغيره - إذ ï´؟ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ ï´¾: أي تميلُ ظلالها يَمينًاً وشمالاً (تبعًا لحركة الشمس نهارًا والقمر ليلاً)، فتكون ï´؟ سُجَّدًا لِلَّهِ ï´¾ بظلالها، ï´؟ وَهُمْ دَاخِرُونَ ï´¾ أي: وهي تحت تسخيره وتدبيره وقهره. الآية 49، والآية 50: ï´؟ وَلِلَّهِ ï´¾ وحده ï´؟ يَسْجُدُ ï´¾ كُلُّ ï´؟ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ ï´¾ تدبّ على وجه الأرض(حتى الكافر، فإنه - وإن لم يَسجد للهِ تعالى عبادةً - فإنه يَسجد له بخضوعه لأحكامه الجارية عليه - مِن غِنىً وفقر، وصحةٍ ومرض وغير ذلك - ولا يقدر أن يَرُدّها). ï´؟ وَالْمَلَائِكَةُ ï´¾ يَسجدون للهِ تعالى ï´؟ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ï´¾ عن عبادته (وقد خَصَّ سبحانه الملائكة بالذِّكر - من بين مخلوقاته - لشَرَفهم وكثرة عبادتهم)، فهُم ï´؟ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ï´¾ أي يَخافون ربهم الذي هو فوقهم بالذات والقهر وكمال الصفات ï´؟ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ï´¾ فلا يَستطيعونَ أن يَعصوا ربهم، (وفي الآية إثبات صفة العُلُوّ والفوقية للهِ تعالى على جميع خلقه، كما يَليقُ بجلاله وكماله، إذ هو تعالى فوق كل شيء، ذاتاً وسُلطاناً وقهراً). - واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الثالث من سورة النحل • الآية 51: ﴿وَقَالَ اللَّهُ﴾ لعباده: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي لا تعبدوا مَعبودَيْن اثنين، فـ ﴿إِنَّمَا﴾ مَعبودكم الحق ﴿هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وهو اللهُ الخالق الرازق المالك، ﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾: أي فخافوني وحدي ولا تخافوا غيري، لأنني الإله الحق، والأمر كله بيَدِي. • الآية 52: ﴿وَلَهُ﴾ سبحانه جميع ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَلقًا ومُلكًا وتصرفاً وإحاطة، (إذاً فكل ما تعبدونه مع الله: هو مِلكٌ لله، ولم يَأذن بعبادته)، ﴿وَلَهُ﴾ سبحانه ﴿الدِّينُ﴾ أي له وحده العبادة والطاعة والإخلاص ﴿وَاصِبًا﴾ أي دائمًا، ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾: يعني أتخافونَ مِن غير اللهِ تعالى، واللهُ هو الذي بيَدِهِ كل شيئٍ؟! • الآية 53، والآية 54، والآية 55، والآية 56:﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ﴾ - سواء كانت هداية، أو صحة، أو مال أو ولد، أو غير ذلك -: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ وحده، إذ هو سبحانه القادر على إعطاء النعم وسَلْبِها، ودَلَّلَ سبحانه على ذلك بشعورهم الفِطري، فقال: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾: يعني إذا أصابكم بلاءٌ وشدة:﴿فَإِلَيْهِ﴾ وحده﴿تَجْأَرُونَ﴾ أي ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة، طالبينَ منه كَشْف الضر، ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعني إذا جماعة منكم يُشركون بربهم المُنْعِم عليهم بالنجاة، فيَعبدونَ معه غيره، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ﴾: أي لتكون عاقبتهم أن يَجحدوا بما آتاهم اللهُ مِن نِعَم (ومنها كَشْف البلاء عنهم) فيَستحقوا العذاب، ولذلك قال بعدها: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾: أي استمتِعوا أيها المشركون بدُنياكم الزائلة ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كُفركم وعِصيانكم. ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾: أي يَجعلون للأصنام - التي لا تعلم شيئًا - جُزءًا مِن أموالهم التي رَزَقهم اللهُ بها (ليتقربوا بها إليهم)، فتوَعَّدَهم سبحانه على ذلك بقوله:﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ أي يوم القيامة﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ مِن الكذب على اللهِ تعالى في جَعْلكم معه شركاء في العبادة، وسيُعاقبكم على ذلك بأشد العقاب. • الآية 57، والآية 58، والآية 59: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ وذلك حين قالوا - كذباً وافتراءً -: (الملائكة بنات الله)، ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تَنَزَّهَ اللهُ تعالى وتبرَّأَ مِن أن يكون له ولد (ذكراً كان أو أنثى) لأنه رَبُّ كل شيء ومَالكُه، فما الحاجةُ إذاً إلى الولد؟! ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: وفي نفس الوقت الذي يَنسبون فيه البنات إلى اللهِ تعالى، يَجعلون لأنفسهم ما يُحبون من البنين ويَكرهون البنات!،﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾: يعني وإذا جاء مَن يُخبِرَ أحدهم بأنه قد وُلِدَ له بنت: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي مُتغيِّراً بالسَواد مِن هذه البُشرَى ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مُمتلىء بالحزن والغم، وتَجِده ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ﴾: أي يَتَخَفَّي مِن قومه حتى لا يَلقاهم بالذل والعار؛ وذلك ﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾: أي بسبب البنت التي وُلِدت له، وتَجِده مُتحيِّرًا في أمْر هذا المولود: ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾: يعني أيُبقيهِ حَيّاً على ذلٍّ وفضيحة، ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ يعني أم يَدفنه حَيّاً ﴿فِي التُّرَابِ﴾؟ - وهو ما كانَ يُعرَف بـ (وأد البنات) -، فقال تعالى مُنكِراً عليهم هذا الإجرام الفظيع: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾: يعني قَبُحَ الحُكم الذي حَكَموه مِن قتل البنات وإذلالهنّ (هذا مِن جهة)، ومِن جهةٍ أخرى: (أنهم يَنسبونَ البنات للهِ تعالى ويُبَرِّئون أنفسهم منها). • الآية 60: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ أي الصفة القبيحة من الجهل وظُلمة النفوس (لأنّ عدم إيمانهم بالحساب والجزاء جَعَلهم لا يَتركون شراً ولا يَعملون خيراً)، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ أي: وللهِ تعالى الصفات العُليا من الكمال والاستغناء عن جميع خَلقه، فلا يَحتاجُ سبحانه إلى زوجةٍ أو ولد، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قهر جميع المخلوقات، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره وقضاءه. • الآية 61، والآية 62: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ أي بكُفرهم وافترائهم وعِصيانهم:﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾: أي لأَهلَكَهم جميعاً، وما تَرَكَ على الأرض مِن أحدٍ يَتحرَّك، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ سبحانه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ يعني إلى وقتٍ مُحَدّد (وهو نهاية آجالهم) ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عنه ﴿سَاعَةً﴾ ليعتذروا ويتوبوا، ﴿وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي: ولا يَتقدم أجَلُهم عن الوقت المعلوم (ثم يُجازيهم ربهم على أعمالهم السيئة). ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي يَجعلون للهِ ما يَكرهونه لأنفسهم من البنات والشركاء، ومع هذا: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ أي وتقول ألسنتهم كذبًا: إنّ لهم حُسن العاقبة، كما قال بعضهم: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، فرَدَّ تعالى على هذا الافتراء بقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي حقًا ولا شك ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ أي مَتْروكون في النار لا يُنقِذهم أحد. • الآية 63: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا﴾ رُسُلاً ﴿إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ - أيها الرسول - ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾: أي فحسَََّنَ لهم الشيطان ما عملوه من الشِرك والتكذيب ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ﴾ أي: فهو مُتَوَلٍّ لإضلالهم في الدنيا ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. • الآية 64: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ - أيها الرسول - ﴿إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: يعني إلا لتوضح للناس ما اختلفوا فيه من التوحيد والشِرك والهدى والضلال (لتقوم عليهم الحُجّة ببَيَانك)،﴿وَهُدًى﴾ أي: وأنزلنا القرآن رشدًا لمن اتَّبعه من الخلق، فيُنَجِّيهِ من الهلاك، ﴿وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي وجَعَله سبحانه رحمةً للمؤمنين (وخَصَّهم بذلك لأنهم المُنتفعون به، العاملونَ بهُداه)، وأما الكافرون فلا يَزيدهم القرآن إلا هَلاكاً وخُسراناً، لأنه قد أقام الحُجَّة عليهم. • الآية 65: ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي فأخرج به النبات من الأرض، بعد أن كانت يابسة لا خيرَ فيها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني إنّ في إنزال المطر وإنبات النبات ﴿لَآَيَةً﴾ على قدرة اللهِ تعالى على البعث ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي يَسمعون هذه الآيات، سَمَاعَ تدَبُّر وانتفاع. • الآية 66: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ - وهي الإبل والبقر والغنم - ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي لكم فيها عِبرة عظيمة على قدرة اللهِ تعالى، فقد شاهدتم كيف ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي مِمّا يَخرج مِن ضُروعها (وهو مكان الإرضاع)، فـ ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾: أي مِن بين الرَّوث (وهي القاذورات الموجودة في الكِرْش)، ومِن بين الدم: يُخرِجُ اللهُ تعالى ﴿لَبَنًا خَالِصًا﴾ من كل الشوائب (ليس فيه شيء من الفرْث أو الدم، لا في لونه ولا رائحته ولا طعمه)، ﴿سَائِغًا﴾ أي لذيذًاً ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾. ♦ وهنا قد يقول قائل: لماذا ذَكَرَ اللهُ تعالى كلمة: (بطونه) في هذه الآية (بصيغة المُذكَّر)، على الرغم من أنه سبحانه قد ذَكَرَ نفس الكلمة بصيغة المؤنث في سورة "المؤمنون" حين قال: ﴿ وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ ﴾؟ والجواب: أنّ العلماء قد اختلفوا في ذلك، فمنهم مَن قال بأنّ كلمة: (الأنعام) يَجوز تذكيرها كما يَجوز تأنيثها، ومنهم مَن قال بأنّ المقصود من قوله تعالى: ﴿ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ ﴾أي نُسقيكم مِمَّا في بطون الذي له لبن (وهم الإناث)، فآية سورة "النحل" تتحدث - بصفة خاصة - عن إسقاء اللبن من بطون الأنعام مِن بين فرثٍ ودم، واللبن لا يَخرج من جميع الأنعام بل يخرج من الإناث فقط، وأما آية سورة "المؤمنون" فهي تتحدث عن منافع عامة لجميع الأنعام (ذكورها وإناثها)، ومنهم مَن قال بأنّ كلمة: (بطونه) جاءت بصيغة المُذكَّر للإشارة إلى أنّ اللبن يتكون بأمْر مِن هرمونات الذَكَر، وذلك لأنّ الأنثى لا تُفرِز اللبن إلا إذا تَسَبَّب ماء الذكَر في إخصاب البويضة وتكوّن الجنين، مِمَّا يَتسبب في إفراز هرمونات خاصة تعمل على تنشيط الغُدَد اللبَنية حتى تكتمل قدرتها على إفراز اللبن بمجرد الولادة، واللهُ أعلم. • الآية 67: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ يعني: ومِن نِعَم الله عليكم أنه يُنبِت لكم من النخيل والأعناب ثَمَراً ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾: أي تجعلون بعضه خَمرًا مُسْكِرًا - وكانَ هذا قبل تحريم الخمر - ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾: أي: وباقي الثمر يكونُ لكم طعامًا طيبًا، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً﴾ على قدرة اللهِ تعالى واستحقاقه وحده للعبادة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي يَعقلون البراهين فيَعتبروا بها. • الآية 68، والآية 69: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾: أي ألْهَمَ ربك النحل بـ﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾: أي اجعلي لكِ بيوتًا في الجبال، وفي الشجر، وفيما يَبني لكِ الناس من البيوت، ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي مِن كل ثمرةٍ تشتهينها، ﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾: أي فاسلكي طُرُق ربك مُذللةً لكِ، سَهلة عليكِ (لا تَضِلِّينَ عنها)، وذلك لطلب الرزق في الجبال وخلال الشجر، ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾: أي يَخرج مِن بطون النحل عسلٌ مختلف الألوان (مِن بياضٍ وصُفرةٍ وحُمرة) ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (إذا شَرِبوه بِنِيّة الشفاء، أو إذا ضَمُّوهُ إلى دواءٍ آخر)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني إنّ فيما يَصنعه النحل ﴿لَآَيَةً﴾ أي لَدلالةً قوية على قدرة خالقها ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيَعتبروا. • الآية 70: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ من العدم، ﴿ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ في نهاية أعماركم، ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: ومنكم مَن يَصيرُ إلى أردأ العُمر (وهو الهِرَم)، حيث يَفقد الإنسان ما كانَ له مِن قوةٍ وعقل ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾: أي حتى يَصير لا يَعلم شيئًا مِمَّا كانَ يَعلمه (كما كانَ في طفولته)، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ إذ إنّه تعالى - كما رَدَّ الإنسان إلى هذه الحالة - فإنه أيضاً قادرٌ على أن يَبعثه بعد الموت. ♦ واعلم أنّ اللهَ سبحانه قدَّمَ اسمه (العليم) قبل اسمه (القدير) لأنّ القدرة تتعلّق بالعِلم، وبمقدار سعة العلم يكون عِظَم القدرة، واعلم أيضاً أنّ اللام التي في قوله تعالى: ﴿ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ ﴾تُسَمَّى: (لام العاقبة) أي ليَصير الإنسان إلى هذه الحالة. • الآية 71: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (فمِنكم الغني ومنكم الفقير، ومنكم المالك ومنكم المملوك)، ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ أي: فلا يُعقَل أن يُعطِي المالكونَ لمَملوكيهم المالَ الذي يَصيرونَ به شركاءَ لهم، مُتساوينَ معهم في الرزق! (فإذا لم يَرضوا بذلك لأنفسهم، فلماذا رضوا بأن يَجعلوا للهِ شُركاءَ مِن خَلقه وعبيده؟!) ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؟! يعني إنّ هذا مِن أعظم الظلم والجحود لِنعم اللهِ عَزَّ وجَلّ (وذلك لأنهم جحدوا نعمة العقل أولاً، فلم يُفكروا بعقولهم، ثم جحدوا نعمة اللهِ عليهم في خَلقهم ورِزقهم فعبدوا معه أصناماً لا تملك شيئاً ولا تنفع ولا تضر). • الآية 72: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي خَلَقَ لكم - مِن نفس نوعكم - زوجاتٍ لتستريح نفوسكم معهنّ، (ويُحتمَل أن يكون المقصود مِن قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾ أنّ حواء خُلِقتْ مِن ضِلع آدم، وباقي النساء خُلِقنَ مِن ماء الرجال)، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أي أبناءً وأحفاداً من أبنائكم، ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي رَزَقكم مِن الأطعمة الطيبة (من الثمار والحبوب واللحوم وغير ذلك)،﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾: يعني أفَبَعْد هذا كله، يؤمنون بآلهتهم الباطلة التي لم تخلق شيئاً ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ أي: ويَجحدون بنعم اللهِ التي لا تُحصَى، ولا يَشكرونه سبحانه بإفراده وحده بالعبادة؟! • الآية 73، والآية 74: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا﴾ أي: ويَعبد المشركون أصنامًا لا تملك أن تعطيهم شيئًا من السماء (كالمطر)، ولا من الأرض (كالزرع)، لأنهم لا يَملكون شيئًا ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أن يَفعلوا شيئاً مِن ذلك لِعَجْزهم. ♦ فإذا عَلِمتم أنّ الأصنام لا تنفع: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ (وذلك بأن تُطلِقوا لفظ "إله" على صَنَمٍ أو غيره)، فبذلك تجعلون للهِ تعالى نُظَراء وشركاء في العبادة (لا يَملكون لأنفسهم ولا لعابدِيهم نفعاً ولا ضراً) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ أنه تعالى له المَثَل الأعلى وأنّ ما يَضربونه له باطل، ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك، فلهذا نَهاكم سبحانه عن أن تَضربوا له مَثَلاً فيه نقصٌ أو تشبيهٌ بخلقه. ♦ واعلم أنّ الأمثال جَمْع (مَثَل)، وهي هنا بمعنى (المُماثِل)، ومعنى أنهم يَضربونَ الأمثالَ للهِ تعالى: أنهم شَبَّهوا الأصنام بالخالق جَلَّ وعَلا (حيثُ عَبَدوها بالذبح والنَذر والدعاء، والحَلِف بها، والعكوف حولها، والاعتقاد بأنها تَشفع لهم عند اللهِ تعالى وأنها تُقَرِّبُهم إليه، وأنها واسطةٌ لهم بمَثابة الوزير للأمير)، (ومِن ذلك أيضاً مَن يَتوسطون بالأولياء والأنبياء فيَدعونهم ويَذبحون عندهم، زاعمينَ أنّ هؤلاء الأولياء مُقرَّبون إلى اللهِ تعالى، وأنه يَستجيب لهم ولا يَستجيب لغيرهم)!، فهؤلاء قد جعلوا اللهَ تعالى كَمُلوك الدنيا الذين يَحتاجون إلى واسِطةٍ بينهم وبين الناس ليقضوا مصالحهم، واللهُ تعالى لا يَحتاجُ إلى واسطةٍ بينه وبين خَلقه في العبادة، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾. [*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الرابع من سورة النحل الآية 75: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ بَيَّنَ فيه فساد عقيدة أهل الشِرك، وهو: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي لا يَملك شيئًا من الدنيا، ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: ورجلاً حُرّاً رَزَقَه اللهُ بمالٍ حلال، يَملك التصرف فيه ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ أي يُعطي منه في الخفاء والعَلَن، ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾: يعني فهل يقول عاقل بالتساوي بين هذين الرجلين؟! (فكذلك اللهُ الخالق المالك المتصرف، لا يَتساوى مع خَلقه وعبيده، فكيف إذاً تُسَوُّون بينهما في العبادة؟!) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إذ هو المستحق وحده للحمد والثناء ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي لا يَعلمونَ أنّ اللهَ تعالى هو وحده المُنعِم الرازق المستحق للعبادة. ♦ ويُلاحَظ أنه تعالى قال: ﴿ هَلْ يَسْتَوُونَ ﴾ولم يقل: (هل يستويان)، رغم أنّ المثل المضروب كانَ لرجلين فقط، وذلك لأنه تعالى قال في الرجل الآخَر: ﴿ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا ﴾، فكلمة: (مَنْ) تصلح للواحد وللجماعة، فلذلك قالها بالجمع: ﴿ يَسْتَوُونَ ﴾ لتشملهم جميعاً. الآية 76: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ آخر لبُطلان الشِرك بـ ﴿رَجُلَيْنِ﴾ ﴿أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ أي أخرس أصَمّ، لا يَفْهَم شيئاً ولا يُفْهَم منه شيئ، و﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾: أي لا يَقدر على نَفْع نفسه أو غيره ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ أي: وهو عِبءٌ ثقيل على مَن يتولى أمْره ويَعوله، فـ ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾: يعني إذا أرسله ليَقضي له أمْراً: لا يَنجح، ولا يعود عليه بخير، فـ ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: فهل يَتساوى هذا الرجل الأخرس مع رجل آخر سليم الحَواس، يَنفع نفسه ويَنفع غيره، ويأمر الناس بالخير والمعروف؟!، فكيف إذاً تُسَوُّون بين الصنم الأخرس الأصمّ وبين اللهِ تعالى القادر، المُنعم بكل خير، الذي يأمر عباده بالتوحيد والاستقامة في كل شيء، القائم على مصالحهم وشئونهم، وهو على طريقٍ مستقيم يدعو الناسَ إلى سلوكه، ليَنجوا ويَسعدوا في الدنيا والآخرة؟! الآية 77: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: واللهُ تعالى يَعلمُ جميع ما خَفِيَ عن حَواس الناس في السماوات والأرض، ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ يعني: وما شأن القيامة في سُرعة مَجيئها - حين يأمر اللهُ تعالى الأرواح أن ترجع في الأجساد بكلمة "كُن" - ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾: يعني إلا كنظرة سريعة بالبصر ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ أي: بل هو أسرع من ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ♦ واعلم أنّ حرف: (أو) الذي في قوله تعالى: ﴿ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ﴾، قد أتى هنا بمعنى (بل)، يعني (بل هو أقرب)، وهذا كقوله تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾يعني: بل يَزيدون على مئة ألف. الآية 78: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أي لا تُدرِكونَ شيئًا مِمَّا حولكم، ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾: أي وجعل لكم وسائل الإدراك من السمع والبصر والقلوب ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي لتشكروا رَبَّكم على تلك النعم (فتَعترفوا بنِعَمِهِ عليكم، وتُفردوه وحده بالعبادة، وتُطيعوا أمْرَه وتجتنبوا نَهْيه)، كما قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. الآية 79: ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني ألم يَنظر هؤلاء المشركون ﴿إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ أي مُذلَّلاتٍ للطيران في الهواء بين السماء والأرض بأمْر اللهِ تعالى وقدرته؟ ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ عن الوقوع ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ سبحانه وتعالى (بما خَلَقه لها وأقدَرَها عليه)، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التذليل والإمساك ﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أي يؤمنونَ بما يَرونه من الأدلة على قدرة اللهِ تعالى، وعنايته بخَلقه، (واعلم أنّ التسخير هو التذليل للعمل). الآية 80: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ أي راحةً واستقرارًا مع أهلكم (هذا في حال إقامتكم في بلدكم)، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ﴾ في سَفَركم ﴿مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ أي خِيامًا (تصنعونها من جلود الإبل والبقر والغنم)، فـ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ أي يَخِفُّ عليكم حمْلها ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ أي وقت تَنَقُّلكم أثناء السفر، ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾: أي وكذلك يَخِفّ عليكم نَصْبُها وقت استراحتكم أثناء السفر، ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾: أي وجعل سبحانه لكم من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المَعز: ﴿أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾: أي أثاثًا لكم (مِن فُرُش وأغطية وملابس وزينة) تتمتعون بها إلى أجلٍ معلوم (وهو الوقت الذي تتمزق فيه وتُرمَى). الآية 81: ﴿وَاللَّهُ﴾ سبحانه ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾: أي جعل لكم ما تستظلُّون به من الأشجار وغيرها، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾: أي جعل لكم في الجبال مغاراتٍ وكهوفاً تلجؤون إليها عند الحاجة، ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾: أي جعل لكم ثيابًا من القطن والصوف وغير ذلك، لتحفظكم من الحر والبرد (وإنما اكتفى سبحانه بذِكر الحر، لِيَدُلّ على البرد، وهذا من الحذف البَلاغي في لغة القرآن)، ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾: أي وجعل لكم من الحديد دروعاً تحميكم من الطعن والأذى في حروبكم، ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: كما أنعم اللهُ عليكم بهذه النعم، فكذلك يُتِمُّ نعمته عليكم ببَيَان الدين الحق ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾: أي لِتَستسلموا لأمْره، وتُسلِموا له قلوبكم ووجوهكم، فتعبدوه وحده ولا تشركوا به. الآية 82، والآية 83: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾: يعني فإن أعرَضوا عن دَعْوَتِك - أيها الرسول - بعدما رأوا الآيات فلا تحزن عليهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾: أي فما عليك إلا البلاغ الواضح لِمَا أُرْسِلْتَ به، وأمّا الهداية: فأمْرُها إلينا، وقد بَلَّغتَهم وبَيّنتَ لهم - بالحكمة والموعظة الحسنة - وليس عليك شيءٌ من المسئولية بعد البلاغ. ♦ وهؤلاء المُعرِضون ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ عليهم (وهي التي ذَكَّرهم بها سبحانه في هذه السورة، ومنها إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم) ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ وذلك بعبادتهم لغير المُنعم بها، وكذلك بجحودهم لنُبُوّة رسوله محمد (رغم مَعرفتهم بصِدقه) ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: وأكثر قومه صلى الله عليه وسلم هم الجاحدون لنُبُوَّته، لا المُقِرّون بها. ♦ ويُحتمَل أن يكون المقصود مِن قوله تعالى: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴾أي رؤساء الكُفر الجاحدين المُعاندين، لأنّ هؤلاء مِن شأنهم التعقل والتأمل، ولكنهم بعد أن سَمِعوا دلائل القرآن، وعرفوا نعمة ربهم عليهم، وعرفوا صِدق النبي محمد، أصَرُّوا على الشِرك حِفاظاً على زعامتهم لباقي المشركين. ♦ ويُحتمَل أيضاً أن يكون سبحانه قد ذكَرَ الأكثر وأرادَ الجميع، لأنّ أكثر الشيء يقوم أحياناً مَقام الكل، كقوله تعالى عن الكافرين: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾، واللهُ أعلم. الآية 84: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾: أي اذكر لهم - أيها الرسول - ما يَحدث يوم القيامة، حينَ نَبعث من كل أُمّةٍ رسولها شاهدًا على إيمان مَن آمن منها، وكُفْر مَن كَفَر، (واعلم أنّ المقصود مِن بَعْث اللهِ تعالى لهذا الشاهد: هو إحضاره أمامَ اللهِ تعالى ليَشهد على أُمَّتِه)، ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالاعتذار عَمَّا وقع منهم ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: ولا يُطْلب منهم إرضاءُ ربهم بالتوبة والعمل الصالح، فقد فاتَ أوانُ ذلك، (فاذكر هذا لقومك، لعلهم يتوبون فينجوا). الآية 85: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾ أي عذاب جهنم بعد دخولهم فيها: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ أي لا يُرفَع عنهم العذاب قليلاً ليستريحوا، ﴿وَلا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ أي: ولا هم يُمهَلون بمَعذرةٍ يَعتذرون بها. الآية 86، والآية 87: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ﴾: يعني وإذا رأى المشركونَ مَعبوديهم يوم القيامة: ﴿قَالُوا﴾: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ﴾ هم ﴿شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا﴾ أي الذين كنا نَعبدهم ﴿مِنْ دُونِكَ﴾، ﴿فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ أي فنَطَقَ المَعبودون بتكذيب مَن عَبَدوهم، وفاجئوهم بقولهم: ﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ حينَ جعلتمونا شركاء مع اللهِ في عبادته، فلم نأمركم بذلك، ولم نزعم أننا مُستحِقون للعبودية، ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ أي: وأظهر المشركون - في هذا اليوم - الاستسلام والخضوع للهِ تعالى ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِباً مِن شفاعة آلِهَتهم لهم. الآية 88: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بوحدانية اللهِ تعالى وبنُبُوّة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي ومَنَعوا غيرهم عن الدخول في سبيل الله (وهو الإسلام)، أولئك ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾: أي زدناهم عذاباً فوق عذابهم (فالعذاب الأول على كُفرهم، والعذاب الثاني على صَدِّهم للناس عن اتّباع الحق)، وذلك ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾: أي بسبب تعمُّدهم للإفساد وإضلال العباد. الآية 89: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ أي اذكر لهم يوم نَبعث ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وهو رسولهم الذي أرسله اللهُ إليهم مِن قومهم وبلسانهم، ﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ - أيها الرسول - ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ أي على مَن أُرسِلتَ إليهم (وهم جميع المُكَلَّفين من الإنس والجن منذ بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة، (وإنما اقتصر سبحانه على ذِكر مُشركِي مكة حين قال: ﴿ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ ﴾لأنّ الكلام كانَ جارياً في تهديدهم وتحذيرهم، ولكثرة أذاهم للنبي صلى الله عليه وسلم، واللهُ أعلم)، (ولعل حرف الجر (في) المذكور في قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ﴾معناه أنّ اللهَ يُرسل النبي ليَقف في قومه ليَشهد عليهم، واللهُ أعلم). ♦ ثم قال تعالى - مُقَرِّراً لصِدق نُبُوّة رسوله محمد، ومُوَضّحاً أنه لا عُذرَ لأحد بعد إنزال القرآن -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أي: ولقد نَزَّلْنا عليك القرآن توضيحًا لكل أمْرٍ يَحتاج الناس إلى معرفته (كأحكام الحلال والحرام، وإظهار أدلة الحق، وإظهار فساد الباطل، وغير ذلك)، ﴿وَهُدًى﴾ أي: وليكون هِدايةً من الضلال، ﴿وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾: أي ورحمة خاصة لمَن صَدَّق به وعمل بهُداه، وبُشرَى طيبة - لمَن أسلموا وخضعوا للهِ رب العالمين - بحُسن مصيرهم يوم القيامة. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الخامس من سورة النحل الآية 90: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ ﴾ عباده في هذا القرآن ﴿بِالْعَدْلِ﴾ في حقه تعالى (وذلك بأن يُعبَد وحده ولا يُعبَدُ غيره، لأنه هو الخالق المُنعِم، وأما غيره فلم يَخلّق شيئاً ولم يُنعِم بشيء)، وكذلك يأمر بالعدل في حق عباده (بإعطاء كل ذي حَقٍّ حقه)، ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ أي: ويأمر سبحانه بالإحسان في حقه (وذلك باجتناب المُحرَّمات، وأداء الفرائض كما شَرَع، مع مراقبة اللهِ تعالى في ذلك، حتى يكون الأداء على الوجه المطلوب إتقاناً وجَودة)، وكذلك يأمر سبحانه بالإحسان إلى الخَلق في الأقوال والمُعاملات، ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾: أي ويأمر بإعطاء الأقرباء حقوقهم من الصلة والبِرّ، ﴿وَيَنْهَى﴾ سبحانه ﴿عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ وهو كل ما قَبُحَ قولاً وعملاً، ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ وهو كل ما يُنكِره الشرع وتُنكِره الفِطَر السليمة والعقول الراجحة السديدة، ﴿وَالْبَغْيِ﴾: أي ويَنهى سبحانه عن ظلم الناس والتعدي عليهم، واللهُ تعالى - بهذا الأمر وهذا النهي - ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾: أي لكي تتذكروا أوامره وتنتفعوا بها. ♦ واعلم أنّ هذه الآية تُفَسِّر قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا ﴾ أي أمَرناهم بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ولكنهم فسقوا في القرية، ولم يَمتثلوا لأوامر اللهِ تعالى فأهلكهم. الآية 91: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾: أي التزِموا بالوفاء بكل عهدٍ أوْجبتموه على أنفسكم (بينكم وبين اللهِ تعالى، أو بينكم وبين الناس)، فيما لا يُخالف شرع الله، ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾: أي ولا ترجعوا في الحَلف بعد أن أكَّدْتموهُ بذِكر لفظ الجلالة (واللهِ) أثناء القَسَم ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي شاهداً وضامنًا ووكيلاً، عندما حلفتم به وأنتم تعاهدون الناس، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (هذه الجملة تحمل وعيداً شديداً لمن ينقض العهد). ♦ واعلم أنّ هذه الآية قد حَرَّمتْ نقض العهد وعدم الالتزام بالحَلف (إذا كان ذلك لمصالح مادية)، أمّا إذا حلف العبد على شيء، ثم رأى شيئاً خيراً منه، فإنه يَنقض يمينه ويُكَفِّر كفّارة يمين، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (إني واللهِ لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها، إلا كَفَّرتُ عن يميني وأتيتُ الذي هو خير) (انظر صحيح سنن النسائي ج: 9/7). الآية 92: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ - برُجوعكم في عهودكم وحَلفكم - ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾: أي كامرأةٍ غزلتْ غَزْلاً وأحْكَمَتْهُ بقوة، ثم حَلَّتْهُ وأفسَدَتْهُ، فجعلتْهُ ﴿أَنْكَاثًا﴾: أي مَنقوضاً (يعني أصبح خيوطاً عديدة، كما كان قبل الغزْل)، وذلك حينَ ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾: أي تجعلونَ حَلِفكم - أثناء التعاهد - وسيلة إلى خِداع مَن عاهدتموه، كأنْ تعاهدوا جماعة معينة، وتحلفوا لهم باللهِ فيُصَدِّقوكم، ثم تنقضوا عهدكم معهم بسبب: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: يعني لأنّ هناك جماعة أخرى أكثر مالاً ومَنفعة من الذين عاهدتموهم، ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾: يعني إنما يَختبركم اللهُ بهذه الأحوال، ويُهيئ هذه الأسباب، ليرى الصادق الوفي، من الخائن الذي يُفَضِّل الدنيا على الانقياد لأمْر ربه، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ﴾ أي: وسوف يُبَيّنُ سبحانه لكم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْر الدين (ومن ذلك اختلاف أحوالكم في العهود)، فيُعطي الصادق الوفي ما يَستحقه من النعيم، ويُجازي الكاذب الخائن بما يَستحقه من العذاب. الآية 93: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي على دينٍ واحد، وهو الإسلام، ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ﴾ سبحانه ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مِمَّن عَلِمَ أنه يُفَضِّل الضلال على الهدى، والدنيا على الآخرة، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ مِمَّن عَلِمَ أنه يُفَضِّل الهدى على الضلال، ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. الآية 94: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي: ولا تجعلوا حَلِفكم خَديعةً لمن حلفتم له ليُصَدِّقكم، ثم تنقضوا عهدكم معه مِن أجْل غرض دُنيوي حقير، فإياكم والوقوع في هذه الكبيرة ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾: أي حتى لا تَزِلّ قدمُ أحدكم عن الإسلام بعد أن رَسَخَتْ فيه، فتَهلَكوا بعد أن كنتم آمنين، ﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾: أي وتذوقوا ما يَسُوؤكم من العذاب في الدنيا ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي بما تسببتم فيه مِن مَنْع الناس عن الدخول في الإسلام (عندما رأوا غَدْركم وخيانتكم)، ﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. الآية 95: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: ولا تنقضوا عهد اللهِ لتأخذوا مكانه عَرَضًا قليلاً مِن متاع الدنيا، ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾: يعني إنّ ما عند اللهِ من الثواب على الوفاء بالعهد ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من هذا الثمن القليل ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الفرق بين متاع الدنيا ومتاع الآخرة. الآية 96: ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ مِن حُطام الدنيا﴿يَنْفَدُ﴾ أي يَذهب، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من النعيم ﴿بَاقٍ﴾ لا يزول ولا يَنقص، فاذكروا هذا ولا تبيعوا الغالي بالرخيص والباقي بالفاني، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على التكاليف الشاقة - ومنها الوفاء بالعهد - فنُعطيهم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ في الآخرة على عباداتهم ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بمِثل جزاء أحسن عمل كانوا يعملونه في الدنيا (حتى يكون أجر النافلة كأجر الفريضة). الآية 97: ﴿مَنْ عَمِلَ﴾ عملاً ﴿صَالِحًا﴾﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ (يعني سواء كان العاملُ ذكرًا أو أنثى)، ولكنْ بشرط: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ باللهِ ورسوله والدار الآخرة، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ في الدنيا ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أي حياة سعيدة مطمئنة (بالقناعة والرزق الحلال، والتوفيق إلى الطاعة المُوجِبة لرضوان اللهِ تعالى)، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ في الجنة على عباداتهم ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي بمِثل جزاء أحسن عمل كانوا يعملونه في الدنيا (واعلم أنّ الجزاء يكون بحسب أحسن عمل عملوه مِن كل نوع، ففي الصلاة يُعطَى جزاء أفضل صلاة صلاَّها، وفي الصدقات بأفضل صدقة أعطاها وهكذا). الآية 98، والآية 99، والآية 100: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ﴾: يعني فإذا أردتَ - أيها المؤمن - أن تقرأ شيئًا من القرآن: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ أي المطرود مِن رحمة الله، وذلك بأن تقول: (أعوذ باللهِ من الشيطان الرجيم)، ليَحميك اللهُ تعالى من وسوسته أثناء القراءة، ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشيطان﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أي ليس له تَحَكُّم أو تسلُّطٌ على إضلال الذين آمنوا ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي والذين هم يَعتمدون على اللهِ وحده في كل أمورهم، (وقد قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ أي لا يُوقعهم في ذنبٍ لا يَتوبونَ منه). ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾: يعني إنما تَحَكُّمه وتَسَلُّطه يكون على الذين أطاعوه ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: أي والذين هم - بسبب طاعته - مُشركونَ باللهِ تعالى (فهؤلاء هم الذين يَتسلط الشيطان عليهم فيُضِلَّهم حتى يُهلِكَهم). الآية 101، والآية 102: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ﴾: يعني وإذا نَسَخَ اللهُ حُكماً في آيةٍ مُعَيّنة من القرآن، واستبدله بحُكمٍ آخر في آيةٍ أخرى ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ أي: وهو سبحانه الأعلم بمَا يُصلِحُ خَلْقه، فيُنَزِّل لهم الأحكام في أوقاتٍ مختلفة (تدريجاً لهم ورحمةً بهم): ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ﴾: أي قال الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: إنما أنت مُختَلِق على اللهِ ما لم يَقُلْه ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: بل هم الذين لا عِلْمَ لهم بحِكمة ربهم سبحانه، ﴿قُلْ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي نَزَلَ جبريلُ بالقرآنَ مِن عند ربك ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي مُشتمِلاً على الحق الواضح، فلستَ أنت الذي تقولُ ما تشاء، وإنما هو وَحْي اللهِ وكلامه ﴿لِيُثَبِّتَ﴾ بِهِ ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ على إيمانهم (إذ كلما نَزَلَ قرآنٌ: ازدادَ المؤمنون إيماناً، فقلوبهم تحيا بالقرآن، كما تحيا الأرض بالمطر)،﴿وَهُدًى﴾ أي ونَزَلَ القرآنُ هدايةً مِن الضَلال ﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ بالفلاح في الدنيا والفوز في الآخرة، (واعلم أنّ معنى روح القُدُس: أي الروح المُطهَّر، وهو جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ)). ♦ ويُلاحَظ أنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ ﴾ رغم أنه كان المتوقع مِن السياق أن يقول له: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ من ربي)، وذلك لأنّ في هذه الآية تصبير ومُواساة للنبي صلى الله عليه وسلم على تكذيبهم وافترائهم، فخرج الكلام عن أسلوب التلقين إلى أسلوب التكريم والتشريف، واللهُ أعلم. الآية 103: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ أي نَعلم أنّ المشركين قد زعموا أنك تتلقى القرآن مِن بَشَر (يَعنُونَ بذلك (حداداً) نصرانياً في مكة)، وهم يَعلمون أنهم كاذبون في هذا الافتراء، فـ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾: أي لسان الذي نَسَبوا إليه تعليم النبي صلى الله عليه وسلم أعجمي لا يُحسن التحدث باللغة العربية ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾: أي والقرآن عربي، في غاية الفصاحة والبلاغة والوضوح والبيان، فكيف يُعلمه أعجمي؟! الآية 104: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني إنّ الذين لا يؤمنون بآيات القرآن (التي هي نورٌ وهدى، وحُجَج قاطعة وبراهين ساطعة)، أولئك المُكَذِّبون ﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لأنهم أعرضوا عن طريق الهداية، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في نار جهنم. الآية 105، والآية 106، والآية 107: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ﴾ يعني: إنما يَصدر افتراء الكذب من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ كالمُعاندين الذين كَذَّبوا بما جاءهم من الآيات الواضحة، فهؤلاء لا يَسَعُهم إلا الافتراء لترويج كَذبهم وباطلهم ليَخدعوا به الناس، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ أي: الكذب مُنحَصِرٌ فيهم وهم أوْلَى به مِن غيرهم، وأما محمد صلى الله عليه وسلم فقد وَصَفه أعداؤه قبل الرسالة بالصدق والأمانة، ولم يُجَرِّبوا عليه كذبة واحدة، فكيف يَترك الكذب عليهم ويَكذب على ربه؟! (وهذا رَدٌّ مِن اللهِ تعالى على وَصْفِهم للنبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، فأخبَرَهم تعالى أنّ الكاذب حقاً هو الكافر بآيات الله، لأنه لا يرجو ثوابَ اللهِ ولا يَخافُ عقابه، فلهذا لا يَمنعه شيءٌ عن الكذب). ♦ ثم يُخبر تعالى عن قُبح حال ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ﴾ وارتدَّ من بعد ما تبَيَّنَ له الحق، وفَضَّلَ الدنيا على الآخرة، واختار الانقياد للشهوات والمَلَذَّات على الانقياد لرب العباد، ولكنه سبحانه استثتى طائفة منهم فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾: يعني إلا مَن أُجبِرَ على النُطق بالكفر، فنَطَقَ به خوفًاً من الهلاك (وقلبه ثابتٌ على الإيمان)، فهذا لا لوم عليه، ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾: يعني ولكنْ مَن نَطَقَ بالكفر، وفتَحَ صدره له، ورَضِيَ به: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، و﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ﴾ أي بسبب أنهم ﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ واختاروها ﴿عَلَى الْآَخِرَةِ﴾ لاعتقادهم الفاسد بأنهم سيَتحَرّرون من التقيُّد بالعبادات والحلال والحرام وغير ذلك، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ أي وبسبب أنّ اللهَ ﴿لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي لا يُوَفقهم للحق والصواب (عقوبةً لهم على اختيارهم الكفر وإصرارهم عليه). الآية 108، والآية 109: ﴿أُولَئِكَ﴾ هم﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾: أي خَتَمَ اللهُ على قلوبهم بالكفر واتِّباع الأهواء والشهوات، فلا يَصل إليها نور الهداية، ﴿وَسَمْعِهِمْ﴾: أي وأصَمّ اللهُ سَمْعهم عن آياته فلا يَسمعونها سماعَ تدبُّر وانتفاع، ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾: أي وأعمى اللهُ أبصارهم، فلا يرون البراهين الدالة على استحقاقه وحده للعبادة، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ عمَّا أعدَّ اللهُ لهم من العذاب،﴿لَا جَرَمَ﴾: أي حقًا ولا شك ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين استبدلوا النعيم المُقيم بالعذاب الأليم. الآية 110: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ وهم المُستضعَفون الذين عَذَّبهم المشركون في "مكة"، حتى وافقوهم على ما هم عليه ظاهرًا، ففتنوهم بالتلفظ بما يُرضيهم، وقلوبهم مطمئنة بالإيمان، ولمَّا تمكنوا من الخَلاص منهم، هاجروا إلى "المدينة" ﴿ثُمَّ جَاهَدُوا﴾ في سبيل الله ﴿وَصَبَرُوا﴾ على التكاليف الشاقة (ومنها الجهاد): ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ - أي مِن بعد هِجرتهم وجهادهم وصَبرهم - ﴿لَغَفُورٌ﴾ لجميع ذنوبهم، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم، فلا يخافوا ولا يحزنوا. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الأخير من سورة النحل • الآية 111:﴿ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ ﴾: أي ذَكِّرهم - أيها الرسول - بيوم القيامة حينَ تأتي كُلُّ نَفسٍ ﴿ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا ﴾ وتعتذر بكل المَعاذير، ﴿ وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ ﴾: أي ويُوَفي اللهُ كل نفسٍ جزاءَ ما عَمِلَتْه في الدنيا ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. •الآية 112، والآية 113: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا ﴾بعذابه في الدنيا - للمُنكِرين لنِعَم اللهِ عليهم - وهو: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً ﴾ وهي هنا "مكة" التي كانت في أمانٍ مِن أيّ اعتداء، ﴿ مُطْمَئِنَّةً ﴾ مِن أن يُصيبها ضِيقٌ في العيش، وكانَ ﴿ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا ﴾ أي هَنيئًا سهلاً ﴿ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ أي مِن أماكن كثيرة (لأنّ كلمة: (كل) تأتي أحياناً بمعنى الكثرة، كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾، فكانت مكة يأتيها الرزق من البرّ والبحر (وذلك أثناء رِحلتَيهما - صيفاً وشتاءً - إلى الشام واليمن)، ﴿ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ﴾: أي فجحد أهلُها نِعَمَ اللهِ عليهم فلم يَشكروه، بل أشركوا به سبحانه، وكفروا برسوله وبكتابه ﴿ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ﴾: أي فعاقبهم اللهُ بالجوع (حيثُ أصابهم القحط سبع سنين حتى أكلوا الصوف)، ﴿ وَالْخَوْفِ ﴾ أي وأذاقهم اللهُ الخوفَ من جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك ﴿ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾: أي بسبب كُفرهم وصَنيعهم الباطل. ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ ﴾ وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يَعرفون نَسَبَه وصِدقه وأمانته وأخلاقه ﴿ فَكَذَّبُوهُ ﴾ ولم يَقبلوا ما جاءهم به ﴿ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ من الشدائد والجوع والخوف، وقَتْل عظمائهم في "بدر" ﴿ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ لأنفسهم بشِركهم باللهِ تعالى، وصَدِّهم عن سبيله. ♦ ولَعَلَّ اللهَ تعالى عَبَّرَ عن الجوع والخوف باللباس، للإشارة إلى شدة ما أصابهم، فكأنه قد أحاطَ بهم كما تُحيطُ المَلابس بالجسد، واللهُ أعلم. • الآية 114، والآية 115: ﴿ فَكُلُوا ﴾ - أيها المؤمنون - ﴿ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ﴾ وجَعَله لكم ﴿ حَلَالًا طَيِّبًا ﴾ ﴿ وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾ عليكم بالاعتراف بها، وباستخدامها في طاعته سبحانه، ولا تكونوا كالذين كفروا بنعمته (كما في المثال السابق) حتى لا يُصيبكم ما أصابهم، هذا ﴿ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾: يعني إن كنتم حقًّا مُطيعين له، تعبدونه وحده لا شريك له. ♦ إذاً فاشكروا نِعَمه عليكم، وذلك إغاظةً للشيطان الذي قال: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾، وأكثِروا مِن قول: (الحمد لله) بألسنتكم وقلوبكم، فقد قال صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: (والحمد لله تملأ الميزان)، فهي كلمةٌ يُدفَعُ بها عنا العذاب، كما قال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾. ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ ﴾ سبحانه ﴿ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ ﴾ وهو الحيوان الذي تُفارقه الحياة بدون ذبْح شرعي، (ويُستثنَى مِن ذلك مَيْتة الجَراد والسمك، فإنهما حلال، كما ثبتَ ذلك في السُنَّة)، ولَعَلَّ الحكمة من تحريم المَيْتة: هو احتقان الدم في جَوْفها ولَحْمها، مِمَّا يَتسبب في إضرار مَن يأكلُ منها. ﴿وَالدَّمَ﴾: يعني وحَرَّمَ سبحانه عليكم شُرب الدم، ويُستَثنى من الدم: (الكبد والطحال) فإنّ أكْلهما حلال، كما ثبت ذلك في السُنَّة (واعلم أنّ المقصود بالدم المُحَرَّم هنا هو الدم المَسفوح (أي السائل المُراق)، كما ذَكَر تعالى ذلك في آيةٍ أخرى فقال: ﴿ أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا ﴾، (وأما الدم غير المُراق، وهو الذي يَختلط باللحم أو يكون في المخ والعروق وما شابَه ذلك، فإنه لا شيءَ فيه). ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾: يعني وكذلك حَرّمَ سبحانه عليكم لحم الخنزير، فلا تغتروا بمَن يَستحلونه (افتراءً على الله)، بل هو مُحَرَّم مِن جُملة الخبائث، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: يعني وكذلك حَرَّمَ عليكم الذبائح التي ذُبِحتْ لغير الله، وكذلك ما ذُكِرَ عند ذبْحِهِ اسمُ غيرِهِ تعالى، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾: يعني فمَن ألجأتْهُ الضرورة إلى أكْل شيءٍ من هذه المُحَرَّمات ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: أي غيرَ طالبٍ للمُحرَّم - لِلذَّةٍ أو غير ذلك، ﴿وَلا عَادٍ﴾: يعني ولا مُتجاوز - في أكْله - ما يَسُدُّ حاجتَه ويَرفع اضطراره ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ ﴾ له، ﴿رَحِيمٌ﴾ به، حيث رَخَّصَ له في أكْل تلك المُحَرَّمات عند الضرورة حتى لا يموت. • الآية 116، والآية 117: ﴿ وَلَا تَقُولُوا ﴾ - أيها المشركون - ﴿ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ ﴾ أي لا تقولوا الكَذِبَ الذي تَصِفُهُ ألسنتكم، وذلك بأن تقولوا لِمَا حَرَّمه الله: ﴿ هَذَا حَلَالٌ ﴾ (وَ) تقولوا لِمَا أحَلَّه الله: ﴿ هَذَا حَرَامٌ ﴾ ﴿ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ أي ليؤدي بكم هذا القول الكاذب إلى الافتراء على اللهِ تعالى (بنسبة التحليل والتحريم إليه) فتستحقوا العذاب، ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾: أي لا يفوزون في الدنيا ولا في الآخرة، فإنما هو ﴿ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ﴾ في الدنيا، وسوف يَزولُ عنهم عن قريب، ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في نار جهنم. • الآية 118:﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ ﴾: أي ولقد حَرَّمنا على اليهود ما أخبرناك به - أيها الرسول - ﴿ مِنْ قَبْلُ ﴾ أي مِن قبل هذه الآية، وهو كل ذي ظُفُر (يعني كل ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير، كالإبل والنَّعام)، وكذلك حرّمنا عليهم شحوم البقر والغنم (إلا الشحم الذي عَلِقَ بظهورها فإنه حلالٌ لهم، وكذلك الشحم الذي عَلِقَ بأمعائها، والشحم الذي اختلط بعظم الجنب ونحو ذلك، فإنه حلالٌ لهم)، ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ﴾ بتحريم ذلك عليهم، ﴿ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾: أي ولكنهم كانوا ظالمين لأنفسهم بالكفر والمعاصي، فاستحقوا ذلك التحريم عقوبةً لهم. • الآية 119:﴿ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ أي فعلوا المعاصي بجهلٍ منهم لِسُوء عاقبة هذه الذنوب، (وبجهلهم بقدْر ربهم الذي عصوه)، ولكنْ بشرط: ﴿ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أي مِن بعد ذلك العمل السيئ، وندموا عليه ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ نفوسهم وأعمالهم، ﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا ﴾ أي مِن بعد توبتهم وإصلاحهم ﴿ لَغَفُورٌ ﴾ لهم، ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بهم. • من الآية 120 إلى الآية 124:﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ أي كان إمامًا في الخير، وكان ﴿ قَانِتًا لِلَّهِ ﴾ أي طائعا خاضعًا للهِ تعالى، وكان ﴿ حَنِيفًا ﴾: أي لا يَميل عن دينالإسلام، فكانَ عليه السلام مُوَحِّدًا للهِ تعالى ﴿ وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾، بل كانَ ﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ ﴾ أي شاكرًا لنعم اللهِ عليه، ولذلك ﴿ اجْتَبَاهُ ﴾ ربه(أي اختاره لرسالته ومَحَبَّته) ﴿ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ أي: وأرشَدَه إلى الطريق المستقيم (وهو الإسلام)، ﴿ وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ﴾: أي وأعطاه اللهُ نعمة حسنة في الدنيا (من الولد الصالح، والثناء عليه من كل أهل الشرائع السماوية واقتداءهم به، وغير ذلك من أمور الدين والدنيا)، ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ الذين لهم الدرجات العالية في الجنة، ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ﴾: أي اتَّبع دينَ الإسلام كما اتَّبعه إبراهيم عليه السلام ، فإنه كانَ ﴿ حَنِيفًا ﴾ أي مائلاً عن أيّ دينٍ باطل ﴿ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ (وهذه أعظم صفة لإبراهيم عليه السلام: التوحيد الخالص، ولذلك أعادَ سبحانه ذِكْر هذه الصفة للتأكيد على وجوب اتِّباعها، واللهُ أعلم). ♦ وعندما ادَّعَى اليهود أنهم على دين إبراهيم عليه السلام، أبطلَ اللهُ هذه الدعوى بأنْ ذَكَرَ تعظيمهم ليوم السبت، وتعظيم السبت لم يكن من دين إبراهيم، فقد كان دين إبراهيم سَمْحاً لا تغليظ فيه، وأما السبت فكان تغليظاً على اليهود بترْك الصيد فيه، وذلك بسبب عِصيانهم وتمَرُّدهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ ﴾: يعني إنما جَعَلَ اللهُ تعظيم يوم السبت ﴿ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ وهم اليهود الذين اختلفوافيه على نبيّهم، واختاروه بدلاً من يوم الجمعة (الذي أُمِروا بتعظيمه)، ففرض اللهُ عليهم تعظيم السبت، وشَدّدَ عليهم بعدم الصيد فيه (عقوبةً لهم)، ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ ﴾ - أيهاالرسول - ﴿ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي سوف يَحكم بين المختلفين ﴿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ فيُجازيهم بما يَستحقون بسبب تمَرُّدهم على أنبيائهم. • الآية 125: ﴿ ادْعُ ﴾ الناسَ - أيها الرسول - أنت ومَنِ اتَّبعك ﴿ (إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ ﴾: يعني إلى دين ربك وطريقه المستقيم ﴿ بِالْحِكْمَةِ ﴾: أي بالطريقة الحكيمة التي أوحاها اللهُ إليك في الكتاب والسُنّة، وخاطِب الناس بالأسلوب المناسب لهم ﴿ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾: أي وانصحهم نُصحًا حسنًا، يُرَغِّبهم في الخير، ويُنَفِّرهم من الشر. ♦ واعلم أنه من آداب النصيحة أنْ تُقَدِّمها بالأسلوب الطيب الذي تُحِبّ أن يَنصحك به الآخرون (كالابتسامة أثناء النصيحة، والدعاء للمنصوح وأنت تُحَدِّثه، وغير ذلك)، حتى وإن لم يَقبل الناس نصيحتك، فإنك تنصحهم لوجه اللهِ تعالى، وطالما أنها لوجه الله، فلا تغضب لنفسك إذا لم يَقبلوها منك، حتى لا يَضيع أجرك، وكذلك على المنصوح أن يَستمع إلى النصيحة، حتى وانْ لم يُعجبه أسلوب الناصح، لأنه - وإن لم يكن قد تَعَلَّم أسلوب النصيحة الحسنة - فإنه بالتأكيد يَنصحك لمصلحتك، فلا تَرُدُّه، بل احمد اللهَ الذي عَلَّمك الأسلوب الطيب ولم يُعَلِّمه لغيرك، رغم كثرة ذنوبك. ♦ واحذر أن تنصح أحداً أمام الناس، أو أن تنصحه بغضب وشدة (بحُجّة أنك خائفٌ عليه)، فهذا لن يَقبل منك أبداً، وكذلك الحال إذا أردتَ أن تعاتب أحداً، فعليك ألاَّ تعاتبه بشدة وغِلظة حتى لا يَتكبر ويُعانِد، وإنما عليك أن تسأله برفق: (لماذا فعلتَ كذا؟) (هل ترضى أن أفعل ذلك معك؟)، فحينئذٍ سيَعتذر لك ويَعترف بخطئه، فإذا كَسَرَ كِبريائه واعتذر: فاقبل عُذره فوراً. ﴿ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾: أي جادِلهم بأحسن طرق المُجادَلة (مِن الرِفق واللين وتَجنُّب الغضب أثناء الجدال)، واعلم أنه ليس عليك إلا البلاغ، وقد بلَّغْتَهم، وأمّا هدايتهم فعلى اللهِ وحده، فـ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾. • الآية 126: ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ ﴾: يعني وإن أردتم - أيها المؤمنون - القصاص مِمّن اعتدى عليكم: ﴿ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾، ولا تزيدوا عَمّا فعلوه بكم، ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ ﴾ وتركتم المُعاقَبة: ﴿ لَهُوَ ﴾ أي الصبر ﴿ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ أي خيرٌ لهم من الانتقام، فهو خيرٌ لهم في الدنيا بالنصر، وفي الآخرة بالأجر العظيم، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾. •الآية 127:﴿ وَاصْبِرْ ﴾ - أيها الرسول - على ما أصابك مِن الأذى في سبيل اللهِ حتى يأتيك الفرج، ﴿ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ﴾ أي استمِدّ الصبر منه سبحانه، وذلك بلزوم طاعته ودعاءه، لأنه هو الذي يُعِينك على الصبر ويُثَبِّتك عليه. ﴿ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾ أي: ولا تحزن على مَن خالفك ولم يَستجب لدَعْوتك، ﴿ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ أي: ولا تحزن مِن كيدهم لك، ولا تهتم به، فإنّ ذلك سيعود عليهم بالشر والهلاك. • الآية 128:﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ بامتثال أوامر ربهم واجتناب نواهيه ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ﴾ أي يُحسنون أداء فرائضه والقيام بحقوقه، وكذلك يُحسنون معاملة خلقه، فهو سبحانه معهم بالنصر والتأييد والعون والتوفيق. ♦ واعلم أنّ الإحسانَ قد قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مُسلِم -: "أنْ تعبُدَ اللهَ كأنك تراه، فإنْ لم تكن تراهُ، فإنه يَراك"، فالإحسان يَتناول المعنيين: (التقوى وإتقان العمل) لأنّ مَن راقبَ اللهَ تعالى، أتقَنَ عمله وحَسَّنه. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. - واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الثاني من سورة الإسراء • الآية 23، والآية 24، والآية 25: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ يعني: ولقد أمَرَ ربك - أيها الرسول - ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فلا تُشرِكوا به أحداً مِن خَلقه في عبادته، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: أي وكذلك أمَرَكم سبحانه بالإحسان إلى الأب والأم (وذلك بتأدية حقوقهما، وبطاعة أمْرهما - في غير معصية الله - وبالإنفاق عليهما، وإكرام صديقهما، وصلة رَحِمِهما، والدعاء لهما، وطلب رِضاهما)، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما) (والحديث في صحيح الجامع برقم: 3507)، وخُصوصاً: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ - أي حال الشيخوخة - إذا بلغ ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ سن الكِبَر وهم عندك (أي في بيتك أو في حال وجودك بينهما) ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾: أي فلا تُسمِعهما قولاً سيئًا، حتى ولو كانَ كلمة (أف) (التي هي أقل مراتب القول السيئ)، ولا يَضِق صدرك مِن أيّ شيئٍ تراه منهما في هذا السن، بل يَجب عليك أن تَخدمهما كما كانا يَخدمانك وأنت طفل (حِينما كانا يَغسلان ويُنَظِّفان ولا يَتضايقان أو يَتأففان)، ﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ أي لا ترفع صوتك عليهما، ولكن ارفق بهما ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أي قولا لطيفًا لَيِّنًا يُسعِدهما، ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ يعني كُنْ لأمك وأبيك ذليلاً متواضعًا. • وقوله تعالى: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أي تواضُعاً ناشئاً مِن رحمتك بهما، ﴿وَقُلْ﴾ - داعياً ربك -: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ أحياءً وأمواتًا ﴿كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾: يعني كما صَبَرا على تربيتي وأنا صغير، ضعيف الحول والقوة. ♦ واعلم أنّ الفعل (قَضَى) يأتي بأكثر مِن مَعنى، فهنا قد أتى بمعنى (أمَرَ وَوَصَّى)، وأحياناً يأتي بمعنى: (انتهى)، كقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ ﴾، وأحياناً يأتي بمعنى: (حَكَمَ وقدَّر)، كقوله تعالى: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾، وأحياناً يأتي بمعنى: (خَلَقَ)، كقوله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾. ♦ واعلم أيضاً أنّ قوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنّ) مَعناه: إنْ يَبلغ، و(ما) تُسَمّى (ما الزائدة لتقوية الكلام)، والنون في ﴿ يَبْلُغَنّ ﴾ هي نون التوكيد. ♦ ثم أخبَرَ تعالى أنه أعلم بما في نفوس العباد، فمَن كان يَكتم بداخله السخط على والديه والضِيق من خِدمتهما، فإنّ اللهَ يُعاقبه على ذلك، ومَن كان يَكتم حُبّهما واحترامهما ويَتذكر جَميلهما، فإنّ اللهَ يَجزيه بالإحسان، قال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ - سواء كانَ خيراً أو شراً - فـ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ يعني إن تنووا بأعمالكم الصالحة: رضا اللهِ عنكم ودخول جنته ﴿فَإِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ :أي كتبَ تعالى على نفسهِ أنه غفورٌ للتائبينَ إليه بصِدق، الراجعينَ إليه في كل وقت، (واعلم أنّ الأوّاب: هو الذي كلما أذنبَ تاب، وكلما ذَكَرَ ذنبه استغفر). ♦ ولعل اللهَ تعالى ذَكَرَ مَغفرته للتائبين بعد أنْ أمَرَ ببِرّ الوالدين، لأنه سبحانه يَعلم انّ الإنسان قد يَضعف مَرّة ويَكتم بداخله الضِيق مِن خدمة والديه (وهما في هذا السن) أو قد يَعلو صوته عليهما مَرّة - وهو في الأصل صالح، مُؤَدٍّ لحقوق اللهِ تعالى وحقوق والديه وحقوق الناس - فهذا العبد الصالح يَغفر اللهُ له متى رَجَعَ إليه مُستغفراً نادماً. • الآية 26: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: يعني وأعطِ الأقرباء حقوقهم من الصلة والبِرّ، وكذلك أعطِ الفقير المُحتاج مِن مالك، وكذلك المسافر الذي فَقَدَ ماله - أو نَفَذ ماله - واحتاجَ للنفقة، ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ أي: ولا تُنفِق مالك في غير ما يُحبه الله، أو على وَجْه الإسراف والتبذير، (وقد ذَكَرَ سبحانه كلمة ﴿ تَبْذِيرًا ﴾ لتأكيد النهي، يعني كأنه قيل: (لا تبذر، لا تبذر)، وذلك لكثرة ما في التبذير من المفاسد). • الآية 27: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي هُم أشباه الشياطين في هذا الفعل القبيح (لأنهم بتبذيرهم للمال في المعاصي، كانوا خارجينَ عن أمْر ربهم مِثل الشياطين)، وقد كان العرب يُسَمُّونَ المُواظب على الشيء: أخاً له، فيقولون مَثَلاً: (فلان أخو الكرم)، وغير ذلك، ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ أي كثير الكُفران، شديدَ الجحود لنعمة ربه (فكذلك المُبَذِّر للمال في المعاصي: لم يَشكر نعمة ربه عليه، وضَيَّعَ المال). ♦ واعلم أنّ الفعل (كان) إذا جاء مع صفة معينة، فإنه يدل على أنّ هذه الصفة مُلازِمة لصاحبها، كقوله تعالى - واصفاً نفسه بالرحمة والمغفرة -: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أي كانَ - أزَلاً وأبَداً - غفوراً رحيماً. • الآية 28: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾: يعني وإن أعرضتَ عن إعطاء هؤلاء (الذين أمَرَكَ اللهُ بإعطائهم، لعدم وجود ما تعطيهم منه)، فتباعدتَ عن لقائهم حياءً منهم، و﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾: أي انتظاراً لرزقٍ ترجوه مِن اللهِ تعالى ﴿فَقُلْ لَهُمْ﴾ يعني وأنتَ تُعرِض عنهم قل لهم ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا﴾: أي قولا ليِّنًا لطيفًا سهلاً (كالدعاء لهم بسعة الرزق، وبأنْ تَعِدهم أنّ اللهَ إذا يَسَّرَ مِن فضله رزقًاً أن تعطيهم منه)، فيكون ذلك أشبه بالعطاء العاجل لهم (فيَفرحوا به ولا يَحزنوا). • الآية 29: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾: أي لا تُمسِك يدك عن الإنفاق في وجوه الخير - مُضَيِّقًا على نفسك وعلى أهلك وعلى المحتاجين - كأنّ يدك مربوطة إلى عنقك (لا تستطيع أن تعطي بها شيئاً)، ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ أي: ولا تنفق كل ما بيدك ﴿فَتَقْعُدَ﴾ أي فتصير ﴿مَلُومًا﴾ يَلومك الناس على ما فعلتَ، ويَلومك مَن حَرَمتهم من الإنفاق، ﴿مَحْسُورًا﴾ أي نادمًا على ضياع مالك. • الآية 30، والآية 31: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يُوَسِّع الرزق على مَن يشاءُ مِن عباده ويُضَيِّقه على مَن يَشاءُ منهم (وذلك بحسب حِكْمته البالغة؛ إذ هو سبحانه الأعلمُ بما يُصلِح عباده مِن الفقر والغنى)، ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾: أي هوالمُطَّلِع على خَفايا عباده، لا يَغيب عن عِلمه شيءٌ من أحوالهم. ♦ فإذا علمتم أنّ الرزق بيَد اللهِ سبحانه، إذاً: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: أي لا تقتلوا أولادكم خوفًا من الفقر، فـ ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾: يعني إنّ اللهَ سبحانه هو الرزاق لعباده، فيَرزق الأبناء كما يَرزق الآباء، ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾: يعني إنَّ قَتْلَ الأولاد كانَ ذنباً عظيماً عند اللهِ تعالى. • الآية 32: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ أي ابتعدوا عن أسبابه وعن الطرق المُوصلة إليه حتى لا تقعوا فيه، ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ يعني إنّ الزنا شيئٌ بالغ القبح ﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ أي: وبئس الطريق طريقه (لأنه يؤدي بصاحبه إلى النار). • الآية 33: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قَتْلها﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾: يعني إلا بالحق الشرعي (كالقِصاص، ورَجْم الزاني المتزوج، وقتل المُرتَدّ)، واعلم أنّ تنفيذ هذا القِصاص يكون عن طريق وَلِيِّ الأمر (وهو حاكِمُ البلد). ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾: يعني ومَن قُتِلَ بغير حقٍّ شرعي: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾ أي جعلنا لِوَرَثَة المقتول ﴿سُلْطَانًا﴾ أي حُجَّة في أن يَطلبوا من الحاكم قَتْلَ القاتل أو يَطلبوا منه الدِيَة (وهي مائة من الإبل، أو ألف دينار ذهب، أو اثنا عشر ألف درهم فضة) يَدفعها القاتل إلى أهل المقتول، ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾: أي فلا يَصِحّ لِوَلِيّ المقتول أن يَتجاوز حَدَّ اللهِ في القِصاص (كأن يُشَوِّه جُثَّة القاتل، أو أن يَقتل - مقابل الواحد - اثنين أو جماعة، أو أن يَقتل غير القاتل)، ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾: أي قد وَعَدَ اللهُ وليّ المقتول أن يُعِينه على القاتل حتى يَتمكن مِن قَتْله (بالقِصاص عن طريق الحاكم) أو بأخْذ الدِيَة. • الآية 34: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ - الذي صارَ في أمانتكم وكَفالتكم - ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: يعني إلا بما يُصلِح أمواله لِيَنتفِع بها (وذلك باستثمارها له) والإنفاق عليه منها ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾: أي حتى يصل إلى سنَّ البلوغ وحُسن التصرف في المال، فعندئذٍ أعطوه ماله، ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾: يعني وأوفوا بكل عهدٍ عاهدتم اللهَ عليه أو عاهدتم عليه العباد ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ أي مسئولاً عنه، بمعنى أنّ الله سيَسأل صاحب العهد يوم القيامة: (لماذا نقضتَ عهدك؟)، ثم يُثِيبه إذا أتَمَّهُ ووَفَّاه، ويعاقبه إذا غَدَرَ وخان. • الآية 35: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أي لا تُنقِصوا الكيلَ ﴿إِذَا كِلْتُمْ﴾ للناس، ولو كانَ شيئاً يسيراً (ما دامَ في الإمكان عدم نَقصه)، أما ما يَصعب الاحتراس منه: فهو مَعفو عنه، لقوله تعالى: ﴿ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾، ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: أي زِنوا بالميزان العادل، ﴿ذَلِكَ﴾ أي العدل في الكيل والوزن، هو ﴿خَيْرٌ﴾ لكم في الدنيا (إذ يُبارك اللهُ في ذلك المال الحلال بأنواعٍ من البركات لا يَعلمها إلا هو سبحانه)، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وذلك أحسنُ عاقبةً في الآخرة، (فإنّ مَن تَرَكَ المعصية وهو قادرٌ على فِعلها: أثابهُ اللهُ تعالى بأحسن الثواب في الجنة). • الآية 36: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أي لا تَتَّبِع الظن في أمورك - وهذا كقوله تعالى: ﴿ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ﴾ - فلا تَحكم على شيءٍ بمجرد الظن، ولا تَشهد إلا بما رأيته بعينك وسَمِعْته بأذنك وفهِمْته بقلبك، فـ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾: يعني إنّ الإنسان مسؤولٌ عما استعمَل فيه سَمْعه وبصره وقلبه، فإذا استعمَلهم في الخير نالَ الثواب، وإذا استعملهم في الشر نالَ العقاب. ♦ واعلم أنّ مِن الأعمال القلبية التي يُعاقب اللهُ عليها: (سُوء الظن بغير دليل، ومَيْل القلب إلى الحُكم بالهوى (أي مِن غير بيِّنة)، وكِتمان الشهادة، وتَبْييت الشر للمسلمين، والفرح بما يَحدث لهم مِن مكروهٍ أو خِصام، والغل، والحسد، والإعجاب والغرور بالعمل الصالح، والرياء، والكِبر، والنية السيئة التي يَترتب عليها العمل الفاسد). ♦ واعلم أيضاً أنّ هذا النهي: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ قد وَضَعَ حَدّاً لكثير مِن المَفاسد التي تقع بسبب القول بدون عِلم (كالكَذب، وشهادة الزور، واتّهام الناس بالفاحشة لمجرد الظن، وغير ذلك)، فللهِ الحمدُ على تشريعه الحكيم. • الآية 37: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ أي مُختالاً مُتكبراً، فـ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ بالمشي عليها (لأنّ المُتكبر يَضرب الأرض برجليه اعتزازاً واهتزازاً)، ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ مَهما تعاليتَ وتطاولتَ على الناس، إذاً فلماذا التكبر عليهم وأنت بَشَرٌ مثلهم؟!، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم -: (لا يَدخل الجنة مَن كانَ في قلبه مِثقال ذرةٍ مِن كِبْر)، فقال رجل: (إنّ الرجل يُحب أن يكون ثوبه حَسَناً ونَعْله حسناً)، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ اللهَ تعالى جميلٌ يُحب الجمال، الكِبْر: بَطَر الحق - (أي التكبر على الحق وعدم قبوله) - وغَمْط الناس - أي: احتقارهم). • الآية 38: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ أي جميع ما تقدَّم ذِكْرُه مِن أوامر ونَوَاهٍ: ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ (واعلم أنّ المقصود بكلمة ﴿ سَيِّئُهُ ﴾ أي الأفعال القبيحة التي ذُكِرَتْ في الآيات السابقة (كالتبذير، والبُخل، وقتْل الأولاد، والزنا، وقتْل النفس، وأكْل مال اليتيم، ونقص الكيل والميزان، والقول بلا عِلم، والتكبر)، فكل هذه الأشياء مَكروهة عند اللهِ تعالى، ويُعاقب عليها في نار جهنم). ♦ وأمّا ما كانَ حَسَناً في الآيات السابقة (كعبادة اللهِ تعالى وحده، وبِرّ الوالدين، والإحسان إلى الأقرباء والمساكين وابن السبيل، والوعد الحَسَن بإعطائهم متى تيَسَّر)، فكل هذه الأشياء يُحبُّها اللهُ ويَرضاها، ويُعطي ثوابها في جنات النعيم. • الآية 39: ﴿ذَلِكَ﴾ أي الأمر بمَحاسن الأعمال، والنهي عن سَيّئ الأخلاق، هو ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ يعني: هو مِن الحِكَم التي وَصَّى اللهُ بها عباده ليَهتدوا بها، ويَسعَدوا في الدنيا والآخرة، ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ﴾ (هذه هي أُمّ الحِكَم، حيثُ بدأ بها سبحانه الآيات السابقة عندما قال: ﴿ لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا ﴾، ثم خَتَمَها بها تأكيداً للتوحيد)، إذاً فلا تُشرك أيها الإنسان بعبادة ربك شيئاً ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ أي تَلومك نفسك على شِرْكك بربك، وتَصيرُ ﴿مَدْحُورًا﴾ أي مَطرودًا مُبعدًا من الجنة. • الآية 40: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾: يعني أفخَصَّكم ربكم أيها المشركون بإعطائكم البنين ﴿وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾: أي واتّخذ سبحانه الملائكة بناتٍ لنفسه؟! (والاستفهام غرضه التوبيخ والإنكار على الكفار الذين قالوا: الملائكة بنات الله) ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾: يعني إنّ قولكم هذا بالغ القُبح والبَشاعة، إذ تَكرهون لأنفسكم البنات وتَنسبونها كَذِباً وافتراءً للهِ تعالى. • الآية 41: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ﴾ أي وَضّحنا فيه الأحكام والحُجج، ونَوَّعْنا فيه المَواعظ والأمثال والوعد والوعيد ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي ليَتّعظ الناس ويَتدبروا (فيَأخذوا ما يَنفعهم، ويَتركوا ما يَضُرّهم)، ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: ولكنّ هذا البَيان والتوضيح لا يَزيدُ الظالمين إلا تَباعُدًا عن الحق، وغفلةً عن التأمل والاعتبار (وذلك لِعِنادهم وتقليدهم الأعمى بغير دليل). • الآية 42، والآية 43، والآية 44: ﴿قُلْ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء المُشركين: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ﴾ سبحانه ﴿آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ - افتراءً وكذباً على اللهِ تعالى -: ﴿إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا﴾: أي لَطَلبَتْ تلك الآلهة طريقًا إلى مُغالَبة اللهِ ذي العرش العظيم ليُزِيلوا مُلْكَه (كما يَفعل ملوك الدنيا)، ثم بَرَّأَ تعالى نفسه مِن أن يكون معه آلهة فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، (واعلم أنّ بعض المُفسرين قد قالوا في قوله تعالى: ﴿ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ﴾ أي لَطَلَبوا طريقاً إلى اللهِ تعالى ليَلتمسوا رضاه، ويَطلبوا التقرب إليه، وذلك لجَلاله وكَماله، وغِناه عنهم وحاجتهم إليه، واللهُ أعلم). ♦ وهو سبحانه ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ - مِن الملائكة والجنّ والإنس - ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾: أي: وما مِن شيءٍ مِن سائر المخلوقات ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي يُسَبِّحُ اللهَ تعالى تسبيحاً مَقرونًا بالثناء والحمد ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾: أي ولكنكم أيها الناس لا تفهمونَ تسبيحهم. ♦ واعلم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تَستقل الشمس - أي ما ترتفع الشمس في يومٍ ما - فيَبقى شيءٌ مِن خَلق اللهِ إلا سَبَّحَ اللهَ بحمده، إلا ما كانَ مِن الشياطين وأغبياء بني آدم) (أي قَليلِي الفِطنة، فهؤلاء لا يُسَبّحونَ ربهم) (انظر حديث رقم: 5599 في صحيح الجامع)، (واعلم أنّ أتْباع إبليس - وإن لم يُسَبّحوا اللهَ بلسانهم - فإنهم يُسَبّحونه بحالهم (إذ يَشهدون بفِطرتهم أنّ اللهَ سبحانه هو الخالق القادر)، ﴿إِنَّهُ﴾ سبحانه ﴿كَانَ حَلِيمًا﴾ بعباده، فلا يُعاجل مَن عَصاهُ بالعقوبة، ﴿غَفُورًا﴾ لمَن تابَ إليه منهم (إذ لو لم يَكن سبحانه حَليماً: لَعَجَّلَ عقوبة مُشركي مكة، ولكنه أَمْهَلهم حتى تابَ أكثرهم). [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الثالث من سورة الإسراء • الآية 45، والآية 46: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ ﴾ يا محمد، فسَمِعَه هؤلاء المشركون: ﴿ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا ﴾ أي حاجزًا يَحجُب عقولهم عن فَهْم القرآن (عقابًا لهم على كُفرهم واستهزائهم)، وقد جعل اللهُ هذا الحجابَ ﴿ مَسْتُورًا ﴾ أي لا يُرَى، ﴿ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾ يعني أغطيةً ﴿ أَنْ يَفْقَهُوهُ ﴾: أي حتى لا يَفهموا القرآن، ﴿ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا ﴾: أي وجعلنا في آذانهم ما يُشبه الصَّمَم، حتى لا يَسمعوا القرآن سماعَ تدبُّر وانتفاع، (وهذا كله عقوبةٌ لهم مِن اللهِ تعالى، بسبب إيذائهم للرسول صلى الله عليه وسلم وكَراهيتهم لِمَا جاءَ به من الحق). ﴿ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ ﴾ يعني إذا ذَكَرْته سبحانه - داعيًا إلى توحيده، ناهيًا عن الشِرك به -: ﴿ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا ﴾: أي يَجْرونَ نافرينَ مِن قولك، مُستكبرينَ أنْ يُوَحِّدوا اللهَ في عبادته (بسبب تَعلُّق قلوبهم بالشِرك). • الآية 47، والآية 48: ﴿ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ ﴾: أي نحن أعلم بالغرض الحقيقي الذي بسببه يَستمع رؤساء قريش لقراءتك (وهو السُخرية منك ومِمّا تَتلوه) ﴿ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ﴾ ومَقاصدهم سيئة (فليس استماعهم لأجل الاسترشاد وطلب الوصول إلى الحق)، ﴿ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى ﴾: أي وكذلك نَعلم ما يَقولونه سِرًّا فيما بينهم ﴿ إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا ﴾ أي يقول السادة لِمَتبُوعيهم: (ما تَتَّبعونَ إلا رَجُلًا قد أصابه السِحر فأصبح مَخدوعًا به، فلا تتأثروا بكلامه ولا تلتفتوا إليه). ﴿ انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ ﴾: أي تأمَّل أيها الرسول، وتعجَّب مِن قولهم عنك بأنك ساحر شاعر مجنون!! وذلك حتى يُلقوا الشُكوك حولك، باحثينَ بذلك عن طريقٍ يُخَلِّصهم مِن دعوة التوحيد، ولكنهم لم يستطيعوا، ولذلك قال تعالى: ﴿ فَضَلُّوا ﴾ أي ضَلُّوا عن طريق الحق والصواب بسبب هذه الأقوال الكاذبة ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ أي فلا يَجدونَ طريقًا يَرجعونَ به إلى الحق الذي تَرَكوه، أو يَتمكنوا به مِن صَرْف الناس عن دَعْوَتك (والذي أَوْقعهم في ذلك تَكَبُّرهم وعِنادهم). • من الآية 49 إلى الآية 52:﴿ وَقَالُوا ﴾ أي وقال المُشركونَ المُنكِرونَ للبعث: ﴿ أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا ﴾ مُتَحللة ﴿ وَرُفَاتًا ﴾ أي ترابًا وأجزاءً مُفتتة: ﴿ أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ بعد ذلك ﴿ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾ بعد الموت؟، ﴿ قُلْ ﴾ لهم أيها الرسول - على سبيل التعجيز -: ﴿ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا ﴾ أي كونوا كالحجارة في شِدَّتها، أو كالحديد في قوَّته، فإنّ اللهَ سيُعيدكم كما بدأكم، وذلك يسيرٌ عليه سبحانه، ﴿ أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾: يعني أو كونوا خلقًا تَستعظمه نفوسكم، وتَستبعده عقولكم أن يُبعَث مَرّة أخرى (كالسموات والأرض والجبال)، فإنّ اللهَ تعالى قادرٌ على إعادتكم وبَعْثكم، ﴿ فَسَيَقُولُونَ ﴾ - مُنكِرين -: ﴿ مَنْ يُعِيدُنَا ﴾: يعني مَن يَرُدُّنا إلى الحياة بعد الموت؟ ﴿ قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾: أي يُعيدكم اللهُ الذي أنشأكم مِن العدم أول مَرّة. ♦ فإذا سَمِعوا هذا الرد، وقامت عليهم الحُجّة: ﴿ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ ﴾: أي فسوف يَهُزُّون رؤوسهم ساخرينَ ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ - مُستبعِدين -: ﴿ مَتَى هُوَ ﴾ يعني متى يقع هذا البعث؟ ﴿ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا ﴾ أي هو قريب؛ فإنّ كل آتٍ قريب، ﴿ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ ﴾ سبحانه للخروج من قبوركم ﴿ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ ﴾: أي فتستجيبونَ له مُنقادينَ لأمْره، قائلينَ: (سبحانك اللهم وبحمدك)، كما قال سعيد بن جبير رحمه الله: (يَخرج الكفار مِن قبورهم وهم يقولون: سبحانك وبحمدك) ﴿ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا ﴾: أي وتظنون - لهَول يوم القيامة وطُوله - أنكم ما أقمتم في الدنيا (وأنتم أحياء)، ولا في قبوركم (وأنتم أموات) إلا زمنًا قليلًا. ♦ فكأنهم قد نَسوا في تلك اللحظة كل ما مَرّ بهم في الدنيا، وكُلّ ما مَرَّ بهم في القبر، وذلك لِمَا شاهَدوه من أهوال القيامة، ولطُول وقوفهم في حر الشمس، ولتغطية العَرَق لجميع جسدهم، وبسبب رؤيتهم لجهنم التي سيُعَذَّبونَ فيها (والإنسانُ إذا اشتدّ خَوْفه: نَسِيَ كل ما مَرَّ به مِن نعيمٍ أو عذاب، خاصةً إذا قارنَ ذلك بعذاب الآخرة الأبدي). • الآية 53:﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي ﴾ المؤمنين ﴿ يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾: أي يقولوا الكلمة التي هي أحسن مِن غيرها (وذلك أثناء حديثهم مع الناس)؛ فإنهم إنْ لم يَفعلوا ذلك، فـ ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ﴾: يعني فإنّ الشيطان يُلقى بينهم العداوة والإفساد ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ أي عداوته ظاهرة للإنسان. ♦ والمقصود أن يَتفكَّروا في كلامهم قبل أن يقولوه للناس، وذلك حتى لا يُؤذوهم به، ولأنّ ذلك سوف يؤدي إلى دخول الشيطان في صَدر مَن تأذَّى بكلامهم، فيَنشأ عنده الغِلّ والغضب والكَراهية لهم. •الآية 54، والآية 55: ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ﴾ يعني هو سبحانه أعلم بمَن يَستحق الرحمة منكم، ومَن يَستحق العذاب، فـ ﴿ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾ بفَضله، ﴿ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ ﴾ بعَدله، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا ﴾ أي: وما أرسلناك - أيها الرسول - عليهم وكيلًا تُجبِرُهم على الإيمان أو تُجازيهم على أفعالهم، وإنما عليك فقط: (تبليغ ما أُرْسلتَ به، وبيان الطريق المستقيم)، ﴿ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾فهو سبحانه أعلم بمَن يَستحق الهِداية ومَن يَستحق الضلال، فلذلك فَوِّض أمْرَ الهِداية إليه. ﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ ﴾ (هذه الجُملة لبَيان أنّ اللهَ تعالى أعلم بخَلقه، وأنه سبحانه يُعطي كل عبد ما يَستحقه، حتى إنه فضَّلَ بعض أنبيائه على بعض، في الخصائص والفضائل والكتب وغير ذلك) ﴿ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴾: أي وأعطينا داود كتابًا اسمه الزَبور، وهو كتابٌ لم يُذكَر فيه الحلال والحرام والفرائض والحدود (لعدم الحاجة إلى ذلك لوجود التوراة بين اليهود)، وإنما هو كتابُ دعاءٍ وأذكار ومَواعظ (وهذا نوع من أنواع التفضيل). • الآية 56:﴿ قُلِ ﴾ - أيها الرسول - لمُشرِكي قومك: ﴿ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ ﴾: أي ادعوا مَن تعبدونهم من دون اللهِ إذا مَسَّكم الضرِّ: ﴿ فَلَا يَمْلِكُونَ ﴾: أي فإنهم لا يستطيعونَ ﴿ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ﴾ أي إزالته عنكم (بشفاء المريض مَثَلًا) ﴿ وَلَا تَحْوِيلًا ﴾ أي ولا يَقدرون على تحويل هذا الضر مِن حالٍ إلى حال، أو مِن شخصٍ إلى شخص (كأن يُحَوِّلوا المرض مَثَلًا مِن الشخص المريض إلى شخصٍ آخر - عدو له - ليَمرض به)، فالقادر على ذلك هو اللهُ وحده. ♦ واعلم أنّ هذه الآية عامة في كل ما يُدْعَى مِن دون اللهِ تعالى - من الأنبياء والصالحين وغيرهم - مِمّن يَتقرب الناس إليهم، أو يُنادونهم بلفظ الاستغاثة أو الدعاء (إذ لا يَكشف الضر إلا الله). ♦ وهنا يَنبغي أن نَعرف معنى كلمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها كنز من كنوز الجنة، وذلك حتى نقولها بخشوعٍ للهِ تعالى - ونحن نَستشعر معناها - فتكون أدعَى للقبول عند الله. - فأمّا معنى (لا حَول): أي لا تَحوُّل عن مَعصية اللهِ إلى طاعته إلاّ بإعانته سبحانه، وأمّا معنى (لا قوة) أي لا قوة على أداء الطاعة - كما يُحب ربنا ويَرضى ويَقبل - إلا بإعانته سبحانه، (وبالجُملة فإنه لا تحوُّل عن شيئٍ إلا بالله، ولا قوة على شيئٍ إلا بالله، واللهُ أعلم). • الآية 57:﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ ﴾: يعني أولئك الذين يُناديهم المشركون - مِن الصالحين وغيرهم - هم أنفسهم ﴿ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ﴾: أي يَطلبون القُربَ من ربهم بالطاعات وأنواع القُرُبات، ويَتنافسون في الحصول على رضاه عنهم بما يَقدرون عليه، ﴿ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ﴾ سبحانه ﴿ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ﴾. ♦ واعلم أنّ سبب نزول قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُون يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ - كما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه - أنّ أُناسًا من العرب كانوا يَعبدونَ بعض الجنّ، فأَسْلَمَ الجِنيّون، ولم يَشعر الذين يَعبدونهم بإسلامهم، فبَقوا يَعبدونهم. ♦ وفي الآية بيان حقيقة عقلية وهي أنّ دعاء الأولياء والاستغاثة بهم والتقرب إليهم: هو أمْرٌ باطل، لأنّ الأولياء كانوا قبل مَوتهم يَطلبون القُرب مِن ربهم بأنواع الطاعات والقُرُبات، ومَن كان يَعبُد لا يُعبَد، ومَن كان يَتَقرّب لا يُتقَرَّب إليه، ومَن كان يَتَوَسَّل لا يُتَوسَّل به، بل يُعبَد الذي كانَ يَعْبُدُه الأولياء، ويُتَقرَّب إلى الذي كانوا يَتَقرَّبونَ إليه، وهو اللهُ سبحانه وتعالى. ♦ واعلم أنّ هذه الآية قد جمعتْ بين الخوف والرجاء، وهُما كَجِناحَي الطائر، إذا انكسر أحدهما: لم يَطِر الآخر، ولذلك لابد للمؤمن منهما، فالخوف يَدفعه إلى أداء الفرائض واجتناب المُحَرَّمات، والرجاء يَدفعه إلى المسابقة في الخيرات، وبذلك تتم ولايته لربه ويأمَن عاقبة أمْره (وأمّا رأس الطائر - كما يقول العلماء - فهو حُبّ اللهِ تعالى). ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾: يعني إنّ عذابَ ربك هو الذي يَجب أن يَحذره العباد - بتَرك المعاصي - لأنّ عذابه تعالى لا يُطاق ولا يُحتمَل. • الآية 58:﴿ وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ ﴾: يعني وما مِن قريةٍ ظالمة مُكَذِّبة للرُسُل ﴿ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ﴾ ببلاءٍ شديدٍ يُصِيبُ أهلها الكفار، ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ﴾: يعني وهذا قضاءٌ كَتَبَهُ اللهُ في اللوح المحفوظ، ولابد مِن وقوعه. • الآية 59:﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ ﴾: يعني وما مَنَعَنا مِن إنزال المُعجزات التي طلبها كفار مكة ﴿ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ ﴾ يعني إلا تكذيب مَن سَبَقهم من الأمم (فقد أجابهم اللهُ إلى ما طلبوا، فكَذَّبوا، فأهلكهم الله)، فلو أعطى اللهُ كفارَ قريش تلك المعجزات التي طلبوها، ثم كَذَّبوا بها لأََهلكهم، وهو سبحانه لا يريد إهلاكهم، بل يريد هدايتهم، ليَهتدي على أيديهم خلقًا كثيرًا من العرب وغيرهم، ﴿ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾: أي ولقد أعطينا ثمود - وهم قوم صالح - مُعجزةً واضحة (وهي الناقة) ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ أي كَذَّبوا بها وذبحوها، فظلموا بذلك أنفسهم (واعلم أنّ ظُلم النفس هو تعريضها لعذاب اللهِ تعالى)، ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ﴾: يعني وما نُرسِلُ الرُسُل بالمعجزات إلا لنُخَوِّف العباد مِن التكذيب بها حتى يؤمنوا ويطيعوا. • الآية 60: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ ﴾ أي اذكر - أيها الرسول - حين قلنا لك: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ﴾ أي إنه سبحانه مُحيطٌ بعباده، قادرٌ عليهم، وهم تحت قهره وسلطانه، فلا تَخَف منهم أحدًا، فإنّ اللهَ سيَنصرك على مَن استمر منهم في الظلم والعناد، ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ﴾: يعني وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها بعَينك - من عجائب المخلوقات - ليلة الإسراء والمعراج ﴿ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ﴾ أي اختبارًا لهم، ليَتميز الكافر مِن المُؤمن، (واعلم أنّ لفظ الرؤيا يُطلق على الرؤيا في المنام، وكذلك يُطلق على رؤية العين، وقد قال عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما - كما في صحيح البخاري -: (هي رؤيا عين - أي: رؤيا حقيقية بالعين - أُرِيَها النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ أُسْرِيَ به إلى بيت المقدس). ﴿ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ ﴾ أي: وكذلك شجرة الزقوم الملعونة، التي ذُكِرَتْ ﴿ فِي الْقُرْآَنِ ﴾ جعلناها فتنةً لأهل مكة، إذ أخبر تعالى أنها شجرةٌ تخرج في أصل الجحيم، فقالوا: (كيف يَصِحّ وجود نخلة في وسط النار، والنار لا تحرقها)؟، (وقد قيل إنها (ملعونة) لأنّ العرب كانوا يقولون في كل طعامٍ مَكروه: (إنه ملعون)، ويُحتمَل أن يكون المقصود باللعن هنا: (لَعْن آكِلها)، أي: الشجرةُ الملعون آكلها، واللهُ أعلم)، ﴿ وَنُخَوِّفُهُمْ ﴾ بهذه الشجرة، وأنها تغلي في البطون كغَلي الحميم (وهو الماء الساخن)، وكذلك نُخَوِّفهم بمختلف أنواع العذاب ﴿ فَمَا يَزِيدُهُمْ ﴾ ذلك التخويف ﴿ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا ﴾ أي لا يَزيدهم إلا استمرارًا في الكفر والتكبر عن قبول الحق. • الآية 61، والآية 62: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ﴾ أي اذكر أيها الرسول لهؤلاء المشركين - الذين أطاعوا عدوهم وعدو أبيهم، وعصوا ربهم مِن أجْله - اذكر لهم حين قلنا للملائكة: ﴿ اسْجُدُوا لِآَدَمَ ﴾ (سجود تحيةٍ وتكريم، وليس سجود عبادةٍ وخضوع)، ﴿ فَسَجَدُوا ﴾ جميعًا ﴿ إِلَّا إِبْلِيسَ ﴾ الذي كان يَعبد اللهَ معهم،فإنه ﴿ قَالَ ﴾ للهِ تعالى - مُظهِرًا كِبْره وحسده -: ﴿ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴾ يعني أأسجد لهذا الضعيف، المخلوق من الطين؟، و ﴿ قَالَ ﴾ إبليس للهِ تعالى: ﴿ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ﴾: يعني أرأيتَ هذا المخلوق الذي فضَّلتَهُ عليَّ بالأمر بالسجود له: ﴿ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ ﴾ يعني لئن أبقيتَني حيًا ﴿ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ ﴾ يعني لأستولينَّ على ذريته، فأقودهم إلى الضَلال والإفساد، (كالدابّة التي يقودها راكبها وهو يضع اللجام في حَنَكها، أي في فمها) ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ منهم، وهم الذين أخلصوا عبادتهم لك (كما جاء ذلك في آيةٍ أخرى)، (واعلم أنّ قول إبليس: (إلا قليلًا) كانَ ظنًّا منه فقط، كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. • الآية 63، والآية 64، والآية 65: ﴿ قَالَ ﴾ اللهُ تعالى مُهَدِّدًا إبليس وأتْباعه: ﴿ اذْهَبْ ﴾ مَطرودًا من الجنة، مُمهَلًا إلى وقت النفخة الأولى، ﴿ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ ﴾ أي فمَن أطاعك مِن ذرية آدم: ﴿ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا ﴾: يعني فإنّ عقابكم سيكون وافرًا كاملًا في نار جهنم، ﴿ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ ﴾: أي اخدع كل مَن تستطيع خداعه منهم ﴿ بِصَوْتِكَ ﴾ أي بدعوتك لهم إلى المعاصي، ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ ﴾: أي اجمع عليهم مَن استطعتَ مِن جنودك (مِن كل راكبٍ وماشي) لإضلالهم، (واعلم أنّ الإجلاب هو الصياح بصوت مسموع للتحريض على فِعل شيئ)، ﴿ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ ﴾: أي كُن شريكًا لهم في أموالهم (بتزيين الكسب الحرام لهم)، وشريكًا لهم في أولادهم (بتزيين الزنا لهم)، ﴿ وَعِدْهُمْ ﴾ بالوعود الكاذبة (بأنهم لن يُعذَّبوا، أو بأنه سيُغفَر لهم، حتى وإن استمروا على المعاصي ولم يتوبوا) ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ أي خِداعًا لا صِحَّة له، ولا دليلَ عليه. ♦ وقال تعالى له: ﴿ إِنَّ عِبَادِي ﴾ أي المُخلَصين، الذين أطاعوني واعتصموا بي منك ﴿ لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾ أي ليس لك قدرةٌ على إضلالهم، وليس لك قوة تتسلط بها على قلوبهم ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ﴾: أي كفى بربك حافظًا للمؤمنين مِن كَيدك وإضلالك. • الآية 66: ﴿ رَبُّكُمُ ﴾ - أيها الناس - هو ﴿ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ ﴾: أي يُسَيِّر لكم السفن في البحر بواسطة الرياح ﴿ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي لتطلبوا رِزقَ اللهِ في أسفاركم وتجاراتكم، ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ أي كتبَ على نفسهِ أنه رحيمٌ بكم (ومِن رحمته بكم أنْ سَخَّرَ لكم البحر ليَحمل السفن رغم ثِقَلها). • الآية 67: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ﴾: يعني إذا أصابتكم شِدَّةٌ في البحر، حتى أشرفتم على الغرق والهلاك، فحينئذٍ: ﴿ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾: أي غابَ عن عقولكم كل مَن تعبدونهم مِن دون الله، وتذكَّرتم اللهَ وحده ليُنقذكم، فأخلصتم له الدعاء والاستغاثة، ﴿ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ ﴾ سبحانه ﴿ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ﴾ عن الإيمان والعمل الصالح، وهذا مِن جَهْل الإنسان وكُفْره ﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا ﴾ أي جَحودًا لنعم اللهِ تعالى، مُعرِضًا عن شُكره (إلا مَن عَصَمَه اللهُ تعالى، وعَلَّمَه أن الذي يُنَجِّي من الشدائد والأهوال، هو الذي يَستحق أن تُخلَص له سائر الأعمال، في الشدة والرخاء). • الآية 68، والآية 69:﴿ أَفَأَمِنْتُمْ ﴾: يعني هل أَمِنتم - أيها الناس - إنْ كَفرتم بربكم وعَصيتموه ﴿ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ ﴾: أي يَخسف بكم الأرض كما فعل بقارون ﴿ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ﴾: يعني أو يُمْطركم بحجارةٍ من السماء فتقتلكم ﴿ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا ﴾ أي: ثم لا تجدوا أحدًا يَحفظكم مِن عذابه؟ ﴿ أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى ﴾: يعني أم أمِنتم أن يُعيدكم في البحر مَرَّةً أخرى؟ ﴿ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ ﴾ أي يُرسل عليكم ريحًا شديدة تُكَسِّر كل ما جاءت عليه ﴿ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ﴾ أي بسبب كُفركم ﴿ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا ﴾ أي: ثم لا تجدوا لكم أحدًا ينصركم علينا، أو يُطالبنا بحقٍ لكم علينا بسبب إغراقنا لكم، فإنّ الله لم يَظلمكم مِثقالَ ذرة. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. - واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود تفسير الربع الرابع من سورة الإسراء • الآية 70: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ ﴾ بالعقل والعِلم والنُطق واعتدال الخلق، وسَخَّرنا لهم جميع ما في الكون ﴿ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾: أي وسَخَّرنا لهم الدَوَابَّ (في البر) والسفن (في البحر) لتحملهم، ﴿ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ﴾ أي مِن طيبات المَطاعم والمَشارب (وفي هذا دليل على إبطال الزُهد في لذيد الطعام - كالعسل واللحوم والفواكه -، والاكتفاء بالخبز بالملح ونَحْوه (مع توفر طيِّب الطعام والشراب)، فهذا مُخالِفٌ لمَنهج السَلَف)، ﴿ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ أي تفضيلاً كبيراً، (فالآدميون أفضل من الجن والحيوانات، والصالحون المُتَّقون - مِن بني آدم - أفضل من الملائكة). ♦ أفلا يقوم بنو آدم بشُكر ربهم على ذلك التفضيل بتوحيده وطاعته، وألاَّ يَنشغلوا بهذه النعم عن عبادة المُنعِم سبحانه، وألاَّ يَستعينوا بها على مَعاصيه! • الآية 71، والآية 72: ﴿ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ﴾: أي اذكر - أيها الرسول - يوم القيامة، يوم يَدعو اللهُ كل جماعة من الناس مع إمامهم الذي كانوا يَقتدون به (في الخير أو الشر)، فيَتقدم ذلك الإمام ووراءه أتْباعه وتُوَزَّع الكتب عليهم واحداً واحداً، ﴿ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾: أي فمَن كان منهم صالحًا، وأُعطِيَ كتاب أعماله بيمينه: ﴿ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ ﴾ فَرِحين مُستبشِرين ﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴾: أي ولا يُنْقَصونَ مِن ثواب أعمالهم الصالحة شيئًا (ولو كان مقدارَ الخيط الذي يكون في شَقِّ نواة التمرة). ♦ وأما الذين يأخذون كتابهم بشمالهم فقال سبحانه عنهم: ﴿ وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ ﴾ الدنيا ﴿ أَعْمَى ﴾ يعني أعمى القلب عن آيات اللهِ تعالى، فلم يؤمن بها رغم وضوحها: ﴿ فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى ﴾ عن سلوك طريق الجنة، ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ مِن ضلال الدنيا (لأنّ ضَلال الآخرة ليس له مَخرج). • من الآية 73 إلى الآية 77: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ أي: ولقد قارَبَ المشركون أن يَصرفوك - أيها الرسول - عن القرآن الذي أنزلناه إليك ﴿ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾: أي لتقول علينا غير الذي أوحيناه إليك، فتَجيء لهم بما يُوافق أهواءهم، وتترك ما أنزل اللهُ إليك (وذلك حين طلبوا منه أن يَترك تبليغ ما فيهِ سَبٌّ لآلهتهم، وأن يَتصالح معهم ولو مؤقتاً)، وهذا مَكْرٌ منهم وخديعة، إذ لو وافقهم على شيءٍ لَطالَبوه بآخر، ولقالوا: (إنه لا يُوحَى إليه، بدليل قبوله مِنَّا كذا، وتنازُله عن كذا)، ﴿ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ﴾ يعني ولو فعلتَ ما أرادوه: لاتَّخذوكَ حبيبًا خالصًا، ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴾: يعني ولولا أنْ ثبَّتناك على الحق، وعصمناك عن مُوافقتهم، لَقاربْتَ أن تميل إليهم مَيْلاً قليلاً (لِكثرة رغبتك في هدايتهم)، ﴿ إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ﴾: يعني ولو رَكَنت إليهم ركونًاً قليلاً، ووافقتَهم على بعض اقتراحاتهم: لأذقناكَ ﴿ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ﴾ أي لَضاعَفنا عليك العذابَ في الدنيا والآخرة (وذلك لِعَظيم نعمة اللهِ عليك وكمال مَعرفتك)، (ويُحتمَل أن يكون المقصود بعذاب الدنيا: تراكم المصائب أثناء مُدّة الحياة)، ﴿ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾ أي: ثم لا تجد أحدًا ينصرك ويَدفع عنك عذابنا. ♦ وفي هذه الآيات دليلٌ على أنه بحَسَب عِلم العبد ومَكانته: يَتضاعف عقابه (إذا فعل ما يُلامُ عليه)، كما قال تعالى لنساء النبي: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾. ♦ وفي الآيات أيضاً دليلٌ على شدة افتقار العبد إلى تثبيت اللهِ له، وأنه يَنبغي أن يَظل مُتذللاً لربه أن يُثبته على الإيمان، لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أكمل الخلق -، قال الله ُله: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ ﴾ فكيف بغيره؟ ♦ ولمّا فشلوا في المحاولات السِلمية مع الرسول صلى الله عليه وسلم، أرادوا استعمال القوة، فقرروا إخراجه من مكة بالموت أو الطرد، فأخبره تعالى بذلك إعلاماً وإنذاراً فقال: ﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ﴾ أي: ولقد قارَبَ الكفار أن يُخرجوك من "مكة" بإزعاجهم لك، ﴿ وَإِذًا ﴾: يعني ولو أخرجوك منها كَرهاً: ﴿ لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ يعني ما أقاموا فيها خَلفك - أي بعدك - إلا زمنًا قليلاً حتى تَحِلّ بهم العقوبة العاجلة، ولكنَّ اللهَ صَرَفهم عنك حتى خرجتَ أنتَ باختيارك (عِلماً بأنّ اللهَ تعالى قد أوقع بهم يوم بدر، وقَتَلَ زعمائهم، وذلك بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة، فللهِ الحمد)، ﴿ سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ﴾: أي تلك هي سُنَّة اللهِ تعالى في إهلاك الأُمّة التي تُخرِجُ رسولها مِن بلده، ﴿ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ﴾: يعني ولن تجد - أيها الرسول - لسُنَّتنا تغييرًا ولا تبديلاً، فوَعْدنا ثابتٌ لا يَتخلف. • من الآية 78 إلى الآية 81:﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ ﴾ (هذا أمْرٌ من اللهِ لرسوله بأداء الصلاة بشروطها وأركانها، في خشوعٍ واطمئنان (فإنها مَأمن الخائفين، ومَنار السالكين، ومِعراج الأرواح إلى ساحة الأفراح)، وكذلك أمَرَهُ سبحانه أن يؤديها ﴿ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ﴾ أي ابتداءً من وقت تَحَرُّك الشمس عن وسط السماء (وهو وقت الظهر) ﴿ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ﴾: يعني إلى وقت اشتداد ظلام الليل (ويدخل في هذا صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء)، ﴿ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ ﴾ (والمقصود بقرآن الفجر هنا: أداء صلاة الفجر والقراءة فيها، لأنّ هذا عطفٌ على مواقيت صلاة الفريضة (من الظهر إلى العشاء))، (وقد يأتي لفظ "الصلاة" ويُراد به القراءة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ ﴾ أي لا تَجهر بقراءتك في الصلاة)، (واعلم أنّ اللام التي في كلمة (لِدُلُوكِ) تسمى (لام التوقيت)، وهي بمعنى: عِندَ). ﴿ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾: يعني إنّ صلاة الفجر تحضرها ملائكة الليل وملائكة النهار، قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين -: (يَتعاقبون فيكم - أي يَتناوبون فيكم - ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يَعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم: (كيف تركتم عبادي؟)، فيقولون: (تركناهم وهم يُصَلًّون، وأتيناهم وهم يُصَلًّون). ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ﴾ يعني: وقم مِن نومك - أيها النبي - بعض الليل، لتتجهد بالقرآن (والمعنى أن تؤدي صلاة "قيام الليل" وتقرأ القرآن فيها)، حتى تكون صلاة الليل ﴿ نَافِلَةً لَكَ ﴾ أي زيادةً لك في عُلُوّ القدر ورَفع الدرجات. ♦ وبهذا قد جعل اللهُ قيام الليل واجباً على النبي صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة (زيادةً له في الثواب والتشريف)، ولهذا وَعَدَهُ بعدها أن يَبعثه مَقاماً محموداً، فقال: ﴿ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ أي: وسوف يأتي بك اللهُ شافعًا للناس يوم القيامة؛ ليَرحمهم سبحانه مِمّا يكونون فيه، (واعلم أنّ كلمة (عسى) إذا جاءت من اللهِ تعالى، فإنها تفيد الوجوب وتأكيد الوقوع)، ولِذا فقد بَشَّرَ اللهُ رسوله في هذه الآية بأن يُقِيمه يوم القيامة (مقاماً محموداً) يعني يَحمده عليه الأولون والآخرون (أي يُثنون عليه في ذلك الموقف)، فكما ثَبَتَ في الصحيحين أنّ آدم عليه السلام يَتخلى عن الشفاعة، وكذلك سائر الأنبياء، حتى تنتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيقول: (أنا لها، أنا لها)، فيستأذن ربه في الشفاعة، فيَأذن اللهُ له، فيَشفع للخلائق في فصل القضاء، حتى يَستريحوا مِن شدة الموقف وطُوله وحَرِّه. ﴿ وَقُلْ ﴾ - أيها الرسولُ في دعائك -: ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾: أي ربِّ أدخِلني المدينة - دارَ هِجرتي - إدخالاً مَرضياً لا أرى فيه مكروهاً، ﴿ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ أي: وأخرِجني من مكة إخراجاً يَجعلني لا ألتفت إليها بقلبي شوقاً وحَنيناً (وهذه بشارةٌ من اللهِ تعالى لرسوله بأنه قد أَذِنَ له بالهجرة)، ﴿ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾: أي اجعل لي مِن عندك حُجّة ثابتة، تنصرني بها على جميع مَن خالفني (وقد استجاب اللهُ دعائه فأيَّده بأعظم حُجّة، حيثُ حَفَظَ القرآن إلى قيام الساعة، وأَوْصَلَ الإسلام إلى جميع الناس، ليكون ذلك شاهداً على نُبُوّته صلى الله عليه وسلم). ﴿ وَقُلْ ﴾ - أيها الرسول -: ﴿ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ﴾: أي جاء الإسلام وذهب الشرك، ﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾: يعني إنّ الباطل لا بقاءَ له ولا ثبات، والحق هو الثابت الباقي الذي لا يزول، (وهذه بشارةٌ أخرى بأنّ اللهَ تعالى سيَفتح له مكة، ويُدخِله فيها منتصراً). • الآية 82: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ﴾: أي ونُنَزِّل من آيات القرآن ما يَشفي القلوبَ مِنَ الأمراض (كالشَكّ والنفاق والجهل)، وما يَشفي الأبدان (برُقْيتها به)، ففي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنّ رسول صلى الله عليه وسلم بَعَثهم - وكانوا ثلاثين راكباً - فنزلوا على قومٍ من العرب، فسألوهم أن يُضَيفوهم، فرفضوا، فلُدِغَ سيِّد الحَيّ (يعني إنّ سيد القوم قد لَدَغَه عقرب)، فجاء رجلٌ إلى الصحابة وقال لهم: (فِيكم مَن يَرقي من العقرب؟)، قالوا: (نعم، لكنْ حتى تُعطونا)، فقال: (إنّا نعطيكم ثلاثين شاة)، فرَقاهُ أحد الصحابة بفاتحة الكتاب، قرأها عليه سبع مرات، فشفاه الله. ﴿ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ يعني إنّ هذا القرآن رحمة للمؤمنين بصفة خاصة، وذلك لأنهم يَعملون به، فيَرحمهم اللهُ تعالى بسببه، ﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾: أي ولكنّ الكفار لا يَزيدهم القرآن إلا هلاكاً، لأنه قد أقام عليهم الحُجّة. • الآية 83، والآية 84:﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ ﴾ بمالٍ وصحةٍ وغير ذلك: ﴿ أَعْرَضَ ﴾ عن الشكر فلم يَشكر، ﴿ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ﴾: أي تباعَدَ عن طاعة ربه، وتكَبَّرَ على الناس، ﴿ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴾: يعني وإذا أصابته شِدَّةٌ - مِن فقر أو مرض أو غير ذلك - فإنه يكون شديد اليأس مِن رحمة اللهِ تعالى وفَرَجه، ساخطٌاً على قضائه (إلا مَن عَصَمه اللهُ في حالتَي الرخاء والشدة)، كما قال تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ أي على ما أصابهم من الضُرّ (احتسابًا للأجر عند اللهِ تعالى)، ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ شُكراً للهِ على نِعَمِه ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾. ﴿ قُلْ ﴾ - أيها الرسول - لهؤلاء المشركين: ﴿ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ ﴾: يعني كُلُّ واحدٍ منا ومنكم يَعمل على طريقته التي تليق بحاله من الهدى والضلال والشكر والكفر ﴿ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا ﴾: أي فرَبُّكم أعلم بمَن هو أهدى منا ومنكم إلى طريق الحق فيُعطيه الثواب، ومَن هو أضَلّ سبيلاً فيُنزِل به العقاب. • الآية 85: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ﴾: يعني ويَسألك الكفار عن حقيقة الروح التي يَحيا بها الجسد، ﴿ قُلِ ﴾ لهم: ﴿ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾: يعني إنّ حقيقة الروح من الأمور التي اختَصَّ اللهُ بها نفسه وانفرد بعِلمها، ﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾: يعني وما أُعطِيتم من العلم - أنتم وجميع الناس - إلا شيئًا قليلاً. ♦ واعلم أنّ سبب نزول هذه الآية أنّ المشركين بَعَثوا النَضر بن الحارث وعُقبة بن أبي مُعَيْط إلى علماء اليهود في المدينة، ليَسألاهم عن أمْر النبي صلى الله عليه وسلم، فطلب اليهود منهما أن يسألوه عن ثلاثة أشياء (عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح)، وقالوا لهم: (إنْ أَخْبَرَكم عن اثنين وأمْسَكَ - أي امتنع - عن واحدة فهو نبي)، فأنزل اللهُ سورة الكهف (وفيها الجواب عن أصحاب الكهف وذي القرنين)، وأنزل هذه الآية: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾، (ولمَّا كانَ سؤالهم هذا دالٌ على ادِّعائهم العلم، أخبرهم سبحانه أنَّ ما عندهم من العلم قليلٌ بجانب عِلم اللهِ تعالى). • الآية 86، والآية 87: ﴿ وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ﴾ (وهو القرآن الذي حاولوا فِتنتك عنه)، فإنْ شِئنا أنْ نمحوه من قلبك - أيها الرسول - لَفَعَلنا ذلك (عقوبةً لهم على رَفْضهم للقرآن، وهو أعظم النعم)، ﴿ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ﴾ أي: ثم لا تجد لنفسك ناصرًا يَمنعنا مِن محو القرآن، أو يأتيك به مرة أخرى إذا مَحوناه ﴿ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ يعني: لكنْ أبقَيناه في قلبك (رحمةً من ربك)، إذ جعله سبحانه شاهداً على صِدق نُبُوّتك إلى قيام الساعة ﴿ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ﴾ فقد أعطاك هذا القرآن العظيم، والمقام المحمود، وجَعَلَ رسالتك عامة لجميع الإنس والجن، وعَرَجَ بك إلى الملكوت الأعلى، ونَصَرَكَ بقذف الرعب في قلوب أعدائك، وغير ذلك مما لم يُعطه أحدًا من العالمين. • الآية 88: ﴿ قُلْ ﴾ أيها الرسول للناس: ﴿ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ ﴾ المُعجِز في الفصاحة والبلاغة، وما احتوى عليه من الغيوب والشرائع والأحكام: ﴿ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ﴾: أي لا يَستطيعون الإتيان به، لأنه وَحْي اللهِ وكتابه، وحُجَّته على خَلقه إلى قيام الساعة، ﴿ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾: يعني ولو تعاونوا جميعاً على ذلك. • من الآية 89 إلى الآية 93: ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ يعني بَيَّنَّا ونَوَّعنا ﴿ لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ لِنُقيم عليهم الحُجّة، ولِيَعتبروا به ويؤمنوا ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾: أي فلم يَقبل أكثر الناس إلا الجحود بحُجَج اللهِ رغم وضوحها. ♦ ولمّا أعجَزَ القرآنُ مُشركي قريش وغَلَبهم، أخذوا يَطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم مُعجزات بحسب أهوائهم، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ أي حتى تُفجِّر لنا من أرض "مكة" عَيْنًا جارية من الماء لا تَجِفّ،﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ ﴾ أي حديقة ﴿ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ ﴾ (وقد خَصُّوا العنب والتمر لمكانتهما عند العرب وكثرة فوائدهما)، ﴿ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ﴾: أي فتجعل الأنهار تجري في وسط هذه الحديقة بغزارة، ﴿ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ﴾ أي قِطعًا من العذاب كما زعمتَ (يقصدون بذلك قوله تعالى: ﴿ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ﴾))، ﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ﴾ يعني لنُشاهدهم مُقابَلةً وعِيانًاً بالبصر، ﴿ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ﴾ أي مِن ذهب، ﴿ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ ﴾: يعني أو تصعد بسلم إلى السماء، ﴿ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ﴾: يعني ولن نُصَدِّقك في صعودك ﴿ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ أي حتى تعود ومعك كتابٌ من اللهِ نقرأ فيه أنك رسول الله حقا، ﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول - مُتَعَجبًا مِن عِنادهم: ﴿ سُبْحَانَ رَبِّي ﴾!! ﴿ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾: يعني هل أنا إلا عبدٌ من عباد اللهِ مُبَلِّغٌ لرسالته؟ فكيف أقدر على فِعل ما تطلبون؟! • الآية 94، والآية 95: ﴿ وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى ﴾: يعني وما مَنَعَ الكفارَ من الإيمان باللهِ ورسوله، حينَ جاءهم هذا البيان الكافي من عند اللهِ ﴿ إِلَّا أَنْ قَالُوا ﴾ - جَهلا واستكبارًا -: ﴿ أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا ﴾؟﴿ قُلْ ﴾ لهم - أيها الرسول -: ﴿ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ ﴾ عليها ﴿ مُطْمَئِنِّينَ ﴾ أي ساكنينَ في الأرض لا يُغادرونها: ﴿ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا ﴾ مِن جِنسهم، ولكنَّ أهل الأرض بَشَر، ولذلك لابد أن يكون رسولهم بَشَر مِثلهم، حتى يَتمكنوا من مُخاطبته وفَهْم كلامه. • الآية 96: ﴿ قُلْ ﴾ لهم: ﴿ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ﴾ على صِدْق نُبوَّتي، فشهادته تعالى لي بالنُبُوّة هي ما أعطاه لي من المُعجزات الباهرات (كانشقاق القمر وغيرها)، وكذلك وَحْيُهُ إليّ بهذا القرآن الذي أنذركم به، والذي لا يستطيع أن يقوله بَشَر (وأنتم تعلمون ذلك لأنكم أبْلغ البشر)، ﴿ إِنَّهُ ﴾ سبحانه ﴿ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا ﴾ لِذا فهو يَعلم الصادق من الكاذب، وسيَجزي كُلاً بما يَستحق. [1] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. - واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود الربع الأول من سورة الكهف من الآية 1 إلى الآية 5: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ أي الثناء على اللهِ تعالى بصفاته التي كلُّها كمال، وبنعمه الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، فهو سبحانه ﴿ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ - محمد صلى الله عليه وسلم - ﴿ الْكِتَابَ ﴾ أي أنزل عليه القرآن ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴾: أي لم يَجعل في القرآن شيئًا مائلاً عن الحق، بل جَعَله كتابًا ﴿ قَيِّمًا ﴾ أي مستقيمًا معتدلاً (لا اختلافَ فيه ولا تناقض، ولا تَشَدُّد ولا تفريط)، وقد أنزله سبحانه ﴿ لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ﴾: أي ليُنذر الكافرين مِن عذابٍ شديدٍ مِن عنده ﴿ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا ﴾ (وهو الجنة) التي يُقيمون في نعيمها، ويَظلونَ ﴿ مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا ﴾ أي لا يُفارقونه أبدًا، ﴿ وَيُنْذِرَ ﴾ - بصفة خاصة - المُشركين ﴿ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ﴾ (وكيف ذلك والكُلُّ مِلكُهُ وعَبيدُه، وهم خاضعونَ له، مُسَخَّرونَ تحتَ تدبيره، فكيف يكونُ له منهم ولد؟!). ﴿ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ ﴾: أي ليس عند هؤلاء المشركين شيءٌ من العلم على ما يَنسبونه كذباً للهِ تعالى من اتِّخاذ الولد، وكذلك لم يكن عند آبائهم الذين قلَّدوهم عِلمٌ بذلك، ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً ﴾: أي عَظُمتْ هذه المقالة القبيحة التي ﴿ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ ﴾ وهي نِسبة الولد للهِ تعالى، ﴿ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾: أي ما يقولونَ إلا قولاً كاذبًا (وَرِثوه عن آباءهم بغير دليل). الآية 6: ﴿ فَلَعَلَّكَ ﴾ - أيها الرسول - ﴿ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ ﴾ أي مُهْلِك نفسك على أثَر إعراض قومك (يعني بسبب إعراضهم عنك) ﴿ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ أي ستُهلِك نفسك غمًّا وحزنًا إنْ لم يُصَدِّقوا بهذا القرآن ويَعملوا به! الآية 7، والآية 8: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ ﴾ من المخلوقات ﴿ زِينَةً لَهَا ﴾ أي جَمالا لها، ومَنفعةً لأهلها ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ ﴾ أي لنَختبر المُكَلَّفين من الإنس والجن: ﴿ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾: يعني أيُّهم أكثر اتِّباعاً لأمْرنا واجتناباً لنَهْينا وإتقاناً لطاعتنا، وأيُّهم الذي يَعصي ربه من أجل الدنيا، ﴿ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا ﴾: أي سنجعل كل ما على الأرض ترابًا، ﴿ جُرُزًا ﴾ أي لا نباتَ فيه (وذلك عند انتهاء الدنيا)، إذاً فلا تَحزن أيها الرسول على ما تَلقاه مِن أذى قومك وتكذيبهم، فإنّ الدنيا - التي مِن أجلها يُعادونكَ - ستزولُ سريعاً، ثم يُجازيهم اللهُ يوم القيامة على تكذيبهم وعِصيانهم. من الآية 9 إلى الآية 12: ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا ﴾: يعني أم ظننتَ أيها الرسول أنّ قصة أصحاب الكهف - واللوح الحَجَري الذي كُتِبَت فيه أسماؤهم - شيئاً مُنفرداً بالعجب من بين الآيات الأخرى؟! (والاستفهام للنفي) أي لا تظن ذلك، فإنّ خَلْق السماوات والأرض وما فيهما من الآيات أعجب من هذا بكثير. ﴿ إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ ﴾: أي اذكر أيها الرسول - للسائلينَ عن قصتهم - حين لجأ هؤلاء الشباب إلى الكهف (فِراراً بدينهم، وخوفاً من تعذيب قومهم لهم)، ﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً ﴾ أي أعطنا مِن عندك رحمةً تُثَبِّتنا بها، وتحفظنا بها من الشر، ﴿ وَهَيِّئْ لَنَا ﴾ أي يَسِّر لنا ﴿ مِنْ أَمْرِنَا ﴾ الصعب الذي نحن فيه - مِن هِجرتنا لأهلنا وبيوتنا - ﴿ رَشَدًا ﴾: أي يَسِّر لنا ما يَصلُحُ به أمْر ديننا ودُنيانا. ♦ فاستجاب اللهُ دعاءهم ورَعَاهم، قال تعالى: ﴿ فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ﴾: أي فألقينا عليهم النوم العميق في الكهف سنين كثيرة، حتى تغيَّرتْ الأحوال وتَبدَّلت الأجيال، ﴿ ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ ﴾ أي: ثم أيقظناهم مِن نومهم ﴿ لِنَعْلَمَ ﴾ أي لنُظهِر للناس ما عَلِمناه في قديم الأزل، فيَعلموا ﴿ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا ﴾: يعني أيُّ الطائفتين المختلفتين في مدة بقاءهم في الكهف أضبَط في حساب هذه المدة؟ (والراجح أنّ الذين اختلفوا فيهم: هم فريقان من الأُمّة التي اكتشفتهم بعد سنين عديدة، واللهُ أعلم). من الآية 13 إلى الآية 17: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾ أي نتلو عليك خبَرَ أصحاب الكهف بالصِدق واليقين، ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ ﴾: يعني إنهم شبابٌ صَدَّقوا بتوحيد ربهم وامتثلوا أمْره ﴿ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ أي زدناهم إيماناً وثباتًا، وذلك بسبب إيمانهم، كما قال تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾، ﴿ وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا ﴾: أي قوَّينا قلوبهم بالإيمان حين قاموا بين يدي المَلِك الكافر، وهو يَلومُهم على تَرْك عبادة الأصنام، ﴿ فَقَالُوا ﴾ له: ﴿ رَبُّنَا ﴾ الذي نعبده هو ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، و ﴿ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا ﴾: أي لن نَعبد غيره من الآلهة المزعومة كذباً، ﴿ لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا ﴾: يعني لو قلنا غير هذا، لكُنَّا قائلينَ قولاً ظالماً بعيدًا عن الحق، ثم قالوا له: ﴿ هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً ﴾ يَعبدونهم، فـ ﴿ لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ ﴾: يعني فهَلاَّ جاءوا بدليلٍ واضح يَدُلّ على استحقاقها للعبادة، ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾: أي فلا أحد أشد ظلمًا ﴿ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ بأن يَنسبَ إليه شريكاً في عبادته. ♦ ثم بعد أن خرجوا مِن عند هذا المَلِك، قال بعضهم لبعض - وهم يَتناصحونَ ويَتشاورون -: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾ يعني: بما أنكم فارَقتم قومكم بدينكم، وتركتم ما يَعبدونَ من دون الله، لم يَبقَ لكم إلا النجاة مِن شَرِّهم، إذاً ﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴾: أي الجؤوا إلى الكهف الذي في الجبل لعبادة ربكم وحده، وهَرَباً من أعدائكم المشركين، فحينئذٍ ﴿ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي يُنَزِّل عليكم ربكم مِن رحمته ما يُنَجِّيكم به مِمّا فررتم منه ﴿ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا ﴾: أي ويُيَسِّر لكم مِن أمْركم ما تنتفعونَ به - من أسباب العيش - في مأواكم الجديد، (فلمَّا قالوا ذلك، وذهبوا إلى الكهف: ألقى اللهُ عليهم النوم وحَفِظهم). ﴿ وَتَرَى الشَّمْسَ ﴾ يعني: وإذا نظرتَ إليهم - أيها الرسول - لَرأيتَ الشمسَ ﴿ إِذَا طَلَعَتْ ﴾ من المَشرق ﴿ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ ﴾: أي تميل وتَتَنَحَّى عن مكانهم إلى جهة اليمين فلا تصيبهم، ﴿ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ أي تتجاوز عنهم إلى جهة اليسار، ﴿ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ﴾: أي وقد أنامهم اللهُ في مُتَسَّع من الكهف حتى لا يَنقطع عنهم الهواء، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي فعلناه بهؤلاء الشباب - مِن حِفظهم من حرارة الشمس، وعدم نفاد الهواء عنهم - هو ﴿ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ ﴾ أي من دلائل قدرة اللهِ تعالى، ورحمته ولُطفه بأوليائه. ﴿ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾ يعني: مَن يُوفقه اللهُ للاهتداء بآياته، فهو المُوَفَّق إلى الحق، ﴿ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا ﴾ يعني: ومن لم يُوَفِّقه لذلك، فلن تجد له مُعينًا يُرشده لإصابة الحق؛ لأنّ التوفيق والخِذْلان بيد اللهِ وحده، (إذاً فليَطلب العبد من ربه الهداية والثبات، وليَعتصم به من الزَيغ والضَلال). الآية 18: ﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا ﴾ يعني: إذا نظرتَ إليهم - أيها الرسول - لَظننتَ أنهم مستيقظين (لأنّ أعْينهم كانت مُفَتَّحة) ﴿ وَهُمْ ﴾ في الحقيقة ﴿ رُقُودٌ ﴾ أي نائمونَ لا يشعرونَ بأحد، ﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾ أي نُقَلِّبهم أثناء نومهم مَرّة للجنب الأيمن ومَرَّة للجنب الأيسر، حتى لا تأكلهم الأرض، ﴿ وَكَلْبُهُمْ ﴾ - الذي أخذوه معهم لحِراستهم - ﴿ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ﴾ أي قد مَدَّ ذراعيه بفناء الكهف (لأنه أصابه من النوم ما أصابهم وقت حِراسته)، ﴿ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ﴾ أي لو شاهدتهم وهم نائمونَ وأعينهم مُفَتَّحة: لَرجعتَ فارّاً منهم ﴿ وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا ﴾ (لأنّ اللهَ قد ألقى الخوف والفزع على مَن يَراهم، حتى لا يدخل عليهم). الآية 19، والآية 20: ﴿ وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ ﴾: يعني وكما أنمناهم وحفظناهم هذه المدة الطويلة، فكذلك أيقظناهم مِن نومهم على هيئتهم دونَ تغيُّر، وذلك ﴿ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ﴾: يعني لكي يَسأل بعضهم بعضًا، فيَزدادوا إيماناً باللهِ تعالى، ويَتيقنوا بحمايته لأوليائه، فـ ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ ﴾: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ ﴾: يعني كم من الوقت بقينا نائمين هنا؟ ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال بعضهم: ﴿ لَبِثْنَا ﴾ أي مَكَثنا ﴿ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾، ﴿ قَالُوا ﴾ أي قال آخرونَ قد اختلط عليهم الأمر: فَوِّضوا ذلك إلى اللهِ تعالى، فـ ﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ ﴾: أي فرَبُّكم أعلم بالوقت الذي مَكَثتموه. ♦ وقد كانوا جائعينَ فقالوا: ﴿ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ ﴾: أي فأرسِلوا أحدكم بنقودكم الفضية هذه إلى مَدِينتنا، ﴿ فَلْيَنْظُرْ ﴾: ﴿ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا ﴾: يعني أيَّ أهْل المدينة طعامه حلالاً طيباً ﴿ فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ ﴾ لتأكلوه سَدّاً لجوعكم ﴿ وَلْيَتَلَطَّفْ ﴾ في ذهابه وعودته وشرائه مع البائع حتى لا ننكشف، ﴿ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا ﴾ أي: ولا يَفعل فِعلاً يؤدى إلى معرفة أحدٍ من قومكم بوجودكم، فـ ﴿ إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ ﴾ يعني إن يَروكم: ﴿ يَرْجُمُوكُمْ ﴾ بالحجارة، فيقتلوكم ﴿ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ ﴾: يعني أو يُرجعوكم إلى دينهم، فتَصيروا مُشركينَ مِثلهم ﴿ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا ﴾: أي ولن تفوزوا أبدًا بدخول الجنة والنجاة من النار، إن أطعتموهم فأشركتم بربكم. الآية 21: ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي جعلنا أهل ذلك الزمان يَعثرون عليهم (وذلك بعد أن كَشَفَ البائع نوع الدراهم القديمة التي جاء بها مَبعوثهم)، وقد جعلنا الناس يَعثرونَ عليهم ﴿ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ ﴾ بالبعث ﴿ حَقٌّ ﴾ لأنّ الذي أنامهم كل هذه المدة ثم أيقظهم، قادرٌ سبحانه على أن يَبعثهم بعد موتهم، ليُحاسبهم ويُجازيهم بأعمالهم، ﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا ﴾ يعني: ولِيَعلم الناس أنّ الساعة التي تقوم فيها القيامة آتيةٌ لا شك فيها، ﴿ إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾: يعني إنهم عَثَروا عليهم في وقتٍ كان أهل البلد يَختلفون في أمْر القيامة: (فمِنهم مَن كانَ مؤمناً بها، ومنهم مَن كانَ مُنْكِراً لها)، فلمَّا اطَّلعوا جميعاً على أصحاب الكهف، جعل اللهُ اطّْلاعهم حُجَّةً للمؤمنين على الكافرين في قدرة اللهِ على البَعث والإحياء، وعلى أنّ البعث يكونُ بالأجسام والأرواح معاً وليس بالأرواح فقط. ♦ وبعد أن انكشف أمْرهم ماتوا ﴿ فَقَالُوا ﴾ أي فقال فريقٌ من المُطَّلِعينَ عليهم: ﴿ ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا ﴾: أي ابنوا على باب الكهف بناءً يَحجبهم عن الناس، واتركوهم وشأنهم، فـ ﴿ رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ ﴾: أي ربهم أعلم بحالهم، و ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ﴾ وهم أصحاب الكلمة والنفوذ - الذين يُعرَفون بـ (الحكومة) -: ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾: أي لَنَتّخِذنَّ على مكانهم مَسجدًا للعبادة، (وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، ولَعَنَ مَن فَعَلَ ذلك، لأن هذا قد يؤدي إلى عبادة مَن فيها). الآية 22: ﴿ سَيَقُولُونَ ﴾ أي سيقول بعض أهل الكتاب - الذين اختلفوا في عدد أصحاب الكهف -: هم ﴿ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ أي ويقول فريقٌ آخر منهم: هم ﴿ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾، وكلامُ الفريقين كانَ ﴿ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ﴾ أي رَمْياً بالكلام من غير تثبّت، وظناً مِن غير دليل، (فدَلَّ ذلك على بُطلان القولين السابقين) ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ أي وتقول جماعة ثالثة: هم ﴿ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ﴾ (وهذا هو الصواب - واللهُ أعلم - لأنّ اللهَ تعالى أبطل القولين السابقين، ولم يُبطِل القول الثالث، فدَلَّ ذلك على صحته). ♦ ولمّا كان هذا من الاختلاف الذي لا فائدة منه، وليس فيه مصلحة للناس (دينية أو دنيوية)، قال تعالى بعدها: ﴿ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ﴾ أي ربي هو الأعلم بعددهم، و ﴿ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾: أي ما يَعلم عددهم إلا قليلٌ من الناس ﴿ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا ﴾: أي فلا تُجادل أهل الكتاب في عددهم إلا جدالاً ظاهرًا لا عُمقَ فيه (وذلك بأن تَذكر لهم ما أخبرك به الوحي فقط، بدون أن تُكَذِّبهم أو تُوافقهم)، ﴿ وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ ﴾ أي لا تسأل في شأن أصحاب الكهف ﴿ مِنْهُمْ ﴾ أي مِن أهل الكتابِ ﴿ أَحَدًا ﴾ لأنهم لا يَعلمونَ ذلك وإنما يقولون بالظن والتخمين، لا بالعلم واليقين، (وفي هذا دليل على المنع مِن سؤال مَن لا يَصلح للفتوى). الآية 23، والآية 24: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ ﴾ تَعزم على فِعله: ﴿ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ ﴾ الشيء ﴿ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ يعني إلا أن تُعَلِّق قولك بالمشيئة، فتقول: (إن شاء الله)، ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ ﴾: يعني وإذا نسيتَ قوْل: (إن شاء الله)، فاذكُره - ولو بعد فترة - لتَخرج به من الحرج (وكلما نسيتَ شيئاً فاذكر الله؛ فإنّ ذِكْرَ اللهِ يُذهِب النسيان). ♦ واعلم أنّ سبب اعتراض هذه الآية للسياق، أنّ المشركينَ لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين، قال لهم: (أُخبِركم بما سألتم عنه غداً)؛ ولم يقل (إن شاء الله)، فانقطع الوحي نصف شهر، ثم نزلتْ سورة الكهف وفيها جواب ما سألوا. ﴿ وَقُلْ ﴾ لهم - بعد قوْل (إن شاء الله) -: ﴿ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا ﴾: أي لعل اللهَ أن يُنعِمَ عليّ بشيئٍ أكثر إثباتاً لنبوتي - وأكثر هدايةً للناس - من قصة أصحاب الكهف، التي سألتموني عنها اختباراً لنُبُوّتي. الآية 25، والآية 26: ﴿ وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ أي وبَقى الشُّبابُ نائمين في كَهْفهم ثلاثمائة سَنَة (بالحساب الشمسي)، وثلاثمائة سَنَة وتسع سنين (بالحساب القمري)، ﴿ قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا ﴾: يعني وإذا سُئلت أيها الرسول عن مدة بقائهم في الكهف - وليس عندك عِلمٌ مِن اللهِ في ذلك - فلا تجتهد فيه بشيء، بل قل: (اللهُ أعلم بمدة بقائهم)، فإنه سبحانه ﴿ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي يَعلمُ جميع ما خَفِيَ عن حواس الناس في السماوات والأرض، ﴿ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ﴾: أي تعجَّب مِن كمال بصر ربك وسَمْعه وإحاطته بكل شيء (أو بصيغةٍ أخرى: ما أعظم بَصَرَهُ بخَلقه وما أعظم سَمْعه لأقوالهم، حيث لا يَخفى عليه شيءٌ من أحوالهم)، و ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ ﴾: أي ليس للخَلق أحدٌ غيره يَتولى أمورهم، ﴿ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾: أي وليس له شريكٌ في حُكمه وقضائه وتشريعه (لِغِناه سبحانه عَمّا سواه). الآية 27: ﴿ وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ﴾: أي اقرأ أيها الرسول ما أوحاه اللهُ إليك من القرآن (تَعَبُّداً به، وتعليماً للمؤمنين بما جاءَ فيه من الهدى، ودعوةً للناس إلى ربهم)، فإنه سبحانه ﴿ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ﴾ أي لا مُغيّر لكلماته، لا في ألفاظها ولا في معانيها ولا في أحكامها (ومِن ذلك ما وَعَدَكَ به من النصر على أعدائك)، ﴿ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾ أي لن تجد مَلجأً تَميل إليه ليُنجيك من عقاب ربك (إن وافقتهم على شيئٍ من اقتراحاتهم). الآية 28: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ ﴾ أي صَبِّر نفسك أيها النبي، واحبسها - حَبْسَ مُلازَمة - ﴿ مَعَ ﴾ أصحابك مِن فقراء المؤمنين ﴿ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾: أي الذين يَعبدونَ ربهم وحده، ويدعونه في الصباح والمساء، ﴿ يُرِيدُونَ ﴾ بذلك ﴿ وَجْهَهُ ﴾ أي يريدون بأعمالهم الصالحة رضا اللهِ تعالى وَجَنَّتِه، والنظر إلى وجهه الكريم، ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾: أي ولا تصرف نظرك عنهم إلى غيرهم من الكفار الأغنياء، ﴿ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾؟ يعني: هل تريد مُجالستهم للشرف والفخر لأنهم أصحاب هيئة وزينة، وأصحابك ليس لهم ذلك؟ (وهذا استفهام غرضه النفي والإنكار) أي: لا تفعل هذا، ﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا ﴾ أي: ولا تُطِعْ مَن جعلنا قلبه غافلاً عَمّا يَجب عليه مِن ذِكرنا وعبادتنا (عقوبةً له)، لأنه عانَدَ وتكَبَّر ﴿ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾ ففضَّله على طاعة مَولاه ﴿ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾: أي وصارَ أمْرُهُ في جميع أعماله ضَياعاً وهَلاكًا. ♦ واعلم أنّ هذا التوجيه قد نَزَلَ للرسول صلى الله عليه وسلم عندما عَرَضَ عليه المشركون إبعاد أصحابه الفقراء عنه (كَبِلال وصُهَيْب وغيرهما) ليَجلسوا إليه ويسمعوا منه، فنَهاه ربه عن ذلك، وأمَرَه بملازمة المؤمنين الفقراء الذين لا يريدون بصلاتهم وتسبيحهم ودعائهم عَرَضاً من الدنيا، وإنما يريدون رضا اللهِ عنهم، ومَحبته لهم. ♦ واعلم أنّ الفعل (كان) إذا جاء مع صفة معينة، فإنه يدل على أنّ هذه الصفة مُلازِمة لصاحبها، كقوله تعالى - واصفاً نفسه بالرحمة والمغفرة -: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ أي كانَ سبحانه - أزَلاً وأبداً - غفوراً رحيماً. الآية 29: ﴿ وَقُلِ ﴾ لهؤلاء الغافلين: ﴿ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يعني: ما جئتكم به - من التوحيد والعمل الصالح - هو الحق من ربكم، ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ﴾: أي فمن أراد منكم أن يُصَدِّق بهذا الحق ويَعمل به، فليَفعل فهو خيرٌ له، ﴿ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾: أي ومَن أراد أن يَجحد فليَفعل، فما ظَلَمَ إلا نفسه، فـ ﴿ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ أي للمُشركين، لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾، فأولئك قد أعَدَّ اللهُ لهم ﴿ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ أي أحاطت بهم جُدرانها المُحرِقة، ﴿ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا ﴾ - بطَلَب الماء مِن شدة العطش - فإنهم ﴿ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ ﴾: أي يُؤتَ لهم بماءٍ يُشبه الزيت العَكِر - شديد الحرارة - ﴿ يَشْوِي الْوُجُوهَ ﴾: يعني إذا قرّبوه مِن وجوههم ليَشربوا: شَوَى جلودهم ووجوههم، فإذا شربوه: قطَّعَ أمعاءهم، ﴿ بِئْسَ الشَّرَابُ ﴾: أي قَبُح هذا الشراب الذي لا يَروي ظمأهم بل يَزيده، ﴿ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا ﴾: أي وقَبُحَتْ النار مَنزلاً لهم ومُستقَرَّاً، (وفي هذا وعيدٌ شديد لمن أعرض عن الحق، فلم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، إذ الأمر في قوله تعالى: (فليَكفر) هو للتهديد والوعيد، بدليل ذِكر العذاب الذي سيُصيبه إنْ كَفَر). الآية 30، والآية 31: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ لهم أعظم الثواب، فـ ﴿ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ﴾ أي لا نُضيع أجورهم على إيمانهم وإحسان أعمالهم، ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ ﴾ أي لهم جنات الخلود التي يُقيمون فيها ﴿ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ﴾ أي تجري الأنهار مِن تحت قصورهم، ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ ﴾: أي يَلبسونَ فيها أساور من ذهب ﴿ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا ﴾ أي ثياباً ذات لون أخضر، قد نُسِجَت ﴿ مِنْ سُنْدُسٍ ﴾ وهو الحرير الرقيق ﴿ وَإِسْتَبْرَقٍ ﴾ وهو الحرير الغليظ، ﴿ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ ﴾ (والأرائك جمع أرِيكة، وهي السرير المُزَيّن بالستائر الجميلة)، ﴿ نِعْمَ الثَّوَابُ ﴾ ثوابهم، ﴿ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا ﴾: أي وحَسُنتِ الجنة مَنزلا ومكانًا لهم. * وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
|
رد: سلسلة كيف نفهم القرآن؟ ____ متجدد إن شاء الله
سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [*] رامي حنفي محمود الربع الثالث من سورة الكهف الآية 60، والآية 61، والآية 62: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ﴾ أي اذكر أيها الرسول حينَ قال موسى لخادمه "يُوشَع بن نون": ﴿ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ ﴾: أي لا أزال أتابع السير حتى أصل إلى مكان التقاء البحرين ﴿ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ﴾: يعني أو أسير زمنًا طويلاً حتى أصل إلى العبد الصالح - الذي أخبرني اللهُ تعالى به - لأتعلم منه ما ليس عندي من العلم. ♦ واعلم أنَّ سبب هذه القصة - كما ثَبَتَ في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم - أنَّ موسى عليه السلام قام خطيباً في بني إسرائيل، فسُئِلَ: (أيّ الناس أعلم؟)، فقال: (أنا)، فعاتبه اللهُ على ذلك (لأنه أجابهم دونَ وَحْيٍ منه سبحانه)، فأوحى اللهُ إليه: (إنّ لي عبداً بمَجمع البحرين هو أعلم منك)، فقال موسى: (يا رب وكيف لي به)؟ - يعني كيف أصل إليه؟ - فقيل له: (احمل حوتا في مكتل - يعني احمل سمكة كبيرة في وعاء، (وفي رواية: أنه يُمَلِّحها، لتكون غذاءً له) - فإذا فَقَدته - (يعني في المكان الذي ستفقد فيه هذا الحوت) - فستجد هذا العبد هناك)، فانطلَقَ هو وفتاه "يُوشَع بن نون" حتى وجدا هذا العبد الصالح واسمه "الخَضِر"، (وسوف يَتِمّ شرح باقي الحديث في مَوْضعه مع التفسير). ♦ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا ﴾: أي فلما اجتهدا في السَّيْر، ووصلا إلى مُلتَقى البحرين، جلسا عند صخرةٍ وناما عندها، و ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ عند هذه الصخرة ﴿ فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ﴾: يعني فإذا بالحوت يُصبِحُ حيًّا - بعد أن كانَ مَيّتاً - ويَنزل في البحر، ويَتخذ له فيه طريقًا (كالنفق في الجبل). ♦ واعلم أنّ موسى عليه السلام عندما نام، كانَ يُوشَع (شِبه نائم)، فرأى الحوت وهو يَخرج مِن وعاءه ويَشُق طريقه إلى البحر، ولكنّ يوشع غلبه النوم، فنام ونسي خروج الحوت من المِكتل ودخوله في البحر. ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا ﴾: يعني فلمّا تَجاوزا المكان الذي نسيا فيه الحوت، وشعر موسى بالجوع: ﴿ قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا ﴾ يعني أحضِر إلينا غداءنا، فـ ﴿ لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا ﴾ أي تعبًا وإرهاقاً. الآية 63: ﴿ قَالَ ﴾ له خادمه: ﴿ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ ﴾: يعني أتذكر حين لجأنا إلى الصخرة التي استرحنا عندها؟ ﴿ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ﴾: يعني فإني نسيت أن أخبرك ما كانَ مِن أمْر الحوت، ﴿ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ﴾: يعني وما أنساني أن أذكُر لك ذلك إلا الشيطان، فإنّ الحوت الميت قد دَبَّتْ فيه الحياة ﴿ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ﴾: أي وقفز في البحر، واتخذ له فيه طريقًا، وكان أمْرُه عجيباً. من الآية 64 إلى الآية 70: ﴿ قَالَ ﴾ موسى: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ ﴾ يعني: ما حصل هو ما كنا نطلبه، فإنه علامة لي على مكان العبد الصالح، ﴿ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا ﴾: أي فرجعا يَتتبعان آثار مَشْيهما حتى انتهيا إلى الصخرة، ﴿ فَوَجَدَا ﴾ هناك ﴿ عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا ﴾ وهو "الخَضِر" عليه السلام (وهو نبي من أنبياء الله تعالى، وذلك على الراجح من أقوال العلماء)، والدليل على ذلك أنّ اللهَ علَّمه أشياءً مِن عِلم الغيب - كما سيأتي في القصة - وقد قال تعالى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ﴾، والدليل على أنه ليس مَلَكاً أنه - كما سيأتي أيضاً في القصة - أراد أن يُضِّيفه أهل القرية بالطعام، ومعلومٌ أن الملائكة لا تأكل. ♦ وقد ﴿ آَتَيْنَاهُ ﴾ يعني أعطينا الخَضِر ﴿ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا ﴾ - وهي النُبُوَّة -﴿ وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا ﴾ أي مِن عندنا ﴿ عِلْمًا ﴾ عظيمًا (وهو بعض الأشياء مِن علم الغيب عن طريق الوحي)، فـ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى ﴾: ﴿ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا ﴾: يعني هل تأذن لي أن أتَّبعك لتُعَلِّمني شيئاً - أسترشد به وأنتفع - من العلم الذي علَّمك اللهُ إياه؟، فـ﴿ قَالَ ﴾ له الخَضِر: ﴿ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ أي لن تطيق أن تصبر على اتِّباعي ومُلازمتي، (وقد أراد بذلك أنه سيَرى منه أموراً لا يُقِرّها موسى في شَريعته، والخَضِر لابد أن يَفعلها، فيَتضايق موسى بسببها ولا يطيق الصبر). ♦ وقال الخَضِر لموسى: ﴿ وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا ﴾: يعني وكيف لك الصبر على ما سأفعله من أمورٍ يَخفى عليك عِلمها والحِكمة منها؟، فـ﴿ قَالَ ﴾ له موسى - وقد أصَرَّ على طلب العلم -: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا ﴾ على ما أراه منك ﴿ وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا ﴾، فوافق الخَضِر، و ﴿ قَالَ ﴾ له: ﴿ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي ﴾: يعني فإنْ صاحَبْتَني ﴿ فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ﴾ تُنكِرُه مِنِّي ﴿ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾ أي حتى أكون أنا الذي يُبَيِّن لك حقيقته، دونَ سؤالٍ منك. الآية 71: ﴿ فَانْطَلَقَا ﴾ يَمشيان على الساحل، فمَرَّتْ بهما سفينة، فطلبا من أهلها أن يَركبا معهم، فعرفوا الخَضِر، فحملوهما بغير أجر ﴿ حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ﴾: يعني فلمّا ركبا: قَلَعَ الخَضِر لوحًا من السفينة فخرقها، فـ ﴿ قَالَ ﴾ له موسى: ﴿ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ﴾ وقد حملونا بغير أجر؟! ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا ﴾: يعني لقد فعلتَ أمرًا مُنكَرًا. الآية 72:﴿ قَالَ ﴾ له الخَضِر: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ على صُحبتي. الآية 73: ﴿ قَالَ ﴾ موسى مُعتذِرًا: ﴿ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ﴾: أي لا تؤاخذني بنسياني لشرطك عليَّ (فإنّ الناسي لا حرج عليه)، ﴿ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا ﴾: أي ولا تشُقّ عليّ في تعلُّمي منك، وعامِلني برفقٍ ويُسر (فقبل الخَضِر عُذره). الآية 74: ﴿ فَانْطَلَقَا ﴾ يمشيان بعد أن نزلا من السفينة ﴿ حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ ﴾: يعني فبينما هما يمشيان على الساحل: لقيا غلامًا يلعب مع الغلمان، فقتله الخَضِر، فأنكر موسى ذلك عليه، و ﴿ قَالَ ﴾ له: ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً ﴾: يعني كيف قتلتَ نفسًا طاهرة لم تبلغ حدَّ التكليف ولم تتلوث بالذنوب، ﴿ بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾: يعني وكيف قتلته وهو لم يَقتل نفسًا يَستحق بسببها هذا القتل (قِصاصاً)؟ ﴿ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا ﴾: أي لقد فَعَلْتَ أمرًا تُنكِره الشرائع والعقول، (ولم تكن هذه نِسياناً من موسى كالتي قبلها، بل كان هذه المرة متعمداً، لأنه لم يُطِق فِعلاً مُنكَراً كهذا). الآية 75: ﴿ قَالَ ﴾ الخَضِر لموسى مُعاتِبًا ومُذكِّرًا: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ﴾ على ما ترى من أفعالي؟ الآية 76: ﴿ قَالَ ﴾ له موسى: ﴿ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا ﴾ أي بعد هذه المرة ﴿ فَلَا تُصَاحِبْنِي ﴾ فـ ﴿ قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا ﴾: أي قد بلغتَ العُذر في شأني ولم تقصِّر؛ حيثُ أخبرتَني أنني لن أستطيع معك صبرًا. ♦ واعلم أنّ العلماء قد اختلفوا في الفرق بين (شيئاً إمراً و شيئاً نُكراً)، ورجّح بعضهم أنّ الاثنان بمعنى واحد، وهو: (الأمر الفظيع المُنكَر)، ولكنّ النُكر أعظم من الإمر، لأنّ قتل النفس البريئة بغير ذنب هو أكبر مِن خَلْع لوح من السفينة (فاللوح يُمكِن أن يَتِمّ إصلاحه أو يُؤتَى بغيره، لكنّ المقتول لا يُمكِن إعادته). الآية 77: ﴿ فَانْطَلَقَا ﴾ يَمشيان ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ﴾ أي طلبا من بعض أهلها طعامًا على سبيل الضيافة، ﴿ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ﴾: أي فامتنع أهل القرية عن ضيافتهما، ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا ﴾ مائلاً ﴿ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ أي يُوشِك أن يَسقط ﴿ فَأَقَامَهُ ﴾: أي فعدَّله الخَضِر وأصلحه حتى لا يَسقط، فـ ﴿ قَالَ ﴾ له موسى: ﴿ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا ﴾: يعني لو شئتَ لأخذتَ أجرًا على هذا العمل - مِن صاحب الجدار - لتُحضِر لنا به طعامنا (إذ كيف تَبنيه لهم (مجاناً)، وقد كانوا بخلاء معنا ولم يُضيِّفونا؟). الآية 78، والآية 79: ﴿ قَالَ ﴾ الخَضِر لموسى: ﴿ هَذَا فِرَاقُ ﴾: أي هذا هو وقت الفراق ﴿ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ﴾، و﴿ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾: أي سأخبرك الآن بتفسير الأفعال التي أنكرتَها عليَّ ولم تستطع صبرًا على ترْك السؤال عنها، فـ ﴿ أَمَّا السَّفِينَةُ ﴾ التي خرقتُها ﴿ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ ﴾ عليها ﴿ فِي الْبَحْرِ ﴾ أي يؤجِّرونها للركاب طلباً للرزق، ﴿ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا ﴾ بذلك الخرق، والسبب في ذلك: ﴿ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ﴾: يعني لأنه كان أمامهم مَلِكٌ يأخذ كل سفينة من أصحابها قهراً (فأردتُ أن أجعل بها عيباً حتى لا يَرغب فيها). ♦ واعلم أنّ لفظ "وراء" يُطلق على ما كان خلفاً وما كان أماماً، لأنّ كل ما وُورِيَ - أي: استُتِر - فهو وراء، كما قال تعالى: ﴿ مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ ﴾ أي مِن بعد موته. الآية 80، والآية 81: ﴿ وَأَمَّا الْغُلَامُ ﴾ الذي قتلتُه ﴿ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ ﴾: يعني كان أبوه وأمه مؤمِنَيْن، وقد عَلِمَ اللهُ تعالى أنّ ذلك الولد إذا بَلَغَ وكَبَر سوف يَعُقُّهما ﴿ فَخَشِينَا ﴾ أي فخِفتُ إن بَقِيَ حَيّاً وكَبُرَ ﴿ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴾ يعني أن يُوصل والديه إلى الكفر والطغيان؛ وذلك بسبب مَحبتهما له أو شدة حاجتهما إليه، فيُطيعا أمره، ويَميلا إلى ما هو عليه، ويُقِرَّاه على ما يَفعله (حتى ولو كان طغياناً وكفراً)، فيكونا بذلك مِثله، ﴿ فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا ﴾: أي فأردتُ أن يكون قتلي له سبباً أرجو به من اللهِ تعالى أن يُبْدِلَ أبويه غلاماً خيراً منه صلاحًا وبِرًا بهما. ♦ واعلم أنّ الخضر عليه السلام قد قال اللفظين: ﴿فَخَشِينَا﴾، و ﴿ فَأَرَدْنَا﴾ بضمير الْمُتكَلِّم الْجَمْعِي (تواضعاً لا تعاظماً)، لأنه هنا قد أخبر أنّ اللهَ تعالى هو الذي علَّمه ذلك، فناسَبَ ذلك التواضع، فقال اللفظين: ﴿ فَخَشِينَا ﴾، و ﴿ فَأَرَدْنَا ﴾ بإظهار أنه قد عاوَنَهُ أحد في هذا الفعل، وذلك مِثل قوله تعالى - حكايةً عن يوسف عليه السلام -: ﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ ﴾، وهذا أيضاً مِثل قول القائل: (لقد وفقنا اللهُ تعالى إلى فِعل كذا). الآية 82: ﴿ وَأَمَّا الْجِدَارُ ﴾ الذي عدَّلتُ مَيْلَه حتى اعتدل: ﴿ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ ﴾ (أي في القرية التي فيها الجدار) ﴿ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا ﴾ ﴿ وَكَانَ أَبُوهُمَا ﴾ رجلاً ﴿ صَالِحًا ﴾ ﴿ فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا ﴾ أي يَكبَرا ويَبلغا قوتهما، ﴿ وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا ﴾ بأيديهما، وقد كانَ ذلك ﴿ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ﴾ بهما، ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾: يعني وما كانت أفعالي هذه ناتجة عن إرادتي واختياري، وإنما فعلتها بأمْر اللهِ تعالى وتعليمه، ﴿ ذَلِكَ ﴾ الذي وَضَّحتُهُ لك هو ﴿ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾: أي هو تفسير الأمور التي لم تستطع صبرًا على ترك السؤال عنها والإنكار عليَّ فيها. ♦ واعلم أنّ الفعل (تَسْطِعْ) هو بمعنى (تَسْتَطِعْ)، ولكنْ حُذِفَتْ التاء هنا تخفيفاً لقربها مِن مَخرج الطاء، وذلك تجنُّباً لإعادة نفس اللفظ المذكور في قوله: ﴿ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا ﴾ حتى لا يَحدث ثِقَلٌ للسامع مِن تكراره، وهو ما يسمى في اللغة بـ (أسلوب التفنُّن)، كما سيأتي في قوله تعالى - حكايةً عن ذي القرنين -: ﴿ فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ﴾. ♦ واعلم أيضاً أنه يُستفاد من هذه القصة أنّ الإنسان ينبغي ألاَّ يَحكم على الأمور بالظاهر، لأنّ هناك أشياء لا يَعلمها ولا يَعلم الحكمة منها، ولذلك ينبغي أن يقول دائماً: (قدَّرَ اللهُ وما شاءَ فعل)، ويُفَوِّض الأمر لربه العليم الحكيم، ويَتذكر هذه القصة. * وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب: "التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي" ، وكذلك من كتاب: " أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير. - واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن. |
| الساعة الآن : 05:04 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour