ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي (http://forum.ashefaa.com/index.php)
-   ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث (http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=91)
-   -   أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة (http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=225072)

ابوالوليد المسلم 19-02-2020 03:24 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك



الحديث السادس

132- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "من اغتسل يوم الجمعة، ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما فرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر".

قال البخاري: باب فضل الجمعة [19] وذكر الحديث.

قال الحافظ: ومناسبته للترجمة من جهة ما اقتضاه الحديث من مساواة المبادر إلي الجمعة للمتقرب بالمال فكأنه جمع بين عبادتين بدنية ومالية، وهذه خصوصية للجمعة لم تثبت لغيرها من الصلوات.

قوله: (من اغتسل يوم الجمعة) وفي رواية من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة وعبد الرزاق "فاغتسل أحدكم كما يغتسل من الجنابة".

قال الحافظ: (وظاهره أن التشبيه للكيفية لا للحكم وهو قول الأكثر، وقيل فيه إشارة إلى الجماع يوم الجمعة ليغتسل فيه من الجنابة، والحكمة فيه أن تسكن نفسه في الرواح إلى الصلاة ولا تمتد عينه إلى شيء يراه، وفيه حمل المرأة أيضا على الاغتسال ذلك اليوم، وعليه حمل قائل ذلك حديث: "من غسل واغتسل" المخرج في السنن على رواية من روى غسل بالتشديد)[20].

قوله: (ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة) أي تصدق بها متقربا إلي الله، وفي رواية "إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد ويكتبون الأول فالأول فمثل المهجر كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة ثم كالذي يهدي كبشا ثم كالذي يهدي دجاجة ثم كالذي يهدي بيضة فإذا خرج الأمام طووا صحفهم ويستمعون الذكر، والمراد بالبدنة البقر ذكرا كان أم أنثى.

وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم، وقال إمام الحرمين: البدنة من الإبل، ثم الشرع قد يقيم مقامها البقرة وسبعا من الغنم.

وقوله: (راح) أي ذهب وسار وفي رواية عند عبد الرزاق غدا، وفي رواية المتعجل إلي الجمعة كالمهدي بدنة ولأبي داود من حديث علي مرفوعًا: "إذا كان يوم الجمعة غدت الشياطين براياتها إلي الأسواق، وتغدو الملائكة فتجلس على باب المسجد فتكتب الرجل من ساعة والرجل من ساعتين" الحديث.

قال الحافظ: فدل مجموع هذه الأحاديث على أن المراد بالرواح الذهاب، وقيل: النكتة في التعبير بالرواح الإشارة إلي أن الفعل المقصود إنما يكون بعد الزوال، فيسمى الذاهب إلي الجمعة رائحا وإن لم يجيء وقت الرواح، كما سمي القاصد إلي مكة حاجا. وقد اشتد إنكار أحمد وابن حبيب من المالكية ما نقل عن مالك من كراهية التبكير إلي الجمعة وقال أحمد: هذا خلاف حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. انتهى.

قوله: (في الساعة الأولي) قيل: إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار وهو أول الضحى وقيل أول التبكير طلوع الشمس.

والمراد بالساعات ما لا يختلف عدده بالطول والقصر فالنهار اثنتا عثرة ساعة لكن يزيد كل منها وينقص والليل كذلك، وهذه تسمى الساعات الآفاقية عند أهل الميقات وهي غير الساعات التعديلية المعروفة الآن.

قال الحافظ: (وقد روى أبو داود والنسائي وصححه الحاكم من حديث جابر مرفوعًا: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة" وهذا وإن لم يرد في حديث التبكير فيستأنس به في المراد بالساعات، وقيل المراد بالساعات بيان مراتب المبكرين من أول النهار إلي الزوال وأنها تنقسم إلي خمس، وقال أيضا ليس في شيء من طرق هذا الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ المجيء من أول الثانية فهي أولى بالنسبة للمجيء ثانية بالنسبة للنهار، وعلى هذا فآخر الخامسة أول الزوال فيرتفع الإشكال) ا هـ.

وقد وقع في رواية ابن عجلان عن سمي عند النسائي من طريق الليث عنه زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة وهي العصفور.

قوله: (إذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) والمراد به ما في الخطبة من المواعظ وغيرها ولمسلم فإذا جلس الإمام طووا الصحف وجاؤا يستمعون الذكر.

قال الحافظ: (ووقع في حديث ابن عمر صفة الصحف المذكورة أخرجه أبو نعيم في الحليلة مرفوعًا بلفظ: "إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور" الحديث، وهو دال على أن الملائكة المذكورين غير الحفظة، والمراد بطي الصحف طي صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة إلي الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك، فإنه يكتبه الحافظان قطعا، ورقع في رواية ابن عيينة عن الزهري في آخر حديثه عند ابن ماجه: "فمن جاء بعد ذلك فإنما يجيء لحق الصلاة" قال وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم الحض على الاغتسال يوم الجمعة وفضله، وفضل التبكير إليه، وأن الفضل المذكور إنما يحصل لمن جمعهما، وفيه أن مراتب الناس في الفضل بحسب أعمالهم، وأن القليل من الصدقة غير محتقر في الشرع، وأن التقرب بالإبل أفضل من التقرب بالبقر وهو بالاتفاق في الهدي، واختلف في الضحايا والجمهور على أنها كذلك)[21]. انتهى.

تتمة:
عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، منها ساعة لا يوجد عبد مسلم يسأل الله شيئا إلا آتاه إياها، والتمسوها آخر ساعة بعد العصر". رواه النسائي وأبو داود.

وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه- أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم- يقول في ساعة الجمعة: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة" رواه مسلم وأبو داود.

فال أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي ترجى لها إجابة الدعوة أنها بعد صلاة العصر ويرجي بعد زوال الشمس.

وعن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره" رواه أحمد والترمذي وصححه.

وعن وهب بن حذيفة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: "الرجل أحق بمجلسه وإن خرج لحاجته ثم عاد فهو أحق بمجلسه" رواه أحمد والترمذي وصححه. وبالله التوفيق.

الحديث السابع

133- عن سلمة بن الأكوع- رضي الله عنه- وكان من أصحاب الشجرة- قال: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به.

وفي لفظ: كنا نجمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتتبع الفيء.

قوله: (عن سلمة بن الأكوع: وكان من أصحاب الشجرة- رضي الله عنه-)، أورده البخاري في باب غزوة الحديبية ولفظه: كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الجمعة، ثم ننصرف. وليس للحيطان ظل نستظل به.

وقال البخاري: باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس[22]، وكذلك يروى عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث - رضي الله عنه- وذكر حديث عائشة- رضي الله عنها- كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا إذا راحوا إلي الجمعة راحوا في هيئتهم فقيل لهم: لو اغتسلتم، وحديث أنس بن مالك - رضي الله عنه- "أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس".

قال الحافظ: (باب وقت الجمعة أي أوله إذا زالت الشمس، جزم بهذه المسألة مع وقوع الخلاف فيها لضعف دليل المخالف عنده، قال واستدل البخاري بقوله: "راحوا" على أن ذلك كان بعد الزوال لأنه حقيقة الرواح ولا يعارض هذا ما تقدم عن الأزهري أن المراد بالرواح في قوله: "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح " الذهاب مطلقا لأنه إما أن يكون مجازا أو مشتركا، وعلى كل من التقديرين فالقرينة مخصصه وهي في قوله: "من راح في الساعة الأولى" قائمة في إرادة مطلق الذهاب، وفي هذا قائمة في الذهاب بعد الزوال لما جاء في حديث عائشة المذكور حيث قالت: "يصيبهم الغبار والعرق" لأن ذلك غالبا إنما يكون بعد ما يشتد الحر، وهذا في حال مجيئهم من العوالي، فالظاهر أنهم لا يصلون إلي المسجد إلا حين الزوال أو قريبا من ذلك، وعرف بهذا توجيه إيراد حديث عائشة في هذا الباب- إلى أن قال- قوله: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس" فيه إشعار بمواظبته - صلى الله عليه وسلم- على صلاة الجمعة إذا زالت الشص. أما رواية حميد التي بعد هذا عن أنس "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة" فظاهره أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار، لكن طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرر فيما تقدم أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أول وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا، والمعنى أنهم كانوا يبدؤون بالصلاة قبل القيلولة بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحر فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإيراد [23] انتهى.

وقال البخاري أيضاً: باب قول الله تعالى: ï´؟ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ï´¾ [الجمعة: 10] وذكر حديث سهل بن سعد قال كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقا فكانت إذا كان يوم جمعة تنزع أصول السلق فتجعله في قدر ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها فتكون أصول السلق عرقه وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها فتقرب ذلك الطعام إلينا فنلعقه وكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك " وفي رواية" ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة[24].

قال الحافظ: (واستدل بهذا الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال وترجم عليه ابن أبي شيبة: "باب من كان يقول الجمعة أول النهار" وأورد فيه حديث سهل هذا وحديث أنس وعن ابن عمر مثله وعن عمر وعثمان وسعد وابن مسعود مثله من قولهم.

قال الحافظ: وتعقب بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال، بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة، ثم ينصرفون فيتداركون ذلك. بل ادعى الزين بن المنير أنه يؤخذ منه أن الجمعة تكون بعد الزوال لأن العادة في القائلة أن تكون قبل الزوال فأخبر الصحابي أنهم كانوا يشتغلون بالتهيؤ للجمعة عن القائلة ويؤخرون القائلة حتى تكون بعد صلاة الجمعة)[25].

قال النووي: (قوله في حديث جابر: (كنا نصلي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ثم نرجع فنريح نواضحنا) وفسر الوقت بزوال الشمس. وفي الرواية الأخرى: (حين تزول الشمس)، وفي حديث سهل: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) وفي حديث سلمة: (كنا نجمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء) وفي رواية: (ما نجد للحيطان فيئا نستظل به). هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، وقد قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: لا تجوز الجمعة إلا بعد زوال الشمس، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق، فجوزاها قبل الزوال، قال القاضي: وروي في هذا أشياء عن الصحابة لا يصح منها شيء إلا ما عليه الجمهور، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلي ما بعد صلاة الجمعة، لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها. فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها.

وقوله: (نتبع الفيء)، إنما كان ذلك لشدة التبكير وقصر حيطانه، وفيه تصريح بأنه كان قد صار فيء يسير، وقوله: وما نجد فيئا نستظل به، موافق لهذا فإنه لم ينف الفيء من أصله وإنما نفى ما يستظل به وهذا مع قصر الحيطان ظاهر في أن الصلاة كانت بعد الزوال متصلة به [26] انتهى.

قال الموفق: (مسالة: وإذا زالت الشمس يوم الجمعة صعد الإمام المنبر.
مسألة: قال: وإذا زالت الشمس يوم الجمعة صعد الإمام المنبر.

المستحب إقامة الجمعة بعد الزوال لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك قال سلمة بن الأكوع: "كنا نجمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم- إذا زالت الشمس ثم نرجع نتبع الفيء" متفق عليه وعن أنس "أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس" أخرجه البخاري.

ولأن في ذلك خروجا عن الخلاف فإن علماء الأمة اتفقوا على أن ما بعد الزوال وقت للجمعة وإنما الخلاف فيما قبله ولا فرق في استحباب إقامتها نقيب الزوال بين شدة الحر وبين غيره فإن الجمعة يجتمع لها الناس فلو انتظروا الإيراد شق عليهم، وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يفعلها إذا زالت الشمس في الشتاء والصيف على ميقات واحد)[27].

قال في الاختيارات: (وتجب الجمعة على من أقام في غير بناء كالخيام وبيوت الشعر ونحوها وهو أحد قولي الشافعي وحكاه الأزجي رواية عن أحمد ونقل ابن النظر العجلي عن أحمد ليس على أهل البادية جمعة لأنهم ينتقلون فأسقطها عنهم وعلل بأنهم غير مستوطنين.

وقال أبو العباس في موضع آخر: يشترط مع إقامتهم في الخيام ونحوها أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية ويحتمل أن تلزم الجمعة مسافرا له القصر تبعا للمقيمين، وتنعقد الجمعة بثلاثة: واحد يخطب واثنان يستمعان وهو إحدى الروايات عن أحمد وقول طائفة من العلماء وقد يقال بوجوبها على الأربعين لأنه لم يثبت وجوبها على من دونهم، وتصح ممن دونهم لأنه انتقال إلي أعلى الفرضين: كالمريض بخلاف المسافر فإن فرضه ركعتان، ولا يكفي في الخطبة ذم الدنيا وذكر الموت بل لا بد من مسمى الخطبة عرفا، ولا تحصل باختصار يفوت به المقصود ويجب في الخطبة أن يشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأوجب أبو العباس في موضع آخر الشهادتين وتردد في وجوب الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- في الخطبة.

وقال في موضع آخر: ويحتمل وهو الأشبه أن تجب الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم- فيها ولا تجب مفردة لقول عمر وعلي: الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك - صلى الله عليه وسلم- وتقدم الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم- على الدعاء لوجوب تقديمه على النفس، وأما الأمر بتقوى الله فواجب، أما معنى ذلك وهو الأشبه من أن يقال الواجب لفظ التقوى، ومن أوجب لفظ التقوى فقد يحتج بأنها جاءت بهذا اللفظ في قوله تعالى: ï´؟ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ï´¾ [النساء: 131] وليست كلمة أجمع لما أمر الله من كلمة التقوى، قال الإمام أحمد في قوله تعالى: ï´؟ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ï´¾ [الأعراف: 204] أجمع الناس أنها نزلت في الصلاة.

وقد قيل في الخطبة: والصحيح أنها نزلت في ذلك كله، وظاهر كلام أبي العباس أنها تدل على وجوب الاستماع، وصرح بأنها تدل على وجوب القراءة في الخطبة لأن كلمة إذا إنما تقولها العرب فيما لا بد من وقوعه لا فيما يحتمل الوقوع وعدمه لأن إذا ظرف لما يستقبل من الزمان يتضمن معنى الشرط غالبا والظرف للفعل لابد أن يشتمل على الفعل وإلا لم يكن ظرفا.

وقال: رفع الصوت بالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم- قدام بعض الخطباء مكروه أو محرم اتفاقا لكن منهم من يقول: يصلي عليه سرا، ومنهم من يقول: يسكت، ودعاء الإمام بعد صعوده لا أصل له، ويكره للإمام رفع يديه حال الدعاء في الخطبة وهو أصح الوجهين لأصحابنا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- إنما كان يشير بأصبعه إذا ودعا وأما في الاستسقاء فرفع يديه لما استشفى على المنبر.

ويقرأ في أولى فجر الجمعة آلم السجدة وفي الثانية ï´؟ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ ï´¾ [الإنسان: 1] ويكره مداومته عليهما وهو منصوص أحمد وغيره، ويكره تحري سجدة غيرها والسنة إكمال السجدة وï´؟ هَلْ أَتَى ï´¾ وصلاة الركعتين قبل الجمعة حسنة مشروعة ولا يداوم عليها إلا لمصلحة ويحرم تخطي رقاب الناس.

وقال أبو العباس في موضع آخر: ليس لأحد أن يتخطى الناس ليدخل في الصف إذا لم يكن بين يديه فرجة لا يوم الجمعة ولا غيره لأن هذا من الظلم والتعدي لحدود الله تعالى، وإذا فرش مصلى ولم يجلس عليه ليس له ذلك ولغيره رفعه في أظهر قولي العلماء وإذا وقع العيد يوم الجمعة فاجتزى بالعيد وصلى ظهرا جاز إلا للإمام، وهو مذهب أحمد.

وأما القصاص الذين يقومون على رؤوس الناس ثم يسألون فهؤلاء منعهم من أهم الأمور فإنهم يكذبون ويتخطون الناس ويشغلون الناس يشغلون عما يشرع في الصلاة والقراءة والدعاء لاسيما إن قصوا أو سألوا والإمام يخطب فإن هذا من المنكرات الشنيعة التي ينبغي إزالتها باتفاق الأئمة، ينبغي لولاة الأمور أن يمنعوا من هذه المنكرات كلها فإنهم متصدون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)[28].

تكملة:
وروي البيهقي من طريق الوليد بن مسلم سألت الليث بن سعد فقال: كل مدينة أو قرية فيها جماعة أمروا بالجمعة، فإن أهل مصر وسواحلها كانوا يجمعون الجمعة على عهد عمر وعثمان بأمرهما وفيهما رجال من الصحابة. وعند عبد الرزاق بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يرى أهل المياه بين مكة والمدينة يجمعون فلا يعيب عليهم.

وعن طارق بن شهاب عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: "الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض". رواه أبو داود وقال طارق بن شهاب قد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم- ولم يسمع منه شيئا[29].

قال الموفق في "المقنع": ولا تجب على مسافر ولا عبد ولا امرأة ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به ولم يجز له أن يؤم فيها.

وقال: (وقال أبو حنيفة والشافعي يجوز أن يكون العبد والمسافر إماما فيها ووافقهم مالك في المسافر، وحكي عن أبي حنيفة أن الجمعة تصح بالعبيد والمسافرين لأنهم رجال تصح منهم الجمعة)[30].

وقال ابن مفلح: (وتجوز في أكثر من موضع لحاجة كخوف فتنة أو بعد أو ضيق لئلا تفوت حكمة تجميع الخلق الكثير دائما.

وقال أيضاً: وأن غلب الخوارج على بلد فأقاموا فيه الجمعة فنص أحمد يجوز اتباعهم قاله ابن عقيل)[31] انتهى.

تنبيه:
محل ذلك إذا أمن وقوع المفسدة من تشاحن وتباغض، وغير ذلك.

الحديث الثامن

134- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم- يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: ï´؟ آلم * تنزيل ï´¾ والسجدة، وï´؟ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ï´¾.

قال البخاري: باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة وذكر الحديث وفي رواية عند مسلم لم تنزيل في الركعة الأولى وفي الركعة الثانية هل أتى على الإنسان[32].

قال الحافظ: (وفيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم لما تشعر الصيغة به من مواظبته - صلى الله عليه وسلم- على ذلك أو إكثاره منه، بل ورد من حديث ابن مسعود التصريح بمداومته - صلى الله عليه وسلم- على ذلك، يديم ذلك، وكأن ابن دقيق العيد لم يقف عليه فقال في الكلام على حديث الباب: ليس في الحديث ما يقتضي فعل ذلك دائما اقتضاء قويا، وهو كما قال بالنسبة لحديث الباب، فإن الصيغة ليست نصا في المداومة لكن الزيادة التي ذكرناها نص في ذلك إلى أن قال وقد اختلف تعليل المالكية بكراهة قراءة السجدة في الصلاة، فقيل لكونها تشتمل على زيادة سجود في الفرض، قال القرطبي: وهو تعليل فاسد بشهادة هذا الحديث. وقيل لخشية التخليط على المصلين، ومن ثم فرق بعضهم بين الجهرية والسرية لأن الجهرية يؤمن معها التخليط، لكن صح من حديث ابن عمر أنه - صلى الله عليه وسلم- قرأ سورة فيها سجدة في صلاة الظهر فسجد بهم فيها، أخرجه أبو داود والحاكم، فبطلت التفرقة. ومنهم من علل الكراهة بخشية اعتقاد العوام أنها فرض، قال ابن دقيق العيد: أما القول بالكراهة مطلقا فيأباه الحديث، لكن إذا انتهى الحال إلي وقوع هذه المفسدة فينبغي أن تترك أحيانا لتندفع، فإن المستحب قد يترك لدفع المفسدة المتوقعة، وهو يحصل بالترك في بعض الأوقات، وقيل: إن الحكمة في هاتين السورتين الإشارة إلي ما فيهما من ذكر خلق آدم وأحوال يوم القيامة، لأن ذلك كان وسيقع يوم الجمعة)[33].

كما في حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم عليه السلام وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها رواه مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه.

وعن أوس بن أوس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت؟ يقولون قد بليت، قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء. رواه الخمسة إلا الترمذي.

وعن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ألم تنزيل وهل أتى على الإنسان وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين. رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.

عن النعمان بن بشير قال كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقرأ في العيدين وفي الجمعة ï´؟ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ï´¾ [الأعلى: 1] ï´؟ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ï´¾ [الغاشية: 1] قال: وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما أيضاً في الصلاتين. رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

تتمة:
قال في الاختيارات: (قال أبو العباس: والذي تبين لي أن سجود التلاوة واجب مطلقا في الصلاة وغيرها وهو رواية عن أحمد ومذهب طائفة من العلماء ولا يشرع فيه تحريم ولا تحليل هذا هو السنة المعروفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وعليها عامة السلف. وعلى هذا فليس هو صلاة فلا يشترط له شروط الصلاة بل يجوز على غير طهارة كما كان ابن عمر يسجد على غير طهارة واختاره البخاري لكن السجود بشروط الصلاة أفضل ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر فالسجود بلا طهارة خير من الإخلال به لكن قد يقال أنه لا يجب في هذه الحال.

كما لا يجب على السامع ولا على من لم يسجد قارئة، وإن كان ذلك السجود جائزا عند جمهور العلماء، والأفضل أن يسجد عن قيام وقاله طائفة من أصحاب أحمد والشافعي.

وسجود الشكر لا يفتقر إلي طهارة: كسجود التلاوة ووافق أبو العباس على سجود السهو في اشتراط الطهارة.

ولو أراد الإنسان الدعاء فعفر وجهه لله في التراب وسجد له ليدعوه فهذا سجود لأجل الدعاء ولا شيء يمنعه وابن عباس سجد سجودا مجردا لما جاء نعي بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال - صلى الله عليه وسلم-: "إذا رأيتم آية فاسجدوا" وهذا يدل على أن السجود يشرع عند الآيات فالمكروه هو السجود بلا سبب ومن البدع أن من صلى الصبح أو غيرها من الصلوات سجد بعد فراغه منها وقبل الأرض وذكر غير واحد من العلماء أن هذا السجود من المنكرات، وأما تقبيل الأرض ونحو ذلك مما فيه السجود مما يفعل قدام بعض الشيوخ وبعض الملوك فلا يجوز بل لا يجوز الانحناء كالركوع أما إذا أكره على ذلك بحيث أنه لو لم يفعله يحصل له ضرر فلا بأس وأما إن فعله لنيل الرياسة والمال فحرام)[34] انتهى والله الموفق.


[1] فتح الباري: (2/ 399).

[2] فتح الباري: (2/ 486).

[3] فتح الباري: (1/ 487).

[4] فتح الباري: (2/ 399).

[5] المغني: (3/ 453).

[6] فتح الباري: (2/ 356).

[7] فتح الباري: (2/ 357).

[8] فتح الباري: (2/ 358، 361).

[9] فتح الباري: (2/ 407، 408).

[10] فتح الباري: (2/ 411، 412).

[11] فتح الباري: (2/ 401).

[12] إحكام الأحكام: (1/ 334).

[13] فتح الباري: (2/401).

[14] شرح النووي على مسلم: (6/149).

[15] إحكام الأحكام: (1/ 334).

[16] فتح الباري: (2/ 406).

[17] فتح الباري: (2/ 413).

[18] فتح الباري: (3/ 346).

[19] فتح الباري: (2/ 366).

[20] فتح الباري: (2/ 366).

[21] فتح الباري: (2/368).

[22] فتح الباري: (2/ 386).

[23] فتح الباري: (2/ 387).

[24] فتح الباري: (2/ 327).

[25] فتح الباري: (2/ 428).

[26] شرح النووي على مسلم: (3/230).

[27] المغني: (2/144).

[28] الفتاوى الكبرى: (5/ 354).

[29] سنن أبى داود: (1/ 412).

[30] المغني: (2/195).

[31] الفروع: (2/82).


[32] فتح الباري: (2/ 377).

[33] فتح الباري: (3/ 295).

[34] الفتاوى الكبرى: (5/ 340).




ابوالوليد المسلم 19-02-2020 03:28 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





صلاة العيدين

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث الأول
135- عن عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما - قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة.

والأصل في صلاة العيد الكتاب والسنة والإجماع قال تعالى: ï´؟ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ï´¾ [الكوثر: 2] وقال: ï´؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ï´¾ [الأعلى: 14، 15].

قال البخاري: باب الخطبة بعد العيد[1].

وذكر حديث ابن عباس قال: شهدت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة"، ثم ذكر حديث ابن عمر قال ثم كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر- رضي الله عنهما - يصلون العيدين قبل الخطبة، وذكر حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم الفطر ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها ثم أتى النساء ومعه بلال فأمرهن بالصدقة الحديث"، وذكر حديث البراء بن عازب قال قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن أول ما نبدأ في يومنا هذا أن نصلي ثم نرجع فننحر" الحديث.

قوله: (يصلون العيدين قبل الخطبة) فيه دليل على مشروعية تقديم صلاة العيد قبل الخطبة.

قال البخاري: باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين[2].

وكذلك النساء ومن كان في البيوت والقرى لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: هذا عيدنا أهل الإسلام.

وأمر أنس بن مالك مولاهم ابن أبي عتبة بالزاوية فجمع أهله وبنيه وصلى كصلاة أهل المصر وتكبيرهم، وقال عكرمة يجتمعون في العيد يصلون ركعتين كما يصنع الإمام، وقال عطاء إذا فاته العيد صلى ركعتين.

الحديث الثاني
136- عن البراء بن عازب - رضي الله عنه- قال: خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك فبل الصلاة فلا نسك له". فقال أبو بردة بن نيار- خال البراء بن عازب: يا رسول الله، إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي. فذبحت شاتي، وتغذيت قبل أن آتي الصلاة، فقال: "شاتك شاة لحم" قال: يا رسول الله، فإن عندنا عناقا هي أحب إلي من شاتين أفتجزي عني؟ قال: "نعم، ولن تجزي عن أحد بعدك".

قال البخاري: باب الأكل يوم النحر[3].

وذكر حديث أنس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم من ذبح قبل الصلاة فليعد فقام رجل فقال هذا يوم يشتهى فيه اللحم وذكر من جيرانه بالحق، والنبي - صلى الله عليه وسلم - صدقه، قال وعندي جذعة أحب إلي من شاتي لحم فرخص له النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا أدري أبلغت الرخصة من سواه أم لا" ثم ذكر حديث الباب.

قوله: (ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له). وفي رواية: ومن ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد أتم نسكه وأصاب سنة المسلمين.

قوله: (وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي)، وفي حديث أنس فقام رجل فقال هذا يوم يشتهي فيه اللحم وذكر هنة من جيرانه، وقوله: هنة أي حاجة إلى اللحم.

قوله: (شاتك شاة لحم) أي ليست أضحية بل هو لحم ينتفع به.

قوله: (فإن عندنا عناقا هي أحب إلينا من شاتين) وفي رواية فإن عندنا عناقا لنا جذعة هي أحب إلي من شاتين.

قال الحافظ: (فيه أن المفتي إذا ظهرت له من المستفتي أمارة الصدق كان له أن يسهل عليه حتى لو استفتاه اثنان في قضية واحدة جاز أن يفتي كلا منهما بما يناسب حاله)[4] انتهى.

وقال ابن القيم: وتختلف الفتوى باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان.

قوله: (فتجزئ عني) أي تقضي ومنه قوله تعالى: ï´؟ لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ï´¾ [البقرة: 48] وفي الحديث إن الجذع من المعز لا يجزي في الأضحية وهو قول الجمهور.

قال الحافظ: (وفي حديث أنس والبراء من الفوائد تأكيد أمر الأضحية، وأن المقصود منها طيب اللحم وإيثار الجار على غيره، وجواز إخبار المرء عن نفسه بما يستحق الثناء به عليه بقدر الحاجة، وقال إن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يعم جميع المكلفين حتى يظهر دليل الخصوصية، وفيه أن الإمام يعلم الناس في خطبة العيد أحكام النحر. وفيه جواز الاكتفاء في الأضحية بالشاة الواحدة عن الرجل وعن أهل بيته، وبه قال الجمهور، وفيه أن العمل وإن وافق نية حسنة لم يصح إلا إذا وقع على وفق الشرع.

وفيه جواز أكل اللحم يوم العيد من غير لحم الأضحية، وفيه جواز الأكل يوم النحر قبل الصلاة، وفيه كرم الرب سبحانه وتعالى لكونه شرع لعبيده الأضحية مع ما لهم فيها من الشهوة بالأكل والادخار ومع ذلك فأثبت لهم الأجر في الذبح، وفيه دليل على مشروعية الصلاة يوم العيد قبل الخطبة وأن ما ذبح قبل الصلاة لا يجزي عن الأضحية) [5] انتهى ملخصا.

وقال ابن دقيق العيد: (وفيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتض الأمر لم يعذر فيها بالجهل وقد فرقوا في ذلك بين المأمورات والمنهيات فعذبوا في المنهيات بالنسيان والجهل كما جاء في حديث معاوية بن الحكم حين تكلم في الصلاة)[6].

قال الحافظ: وفيه جواز الإمام وتكليمه وهو يخطب.

قال ابن بطال: أجمع الفقهاء على أن العيد لا تصلي قبل طلوع الشمس ولا عند طلوعها، وإنما تجوز عند جواز النافلة[7].

وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الصوم يوم يصومون، والفطر يوم يفطرون، والأضحى يوم يضحون". رواه الترمذي أيضًا.

وقال الخطابي في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد فلو أن قوما اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عيب وكذلك في الحج إذا أخطؤوا يوم عرفة ليس عليهم إعادة؛ انتهى.

الحديث الثالث
137- عن جندي بن عبدالله البجلي - رضي الله عنه- قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح وقال: "من ذبح فبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم فليذبح فليذبح باسم الله".

قال البخاري: باب من ذبح قبل الصلاة أعاد.

وذكر حديث أنس وحديث جندي بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر فقال: "من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى ومن لم يذبح فليذبح" ثم ذكر حديث البراء.

قال الحافظ: (قوله: (ومن لم يذبح فليذبح) في رواية أبي عوانة: "ومن كان لم يذبح حتى صلينا فليذبح على اسم الله" وفي رواية لمسلم: "فليذبح بسم الله" أي فليذبح قائلا بسم الله أو مسميا، والمجرور متعلق بمحذوف، وهو حال من الضمير في قوله: "فليذبح" وهذا أولى ما حمل عليه الحديث وصححه النووي، ويؤيده ما في حديث أنس "وسمى وكبر")[8].

قال الحافظ: (قوله: فلا يذبح حتى ينصرف" تمسك به الشافعية في أن أول وقت الأضحية قدر فراغ الصلاة والخطبة، وإنما شرطوا فلا الخطيب لأن الخطبتين مقصودتان مع الصلاة في هذه العبادة، فيعتبر مقدار الصلاة والخطبتين على أخف ما يجزي بعد طلوع الشمس، فإذا ذبح بعد ذلك أجزأه الذبح عن الأضحية، سواء صلى العيد أم لا، وسواء ذبح الإمام أضحيته أم لا، ويستوي في ذلك أهل المصر والحاضر والبادي ونقل الطحاوي عن مالك والأوزاعي والشافعي: لا تجوز أضحية قبل أن يتبع الإمام، وهو معروف عن مالك والأوزاعي لا الشافعي، قال القرطبي: ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا صلاة عيد عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها إلى أن قال وقال أحمد وإسحاق: إذا فرغ الإمام من الصلاة جازت الأضحية، وهو وجه للشافعية قوي من حيث الدليل وأن ضعفه بعضهم، قال ويحتمل أن يكون قوله: "حتى ينصرف" أي من الصلاة، كما في الروايات الأخر. وأصرح من ذلك ما وقع عند أحمد من طريق يزيد بن البراء عن أبيه رفعه: "إنما الذبح بعد الصلاة" ووقع في حديث جندي عند مسلم: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى" إلى أن قال وأورد الطحاوي ما أخرجه مسلم من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نحر فأمرهم أن يعيدوا" قال ورواه حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "أن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنهى أن يذبح أحد قبل الصلاة" وصححه ابن حبان. ويشهد لذلك قوله في حديث البراء "أن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة، ثم نرجع فننحر" فإنه دال على أن وقت الذبح يدخل بعد فعل الصلاة، ولا يشترط التأخير إلى نحر الإمام. ويؤيده - من طريق النظر- أن الإمام لو لم ينحر لم يكن ذلك مسقطا عن الناس مشروعية النحر، ولو أن الإمام نحر قبل أن يصلي لم يجزئه نحره، فدل على أنه هو والناس في وقت الأضحية سواء. وقال المهلب: إنما كره الذبح قبل الإمام لئلا يشتغل الناس بالذبح عن الصلاة.

قوله: فليذبح على اسم الله. وقد استدل به ابن المنير على اشتراط تسمية العامد دون الناسي)[9] انتهى والله أعلم.

الحديث الرابع
138- عن جابر- رضي الله عنه- قال: شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله تعالى، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، وقال: "يا معشر النساء، تصدقن، فإنكن كثر حطب جهنم" فقامت امرأة من سطة النساء، سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ فقال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير". قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتيمهن.

قال البخاري: باب المشي والركوب إلى العيد والصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة حدثنا إبراهيم بن موسى قال أخبرنا هشام أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرني عطاء عن جابر بن عبدالله قال سمعته يقول ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوم الفطر فبدأ بالصلاة قبل الخطبة.

قال: وأخبرني عطاء أن ابن عباس أرسل إلى ابن الزبير في أول ما بويع له إنه لم يكن يؤذن بالصلاة يوم الفطر إنما الخطبة بعد الصلاة.

وأخبرني عطاء عن ابن عباس وعن جابر بن عبدالله قالا: ثم لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى.

وعن جابر بن عبدالله قال سمعته يقول ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام فبدأ بالصلاة ثم خطب الناس بعد فلما فرغ نبي الله - صلى الله عليه وسلم - نزل فأتي النساء فذكرهن وهو يتوكأ على يد بلال وبلال باسط ثوبه يلقي فيه النساء صدقة قلت لعطاء أترى حقا على الإمام الآن أن يأتي النساء فيذكرهن حين يفرغ قال إن ذلك لحق عليهم وما لهم أن لا يفعلوا؟[10].

قال الحافظ: قوله: "باب المشي والركوب إلى العيد، والصلاة قبل الخطبة، وبغير أذان ولا إقامة" في هذه الترجمة ثلاثة أحكام: صفة التوجه وتأخير الخطبة عن الصلاة وترك النداء فيها. انتهى.

قوله: (فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة) وفي رواية لمسلم عن جابر قال: "لا أذان للصلاة يوم العيد ولا إقامة ولا شيء" وقال مالك في الموطأ سمعت غير واحد من علمائنا يقول: "لم يكن في الفطر ولا في الأضحى نداء ولا إقامة منذ زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليوم" وتلك السنة التي لا اختلاف فيها عندنا.

قوله: (فقامت امرأة من سطة النساء) أي من وسطهن في المجلس (سفعاء الخدين) الأسفع والسفعاء من أصاب خده لون يخالف لونه الأصلي من سواد أو خضرة أو غيره.

والحديث يدل: على عدم مشروعية الآذان والإقامة لصلاة العيد.

قال ابن دقيق العيد: (وكأن سببه تخصيص الفرائض بالأذان تمييزا لها بذلك عن النوافل وإظهارا لشرفها، قال وهذه المقاصد التي ذكرها الراوي- من الأمر بتقوى الله والحث على طاعته والموعظة والتذكير: هي مقاصد الخطبة) [11] انتهى.

قوله: (لأنكن تكثرن الشكاية وتكفرن العشير)، وفي حديث أبي سعيد الخدري قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أضحى أو فطر إلي المصلى فمر على النساء فقال: "يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار" فقلن وبم يا رسول الله قال: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن" قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله قال: "أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل" قلن: بلى قال: "فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم قلن بلى قال "فذلك من نقصان دينها".
يتبع


ابوالوليد المسلم 19-02-2020 03:28 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك



قوله: (فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن) وفي رواية قلت لعطاء: زكاة يوم الفطر، قال: لا ولكن صدقة يتصدقن حينئذ، وفي حديث ابن عباس - رضي الله عنه- قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - كأني انظر إليه حين يجلس بيده ثم أقبل يشقهم حتى جاء النساء معه بلال فقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ï´¾ [الممتحنة: 12] ثم قال حين فرغ منها: آنتن على ذلك؟ قالت: امرأة واحدة منهن لم يجبه غيرها نعم، قال: فتصدقن، فبسط بلال ثوبه ثم قال: هلم لكن فداء أبي وأمي فيلقين الفتح والخواتيم في ثوب بلال، قال عبد الرزاق: الفتح الخواتيم العظام كانت في الجاهلية.

قال الحافظ: (وفي هذا الحديث من الفوائد أيضا استحباب وعظ النساء وتعليمهن أحكام الإسلام وتذكيرهن بما يجب عليهن، ويستحب حثهن على الصدقة وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد، ومحل ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة، وفيه خروج النساء إلى المصلى، وفيه جواز التفدية بالأب والأم، وملاطفة العامل على الصدقة بمن يدفعها إليه. واستدل به على جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها كالثلث خلافا لبعض المالكية، قال وفيه أن الصدقة من دوافع العذاب لأنه أمرهن بالصدقة ثم علل بأنهن أكثر أهل النار لما يقع منهن من كفران النعم وغير ذلك، وفيه بذل النصيحة والإغلاط بها لمن احتيج في حقه إلى ذلك، والعناية بذكر ما يحتاج إليه لتلاوة آية الممتحنة لكونها خاصة بالنساء. وفيه جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين ولو كان الطالب غير محتاج، وفيه مبادرة تلك النسوة إلى الصدقة بما يعز عليهن من حليهن مع ضيق الحال في ذلك الوقت دلالة على رفع مقامهن في الدين وحرصهن على امتثال أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - يرضي عنهن)[12].

وقال أيضًا: (وفي الحديث أن جحد النعم حرام، وكذا كثرة استعمال الكلام القبيح كاللعن والشتم، وفيه إطلاق الكفر على الذنوب التي لا تخرج عن الملة تغليظا على فاعلها لقوله في بعض طرق الحديث: "بكفرهن"، وهو كإطلاق نفي الأيمان، وفيه أن الصدقة قد تكفر الذنوب التي بين المخلوقين، وفيه أن العقل يقبل الزيادة والنقصان، وكذلك الإيمان، وليس نقص الدين منحصرا فيما يحصل به الإثم بل في أعم من ذلك وفيه مراجعة المتعلم لمعلمه والتابع لمتبوعه فيما لا يظهر له معناه، وفيه ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الخلق العظيم والصفح الجميل والرفق والرأفة، زاده الله تشريفا وتكريما وتعظيما)[13] انتهى وبالله التوفيق.

الحديث الخامس
139- عن أم عطية- نسيبة الأنصارية- قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين.

وفي لفظ: كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خدرها، حتى تخرج الحيض، فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته.

قال البخاري: (باب شهود الحائض العيدين ودعوة المسلمين ويعتزلن المصلى.

حدثنا محمد هو ابن سلام قال أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب عن حفصة قالت: "كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين فقدمت امرأة فنزلت قصر بني خلف فحدثت عن أختها وكان زوج أختها غزا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثنتي عشرة غزوة وكانت أختي معه في ست قالت كنا نداوي الكلمة ونقوم على المرضى فسألت أختي النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج قال "لتلبسا صاحبتها من جلبابها ولتشهد الخير ودعوة المسلمين" فلما قدمت أم عطية سألتها أسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت بأبي نعم وكانت لا تذكره إلا قالت بأبي سمعته يقول يخرج العواتق وذوات الخدور أو العواتق ذوات الخدور والحيض وليشهدن الخير ودعوة المؤمنين ويعتزل الحيض المصلى قالت حفصة فقلت الحيض فقالت أليس تشهد عرفة وكذا وكذا"[14].

قال الحافظ: العواتق جمع عاتق وهي من بلغت الحلم أو قاربت، أو استحقت التزويج، أو هي الكريمة على أهلها، أو التي عتقت عن الامتهان في الخروج للخدمة وكأنهم كانوا يمنعون العواتق من الخروج لما حدث بعد العصر الأول من الفساد، ولم تلاحظ الصحابة ذلك بل رأت استمرار الحكم على ما كان عليه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قوله: (وذوات الخدور) جمع خدر، وهو ستر يكون في ناحية البيت تقعد البكر وراءه، قال الحافظ: وبين العاتق والبكر عموم وخصوص وجهي.

وقوله: (وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين).

قال ابن المنير: الحكمة في اعتزالهن أن في وقوفهن وهن لا يصلين مع المصليات إظهار استهانة بالحال. فاستحب لهن اجتناب ذلك، وفيه أن الحائض لا تهجر ذكر الله ولا مواطن الخير كمجالس العلم والذكر سوى المساجد، وفيه امتناع خروج المرأة بغير جلباب، وغير ذلك، وقال الجلباب قيل هو: المقنعة أو الخمار أو أعرض منه وقيل الثوب الواسع يكون دون الرداء وقيل الإزار وقيل الملحفة وقيل الملاءة وقيل القميص. انتهى.

قال ابن عباس: "أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن، في حاجة أن يغطين وجوههن، من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبدين عينا واحدة".

قال ابن دقيق العيد: (وفيه إشارة إلى أن البروز إلى المصلى هو سنة العيد)[15].

قال الحافظ: (وفي هذا الحديث من الفوائد جواز مداواة المرأة للرجال الأجانب إذا كانت بإحضار الدواء مثلا والمعالجة بغير مباشرة، إلا إن احتيج إليه عند أمن الفتنة. وفيه أن من شأن العواتق والمخدرات عدم البروز إلا فيما أذن لهن فيه.

وفيه استحباب إعداد الجلباب للمرأة ومشروعية عارية الثياب، وفيه استحباب خروج النساء إلي شهود العيدين سواء كن شواب أم لا وذوات هيآت أم لا، وقد اختلف السلف في ذلك، قال والأولى أن يخص ذلك بمن يؤمن عليها وبها الفتنة ولا يترتب على حضورها محاصر ولا تزاحم الرجال في الطرقات ولا في المجامع) [16]انتهى والله أعلم.

تتمة:
قال في الاختيارات: (وهي فرض عيني وهو مذهب أبي حنيفة ورواية عن الإمام أحمد، وقد يقال بوجوبها على النساء وإذا قلنا من شرطها الاستيطان وعدد الجمعة فيفعلها المسافر والعبد والمرأة تبعا ولا يستحب قضاؤها لمن فاتته منهم وهو قول أبي حنيفة ويستفتح خطبتها بالحمد لله لأنه لم ينقل عن الذي - صلى الله عليه وسلم - أنه افتتح الخطبة بغيرها.

والتكبير في عيد الأضحى مشروع باتفاق وكذا مشروع في عيد الفطر عند مالك والشافعي وأحمد وذكر الطحاوي ذلك مذهبا لأبي حنيفة وأصحابه والمشهور عنهم خلافه والتكبير فيه هو المأثور عن الصحابة- رضي الله عنهم - والتكبير فيه أكد من جهة أمر الله به والتكبير أوله من رؤية الهلال وآخره انقضاء العيد وهو فراغ الإمام من الخطبة على الصحيح والتكبير في عيد النحر أكد من جهة أنه يشرع أدبار الصلاة وأنه متفق عليه وعيد النحر أفضل من عيد الفطر ومن سائر الأيام.

والاستغفار المأثور عقيب الصلوات وقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام هل يقدم على التكبير والتلبية أم يقدمان عليه كما يقدم عليه سجود السهو؟ بيض لذلك أبو العباس، والذي يدل عليه كلام أحمد في أكثر المواضع وهو الذي تدل عليه السنة وآثار السلف أن الاجتماع على الصلاة أو القراءة وسماعها أو ذكر الله تعالى أو دعائه أو تعليم العلم أو غير ذلك نوعان: نوع شرع الاجتماع له على وجه المداومة وهو قسمان: قسم يدور بدوران الأوقات: كالجمعة والعيدين والحج والصلوات الخمس، وسبب يتكرر بتكرر الأسباب: كصلاة الاستسقاء والكسوف والآيات والقنوت في النوازل.

والمؤقت فرضه ونقله إما أن يعود بعود اليوم وهو الذي يسمى عمل اليوم والليلة: كالصلوات الخمس وسننها: الرواتب والوتر والأذكار والأدعية المشروعة طرفي النهار وزلفا من الليل وإما أن يعود بعود الأسبوع: كالجمعة وصوم الاثنين والخميس وإما أن يعود بعود الشهر: كصيام أيام البيض أو ثلاثة أيام من كل شهر والذكر المأثور عند رؤية الهلال وإما أن يعود بعود الحلول: كصيام شهر رمضان والعيدين والحج.

والمتسبب ماله سبب ليس له وقت محدود: كصلاة الاستسقاء والكسوف وقنوت النوازل.

وما لم يشرع فيه الجماعة: كصلاة الاستخارة وصلاة التوبة وصلاة الوضوء وتحية المسجد ونحو ذلك، قال والنوع الثاني: ما لم يسن له الاجتماع المعتاد الدائم: كالتعريف في الأمصار والدعاء المجتمع عليه عقب الفجر والعصر والصلاة والتطوع المطلق في جماعة والاجتماع لسماع القرآن وتلاوته أو سماع العلم والحديث ونحو ذلك فهذه الأمور لا يكره الاجتماع لها مطلقًا ولم يسن مطلقًا بل المداومة عليها بدعة فيستحب أحيانًا ويباح أحيانًا وتكره المداومة عليها وهذا هو الذي نص عليه أحمد في الاجتماع على الدعاء والضراعة والذكر ونحو ذلك والتفريق بين السنة والبدعة في المداومة أمر عظيم ينبغي التفطن له)[17] انتهى.

قال البخاري: باب الحرب والدرق يوم العيد. وذكر حديث عائشة- رضي الله عنها- قالت: دخل علي النبي (وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجامع ودخل أبو بكر فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فاقبل عليه رسول الله فقال: "دعهما" فلما غفل غمزتهما فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحرب، فإما سألت رسول الله (وإما قال: "تشتهين تنظرين؟"، فقلت: نعم.

فأقامني وراءه خدي على خده وهو يقول: "دونكم يأبني أرفده"، حتى إذا مللت قال: "حسبك؟ "، قلت: نعم. قال: "فأذهبي". وفي رواية: دخل أبو بكر وعندي جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بعاث- قالت وليستا بمغنيتين- فقال أبو بكر أمزامير الشيطان في بيت رسول الله: وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا[18].

قال الحافظ: (ولا ينكر في العيد مثل هذا كما لا ينكر في الأعراس. وقال أيضا: الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي تسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة وعلى الحداء ولا يسمى فاعله مغنيا وإنما يسمى بذلك من ينشد بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه تعريض بالفواحش أو تصريح، قال القرطبي: قولها ليستا بمغنيتين أي ليستا ممن يعرف الغناء كما يعرفه المغنيات المعروفات بذلك وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه.

قال الحافظ: ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه قال وأما التفافه - صلى الله عليه وسلم - بثوبه ففيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتض أن يرتفع عن الإصغاء إلى ذلك لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره إذ لا يقر على باطل والأصل التنزه عن اللعب واللهو فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتا وكيفية تقليلا لمخالفة الأصل والله أعلم قال وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية التوسعة على العيال في أيام الأعياد بأنواع ما يحصل لهم بسط النفس وترويح البدن من كلف العبادة وأن الإعراض عن ذلك أولى وفيه أن إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين قال واستدل به على جواز سماع صوت الجارية بالغناء ولو لم تكن مملوكه لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر على أبي بكر سماعه بل أنكر إنكاره واستمرتا إلى أن أشارت إليهما عائشة بالخروج ولا يخفى أن محل الجواز ما إذا أمنت الفتنة بذلك) [19] والله أعلم.

قولها: وكان يوم عيد يلعب فيه السودان.

قال الحافظ: وفي رواية النسائي من طريق أبي سلمة عنها دخل الحبشة يلعبون فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم - يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم فقلت نعم إسناده صحيح ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا. ومن قولهم يومئذ أبا القاسم طيبا ولأحمد والسراج وابن حبان من حديث أنس أن الحبشة كانت تزفن بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتكلمون بكلام لهم فقال ما يقولون قال يقولون محمد عبد صالح، وروي السراج من طريق أبي الزناد عن عروة عن عائشة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال يومئذ لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني بعثت بحنيفية سمحة، واستدل به على جواز اللعب بالسلاح على طريق التواثب للتدريب على الحرب والتنشيط عليه واستنبط منه جواز المثاقفة لما فيها من تمرين الأيدي على آلات الحرب قال عياض وفيه جواز نظر النساء إلى فعل الرجال الأجانب لأنه إنما يكره لهن النظر إلي المحاسن والاستلذاذ بذلك، ومن تراجم البخاري عليه باب نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة)[20].

وقال الحافظ أيضا: (واللعب بالحراب ليس لعبا مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو وفي الحديث جواز النظر إلي اللهو المباح وفيه حسن خلقه - صلى الله عليه وسلم - مع أهله وكرم معاشرته وفضل عائشة وعظيم محلها عنده)[21].

فائدة:
قال الحافظ: (وروينا في المحامليات بإسناد حسن عن جبير بن نفير قال كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا التقوا يوم العيد يقول بعضهم لبعض تقبل الله منا ومنك)[22]. وبالله التوفيق.


[1] فتح الباري: (2/ 453).

[2] فتح الباري: (2/ 474).

[3] فتح الباري: (2/ 447).

[4] فتح الباري: (2/ 448).

[5] فتح الباري: (2/ 448).

[6] إحكام الأحكام: (1/342)

[7] فتح الباري: (2/ 457).

[8] فتح الباري: (10/ 20).

[9] فتح الباري: (10/ 20).

[10] فتح الباري: (2/ 451).

[11] إحكام الأحكام: (1/ 345).

[12] فتح الباري: (2/ 468).

[13] فتح الباري: (1/ 406).

[14] فتح الباري: (1/ 423).

[15] إحكام الأحكام: (1/ 347).

[16] فتح الباري: (2/ 470).

[17] الفتاوى الكبرى: (5/ 356 ).

[18] فتح الباري: (1/ 441).

[19] فتح الباري: (1/ 442).

[20] فتح الباري: (1/ 443).

[21] فتح الباري: (1/ 549).

[22] فتح الباري: (2/ 446).









ابوالوليد المسلم 19-02-2020 03:30 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك







(صلاة الكسوف)


الحديث الأول

140- عن عائشة - رضي الله عنها - أن الشمس خسفت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث مناديا ينادي: "الصلاة جامعة". فاجتمعوا. وتقدم، فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات.


الكسوف والخسوف شيء واحد وكلاهما قد وردت به الأخبار وجاء القرآن بلفظ الخسوف قال الله تعالى فإذا برق البصر وخسف القمر وصلاة الكسوف ثابتة بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

قال في "الفروع": تسن حضرا وسفرا والأفضل جماعة في جامع.

قولها: (فبعث مناديًا ينادي الصلاة جامعة)؛ أي: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة.

قال البخاري: باب النداء بالصلاة جامعة في الكسوف[1].

وذكر حديث ابن عمر - رضي الله عن -، قال: لما كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نودي إن الصلاة جامعة.

قال الحافظ: (قوله: نودي كذا فيه بلفظ البناء للمفعول وصرح الشيخان في حديث عائشة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم- بعث مناديا فنادى بذلك، قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث حجة لمن استحب ذلك وقد اتفقوا على أنه لا يؤذن لها ولا يقام)[2].

قولها: (فاجتمعوا وتقدم فكبر. وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات).

قال البخاري: باب الجهر بالقراءة في الكسوف[3].

حدثنا محمد بن مهران قال: حدثنا الوليد قال: أخبرنا ابن نمر سمع ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها -، جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخسوف بقراءته فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات وقال الأوزاعي وغيره سمعت الزهري، عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها -، أن الشمس خسفت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبعث مناديا بالصلاة جامعة، فتقدم فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.

وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهاب مثله.

قال الزهري: فقلت ما صنع أخوك ذلك عبد الله بن الزبير ما صلى إلا ركعتين مثل الصبح إذ صلى بالمدينة قال أجل إنه أخطأ السنة.

تابعه سفيان بن حسين وسليمان بن كثير، عن الزهري في الجهر.

قال الحافظ: أي سواء كان للشمس أو للقمر انتهى.

وعن محمود بن لبيد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما كذلك فافزعوا إلى المساجد". رواه أحمد.

الحديث الثاني

141- عن أبي مسعود، عقبة بن عمرو الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولا لحياته، فإذا رأيتم منهما شيئا فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم".


وفي حديث المغيرة بن شعبة قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم مات إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته فإذا رأيتم فصلوا وادعوا الله".

ولأحمد والنسائي وابن ماجه عن النعمان بن بشير، قال: انكشفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فخرج فزعا يجر ثوبه، حتى أتى المسجد، فلم يزل يصلي حتى انجلت، ثم قال: "إن أناسا يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم من العظماء، وليس كذلك" الحديث.

قال الحافظ: (وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب في الأرض وهو نحو قوله يقولون مطرنا بنوء كذا قال الخطابي كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر فأعلم النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه اعتقاد باطل وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله ليس لهما سلطان في غيرهما. ولا قدرة على الدفع عن أنفسهما وفيه ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه من الصفقة على أمته وشدة الخوف من ربه"[4].

قوله: (آيتان).

قال الحافظ: (أي علامتان من آيات الله الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته ويؤيده قوله: ï´؟ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ï´¾ [الإسراء: 59][5].

قوله: (يخوف الله بهما عباده).

قال الحافظ: (فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر وقد رد ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى حيث قال: فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة قالوا: فلو كان الكسوف بالحساب لم يقع الفزع، ولو كان بالحساب لم يكن للأمر بالعتق والصدقة والصلاة والذكر معنى فإن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذكر من أنواع الطاعة يرجى أن يدفع به ما يخشى من أثر ذلك الكسوف، ومما نقض ابن العربي وغيره أنهم يزعمون أن الشمس لا تنكسف على الحقيقة وإنما يحول القمر بينها وبين أهل الأرض عند اجتماعهما في العقدتين فقال هم يزعمون أن الشمس أضعاف القمر في الجرم فكيف يحجب الصغير الكبير إذا قابله أم كيف يظلم الكثير بالقليل ولاسيما وهو من جنسه وكيف تحجب الأرض نور الشمس وهي في زاوية منها لأنهم يزعمون أن الشمس أكبر من الأرض بتسعين ضعفا، وقد وقع في حديث النعمان بن بشير وغيره للكسوف سبب آخر غير ما يزعمه أهل الهيئة، وهو ما أخرجه أحمد والنسائي و ابن ماجه وصححه ابن خزيمة والحاكم بلفظ: أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكنهما آيتان من آيات الله وأن الله إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له. وقد استشكل الغزالي هذه الزيادة وقال إنها لم تثبت فيجب تكذيب ناقلها، قال: ولو صحت لكان تأويلها أهون من مكابرة أمور قطعية لا تصادم أصلا من أصول الشريعة، قال ابن بزيزة: هذا عجب منه كيف يسلم دعوى الفلاسفة ويزعم أنها لا تصادم الشريعة مع أنها مبنية على أن العالم كري الشكل وظاهر الشرع يعطي خلاف ذلك والثابت من قواعد الشريعة أن الكسوف أثر الإرادة القديمة وفعل الفاعل المختار فيخلق في هذين الجرمين النور متى شاء والظلمة متى شاء من غير توقف على سبب أو ربط باقتراب والحديث الذي رده الغزالي قد أثبته غير واحد من أهل العلم وهو ثابت من حيث المعنى أيضا لأن النورية والإضاءة من عالم الجمال الحسي فإذا تجلت صفة الجلال انطمست الأنوار لهيبته ويؤيده قوله تعالى: ï´؟ فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا ï´¾ [الأعراف: 143].

قال الحافظ: (ويؤيد هذا الحديث ما رويناه عن طاوس أنه نظر إلي الشمس وقد انكسفت فبكى حتى كاد أن يموت، وقال: هي أخوف لله منا وقال ابن دقيق العيد: ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله يخوف الله بهما عباده وليس بشيء لأن لله أفعالا على حسب العادة وأفعالا خارجة عن ذلك وقدرته حاكمة على كل سبب فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقها وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقا في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفا لعباد الله تعالي)[6] انتهى والله أعلم.

قوله: (وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته).

قال الحافظ: (يجب تكذيب من زعم أن الكسوف علامة على موت أحد أو حياة أحد. قوله: فإذا رأيتم منهما شيئا فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم، أي إذا رأيتم كسوف الشمس والقمر)[7].

قال الحافظ: (وفيه دليل على مشروعية الصلاة في كسوف القمر وفيه جواز صلاة الكسوف في كل وقت لتعليق الصلاة بالرؤية وهي ممكنة في الأوقات المكروهة وغيرها وفيه الأمر بالصلاة والدعاء والتضرع إلى الله حتى ينكشف الكسوف) [8] وبالله التوفيق.

الحديث الثالث

142- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله.

وأثنى عليه ثم قال: "إن الشمس و القمر آيتان من آيات الله لا تنخسفان لموت أحد. ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وتصدقوا". ثم قال: "يا أمة محمد، والله ما من أحد أغير من الله سبحانه من أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمة محمد، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم فليلا ولبكيتم كثيرًا".

وفي لفظ: فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات.

قولها: (خسفت الشمس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقام فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناس)، وفي رواية: خسفت الشمس فخرج إلى المسجد فصف الناس وراءه.

قولها: (فأطال القيام)، وفي رواية: قام فأطال القيام، وفي حديث ابن عباس: فقرأ نحوا من سورة البقرة في الركعة الأولى.

قولها: (ثم قام فأطال القيام)، في رواية: ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد.

قال الحافظ: (صلاة الكسوف جاءت على صفة مخصوصة فلا مدخل للقياس فيها بل كل ما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - فعله فيها كان مشروعا لأنها أصل برأسه وبهذا المعنى رد الجمهور على من قاسها على صلاة النافلة حتى منع من زيادة الركوع فيها.

قولها: (ثم انصرف وقد تجلت الشمس) وللنسائي ثم تشهد وسلم.

قوله: (فخطب الناس).

قال الحافظ: فيه مشروعية الخطبة للكسوف قال واستدل به على أن الانجلاء لا يسقط الخطبة بخلاف ما لو انجلت قبل أن يشرع في الصلاة فإنه يسقط الصلاة والخطبة فلو انجلت في أثناء الصلاة أتمها على الهيئة المذكورة عند من قال بها.

قولها: (فحمد الله وأثنى عليه) زاد النسائي في حديث سمرة وشهد أنه عبد الله ورسوله.

قوله: (والله ما من أحد أغير من الله سبحانه من أن يزني عبده أو تزني أمته) غيرة الله ما يغير من حال العاصي بانتقامه منه في الدنيا والآخرة أو في إحداهما ومنه قوله تعالى: ï´؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ï´¾ [الرعد: 11] وقال ابن دقيق العيد: أهل التنزيه في مثل هذا على قولين إما ساكت وإما مؤول على أن المراد بالغيرة شدة المنع والحماية فهو من مجاز الملازمة، وقيل لما كانت هذه المعصية من أقبح المعاصي وأشدها تأثيرا في إثارة النفوس وغلبة الغضب ناسب ذلك تخويفهم في هذا المقام)[9].

قال الحافظ: (ويؤخذ من قوله يا أمة محمد أن الواعظ ينبغي له حال وعظه أن لا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه بل يبالغ في التواضع لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه.

قوله: (لو تعلمون ما أعلم) أي من عظيم قدرة الله وانتقامه من أهل الإجرام.

قوله: (لضحكتم قليلا) أي لتركتم الضحك ولم يقع منكم إلا نادرا.

قال الحافظ: وفي الحديث ترجيح التخويف في الخطبة على التوسع في الترخيص لما في ذكر الرخص من ملاءمة النفوس لما جبلت عليه من الشهوة، والطبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادها لا بما يزيدها، قال وفي حديث عائشة من الفوائد غير ما تقدم المبادرة بالصلاة وسائر ما ذكر عند الكسوف والزجر عن كثرة الضحك والحث على كثرة البكاء والتحقق بما سيصير إليه المرء من الموت والفناء والاعتبار بآيات الله، وفيه الرد على من زعم أن للكواكب تأثيرا في الأرض لانتفاء ذلك عن الشمس والقمر فكيف بما دونهما، وفيه تقديم الإمام في الموقف وتعديل الصفوف والتكبير بعد الوقوف في موضع الصلاة وبيان ما يخشى اعتقاده على غير الصواب واهتمام الصحابة بنقل أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقتدي به فيها ومن حكمة وقوع الكسوف تبيين أنموذج ما سيقع في القيامة وصورة عقاب من لم يذنب والتنبيه على سلوك طريق الخوف مع الرجاء لوقوع الكسوف بالكوكب ثم كشف ذلك عنه ليكون المؤمن من ربه على خوف عرجاء، وفي الكسوف إشارة إلي تقبيح رأى من يعبد الشمس أو القمر وحمل بعضهم الأمر في قوله تعالى: ï´؟ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ ï´¾ [فصلت: 37] على صلاة الكسوف لأنه الوقت الذي يناسب الإعراض عن عبادتهما لما يظهر فيهما من التغيير والنقص المنزه عنه المعبود جل وعلا سبحانه وتعالي)[10] انتهى والله أعلم.

قال البخاري: باب خطبة الإمام في الكسوف[11]. وقالت عائشة وأسماء خطب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وذكر الحديث.

قال الحافظ: (اختلف في الخطبة فيه فاستحبها الشافعي وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث قال ابن قدامة لم يبلغنا عن أحمد ذلك وقال صاحب الهداية من الحنفية ليس في الكسوف خطبة لأنه لم ينقل وتعقب بأن الأحاديث ثبتت فيه وهي ذات كثرة)[12].

وقال البخاري أيضاً: باب قول الإمام في خطبة الكسوف أما بعد[13].

وذكر حديث أسماء قالت فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد تجلت الشمس فخطب فحمد الله بما هو أهله ثم قال أما بعد.

قال الحافظ: (وفيه تأييد لمن استحب لصلاة الكسوف خطبة)[14] انتهى والله أعلم.

الحديث الرابع

143- عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه- قال: خسفت الشمس على زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة، حتى أتى المسجد فقام فصلى بأطول قيام، وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: "إن هذه الآيات التي يرسلها الله تعالى لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئا فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره".


قال البخاري: باب الذكر في الكسوف[15].

رواه ابن عباس، - رضي الله عنهما- وذكر الحديث.

قوله: (فقام فزعا يخشى أن تكون الساعة) أي خشي أن يكون ذلك بعض المقدمات، قال تعالى: ï´؟ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ ï´¾ [النحل: 77] وقال تعالى: ï´؟ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ï´¾ [الأعراف: 187].

قال الحافظ: قوله: هذه الآيات التي يرسل الله ثم قال: "ولكن يخوف الله بها عباده" موافق لقوله تعالى: ï´؟ وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا ï´¾ [الإسراء: 59] واستدل بذلك على أن الأمر بالمبادرة إلي الذكر والدعاء والاستغفار وغير ذلك لا يختص بالكسوفين لأن الآيات أعم من ذلك. قال: وفيه الندب إلى الاستغفار عند الكسوف وغيره لأنه مما يدفع به البلاء)[16].

قال أحمد بن حنبل: يصلي في الزلزلة كصلاة الكسوف، وذهب الشافعي وغيره إلى أنه لا يسن التجميع وأما صلاة المنفرد فحسن لأنه لم يروى أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتجمع إلا في الكسوف. والله أعلم.

قال في الاختيارات: (ويجهر بالقراءة في صلاة الكسوف ولو نهاراً وهو مذهب أحمد وغيره وتصلى صلاة الكسوف لكل آية كالزلزلة وغيرها وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد وقول محققي أصحابنا وغيرهم ولا كسوف إلا في ثامن وعشرين أو تاسع وعشرين ولا خسوف إلا في إبدار القمر والتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كمسألة اليمين به، والتوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته والصلاة والسلام عليه - صلى الله عليه وسلم - وبدعائه وشفاعته مما هو فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقه مشروع إجماعاً وهو ين الوسيلة المأمور بها في قوله: ï´؟ اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ï´¾ [المائدة: 35]، وقصد القبر للدعاء عنده رجاء الإجابة بدعة لا قربة باتفاق الأئمة، وقول القائل: أنا في بركة فلان وتحت نظره إن أراد بذلك أن نظره وبركته مستقلة بتحصيل المصالح ودفع المضار فكذب وإن أراد أن فلاناً دعا لي فانتفعت بدعائه أو أنه علمني وأدبني فأنا في بركة ما انتفعت به من تعليمه وتأديبه فصحيح، وأن أراد بذلك أنه بعد موته يجلب المنافع ويدفع المضار أو مجرد صلاحه ودينه وقربه من الله ينفعني من غير أن أطيع الله فكذب)[17] انتهى وبالله التوفيق.


[1] فتح الباري: (2/ 43).

[2] فتح الباري: (2/ 533).

[3] فتح الباري: (2/ 49).

[4] فتح الباري: (2/ 528).

[5] فتح الباري: (2/ 528).

[6] فتح الباري: (2/ 537).

[7] فتح الباري: (2/ 554).

[8] فتح الباري: (2/ 528).

[9] فتح الباري: (2/ 530).

[10] فتح الباري: (2/ 531).

[11] فتح الباري: (2/ 43).

[12] فتح الباري: (2/ 534).

[13] فتح الباري: (2/ 49).

[14] فتح الباري: (2/ 547).


[15] فتح الباري: (2/ 48).

[16] فتح الباري: (2/ 546).

[17] ( 1/442)











ابوالوليد المسلم 19-02-2020 03:34 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





الاستسقاء

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث الأول
144- عن عبدالله بن زيد بن عاصم المازني قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة.

وفي لفظ: أتى المصلى.

صلاة الاستسقاء عند الحاجة إليها سنة مؤكدة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلها وكذلك خلفاؤه - رضي الله عنهم -.

قوله: (خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي) وفي رواية في حديث عائشة عند أبي داود قالت: شكا الناس إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر فأمر بمنبر فوضع له بالمصلى ووعد الناس يوما يخرجون فيه فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر الحديث.

قال الحافظ: (والراجح أنه لا وقت لها معين وإن كان أكثر أحكامها كالعيد لكنها تخالفه بأنها لا تختص بيوم معين قال ونقل ابن قدامه الإجماع على أنها لا تصلي في وقت الكراهة)[1].

وقال البخاري: باب الاستسقاء وخروج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستسقاء، وذكر الحديث ولفظه عن عباد بن تميم عن عمه قال: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتى وحول رداءه[2].

قال الحافظ: (وقد اتفق فقهاء الأمصار على مشروعية صلاة الاستسقاء وأنها ركعتان إلا ما روي عن أبي حنيفة أنه قال: يبرزون للدعاء والتضرع وأن خطب لهم فحسن ولم يعرف الصلاة هذا هو المشهور عنه ونقل أبو بكر الرازي عنه التخيير بين الفعل والترك، وحكي ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلي الاستسقاء والبروز إلى ظاهر المصر)[3].

قوله: (فتوجه إلي القبلة يدعو وحول رداءه).

قال البخاري: باب تحويل الرداء في الاستسقاء، وذكر الحديث عن عبدالله بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى فاستسقى فاستقبل القبلة وقلب رداءه وصلى ركعتين قال أبو عبدالله كان ابن عيينة يقول هو صاحب الأذان ولكنه وهم لأن هذا عبدالله بن زيد بن عاصم المازني مازن الأنصار[4].

قوله: باب تحويل الرداء في الاستسقاء.
ترجم لمشروعيته خلافا لمن نفاه ثم ترجم بعد ذلك لكيفيته وقال وذكر الواقدي أن طول ردائه - صلى الله عليه وسلم - كان ستة أذرع في ثلاثة أذرع وطول إزاره أربعة أذرع وشبرين في ذراعين وشبر كان يلبسهما في الجمعة والعيدين ووقع في شرح الأحكام لابن بزيزة ذرع الرداء كالذي ذكره الواقدي في ذرع الإزار والأول أولى. انتهى.

ولابن ماجه قلب ردائه جعل اليمين على الشمال والشمال على اليمين وعند أحمد وحول الناس معه ولمسلم لما أراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه.

قوله: (ثم صلى ركعتين).
قال الحافظ: (واستدل به على أن الخطبة في الاستسقاء قبل الصلاة وهو مقتضى حديث عائشة وابن عباس المذكورين، لكن وقع عند أحمد في حديث عبدالله ابن زيد التصريح بأنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وكذا في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه حيث قال: فصلى بنا ركعتين بغير أذان ولا إقامة والمرجح عند الشافعية والمالكية الثاني، وعن أحمد رواية كذلك، ورواية يخير ولم يقع في شيء من طرق حديث عبدالله بن زيد صفة الصلاة المذكورة ولا ما يقرأ فيها، وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيهما سبعا وخمسا كالعيد وأنه يقرأ فيهما بسبح وهل أتاك وفي إسناده مقال لكن أصله في السنن بلفظ ثم صلى ركعتين كما يصلي في العيد فأخذ بظاهره الشافعي فقال يكبر فيهما)[5].

قال الحافظ: (ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك بأنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على شيء وبعضهم على شيء وعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة فلذلك وقع الاختلاف وقال القرطبي يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة لمشابهتها بالعيد وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة).

قال البخاري: باب كيف حول النبي - صلى الله عليه وسلم - ظهره إلي الناس [6] وذكر الحديث.

قال الحافظ: (الظاهر أنه لما لم يتبين من الخبر ذلك كأنه يقول هو على التخيير لكن المستفاد من خارج أنه ألتفت بجانبه الأيمن لما ثبت أنه كان يعجبه التيمن في شانه كله ثم إن محل هذا التحويل بعد فراغ الموعظة وإرادة الدعاء[7] انتهى.

قوله: (جهر فيهما بالقراءة).
قال البخاري: باب الجهر بالقراءة في الاستسقاء وذكر الحديث وقد ترجم له أيضا الدعاء في الاستسقاء قائما وترجم له في الدعوات باب الاستسقاء وترجم له أيضا باب صلاة الكسوف ركعتين، قال البخاري: وذكر الحديث ولفظه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المصلى يستسقي، وأنه لما دعا وأراد أن يدعو استقبل القبلة وحول رداءه، وقال أيضا الاستسقاء في المصلى وذكر الحديث[8].

قال الحافظ: (وقد استثنى الخفاف من الشافعية مسجد مكة كالعيد) [9] انتهى.
قال ابن بطال: أجمعوا على أن لا أذان ولا إقامة للاستسقاء والله أعلم.

فائدة:
عن ابن عمر في حديث له أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لم ينقص قوم المكيال والميزان، إلا أخذوا بالسنين، وشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولا يمنعوا زكاة أموالهم، إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا". رواه ابن ماجه.

الحديث الثاني
143- عن أنس بن مالك أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحو دار القضاء، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب، فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما ثم قال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا. قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: "اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا" قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من ببت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء، انتشرت ثم أمطرت، قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله قائم يخطب فاستقبله قائما فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا، قال: فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر" قال: فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس.

قال شريك: فسألت أنس بن مالك: أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدرى.

قوله: (أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة) وفي رواية أتى رجل أعرابي من أهل البادية وقوله من باب كان نحو دار القضاء.

قال الحافظ: (هي دار عمر بن الخطاب وسميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دينه.
قوله: هلكت الأموال في رواية هلكت الماشية هلك العيال هلك الناس قوله وانقطعت السبل المراد بذلك أن الإبل ضعفت عن السفر لقلة المرعى.

قوله: (فادع الله يغيثنا)، وفي رواية: فاستسق ربك.
قوله: (فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه)، زاد النسائي: ورفع الناس أيديهم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعون، وفي رواية: فنظر إلي السماء، ولابن خزيمة: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه)[10].

قوله: (اللهم أغثنا).
قال الحافظ: أعاده ثلاثا لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دعا دعا ثلاثا.

قوله: (فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة)، القزع قطع من السحاب رقاق، وفي رواية: قال أنس: وإن السماء لفي مثل الزجاجة.

قوله: (إذا طلعت من ورائه سحابة).
قال الحافظ: كأنها نشأت من جهة البحر، قوله مثل الترس أي مستديرة ولأبي عوانة: فنشأت سحابة مثل رجل الطائر وأنا أنظر إليه، وفي رواية: فهاجت ريح أنشأت سحابا ثم اجتمع، وفي رواية: حتى ثار السحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته.

قوله: (فلا والله ما رأينا الشمس سبتا)، المراد به الأسبوع كما يقال جمعة، وفي رواية فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى وفي رواية فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا.

قوله: (ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة)، ولأبي عوانة: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى.

قال الحافظ: (وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدا، فلعل أنسا تذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن كان تذكره، ويؤيد ذلك رواية البيهقي في الدلائل من طريق يزيد: أن عبيدا السلمي قال: لما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غزوة تبوك أتاه وفد بني فزارة وفيه خارجة بن حصن أخو عيينة قدموا على إبل عجاف فقالوا يا رسول الله أدع لنا ربك أن يغيثنا فذكر الحديث وفيه فقال: "اللهم أسق بلدك وبهيمك وانشر بركتك اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء" وفيه قال: فلا والله ما نرى في السماء من قزعة ولا سحاب وما بين المسجد وسلع من بناء فذكر حديث أنس بتمامه وفيه قال الرجل يعني الذي سأله أن يستسقي لهم هلكت الأموال.

قوله: (هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا)، وفي رواية: تهدمت البيوت وغرق المال، ولابن خزيمة: واحتبس الركبان، وفي رواية: فأدع لنا ربك أن يحبسها عنا فضحك، وفي رواية: فتبسم لسرعة مقالة ابن آدم.

قوله: (اللهم حوالينا ولا علينا)، المراد به صرف المطر عن الأبنية والدور.
قوله: (اللهم على الآكام والظراب) الحكام الهضاب، وقيل: ما ارتفع من الأرض، والتراب جمع ظرب هو الجبل المنبسط ليس بالعالي.

قوله: (فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس)، وفي رواية: فانجابت عن المدينة أنجياب الثوب، وفي رواية: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون أي أهل الضواحي ولا يمطر أهل المدينة، ولأحمد: فتقور ما فوق رءوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل، وفي رواية: فما يشير بيده إلي ناحية من السحاب إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة، وفي رواية: وسال الوادي وادي قناة شهرا.

قال البخاري: باب الاستسقاء في المسجد الجامع [11] وذكر الحديث.

قال الحافظ: (وقد ترجم له المصنف بعد ذلك من اكتفى بصلاة الجمعة في خطبة الاستسقاء، وترجم له أيضا الاستسقاء في خطبة الجمعة، فأشار بذلك إلى أنه إن اتفق وقوع ذلك يوم الجمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة، قال وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة وفيه القيام في الخطبة وأنها لا تنقطع بالكلام ولا تنقطع بالمطر وفيه قيام الواحد بأمر الجماعة وإنما لم يباشر ذلك بعض أكابر الصحابة لأنهم كانوا يسلكون الأدب بالتسليم وترك الابتداء بالسؤال ومنه قول أنس كان يعجبنا أن يجيء الرجل من البادية فيسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسؤال الدعاء من أهل الخير ومن يرجى منه القبول وإجابتهم لذلك ومن أدبه بث الحال لهم قبل الطلب لتحصيل الرقة المقتضية لصحة التوجه فترجى الإجابة عنده وفيه تكرار الدعاء ثلاثا وإدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر ولا تحويل فيه ولا استقبال والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء، وليس في السياق ما يدل على أنه نواها مع الجمعة وفيه علم من أعلام النبوة في إجابة الله دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام عقبه أو معه ابتداء في الاستسقاء والاستصحاء وامتثال السحاب أمره بمجرد الإشارة، وفيه الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلي استمراره فاحترز فيه بما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع ويستنبط منه أن من أنعم الله عليه بنعمة لا ينبغي له أن يتسخطها لعارض يعرض فيها بل يسأل الله رفع ذلك العارض وإبقاء النعمة، وفيه أن الدعاء برفع الضرر لا ينافي التوكل وإن كان مقام الأفضل التفويض - صلى الله عليه وسلم - لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان عالما بما وقع لهم من الجدب وأخر السؤال في ذلك تفويضا لربه ثم أجابهم إلى الدعاء لما سألوه في ذلك بيانا للجواز، قال وفيه جواز تبسم الخطيب على المنبر تعجبا من أحوال الناس، قال وفيه جواز الدعاء بالاستصحاء للحاجة)[12].

تتمة:
عن أنس أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا قال فيسقون.

عن ابن عمر قال: استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب فذكر الحديث، وفيه فخطب الناس عمر فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله وفي حديث آخر: أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه القوم بي إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث، فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس.

قال الحافظ: (ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه وعن الشعبي قال خرج عمر- رضي الله عنه- يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا ما رأيناك استسقيت فقال لقد طلبت الغيث بمجاريح السماء الذي يستنزل به المطر ثم قرأ: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴾ [نوح: 10-11] ﴿ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ﴾ [هود: 3] رواه سعيد بن منصور، وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استسقى، قال: "اللهم اسق عبادك، وبهائمك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت " رواه أبو داود، وعن عائشة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى المطر قال: "اللهم صيبا نافعا". رواه أحمد والبخاري والنسائي.

وعن أنس قال: أصابنا ونحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مطر فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحسر ثوبه عنه حتى أصابه، فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال: "لأنه حديث عهد بربه". رواه أحمد ومسلم وأبو داود، وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "خرج سليمان يستسقى فرأى نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها إلي السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن سقياك فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". رواه أحمد وصححه الحاكم [13] وبالله التوفيق.


[1] فتح الباري: (2/ 499).

[2] فتح الباري: (2/ 32).

[3] فتح الباري: (2/ 492).

[4] فتح الباري: (2/ 34).

[5] فتح الباري: (2/ 34).


[6] فتح الباري: (2/ 38).

[7] فتح الباري: (2/ 514).

[8] فتح الباري: (2/ 38).

[9] فتح الباري: (2/ 500).

[10] فتح الباري: (2/ 502).


[11] فتح الباري: (2/ 34).

[12] فتح الباري: (2/ 501).

[13] فتح الباري: (2/ 497).









ابوالوليد المسلم 24-02-2020 03:51 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




صلاة الخوف

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث الأول

144- عن عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما- قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة، ركعة.

صلاة الخوف ثابتة بالكتاب والسنة.

قال تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ ﴾ [النساء: 101- 102]، قال مجاهد: سبب نزول هذه الآية عن أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد فصلينا الظهر فقال: لقد أصبنا غرة لو حملنا عليهم وهم في الصلاة فنزلت الآية بين الظهر والعصر. رواه أحمد وأصحاب السنن.

قال الخطابي: (قلت: صلاة الخوف أنواع، وقد صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أيام مختلفة وعلى أشكال متباينة يتحرى في كلها ما هو أحوط للصلاة والأبلغ في الحراسة وهي على اختلاف صورها متفقة المعنى)[1].

قوله: (صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي فيها العدو) مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله يصلي بنا، فقامت طائفة معه وأقبلت طائفة على العدو، وركع بمن معه وسجد سجدتين ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصلي فجاؤوا فركع بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين.

قال الحافظ: (ولما كانت الآيتان قد اشتملتا على مشروعية القصر في صلاة الخوف وعلى كيفيتها ساقهما معا وآثر تخريج حديث ابن عمر لقوة شبه الكيفية التي ذكرها فيه بالآية).

قوله: (فقامت طائفة معه، وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا)، وفي رواية: ثم انصرفوا مكان الطائفة التي لم تصل.

قال الحافظ: (أي فقاموا في مكانهم ولمالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا ولا يسلمون.

قال الحافظ: وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة وفي رواية فقام كل واحد منهم فركع لنفسه)[2].

قال الحافظ: (وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا فيستلزم تضييع الحراسة المطلوبة وإفراد الإمام وحده ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه: ثم سلم فقام هؤلاء أي الطائفة الثانية فقضوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا ثم ذهبوا صراع أولئك إلى مقامهم فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا، قال: وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، قال: واستدل به على عظم أمر الجماعة بل على ترجيح القول بوجوبها لارتكاب أمور كثيرة لا تغتفر في غيرها ولو صلى كل امرئ منفردا لم يقع الاحتياج إلى معظم ذلك، وقد ورد في كيفية صلاة الخوف صفات كثيرة ورجح ابن عبد البر هذه الكيفية الواردة في حديث ابن عمر على غيرها لقوة الأسنان لموافقة الأصول في أن المأموم لا يتم صلاته قبل سلام إمامه، وعن أحمد قال: ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء جاز ومال إلي ترجيح حديث سهل بن أبي حثمة وكذا رجحه الشافعي ولم يختر إسحاق شيئا على شيء وبه قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر- إلى أن قال- قال صاحب الهدي أصولها ست صفات وبلغها بعضهم أكثر وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجها من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو من اختلاف الرواة)[3] ا هـ.

قال الحافظ: وهذا هو المعتمد.

وقال البخاري: باب صلاة الخوف رجالا وركبانا، راجل قائم.

حدثنا سعيد بن يحيى بن سعيد القرشي، قال: حدثني أبي قال: حدثنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع، عن ابن عمر نحوا من قول مجاهد إذا اختلطوا قياما وزاد ابن عمر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا[4].

قال الحافظ: (قوله باب صلاة الخوف رجالا وركبانا. قيل مقصوده أن الصلاة لا تسقط عند العجز عن النزول عن الدابة ولا تؤخر عن وقتها بل تصلى على أي وجه حصلت القدرة عليه بدليل الآية قوله راجل قائم يريد أن قوله رجالا جمع راجل والمراد به هنا القائم ويطلق على الماشي أيضا وهو المراد في سورة الحج بقوله تعالى يأتوك رجالا أي مشاة، وفي تفسير الطبري بسند صحيح عن مجاهد: فإن خفتم فرجالا أو ركبانا، إذا وقع الخوف فليصل الرجل على كل جهة قائما أو راكبا، وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه وصف صلاة الخوف ثم قال: فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها.

قال مالك: قال نافع لا أرى عبدالله بن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -)[5].

قال الحافظ: (وإن كانوا أكثر من ذلك أي إن كان العدو والمعنى أن الخوف إذا أشتد والعدو إذا كثر فخيف من الإنقسام لذلك جازت الصلاة حينئذ بحسب الإمكان وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان فينتقل عن القيام إلا الركوع وعن الركوع والسجود إلي الإيماء إلي غير ذلك وبهذا قال الجمهور ولكن قال المالكية لا يصنعون ذلك حتى يخشى فوات الوقت)[6] انتهى.

قال الخرقي: (وإن خاف وهو مقيم صلى بكل طائفة ركعتين وأتمت الطائفة الأولى بـ" الحمد لله" في كل ركعة والطائفة الأخرى تتم بـ"الحمد لله" وسورة في كل ركعة)[7].

قال الحافظ: (وصلاة الخوف في الحضر قال بها الشافعي والجمهور وعن مالك تختص بالسفر والحجة للجمهور قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ ﴾ [النساء: 102] فلم يقيد ذلك بالسفر)[8]. والله أعلم انتهى.

الحديث الثاني

145- عن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم ثم سلم بهم.

الرجل الذي صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، هو سهل بن أي حثمة.

قوله: (عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف).

قال البخاري: (وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلا وهي بعد خيبر لأن أبا موسى جاء بعد خيبر. وفي حديث أبى موسى فسميت غزوة ذات الرقاع لما كنا نعصب من الخرق على أرجلنا وفي حديث جابر أنه صلى صلاة الخوف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغزوة السابعة غزوة الرقاع)[9].

قال الحافظ: (المراد الغزوات التي وقع فيها القتال والأولى منها بدر والثانية أحد والثالثة الخندق والرابعة قريظة والخامسة المريسيع والسادسة خيبر فيلزم من هذا أن تكون ذات الرقاع بعد خيبر للتنصيص على أنها السابعة فالمراد تاريخ الوقعة لا عدد الموازي)[10].

قوله: (إن طائفة صفت مع الإمام وطائفة وجاه العدو) إلي آخره، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت في صلاة الخوف.

قال الحافظ: (فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة صلاة الخوف كيفيات حملها بعض العلماء على اختلاف الأحوال وحملها آخرون على التوسع والتخيير وما ذهب إليه مالك من ترجيح هذه الكيفية وافقه الشافعي وأحمد وداود على ترجيحها لسلامتها من كثرة المخالفة ولكونها أحوط لأمر الحرب مع تجويزهم الكيفية التي في حديث ابن عمر قال وحمل الجمهور حديث سهل على أن العدو كان في غير جهة القبلة فلذلك صلى بكل طائفة وحدها جميع الركعة وأما إذا كان العدو في جهة القبلة فعلى ما في حديث ابن عباس أن الإمام يحرم بالجميع ويركع بهم فإذا سجد سجد معه صف وحرس صف إلي آخره ووقع عند مسلم من حديث جابر صفنا صفين والمشركون بيننا وبين القبلة انتهى. ومقتض حديث سهل أن الطائفة الأولى تتم لأنفسها مع بقاء صلاة الإمام وتتوجه للحراسة فارغة من الصلاة ومقتض حديث ابن عمر أن الطائفة الأولى تتوجه للحراسة مع كونها في الصلاة[11].

قوله: (ثم سلم بهم) ظاهره أنه انتظرهم في التشهد ليسلموا معه فالطائفة الأولى أحرموا معه والأخرى سلموا معه.

قوله: (الرجل الذي صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو سهل بن أبى حثمة).

قال البخاري: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات عمن شهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلى صلاة الخوف أن طائفة صفت معه الحديث.

ثم قال حدثنا مسدد، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوست عن سهل بن أبي حثمة قال يقوم الإمام مستقبل القبلة وطائفة منهم معه وطائفة من قبل العدو وجوههم إلا العدو فيصلي بالذين معه ركعة ثم يقومون فيركعون لأنفسهم ركعة ويجدون سجدتين في مكانهم ثم يذهب هؤلاء إلي مقام أولئك فيركع بهم ركعة فله ثنتان ثم يركعون ويسجدون سجدتين[12].

قال الحافظ: (قوله: عمن شهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف قيل إن اسم هذا المبهم سهل بن أبي حثمة وهذا هو الظاهر من رواية البخاري ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير لأن أبا أويس روى هذا الحديث عن يزبد بن رومان شيخ مالك فيه فقال عن صالح بن خوات عن أبيه أخرجه بن منده في معرفة الصحابة من طريقه وكذلك أخرجه البيهقي من طريق عبيد الله بن عمر عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه.

قال الحافظ: ويحتمل أن صالحا سمعه من أبيه ومن سهل بن أبي حثمة فلذلك يبهمه تارة ويعينه أخرها[13].

الحديث الثالث

146- عن جابر بن عبدالله الأنصاري - رضي الله عنهما- قال: شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، فصففنا صفين خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود وقام الصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم ثم ركع النبي - صلى الله عليه وسلم -ركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع فرفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه - الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى - فقام الصف المؤخر في نحر العدو. فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا جميعا. قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم.

ذكره مسلم بتمامه. وذكر البخاري طرفا منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الغزوة السابعة غزوة ذات الرقاع.

قال ابن دقيق العيد: (هذه كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة فإنه تتأتى الحراسة مع كون الكل مع الإمام في الصلاة وفيها التأخر عن الإمام لأجل العدو)[14].

قال البخاري: باب يحرس بعضهم بعضا في صلاة الخوف[15].
وذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنه-، قال: قام النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام الناس معه فكبر وكبروا معه وركع وركع ناس منهم ثم سجد وسجدوا معه ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في صلاة ولكن يحرس بعضهم بعضا.

قال الحافظ: قوله باب يحرس بعضهم بعضا في الخوف.

قال ابن بطال: محل هذه الصورة إذا كان العدو في جهة القبلة فلا يفترقون والحالة هذه بخلاف الصورة الماضية في حديث ابن عمر وقال الطحاوي ليس هذا بخلاف القرآن لجواز أن يكون قوله تعالى ولتأت طائفة أخرى إذا كان العدو في غير القبلة وذلك ببيانه - صلى الله عليه وسلم - ثم بين كيفية الصلاة إذا كان العدو في جهة القبلة، والله أعلم.

قال الحافظ: (ولم يقع في رواية الزهري هذه هل أكملوا الركعة الثانية أم لا، وقد رواه النسائي من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن شيخه عبيدالله بن عبدالله بن عتبة فزاد في آخره ولم يقضوا وهذا كالصريح في اقتصارهم على ركعة ركعة وفي الباب عن حذيفة وعن زيد بن ثابت عند أبي داود والنسائي وابن حبان وعن جابر عند النسائي ويشهد له ما رواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة وبالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة يقول إسحاق والثوري ومن تبعهما، وقال به أبو هريرة وأبو موسى الأشعري وغير واحد من التابعين ومنهم من قيد ذلك بشدة الخوف، وقال الجمهور قصر الخوف قصر هيئة لا قصر عدد وتأولوا رواية مجاهد هذه على أن المراد به ركعة مع الإمام وليس فيه نفي الثانية، وقالوا يحتمل أن يكون قوله في الحديث السابق لم يقضوا أي لم يعيدوا الصلاة بعد الأمن والله أعلم فائدة لم يقع في شيء من الأحاديث المروية في صلاة الخوف تعرض لكيفية صلاة المغرب وقد اجمعوا على أنه لا يدخلها قصر واختلفوا هل الأولى أن يصلي بالأولى ثنتين والثانية واحدة أو العكس)[16].

وعن جابر قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بذات الرقاع وأقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أربع، وللقوم ركعتان. متفق عليه. وللشافعي والنسائي. عن الحسن عن جابر: أن النبي؟ صلى بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم.

قال الحافظ: (وقع القصد إلي جهة نجد في عدة غزوات وروى جابر قصتين مختلفتين في صلاة الخوف) [17]انتهى.

وعن الحسن عن أبي بكرة قال: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف، فصلى ببعض أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم تأخروا وجاء الآخرون وكانوا في مقامهم، فصلى بهم ركعتين ثم سلم، فصار للنبي - صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان ركعتان. رواه أحمد والنسائي. قال أبو داود: وكذلك المغرب ليكون للإمام ست ركعات وللقوم ثلاث. انتهى.

قال الشوكاني: (وهو قياس صحيح عن أبي هريرة قال: صليت مع رسول الله؟ صلاة الخوف عام غزوة نجد، فقام إلي صلاة العصر فقامت معه طائفة، وطائفة أخرى مقابل العدو وظهورهم إلي القبلة، فكبر فكبروا جميعا الذين معه والذين مقابل العدو ثم ركع ركعة واحدة وركعت الطائفة التي معه، ثم سجد فسجدت الطائفة التي تليه والآخرون قيام مقابلى العدو، ثم قام وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوهم وأقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما هو، ثم قاموا فركع ركعة أخرى وركعوا معه وسجد وسجدوا معه، ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد ومن معه ثم كان السلام فسلم وسلموا جميعا، فكان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ولكل رجل من الطائفتين ركعتين ركعتين. رواه أحمد وأبو داود والنسائي. عن ثعلبة بن زهدم قال كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقام فقال أيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف فقال حذيفة أنا فصلى بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. رواه أبو داود والنسائي[18].

قال الشوكاني: (وقد أخذ بكل نوع من أنواع صلاة الخوف الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من أهل العلم، والحق الذي لا محيص عنه أنها جائزة على كل نوع من الأنواع الثابتة وقد قال أحمد بن حنبل: لا أعلم في هذا الباب حديثا إلا صحيحا)[19].

قال البخاري: باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء[20].

وقال الوليد: ذكرت للأوزاعي صلاة شرحبيل بن السمط وأصحابه على ظهر الدابة فقال كذلك الأمر عندنا إذا تخوف الفوت.

واحتج الوليد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة ثم ذكر حديث ابن عمر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لنا لما رجع من الأحزاب لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يعنف واحدا منهم.

قال الحافظ: (أخرج أبو داود في صلاة الطالب حديث عبيد الله بن أنيس إذ بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلي سفيان الهذلي قال فرأيته وحضرت العصر فخشيت فوتها فانطلقت أمشي وأنا أصلي أومىء إيماء وإسناده حسن)[21] انتهى والله أعلم.


[1] معالم السنن: (1/ 269).

[2] فتح الباري: (2/ 429، 430).

[3] فتح الباري: (2/ 431).

[4] فتح الباري: (2/ 431).

[5] فتح الباري: (2/ 431).

[6] فتح الباري: (2/ 432).

[7] فتح الخرقي: (1/34).

[8] فتح الباري: (7/ 421).

[9] فتح الباري: (5/ 144).

[10] فتح الباري: (7/ 419).

[11] فتح الباري: (7/ 424).

[12] فتح الباري: (5/ 145).

[13] فتح الباري: (7/ 422)

[14] إحكام الأحكام شرح عملي الأحكام: (1/ 245).


[15] فتح الباري: (2/ 18).

[16] فتح الباري: (2/433).

[17] فتح الباري: (7/ 428).

[18] نيل الأوطار: (2/ 196).

[19] نيل الأوطار: (4/ 2).

[20] فتح الباري: (2/ 19).

[21] فتح الباري: (2/ 437).










ابوالوليد المسلم 24-02-2020 03:54 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





كتاب الجنائز (1)


أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث الأول

147- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: نعى النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج إلى المصلى فصف بهم وكبر أربعا.

الحديث الثاني

148- عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث.

الجنائز: جمع جنازة بفتح الجيم وكسرها وقيل بالكسر للنعش، وبالفتح للميت.

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أكثروا ذكر هادم اللذات يعني الموت، فما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره".

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر ينزل به فإن كان لابد متمنيا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي" متفق عليه. وعن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل". رواه مسلم، وروى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، وعن أم سلمة قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: "أن الروح إذا قبض تبعه البصر". فضج ناس من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون". ثم قال: "اللهم اغفر لأبى سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه في الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين وأفسح له في قبره، ونور له فيه".

قال في الاختيارات الفقهية[1]: (واختلف أصحابنا وغيرهم في عيادة المريض وتشميت العاطس وابتداء السلام والذي يدل عليه النص وجوب ذلك فيقال: هو واجب على الكفاية.

وعرض الأديان عند الموت على العبد ليس أمراً عاماً لكل أحد ولا هو أيضاً منفياً عن كل أحد بل من الناس من لا يعرض عليه الأديان ومنهم من يعرض عليه وذلك كله عين فتنة المحيا التي أمرنا أن نستعيذ في صلاتنا منها ورقت الموت يكون الشيطان أحرص ما يكون على إغواء بني آدم وعمل القلب من التوكل والخوف والرجاء وما يتبع ذلك والصبر واجب بالاتفاق ولا يلزم الرضا بمرض وفقر وعاهة وهو الصحيح من المذهب والصبر تنافيه الشكوى والصبر الجميل تنافيه الشكوى إلا المخلوق لا إلي الخالق بل هي مطلوبة بإجماع المسلمين قال الله تعالى: ï´؟ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ï´¾ [الأنعام: 42]، إلي غير ذلك من الآيات، وينبغي للمؤمن أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا فأيهما غلب هلك صاحبه، ونص عليه الإمام أحمد لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله وتعتبر المصلحة في عبادة الداعي ولا يشهد بالجنة إلا لمن شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - أو اتفقت الأمة على الثناء عليه وهو أحد القولين وتواطؤ الرؤيا لتواطئ الشهادات ومن ظن أن غيره لا يقوم بأمر الميت تعين عليه وقال القاضي وغيره في فرض الكفاية. انتهى.

قوله: (نعى النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي في اليوم الذي مات فيه) وقال ابن المرابط: النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والإستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام. انتهى.

وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النعي. أخرجه الترمذي وابن ماجه.

وعن ابن عون قال: قلت لإبراهيم أكانوا يكرهون النعي قال: نعم، قال: ابن عون كانوا إذا توفي الرجل ركب رجل دابة ثم صاح في الناس أنعى فلانا قال ابن عون.

قال ابن سيرين: لا أعلم بأسا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه. أخرجه سعيد بن منصور.

قال ابن العربي: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة، الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره، الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم.

قال ابن دقيق العيد: (ويحمل النعي الجائز على ما فيه غرض صحيح مثل طلب كثرة الجماعة تحصيلا لدعائهم وتتميما للعدد الذي وعد بقبول شفاعتهم في الميت كالمائة مثلا)[2].

قوله: (وخرج إلي المصلى فصف بهم وكبر أريعا). وفي حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي، فكنت في الصف الثاني أو الثالث. وفي رواية في حديث جابر قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"قد توفى اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه: قال: فصففنا فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن صفوف"، وفي رواية:"فقوموا فصلوا على أخيكم أصحمة".

قال الحافظ: (وفي الحديث دلالة على أن للصفوف على الجنازة تأثيرا ولو كان الجمع كثيرا لأن الظاهر أن الذين خرجوا معه - صلى الله عليه وسلم - كانوا عددا كثيرا وكان المصلى فضاء ولا يضيق بهم لو صفوا فيه صفا واحدا ومع ذلك فقد صفهم، وهذا هو الذي فهمه مالك بن هبيرة الصحابي فكان يصف من يحضر الصلاة على الجنازة ثلاثة صفوف سواء قلوا أو كثروا، ويبقى النظر فيما إذا تعددت الصفوف والعدد قليل أو كان الصف واحدا والعدد كثير أيهما أفضل، وفي قصة النجاشي علم من أعلام النبوة لأنه - صلى الله عليه وسلم - أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة، قال: واستدل به على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف، وعن الحنفية والمالكية لا يشرع ذلك، وعن بعض أهل العلم إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب منه لا ما إذا طالت المدة. حكاه ابن عبد البر.

قال الحافظ: وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي بأمور منها أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد فتعينت الصلاة عليه لذلك ومن ثم قال الخطابي لا يصلي على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه واستحسنه الروماني من الشافعية فيه ترجم أبو داود في السنن الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر) [3]انتهى.

وقال البخاري: باب الصلاة على الجنائز بالمصلى والمسجد[4].

وذكر حديث أبي هريرة في قصة النجاشي وحديث ابن عمر - رضي الله عنه - أن اليهود جاؤوا إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل منهم وامرأة زنيا فأمر بهما فرجما قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.

قال ابن رشيد: لم يتعرض المصنف لكون الميت بالمصلى أولا لأن المصلي عليه كان غائبا وألحق حكم المصلي بالمسجد بدليل ما تقدم في العيدين من حديث أم عطية ويعتزل الحيض المصلى فدل على أن للمصلى حكم المسجد فيما ينبغي أن يجتنب فيه ويلحق به ما سوى ذلك.

قال الحافظ: (ثم أورد المصنف حديث ابن عمر في رجم اليهوديين وحكي ابن بطال عن ابن حبيب أن مصلى الجنائز بالمدينة كان لاصقا بمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - من ناحية جهة المشرق.

قال الحافظ: فإن ثبت ما قال وإلا فيحتمل أن يكون المراد بالمسجد هنا المصلى المتخذ للعيدين والاستسقاء لأنه لم يكن عند المسجد النبوي مكان يتهيأ فيه الرجم وسيأتي في قصة ماعز فرجمناه بالمصلى، ودل حديث ابن عمر المذكور على أنه كان للجنائز مكان معد للصلاة عليها فقد يستفاد منه أن ما وقع من الصلاة على بعض الجنائز في المسجد كان لأمر عارض أو لبيان الجواز والله أعلم، واستدل به على مشروعية الصلاة على الجنائز في المسجد ويقويه حديث عائشة ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد أخرجه مسلم، وبه قال الجمهور، وقال مالك لا يعجبني، وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة وكل من قال بنجاسة الميت وأما من قال بطهارته منهم فلخشية التلويث وحملوا الصلاة على سهيل بأنه كان خارج المسجد والمصلون داخله وذلك جائز اتفاقا وفيه نظر لأن عائشة استدلت بذلك لما أنكروا عليها أمرها بالمرور بجنازة سعد على حجرتها لتصلي عليه، واحتج بعضهم بأن العمل استقر على ترك ذلك لأن الذين أنكروا ذلك على عائشة كانوا من الصحابة ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الإنكار سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه، وقد روى ابن أبي شيبة وغيره أن عمر صلى على أبي بكر في المسجد وأن صهيبا صلى على عمر في المسجد زاد في رواية ورضعت الجنازة في المسجد تجاه المنبر وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك)[5].

قال البخاري: باب التكبير على الجنازة أربعا[6].

وقال حميد: صلى بنا أنس - رضي الله عنه - فكبر ثلاثا ثم سلم، فقيل له فاستقبل القبلة ثم كبر الرابعة ثم سلم. وذكر حديثي أبي هريرة وجابر.

قال ابن المنذر: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع وفيه أقوال أخر[7].

الحديث الثالث

149- عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر بعد ما دفن، فكبر عليه أربعا.

قال البخاري: باب الإذن بالجنازة[8].

وقال أبو رافع، عن أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (ألا كنتم آذنتموني ". وذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، ولفظه: قال: مات إنسان كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا فلما أصبح أخبروه، فقال: "ما منعكم أن تعلموني" قالوا: كان الليل فكرهنا - وكانت ظلمة - أن نشق عليك فأتي قبره فصلى عليه.

قوله: مات إنساني اسمه طلحة بن البراء بن عمير البلوي حليف الأنصار، روى حديثه أبو داود مختصرا والطبراني من طريق عروة بن سعيد الأنصاري عن أبيه عن حسين بن وحوح الأنصاري أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي - صلى الله عليه وسلم - يعوده فقال: "إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا" فلم يبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - بني سالم بن عوف حتى توفي، وكان قال لأهله لما دخل الليل إذا مت فادفنوني ولا تدعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإني أخاف عليه يهودا أن يصاب بسببي، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أصبح فجاء حتى وقف على قبره فصف الناس معه ثم رفع يديه فقال: "اللهم الق طلحة يضحك إليك وتضحك إليها"[9].

قال البخاري: باب صفوف الصبيان مع الرجال على الجنائز. وذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر بقبر قد دفن ليلا فقال متى دفن هذا قالوا البارحة قال أفلا آذنتموني قالوا دفناه في ظلمة الليل فكرهنا أن نوقظك فقام فصففنا خلفه قال ابن عباس وأنا فيهم فصلى عليه.

قال البخاري: باب سنة الصلاة على الجنائز. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى على الجنازة". وقال: "صلوا على صاحبكم". وقال: "صلوا على النجاشي" سماها صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود ولا يتكلم فيها وفيها تكبير وتسليم.

وكان ابن عمر لا يصلي إلا طاهرا، ولا يصلي عند طلوع الشمس، ولا غروبها ويرفع يديه.

وقال الحسن: أدركت الناس وأحقهم على جنائزهم من رضوهم لفرائضهم، وإذا أحدث يوم العيد، أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم، وإذا انتهى إلى الجنازة وهم يصلون يدخل معهم بتكبيرة.

وقال ابن المسيب: يكبر بالليل والنهار والسفر والحضر أربعا.

وقال أنس - رضي الله عنه -: التكبيرة الواحدة استفتاح الصلاة. وقال: ï´؟ وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا ï´¾ [التوبة: 84] وفيه صفوف وإمام.

حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة عن الشيباني، عن الشعبي قال: أخبرني من مر مع نبيكم - صلى الله عليه وسلم - على قبر منبوذ فأمنا فصففنا خلفه فقلنا يا أبا عمرو من حدثك قال ابن عباس - رضي الله عنهما-[10].

وقال البخاري أيضاً: باب الدفن بالليل. ودفن أبو بكر- رضي الله عنه - ليلا.

وذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنهما-، قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - على رجل بعد ما دفن بليلة قام هو وأصحابه وكان سأل عنه فقال من هذا فقالوا فلان دفن البارحة فصلوا عليه[11].

قال الحافظ: (قوله: باب الدفن بالليل، أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من منع ذلك محتجا بحديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجر أن يقبر الرجل ليلا إلا أن يضطر إلي ذلك. أخرجه ابن حبان، لكن بين مسلم في روايته السبب في ذلك ولفظه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض وكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلي ذلك، وقال: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه" فدل على أن النهي بسبب تحسين الكفن، وقوله: حتى يصلي عليه، مضبوط بكسر اللام أي النبي - صلى الله عليه وسلم - فهذا سبب آخر يقتضي أنه إن رجي بتأخير الميت إلى الصباح صلاة من ترجى بركته عليه استحب تأخيره وإلا فلا وبه جزم الطحاوي، واستدل المصنف للجواز بما ذكره من حديث ابن عباس ولم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - دفنهم إياه بالليل بل أنكر عليهم عدم إعلامهم بأمره وأيد ذلك بما صنع الصحابة بأبي بكر وكان ذلك كالإجماع منهم على الجواز[12] انتهى.

قال في الاختيارات: (وتستحب قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ولا تجب وهو ظاهر نقل أبي طالب ويصلي على الجنازة مرة بعد أخرى لأنه دعاء وهو وجه في المذهب واختاره ابن عقيل في القنوت، وقال أبو العباس في موضع آخر ومن صلى على الجنازة فلا يعيدها إلا لسبب مثل أن يعيد غيره الصلاة فيعيدها معه أو يكون هو أحق بالإمامة من الطائفة التي صلت أولاً فيصلي بهم، ويصلى على القبر إلى شهر، وهو مذهب أحمد، وإذا صلى على جنازة وهي على أعناق الرجال وهي واقفة فهذا له مأخذان الأول استقرار المحل فقد يخرج فيه ما في الصلاة في السفينة وعلى الراحلة مع استيفاء الفرائض وإمكان الانتقال وفيه روايتان والثاني اشتراط محاذاة المصلي للجنازة لو كان أعلى من رأسه وهذا قد يخرج فيه ما في علو الإمام على المأموم فلو وضعت على كرسي عال أو منبر ارتفع المحذور الأول دون الثاني.

قلت: قال أبو المعالي: لو صلى على جنازة وهي محمولة على الأعناق أو على دابة أو صغير على يدي رجل لم يجز لأن الجنازة بمنزلة الإمام، وقال صاحب "التلخيص" وجماعة: يشترط حضور السرير بين يدي المصلي ولا يصلي على الغائب عن البلد إن كان صلى عليه وهو وجه في المذهب، ومقتض اللفظ أن من هو خارج السور أو ما يقدر سوراً يصلى عليه، لكن هذا لا أصل له فلابد من انفصاله عن البلد بما يعد الذهاب إليه نوع سفر وقال القاضي وغيره: أنه يكفي خمسون خطوة، وأقرب الحدود ما يجب فيه الجمعة لأنه إذا كان من أهل الصلاة في البلد فلا بعد غائباً عنه، ولا يصلى كل يوم على كل غائب لأنه لم ينقل يؤيده قول الإمام أحمد: إذا مات رجل صالح صلي عليه واحتج بقصة النجاشي، وما يفعله بعض الناس من أنه كل ليلة يصلي على جميع من مات من المسلمين في ذلك اليوم لا ريب أنه بدعة، ومن مات وكان لا يزكي ولا يصلي إلا في رمضان ينبغي لأهل العلم والدين أن يدعوا الصلاة عليه عقوبة ونكالا لأمثاله لتركه - صلى الله عليه وسلم - الصلاة على القاتل نفسه وعلى الغال والمدين الذي ليس له وفاء ولا بد أن يصلي عليه بعض الناس وإن كان منافقا كمن علم نفاقه لم يصل عليه، ومن لم يعلم نفاقه صلي عليه ولا يجوز لأحد أن يترحم على من مات كافراً ومن مات مظهرا للفسق مع ما فيه من الإيمان كأهل الكبائر ومن امتنع من الصلاة على أحدهم زجراً لأمثاله عن مثل فعله كان حسناً ولو امتنع في الظاهر ودعا له في الباطن ليجمع بين المصلحتين كان أولى من تفويت إحداهما، وترك النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل الشهيد والصلاة عليه يدل على عدم الوجوب، أما استحباب الترك فلا يدل على تحريم الفعل)[13] انتهى والله أعلم.


[1] ( 1/443).

[2] إحكام الأحكام شرح عملي الأحكام: (1247).

[3] فتح الباري: (3/ 187).

[4] فتح الباري: (2/ 111).

[5] فتح الباري: (3/ 199).

[6] فتح الباري: (2/ 64).

[7] فتح الباري: (3/ 202).

[8] صحيح البخاري: (2/92).

[9] فتح الباري: (3/ 118).

[10] فتح الباري: (2/ 109).


[11] فتح الباري: (2/ 113).

[12] فتح الباري: (3/ 207).

[13] الاختيارات الفقهية: (1/ 444).









ابوالوليد المسلم 24-02-2020 03:56 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك



( كتاب الجنائز 2 )

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث الرابع
150- عن عائشة- رضي الله عنها- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب يمانية بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة.

قولها: (سحولية) نسبة إلي سحول قرية باليمن وفي رواية من كرسف وهو القطن.

قال البخاري: باب الثياب البيض للكفن[1]. وذكر الحديث.

قال الحافظ: (أورد فيه حديث عائشة كفن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب بيض الحديث وتقرير الاستدلال به أن الله لم يكن ليختار لنبيه إلا الأفضل قال الترمذي وتكفينه في ثلاثة أثواب بيض أصح ما ورد في كفنه.

قولها: (ليس فيها قميص ولا عمامة) وعن الشعبي إزار ورداء وفيه استحباب التكفير في ثلاثة أثواب يدرج فيها إدراجا[2].

وقال ابن دقيق العيد: (فيه جواز التكفين بما زاد على الواحد الساتر لجميع البدن وأنه لا يضايق في ذلك ولا يتبع من رأى من منع منه من الورثة)[3].

قال الحافظ: (ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجزئ ثوب واحد يصف ما تحته من البدن)[4] انتهى.

قال البخاري: باب الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص وذكر حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- أن عبد الله بن أبي لما توفي جاء ابنه إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله: أعطني قميصك أكفنه فيه الحديث، وحديث جابر- رضي الله عنه- قال: أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه[5].

قال الحافظ: (والمعنى أن التكفين في القميص ليس ممتنعا سواء كان مكفوف الأطراف أو غير مكفوف أو المراد بالكف تزريره دفعا لقول من يدعي أن القميص لا يسوغ إلا إذا كانت أطرافه غير مكفوفة أو كان غير مزور ليشبه الرداء وأشار بذلك إلي الرد على من خالف في ذلك إلى أن التكفين في غير قميص مستحب ولا يكره التكفير في القميص)[6] انتهى والله أعلم.

الحديث الخامس
151- عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته زينب فقال: " اغسلنها بثلاث أو خمس أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني". فلما فرغنا آذناه. فأعطانا حقوه فقال: "أشعرنها إياه، تعني إزاره".

وفى رواية "أو سبعا" وقال: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" وأن أم عطية قالت: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون.

قولها: (دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفيت ابنته زينب)، وفي رواية للنسائي: ماتت إحدى بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إلينا فقال: "اغسلنها" قولها: فقال: "اغسلنها بثلاث أو خمس أو أكثر من ذلك، إن رأيتن ذلك".

قال الحافظ: (قال النووي: المراد اغسلنها وترا وليكن ثلاثا فإن احتجن إلي زيادة فخمسا، وحاصله أن الإيتار مطلوب والثلاث مستحبة فإن حصل الإنقاء بها لم يشرع ما فوقها وإلا زيد وترا حتى يحصل الانقاء والواجب من ذلك مرة واحدة عامة للبدن).

وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع، وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء فلا أحب الزيادة على ذلك، وقوله: إن رأيتن ذلك معناه التفويض إلا اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي، قوله: "بماء وسدر" قال ابن العربي: هذا أصل في جواز التطهر بالماء المضاف إذا لم يسلب الماء الإطلاق.

قال القرطبي: يجعل السدر في ماء ويخضخض إلا أن تخرج رغوته ويدلك به جسده ثم يصب عليه الماء القراح فهذه غسلة.

وعن أحمد يغسل في كل مرة بالماء والسدر وعن ابن سيرين أنه كان يأخذ الغسل عن أم عطية فيغسل بالماء والسدر مرتين والثالثة بالماء والكافور رواه أبو داود.

قال الحافظ: والمشهور عند الجمهور أنه غسل تعبدي يشترط فيه ما يشترط في بقية الأغسال الواجبة والمندويه.

قوله: (واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور) هو شك من الراوي.

قال الحافظ: (ظاهره جعل الكافور في الماء وبه قال الجمهور قيل الحكمة في الكافور مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم أن فيه تجفيفا وتبريدا وقوة نفوذ وخاصية في تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتحلل من الفضلات ومنع اسراع الفساد إليه وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك وهذا هو السر في جعله في الأخيرة.

قوله: (فإذا فرغتن فآذنني أي أعلمنني).

قولها: (فأعطانا حقوه) الحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازا وفي رواية فنزع من حقوق إزاره والحقو في هذا على حقيقته، قوله اشعرنها إياه أي اجعلنه شعارها أي الثوب الذي يلي جسدها، عن ابن جريج قال قلت لأيوب قوله أشعرنها تؤزر به، قال ما أراه إلا قال ألففنها فيه. أخرجه عبد الرزاق، وروى الجوزقي عن أم عطية قالت: فكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما يخمر الحي)[7].

قال الحافظ: (وهذه الزيادة صحيحة الإسناد وقال ولا يكره القميص للمرأة على الراجح عند الشافعية والحنابلة.

وفي الحديث جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل، وعن ليلى بنت قانف الثقفية قالت كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند وفاتها فكان أول ما أعطانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحقاء ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم أدرجت بعد في الثوب الآخر قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس عند الباب معه كفنها تناولناها ثوبا ثوبا. رواه أحمد وأبو داود.

قوله: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معا، قال الزين بن المنير: والحكمة في الأمر بالوضوء تجديد أثر سمة المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل، واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت.

قوله: (وجعلنا رأسها ثلاثة قرون) أي ضفائر، وفي رواية: نقضنه ثم غسلنا ثم جعلنه ثلاثة قرون. قال الحافظ: وفيه حجة للشافعي ومن وافقه على استحباب تسريح الشعر قال وفائدة النقض تبليغ الماء البشرة وتنظيف الشعر من الأوساخ)[8].

وقد ترجم عليه البخاري بعدة تراجم فقال: باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر. وحنط ابن عمر- رضي الله عنهما- ابنا لسعيد بن زيد وحمله وصلى ولم يتوضأ. وقال ابن عباس- رضي الله عنه- المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا. وقال سعد لو كان نجسا ما مسسته. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمن لا ينجس. ثم ذكر الحديث وقال باب ما يستحب أن يغسل وترا. وقال باب يبدأ بميامن الميت. وقال باب مواضع الوضوء من الميت. وقال باب هل تكفن المرأة في إزار الرجل. وقال باب يجعل الكافور في آخره. وذكر الحديث في كل باب وقال أيضا باب نقض شعر المرأة. وقال ابن سيرين لا بأس أن ينقض شعر الميت. وذكر الحديث وقال أيضا باب كيف الإشعار للميت. وقال الحسن الخرقة الخامسة تشد بها الفخذين والوركين تحت الدرع. ثم ذكر الحديث وقال أيضا باب هل يجعل شعر المرأة ثلاثة قرون. وقال باب يلقى شعر المرأة خلفها[9]. وذكر الحديث.

قال الحافظ: (وفي حديث أم عطية من الفوائد غير ما تقدم في هذه التراجم العشر تعليم الإمام من لا علم له بالأمر الذي يقع فيه وتفويضه إليه إذا كان أهلا لذلك بعد أن ينبهه على علة الحكم)[10] انتهى والله أعلم.

الحديث السادس
152- عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما- قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته- أو قال: فأوقصته- فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا".

وفي رواية: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه". الوقص: كسر العنق.

قوله: (فوقصته- أو قال: فأوقصته) القعص القتل في الحال، ومنه قعاص الغنم وهو موتها.

قال الحافظ: يحتمل أن يكون فاعل وقصته الوقعة أو الراحلة بأن تكون أصابته بعد أن وقع قال والأول أظهر.

قوله: (وكفنوه في ثوبين) وفي رواية في ثوبيه، وللنسائي: في ثوبيه الذي أحرم فيها، قال المحب الطبري: إنما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمة له كما في الشهيد حيث قال زملوهم بدمائهم.

قوله: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)، وللنسائي: فإنه يبعث يوم القيامة محرما، قال ابن بطال: وفيه أن من شرع في عمل طاعة ثم حال بينه وبين إتمامه الموت رجي له أن الله يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل.

قوله: (لا تخمروا رأسه) أي لا تغطوه.

قال البيهقي: فيه دليل على أن غير المحرم يحنط كما يخمر رأسه وأن النهي إنما وقع لأجل الإحرام.

قال النووي: (الحنوط بفتح الحاء ويقال له: الحناط بكسر الحاء، وهو أخلاط من طيب تجمع للميت خاصة لا تستعمل في غيره)[11].

قوله: (ولا تخمروا وجهه).

قال الحافظ: (اختلف في ثبوتها وهي قوله ولا تخمروا وجهه، وقال ولفظه عند مسلم من طريق إسرائيل عن منصور وأبي الزبير كلاهما عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس فذكر الحديث قال منصور: ولا تغطوا وجهه وقال أبو الزبير ولا تكشفوا وجهه، وأخرجه النسائي من طريق عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير بلفظ: ولا تخمروا وجهه ولا رأسه.

وقال النووي: يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز تغطية وجهه بل هو صيانة للرأس فإنهم لو غطوا وجهه لم يؤمن أن يغطى رأسه.

قال الحافظ: قال ابن المنذر في حديث ابن عباس إباحة غسل المحرم الحي بالسدر خلافا لمن كرهه له وأن الوتر في الكفن ليس بشرط في الصحة وأن الكفن من رأس المال لأمره - صلى الله عليه وسلم - بتكفينه في ثوبيه ولم يستفصل هل عليه دين يستغرق أم لا وفيه استحباب تكفين المحرم في ثياب إحرامه وأن إحرامه باق وأنه لا يكفن في المخيط، وفيه التعليل بالفاء لقوله فإنه وفيه التكفين في الثياب الملبوسة، وفيه استحباب دوام التنبيه إلى أن ينتهي الإحرام وأن الإحرام يتعلق بالرأس لا بالوجه)[12].

قال الحافظ: (كان وقوع المحرم المذكور عند الصخرات من عرفة وفي الحديث إطلاق الواقف على الراكب واستحباب دوام التلبية في الإحرام وأنها لا تنقطع بالتوجه لعرفة وجواز غسل المحرم بالسدر ونحوه مما لا يعد طيبا)[13].

وقال البخاري: باب المحرم يموت بعرفة.

ولم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤدى عنه بقية الحج[14].

قال الحافظ: (يعنى لم ينقل ذلك وذكر الحديث)[15].

تتمة:
قال البخاري: باب الكفن من جميع المال، وبه قال عطاء والزهري وعمرو بن دينار وقيادة. وقال عمرو بن دينار الحنوط من جميع المال، وقال إبراهيم يبدأ بالكفن ثم بالدين ثم بالوصية. وقال سفيان أجر القبر والغسل هو من الكفن.

حدثنا أحمد بن محمد المكي، حدثنا إبراهيم بن سعد عن سعد، عن أبيه، قال أتي عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه- يوما بطعامه فقال قتل مصعب بن عمير، وكان خيرا مني- فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، وقتل حمزة أو رجل آخر خير مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة، لقد خشيت أن يكون قد عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا ثم جعل يبكي، وقال أيضا: باب إذا لم يجد كفنا إلا ما يواري رأسه، أو قدميه غطى رأسه.

وذكر حديث خباب- رضي الله عنه- قال هاجرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نلتمس وجه الله فوقع أجرنا على الله فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا منهم مصعب بن عمير، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها قتل يوم أحد فلم نجد ما نكفنه إلا بردة إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، إذا غطينا رجليه خرج رأسه فأمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر[16].

قال الحافظ: (وقد يستفاد منه أنه إذا لم يوجد ساتر البتة أنه يغطى جميعه بالإذخر فإن لم يوجد فبما تيسر من نبات الأرض)[17].

تتمة:
قال في الاختيارات الفقهية[18]: (روى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الميت يبعث يوم القيامة في ثيابه التي قبض فيها" أخرجه ابن ماجه في "صحيحه" وغيره وحمله أبو سعيد الخدري على أن الثياب التي يموت فيها العبد يبعث فيها وقال طوائف من أهل العلم كأبي حاتم وغيره المراد بذلك يبعث على ما مات عليه من العمل سواء كان صالحاً أو سيئاً ورجح أبو العباس هذا بان الذي جاء في الحديث أنه يبعث على ما مات عليه رواه أبو حاتم في "صحيحه" وقال: الأحاديث الصحيحة تبين أنهم يحشرون عراة). انتهى.

[1] فتح الباري: (2/ 95).
[2] فتح الباري: (3/ 135).

[3] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: (1/ 248).

[4] فتح الباري: (3/ 141).

[5] فتح الباري: (2/ 96).

[6] فتح الباري: (3/139)

[7] فتح البارز: (3/ 129).

[8] فتح الباري: (3/133).

[9] فتح الباري: (2/93).

[10] فتح الباري: (3/134).

[11] شرح النووي على مسلم: (4/ 276).

[12] فتح الباري: (3/ 138).

[13] فتح الباري: (4/ 55).

[14] صحيح البخاري: (3/22)

[15] فتح الباري: (4/ 64).

[16] صحيح البخاري: (2/97).


[17] فتح الباري: (3/142).

[18] (1/445)









ابوالوليد المسلم 24-02-2020 03:59 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





(كتاب الجنائز 3)

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث السابع

153- عن أم عطية الأنصارية - رضي الله عنها - قالت: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا.

قال البخاري: باب اتباع النساء الجنائز [1]، وذكر الحديث.

قال الحافظ: (قال الزين بن المنير فصل المصنف بين هذه الترجمة وبين فضل أتباع الجنائز بتراجم كثيرة تشعر بالتفرقة بين النساء والرجال وأن الفضل الثابت في ذلك يختص بالرجال دون النساء لأن النهي يقتضي التحريم أو الكراهة والفضل يدل على الاستحباب ولا يجتمعان وأطلق الحكم هنا لما يتطرق إليه من الاحتمال ومن ثم اختلف العلماء في ذلك ولا يخفى أن محل النزاع إنما هو حيث تؤمن المفسدة.

قولها: (نهينا عن إتباع الجنائز) وفي رواية: كنا نهينا عن إتباع الجنائز وعند الإسماعيلي نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم-.

قال الحافظ: (وفيه رد على من قال لا حجة في هذا الحديث لأنه لم يسم الناهي فيه لما رواه الشيخان وغيرهما أن كل ما ورد بهذه الصيغة كان مرفوعا وهو الأصح عند غيرهما من المحدثين. ويؤيد رواية الإسماعيلي ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية عن جدته أم عطية قالت لما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جمع النساء في بيت ثم بعث إلينا عمر فقال إني رسول رسول الله بعثني إليكن لأبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا الحديث وفي آخره وأمرنا أن نخرج في العيد العواتق ونهانا أن نخرج في جنازة.

قوله: (ولم يعزم علينا).

قال الحافظ: أي لم يؤكد علينا في المنع كما أكد علينا في غيره من المنهيات فكأنها قالت: كره لنا إتباع الجنائز من غير تحريم. قال القرطبي: ظاهر سياق حديث أم عطية أن النهي نهي تنزيه وبه قال جمهور أهل العلم.

وقولها: (ولم يعزم علينا) أي أن لا نأتي أهل الميت فنعزيهم ونترحم على ميتهم من غير أن نتبع جنازته.

قال الحافظ: وفي أخذ هذا التفصيل من هذا السياق نظر نعم هو في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى فاطمة مقبلة فقال من أين جئت، فقالت: رحمت على أهل هذا الميت ميتهم فقال لعلك بلغت معهم الكدي، قالت: لا. الحديث أخرجه أحمد والحاكم وغيرهما فأنكر عليها بلوغ الكدي وهي المقابر ولم ينكر عليها التعزية)[2] انتهى والله أعلم.

الحديث الثامن

154- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم".

قال البخاري: باب السرعة بالجنازة.
وقال أنس - رضي الله عنه - أنتم مشيعون وامش بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها. وقال غيره قريبا منها[3]. وذكر الحديث.

قال الحافظ: (قال الزين بن المنير مطابقة هذا الأثر للترجمة أن الأثر يتضمن التوسعة على المشيعين وعدم التزامهم جهة معينة وذلك لما علم من تفاوت أحوالهم في المشي وقضية الإسراع بالجنازة أن لا يلزموا بمكان واحد يمشون فيه لئلا يشق على بعضهم ممن يضعف في المشي عمن يقوي عليه ومحصله أن السرعة لا تتفق غالبا إلا مع عدم التزام المشي في جهة معينة فتناسبا، وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - مرفوعا الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها أحرجه أصحاب السنن.

قوله: (أسرعوا بالجنازة) أي بحملها إلى قبرها، وقيل: المعنى بتجهيزها فهو أعم من الأول، قال القرطبي: والأول أظهر)[4].

قال الحافظ: (نقل ابن قدامة أن الأمر فيه للاستحباب بلا خلاف بين العلماء، وشذ ابن حزم فقال بوجوبه والمراد بالإسراع شدة المشي وعلى ذلك حمله بعض السلف، وهو قول الحنفية قال صاحب الهداية: ويمشون بها مسرعين دون الخبر، وفي المبسوط ليس فيه شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلي أبي حنيفة، وعن الشافعي والجمهور المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد، ويكره الإسراع الشديد، ومال عياض إلى نفي الخلاف، فقال: من استحبه أراد الزيادة على المشي المعتاد ومن كرهه أراد الإفراط فيه كالرمل، والحاصل أنه يستحب الإسراع لكن بحيث لا ينتهي إلا شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا ينافي المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم، قال القرطبي: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن ولأن التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال.

وعن ابن عمر، يقول: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلي قبره" أخرجه الطبراني بإسناد حسن، ولأبي داود من حديث حصين بن وحول مرفوعا: "لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله ". الحديث.

قوله: (فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه) ولمسلم: قربتموها إلى الخير.

قوله: (وإن تكن غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم).

قال الحافظ: وفيه استحباب المبادرة إلي دفن الميت لكن بعد أن يتحقق أنه مات أما مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع بدفنهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم نبه على ذلك ابن بزيزة، ويؤخذ من الحديث ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين)[5]. انتهى والله المستعان.

الحديث التاسع

155- عن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: صليت وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأة ماتت في نفاسها، فقام وسطها.

قال البخاري: باب الصلاة على النفساء وسنتها، وذكر الحديث ثم ذكر حديث ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها كانت تكون حائضا لا تصلي وهي مفترشة بحذاء مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي على خمرته إذا سجد أصابني بعض ثوبه.

قوله: صليت وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على امرأة ماتت في نفاسها، وفي لفظ: أن امرأة ماتت في بطن أي بسبب بطن فصلى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم -[6].

قوله: (فقام وسطها).

قال الحافظ: (بفتح السين في روايتنا وكذا ضبطه ابن التين وضبطه غيره بالسكون وللكشميهني فقام عند وسطها)[7].

قال البخاري: باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها [8] وذكر الحديث.

قال الحافظ: (أي في مدة نفاسها أو بسبب نفاسها والأول أعم من جهة أنه يدخل فيه من ماتت منه أو من غيره والثاني أليق بخبر الباب فإن في بعض طرقه أنها ماتت حاملا قال الزين بن المنير وغيره المقصود بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت معدودة من جملة الشهداء فإن الصلاة عليها مشروعة بخلاف شهيد المعركة)[9].

وقال البخاري أيضاً: باب أين يقوم من المرأة والرجل[10]. وذكر الحديث.

قال الحافظ: (وفيه مشروعية الصلاة على المرأة، فإن كونها نفساء وصف غير معتبر وأما كونها امرأة فيحتمل أن يكون معتبرا فإن القيام عليها عند وسطها لسترها وذلك مطلوب في حقها بخلاف الرجل)[11] والله أعلم.


[1] صحيح البخاري فتح الباري: (2/99).

[2] فتح الباري: (3/145).

[3] صحيح البخاري: (2/100).

[4] فتح الباري: (3/ 183).

[5] فتح الباري: (3/184).

[6] صحيح البخاري: (1/90).

[7] فتح الباري: (1/ 429).

[8] صحيح البخاري: (1/446).

[9] صحيح البخاري: (2/111).

[10] فتح الباري: (3/ 201).

[11] فتح الباري: (31/ 201).









ابوالوليد المسلم 24-02-2020 04:03 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





(كتاب الجنائز 4)

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث العاشر

156- عن أبي موسى عبدالله بن قيس الأشعري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الصالقة والحالقة والشاقة. قال - رضي الله عنه -: الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة.

قال البخاري: باب ما ينهى من الحلق عند المصيبة.

وقال الحكم بن موسى، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبدالرحمن بن جابر أن القاسم بن مخيمرة حدثه قال: حدثني أبو بردة بن أبي موسى- رضي الله عنه - قال وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا برئ ممن برئ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برئ من الصالقة والحالقة والشاقة. ولمسلم فأقبلت امرأته أم عبدالله تصيح برنة [1] الحديث.

قال الحافظ: (الصالقة بالصاد أي التي ترفع صوتها بالبكاء ويقال بالسين ومنه قوله تعالى سلقوكم بألسنة حداد، وعند مسلم أنا بريء ممن حلق وسلق وخرق أي حلق شعره وسلق صوته أي رفعه وخرق ثوبه انتهى الحديث.

والحديث دليل على تحريم هذه الأفعال وفي حديث ابن مسعود قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية)[2].

قال الحافظ: (قوله: ليس منا أي من أهل سنتنا وطريقتنا وليس المراد به إخراجه عن الدين ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغه في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته لست منك ولست مني أي ما أنت على طريقتي، وقال الزين بن المنير ما ملخصه التأويل الأول يستلزم أن يكون الخبر إنما ورد عن أمر وجودي وهذا يصان كلام الشارع عن الحمل عليه والأولى أن يقال المراد أن الواقع في ذلك يكون قد تعرض لأن يهجر ويعرض عنه فلا يختلط بجماعة السنة تأديبا له على استصحابه حالة الجاهلية التي قبحها الإسلام فهذا أولى من الحمل على ما لا يستفاد منه قدر زائد على الفعل الموجود، وحكى عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويله ويقول ينبغي أن يمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر، وقيل المعنى ليس على ديننا الكامل أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله حكاه ابن العربي.

قال الحافظ: ويظهر لي أن هذا النفي يفسره التبري في حديث أبي موسى حيث قال برئ منه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصل البراءة الانفصال من الشيء وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلا، وقال المهلب قوله أنا بريء أي من فاعل ما ذكر وقت ذلك الفعل ولم يرد نفيه عن الإسلام قلت بينهما واسطة تعرف مما تقدم أول الكلام وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره وكأن السبب في ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم أو التسخط مثلاً بما وقع فلا مانع من حمل النفي على الإخراج من الدين)[3]؛ انتهى والله أعلم.

الحديث الحادي عشر

157- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر بعض نسائه كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها "مارية" وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع رأسه - صلى الله عليه وسلم - وقال:" أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله".

الحديث الثاني عشر

158- عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".

قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره. غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا.

قال البخاري: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد[4].

لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

وما يكره من الصلاة في القبور.

ورأى عمر أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال القبر القبر ولم يأمره بالإعادة. وذكر حديث أم حبيبة وأم سلمة ثم ذكر حديث أنس، قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة الحديث وفيه وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلي ملا من بني النجار فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا؟ قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلي الله فقال أنس فكان فيه ما أقول

لكم قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت وبالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي - صلى الله عليه وسلم - معهم وهو يقول: "اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة".

قال الحافظ: (قوله: باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية؛ أي دون غيرها من قبور الأنبياء وأتباعهم لما في ذلك من الإهانة لهم بخلاف المشركين فإنهم لا حرمة لهم، وأما قوله لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - الخ فوجه التعليل إن الوعيد على ذلك يتناول من أتخذ قبورهم مساجد تعظيما ومغالاة كما صنع أهل الجاهلية وجرهم ذلك إلى عبادتهم ويتناول من أتخذ أمكنة قبورهم مساجد بان تنبش وترمى عظامهم فهذا يختص بالأنبياء ويلتحق بهم أتباعهم وأما الكفرة فإنه لا حرج في نبش قبورهم إذ لا حرج في إهانتهم، ولا يلزم من اتخاذ المساجد في أمكنتها تعظيم فعرف بذلك أن لا تعارض بين فعله - صلى الله عليه وسلم - في نبش قبور المشركين واتخاذ مسجده مكانها وبين لعنه - صلى الله عليه وسلم - من أتخذ قبور الأنبياء مساجد لما تبين من الفرق.

قوله: قوله وما يكره من الصلاة في القبور.

قال الحافظ: يتناول ما إذا وقعت الصلاة على القبر أو إلى القبر أو بين القبرين وفي ذلك حديث رواه مسلم من طريق أبي مرثد الغنوي مرفوعًا لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليه أو عليها، قلت وليس هو على شرط البخاري فأشار إليه في الترجمة وأورد معه أثر عمر الدال على أن النهي عن ذلك لا يقتضي فساد الصلاة.

قوله: ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادي أنس على الصلاة ولو كان ذلك يقتض فسادها لقطعها واستأنف.

قولها: (لما اشتكى النبي - صلى الله عليه وسلم -) وفي رواية قال في مرضه الذي مات فيه، ولمسلم من حديث جندي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال نحو ذلك قبل أن يتوفى بخصم وزاد فيه فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك)[5].

قال الحافظ: (وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلي أنه من الأمر المحكم الذي لم ينسخ لكونه صدر في آخر حياته - صلى الله عليه وسلم.

قوله: (أولئك إذا مات منهم الرجل اتصالح).

قال الحافظ: أولئك بكسر الكاف ويجوز فتحها.

قوله: (وصوروا فيه تلك الصور).

قال الحافظ: وللمستملي تيك الصور بالياء التحتانية بدل اللام وفي الكاف فيها وفي أولئك ما في أولئك الماضية وإنما فعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلي ذلك، وفي الحديث دليل على تحريم التصوير قال وفي الحديث جواز حكاية ما يشاهده المؤمن من العجائب ووجوب بيان حكم ذلك على العالم به وذم فاعل المحرمات، وأن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل وفيه كراهية الصلاة في المقابر سواء كانت بجنب القبر أو عليه أو إليه)[6] انتهى.

وقال البخاري: باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور[7].

ولما مات الحسن بن الحسن بن علي - رضي الله عنهم - ضربت امرأته القبة على قبره سنة ثم رفعت فسمعوا صائحا يقول ألا هل وجدوا ما فقدوا فأجابه الآخر بل يئسوا فانقلبوا. وذكر حديث عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى الحديث.

قال الحافظ: يقوله باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور، ترجم بعد ذلك باب بناء المسجد على القبر قال ابن رشيد الاتخاذ أعم من البناء فلذلك أفرده بالترجمة ولفظها يقتضي أن بعض الاتخاذ لا يكره فكأنه يفصل بين ما إذا ترتبت على الاتخاذ مفسدة أم لا.


قال الحافظ: ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو من الصلاة هناك فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة وقال ابن المنير إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه تعليلا للنفس وتخييلا باستصحاب المألوف من الأنس ومكابرة للحس كما يتعلل بالوقوف على الأطلال البالية ومخاطبة المنازل الخالية فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا وكأنهما من الملائكة أو من مؤمني الجن وإنما ذكره البخاري لموافقته للأدلة الشرعية لا لأنه دليل برأسه.

قوله: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).

قالت: (ولولا ذلك لأبرز قبره).

قال الحافظ: أي لكشف قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يتخذ عليه الحائل، والمراد الدفن خارج بيته، وهذا قالته عائشة قبل أن يوسع المسجد النبوي ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل محددة حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر مع استقبال القبلة.

قوله: (غير أنه خشي) بضم الخاء وفي رواية خشي أو خشي على الشك هل هو بفتح الخاء المعجمة أو ضمها.

قال الحافظ: وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك وذلك يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد بخلاف رواية الفتح فإنها تقتضي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي أمرهم بذلك، قال الكرماني مفاد الحديث منع اتخاذ القبر مسجدا ومدلول الترجمة اتخاذ المسجد على القبر ومفهومهما متغاير ويجاب بأنهما متلازمان وإن تغاير المفهوم)[8].

وقال البخاري أيضًا: باب بناء المسجد على القبر وذكر حديث عائشة في قصة الكنيسة.

قال الحافظ: (أورد فيه حديث عائشة في لعن من بني على القبر مسجدا وقد تقدم الكلام عليه قبل ثمانية أبواب قال الزين بن المنير كأنه قصد بالترجمة الأولى اتخاذ المساجد في المقبرة لأجل القبور بحيث لولا تجدد القبر ما أتخذ المسجد ويؤيده بناء المسجد في المقبرة على حدته لئلا يحتاج إلى الصلاة فيوجد مكان يصلى فيه سوى المقبرة فلذلك نحا به منحى الجواز.

قال الحافظ: وقد تقدم أن المنع من ذلك إنما هو حال خشية أن يصنع بالقبر كما صنع أولئك الذين لعنوا وأما إذا أمن ذلك فلا امتناع وقد يقول بالمنع مطلقا من يرى سد الذريعة وهو هنا متجه قوي)[9] انتهى.

وقال البخاري: باب الصلاة في البيعة. وقال عمر - صلى الله عليه وسلم - إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور.

وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل. وذكر حديث عائشة في قصة الكنيسة[10].
يتبع

ابوالوليد المسلم 24-02-2020 04:04 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك


قال الحافظ: (البيعة بكسر الموحدة مسجد للنصارى، قوله: وكان ابن عباس وصله البغوي في الجعديات، وزاد فيه فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر، وقد تقدم في باب من صلى وقدامه تنور أو نارًا أو شيء مما يعبد، فأراد به أن لا معارضة بين هذين البابين وأن الكراهة في حال الاختيار)[11].

وقال البخاري أيضًا: باب. حدثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبدالله بن عتبة أن عائشة وعبدالله بن عباس قالا لما نزل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا.

حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"[12].

قال الحافظ: (قوله: باب، كذا في أكثر الروايات بغير ترجمة وسقط من بعض الروايات وقد قررنا أن ذلك كالفصل من الباب فله تعلق بالباب الذي قبله والجامع بينهما الزجر عن اتخاذ القبور مساجد وكأنه أراد أن يبين أن فعل ذلك مذموم سواء كان مع تصوير أم لا.

قوله: فقال وهو كذلك أي في تلك الحال ويحتمل أن يكون ذلك في الوقت الذي ذكرت فيه أم سلمة وأم حبيبة أمر الكنيسة التي رأتاها بأرض الحبشة وكأنه - صلى الله عليه وسلم - علم أنه مرتحل من ذلك المرض فخاف أن يعظم قبره كما فعل من مضى فلعن اليهود والنصارى إشارة إلي ذم من يفعل فعلهم، وقوله اتخذوا جملة مستأنفة على سبيل البيان لموجب اللعن كأنه قيل ما سبب لعنهم فأجيب بقوله اتخذوا، وقوله يحذر ما صنعوا جملة أخرى مستأنفه من كلام الراوي كأنه سئل عن حكمة ذكر ذلك في ذلك الوقت فأجيب بذلك، وقد استشكل ذكر النصارى فيه لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى فليس بين عيسى وبين نبينا - صلى الله عليه وسلم - نبي غيره وليس له قبر والجواب أنه كان فيهم أنبياء أيضًا لكنهم غير مرسلين كالحواريين ومريم في قول، أو الجمع في قوله أنبيائهم بإزاء المجموع من اليهود والنصارى والمراد الأنبياء وكبار أتباعهم فاكتفى بذكر الأنبياء ويؤيده قوله في رواية مسلم من طريق جندب كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ولهذا لما أفرد النصارى في الحديث الذي قبله قال إذا مات فيهم الرجل الصالح ولما أفرد اليهود في الحديث الذي بعده قال قبور أنبيائهم أو المراد بالاتخاذ أعم من أن يكون ابتداعا أو أتباعا فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت ولا ريب أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين تعظمهم اليهود)[13].

قال ابن دقيق العيد على حديث عائشة في قصة أمر الكنيسة: (فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة.

وقوله: بنوا على قبره مسجدا إشارة إلي المنع من ذلك وقد صرح به الحديث الآخر لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)[14] انتهى.

قال الموفق: فصل: ولا يجوز اتخاذ السرج على القبور. لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله زوارات القبور، المتخذات عليهن المساجد والسرج " رواه أبو داود، والنسائي، ولفظه: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولو أبيح لم يلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لعق الله اليهود، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر مثل ما صنعوا. متفق عليه.

وقالت عائشة: إنما لم يبرز قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لئلا يتخذ مسجدا، ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها، والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الأصنام تعظيم الأموات، باتخاذ صورهم، ومسحها، والصلاة عندها)[15].

قال ابن القيم: (ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ القبور مساجد وإيقاد السرج عليها واشتد نهيه في ذلك حتى لعن فاعله، ونهى عن الصلاة إلى القبور ونهى أمته أن يتخذوا قبره عيدا ولعن زورات القبور، وكان هديه أن لا تهان القبور وتوطأ وألا يجلس عليها ويتكأ عليها ولا تعظم بحيث تتخذ مساجد فيصلى عندها إليها وتتخذ أعيادا وأوثانا)[16] انتهى.

قال في الاختيارات: (واتفق السلف والأئمة على أن من سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - أو غيره من الأنبياء والصالحين فإنه لا يتمسح بالقبر ولا يقبله بل اتفقوا أنه لا يسلم ولا يقبل إلا الحجر الأسود، والركن اليماني يستلم ولا يقبل على الصحيح وقال وإذا سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - استقبل القبلة ودعا في المسجد ولم يدع مستقبلا للقبر كما كان الصحابة يفعلونه وهذا بلا نزاع أعلمه وما نقل عن مالك فيما يخالف ذلك مع المنصور فليس بصحيح وإنما تنازعوا في وقت التسليم هل يستقبل القبر أو القبلة فقال أصحاب أبي حنيفة يستقبل القبلة والأكثرون على أنه يستقبل القبر، وتغشية قبور الأنبياء والصالحين وغيرهم ليس مشروعا في الدين والصواب الذي عليه المحققون أن الخضر عليه السلام ميت لم يدرك الإسلام وعيسى ابن مريم عليه السلام لم يمت بحيث فارقت روحه بدنه بل هو حي مع كونه توفي والتوفي الاستيفاء وهو يصلح لتوفي النوم ولتوفي الموت الذي هو فراق الروح البدن ولم يذكر القبض الذي هو قبض الروح والبدن جميعا. ونهي النساء عن زيارة القبور هل هو نهي تنزيه أو تحريم؟ فيه قولان وظاهر كلام أبي العباس ترجيح التحريم لا حتجاجه بلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - زائرات القبور وتصحيحه إياه، ورواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وأنه لا يصح ادعاء النسخ بل هو باق على حكمه والمرأة لا يشرع لها زيارة، لا الزيارة الشرعية ولا غيرها اللهم إلا إذا اجتازت بقبر بطريقها فسلمت عليه ودعت له فهذا حسن، ولا يحل للمرأة أن تحد فوق ثلاث إلا على زوجها وهذا باتفاق المسلمين ويستحب أن يصلح لأهل الميت طعام يبعث به إليهم ولا يصلحون هم طعاما للناس وهو مذهب أحمد وغيره ولا بد أن تكون مقابر أهل الذمة متميزة عن مقابر المسلمين وكلما بعدت كان أصلح.

ومذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم لروح الميت ويدنه وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة أو معذبة وأيضًا تتصل بالبدن أحيانا فيحصل له معها النعيم أو العذاب ولأهل السنة قول آخر أن النعيم أو العذاب يكون للبدن دون الروح وأهل الكلام لهم أقوال شاذة فلا عبرة بها. وروح الآدمي مخلوقة وقد حكي الإجماع على ذلك أبو محمد بن نصر المروزي وغيره)[17].

فصل:
قال عبدالعزيز الكتابي المحدث المعروف: ليس من قبور الأنبياء ما يثبت إلا قبر نبينا - صلى الله عليه وسلم - وقال غيره: وقبر إبراهيم أيضًا، وذكر ابن سعد في كتاب (الطبقات) عن إسحاق بن عبدالله بن أبي مرة قال: لا نعلم قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة قبر إسماعيل فإنه تحت الميزان بين الركن والبيت، وقبر هود في كثيب من الرمل تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة تبدو. موضعه أشد الأرض حرا، وقبر نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قال أبو العباس: والقبة التي على العباس بالمدينة يقال فيها سبعة العباس والحسن وعلي بن الحسين وأبو جعفر محمد بن علي وجعفر بن محمد ويقال: إن فاطمة تحت الحائط أو قريب من ذلك وأن رأس الحسين هناك، وأما القبور المكذوبة منها القبر المضاف إلي أبي بن كعب في دمشق والناس متفقون على أن أبي بن كعب مات بالمدينة النبوية. ومن قال: إن بظاهر دمشق قبر أم حبيبة وأم سلمة أو غيرهما من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد كذب، ولكن بالشام من الصحابيات امرأة يقال لها أم سلمة بنت يزيد بن السكن فهذه توفيت بالشام فهذه قبرها محتمل وأما قبر بلال فممكن فإنه دفن بباب الصغير بدمشق فيعلم أنه دفن هناك وأما القطع بتعيين قبره ففيه نظر فإنه يقال: إن تلك القبور حرثت. ومنها القبر المضاف إلي أويس القرني غربي دمشق فإن أويسًا لم يجئ إلى الشام وإنما ذهب إلي العراق ومنها القبر المضاف إلى هود عليه السلام بجامع دمشق كذب باتفاق أهل العلم فإن هودا لم يجئ إلى الشام بل بعث باليمن وهاجر إلي مكة فقيل: إنه مات باليمن وقيل: إنه مات بمكة وإنما ذلك قبر معاوية بن يزيد بن معاوية الذي تولى الخلافة مدة قصيرة ثم مات ولم يعهد إلي أحد وكان فيه دين وصلاح ومنها قبر خالد بحمص يقال: إنه قبر خالد بن يزيد ابن معاوية أخي معاوية هذا ولكن لما اشتهر أنه خالد والمشهور عند العامة أنه خالد بن الوليد وقد اختلف في ذلك هل هو قبره أو قبر خالد بن يزيد، وذكر أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب أن خالد بن الوليد توفي بحمص وقيل بالمدينة سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين في خلافة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأوص إلي عمر والله أعلم. ومنها قبر أبي مسلم الخولاني الذي بداريا اختلف فيه ومنها قبر علي بن الحسين الذي بمصر فإنه كذب قطعا فإن علي بن الحسين توفي بالمدينة بإجماع ودفن بالبقيع. ومنها مشهد الرأس الذي بالقاهرة فإن المصنفين في مقتل الحسين اتفقوا على أن الرأس ليس بمصر ويعلمون أن هذا كذب وأصله أنه نقل من مشهد بعسقلان وذلك المشهد بني قبل هذا بنحو من ستين سنة أو أواخر المائة الخامسة وهذا بني في أثناء المائة السادسة بعد مقتل الحسين - رضي الله عنه - بنحو ثلاثمائة عام، وقد بين كذب المشهد أبو دحية في المعلم المشهور وأن الرأس دفن بالمدينة كما ذكره الزبير بن بكار والذي صح من حمل الرأس ما ذكره البخاري في صحيحه أنه حمل إلي عبيد الله بن زياد وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه وقد شهد ذلك أنس بن مالك وفي رواية أبو برزة الأسلمي وكلاهما كان بالعراق. وقد روي بإسناد منقطع أو مجهول أنه حمل إلي يزيد وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه وأن أبا برزة كان حاضرا وأنكر هذا، وهذا كذب فإن أبا برزة لم يكن بالشام عند يزيد بل كان بالعراق وأما بدن الحسين فبكر بلاء بالاتفاق. قال أبو العباس: وقد حدثني طائفة عن ابن دقيق العيد وطائفة عن أبي محمد عبد الملك بن خلف الدمياطي وطائفة عن أبي بكر محمد بن أحمد القسطلاني وطائفة عن أبي عبدالله القرطبي صاحب التفسير كل هؤلاء حدثني عنه من لا أتهمه. وحدثني عن بعضهم عدد كثير كل يحدثني عمن حدثه من هؤلاء أنه كان ينكر أمر هذا المشهد ويقول إنه كذب وليس في قبر الحسين ولا شيء منه والذين حدثوني عن ابن القسطلاني ذكروا عنه أنه قال إنما فيه غيره. ومنها قبر علي - رضي الله عنه - الذي بباطن النجف فإن المعروف عند أهل العلم أن عليا دفن بقصر الإمارة بالكوفة كما دفن معاوية بقصر الإمارة بالشام ودفن عمرو بقصر الإمارة بمصر خوفا عليهم من الخوارج أن ينبشوا قبورهم ولكن قيل: إن الذي بالنجف قبر المغيرة بن شعبة ولم يكن أحد يذكر أنه قبر علي ولا يقصد أحد أكثر من ثلاثمائة سنة. ومنها قبر عبدالله بن عمر في الجزيرة والناس متفقون على أن عبدالله بن عمر مات بمكة عام قتل ابن الزبير وأوصى أن يدفن بالحل لكونه من المهاجرين فشق ذلك عليهم فدفنوه بأعلى مكة ومنها قبر جابر الذي بظاهر حران والناس متفقون على أن جابرا توفي بالمدينة النبوية وهو آخر من مات من الصحابة بها. ومنها قبر نسب إلى أم كلثوم ورقية بالشام وقد اتفق الناس أنهما ماتا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة تحت عثمان وهذا إنما هو سبب اشتراك الأسماء لعل شخصا يسمى باسم من ذكر، توفي ودفن في موضع من المواضع المذكورة فظن بعض الجهال أنه أحد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين والله أعلم[18]. انتهى.

وقد روى الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا تدع تمثالاً إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته.

قال الشوكاني: (فيه أمر بتغيير صور ذوات الأرواح وفيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعًا كثيرًا من غير فرق بين من كان فاضلاً ومن كان غير فاضل، والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم وقد صرح بذلك أصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير؛ كما قال الإمام يحيى والمهدي في الغيث لا يصح لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية وتحريم رفع القبور ظني ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمشاهد المعمورة على القبور وأيضًا هو من اتخاذ القبور مساجد وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعل ذلك كما سيأتي وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام، منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليه الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء المقبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وملكا وأبي واعترف بالحق وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن هذا الدرك البيت واجبًا:
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولكن لا حياة لمن تنادي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولو نارًا نفخت بها أضاءت https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ولكن أنت تنفخ في الرماد[19] https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


انتهى والله المستعان.


[1] صحيح البخاري: (2/103).

[2] فتح الباري: (3/ 165).

[3] فتح الباري: (3/ 163).

[4] صحيح البخاري: (1/116).

[5] فتح الباري: (1/ 524).

[6] فتح الباري: (1/ 525).

[7] صحيح البخاري: (2/111).

[8] فتح الباري: (3/ 200).

[9] فتح الباري: (3: 208).

[10] صحيح البخاري: (1/118).

[11] فتح الباري: (1/531).


[12] صحيح البخاري: (1/118).

[13] فتح الباري: (1/ 531).

[14] إحكام الأحكام: (1/ 252).

[15] المغني: (4/ 470).

[16] زاد المعاد في هدي خير العباد (1/ 506).

[17] الفتاوى الكبرى: (5/ 364).

[18] الفتاوى الكبرى: (5/ 364).

[19] نيل الأوطار: (4/ 131).









ابوالوليد المسلم 24-02-2020 04:06 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




(كتاب الجنائز 5)

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام



الحديث الثالث عشر

159- عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية".

وفي رواية: "ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب أودعا بدعوى الجاهلية".

قوله: (ليس منا)؛ أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتنا وليس المراد به الخروج من الدين ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك وهذا يدل على تحريم ما ذكر من شق الجيب وغيره وكأن السبب في ذلك ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء.

قوله: (لطم الخدود).

قال الحافظ: (خص الخد بذلك لكونه الغالب في ذلك وإلا فضرب بقية الوجه داخل في ذلك قوله وشق الجيوب جمع جيب وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس وشقه من علامات التسخط.

قوله: (ودعا بدعوى الجاهلية) في رواية مسلم بدعوى أهل الجاهلية.

قال الحافظ: أي من النياحة ونحوها وكذا الندبة كقولهم واجبلاه وكذا الدعاء بالويل والثبور)[1] انتهى.

وفي حديث أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور.

الحديث الرابع عشر

160- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين".

ولمسلم: "أصغرهما مثل جبل أحد".

قوله: (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط) وفي رواية: "من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن، فإنه يرجع بقيراط".

قال أكثر العلماء: المراد بالقيراط في حديث الباب جزء من أجزاء معلومة عند الله وقد قربها النبي - صلى الله عليه وسلم - للفهم بتمثيله القيراط بأحد.

قوله: (قيل: وما القيراطان) وفي رواية لمسلم: قيل: وما القيراطان؟ قال: "صغرهما مثل جبل أحد". وهذا يدل على أن القراريط تتفاوت وفي حديث واثلة عند ابن عدي كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد.

قال ابن دقيق العيد: (و"القيراط": تمثيل لجزء من الأجر ومقدار منه وقد مثله في الحديث بـ" أن أصغرهما مثل أحد" وهو من مجاز التشبيه، تشبيها للمعنى العظيم بالجسم العظيم"[2].

قال البخاري: باب فضل اتباع الجنائز. وقال زيد بن ثابت - رضي الله عنه - إذا صليت فقد قضيت الذي عليك.

وقال حميد بن هلال ما علمنا على الجنازة إذنا ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط.

حدثنا أبو النعمان، حدثنا جرير بن حازم قال: سمعت نافعا يقول حدث ابن عمر أن أبا هريرة - رضي الله عنهم -، يقول: من تبع جنازة فله قيراط فقال أكثر أبو هريرة علينا.

فصدقت، يعني عائشة أبا هريرة وقالت سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: فقال ابن عمر- رضي الله عنهما- لقد فرطنا في قراريط كثيرة فرطت ضيعت من أمر الله.

وقال أيضا: باب من انتظر حتى تدفن. وذكر الحديث كلفظ حديث الباب[3].

قال الحافظ: (وفي حديث الباب من الفوائد غير ما تقدم الترغيب في شهود الميت والقيام بأمره، والحض على الاجتماع له، والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير الثواب لمن يتولى أمره بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان إما تقريبا للإفهام وإما على حقيقته)[4] والله أعلم، انتهى.


تتمة:
قال في الاختيارات الفقهية[5]: (ويتبع الجنازة ولو لأجل أهله فقط إحسانًا إليهم لتألفهم أو مكافأة أو غير ذلك، قال ويستحب القيام للجنازة إذا مرت به وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختيار ابن عقيل، وإذا كان مع الجنازة منكر وهو عاجز عن إزالته تبعها على الصحيح وهو إحدى الروايتين وأنكر بحسبه ويكره رفع الصوت مع الجنازة ولو بالقراءة اتفاقا وضرب النساء بالدف مع الجنازة منكر منهي عنه ومن بني في مقبرة المسلمين ما يختص به فهو غاصب وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، ويحرم الإسراج على القبور واتخاذ المساجد عليها وبنائها ويتعين إزالتها قال أبو العباس: ولا أعلم فيه خلافًا بين العلماء المعروفين، وإذا لم يمكنه المشي إلى المسجد إلا على الجبانة فله ذلك ولا يترك المسجد، ويستحب أن يدعو للميت عند القبر بعد الدفن واقفا قال أحمد: لا باس به قد فعله علي والأحنف، وروي سعيد عن ابن مسعود: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقف فيدعو ولأنه معتاد بدليل قوله تعالى في المنافقين: ï´؟ وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ ï´¾ وهذا هو المراد على ما ذكره المفسرين، وتلقين الميت بعد موته ليس بواجب بإجماع المسلمين ولكن من الأئمة من رخص فيه كالإمام أحمد وقد استحبه طائفة من أصحابه وأصحاب الشافعي وين العلماء من يكرهه لاعتقاده أنه بدعة كما يقوله من يقوله من أصحاب مالك وغيره، فالأقوال فيه ثلاثة: الاستحباب والكراهة والإباحة وهو أعدل الأقوال، وغير المكلف يمتحن ويسأل وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد قاله أبو حكيم وغيره ويكره دفن اثنين فأكثر في قبر واحد وهو إحدى الروايتين عن أحمد واختارها جماعة من الأصحاب وحديث عقبة بن عامر ثلاث ساعات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا فسر بعضهم القبر بأنه الصلاة على الجنازة وهذا ضعيف لأن صلاة الجنازة لا تكره في هذا الوقت بالإجماع فيه نظر وإثما معناه تعمد تأخير الدفن إلى هذه الأوقات كما يكره تعمد تأخير صلاة العصر إلى اصفرار الشمس بلا عذر فأما إذا وقع الدفن في هذه الأوقات بلا تعمد فلا يكره ولا يستحب للرجل أن يحفر قبره قبل أن يموت فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعل ذلك هو ولا أصحابه والعبد لا يدري أين يموت وإذا كان مقصود الرجل الاستعداد للموت فهذا يكون من العمل الصالح ويستحب البكاء على الميت رحمة له وهو أكمل من الفرح لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" متفق عليه، والميت يتأذى بنوح أهله عليه مطلقا قاله طائفة من العلماء وما يهيج المصيبة من إنشاد الشعر والوعظ فمن النائحة وفي "الفنون" لابن عقيل ما يوافقه ويحرم الذبح والتضحية عند القبر ونقل أحمد كراهة الذبح عند القبر ولهذا كره العلماء الأكل من هذه الذبيحة.

وقال أبو العباس في موضع آخر:
وإخراج الصدقة مع الجنازة بدعة مكروهة وهي تشبه الذبح عند القبر، ولا يشرع شيء من العبادات عند القبور الصدقة وغيرها ويجوز زيارة قبر الكافر للاعتبار، ولا يمنع الكافر من زيارة قبر أبيه المسلم، واستفاضت الآثار بمعرفة الميت أهله وبأحوال أهله وأصحابه في الدنيا وإن ذلك يعرض عليه، وجاءت الآثار بأنه يرى أيضًا وبأنه يدري بما يفعل عنده فيسر بما كان حسنًا ويتألم بما كان قبيحًا، وتجتمع أرواح الموتى فينزل الأعلى إلا الأدنى لا العكس، ولا تتبع النساء الجنائز ونقل الجماعة عن أحمد كراهة القرآن على القبور وهو قول جمهور السلف وعليها قدماء أصحابه ولم يقل أحد من العلماء المعتبرين أن القراءة عند القبر أفضل، ولا رخص في اتخاذه عيدًا كاعتياد القراءة عنده في وقت معلوم أو الذكر أو الصيام، واتخاذ المصاحف عند القبر بدعة ولو للقراءة ولو نفع الميت لفعله السلف بل هو عندهم كالقراءة في المساجد، ولم يقل أحد من الأئمة المعتبرين أن الميت يؤجر على استماعه للقرآن، ومن قال: إنه ينتفع بسماعه دون ما إذا بعد فقوله باطل يخالف الإجماع، والقراءة على الميت بعد موته بدعة بخلاف القراءة على المحتضر فإنها تستحب بياسين، وقال أبو العباس في غرس الجريدتين نصفين على القبرين: إن الشجر والنبات يسبح ما دام أخضر فإذا يبس انقطع تسبيحه والتسبيح والعبادة عند القبر مما توجب تخفيف العذاب كما يخفف العذاب عن الميت بمجاورة الرجل الصالح كما جاءت بذلك الآثار المعروفة ولا يمتنع أن يكون في اليابس من النبات ما قد يكون في غيره من الجامدات مثل حنين الجذع اليابس إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - وتسليم الحجر والمدر عليه وتسبيح الطعام وهو يؤكل وهذا التسبيح تسبيح مسموع لا بالحال كما يقوله بعض النظار وأما هذه الأوقاف على القرآن ففيها من المصلحة بقاء حفظ القرآن وتلاوته وكون هذه الأموال معونة على ذلك وحاضة عليه إذ قد يدرس حفظ القرآن بسبب عدم الأسباب الحاملة عليه وفيها مفاسد أخر من حصول القراءة لغير الله والتأكل بالقرآن وقراءته على غير الوجه المشروع واشتغال النفوس بذلك عن القراءة المشروعة فمتى أمكن تحصيل هذه المصحلة بدون ذلك جاز والوجه النهي عن ذلك المنع وإبطاله وإن ظن حصول مفسدة أكثر من ذلك لم يدفع أدنى الفسادين باحتمال لأعلاهما ولم يكن من عادة السلف إذا صلوا تطوعًا أو صاموا تطوعًا أو حجوا تطوعًا أو قرؤوا القرآن يهدون ثواب ذلك إلى أموات المسلمين فلا ينبغي العدول عن طريق السلف فإنه أفضل وأكمل، وقال أبو العباس في موضع آخر الصحيح أنه ينتفع الميت بجميع العبادات البدنية من الصلاة والصوم والقراءة كما ينتفع بالعبادات المالية من الصدقة والعتق ونحوهما باتفاق الأئمة وكما لو دعا له واستغفر له والصدقة على الميت أفضل من عمل ختمة وجمع الناس، ولو أوصى الميت أن يصرف مال في هذه الختمة وقصده التقرب إلى الله صرف إلا محاويج يقرأون القرآن وختمة أو أكثر وهو أفضل من جمع الناس ولا يستحب إهداء القرب للنبي - صلى الله عليه وسلم - بل هو بدعة هذا الصواب المقطوع به قال أبو العباس: وأقدم من بلغنا أنه فعل ذلك علي بن الموفق أحد الشيوخ المشهورين كان أقدم من الجنيد، أحمد طبقته وعاصره وعاش بعده)[6] انتهى والله أعلم والحمد لله رب العالمين.


[1] فتح الباري: (3/ 164).

[2] إحكام الأحكام شرح عمي الأحكام: (1/ 254).

[3] صحيح البخاري: (2/110).

[4] فتح الباري: (2/110).

[5] (1/445).

[6] فتح الباري: (3/198).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:06 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




(كتاب الزكاة 1)

الحديث الأول
161- عن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: "إنك ستأتي قوما أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله في فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله في فرض عليهم صدفة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".

الزكاة:
أحد أركان الإسلام وهي واجبة بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع الأمة قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43] وهي مشتقة من الزكاة والنماء والزيادة يقال زكا الزرع إذا كثر ريعه وزكت النفقة إذا بورك فيها، وهي طهرة للنفس من رذيلة البخل وتطهير من الذنوب قال الله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103].

قوله: (إنك ستأتي قوما أهل الكتاب) وفي رواية تقدم على قوم أهل كتاب وكان بعث معاذ إلي اليمن سنة عشر قبل حج النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال الحافظ: (قوله: ستأتي قوما أهل كتاب، هي كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا تكون العناية في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان، وليس فيه أن جميع من يقدم عليهم من أهل الكتاب بل يجوز أن يكون فيهم من غيرهم. قال: وكان ابتداء دخول اليهودية اليمن في زمن أسعد ذي كرب وهو تبع الأصغر كما ذكره ابن إسحاق مطولا في السيرة، فقام الإسلام وبعض أهل اليمن على اليهودية ودخل دين النصرانية إلى اليمن بعد ذلك لما غلبت الحبشة على اليمن وكان منهم أبرهة صاحب الفيل الذي غزا مكة وأراد هدم الكعبة حتى أجلاهم عنها سيف بن ذي يزن كما ذكره ابن إسحاق مبسوطا أيضاً، ولم يبق بعد ذلك باليمن أحد من النصارى أصلا إلا بنجران وهي بين مكة واليمن وبقي ببعض بلادها قليل من اليهود)[1].

قوله: (فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله).

قال ابن دقيق العيد: (وفي الحديث المطالبة بالشهادتين لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به فمن كان منهم غير موحد على التحقيق كالنصارى فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين عينا، ومن كان موحدا كاليهود فالمطالبة له بالجمع بين ما أقر به من التوحيد وبين الإقرار بالرسالة وإن كان هؤلاء اليهود الذين كانوا باليمن عندهم ما يقتضي الإشراك ولو باللزوم يكون مطالبتهم بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائدهم، وقد ذكر الفقهاء أن من كان كافرا بشيء مؤمنا بغيره لم يدخل في الإسلام إلا بالإيمان بما كفر به)[2] انتهى.

قال ابن العربي في شرح الترمذي: (تبرأت اليهود في هذه الأزمان من القول بأن العزير ابن الله وهذا لا يمنع كونه كان موجودا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ذلك نزل في زمنه واليهود معه بالمدينة وغيرها فلم ينقل عن أحد منهم أنه رد ذلك ولا تعقبه، والظاهر أن القائل بذلك طائفة منهم لا جميعهم فيجوز أن تكون تلك الطائفة انقرضت في هذه الأزمان، كما انقلب اعتقاد معظم اليهود عن التشبيه إلي التعطيل، وتحول معتقد النصارى في الابن والأب إلا أنه من الأمور المعنوية لا الحسية فسبحان مقلب القلوب.

وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله فإذا عرفوا ذلك، وفي رواية: فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله فإذا عرفوا الله.

قال الحافظ: (المراد بالعبادة التوحيد والمراد بالتوحيد الإقرار بالشهادتين والإشارة بقوله ذلك إلى التوحيد وقوله فإذا عرفوا الله أي عرفوا توحيد الله والمراد بالمعرفة الإقرار والطواعية فبذلك يجمع بين هذه الألفاظ المختلفة في القصة الواحدة وبالله التوفيق)[3].

وقد ذكر البخاري هذا الحديث في باب ما جاء في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته إلي توحيد الله تبارك وتعالى[4].

قال الحافظ: (المراد بتوحيد الله تعالى الشهادة بأنه إله واحد وهذا الذي يسميه بعض غلاة الصوفية توحيد العامة وقد ادعى طائفتان في تفسير التوحيد أمرين اخترعوهما أحدهما تفسير المعتزلة كما تقدم ثانيهما غلاة الصوفية، وأما أهل السنة ففسروا التوحيد بنفي التنبيه والتعطيل، ومن ثم قال الجنيد فيما حكاه أبو القاسم القشيري التوحيد إفراد القديم من المحدث، وقال أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة التوحيد مصدر وحد يوحد ومعنى وحدت الله اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه.

وقيل: معنى وحدته علمته واحدًا، وقيل سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له في إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره.

قال الحافظ: وأما الجهمية فلم يختلف أحد ممن صنف في المقالات أنهم ينفون الصفات حتى نسبوا إلى التعطيل، وثبت عن أبي حنيفة أنه قال بالغ جهم في نفي التشبيه حتى قال إن الله ليس بشيء، قال والذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا إن القرآن ليس كلام الله وأنه مخلوق، وقد ذكر الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق أن رؤوس المبتدعة أربعة- إلى أن قال- والجهمية إتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وقال لا فعل لأحد غير الله تعالى، وإنما ينسب الفعل إلا العبد مجازا من غير أن يكون فاعلا أو مستطيعا لشيء، وزعم أن علم الله حادث وامتنع من وصف الله تعالى بأنه شيء أو حي أو عالم أو مريد حتى قال لا أصفه بوصف يجوز إطلاقه على غيره، قال واصفه بأنه خالق ومحي ومميت وموحد بفتح المهملة الثقيلة لأن هذه الأوصاف خاصة به، وزعم أن كلام الله حادث ولم يسم الله متكلما به، وقال البخاري في كتاب خلق أفعال العباد بلغني أن جهما كان يأخذ عن الجعد بن درهم وكان خالد القسري وهو أمير العراق خطب فقال إني مضح والجعد بن درهم لأنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، قال الحافظ: وكان ذلك في خلافة هشام بن عبدالملك، ونقل البخاري عن محمد بن مقاتل قال: قال عبدالله بن المبارك:
ولا أقول بقول الجهم إن له https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
قولاً يضارع قول الشرك أحيانًا https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


وعن ابن المبارك إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ونستعظم أن نحكي قول جهم، وعن عبدالله بن شوذب قال: ترك جهم الصلاة أربعين يوما على وجه الشك وأخرج ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية من طريق خلف بن سليمان البلخي قال كان جهم من أهل الكوفة وكان فصيحا ولم يكن له نفاذ في العلم فلقيه قوم من الزنادقة فقالوا له صف لنا ربك الذي تعبده فدخل البيت لا يخرج مدة، ثم خرج فقال هو هذا الهواء مع كل شيء، وأخرج ابن خزيمة في التوحيد ومن طريقه البيهقي في الأسماء قال سمعت أبا قدامة يقول سمعت أبا معاذ البلخي يقول كان جهم على معبر ترمذ وكان كوفي الأصل فصيحا ولم يكن له علم ولا مجالسة أهل العلم فقيل له صف لنا ربك فدخل البيت لا يخرج كذا ثم خرج بعد أيام فقال هو هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء وأخرج البخاري من طريق عبد العزيز بن أبي سلمة قال كلام جهم صفة بلا معنى وبناء بلا أساس ولم يعد قط في أهل العلم، وقد سئل عن رجل طلق قبل الدخول فقال تعتد امرأته وأورد آثارا كثيرة عن السلف في تكفير جهم - إلى أن قال - وقال ابن حزم في كتاب الملل والنحل فرق المقرين بملة الإسلام خمس أهل السنة ثم المعتزلة ومنهم القدرية ثم المرجئة ومنهم الجهمية والكرامية ثم الرافضة ومنهم الشيعة ثم الخوارج ومنهم الأزارقة والإباضية ثم افترقوا فرقا كثيرة، فأكثر افتراق أهل السنة في الفروع وأما في الاعتقاد ففي نبذ يسيرة وأما الباقون ففي مقالاتهم ما يخالف أهل السنة الخلاف البعيد والقريب، فأقرب فرق المرجئة من قال الإيمان التصديق بالقلب واللسان فقط وليست العبادة من الإيمان وأبعدهم الجهمية القائلون بأن الإيمان عقد بالقلب فقط وإن أظهر الكفر والتثليث بلسانه وعبد الوثن من غير تقية والكرامية القائلون بأن الإيمان قول باللسان فقط وإن اعتقد الكفر بقلبه وساق الكلام على بقية الفرق، ثم قال: فأما المرجئة فعمدتهم الكلام في الإيمان والكفر فمن قال إن العبادة من الإيمان وأنه يزيد وينقص ولا يكفر مؤمنا بذنب ولا يقول إنه يخلد في النار فليس مرجئا ولو وافقهم في بقية مقالاتهم، وأما المعتزلة فعمدتهم الكلام في الوعد والوعيد والقدر فمن قال القرآن ليس بمخلوق وأثبت القدر ورؤية الله تعالى في القيامة وأثبت صفاته الواردة في الكتاب والسنة وأن صاحب الكبائر لا يخرج بذلك عن الإيمان فليس بمعتزلي، وإن وافقهم في سائر مقالاتهم وساق بقية ذلك - إلى أن قال -:
وأما الكلام فيما يوصف الله به فمشترك بين الفرق الخمسة من مثبت لها وناف فرأس النفاة المعتزلة والجهمية فقد بالغوا في ذلك حتى كادوا يعطلون، ورأس المثبتة مقاتل بن سليمان ومن تبعه من الرافضة والكرامية فإنهم بالغوا في ذلك حتى شبهوا الله تعالى بخلقه تعالى الله سبحانه عن أقوالهم علوا كبيرا، ونظير هذا التباين قول الجهمية إن العبد لا قدرة له أصلا وقول القدرية إنه يخلق فعل نفسه، قال الحافظ: وقد أفرد البخاري خلق أفعال العباد في تصنيف)[5]انتهى.

قال الغزالي:
أسرفت طائفة فكفروا عوام المسلمين وزعموا أن من لم يعرف العقائد الشرعية بالأدلة التي حرروها فهو كافر فضيقوا رحمة الله الواسعة وجعلوا الجنة مختصة بشرذمة يسيرة من المتكلمين.

وقال القرطبي في شرح حديث أبغض الرجال إلا الله الألد الخصم:
هذا الشخص الذي يبغضه الله هو الذي يقصد بخصومته مدافعة الحق ورده بالأوجه الفاسدة والشبه الموهمة وأشد ذلك الخصومة في أصول الدين كما يقع لأكثر المتكلمين المعرضين عن الطرق التي أرشد إليه كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وسلف أمته إلي طرق مبتدعة واصطلاحات مخترعة وقوانين جدلية وأمور صناعية مدار أكثرها على آراء سوفسطائية أو مناقضات لفظية ينشأ بسببها على الآخذ فيها شبه ربما يعجز عنها وشكوك يذهب الإيمان معها وأحسنهم انفصالا عنها أجدلهم لا أعلمهم، فكم من عالم بفساد الشبهة لا يقوى على حلها، وكم من منفصل عنها لا يدرك حقيقة علمها، ثم إن هؤلاء قد ارتكبوا أنواعا من المحال لا يرتضيها البله ولا الأطفال لما بحثوا عن تحيز الجواهر والألوان والأحوال فأخذوا فيما أمسك عنه السلف الصالح من كيفيات تعلقات صفات الله تعالى- إلى أن قال- ولا فرق بين البحث عن كيفية الذات وكيفية الصفات ومن توقف في هذا فليعلم أنه إذا كان عجز عن كيفية نفسه مع وجودها وعن كيفية إدراك ما يدرك به فهو عن إدراك غيره أعجز، وغاية علم العالم أن يقطع بوجود فاعل لهذه المصنوعات منزه عن الشبيه مقدس عن النظير متصف بصفات الكمال، ثم متى ثبت النقل عنه بشيء من أوصافه وأسمائه قبلناه واعتقدناه وسكتنا عما عداه كما هو طريق السلف وما عداه لا يأمن صاحبه من الزلل، ويكفي في الردع عن الخوض في طرق المتكلمين ما ثبت عن الأئمة المتقدمين كعمر بن عبد العزيز ومالك بن أنس والشافعي وقد قطع بعض الأئمة بأن الصحابة لم يخوضوا في الجوهر والعرض وما يتعلق بذلك من مباحث المتكلمين فمن رغب عن طريقهم فكفاه ضلالا، قال: وأفضى الكلام بكثير من أهله إلى الشك ويبعضهم إلي الإلحاد وببعضهم إلي التهاون بوظائف العبادات، وسبب ذلك إعراضهم عن نصوص الشارع وتطلبهم حقائق الأمور من غيره وليس في قوة العقل ما يدرك ما في نصوص الشارع من الحكم التي استأثر بها، وقد رجع كثير من أئمتهم عن طريقهم حتى جاء عن إمام الحرمين أنه قال ركبت البحر الأعظم وغصت في كل شيء نهى عنه أهل العلم في طلب الحق فرارا من التقليد والآن فقد رجعت واعتقدت مذهب السلف هذا كلامه أو معناه وعنه أنه قال عند موته يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام فلو عرفت أنه يبلغ بي ما بلغت ما تشاغلت به.

قال الحافظ: (وختم القرطبي كلامه بالاعتذار عن إطالة النفس في هذا الموضع لما شاع بين الناس من هذه البدعة حتى أغتر بها كثير من الأغمار فوجب بذل النصيحة والله يهدي من يشاء)[6] انتهى.

قال الحافظ: (المذموم من التقليد أخذ قول الغير بغير حجة وهذا ليس منه حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن الله أوجب إتباعه في كل ما يقول وليس العمل فيما أمر به أو نهى عنه داخلا تحت التقليد المذموم اتفاقا وأما من دونه ممن اتبعه في قول قاله واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به فهو المقلد المذموم بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله ورسوله فإنه يكون ممدوحا، وقال: ومن الناس من تطمئن نفسه وينشرح صدره للإسلام من أول وهلة ومنهم من يتوقف على الاستدلال فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار لقوله تعالى: ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم نارا ﴾ ويجب على كل من استرشده أن يرشده ويبرهن له الحق وعلى هذا مضى السلف الصالح من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعده وأما من استقرت نفسه إلي تصديق الرسول ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل توفيقا من الله وتيسيرا فهم الذين قال الله في حقهم ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [الحجرات: 7] الآية وقال: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ [الأنعام: 125] الآية وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم ولا لرؤسائهم لأنهم لو كفر آباؤهم أو رؤساؤهم لم يتابعوهم بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعة- إلى أن قال- وقال غيره: قول من قال طريقة السلف أسلم وطريقة الخلف أحكم ليس بمستقيم لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه في ذلك وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف والدعوى في طريقة الخلف وليس الأمر كما ظن بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى وفي غاية التعظيم له والخضوع لأمره والتسليم لمراده وليس من سلك طريق الخلف واثقا بأن الذي يتأوله هو المراد ولا يمكنه القطع بصحة تأويله)[7] انتهى.

وقال ابن السمعاني: الشارع والسلف الصالح نهوا عن الابتداع وأمروا بالاتباع وصح عن السلف أنهم نهوا عن علم الكلام وعدوه ذريعة للشك والارتياب وأما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها إلا من ترك النص الصحيح وقدم عليه القياس وأما من اتبع النص وقاس عليه فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار ذلك لأن الحوادث في المعاملات لا تنقضي وبالناس حاجة إلي معرفة الحكم فمن ثم تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك بخلاف علم الكلام. انتهى.
يتبع

ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:07 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك



وقال بعض العلماء: المطلوب من كل أحد التصديق الجزمي الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى والإيمان برسله وبما جاؤوا به كيفما حصل وبأي طريق إليه يوصل ولو كان عن تقليد محض إذا سلم من التزلزل، قال القرطبي: هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف.

قال الحافظ: (والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام ينكرون التقليد وهم أول داع إليه حتى استقر في الأذهان أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها فهو مبتدع ولو لم يفهمها ولم يعرف مأخذها وهذا هو محض التقليد فآن أمرهم إلي تكفير من قلد الرسول عليه الصلاة و السلام في معرفة الله تعالى والقول بإيمان من قلدهم وكفى بهذا ضلالا) [8] انتهى.

قال البخاري: باب ï´؟ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ï´¾ ï´؟ وَهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظيم ï´¾ قال أبو العالية ï´؟ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ï´¾ ارتفع ï´؟ فَسَوَّاهُنَّ ï´¾ خلقهن وقال مجاهد ï´؟ اسْتَوَى ï´¾ علا على العرش.

قال الحافظ: (وقد نقل أبو إسماعيل الهروي في كتاب الفاروق بسنده إلي داود بن علي بن خلف قال: كنا عند أبي عبدالله بن الأعرابي يعني محمد بن زياد اللغوي فقال له رجل الرحمن على العرش استوى فقال هو على العرش كما أخبر، قال: يا أبا عبدالله إنما معناه استولى، فقال: اسكت، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضاد، وقال غيره لو كان بمعنى استولى لم يختص بالعرش لأنه غالب على جميع المخلوقات، ونقل محيي السنة البغوي في تفسيره عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن معناه ارتفع وقال أبو عبيد والفراء وغيرهما بنحوه، وأخرج أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريق الحسن البصري عن أمه عن أم سلمة أنها قالت: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود به كفر، وأخرج البيهقي بسند جيد عن الأوزاعي قال: كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله على عرشه ونؤمن بما صرحت به السنة من صفاته، وأسند اللالكائي عن محمد بن الحسن الشيباني قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلي المغرب على الإيمان بالقرآن وبالأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صفة الرب من غير تشبيه ولا تفسير فمن فسر شيئا منها وقال بقول جهم فقد خرج عما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وفارق الجماعة لأنه وصف الرب بصفة لا شيء، ومن طريق الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي ومالكا والثوري والليث بن سعد عن الأحاديث التي فيها الصفة فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، وأخرج ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي عن يونس بن عبد الأعلى سمعت الشافعي يقول: لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ردها ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه فقد كفر وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل لأن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الرؤية والفكر فنثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه فقال ليس كمثله شيء، وأسند البيهقي بسند صحيح عن أحمد بن أبي الحواري عن سفيان بن عيينه قال: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عنه ومن طريق أبي بكر الضبعي قال: مذهب أهل السنة في قوله: ï´؟ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ï´¾ قال: بلا كيف، والآثار فيه عن السلف كثيرة وهذه طريقة الشافعي وأحمد بن حنبل وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه لو قيل يد كيد وسمع كسمع، وقال ابن عبد البر: أهل السنة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة ولم يكيفوا شيئا منها وأما الجهمية والمعتزلة والخوارج فقالوا من أقر بها فهو مثله فسماهم من أقر بها معطلة)[9] انتهى ملخصا والله سبحانه وتعالى أعلم.

قوله: (فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، وفي رواية: فإن هم أطاعوا بذلك.

قال الحافظ: أي شهدوا وانقادوا، وفي رواية ابن خزيمة فإن هم أجابوا لذلك وقال وعدى أطاع باللام وإن كان يتعدى بنفسه لتضمنه معنى انقاد.

وقال: واستدل به على أن الوتر ليس بفرض.

قال الخطابي: إن ذكر الصدقة أخر عن ذكر الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم وأنها لا تكرر تكرار الصلاة.

قال الحافظ: وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم وذلك من التلطف في الخطاب لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة.

قوله: (فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم).

قال البخاري: باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا. وذكر الحديث، قال الإسماعيلي ظاهر حديث الباب أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم، وقال ابن المنير أختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال لعموم قوله فترد في فقرائهم لأن الضمير يعود على المسلمين فان فقير منهم ردت فيه الصدقة في أي جهة كان فقد وافق عموم الحديث[10].

قال الحافظ: (وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة وأصحابهما ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور ترك النقل فلو خالف ونقل أجزأ عند المالكية على الأصح ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح إلا إذا فقد المستحقون لها ولا يبعد أنه اختيار البخاري لأن قوله حيث كانوا يشعر بأنه لا ينقلها عن بلد وفيه من هو متصف بصفة الاستحقاق، وقال أيضا: استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه فمن امتنع منها أخذت منه قهرا.

قوله: (على فقرائهم)، استدل به لقول مالك وغيره إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد، وقال الخطابي: وقد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة ما في يده إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني إذا كان إخراج ماله مستحقا لغرمائه.

قوله: (فإن هم أطاعوا بذلك فإياك وكرائم أموالهم)، والكرائم جمع كريمة أي نفيسة، ففيه ترك أخذ خيار المال، والنكتة فيه أن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء إلا إن رضوا بذلك.

قوله: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الإشارة إلي أن أخذها ظلم.

قوله: (قوله ليس بينها وبين الله حجاب).

قال الحافظ: (أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا: دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه وإسناده حسن)[11] انتهى.

وقال الطيب: قوله: اتق دعوة المظلوم، تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله: فإنه ليس بينها وبين الله حجاب، تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء كمن يقصد دار السلطان متظلما فلا يحجب.

قال ابن العربي: إلا أنه وإن كان مطلقا فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على ثلاث مراتب إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله وهذا كما قيد مطلق قوله تعالى: ï´؟ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ï´¾ بقوله تعالى: ï´؟ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء ï´¾ انتهى.

ولم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر، قال الكرماني: اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر.

قال الحافظ: (وقال شيخنا شيخ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث ابن عمر: بني الإسلام على خمس فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى: ï´؟ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ï´¾ [التوبة: 5] في موضعين من براءة مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعا، وحديث ابن عمر أيضاً: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك أن الأركان الخمسة اعتقادي وهو الشهادة وبدني وهو الصلاة ومالي وهو الزكاة اقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها فإن الصوم بدني محض والحج بدني مالي وأيضا فكلمة الإسلام هي الأصل وهي شاقة على الكفار والصلوات شاقة لتكررها والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها)[12] والله أعلم.

قال الحافظ: (وفي الحديث أيضا الدعاء إلي التوحيد قبل القتال وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وغيرها.

وفيه بعث السعاة لأخذ الزكاة وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم.

وقال أيضا: وفي حديث بن عباس من الفوائد غير ما تقدم الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين فإن من لازم الإيمان بالله ورسوله التصديق بكل ما ثبت عنهما والتزام ذلك فيحصل ذلك لمن صدق بالشهادتين واما ما وقع من بعض المبتدعة من إنكار شيء من ذلك فلا يقدح في صحة الحكم الظاهر لأنه إن كان مع تأويل فظاهر وإن كان عنادا قدح في صحة الإسلام فيعامل بما يترتب عليه من ذلك كأجراء أحكام المرتد وغير ذلك.

قال: وفيه وجوب أخذ الزكاة ممن وجبت عليه وقهر الممتنع على بذلها ولو لم يكن جاحدا فإن كان مع امتناعه ذا شوكة قوتل وإلا فإن أمكن تعزيره على الامتناع عزر بما يليق به، وقد ورد عن تعزيره بالمال حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا ولفظه: ومن منعها يعني الزكاة فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة والحاكم، وأما ابن حبان فقال في ترجمة بهز ابن حكيم لولا هذا الحديث لأدخلته في كتاب الثقات، وأجاب من صححه ولم يعمل به بأن الحكم الذي دل عليه منسوخ وأن الأمر كان أولا كذلك ثم نسخ، وضعف النووي هذا الجواب من جهة أن العقوبة بالمال لا تعرف أولا حتى يتم دعوى النسخ ولأن النسخ لا يثبت إلا بشرطه كمعرفة التاريخ ولا يعرف ذلك، واعتمد النووي ما أشار إليه ابن حبان من تضعيف بهز وليس بجيد لأنه موثق عند الجمهور حتى قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين بهز بن حكيم عن أبيه عن جده صحيح إذا كان دون بهز ثقة وقال الترمذي: تكلم فيه شعبة وهو ثقة عند أهل الحديث وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح وعلق له في الصحيح، وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود: وهو عندي حجة لا عند الشافعي فإن اعتمد من قلد الشافعي على هذا كفاه، ويؤيده إطباق فقهاء الأمصار على ترك العمل به فدل على أن له معارضا راجحا وقول من قال بمقتضاه يعد في ندرة المخالف وقد دل خبر الباب أيضا على أن الذي يقبض الزكاة الإمام أو من أقامه لذلك وقد أطبق الفقهاء بعد ذلك على أن لأرباب الأموال الباطنة مباشرة الإخراج وشذ من قال بوجوب الدفع إلى الإمام وهو رواية عن مالك وفي القديم للشافعي نحوه على تفصيل عنهما فيه)[13] انتهى والله أعلم.


[1] فتح الباري: (3/ 358).

[2] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: (1/ 256).

[3] فتح الباري: (3/ 354).

[4] صحيح البخاري: (3/140).

[5] فتح الباري: (13/ 348).

[6] فتح الباري: (13/350).

[7] فتح الباري: (13/ 351).

[8] فتح الباري: (13/ 354).

[9] فتح الباري: (13/ 406).

[10] صحيح البخاري: (2/ 158).

[11] فتح الباري: (3/ 357).

[12] فتح الباري: (3/ 361).

[13] فتح الباري: (3/ 360).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:09 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





(كتاب الزكاة 2 )





الحديث الثاني
162- عن أبى سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:" ليس فيما دون خمس أواق صدقة، ولا فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة".

قال البخاري: باب زكاة الورق. وذكر الحديث.

قال الحافظ: (أي الفضة، قال ابن المنير: لما كانت الفضة هي المال الذي يكثر دورانه في أيدي الناس ويروج بكل مكان كان أولى بان يقدم على ذكر تفاصيل الأموال الزكوية.

قوله: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة)، وفي رواية: "ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة".

قال الحافظ: ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهما بالاتفاق والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبا أو غير مضروب انتهى.

وعشرة الدراهم سبعة مثاقيل فنصاب الزكاة مائتا درهم يبلغ مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة قوله ولا فيما دون خمس ذود صدقة)[1].

قال البخاري: باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة.

وذكر الحديث ولفظه: ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة.

قال الزين بن المنير: أضاف خمس إلي ذود وهو مذكر لأنه يقع على المذكر والمؤنث وأضافه إلى الجمع لأنه يقع على المفرد والجمع[2].

قال الحافظ: (والأكثر على أن الذود من الثلاثة إلي العشرة وأنه لا واحد له من لفظه)[3].

قوله: (ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة).

قال الحافظ: (اختلف في هذا النصاب هل هو تحديد أو تقريب وبالأول جزم أحمد وهو أصح الوجهين للشافعية إلا إن كان نقصا يسيرا جدا مما لا ينضبط فلا يضر قاله ابن دقيق العيد، وصحح النووي في شرح مسلم أنه تقريب، واتفقوا على وجوب الزكاة فيما زاد على الخمسة أوسق بحسابه ولا وقص فيها.

قال الحافظ: واستدل بهذا الحديث على وجوب الزكاة في الأمور الثلاثة، واستدل به على أن الزروع لا زكاة فيها حتى تبلغ خمسة أوسق، وعن أبي حنيفة تجب في قليله وكثيرة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء العشر" ولم يتعرض الحديث للقدر الزائد على المحدود وقد أجمعوا في الأوساق على أنه لا وقص فيها وأما الفضة فقال الجمهور هو كذلك، وعن أبي حنيفة لا شيء فيما زاد على مائتي درهم حتى يبلغ النصاب وهو أربعون فجعل لها وقصا كالماشية واحتج عليه الطبراني بالقياس على الثمار والحبوب والجامع كون الذهب والفضة مستخرجين من الأرض بكلفة ومؤنة وقد أجمعوا على ذلك في خمسة أوسق فما زاد فائدة أجمع العلماء على اشتراط الحول في الماشية والنقد دون المعشرات)[4] والله أعلم.

قال البخاري: باب العشر فيما يسقى من ماء السماء وبالماء الجاري. ولم ير عمر بن عبد العزيز في العسل شيئا[5].

وذكر حديث ابن عمر - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثريا العشر وما سقي بالنضح نصف العشر"، قال أبو عبد الله هذا تفسير الأول لأنه لم يوقت في الأول، يعني حديث ابن عمر- وفيما سقت السماء العشر وبين في هذا ووقت والزيادة مقبولة والمفسر يقضي على المبهم إذا رواه أهل الثبت كما روى الفضل بن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل في الكعبة وقال بلال قد صلى فأخذ بقول بلال وترك قول الفضل.

قال الحافظ: (قوله: قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول الخ هكذا وقع في رواية أبي ذر هذا الكلام عقب حديث ابن عمر في العثري ووقع في رواية غيره عقب حديث أبي سعيد قال ولذكره عقب كل من الحديثين وجه لكن تعبيره بالأول يرجح كونه بعد حديث أبي سعيد لأنه هو المفسر للذي قبله وهو حديث ابن عمر، فحديث ابن عمر بعمومه ظاهر في عدم اشتراط النصاب وفي إيجاب الزكاة في كل ما يسقى بمؤنة وبغير مؤنة ولكنه عند الجمهور مختص بالمعنى الذي سيق لأجله وهو التمييز بين ما يجب فيه العشر أو نصف العشر بخلاف حديث أبي سعيد فإنه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره فأخذ به الجمهور عملا بالدليلين)[6] انتهى.

وقال البخاري: بعد هذا باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة [7].

وذكر حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، ولفظه: ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة، ولا في أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة، ولا في أقل من خمس أواق من الورق صدقة.

قال أبو عبد الله هذا تفسير الأول إذا قال ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ويؤخذ أبدا في العلم بما زاد أهل الثبت، أو بينوا. انتهى.

تتمة:
عن علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كان لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء - يعنى في الذهب - حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كان لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار" رواه أبو داود.

وعن عتاب بن أسيد قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا. رواه أبو داود والترمذي، وعن معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى اليمن فقال: دخل الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر" رواه أبو داود، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - " ليس في البقر العوامل صدقة" رواه أبو داود والدار قطني. وبالله التوفيق.

الحديث الثالث
163- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة".

وفي لفظ: "إلا زكاة الفطر في الرقيق".

قوله: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة).
فيه دليل على عدم وجوب الزكاة في الخيل والعبيد إذا كانا لغير التجارة عن علي به - رضي الله عنه - مرفوعا: "قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة" أخرجه أبو داود وغيره.

قوله: إلا زكاة الفطر في الرقيق)، فيه دليل على وجوب زكاة الفطر عن العبيد.

قال البخاري: باب صدقة الفطر على الحر والمملوك[8].

وقال الزهري في المملوكين للتجارة يزكي في التجارة ويزكي في الفطر.

قال الحافظ: وما نقله البخاري عن الزهري هو قول الجمهور. انتهى والله أعلم.


[1] فتح الباري: (3/ 310).

[2] صحيح البخاري: (2/147).

[3] فتح الباري: (3/ 323).

[4] فتح الباري: (3/ 350).

[5] صحيح البخاري: (2/ 155).

[6] فتح الباري: (3/ 349).

[7] صحيح البخاري: (2/156).

[8] صحيح البخاري: (2/162).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:11 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك



( كتاب الزكاة 3 )





الحديث الرابع

164- عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله قال: "العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس".

الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، و العجماء: الدابة البهيم.
قوله: (العجماء جبار).
وقال البخاري: باب العجماء جبار [1].

وقال ابن سيرين كانوا لا يضمنون من النفحة ويضمنون من رد العنان.

وقال حماد لا تضمن النفحة إلا أن ينخس إنسان الدابة.

وقال شريح لا تضمن ما عاقبت أن يضربها فتضرب برجلها.

وقال الحكم وحماد إذا ساق المكاري حمارا عليه امرأة فتخر لا شيء عليه.

وقال الشعبي إذا ساق دابة فأتعبها فهو ضامن لما أصابت وإن كان خلفها مترسلا لم يضمن.

حدثنا مسلم، حدثنا شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "العجماء عقلها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاب الخمس" انتهى.

سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم، قال الترمذي فسر بعض أهل العلم قالوا العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها، وقال أبو داود بعد تخريجه العجماء التي تكون منفلتة لا يكون معها أحد وقد تكون بالنهار ولا تكون بالليل.

قال الحافظ: (ووقع عند ابن ماجه في آخر حديث عبادة بن الصامت والعجماء البهيمة من الأنعام وغيرها، والجبار هو الهدر الذي لا يغرم، قال والمراد بالعقل الدية أي لا دية فيما تتلفه وقد استدل بهذا الإطلاق من قال لا ضمان فيما أتلفت البهيمة سواء كانت منفردة أو معها أحد سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها وهو قول الظاهرية واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبا إليه بان حملها على ذلك الفعل إذا كان راكبا كان يلوي عنانها فتتلف شيئا برجلها مثلا أو يطعنها أو يزجرها حين يسوقها أو يقودها حتى تتلف ما مرت عليه وأما ما لا ينسب إليه فلا ضمان فيه، وقال الشافعية إذا كان مع البهيمة إنسان فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو عضو أو مال سواء كان سائقا أو راكبا أو قائدا سواء كان مالكا أو أجيرا أو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو رأسها وسواء كان ذلك ليلا أو نهارا والحجة في ذلك أن الإتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره ومن هو مع البهيمة حاكم عليها فهي كالآلة بيده ففعلها منسوب إليه سواء علم به أم لا، وعن مالك كذلك إلا إن رمحت بغير أن يفعل بها أحد شيئا ترمح بسببه وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور، وقد وقع في رواية جابر عند أحمد والبزار بلفظ السائمة جبار وفيه إشعار بأن المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى لا كل بهيمة لكن المراد بالسائمة هنا التي ليس معها أحد لأنه الغالب على القائمة وليس المراد بها التي لا تعلف كما في الزكاة فإنه ليس مقصودا هنا واستدل به على أنه لا فرق في إتلاف البهيمة للزروع وغيرها في الليل والنهار وهو قول الحنفية والظاهرية وقال الجمهور إنما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارا وأما بالليل فإن عليه حفظها فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما أتلفت ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعي وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب قال: كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل، قال الشافعي أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله ولا يخالفه حديث العجماء جبار لأنه من العام والمراد به الخاص فلما قال العجماء جبار وقض فيما أفسدت العجماء بشيء في حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار وفي حال غير جبار). انتهى.

وقالت المالكية يضمن ما أفسدت الدابة بالليل ولا يضمن بالنهار وقيدوا ذلك بما إذا سرحت الدواب في مسارحها المعتاد للرعي وأما إذا كانت في أرض مزروعة لا سرح فيها فإنهم يضمنون ليلا ونهارا.

وقال في "الشرح الكبير" لابن قدامة[2]: قال بعض أصحابنا إنما يضمن مالكها ما أتلفته ليلا إذا فرط بإرسالها ليلا أو نهارا أو لم يضمها بالليل أو ضمها بحيث يمكنها الخروج أما إذا ضمها فأخرجها غيره بغير إذنه أو فتح عليها بابها فالضمان على مخرجها أو فاتح بابها لأنه المتلف، قال القاضي هذه المسألة عندي محمولة على موضع فيه مزارع ومراعي أما القرى العامرة التي لا مرعى فيها إلا بين قراحين كساقية وطريق وطرف زرع فليس لصاحبها إرسالها بغير حافظ عن الزرع فإن فعل فعليه الضمان لتفريطه. انتهى.

وقال ابن مفلح في "الآداب الشرعية"[3]: من أطلق كلبا عقورا أو دابة رفوسا أو عضوضا على الناس وخلاه في طريقهم ومصاطبهم ورحابهم فأتلف مالا أو نفسا ضمن لتفريطه، وكذا إن كان له طائر جارح كالصقر والبازي فأفسد طيور الناس وحيواناتهم وفي الانتصار أن البهيمة الصائلة يلزم مالكها وغيره إتلافها، وكذا في عيون المسائل إذا عرفت البهيمة بالصول يجب على مالكها قتلها، وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين أو في سوق من أسواقهم فوطئت بيد أو رجل فهو ضامن" رواه الدارقطني، قال المجد: وهذا عند بعضهم فيما إذا أوقفها في طريق ضيق أوحيت تضر المارة. انتهى.

وقال في الاختيارات: (ومن أمر رجلا بإمساك دابة ضارية فجنت عليه ضمنه إن لم يعلمه بها، ويضمن جناية ولد الدابة إن فرط نحو أن يعرفه شموصا والدابة إذا أرسلها صاحبها بالليل كان مفرطا فهو كما إذا أرسلها قرب زرع، ولو كان معها قائد أو راكب أو سائق فما أفسدت بفمها أو يدها فهو عليه لأنه تفريط، وهو مذهب أحمد)[4] انتهى والله أعلم.

قوله: (والبئر جبار والمعدن جبار).
قال البخاري: باب المعدن جبار والبئر جبار[5].
وذكر الحديث ولفظه: العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاب الخمس.

قال الحافظ: (قال أبو عبيد المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية فيقع فيها إنسان أو دابة فلا شيء في ذلك على أحد وكذلك لو حفر بئرا في ملكه أو في موات فوقع فيها إنسان أو غيره فتلف فلا ضمان، إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير، وكذا لو استأجر إنسانا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان وأما من حفر بئرا في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها إنسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفارة في ماله وإن تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور والمراد بجرحها ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الاتلافات ملحقة بها.

قال الحافظ: قوله والمعدن جبار، وقع في رواية الأسود بن العلاء عند مسلم: والمعدن جرحها جبار، والحكم فيه ما تقدم في البئر، لكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر فكأنه ذكره بالتأنيث للمؤاخاة أو لملاحظة أرض المعدن فلو حفر معدنا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر وكذا لو استأجر أجيرا يعمل له فانهار عليه فمات ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمن استؤجر على صعود نخلة فسقط منها فمات)[6] انتهى.

وقال الموفق: (وإن حفر البئر لنفع المسلمين، مثل أن يحفره لينزل فيه ماء المطر من الطريق، أو لتشرب منه المارة، ونحوها، فلا ضمان عليه. لأنه محسن بفعله، غير متعد بحفره، فأشبه باسط الحصير في المسجد)[7].

وقال العلاء المقدسي: (قوله وفي الترغيب: إن رشه ليسكن الغبار فمصلحة عامة كحفر بئر في سابلة، وفيه روايتان يعني في الضمان بحفر ذلك قال والصحيح من المذهب عدم الضمان)[8]. انتهى وبالله التوفيق.

قوله: (وفي الركاز الخمس)، الركاز المال المدفون.
قال البخاري: باب في الركاب الخمس.

وقال مالك، وابن إدريس الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيرة الخمس وليس المعدن بركاز.

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: في المعدن جبار وفي الركاز الخمس.

وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة.

وقال الحسن ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس وما كان من أرض السلم ففيه الزكاة وإن وجدت اللقطة في أرض العدو فعرفها- قال المبارك- لعله عرفها لان كانت من العدو ففيها الخمس.

وقال بعض الناس: المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية لأنه يقال أركز المعدن إذا خرج منه شيء قيل له قد يقال لمن وهب له شيء، أو ربح ربحا كثيرا، أو كثر ثمره أركزت ثم ناقض وقال: لا بأس أن يكتمه فلا يؤدي الخمس[9] وذكر الحديث.

قال الحافظ: (روى البيهقي في المعرفة من طريق الربيع قال: قال الشافعي: والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد)[10].

قال الحافظ: (والفرق بين المعدن والركاز في الوجوب وعدمه أن المعدن يحتاج إلي عمل ومؤنة ومعالجة لاستخراجه بخلاف الركاز، وقد جرت عادة الشرع أن ما غلظت مؤنته خفف عنه في قدر الزكاة وما خفت زيد فيه، وقيل إنما جعل في الركاز الخمس لأنه مال كافر فنزل من وجده منزلة الغنائم.

وقال أيضاً: ذهب الجمهور إلا أن الركاز هو المال المدفون، لكن حصره الشافعية فيما يوجد في الموات بخلاف ما إذا وجده في طريق مسلوك أو مسجد فهو لقطة وإذا وجده في أرض مملوكة فإن كان المالك الذي وجده فهو له وإن كان غيره فإن ادعاه المالك فهو له وإلا فهو لمن تلقاه عنه إلى أن ينتهي الحال إلى من أحيي تلك الأرض، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: من قال من الفقهاء بأن في الركاز الخمس إما مطلقا أو في أكثر الصور فهو أقرب إلي الحديث وخصه الشافعي أيضا بالذهب والفضة وقال الجمهور لا يختص واختاره ابن المنذر، واختلفوا في مصرفه فقال مالك وأبو حنيفة والجمهور مصرفه مصرف خمس الفيء وهو اختيار المزني وقال الشافعي في أصح قوليه مصرفه مصرف الزكاة وعن أحمد روايتان، وينبني على ذلك ما إذا وجده ذمي فعند الجمهور يخرج منه الخمس وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحول بل يجب إخراج الخمس في الحال)[11] انتهى.

وروي أبو عبيد بإسناده: (عن الشعبي، أن رجلا وجد ألف دينار مدفونة خارجا من المدينة، فأتي بها عمر بن الخطاب، فأخذ منها الخمس مائتي دينار، ودفع إلى الرجل بقيتها، وجعل عمر يقسم المائتين بين من حضره من المسلمين، إلى أن أفضل منها فضلة فقال عمر: أين صاحب الدنانير؟ فقام إليه، فقال له عمر: خذ هذه الدنانير فهي لك. وروي الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن بشر الخثعمي، عن رجل من قومه يقال له: ابن حممة، قال: سقطت علي جرة من دير قديم بالكوفة، عند جبانة بشر، فيها أربعة آلاف درهم، فذهبت بها إلى علي - رضي الله عنه- فقال: اقسمها خمسة أخماس.

فقسمتها، فأخذ علي منها خمسًا، وأعطاني أربعة أخماس، فلما أدبرت دعاني، فقال: في جيرانك فقراء ومساكين؟ قلت: نعم.

قال: فخذها فاقسمها بينهم)[12].


[1] صحيح البخاري: (9/15).

[2] الشرح الكبير: (5/ 455).

[3] الآداب الشرعية: (3/ 241).

[4] الفتاوى الكبرى: (5/420).

[5] صحيح البخاري: (9/15).

[6] فتح الباري: (12/ 255).

[7] المغني: (19/164).

[8] تصحيح الفروع: (9/ 417).

[9] صحيح البخاري: (2/ 159).

[10] فتح الباري: (3/ 364).

[11] فتح الباري: (3/ 365).

[12] كتاب الأموال؛ لأبي عبيد: (1/ 428).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:13 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




(كتاب الزكاة 4)





الحديث الخامس

165- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله تعالى، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها". ثم قال: "يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه".

قال البخاري: باب قول الله تعالى: ï´؟ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ï´¾ [التوبة: 60] ويذكر عن ابن عباس - رضي الله عنهما- يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج، وقال الحسن إن اشترى أباه من الزكاة جاز ويعطي في المجاهدين والذي لم يحج ثم تلا ï´؟ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ ï´¾ [التوبة: 60] الآية في أيها أعطيت أجزأت، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن خالدا احتبس أدراعه في سبيل الله ويذكر عن أبي لاس حملنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على إبل الصدقة للحج.

حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله وأما العباس بن عبد المطلب فعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي عليه صدقة ومثلها معها"[1].

قوله: (بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر ساعيا على الصدقة).

قال الحافظ: (وهو مشعر بأنها صدقة الفرض لأن صدقة التطوع لا يبعث عليها السعاة.

قوله: (فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم -)، ليس منعهم الزكاة جحدا ولا عنادا أما ابن جميل فقد قيل إنه كان منافقا ثم تاب بعد ذلك وأما خالد فكان متأولا بإجراء ما حبسه عن الزكاة وكذلك العباس لاعتقاده ما سيأتي.

قال الحافظ: (ولهذا عذر النبي - صلى الله عليه وسلم - خالدا والعباس ولم يعذر ابن جميل.

قوله: (ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله)، أي ما ينكر أو يكره، وفي رواية: فأغناه الله ورسوله، إنما ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه لأنه كان سببا لدخوله في الإسلام فأصبح غنيا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله وأباح لأمته من الغنائم، وهذا السياق من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم لأنه إذا لم يكن له عذر إلا ما ذكر من أن الله أغناه فلا عذر له، وفيه التعريض بكفران النعم وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان.

قوله: (وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله)، أي تظلمون خالدا بنسبتكم إياه إلي المنع وهو لا يمنع وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه وخيله.

وقوله: (وعتاده) هو ما يعده الرجل من الدواب والسلاح.

وقوله: (وأما العباس فهي علي ومثلها. ثم قال: يا عمر، أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه)، الصنو المثل وأصله في النخل أن يجمع النخلتين أصل واحد، وفي رواية: فهي عليه صدقة ومثلها معها.

قال الحافظ: فعلى الرواية الأولى يكون - صلى الله عليه وسلم - ألزمه بتضعيف صدقته ليكون أرفع لقدره وأنبه لذكره وأنفى للذم عنه، فالمعنى فهي صدقة ثابتة عليه سيصدق بها ويضيف إليه مثلها كرما، ودلت رواية مسلم على أنه - صلى الله عليه وسلم - إلتزم بإخراج ذلك عنه لقوله فهي علي، وفيه تنبيه على سبب ذلك وهو قوله إن العم صنو الأب تفضيلا له وتشريفا، ويحتمل أن يكون تحمل عنه بها فيستفاد منه أن الزكاة تتعلق بالذمة كما هو أحد قولي الشافعي، وجمع بعضهم بين رواية "علي" ورواية "عليه" بأن الأصل رواية "علي" ورواية "عليه مثلها" إلا أن فيها زيادة هذه السكت حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر، وقيل معنى قوله علي أي هي عندي قرض لأنني استسلفت منه صدقة عامين، وقد ورد ذلك صريحا فيما أخرجه الترمذي وغيره من حديث علي وفي إسناده مقال وفي الدارقطني من طريق موسى بن طلحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا كنا احتجنا فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين" وهذا مرسل وروى الدارقطني أيضًا موصولا بذكر طلحة فيه وإسناد المرسل أصح، وفي الدارقطني أيضًا من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عمر ساعيا فأتي العباس فأغلظ له فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل" وفي إسناده ضعف، وأخرجه أيضًا هو والطبراني من حديث أبي رافع نحو هذا وإسناده ضعيف أيضًا، ومن حديث ابن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تعجل من العباس صدقته سنتين وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف، ولو ثبت لكان رافعًا للأشكال ولرجح به سياق رواية مسلم على بقية الروايات، وفيه رد لقول من قال إن قصة التعجيل إنما وردت في وقت غير الوقت الذي بعث فيه عمر لأخذ الصدقة وليس ثبوت هذه القصة في تعجيل صدقة العباس ببعيد في النظر بمجموع هذه الطرق والله أعلم. - إلى أن قال- واستدل بقصة خالد على جواز إخراج مال الزكاة في شراء السلاح وغيره من آلات الحرب والإعانة بها في سبيل الله بناء على أنه عليه الصلاة والسلام أجاز لخالد أن يحاسب نفسه بما حبسه فيما يجب عليه كما سبق وهي طريقة البخاري، وأجاب الجمهور بأجوبة أحدها أن المعنى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل إخبار من أخبره بمنع خالد حملا على أنه لم يصرح بالمنع وإنما نقلوه عنه بناء على ما فهموه ويكون قوله تظلمونه أي بنسبتكم إياه إلي المنع وهو لا يمنع وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتدبيس سلاحه وخيله، ثانيها أنهم ظنوا أنها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها فأعلمهم عليه الصلاة والسلام بأنه لا زكاة عليه فيما حبس وهذا يحتاج لنقل خاص فيكون فيه حجة لمن أسقط الزكاة عن الأموال المحبسة ولمن أوجبها في عروض التجارة، ثالثها: أنه كان نوى بإخراجها عن ملكه الزكاة عن ماله لأن أحد الأصناف سبيل الله وهم المجاهدون، وهذا يقوله من يجيز إخراج القيم في الزكاة كالحنفية ومن يجيز التعجيل كالشافعية وقد استدل البخاري به على إخراج العروض في الزكاة - إلى أن قال - وفي الحديث بعث الإمام العمال لجباية الزكاة وتنبيه الغافل على ما أنعم الله به من نعمة الغنى بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه والعتب على من من الواجب وجواز ذكره في غيبته بذلك وتحمل الإمام عن بعض رعيته ما يجب عليه والاعتذار عن بعض الرعية بما يسوغ الاعتذار به والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب. انتهى.

واستدل بقصة خالد على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد محتبسة وعلى صرف الزكاة إلا صنف واحد من الثمانية وقد اختلف العلماء في الوقف هل فيه زكاة أم لا؟ فأوجب مالك والشافعي الزكاة في الثمار المحبسة الأصول، وكان مكحول وطاووس يقولان لا زكاة فيها، وفرق بين أن تكون محبسة على المساكين وبين أن تكون على قوم بأعيانهم فأوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على قوم بأعيانهم ولم يوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على المساكين)[2].

وقال في المقنع:
(الرابع تمام الملك فلا زكاة في دين الكتابة ولا في السائمة الموقوفة. ولا في حصة المضارب من الربح قبل القسمة على أحد الوجهين فيهما.

قال في الحاشية:
قوله: ولا في السائمة الموقوفة إن كانت على غير معين كالمساجد والمدارس والربط وهذا المذهب وعليه الأصحاب قاطبة.

وإن كانت على معينين كالأقارب فني وجوب الزكاة فيها وجهان:
أحدهما: تجب الزكاة فيها وهو المذهب نص عليه ابن قدمه في شرحه لعموم قوله عليه الصلاة والسلام في كل أربعين شاة شاة ولعموم غيره من النصوص ولأن الملك ينتقل إلي الموقوف إليه في الصحيح من المذهب.

والثاني لا زكاة فيها لأن الملك لا يثبت فيها في وجه فإن وقف أرضا أو شجرا على معين وجبت الزكاة مطلقا في الغلة على الصحيح من المذهب لجواز بيعها)[3] انتهى والله أعلم.


[1] صحيح البخاري: (2/ 151).

[2] فتح الباري: (3/333).

[3] المبدع شرح المقنع: (2/166).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:15 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




(كتاب الزكاة 5)

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث السادس

166- عن عبدالله بن زيد بن عاصم المازني - رضي الله عنه - قال: لما أفاء الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قسم في الناس وفي المؤلفة قلوبهم، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا في أنفسهم، إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فالحكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله؟" كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن، قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله؟" قالوا: الله ورسوله أمن. قال: "لو شئتم لقلتم: جئتنا بكذا وبكذا، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت أمرا من الأنصار، ولو سلك الناس واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض".

قوله: (لما أفاء الله على نبيه - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين) أي أعطاه غنائم الذين قاتلهم يوم حنين، وكانوا ستة آلاف نفس من النساء والأطفال وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفا والغنم أربعين ألف شاة.

قوله: (قسم في الناس) حذف المفعول والمراد به الغنائم، ووقع في رواية الزهري عن أنس في الباب يعطي رجالا المائة من الإبل، وحنين واد بين مكة والطائف، وقال عكرمة إلي جنب ذي المجاز.

قوله: (قسم في الناس وفي المؤلفة قلوبهم)، وفي حديث أنس: يعطي رجالا المائة من الإبل.

قال الحافظ: (والمراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل كفار يعطون ترغيبا في الإسلام وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم وقيل مسلمون أول ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم، وأما المراد بالمؤلفة هنا فهذا الأخير لقوله، في رواية الزهري فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أخالفهم. انتهى.

وفي حديث أنس فأعطى الطلقاء والمهاجرين، والمراد بالطلقاء جمع طليق من حصل من النبي - صلى الله عليه وسلم - المن عليه يوم فتح مكة من قريش وأتباعهم، والمراد بالمهاجرين من أسلم قبل فتح مكة وهاجر إلى المدينة.

وعن رافع بن خريج أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة قلوبهم من سبي حنين مائة مائة من الإبل، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة، وأعطى صفوان بن أمية مائة، وأعطى عيينة بن حصن مائة وأعطى مالك بن عوف مائة، وأعطى الأقرع بن حابس مائة، وأعطى علقمة بن علاثة مائة، وأعطى العباس بن مرداس دون المائة فانشأ يقول:
أتجعل نهبي ونهب العبي https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
د بين عيينة والأقرع https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما كان حصن ولا حابس https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
يفوقان مرداس في المجمع https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
وما كنت دون امرئ منهما https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif
ومن تضع اليوم لا يرفع https://www.alukah.net/Images/alukah30/space.gif


قال: فأكمل له المائة. رواه أحمد ومسلم.

قوله: (ولم يعط الأنصار شيئا).

قال الحافظ: (ظاهر في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة).

قوله: (فكأنهم وجدوا في أنفسهم إذ لم يصبهم ما أصاب الناس)، وفي حديث أنس فقالوا: يغفر الله لرسوله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، وفي رواية: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا.

قال الحافظ: وهذا ظاهر في أن العطاء كان من صلب الغنيمة.

قوله: (فخطبهم فقال: يا معشر الأنصار)، وعند مسلم فحمد الله وأثنى عليه، وفي رواية: فحدث رسول الله بمقالتهم فأرسل إلي الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم أحدا غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ما كان حديث بلغني عنكم قال له فقهاؤهم أما ذوو آرائنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا الحديث، وقال ابن إسحاق لما أعطى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة فدخل عليه سعد بن عبادة فذكر له ذلك، فقال: "فأين أنت من ذلك يا سعد" قال يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي، قال: "فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة" قال فخرج سعد فجمع الناس في تلك الحظيرة الحديث.

قوله: (ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله؟ كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن).

ضلالا بالضم والتشديد جمع ضال.

قال الحافظ: والمراد هنا ضلالة الشرك وبالهداية الإيمان، وقد رتب - صلى الله عليه وسلم - ما من الله عليهم على يده من النعم ترتيبا بالغا، فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازيها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الآلفة وهي أعظم من نعمة المال لأن الأموال تبذل في تحصيلها وقد لا تحمل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها فزال ذلك كله بالإسلام كما قال الله تعالى: ï´؟ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ï´¾ [الأنفال: 63][1].

قوله: (عالة)، أي فقراء لا مال لهم، والعيلة الفقر.

قوله: (قال: ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالوا: الله ورسوله أمن)، وفي حديث لأبي سعيد عند ابن إسحاق: أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فواسيناك، وعند أحمد من حديث أنس فقالوا بل المن علينا لله ولرسوله.

قال الحافظ: (وإنما قال - صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعا منه وأنصافا وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم فإنه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نبه على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا ترضون" إلخ فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من عرض الدنيا الفانية.

قوله: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون بالنبي إلي رحالكم)، وفي حديث أنس: فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، وفيه أيضاً قالوا يا رسول الله قد رضينا، وذكر الواقدي أنه حينئذ دعاهم ليكتب لهم بالبحرين تكون لهم خاصة بعده دون الناس وهي يومئذ أفضل ما فتح عليه من الأرض فأبوا وقالوا لا حاجة لنا بالدنيا، قوله: لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، قال الخطابي: أراد بهذا الكلام تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها ونسبة الإنسان تقع على وجوه منها الولادة والبلادية والاعتقادية والصناعية، ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعا، قال وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليه أمرا واجبا أي لولا أن النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلي داركم.

قوله: (ولو سلك الناس واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها).

قال الحافظ: وأراد - صلى الله عليه وسلم - بهذا وبما بعده التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا، وفق هذا وصفه فحقه أن يسلك طريقه ويتبع حاله، قال الخطابي: لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديا وشعبا فأراد أنه مع الأنصار.

قوله: (الأنصار شعار والناس دثار)، الشعار الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، والدثار الذي فوقه، وهي استعارة لطيفة لفرط قربهم منه، وأراد أيضا أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم، زاد في حديث أبي سعيد: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، قال: فبكى القوم حتى اخضعوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا.

قوله: (إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض). قوله: أثرة بضم الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين ويجوز كسر أوله مع الإسكان أي: الانفراد بالشيء المشترك دون من يشركه فيه، وفي رواية الزهري: أثرة شديدة والمعنى أنه يستأثر عليهم بما لهم فيه اشتراك في الاستحقاق، وفي رواية الزهري: حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض، أي اصبروا حتى تموتوا فإنكم ستجدونني عند الحوض فيحصل لكم الانتصاف ممن ظلمكم والثواب الجزيل على الصبر، قال: وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم إقامة الحجة على الخصم إقحامه بالحق عند الحاجة إليه وحسن أدب الأنصار في تركهم المماراة والمبالغة في الحياء وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم، وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل من ثناء الرسول البالغ عليهم وأن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلي الحق، وفيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه والاعتذار والاعتراف، وفيه علم من أعلام النبوة لقوله: "ستلقون بعدي أثرة" فكان كما قال، وقد قال الزهري في روايته عن أنس في آخر الحديث: قال أنس فلم يصبروا، وفيه أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء وأن له أن يعطى الغني منه للمصلحة وأن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك، ومشروعية الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواء كان خاصا أم عاما، وفيه جواز تخصيص بعض المخاطبين في الخطبة، وفيه تسلية من فاته شيء من الدنيا مما حصل له من ثواب الآخرة والحض على طلب الهداية والألفة والغنى وأن المنة لله ورسوله على الإطلاق وتقديم جانب الآخرة على الدنيا والصبر عما فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة والآخرة خير وأبقي)[2] انتهى وبالله التوفيق وهو المستعان.

تتمة:
قال في الاختيارات: لا تجب في دين مؤجل أو على معسر أو مماطل أو جاحد ومغصوب ومسروق وضال وما دفنه ونسيه جهل عند من هو ولو حصل في يده وهو رواية عن أحمد واختارها وصححها طائفة من أصحابه وقول أبي حنيفة، ودين الابن الذي له على أبيه.

قال أبو العباس: الأشبه عندي أن يكون بمنزلة المال الضال فيخرج على الروايتين ووجهه ظاهر فإن الابن غير ممكن من المطالبة به فقد حيل بينه وبينه ولو قيل: لا تلزمه زكاته بمنزلة دين الكتابة لكان متوجهاً، ودين الولد هل يمنع الزكاة عن الأب لثبوته في الذمة أم لا لتمكنه من إسقاطه، خرجه أبو العباس على وجهين وجعل أصلهما الخلاف على أن قدرة المريض على استرجاع ملكه المنتقل عنه عيناً أو غيره هل ينزل منزلة تبرعه في المرض أم لا وتجب الزكاة في جميع أجناس الأجرة المقبوضة ولا يعتبر لها مضي الحول وهو رواية عن أحمد ومنقول عن ابن عباس ويصح أن يشترط رب المال زكاة رأس المال أو بعضه من الربح ولا يقال بعدم الصحة ونقله المروزي عن أحمد لأنه قد تحيط الزكاة بالربح فيختص رب المال بعمله لأنا نقول: لا يمتنع ذلك لما يختص بنفعه في المساقاة إذا لم يثمر الشجر وبركوب الفرس للجهاد إذا لم يغنموا، وهل يعتبر في وجوب الزكاة إمكان الأداء، فيه روايتان ولو تلف النصاب بغير تفريط من المالك لم يضمن الزكاة على كل من الروايتين واختاره طائفة من أصحاب أحمد، ولا يحل الاحتيال لإسقاط الزكاة ولا غيرها من حقوق الله تعالى، وإذا كانت الماشية سائمة أكثر الحول وجبت الزكاة فيها على الصحيح وإذا نقل الزكاة إلي المستحقين بالمصر الجامع مثل أن يعطي من بالقاهرة من العشور التي بأرض مصر فالصحيح جواز ذلك فإن سكان المصر إنما يعانون من مزارعهم بخلاف النقل من إقليم مع حاجة أهل المنقول عنها وإنما قال السلف: جيران المال أحق بزكاته وكرهوا نقل الزكاة إلي بلد السلطان وغيره ليكتفي كل ناحية بما عندهم من الزكاة ولهذا في كتاب معاذ بن جبل: من انتقل من مخلاف إلي مخلاف فإن صدقته وأثره في مخلاف جيرانه والمخلاف عندهم كما يقال المعاملة وهو ما يكون فيه الوالي والقاضي وهو الذي يستحلف فيه ولي الأمر جابيا بأخذ الزكاة من أغنيائهم فيردها على فقرائهم ولم يقيد ذلك بمسير يومين وتحديد المنع من نقل الزكاة بمسافة القصر ليس عليه دليل شرعي ويجوز نقل الزكاة وما في حكمها لمصلحة شرعية وإذا أخذ الساعي من أحد الشريكين رجع المأخوذ منه على شريكه بحصته ولو اختلفا في قيمة المدفوع.

قال أبو العباس: يتوجه قبول قول المعطي لأنه كالأمين وإن أخذ الساعي أكثر من الواجب ظلماً بلا تأويل من أحد الشريكين ففي رجوعه على شريكه قولان أظهرهما الرجوع، وكذلك في المظالم المشتركة التي يطلبها الولاة من الشركاء أو الظلمة من البلدان أو التجار أو غيرهم والكلف السلطانية على الأنفس والدواب والأموال يلزمهم التزام العدل في ذلك كما يلزم فيما يؤخذ بحق فقن تغيب أو امتنع فأخذ من غيره حصته رجع المأخوذ منه على أن أدى عنه في الأظهر إن لم يتبرع ولمن له الولاية على المال أن يصرف مما يخصه من الكلف كناظر الوقف والوصي والمضارب والوكيل قام فيها بنية تقليل الظلم كالمجاهد في سبيل الله ومن صودر على أداء مال وأكره أقاربه أو جيرانه أو أصدقاؤه أو شركاؤه على أن يؤدوه عنه فلهم الرجوع عليه لأنهم ظلموا من أجله ولأجل ماله والطالب مقصوده ماله لا مالهم ومن لم يخلص مال غيره من التلف إلا بما أدى عنه رجع في أظهر قولي العلماء ولو أخذ الساعي فوق الواجب بتأويل أو أخذ القيمة فالصواب الأجزاء ولو اعتقد المأخوذ منه عدمه وجعله أبو العباس في موضع آخر كالصلاة خلف التارك ركناً أو شرطاً، قال ورجح أبو العباس: أن المعتبر لوجوب زكاة الخارج من الأرض الادخار لا غير لوجود المعنى المناسب لإيجاب الزكاة فيه بخلاف الكيل فإنه تقدير محض فالوزن في معناه.

قال: وكذلك العد كالجوز والزرع كالجوز المستنبت في دمشق ونحوها ولهذا تجب الزكاة عندنا في العسل وهو رطب ولا يوسف لكونه يبقى ويدخر ونص أبو العباس على وجوب الزكاة في التين للادخار، وإنما اعتبر الكيل والوزن في الربويات لأجل التماثل المعتبر فيها وهو غير معتبر ههنا، وتسقط فيما خرج من مؤنة الزرع والثمر منه وهو قول عطاء بن أبي رياح لأن الشارع أسقط في الخرص زكاة الثلث أو الربع لأجل ما يخرج من الثمرة بالاعراء والضيافة وإطعام ابن السبيل وهو تبرع فيما يخرج عنه لمصلحته التي لا تحصل إلا بها أولاً بإسقاط الزكاة عنه وما يديره الماء من النواعير ونحوها مما يصنع من العام إلى العام أو إثناء العام ولا يحتاج إلي دولاب تديره الدواب يجب فيه العشر لأن مؤنته خفيفة فهي كحرث الأرض وإصلاح طرق الماء.

وكلام أبي العباس في "اقتضاء الصراط المستقيم": يعطي أن أهل الذمة منعوا من شراء الأرض العشرية ولا يصح البيع وجزم الأصحاب بالصحة ولكن حكي الإمام أحمد عن عمر بن عبدالعزيز والحسن أنهم يمنعون من الشراء فإن اشتروا لم تصح وتعطيل الأرض العشرية باستئجار الذمي لها أو مزارعته فيها كتعطيله بالشراء وكلام أحمد يوافقه فإنه قال: لا يؤجر منه أي الأرض من الذمي ولا يجوز بقاء أرض بلا عشر ولا خراج اتفاقا فيخرج من أقطع أرضاً بأرض مصر أو غيرها العشر، قلت: والمراد ما عدا أرض الذمي فإنه لو جعل داره بستاناً أو مزرعة أو رضخ الإمام له من الغنيمة فإنه لا يبني فيها نقله الجماعة عن الإمام أحمد والله أعلم. قال ويجوز إخراج زكاة العروض عرضاً ويقوى على قول من يقول تجب الزكاة في عين المال انتهى والله أعلم.

وقال أيضا: وما سماه الناس درهماً وتعاملوا به تكون أحكامه أحكام الدرهم من وجوب الزكاة فيما يبلغ مائتين منه والقطع بسرقة ثلاثة دراهم منه إلي غير ذلك من الأحكام قل ما فيه الفضة أو كثر وكذلك ما سمي ديناراً ونقل عن غير واحد من الصحابة أنه قال: زكاة الحلي عاريته ولهذا تنازع أهل هذا القول هل أن تعيره لمن يستعيره إذا لم يكن في ذلك ضرر عليها على وجهين في مذهب أحمد وغيره والذي ينبغي إذا لم تخرج الزكاة عنه أن تعيره وأما إن كانت تكريه ففيه الزكاة عند جمهور العلماء وكتابة القرآن على الحياضة والدرهم والدينار مكروهة ويجوز إخراج القيمة في الزكاة لعدم العدول عن الحاجة والمصلحة مثل أن يبيع ثمرة بستانه أو زرعه فهنا إخراج عشر الدراهم يجزئه ولا يكلف أن يشتري تمراً أو حنطة فإنه قد ساوى الفقير بنفسه وقد نص أحمد على جواز ذلك ومثل أن تجب عليه شاة في الإبل وليس عنده شاة فإخراج القيمة كاف ولا يكلف السفر لشراء شاة أو أن يكون المستحقون طلبوا القيمة لكونها أنفع لهم فهذا جائز أما الفلوس فلا يجزئ إخراجهم عن النقدين على الصحيح لأنها ولو كانت نافقة فليست في المعاملة كالدراهم في العادة لأنها قد تكسد ويحرم المعاملة بها ولأنها أنقص سعراً ولهذا يكون البيع بالفلوس دون البت بقيمتها من الدراهم وغايتها أن تكون بمنزلة المنكسرة مع الصحاح والبهرجة مع الخالصة فإن تلك إلي النحاس أقرب وعلى هذا إذا أخرج الفلوس وأخرج التفاوت جاز على المنصوص في جواز أخرج التفاوت فيما بين الصحيح والمنكسر بناء على أن جبران الصفات كجبران المقدار لكن يقال: المنكسرة من الجنس والفلوس من غير الجنس فينتفي فيها المآخذ ولا ينبغي أن يكون إلا وجهان إلا إذا خرجت بقيمتها فضة لا بسعرها في العوض)[3] انتهى والله أعلم.



[1] فتح الباري: (8/ 50).

[2] فتح الباري: (8/ 51).

[3] الاختيارات الفقهية: (1/ 452).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:18 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




( صدقة الفطر )



الحديث الأول
167- عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما -: قال: فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر - أو قال: رمضان - على الذكر والأنثى والحر والمملوك، صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير؛ قال: فعدل الناس به نصف صاع من بر على الصغير والكبير. وفي لفظ: أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة.

الحديث الثاني
168- عن أبي سعد الخدري- رضي الله عنه- قال: كنا نعطيها في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب.

فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال: أرى مدًّا من هذه يعدل مدين، قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم.

صدقة الفطر ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع قال الله تعالى: ï´؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ï´¾ [الأعلى: 14، 15].

قال سعيد بن المسبب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ï´؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ï´¾ هو زكاة الفطر.

قال الحافظ: ثبت أنها نزلت في زكاة الفطر وأضيفت الصدقة للفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان.

قوله: (فرض النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر- أو قال: رمضان).

قال البخاري: باب فرض صدقة الفطر. ورأى أبو العالية وعطاء، وابن سيرين صدقة الفطر فريضة[1]. ثم ذكر الحديث.

قوله: (على الذكر والأنثى).

قال الحافظ: (ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق تجب على زوجها إلحاقا بالنفقة وفيه نظر لأنهم قالوا إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزم)[2].

قوله: (والحر والمملوك).

قال البخاري: باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين[3].

وذكر الحديث ولفظه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرض زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على كل حر، أو عبد ذكر، أو أنثى من المسلمين.

قال الحافظ: (قوله باب صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين، ظاهره أنه يرى أنها تجب على العبد وإن كان سيده يتحملها عنه ويؤيده عطف الصغير عليه فإنها تجب عليه وإن كان الذي يخرجها غيره.

قوله: من المسلمين، قال ابن عبد البر: لم تختلف الرواة عن مالك في هذه الزيادة إلا أن قتيبة بن سعيد رواه عن مالك بدونها- إلى أن قال- واستدل بقوله من المسلمين على تناولها لأهل البادية خلافا للزهري وربيعة والليث في قولهم أن زكاة الفطر تختص بالحاضرة.

قال البخاري: باب صدقة الفطر على الصغير والكبير[4] وذكر الحديث.

قال الحافظ: (ظاهر الحديث وجوبها على الصغير لكن المخاطب عنه وليه فوجوبها على هذا في مال الصغير، وإلا فعلى من تلزمه نفقته وهذا قول الجمهور - إلا أن قال: ونقل ابن المنذر الإجماع على أنها لا تجب على الجنين قال وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه)[5].

قوله: وأمر بها (أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة).

قال البخاري: باب الصدقة قبل العيد[6].

وذكر حديث ابن عمر - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلي الصلاة، وحديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه-، قال: كنا نخرج في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الفطر صاعًا من طعام، وقال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقل والتمر.

قال الحافظ: (قوله: باب الصدقة قبل العيد، قال ابن التين: أي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد صلاة الفجر، وقال ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله يقول: ï´؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ï´¾ ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبدالله عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن هذه الآية فقال نزلت في زكاة الفطر قال ودل حديث ابن عمر على أن المراد بقوله يوم الفطر أي أوله وهو ما بين صلاة الصبح إلى صلاة العيد وحمل الشافعي التقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار)[7] انتهى.

وقال البخاري أيضا: باب صدقة الفطر على الحر والمملوك. وقال الزهري في المملوكية للتجارة يزكي في التجارة ويزكي في الفطر[8].

ثم ذكر حديث نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -، وفي آخره فكان ابن عمر - رضي الله عنهما - يعطي التمر فأعوز أهل المدينة من التمر فأعطى شعيرا، فكان ابن عمر يعطي عن الصغير والكبير حلي إن كان يعطي عن بني، وكان ابن عمر - صلى الله عليه وسلم - يعطيها الذين يقبلونها وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين.

قوله: وقال الزهري في المملوكين للتجارة يزكي في التجارة ويزكي في الفطر.

قال الحافظ: هو قول الجمهور.

قوله: (صاعًا من تمر).

قال البخاري: باب صدقة الفطر صاع من طعام[9].

وذكر حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - يقول: كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر، أو صاعًا من أقط، أو صاعًا من زبيب.

قال الحافظ: (قوله: باب صاع من زبيب، أي أجزائه، وكأن البخاري أراد بتفريق هذه التراجم الإشارة إلي ترجيح التخيير في هذه الأنواع إلا أنه لم يذكر الأقط وهو ثابت في حديث أبي سعيد، وكأنه لا يراه مجزئا في حال وجدان غيره، كقول أحمد، وحملوا الحديث على أن من كان يخرجه كان قوته إذ ذاك أو لم يقدر على غيره وظاهر الحديث يخالفه، وعند الشافعية فيه خلاف وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية وأما الحاضرة فلا يجزئ عنهم بلا خلاف وتعقبه النووي في شرح المهذب وقال: قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع، قوله: كنا نعطيها أي زكاة الفطر، قوله: في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذا حكمه الرفع لإضافته إلي زمنه - صلى الله عليه وسلم - ففيه إشعار باطلاعه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك وتقريره له ولاسيما في هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفرقتها، قوله: صاعًا من طعام أو صاعًا من تمر هذا يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده، وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له، قال: ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات والحنطة أعلاها فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات ولاسيما حيث عطفت عليها بحرف أو الفاصلة وقال: هو وغيره وقد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل أذهب إلي سوق الطعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه لأن ما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أقرب، وقد رد ذلك ابن المنذر وقال ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد: صاعًا من طعام، حجة لمن قال صاعًا من حنطة وهذا غلط منه وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أورد طريق حفص بن ميسرة وهي ظاهرة فيما قال، ولفظه: كنا نخرج صاعًا من طعام وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر، وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى عن عياض وقال فيه ولا يخرج غيره، قال: وفي قوله فلما جاء معاوية وجاءت السمراء دليل على أنها لم تكن قوتا لهم قبل هذا فدل على أنها لم تكن كثيرة ولا قوتا فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودا انتهى كلامه، وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما من طريق ابن إسحاق عن عبدالله بن عبدالله بن عثمان بن حكيم عن عياض بن عبدالله قال: قال أبو سعيد وذكروا عنده صدقة رمضان فقال: لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح فقال: لا، تلك قيمة معاوية مطوية لا أقبلها ولا أعمل بها، قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد غير محفوظ- إلا أن قال: وهذه الطرق كلها تدل على أن المراد بالطعام في حديث أبي سعيد غير الحنطة فيحتمل أن تكون الذرة فإنه المعروف عند أهل الحجاز الآن وهي قوت غالب لهم، وقد روى الجوزقي من طريق ابن عجلان عن عياض في حديث أبي سعيد صاعًا من تمر صاعًا من سلت أو ذرة، وقال ابن المنذر أيضا: لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتمد عليه ولم يكن البر بالمدينة ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلي قول مثلهم، ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطرة نصف صاع من قمح)[10] انتهى.

قال الحافظ: (وهذا مصير منه إلي اختيار ما ذهب إليه الحنفية لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي وكأن الأشياء التي ثبت ذكرها في حديث أبي سعيد لما كانت متساوية في مقدار ما يخرج منها مع ما يخالفها في القيمة دل على أن المراد إخراج هذا المقدار من أي جنس كان فلا فرق بين الحنطة وغيرها هذه حجة الشافعي ومن تبعه وأما من جعله نصف صاع منها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد بناء منه على أن قيم ما عدا الحنطة متساوية وكانت الحنطة إذ ذاك غالية الثمن فلما جاء معاوية وجاءت السمراء أي القمح الشامي قال: أرى مدا من هذه يعدل مدين. قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم. وعند مسلم أيضا في روايته فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا أو معتمرا فكلم الناس على المنبر)[11].

قال النووي: تمسك بقول معاوية من قال بالمدين من الحنطة وفيه نظر لأنه فعل صحابي قد خالفه فيه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد صرح معاوية بأنه رأي رآه لا أنه سمعه من النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال البيهقي: وقد وردت أخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صاع من بر ووردت أخبار في نصف صاع ولا يصح شيء من ذلك.

وقال الشوكاني بعد ذكر الخلاف في أجزاء نصف الصاع من البر: (والقول الأول أرجح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرض صدقة الفطر صاعًا من طعام والبر مما يطلق عليه اسم الطعام فلا يجزئ دون الصاع منه)[12].

قال الحافظ: (وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة الأتباع والتمسك بالآثار وترك العدول إلي الاجتهاد مع وجود النص، وفي صنيع معاوية وموافقة الناس له دلالة على جواز الاجتهاد وهو محمود لكنه مع وجود النص فاسد الاعتبار) [13] انتهى. والله الموفق.

تتمة:
عن إسحاق بن سليمان الرازي قال: قلت لمالك بن أنس: أبا عبدالله كم قدر صاع النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: "خمسة أرطال وثلث بالعراقي أنا حزرته" فقلت أبا عبدالله خالفت شيخ القوم، قال من هو؟ قلت: أبو حنيفة يقول ثمانية أرطال، فغضب غضبا شديدا ثم قال لجلسائه: يا فلان هات صاع جدك، يا فلان هات صاع جدتك، قال إسحاق: فاجتمعت آصع، فقال ما تحفظون في هذا؟ فقال: هذا حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال هذا حدثني أبي عن أخيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال الآخر حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع إلي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال مالك: أنا حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا رواه الدارقطني.

قال الحافظ: (والصاع خمسة أرطال وثلث برطل بغداد وهو على ما قال الرافعي وغيره مائة وثلاثون درهما ورجح النووي أنه مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وقد بين الشيخ الموفق سبب الخلاف في ذلك فقال: إنه في الأصل مائة وثمانية وعشرين وأربعة أسباع درهم ثم زادوا فيه مثقالا لإرادة جبر الكسر فصار مائة وثلاثين قال والعمل على الأول لأنه هو الذي كان موجودا وقت تقدير العلماء به)[14] انتهى.

وعن ابن عباس قال: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود وابن ماجه.

قال في الاختيارات: (ويجزئه في الفطرة من قوت بلده مثل الأرز وغيره ولو قدر على الأصناف المذكورة في الحديث وهو رواية عن أحمد وقول أكثر العلماء، ولا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة وهو من يأخذ لحاجته لا في الرقاب والمؤلفة وغير ذلك ويجوز دفعها إلي فقير واحد وهو مذهب أحمد، ولا يعتبر في زكاة الفطر ملك نصاب بل تجب على من ملك صاعًا فاضلًا عن قوته يوم العيد وليلته وهو قول الجمهور، وإذا كان عليه دين وصاحب لا يطالبه به أدى صدقة الفطر كما يطعم عياله يوم العيد وهو مذهب أحمد، ومن عجز عن صدقة الفطر وقت وجوبها عليه ثم أيسر ناداها فقد أحسن وقدر الفطر صاع من التمر والشعير وأما من البر فنصف وهو قول أبي حنيفة وقياس قول أحمد في بقية الكفارات. انتهى.

وقال أيضا: ولا ينبغي أن يعطي الزكاة لمن لا يستعين بها على طاعة الله فإن الله تعالى فرضها معونة على طاعته لمن يحتاج إليه من المؤمنين كالفقراء والغارمين أو لمن يعاون المؤمنين فمن لا يصلى من أهل الحاجات لا يعطى شيئًا حتى يتوب ويلتزم أداء الصلاة، ويجب صرف الزكاة إلى الأصناف الثمانية إن كانوا موجودين وإلا صرفت إلى الموجود منهم ونقلها إلي حيث يوجدون، وبنو هاشم إذا منعوا من خمس الخمس جاز لهم الأخذ من الزكاة وهو قول القاضي يعقوب وغيره من أصحابنا وقاله أبو يوسف والاصطخري من الشافعية محل حاجة وضرورة، ويجوز لبني هاشم الأخذ من زكاة الهاشميين وهو محكي عن طائفة من أهل البيت، ويجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم لوجود المقتضى السالم عن المعارض العادم وهو أحد القولين في مذهب أحمد، وكذا إن كانوا غارمين أو مكاتبين أو أبناء السبيل وهو أحد القولين أيضًا، وإذا كانت الأم فقيرة ولها أولاد صغار لهم مال ونفقتها تضر بهم أعطيت من زكاتهم، والذي يخدمه إذا لم تكفه أجرته أعطاه من زكاته إذا لم يستعمله بدل خدمته، ومن كان في عياله قوم لا تجب عليه نفقتهم فله أن يعطيهم من الزكاة ما يحتاجون إليه مما لم تجر عادته بإنفاقه من ماله، واليتيم المميز يقبض الزكاة لنفسه لان لم يكن مميزًا قبضها كافلة كائنًا من كان، وأما إسقاط الدين عن المعسر فلا يجزئ عن زكاة العين بلا نزاع، لكن إذا كان له دين على من يستحق الزكاة فأعطاه منها وشارطه أن يعيدها إليه لم يجز، وكذا إن لم يشرط لكن قصده المعطي في الأظهر، وهل يجوز أن يسقط عنه قدر ذلك الدين ويكون ذلك زكاة ذلك الدين فيه قولان في مذهب أحمد وغيره أظهرهما الجواز لأن الزكاة مواساة، ومن ليس معه ما يشتري به كتبًا يشتغل فيها يجوز له الأخذ من الزكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب العلم التي لابد لمصلحة دينه ودنياه منها، ويجوز الأخذ من الزكاة لما يحتاج إليه من إقامة مؤنته وإن لم ينفقه بعينه في المؤنة وقيل لأحمد: الرجل يكون له الزرع القائم وليس عنده ما يحصده أيأخذ من الزكاة قال: نعم يأخذ، ويأخذ الفقير من الزكاة ما يصير به غنيًا وإن كثر وهو أحد القولين في مذهب أحمد والشافعي، ويجوز إعتاق الرقيق من الزكاة وافتكاك أسرى المسلمين وهو مذهب أحمد، ويجوز للإمام أن يعتق من مال الفيء والمصالح إذا كان في الإعتاق مصلحة إما لمنفعة المسلمين أو لمنفعة المعتق أو تأليفا لقلوب من يحتاج إلى تأليفه وقد ينفذ العتق حيث لا يجوز إذا كان في الرد فساد كما في الولايات مثل أن يكون قد أسلموا وهم لكافر ذمي أو معاهد حربي، ومن لم يحج حجة الإسلام وهو فقير أعطي ما يحج به وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ويبرأ بدفع الزكاة إلى ولي الأمر العادل وإن كان ظالمًا لا يصرف الزكاة في المصارف الشرعية فينبغي لصاحبها أن لا يدفعها إليه فإن حصل له ضرر بعد دفعها إليه فإنه يجزئ عنه إذا أخذت منه في هذه الحالة عند أكثر العلماء وهم في هذه الحال ظلموا مستحقها كولي اليتيم وناظر الوقف إذا قبضا المال وصرفاه في غير مصارفه الشرعية، ولا تسقط الزكاة والحج والديون ومظالم العباد عمن مات شهيدًا، وإذا قبض من ليس من أهل الزكاة مالًا من الزكاة، وصرفه في شراء عقار أو نحوه فالنماء الذي حصل بعمله وسعيه يجعل مضاربة بينه وبين أهل الزكاة وإعطاء السؤال فرض كفاية إن صدقوا ومن سأل غيره الدعاء لنفع ذلك الغير أو نفعهما أثيب، وإن قصد نفع نفسه فقط نهي عنه كسؤال المال وإن كان قد لا يأثم، قال أبو العباس في "الفتاوى المصرية": لا بأس بطلب الناس الدعاء بعضهم ين بعض لكن أهل الفضل يفوزون بذلك إذ الذي يطلبون منه الدعاء إذا دعا لهم كان له من الأجر على دعائه أعظم من أجره لو دعا لنفسه وحده ويلزم عامل الزكاة رفع حساب ما تولاه إذا طلب منه الخراج، وصلة الرحم المحتاج أفضل من العتق)[15]. والله أعلم


[1] صحيح البخاري: (2/161).

[2] فتح الباري: (3/ 369).

[3] صحيح البخاري: (2/161).

[4] صحيح البخاري: (2/161).

[5] فتح الباري: (3/ 369).

[6] صحيح البخاري: (2/162).


[7] فتح الباري: (3/ 375).

[8] صحيح البخاري: (2/162).

[9] صحيح البخاري: (2/161).

[10] فتح الباري: (3/372).

[11] فتح الباري: (3/ 374).

[12] نيل الأوطار: (4/ 563).


[13] فتح الباري: (3/ 374).

[14] فتح الباري: (1/ 364).

[15] الاختيارات الفقهية: (1/ 455).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:24 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





(كتاب الصيام ) (1)


أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام



الحديث الأول
169- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه".

صوم رمضان أحد أركان الإسلام والأصل في وجوبه الكتاب والسنة والإجماع:
قال تعالى: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾ [البقرة: 183 - 185].

والصيام: في اللغة الإمساك. وفي الشرع: الإمساك في النهار من الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد به الشرع.

قوله: (لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين).

قال البخاري: باب لا يتقدم رمضان بصوم يوم ولا يومين وذكر الحديث ولفظه لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجل كان يصوم صومه فليصم ذلك اليوم[1].

قال الحافظ:
قوله: (لا يتقدم رمضان بصوم يوم أو يومين) أي لا يتقدم رمضان بصوم يوم يعد منه بقصد الاحتياط له فإن صومه مرتبط بالرؤية فلا حاجة إلي التكلف واكتفى في الترجمة عن ذلك لتصريح الخبر به)[2].

قوله: (إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه). والترمذي وأحمد: إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم.

قال الحافظ: (قال العلماء معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قال الترمذي لما أخرجه: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان)[3] اهـ.

قال الحافظ: (والحكمة فيه التقوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وهذا فيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصيام ثلاثة أيام أو أربعة جاز، وسنذكر ما فيه قريبا وقيل الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر أيضا لأنه يجوز لمن له عادة كما في الحديث، وقيل لأن الحكم علق بالرؤية فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم وهذا هو المعتمد ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه لأنه اعتاده وألفه وترك المألوف شديد وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء ويلتحق بذلك القضاء والنذر لوجوبهما. قال: وفي الحديث رد على من يرى تقديم الصوم على الرؤية كالرافضة، ورد على من قال بجواز صوم النفل المطلق، وأبعد من قال المراد بالنهي التقدم بنية رمضان، قال: وفيه بيان لمعنى قوله في الحديث الآخر "صوموا لرؤيته" فإن اللام فيه للتأقيت لا للتعليل، وفيه منع إنشاء الصوم قبل رمضان إذا كان لأجل الاحتياط فإن زاد على ذلك فمفهومه الجواز، وقيل يمتد المنع لما قبل ذلك وبه قطع كثير من الشافعية وأجابوا عن الحديث بأن المراد منه التقديم بالصوم فحيث وجد من وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب ممن يقصد ذلك، وقالوا أمد المنع من أول السادس عشر من شعبان لحديث العلاء بن عبدالرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا إذا انتصف شعبان فلا تصوموا أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره وقال الروماني من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر، وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان وضعفوا الحديث الوارد فيما وقال أحمد وابن معين: إنه منكر، وقد استدل البيهقي بحديث الباب على ضعفه فقال الرخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطحاوي واستظهر بحديث ثابت عن أنس مرفوعا أفضل الصيام بعد رمضان شعبان لكن إسناده ضعيف واستظهر أيضا بحديث عمران بن حصين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل: "هل صمت من سرر شعبان شيئا؟ " قال: لا، قال: "فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين" ثم جمع بين الحديثين بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان وهو جمع حسن والله أعلم)[4].

الحديث الثاني
170- عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له".

قال البخاري: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا" وقال صلة عن عمار: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -".

حدثنا عبدالله بن مسلمة حدثنا مالك عن نافع عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر رمضان فقال: "لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له"[5].

قال الحافظ: (قوله: باب قول النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأيتم الهلال فصوموا، هذه الترجمة لفظ مسلم من رواية إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد عن أي هريرة، قال: وذكر البخاري في الباب أحاديث تدل على نفي صوم يوم الشك رتبها ترتيبا حسنا فصدرها بحديث عمار المصرح بعصيان من صامه ثم بحديث ابن عمر من وجهين أحدهما بلفظ "فأن غم عليكم فاقدروا له" والآخر بلفظ "فأكملوا العدة ثلاثين" وقصد بذلك بيان المراد من قوله فاقدروا له ثم استظهر بحديث ابن عمر أيضا الشهر هكذا وهكذا وحبس الإبهام في الثالثة، ثم ذكر شاهدا من حديث أبي هريرة لحديث ابن عمر مصرحا بأن عدة الثلاثين المأمور بها تكون من شعبان، ثم ذكر شاهدا لحديث ابن عمر في كون الشهر تسعا وعشرين من حديث أم سلمة مصرحا فيه بأن الشهر تسع وعشرون ومن حديث أنس كذلك)[6].

قوله: (إذا رأيتموه فصوموا) وفي رواية: "لا تصوموا حتى تروا الهلال".

قال الحافظ: (قوله: "لا تصوموا حتى تروا الهلال" ظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلا أو نهارا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل وبعض العلماء فرق بين ما قبل الزوال أو بعد، وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقا، وهو ظاهر في النهى عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله: "فإن غم عليكم فاقدروا له" فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين حكم الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو وأما الغيم فله حكم آخر ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكدا للأول وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا المراد بقوله "فاقدروا له" أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين ويرجح هذا التأويل الروايات الآخر المصرحة بالمراد من قوله "فأكملوا العدة ثلاثين" ونحوها وأولى ما فسر الحديث بالحديث- إلى أن قال- وروى الدارقطني وصححه وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره ثم يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام. وأخرجه أبو داود وغيره أيضا، وروي أبو داود والنسائي وابن خزيمة من طريق ربعي عن حذيفة مرفوعا: "لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة"[7].

قال الحافظ: (قال ابن عبدالهادي في تنقيحه: الذي دلت عليه الأحاديث وهو مقتض القواعد أنه أي شهر غم أكمل ثلاثين سواء في ذلك شعبان ورمضان وغيرهما فعلى هذا قوله "فأكملوا العدة" يرجع إلي الجملتين وهو قوله "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة" أي غم عليكم في صومكم أو فطركم وبقية الأحاديث تدل عليه فاللام في قوله فأكملوا العدة للشهر أي عدة الشهر ولم يخص - صلى الله عليه وسلم - شهرا دون شهر بالإكمال إذا غم فلا فرق بين شعبان وغيره في ذلك إذ لو كان شعبان غير مراد بهذا الإكمال لبينه فلا تكون رواية من روى فأكملوا عدة شعبان مخالفة لمن قال فأكملوا العدة بل مبينة لها ويؤيد ذلك قوله في الرواية الأخرى فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ثلاثين أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وأبو يعلى من حديث ابن عباس هكذا ورواه الطيالسي من هذا الوجه بلفظ ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم من شعبان انتهى، وقال ابن العربي: قوله الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا إلخ معناه حصره من جهة أحد طرفيه أي أنه يكون تسعا وعشرين وهو أقله ويكون ثلاثين وهو أكثره فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وانتهاء باستهلاله)[8].

وقال الحافظ: (قوله: "فلا تصوموا حتى تروه" ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في حق كل أحد بل المراد بذلك رؤية بعضهم وهو من يثبت به ذلك إما واحد على رأي الجمهور أو اثنان على رأي آخرين)[9] انتهى.

واختلفت الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله فيما إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر فعنه يجب صومه، وعنه أن الناس تبع للإمام، فإن صام صاموا، دان أفطر أفطروا، وعنه لا يجب صومه قبل رؤية هلاله أو إكمال شعبان اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هو مذهب أحمد المنصوص الصريح عنه، وعنه صومه منهي عنه وهذا هو الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة: وقال ابن المنذر: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو لا يجب بإجماع الأمة.

تتمة:
عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلي معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما- ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت: أولا تكتفى برؤية معاوية وصيامه، فقال: لا هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه.

قال في الشرح الكبير[10]: (مسألة) (وإذا رأى الهلال أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم) هذا قول الليث وبعض أصحاب الشافعي، وقال بعضهم إن كان بين البلدين مسافة قريبة لا تختلف المطالع لأجلها كبغداد والبصرة لزم أهلها الصوم برؤية الهلال في أحدهما، وإن كان بينهما بعد كالحجاز والعراق والشام فلكل أهل بلد رؤيتهم وهو مذهب القاسم وسالم وإسحاق.

قال الحافظ: (وقال أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلاد كخراسان والأندلس)[11] انتهى.

وعن ابن عمر قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه. رواه أبو داود.

وعن عبدالرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس يوم الشك في مكة فقال: إني جالست أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وسألتهم، فقالوا إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا" رواه أحمد.

وعن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني رأيت الهلال فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله" قال نعم. قال: "أتشهد أن محمدا رسول الله" قال: نعم.

قال: "يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا". رواه الخمسة إلا أحمد وهو دليل على قبول شهادة الواحد في دخول رمضان.

قال النووي في شرح مسلم: (لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل). انتهى.

قال في الاختيارات الفقهية: (تختلف المطالع باتفاق أهل المعرفة بهذا، فإن اتفقت لزمه الصوم وإلا فلا وهو الأصح للشافعية وقول في مذهب أحمد، ومن رأى هلال رمضان وحده وردت شهادته لم يلزمه الصوم ولا غيره ونقله حنبل عن أحمد في الصوم وكما لا يعزف ولا يضحي وحده، والنزاع مبنى على أصل وهو: أن الهلال هو اسم لما يطلع من السماء وإن لم يشتهر ولم يظهر أو لأنه لا يسمى هلالاً إلا بالاشتهار والظهور كما يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، فيه قولان للعلماء وهما روايتان عن الإمام أحمد، وإن نوى نذرا أو نفلا ثم بان من رمضان أجزأه إن كان جاهلاً كمن دفع وديعة رجل إليه على طريق التبرع ثم تبين أنه كان حقه فإنه لا يحتاج إلي إعطاء ثان بل يقول له الذي وصل إليك هو حق كان لك عندي، ومن خطر بقلبه أنه صائم غداً فقد نوى، والصائم لما يتعشى يتعشى عشاء من يريد الصيام ولهذا يفرق بين عشاء ليلة العيد وعشاء ليالي رمضان، قال: ويصح صوم الفرض بنية من النهار إذا لم يعلم وجوبه بالليل كما إذا شهدت البينة بالنهار وإن حال دون منظر الهلال ليلة الثلاثين غيم أو قتر فصومه جائز لا واجب ولا حرام وهو قول طوائف من السلف والخلف وهو مذهب أبي حنيفة والمنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد إنما تدل على هذا ولا أصل للوجوب في كلامه ولا في كلام أحد من الصحابة - رضي الله عنه - وحكى أبو العباس أنه كان يميل أخيراً إلى أنه لا يستحب صومه)[12] انتهى والله أعلم.


[1] صحيح البخاري: (6/488).

[2] فتح الباري: ( 4/128).

[3] فتح الباري: (4/ 128).

[4] فتح الباري: (4/ 128).

[5] صحيح البخاري: (6/477).

[6] فتح الباري: (4/ 120).

[7] فتح الباري: (4/ 121).

[8] فتح الباري: (4/ 122).

[9] فتح الباري: (4/ 123).

[10] الشرح الكبير: (3/7).

[11] فتح الباري: (4/ 123).

[12] (1/ 458).









ابوالوليد المسلم 25-02-2020 04:26 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك



(كتاب الصيام 2 )

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث الثالث

171- عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تسحروا فإن في السحور بركة".

السحور بفتح السين: ما يتسحر به والبركة في السحور تحصل بجهات متعددة: وهي اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوى به على العبادة، والزيادة في النشاط، ومدافعة سوء الخلق الذي يثيره الجوع، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء وقت مظنة الإجابة.

والحديث دليل على استحباب السحور، ولأحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ "السحور بركة فلا تدعوه ولو أن يجرع أحدكم جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".

الحديث الرابع

172- عن أنس عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - قال: تسحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.

قال البخاري: باب قدر كم بين السحور وصلاة الفجر[1].

وذكر الحديث ولفظه: تسحرنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قام إلي الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية.

قال الحافظ: قوله: (باب قدركم بين السحور وصلاة الفجر)، أي انتهاء السحور وابتداء الصلاة لأن المراد تقدير الزمان الذي ترك فيه الأكل والمراد بفعل الصلاة أول الشروع فيها قاله الزين بن المنير)[2].

قوله: (قدر خمسين آية).

قال الحافظ: (أي متوسطة لا طويلة ولا قصيرة لا سريعة ولا بطيئة، قال المهلب وغيره: فيه تقدير الأوقات بأعمال البدن، وكانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال كقولهم قدر حلب شاة، وقدر نحر جزور، فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلي التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة ولو كانوا يقدرون بغير العمل لقال مثلا قدر درجة أو ثلث خمس ساعة، وقال ابن أبي جمرة: فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة، وفيه تأخير السحور لكونه أبلغ في المقصود، قال ابن أبي جمرة: كان - صلى الله عليه وسلم - ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فيشق على بعضهم ممن يغلب عليه النوم فقد يفضي إلي ترك الصبح أو يحتاج إلي المجاهدة بالسهر، وقال فيه أيضا تقوية على الصيام لعموم الاحتياج إلي الطعام ولو ترك لشق على بعضهم ولاسيما من كان صفراويا فقد يغشى عليه فيفضي إلى الإفطار في رمضان، قال وفي الحديث تأنيس الفاضل أصحابه بالمؤاكلة، وجواز المشي بالليل للحاجة لأن زيد بن ثابت ما كان يبيت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه الاجتماع على السحور، وفيه حسن الأدب في العبارة لقوله تسحرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل نحن ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما يشعر لفظ المعية بالتبعية)[3] انتهى والله أعلم.

الحديث الخامس

173- عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم.

قال البخاري: باب الصائم يصبح جنبا. حدثنا عبدالله بن مسلمة، عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة أنه سمع أبا بكر بن عبدالرحمن قال: كنت أنا وأبي حين دخلنا على عائشة وأم سلمة (ح).

حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني أبو بكر ابن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام أن أباه عبدالرحمن أخبر مروان أن عائشة وأم سلمة أخبرتاه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم.

وقال مروان لعبد الرحمن: بن الحارث أقسم بالله لتقرعن بها أبا هريرة ومروان يومئذ على المدينة فقال أبو بكر فكره ذلك عبدالرحمن ثم قدر لنا أن نجتمع بذي الحليفة وكانت لأبي هريرة هنالك أرض فقال عبدالرحمن لأبي هريرة إني ذاكر لك أمرا ولولا مروان أقسم علي فيه لم أذكره لك فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال: كذلك حدثني الفضل بن عباس وهو أعلم.

وقال همام، وابن عبدالله بن عمر، عن أبي هريرة: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالفطر والأول أسند[4].

قال الحافظ: قوله: باب الصائم يصبح جنبا، أي هل يصح صومه أو لا؟ وهل يفرق بين العامد والناسي أو بين الفرض والتطوع وفي كل ذلك خلاف للسلف والجمهور على الجواز مطلقا والله أعلم.

قوله: (كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم)، وفي رواية: كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام. وفي رواية: كان يدركه الفجر في رمضان جنبا من غير حلم، وللنسائي: قال مروان لعبد الرحمن بن الحارث اذهب إلي أم سلمة فسلها فقالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصبح جنبا مني فيصوم ويأمرني بالصيام، قال القرطبي: في هذا فائدتان إحداهما أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى بعد طلوع الفجر بيانا للجواز والثاني أن ذلك كان من جماع لا من احتلام وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على من زعم أن فاعل ذلك عمدا يفطر وإذا كان فاعل ذلك عمدا لا يفطر فالذي ينسى الاغتسال أو ينام عنه أولى. انتهى.

ولمسلم عن عائشة أن رجلا جاء إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب فقال يا رسول الله تدركني الصلاة أي صلاة الصبح وأنا جنب أفأصوم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال: لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقى)[5].

قال الحافظ: (وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم دخول العلماء على الأمراء ومذاكرتهم إياهم بالعلم وفيه فضيلة لمروان بن الحكم لما يدل عليه الحديث من اهتمامه بالعلم ومسائل الدين، وفيه الاستثبات في النقل والرجوع في المعاني إلى الأعلم فإن الشيء إذا نوزع فيه رد إلى من عنده علمه، وترجيح مروي النساء فيما لهن عليه الاطلاع دون الرجال على مروي الرجال كعكسه، وأن المباشر للأمر أعلم به من المخبر عنه والائتساء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله ما لم يقم دليل الخصوصية وأن للمفضول إذا سمع من الأفضل خلاف ما عنده من العلم أن يبحث عنه حتى يقف على وجهه وأن الحجة عند الاختلاف في المصير إلى الكتاب والسنة، وفيه الحجة بخبر الواحد وأن المرأة فيه كالرجل وفيه فضيلة لأبي هريرة لاعترافه بالحق ورجوعه إليه، وفيه استعمال السلف من الصحابة والتابعين الإرسال عن العدول من غير نكير بينهم لأن أبا هريرة اعترف بأنه لم يسمع هذا الحديث من النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه كان يمكنه أن يرويه عنه بلا واسطة وإنما بينها لما وقع من الاختلاف، وفيه الأدب مع العلماء والمبادرة لامتثال أمر ذي الأمر إذا كان طاعة ولو كان فيه مشقة على المأمور، قال: وفيه حسن الأدب مع الأكابر وتقديم الاعتذار قبل تبليغ ما يظن المبلغ أن المبلغ يكرهه، وقال أيضا: في معنى الجنب الحائض والنفساء إذا انقطع دمها ليلا ثم طلع الفجر قبل اغتسالها)[6] انتهى والله أعلم.


[1] صحيح البخاري: (3/ 37).

[2] فتح الباري: (4/ 138).

[3] فتح الباري: (4/ 138).

[4] صحيح البخاري: (3/38).

[5] فتح الباري: (4/ 143).

[6] فتح الباري: (4/148).









ابوالوليد المسلم 26-02-2020 03:41 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك






( كتاب الصيام 3 )
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام



الحديث السادس
174- عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نسي وهو صائم فكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه".

قال البخاري: باب الصائم إذا أكل، أو شرب ناسيا، وقال عطاء: إن استنثر فدخل الماء في حلقه لا بأس إن لم يملك، وقال الحسن إن دخل حلقه الذباب فلا شيء عليه، وقال الحسن ومجاهد إن جامع ناسيا فلا شيء عليه[1].

ثم ذكر الحديث ولفظه: إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه.

قال الحافظ: قوله: (باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا)، أي هل يجب عليه القضاء أو لا؟ وهي مسألة خلاف مشهورة، فذهب الجمهور إلي عدم الوجوب وعن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء، قال عياض: هذا هو المشهور عنه، وهو قول شيخه ربيع وجميع أصحاب مالك لكن فرقوا بين الفرض والنفل، وقال الداودي: لعل مالكا لم يبلغه الحديث أو أوله على رفع الإثم).

قال الحافظ: (ومناسبة هذين الأثرين للترجمة من جهة أن المغلوب بدخول الماء حلقه أو الذباب لا اختيار له في ذلك كالناسي)[2].

قوله: (إذا نسي فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه).

وروي ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني عن أبي هريرة بلفظ: "من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة".

قال الحافظ: (فعين رمضان وصرح بإسقاط القضاء والكفارة - إلى أن قال - ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ [البقرة: 225] فالنسيان ليس من كسب القلب وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه فكذلك الصيام، قال: وفي الحديث لطف الله بعباده والتيسير عليهم ورفع المشقة والحرج عنهم وقد روى أحمد لهذا الحديث سببا فاخرج من طريق أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها كانت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فأتي بقصعة من ثريد، فأكلت معه ثم تذكرت أنها كانت صائمة فقال لها ذو اليدين الآن بعد ما شبعت، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيرة، ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أن إنسانا جاء إلي أبي هريرة فقال: أصبحت صائما فنسيت فطعمت، قال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت وطعمت وشربت، قال: لا بأس الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على آخر فنسيت فطعمت فقال أبو هريرة أنت إنسان لم تتعود الصيام)[3].

تتمة:
عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء ومن استقاء عمدا فليقض" رواه الخمسة إلا النسائي، وعنه أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المباشرة للصائم فرخص له وأتاه آخر فسأله فنهاه. فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب. رواه أبو داود.

قال الشافعي: والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلي احتياطا.

قال في الاختيارات الفقهية[4]:
ولا يفطر الصائم بالاكتحال والحقنة وما يقطر في احليله ومداواة المأمومة والجائفة وهو قول بعض أهل العلم، ويفطر بإخراج الدم بالحجامة وهو مذهب أحمد، وبالفصد والتشريط وهو وجه لنا، أو بإرعاف نفسه وهو قول الأوزاعي ويفطر الحاكم إن مص القارورة، ولا يفطر بمذي بسبب قبلة أو لمس أو تكرار نظر وهو قول أبي حنيفة والشافعي وبعض أصحابنا وأما إذا ذاق طعاماً ولفظه أو وضع في فيه عسلاً ومجه فلا بأس به للحاجة كالمضمضة والاستنشاق، والكذب والغيبة والنميمة إذا وجدت من الصائم فمذهب الأئمة أنه لا يفطر ومعناه أنه لا يعاقب على الفطر كما يعاقب من أكل أو شرب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث ذكر "رب صائم حظه من الصوم الجوع والعطش" لما حصل من الإثم المقاوم للصوم وهذا أيضاً لا تنازع فيه بين الأئمة ومن قال: إنها تفطر بمعنى أنه لم يحصل مقصود الصوم، أو أنها قد تذهب بأجر الصوم فقوله يوافق قول الأئمة ومن قال: إنها تفطر بمعنى أنه يعاقب على ترك الصيام فهذا مخالف لقول الأئمة وإذا شتم الصائم استحب أن يجيب بقوله: إني صائم، وسواء كان الصوم فرضاً أو نفلا وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد، وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من فطر صائماً فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء" ما صححه الترمذي من حديث زيد بن خالد، والمراد بتفطيره أن يشبعه، ومن أكل في شهر رمضان معتقداً أنه ليل فبان نهاراً فلا قضاء عليه، وكذا من جامع جاهلاً بالوقت أو ناسياً وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وإذا أكره الرجل زوجته على الجماع في رمضان يحمل عنها ما يجب عليها، وهل تجب كفارة الجماع في رمضان لإفساد الصوم الصحيح أو لحرمة الزمان فيه قولان الصواب الثاني. انتهى والله أعلم.

[1] صحيح البخاري: (3/40).

[2] فتح الباري: (4/ 155).

[3] فتح الباري: (4/ 157).

[4] الاختيارات الفقهية: (1/459).














ابوالوليد المسلم 26-02-2020 03:43 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




(كتاب الصيام 4)

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام


الحديث السابع
175- عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت. فقال: "ما أهلكك؟" أو مالك؟ قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هل تجد رقبة تعتقها؟" قال: لا. قال: "فهل تستطع أن تصوم شهرين متتابعين؟" قال: لا قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟" قال: لا. قال: فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -. فبينما نحن على ذلك إذ أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر والعرق: المكتل.. قال: "أين السائل؟" قال: أنا. قال: "خذ هذا فتصدق به، فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فو الله ما بين لا بتيها- يريد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: " أطعمه أهلك".

الحرة: الأرض تركبها حجارة سود.

قوله: (بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت. فقال: "ما أهلكك؟" أو مالك؟. قال: وقعت على امرأتي، وأنا صائم وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان).

قال البخاري: باب إذا جامع في رمضان.

ويذكر عن أبي هريرة رفعه: من أفطر يوما من رمضان من غير عذر، ولا مرض لم يقضه صيام الدهر وإن صامه. وبه قال ابن مسعود.

وقال سعيد بن المسيب والشعبي، وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد يقضي يوما مكانه[1].

وذكر حديث عائشة - رضي الله عنهما -، تقول إن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إنه احترق، قال: مالك قال: أصبت أهلي في رمضان فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكتل يدعى العرق فقال أين المحترق قال أنا قال تصدق بهذا.

قال الحافظ: (قوله: باب إذا جامع في رمضان، أي عامدا عالما وجبت عليه الكفارة. ورواية الاحتراق تفسر رواية الهلاك وكأنه لما اعتقد أن مرتكب الإثم يعذب بالنار أطلق على نفسه أنه احترق لذلك وقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - له هذا الوصف فقال أين المحترق إشارة إلي أنه لو أصر على ذلك، لاستحق ذلك وفيه دلالة على أنه كان عامدا)[2].

وقال البخاري أيضا: باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر[3]. وذكر حديث أي هريرة.

قال الحافظ: (قوله: باب إذا جامع في رمضان، أي عامدا عالما ولم يكن له شيء يعتق أو يطعم ولا يستطيع الصيام فتصدق عليه أي بقدر ما يجزيه فليكفر أي به لأنه صار واجدا وفيه إشارة إلى أن الإعسار لا يسقط الكفارة عن الذمة.

قوله: (هلكت)، في رواية أن الآخر هلك والآخر هو الأبعد وقيل الغائب وقيل الأرذل، قال واستدل به على أنه كان عامدا لأن الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلي ذلك فكأنه جعل المتوقع كالواقع وبالغ فعبر عنه بلفظ الماضي، د إذا تقرر ذلك فليس فيه حجة على وجوب الكفارة على الناسي وهو مشهور قول مالك والجمهور، وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسي وتمسكوا بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول كما اشتهر والجواب أنه قد تبين حاله بقوله هلكت واحترقت فدل على أنه كان عامدا عارفا بالتحريم وأيضا فدخول النسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد، واستدل بهذا على أن من ارتكب معصية لا حد فيها وجاء مستفتيا أنه لا يعزر لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقبه مع اعترافه بالمعصية، وقد ترجم لذلك البخاري في الحدود وأشار إلي هذه القصة وتوجيهه أن مجيئه مستفتيا يقتضي الندم والتوبة والتعزير إنما جعل للاستصلاح، ولا استصلاح مع الصلاح، وأيضا فلو عوقب المستفتي لكان سببا لترك الاستفتاء وهي مفسدة فاقتضى ذلك أن لا يعاقب، هكذا قرره الشيخ تقي الدين، لكن وقع في شرح السنة للبغوي أن من جامع متعمدا في رمضان فسد صومه وعليه القضاء والكفارة ويعزر على سوء صنيعه وهو محمول على من لم وقع منه ما وقع من صاحب هذه القصة من الندم والتوبة)[4].

قوله: (مالك) وفي رواية: "ويحك ما شأنك".

قوله: (وقعت على امرأتي) وفي رواية: "أصبت أهلي" وفي حديث عائشة: "وطئت امرأتي".

قال الحافظ: (وقع في رواية مالك وابن جريج وغيرهما أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم -... الحديث، واستدل به على إيجاب الكفارة على من أفسد صيامه مطلقا بأي شيء كان وهو قول المالكية، والجمهور حملوا قوله أفطر هنا على المقيد في الرواية الأخرى وهو قوله وقعت على أهلي وكأنه قال أفطر بجماع)[5].

قوله: (هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا). وفي رواية: بئسما صنعت أعتق رقبة، وفي حديث ابن عمر فقال: والذي بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط.

قوله: (فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين، قال: لا)، وفي رواية ابن إسحاق: وهل لقيت ما لقيت إلا من الصيام.

قوله: (فهل تجد إطعام ستين مسكينا، قال: لا)، وفي حديث ابن عمر قال: والذي بعثك بالحق ما أشبع أهلي.

قال الحافظ: (وذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي نفسه وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار وأما الصيام فمناسبته ظاهرة لأنه كالمقاصة بجنس الجناية وأما كونه شهرين فلأنة لما أمر بمصابرة النفس في حفظ كل يوم من شهر رمضان على الولاء فلما أفسد منه يوما كان كمن أفسد الشهر كله من حيث أنه عبادة واحدة بالنوع فكلف بشهرين مضاعفة على سبيل المقابلة لنقيض قصده وأما الإطعام فمناسبته ظاهرة لأنه مقابلة كل يوم بإطعام مسكين ثم أن هذه الخصال جامعة لاشتمالها على حق الله وهو الصوم وحق الأحرار بالإطعام وحق الأرقاء بالإعتاق وحق الجاني بثواب الامتثال، وفيه دليل على إيجاب الكفارة بالجماع خلافا لمن شذ قال وفي الحديث أيضا أن الكفارة بالخصال الثلاث على الترتيب المذكور)[6].

قوله: (فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم -)، وفي رواية: فمكث عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية ابن عيينة فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أجلس فجلس.

قوله: (فبينا نحن على ذلك إذ أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه تمر)، العرق بفتح الراء هو المكتل وبإسكانها العظم الذي عليه اللحم.

قال الحافظ: (قوله: "بينما" أصلها بين وقد ترد بغير ما فتشبع الفتحة ومن خاصة بينما أنها تتلقى بإذ وبإذا حيث تجيء للمفاجأة بخلاف بينا فلا تتلقى بواحدة منهما.

ووقع في رواية ابن إسحاق فجاء رجل بصدقته يحملها، قال الأخفش: سمي المكتل عرقا لأنه يضفر عرقة عرقة فالعرق جمع فرقة كعلق وعلقة والعرقة الضفيرة من الخوص، وفي رواية فأتي بزبيل وهو المكتل.

قال الحافظ: والزبيل بفتح الزاي وتخفيف الموحدة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام بوزن رغيف هو المحتل، قال ابن دريد يسمى زبيلا لحمل الزبل فيه وفيه لغة أخرى زنبيل بكسر الزاي أوله وزيادة نون ساكنة وقد تدغم النون فتشدد الباء مع بقاء وزنه وجمعه على اللغات الثلاث زنابيل.

قوله: (قال: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدق به).

قال الحافظ: ولم يعين في هذه الرواية مقدار ما في المكتل من التمر بل ولا في شيء من طرق الصحيحين في حديث أبي هريرة ووقع في رواية ابن أبي حفصة فيه خمسة عشر صاعا وفي رواية مؤمل عن سفيان فيه خمسة عشر أو نحو ذلك وفي رواية أطعم هذا عنك وفي رواية ابن إسحاق فتصدق به عن نفسك)[7].

قال الحافظ: (واستدل بإفراده بذلك على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة، وكذا قوله في المراجعة هل تستطيع وهل تجد وغير ذلك وهو الأصح من قولي الشافعية وبه قال الأوزاعي، وقال الجمهور وأبو ثور وابن المنذر: تجب الكفارة على المرأة أيضا على اختلاف وتفاصيل لهم في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة وهل هي عليها أو على الرجل عنها.

وقال الموفق: ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر وهل يلزمها مع عدمه على روايتين وعنه كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان) انتهى.

قوله: (فقال: أعلى أفقر مني يا رسول الله؟ فو الله ما بين لا بتيها- يربد الحرتين- أهل بيت أفقر من أهل بيتي).

قال الحافظ: (أي أتصدق به على شخص أفقر مني، وهذا يشعر بأنه فهم الإذن له في التصدق على من يتصف بالفقر، وقد بين ابن عمر في حديثه ذلك فزاد فيه إلى من أدفعه، قال: إلى أفقر من تعلم. أخرجه البزار والطبراني في الأوسط.

قوله: (فو الله ما بين لا بتيها) تثنية لابة وهي الحرة والضمير للمدينة وفي حديث ابن عمر: ما بين حرتيها، وفي حديث عائشة عند ابن خزيمة: ما لنا عشاء ليلة)[8].

قوله: (فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه).

قال الحافظ: (قيل: إن سبب ضحكه - صلى الله عليه وسلم - كان من تباين حال الرجل حيث جاء خائفا على نفسه راغبا في فدائها مهما أمكنه فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه من الكفارة، وقيل ضحك من حال الرجل في مقاطع كلامه وحسن تأتيه وتلطفه في الخطاب وحسن توسله في توصله إلي مقصوده)[9].

قوله: (ثم قال أطعمه أهلك)، وفي رواية: أطعمه عيالك، وفي رواية: فأنتم إذا، وعند ابن إسحاق: خذها وكلها وأنفقها على عيالك.

وقال البخاري: باب المجامع في رمضان هل يطعم أهله من الكفارة إذا كانوا محاويج[10]. وذكر الحديث.


[1] صحيح البخاري: (3/ 41).

[2] فتح البارز: (4/ 161).

[3] صحيح البخاري: (3/41).

[4] فتح الباري: (4/ 163).

[5] فتح الباري: (4/ 165).

[6] فتح الباري: (4/ 166).

[7] فتح الباري: (4/ 164).

[8] فتح الباري: (4/ 170، 171).

[9] فتح الباري: (4/ 171)

[10] صحيح البخاري: (3/42).











ابوالوليد المسلم 02-03-2020 04:08 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





كتاب الجنائز









الصلاة على قبر الميت




المرتع المشبع في مواضع من الروض المربع








قوله: (ومن فاتته الصلاة على الميت صلى على القبر إلى شهر من دفنه، ويصلى على غائب عن البلد بالنية إلى شهر، وكذا غريق وأسير ونحوهما)[1].







قال في "الإفصاح": "واختلفوا في الصلاة على الميت الغائب بالنية: فقال أبو حنيفة[2] ومالك[3]: لا تصح.







وقال الشافعي[4] وأحمد[5]: تصح"[6].







وقال في "الفروع": "فيصلي الإمام والآحاد - نص عليه - على الغائب عن البلد مسافة قصر ودونها في قبلته أو ورائه بالنية.







وعنه[7]: لا يجوز؛ وفاقاً لأبي حنيفة[8] ومالك[9].







وقيل: إن كان صلي عليه، واختاره شيخنا[10]"[11].







وقال ابن رشد: "واختلفوا في الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة:



فقال مالك[12]: لا يُصلى على القبر.







وقال أبو حنيفة[13]: لا يُصلي على القبر إلا الولي فقط إذا فاتته الصلاة على الجنازة، وكان الذي صلى عليها غيرُ وليها.







وقال الشافعي [14] وأحمد[15] وداود [16] وجماعة: يصلي على القبر من فاتته الصلاة على الجنازة.







واتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث الدفن، وهؤلاء اختلفوا في هذه المدة وأكثرها شهر.







وسبب اختلافهم: معارضة العمل للأثر:



أما مخالفة العمل فإن ابن القاسم قال: قلت لمالك: فالحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على قبر امرأة؟ قال: قد جاء هذا الحديث وليس عليه العمل، والصلاة على القبر ثابتة باتفاق من أصحاب الحديث.







قال أحمد بن حنبل[17]: رُويت الصلاة على القبر عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق ستة كلها حسان.







وزاد بعض المحدثين[18] ثلاثة طرق، فذلك تسع، وأما البخاري ومسلم فرويا ذلك من طريق أبي هريرة[19].







وأما مالك فخرجه مرسلاً عن أبي أمامة بن سهل[20]، وقد روى ابن وهب عن مالك مثل قول الشافعي.







وأما أبو حنيفة فإنه جرى في ذلك على عادته فيما أحسب، أعني: من رد أخبار الآحاد التي تعم بها البلوى إذا لم تنتشر [183ب] ولا انتشر العمل بها، وذلك أن عدم الانتشار إذا كان خبراً شأنه الانتشار قرينة توهن الخبر، وتخرجه عن غلبة الظن بصدقه إلى الشك فيه، أو إلى غلبة الظن بكذبه أو نسخه.







قال القاضي: وقد تكلمنا فيما سلف من كتابنا هذا في وجه الاستدلال بالعمل، وفي هذا النوع من الاستدلال الذي يسميه الحنفية: عموم البلوى، وقلنا: إنها من جنس واحد"[21].







وقال أيضاً: "وأكثر العلماء على أنه لا يُصلي إلا على الحاضر[22].







وقال بعضهم[23]: يُصلى على الغائب؛ لحديث النجاشي، والجمهور على أن ذلك خاص بالنجاشي وحده[24]، واختلفوا هل يُصلى على بعض الجسد؟








والجمهور على أنه يُصلى على أكثره؛ لتناول اسم الميت له[25]، ومن قال: إنه يصلى على أقله قال: لأن حرمة البعض كحرمة الكل، لاسيما إن كان ذلك البعض محل الحياة، وكان ممن يجيز الصلاة على الغائب"[26].







وقال البخاري: "باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن. وذكر حديث ابن عباس أنه مر - مع النبي صلى الله عليه وسلم - على قبر منبوذ، فأمهم، وصلوا خلفه[27].







وحديث أبي هريرة أن أسود - رجلاً أو امرأة - كان يقم المسجد فمات، ولم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بموته، فذكره ذات يوم، فقال: (ما فعل ذلك الإنسان؟) قالوا: مات يا رسول الله. قال: (أفلا آذنتموني؟)، فقالوا: إنه كان كذا وكذا - قصته - قال: فحقروا شأنه. قال: (فدلوني على قبره) فأتى قبره فصلى عليه[28]".







قال الحافظ: "قوله: (باب: الصلاة على القبر بعد ما يدفن) وهذه أيضاً من المسائل المختلف فيها.







قال ابن المنذر: قال بمشروعيته الجمهور[29]، ومنعه النخعي ومالك[30] وأبو حنيفة[31].







وعنهم: إن دفن قبل أن يُصلى عليه شرع، وإلا فلا.







قوله: (فأتى قبره فصلى عليه) زاد ابن حبان في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت: ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها عليهم بصلاتي)[32].







وأشار إلى أن بعض المخالفين احتج بهذه الزيادة على أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم [184أ].







ثم ساق من طريق خارجة بن زيد بن ثابت نحو هذه القصة، وفيها: ثم أتى القبر، فصففنا خلفه، وكبر عليه أربعاً[33].







قال ابن حبان: في ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه.







وتُعقب: بأن الذي يقع بالتبعية لا ينهض دليلاً للأصالة، واستدل بخبر الباب على رد التفصيل بين من صُلي عليه فلا يُصلى عليه بأن القصة وردت في من صُلي عليه.







وأُجيب: بأن الخصوصية تنسحب على ذلك[34].







واختلف من قال بشرع الصلاة لمن لم يُصل، فقيل: يؤخر دفنه؛ ليصلي عليها من كان لم يُصل.







وقيل: يبادر بدفنها، ويصلي الذي فاتته على القبر.







وكذا اختلف في أمد ذلك:



فعند بعضهم إلى شهر.







وقيل: ما لم يبل الجسد.







وقيل: يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه حين موته، وهو الراجح عند الشافعية[35].







وقيل: يجوز أبداً"[36].







وقال البخاري أيضاً: "باب: الصفوف على الجنازة. وذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: نعى النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه النجاشي، ثم تقدم فصفوا خلفه، فكبر أربعاً[37].







وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم أتى على قبر منبوذ، فصفهم، وكبر أربعاً[38].








وحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (قد توفي اليوم رجل صالح من الحبش، فهلم فصلوا عليه) قال: فصففنا فصلى النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن صفوف. قال أبو الزبير عن جابر: كنت في الصف الثاني[39]".







قال الحافظ: "وفي قصة النجاشي علم من أعم النبوة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أعلمهم بموته في اليوم الذي مات فيه مع بعد ما بين أرض الحبشة والمدينة... إلى أن قال: واستدل به على مشروعية الصلاة على الميت الغائب عن البلد، وبذلك قال الشافعي[40] وأحمد[41] وجمهور السلف، حتى قال ابن حزم[42]: لم يأت عن أحد من الصحابة منعهُ.







قال الشافعي[43]: الصلاة على الميت دعاء له، وهو إذا كان ملففاً يصلى عليه، فكيف لا يُدعى له وهو غائب أو في القبر بذلك الوجه الذي يُدعى له به وهو ملفف.







وعن الحنفية[44] والمالكية[45]: لا يشرع ذلك [184ب].







وعن بعض أهل العلم: إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه الميت أو ما قرب منه، لا ما إذا طالت المدة. حكاه ابن عبد البر[46].
وقال ابن حبان: إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة، فلو كان بلد الميت مستدبر القبلة مثلاً لم يجز[47].
يتبع


ابوالوليد المسلم 02-03-2020 04:09 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





كتاب الجنائز




قال المحب الطبري: لم أر ذلك لغيره، وحجته حجة الذي قبله الجمود على قصة النجاشي، وقد اعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن قصة النجاشي بأمور منها:



أنه كان بأرض لم يُصل عليه بها أحد؛ فتعينت عليه لذلك، ومن ثم قال الخطابي: لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس بها من يصلي عليه، واستحسنه الروياني من الشافعية، وبه ترجم أبو داود في "السنن": (الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك ببلد آخر)[48].







وهذا محتمل؛ إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار على أنه لم يصل عليه في بلده أحد.







ومن ذلك قول بعضهم: كشف له صلى الله عليه وسلم عنه حتى رآه؛ فتكون صلاته عليه كصلاة الإمام على ميت رآه، ولم يره المأمومون، ولا خف في جوازها.







قال ابن دقيق العيد: هذا يحتاج إلى نقل، ولا يثبت بالاحتمال.







وتعقبه بعض الحنفية[49]: بأن الاحتمال كافٍ في مثل هذا من جهة المانع.







وكأن مستند قائل ذلك ما ذكره الواقدي[50] في "أسبابه" بغير إسناد عن ابن عباس قال: كُشف للنبي صلى الله عليه وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه، ولابن حبان من حديث عمران بن حصين: فقام وصفوا خلفه، وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه. أخرجه من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب عنه[51].







ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره، عن يحيى: فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا.







ومن الاعتذارات أيضاً: أن ذلك خاص بالنجاشي؛ لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى على ميت [185أ] غائب غيره.







قال المُهلب: وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية الليثي. وقد ذكرتُ في ترجمته في "الصحابة" أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه[52].







واستند من قال بتخصيص النجاشي لذلك إلى ما تقدم من إرادة إشاعة أنه مات مسلماً، أو استئلاف قلوب الملوك الذين أسلموا في حياته.







قال النووي: لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع، مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي على نقله.







وقال ابن العربي المالكي: قال المالكية[53]: ليس ذلك إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم.







قلنا: وما عمل به محمد صلى الله عليه وسلم تعمل به أُمتهُ، يعني: لأن الأصل عدم الخصوصية. قالوا: طُويت له الأرض، وأُحضرت الجنازة بين يديه. قلنا: إن ربنا عليه لقادر، وإن نبينا لأهل لذلك، ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم، ولا تخترعوا حديثاً من عند أنفسكم، ولا تحدثوا إلا بالثابتات، ودعوا الضعاف، فإنها سبيل تلاف إلى ما ليس له تلاف[54].







وقال الكرماني: قولهم (رُفع الحجاب عنه) ممنوع، ولئن سلمنا، فكان غائباً عن الصحابة الذين صلوا عليه مع النبي صلى الله عليه وسلم.







قال الحافظ: وسبق إلى ذلك الشيخ أبو حامد في "تعليقه"، ويؤيده حديث مجمع بن جارية في قصة الصلاة على النجاشي قال: فصففنا خلفه صفين وما نرى شيئاً. أخرجه الطبراني، وأصلُهُ في ابن ماجه[55].







لكن أجاب بعض الحنفية عن ذلك بما تقدم من أنه يصير كالميت الذي يصلي عليه الإمام، وهو يراه، ولا يراه المأمومون، فإنه جائز اتفاقاً"[56].







وقال في "الاختيارات": "ولا يُصلى على الغائب عن البلد إن كان صلي عليه، وهو وجه في المذهب[57]... إلى أن قال: ولا يُصلى كل يوم على غائب؛ لأنه لم يُنقل، يؤيده قول الإمام أحمد[58]: إذا مات رجل صالح صلي عليه"[59] انتهى.







قلت: لم يُنقل أن الناس الغائبين صلوا صلاة الميت على النبي صلى الله عليه وسلم في بلدانهم، ولا على أحدٍ من الخلفاء الراشدين، ولا على أحد من العلماء الصالحين على عهد الصحابة رضي الله عنهم [185ب].









[1] الروض المربع ص149.




[2] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/221.




[3] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.




[4] تحفة المحتاج 3/133، ونهاية المحتاج 2/485.




[5] كشاف القناع 4/154، وشرح منتهى الإرادات 2/117.




[6] الإفصاح 2/280.




[7] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 6/182.




[8] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/221.




[9] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.




[10] أي: شيخ الإسلام ابن تيمية.




[11] الفروع 2/251.




[12] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.




[13] فتح القدير 1/ 458 - 459، وحاشية ابن عابدين 2/237.




[14] تحفة المحتاج 3/150، ونهاية المحتاج 2/486.




[15] كشاف القناع 4/ 151 - 152، وشرح منتهى الإرادات 2/121.




[16] المحلى 5/140.




[17] شرح منتهى الإرادات 2/121، وكشاف القناع 4/152.




[18] التمهيد 6/261.




[19] البخاري 460، ومسلم 956.




[20] الموطأ 1/227 533.




[21] بداية المجتهد 1/220 - 221.




[22] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/222. والشرح الصغير 1/202 - 203، وحاشية الدسوقي 1/427.




[23] تحفة المحتاج 3/149 - 150، ونهاية المحتاج 2/485. وشرح منتهى الإرادات 2/117 - 118، وكشاف القناع 4/154 - 155.




[24] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/222. والشرح الصغير 1/202 - 203، وحاشية الدسوقي 1/427.




[25] فتح القدير 1/452. وحاشية ابن عابدين 2/211. والشرح الصغير 1/203. وتحفة المحتاج 3/160 - 161، ونهاية المحتاج 2/493 - 494. وشرح منتهى الإرادات 2/121 - 122، وكشاف القناع 4/161 - 162.




[26] بداية المجتهد 1/224.




[27] البخاري 1336. وأخرجه أيضاً مسلم 954.




[28] البخاري 1321. وأخرجه أيضاً مسلم 954.




[29] تحفة المحتاج 3/150، ونهاية المحتاج 2/486. وشرح منتهى الإرادات 2/121، وكشاف القناع 4/151 - 152.




[30] الشرح الصغير 1/203، وحاشية الدسوقي 1/427.




[31] فتح القدير 1/458 - 459، وحاشية ابن عابدين 2/237.




[32] ابن حبان 7/355 - 356 3086.




[33] تقدم تخريجه 2/358.




[34] ابن حبان 7/357.




[35] تحفة المحتاج 3/151، ونهاية المحتاج 2/486 - 487.




[36] فتح الباري 3/205.




[37] البخاري 1318. وأخرجه أيضاً مسلم 951.




[38] تقدم تخريجه 2/358.




[39] البخاري 1320. وأخرجه أيضاً مسلم 952.




[40] تحفة المحتاج 3/133، ونهاية المحتاج 2/485.




[41] كشاف القناع 4/154، وشرح منتهى الإرادات 2/117.




[42] المحلى 3/399 610.




[43] الأم 7/222.




[44] فتح القدير 1/456، وحاشية ابن عابدين 2/221.




[45] الشرح الصغير 1/202، وحاشية الدسوقي 1/427.




[46] الاستذكار 8/233 11213.




[47] صحيح ابن حبان 7/367.




[48] سنن أبي داود 4/57 3196، تحقيق: محمد عوامة، ووقعت هذه الترجمة في بقية نُسخ السنن بلفظ مختلف، وهو: "باب: الصلاة على المسلم يموت في بلاد الشرك".




[49] انظر: فتح القدير 1/546، وحاشية ابن عابدين 2/221.




[50] كذا في الأصل والفتح وهو خطأ، وصوابه: "الواحدي"، وهو في كتابه أسباب النزول ص145.




[51] ابن حبان 7/369 3102.




[52] الإصابة 6/159 - 160.




[53] الشرح الصغير 1/203، وحاشية الدسوقي 1/427.




[54] عارضة الأحوذي 4/259 - 260.




[55] الطبراني 5/218 5142، وابن ماجه 1536، من طريق معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن حمران بن أعين، عن أبي الطفيل، عن مجمع بن جارية الأنصاري رضي الله عنه.


ولكن ليس فيه: "وما نرى شيئاً".

قال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح، رجاله ثقات.




[56] فتح الباري 3/188 - 189.




[57] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 6/182.




[58] الفروع 2/251.




[59] الاختيارات الفقهية ص87.












ابوالوليد المسلم 02-03-2020 04:11 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




حديث

"لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر

أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم"


عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يَحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو مَحرم).

قوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر): خص المؤمنة بالذكر؛ لأن صاحب الإيمان هو الذي ينتفع بخطاب الشارع، وينقاد له.

قوله: (مسيرة يوم وليلة)، وفي حديث ابن عمر: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم)، وفي حديث أبي سعيد: (لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم)، وفي حديث ابن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم)، فقال رجل: يا رسول الله، إني أريد أن أخرج في جيش كذا وكذا، وامرأتي تريد الحج، فقال: (اخرُج معها).

قال الحافظ: وقد عمِل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقييدات.
وقال ابن المنير: وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين، ويُحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد في ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد، فعلى هذا يتناول السفر طويل السير وقصيره، ولا يتوقف امتناع سير المرأة على مسافة القصر[1].

قوله: (إلا ومعها ذو محرم)؛ أي: زوجها، أو مَن تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ مباح.

قال الحافظ: (واستدل به على عدم جواز السفر للمرأة بلا محرم، وهو إجماع في غير الحج والعمرة، والخروج من دار الشرك، ومنهم من جعل ذلك من شرائط الحج.

قال أبو الطيب الطبري: الشرائط التي يجب بها الحج على الرجل، يجب بها على المرأة، فإذا أرادت أن تؤديه، فلا يجوز لها إلا مع محرم أو زوج، أو نسوة ثِقات.

قال الحافظ: ومن الأدلة على جواز سفر المرأة مع النسوة الثقات إذا أُمِن الطريق - أن عمر رضي الله عنه أذِن لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حجة حجَّها، فبعث معهنَّ عثمان وعبدالرحمن بن عوف.

قال الحافظ: لاتفاق عمر وعثمان وعبدالرحمن بن عوف، ونساء النبي صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وعدم نكير غيرهم من الصحابة عليهنَّ في ذلك، ومَن أَبَى ذلك من أمهات المؤمنين، فإنما أباه من جهة خاصة كما تقدم، لا من جهة توقُّف السفر على المحرم؛ قال: من المستظرف أن المشهور مِن مذهب مَن لم يشترط المحرم أن الحج على التراخي، ومن مذهب من يشترطه أنه حج على الفور، وكان المناسب لهذا قول هذا، وبالعكس.

قوله: "ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم"، فيه منع الخلوة بالأجنبية، وهو إجماع، لكن اختلفوا: هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا كالنسوة الثقات، والصحيح الجواز، لضَعف التهمة به، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا[2].

قال ابن تيمية: (وليس للزوج منع زوجته من الحج الواجب مع ذي محرم، بل عليها أن تحج وإن لم يأذن في ذلك، حتى إن كثيرًا من العلماء أو أكثرهم يوجبون لها النفقة عليه مدة الحج، قال: وتحج كل امرأة آمنةٍ مع عدم مَحرم.

قال أبو العباس: وهذا متوجِّه في سفر كل طاعة، وأما إماء المرأة يسافرن معها، ولا يفتقرن إلى محرم؛ لأنه لا محرم لهنَّ في العادة الغالبة، فأما عتقاؤها من الإماء، فقد بيَّض لذلك أبو العباس، قال بعض المتأخرين: يتوجه احتمال أنهنَّ كالإماء على ما قال؛ إذ لم يكن لهن محرم، واحتمال عكسه لانقطاع التبعية وملك أنفسهنَّ بالعتق بخلاف الإماء، وصحح أبو العباس في "الفتاوى المصرية": أن المرأة لا تسافر للحج إلا مع زوج أو ذي محرم، والمحرم زوج المرأة، أو من تحرم عليه على التأبيد بنسبٍ أو سببٍ، ولو كان النسب وطء شبهةٍ، ولا زنًا، وهو قول أكثر العلماء، واختاره ابن عقيل، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين في التحريم لا المحرمية اتفاقًا، والله أعلم[3].


[1] فتح الباري: (4/ 75)

[2] فتح الباري: (2/ 568).

[3] الاختيارات الفقهية: (1/ 465).











ابوالوليد المسلم 02-03-2020 04:14 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




حديث: من لم يجد نعلين فليلبس الخفين


عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات: "من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل".
قال البخاري: باب ما لا يلبس المحرم من الثياب[1] وذكر حديث ابن عمر.
قال الحافظ: (المراد بالمحرم من أحرم بحج أو عمرة أو قرن، قال: والذي يظهر أن الإحرام مجموع الصفة الحاصلة من تجرد وتلبية ونحو ذلك.
قوله: (أن رجلاً قال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم من الثياب؟) وفي رواية: ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب في الإحرام، وعند البيهقي: نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب بذلك المكان وأشار نافع إلى مقدم المسجد.

قوله: (لا يلبس القمص...) إلى آخره.
قال الحافظ: قال النووي، قال العلماء: هذا الجواب من بديع الكلام وأجزله. لأن ما لا يلبس منحصر فحصل التصريح به، وأما الملبوس الجائز فغير منحصر، فقال: لا يلبس كذا. أي: ويلبس ما سواه انتهى. وقال البيضاوي سئل عما يلبس فأجاب بما لا يلبس ليدل بالالتزام من طريق المفهوم على ما يجوز وإنما عدل عن الجواب لأنه أخصر وأحصر وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه إذ الجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب فكان الأليق السؤال عما لا يلبس وقال غيره هذا يشبه أسلوب الحكيم ويقرب منه قوله تعالى: ï´؟ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ ï´¾ [البقرة: 215] ï´؟ فللوالدين ï´¾ الآية فعدل عن جنس المنفق وهو المسئول عنه إلى ذكر المنفق عليه لأنه أهم، وقال ابن دقيق العيد: يستفاد منه أن المعتبر في الجواب ما يحصل منه المقصود كيف كان ولو بتغيير أو زيادة ولا تشترط المطابقة) انتهى.

قال ابن المنذر: (أجمعوا على أن للمرأة لبس جميع ما ذكر وإنما تشترك مع الرجل في منع الثوب الذي مسه الزعفران أو الورس، ويؤيده قوله في آخر حديث الليث: لا تنتقب المرأة)[2].
قوله: (قال صلى الله عليه وسلم: "لا يلبس القمص") إلى أخره.
قال الحافظ: (وقوله لا تلبس بالرفع على الخبر وهو في معنى النهي وروى بالجزم على أنه نهي، قال عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في هذا الحديث لا يلبسه المحرم وأنه نبه بالقميص والسراويل على كل مخيط وبالعمائم والبرانس على كل ما يغص الرأس به مخيطا أو غيره وبالخفاف على كل ما يستر الرجل.

قال الحافظ: والمراد بتحريم المخيط ما يلبس على الموضع الذي جعل له ولو في بعض البدن فأما لو ارتدى القميص مثلا فلا بأس، وقال الخطابي: ذكر العمامة والبرنس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر، قال: ومن النادر المكتل يحمله على رأسه.

قال الحافظ: إن أراد أنه يجعله على رأسه كلابس القبع صح ما قال وإلا فمجرد وضعه على رأسه على هيئة الحامل لحاجته لا يضر على مذهبه ومما لا يضر أيضا الانغماس في الماء فإنه لا يسمى لابسا وكذا ستر الرأس باليد، والبرانس جمع برنس هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة أو جبة أو غيره، وقال الجوهري: هو قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام.

قال الحافظ: زاد الثوري في روايته عن أيوب عن نافع في هذا الحديث ولا القباء أخرجه عبد الرزاق عنه والقباء بالقاف والموحدة معروف ويطلق على كل ثوب مفرج)[3].

قوله: (إلا من لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما من أسفل الكعبين) وفي رواية: "وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس الخفين".

قال الحافظ: واستدل بقوله فإن لم يجد على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين وهو قول الجمهور، قال: والمراد بعدم الوجدان أن لا يقدر على تحصيله إما لفقده أو ترك بذل المالك له وعجزه عن الثمن إن وجد من يبيعه أو الأجرة.

قوله: (وليقطعهما أسفل من الكعبين)، وفي رواية: حتى يكونا تحت الكعبين.
قال الحافظ: والمراد كشف الكعبين في الإحرام وهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: إذا اضطر المحرم إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما يستمسك رجلاه، قال: وظاهر الحديث أنه لا فدية على من لبسهما إذا لم يجد النعلين، قال: واستدل به على اشتراط القطع خلافا للمشهور عن أحمد فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع لإطلاق حديث ابن عباس وتعقب بأنه موافق على قاعدة حمل المطلق على المقيد فينبغي أن يقول بها هنا وأجاب الحنابلة بأشياء منها دعوى النسخ في حديث ابن عمر، وأجاب الشافعي فقال كلاهما صادق حافظ وزيادة ابن عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون عزبت عنه أو شك أو قالها فلم يقلها عنه بعض رواته)[4].

قال الحافظ: (ولا يرتاب أحد من المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس، لأن حديث ابن عمر جاء بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من الحفاظ منهم نافع وسالم، بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعا إلا من رواية جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي إنه شيخ بصري لا يعرف كذا، قال وهو معروف موصوف بالفقه عند الأئمة، واستدل بعضهم بالقياس على السراويل، وأجيب بأن القياس مع وجود النص فاسد الاعتبار، واحتج بعضهم بقول عطاء أن القطع فساد والله لا يحب الفساد، وأجيب بأن الفساد إنما يكون فيما نهى الشرع عنه لا فيما أذن فيه)[5] انتهى.

وقال الموفق: حديث ابن عمر متضمن لزيادة على حديث ابن عباس والزيادة من الثقة مقبولة، والأولى قطعهما. عملا بالحديث الصحيح وخروجا من الخلاف وأخذا بالاحتياط[6].

قال الحافظ: (قال العلماء: والحكمة في منع المحرم من اللباس والطيب البعد عن الترفه والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر بالتجرد القدوم على ربه، فيكون أقرب إلى مراقبته وامتناعه من ارتكاب المحظورات.

قوله: (ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه زعفران أو ورس).
قال الحافظ: نبت أصفر طيب الريح يصبغ به، قال ابن العربي: ليس الورس بطيب ولكنه نبه به على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم فيؤخذ منه تحريم أنواع الطيب على المحرم وهو مجمع عليه فيما يقصد به التطيب. انتهى.
قال مالك في "الموطأ": إنما يكره لبس المصبغات. لأنها تنفض.

وقال الشافعية: إذا صار الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة لم يمنع.
قال الحافظ: والحجة فيه حديث ابن عباس بلفظ: "ولم ينه عن شيء من الثياب إلا المزعفرة التي تردع الجلد" رواه البخاري. وأما المغسول فقال الجمهور: إذا ذهبت الرائحة جاز)[7].

وقال البخاري: باب الطيب عند الإحرام وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل الزيت والسمن.
وقال عطاء: يتختم ويلبس الهميان، وطاف ابن عمر رضي الله عنهما وهو محرم وقد حزم على بطنه بثوب، ولم تر عائشة رضي الله عنهما بالتبان بأسا للذين يرحلون هودجها، ثم ذكر حديث عائشة: "كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت".

قال الحافظ: واختلف في الريحان. فقال إسحاق: يباح، وتوقف أحمد، وقال الشافعي: يحرم، وكرهه مالك والحنفية.
ومنشأ الخلاف أن كل ما يتخذ منه الطيب يحرم بلا خلاف، وأما غيره فلا.
قال: و(الهميان) يشبه تكة السراويل، يجعل فيها النفقة ويشد في الوسط، قال ابن عبد البر: أجاز ذلك فقهاء الأمصار، وأجازوا عقده إذا لم يمكن إدخال بعضه في بعض.

قال الحافظ: والتبان: سراويل قصيرة بغير أكمام، وكأنه هذا رأي رأته عائشة، وإلا فالأكثر على أنه لا فرق بين التبان والسراويل في منعه للمحرم[8].

وقال البخاري: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب.
قال أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره أن يعلى قال لعمر رضي الله عنه، أرني النبي صلى الله عليه وسلم حين يوحى إليه، قال فبينما النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه نفر من أصحابه جاءه رجل فقال: يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة فجاءه الوحي فأشار عمر رضي الله عنه، إلى يعلى فجاء يعلى، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوب قد أظل به فأدخل رأسه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد الوجه وهو يغط ثم سري عنه، فقال: "أين الذي سأل، عن العمرة" فأتي برجل فقال: "اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك" قلت لعطاء أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات قال: نعم[9].

قال الحافظ: (واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد بن الحسن، وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة، وهي في سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديها عند إحرامه، وكان ذلك في حجة الوداع سنة عثر بلا خلاف وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، وبان المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقا، محرما أو غير محرم.

قال: واستدل به على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه، وقال مالك: إن طال ذلك عليه لزمه، وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية: يجب مطلقا وعلى أن المحرم إذا صار عليه المخيط نزعه ولا يلزمه تمزيقه ولا شقه خلافا للنخعي والشعبي[10] انتهى.

قال الموفق: وإن طيب ثوبه فله استدامة لبسه مالم ينزعه، فإن نزعه لم يكن له أن يلبسه، فإن لبسه افتدى. لأن الإحرام يمنع ابتداء الطيب ولبس المطيب دون الاستدامة وكذلك إن نقل الطيب من موضع من بدنه إلى موضع آخر افتدى. لأنه تطيب في إحرامه، وكذا إن تعمد مسه بيده أو نحاه من موضعه ثم رده إليه فأما إن عرق الطيب، أو ذاب بالشمس، فسال من موضعه إلى موضع آخر، فلا شيء عليه. لأنه ليس من فعله فجرى مجرى الناسي[11].

قلت: وما ذكره العلماء رحمهم الله تعالى من تعمد مس الطيب الذي ببدنه وهو محرم لا يحترز منه كثير من الناس، وقد لا يتطيب بعض الجهلة حتى يحرم، فإذا كان المقصود من ترك الطيب للمحرم عدم الترفه فالأولى عندي ترك استدامته كما قال مالك خصوصا لراكبي السيارات، فإنهم يقطعون الطريق في مسافة قليلة، والطيب عند الإحرام إنما يقصد به دفع الرائحة الكريهة بعد ذلك، والله أعلم.

وقد روى ابن ماجه في "سننه" والبغوي في "شرح السنة" عن ابن عمر قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما الحاج؟ قال: "الشعث التفل".

وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم عرفة إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم" الحديث رواه في "شرح السنة".

قوله: (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) النقاب عند العرب هو الذي يبدو منه محجر العين، والقفازان: تثنيه قفاز. شيء يعمل لليدين يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد.

قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط كله والخفاف، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر شعرها، إلا وجهها فتسدل عليه الثوب سدلا خفيفا تستر به عن نظر الرجال ولا تخمره، إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: "كنا نخفر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبى بكر" تعني: جدتها.

قال: ويحتمل أن يكون ذلك التخمير سدلا، كما جاء عن عائشة قالت: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر بنا ركب سدلنا الثوب على وجوهنا ونحن محرمات فإذا جاوزنا رفعناه"[12] انتهى.

وقال البخاري: ولبست عائشة رضي الله عنها، الثياب المعصفرة وهي محرمة وقالت لا تلثم، ولا تتبرقع، ولا تلبس ثوبا بورس، ولا زعفران، وقال جابر: لا أرى المعصفر طيبا ولم تر عائشة بأسا بالحلي والثوب الأسود والمورد والخف للمرأة. وقال إبراهيم: لا بأس أن يبدل ثيابه[13] انتهى.

عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى النساء في الإحرام عن القفاز والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب. رواه أحمد وأبو داود، وزاد: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا، أو خزا، أو حليا، أو سراويل، أو قميصا".

قال الحافظ: وأجاز الجمهور لبس المعصفر للمحرم، وعن أبي حنيفة العصفر طيب وفيه الفدية[14] انتهى.
قال ابن تيمية: ويجوز للمرأة المحرمة أن تغطي وجهها بملاصق خلا النقاب والبرقع ويجوز عقد الرداء في الإحرام ولا فدية عليه فيه، ويجوز للمحرم لبس مقطوع الكعبين مع وجود النعل واختاره ابن عقيل في "المفردات" وأبو البركات[15].

قال ابن دقيق العيد: نهي المرأة عن التنقب والقفازين يدل على أن حكم إحرام المرأة يتعلق بوجهها وكفيها والسر في ذلك وفي تحريم المخيط وغيره مما ذكر- والله أعلم - مخالفة العادة والخروج عن المألوف لإشعار النفس بأمرين.
أحدهما: الخروج عن الدنيا والتذكر للبس الأكفان عند نزع المخيط.
والثاني: تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشروطها وآدابها والله أعلم[16].

تتمة:
عن جابر رضي الله عنه قال: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا النساء والصبيان، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم. رواه أحمد وابن ماجه.
قال الشوكاني: (أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ إلا أنه إذا حج كان له تطوعاً عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء من محظورات الإحرام وإنما يحج به على جهة التدريب)[17] انتهى وأعلم.

[1] صحيح البخاري: (2/ 168).

[2] فتح الباري: (3/ 401، 402).

[3] فتح الباري: (3/ 404).

[4] فتح الباري: (3/ 403).

[5] فتح الباري: (3/ 402).

[6] المغني: (6/ 427).

[7] فتح الباري: (3/ 404).

[8] فتح الباري: (3/ 397).

[9] صحيح البخاري: (2/ 167).

[10] فتح الباري: (3/ 395).

[11] المغني: (6/ 373).

[12] فتح الباري: (3/ 406).

[13] صحيح البخاري: (2/ 169).

[14] فتح الباري: (3/ 405).

[15] الاختيارات الفقهية: (1/ 466).

[16] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام: (1/ 301).

[17] نيل الأوطار: (5/ 17).









ابوالوليد المسلم 02-03-2020 04:16 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




حديث: إن شئت فصم وإن شئت فأفطر


عن عائشة رضي الله عنهما أن حمزة بن عمرو الأسلمي، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأصوم في السفر؟ (وكان كثير الصيام). قال: "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر".

♦ قال البخاري: باب الصوم في السفر والإفطار[1].
وذكر حديث ابن أبي أوفى - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فقال لرجل: "انزل فاجدح لي" قال: يا رسول الله، الشمس، قال: "انزل فاجدح لي" قال: يا رسول الله، الشمس، قال: "انزل فاجدح لي" فنزل فجدح له فشرب، ثم رمى بيده هاهنا ثم قال: "إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم". ثم ذكر حديث عائشة.

قال الحافظ:
(قوله باب الصوم في السفر والإفطار)، أي إباحة ذلك وتخيير المكلف فيه سواء كان رمضان أو غيره).
♦ قوله: (أأصوم في السفر)، وفي رواية: أسرد الصوم أي أتابعه.
♦ قال الحافظ: استدل به على أن لا كراهية في صيام الدهر ولا دلالة فيه لأن التتابع يصدق بدون صوم الدهر.

♦ قوله: (وكان كثير الصيام)، وعند مسلم أنه قال: يا رسول الله أجد بي قوة على الصيام في السفر فهل علي جناح، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-:"هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه".

♦ قال الحافظ: وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة وذلك أن الرخصة إنما تطلق في مقابلة ما هو واجب، وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق محمد بن حمزة بن عمرو عن أبيه أنه قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، وإنه ربما صادفني هذا الشهر يعنى رمضان وأنا أجد القوة وأجدني أن أصوم أهون علي من أن أؤخره فيكون ديناً علي، فقال: "أي ذلك شئت يا حمزة"[2].


[1] صحيح البخاري: (3 /43).

[2] فتح الباري: (4/ 179، 180).









ابوالوليد المسلم 02-03-2020 04:19 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك





حديث: فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم












عن أنس رضي الله عنه قال: كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.







قال البخاري: باب لم يعب أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعضهم بعضاً في الصوم والإفطار[1].



قال الحافظ: أي في الأسفار.







قوله: (كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وعند مسلم عن حميد قال: خرجت فصمت فقالوا لي أعد. قال: فقلت إنّ أنَساً أخبرني أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كانوا يسافرون فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. فلقيت ابن أبي مليكة فأخبرني عن عائشة رضي الله عنها.







قوله: (فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم)، وفي حديث أبي سعيد عند مسلم كنا نسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم-. فمنا الصائم، ومنا المفطر، فلا يجد المفطر على الصائم، ولا الصائم على المفطر، وكانوا يرون أنه من وجد قوة فصام، فحسن، ومن وجد ضعفاً فأفطرَ، فحسن.




قال الحافظ: (وهذا التفصيل هو المعتمد وهو نص رافع للنزاع)[2].






[1] صحيح البخاري: (3/ 44).

[2] فتح الباري: (4/ 186).




ابوالوليد المسلم 02-03-2020 04:21 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




حديث








خرجنا مع رسول الله في شهر رمضان في حر شديد







عن أبي الدرداء - رضي الله عنه- قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان في حر شديد، حتى إذا كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وعبد الله بن رواحة.







قال البخاري: باب إذا صام أياماً من رمضان ثم سافر [1].



وذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس.







قال أبو عبد الله: والكديد ماء بين عسفان وقديد. ثم قال: باب، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا يحيى بن حمزة، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر أن إسماعيل بن عبيد الله حدثه عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء - رضي الله عنه – قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم- وابن رواحة.








قال الحافظ: (قوله: باب كذا للأكثر بغير ترجمة، وسقط من رواية النفسي وعلى الحالين لا بد أن يكون لحديث أبي الدرداء المذكور فيه تعلق بالترجمة ووجهه ما وقع من إفطار أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- في رمضان في السفر بمحضر منه ولم ينكر عليهم فدل على الجواز وعلى رد قول من قال من سافر في شهر رمضان أمتنع عليه الفطر.







قوله: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في شهر رمضان في حر شديد)، وفي رواية: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره في يوم حار، وهذه السفرة غير غزوة الفتح لأن ابن رواحة استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح.







قال الحافظ: (وفي الحديث دليل على أن لا كراهية في الصوم في السفر لمن قوي عليه ولم يصبه منه مشقة شديدة)[2].







تتمة:



عن أبي سعيد قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على نهر من السماء والناس صيام في يوم صائف مشاة ونبي الله على بغلة له، فقال: اشربوا أيها الناس، قال: فأبوا قال: "إني لست مثلكم إني أيسركم إني راكب" فأبوا، قال: فثنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فخذه فنزل فشرب وشرب الناس وما كان يريد أن يشرب.







وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله؟ عام الفتح في شهر رمضان فصام حتى مر بغدير في الطريق وذلك في نحر الظهيرة قال: فعطش الناس، فجعلوا يمدون أعناقهم وتتوق أنفسهم إليه، قال: فدعا رسول الله؟ بقدح فيه ماء، فأمسكه على يده حتى رآه الناس، ثم شرب فشرب الناس. رواهما أحمد.







ولمسلم من حديث جابر فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام وإن الناس ينظرون فيما فعلت فدعي بقدح من ماء بعد العصر.







قال الحافظ: (واستدل به على أن للمسافر أن يفطر في أثناء النهار ولو استهل رمضان في الحضر، والحديث نص في الجواز إذ لا خلاف أنه -صلى الله عليه وسلم- استهل رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة ثم سافر في أثنائه) [3] انتهى والله أعلم.







[1] صحيح البخاري: (3/ 43).



[2] فتح الباري: (4/ 182).



[3] فتح الباري: (4/ 181).





ابوالوليد المسلم 07-03-2020 04:04 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك






حديث: ليس من البر الصيام في السفر











عن جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاماً ورجلًا قد ظلل عليه، فقال: "ما هذا؟" قالوا: صائم، قال: "ليس من البر الصيام في السفر".



وفي لفظ لمسلم: "عليكم برخصة الله التي رخص لكم".







قال البخاري: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن ظلل عليه واشتد الحر ليس من البر الصوم في السفر[1]. وذكر الحديث.







قال الحافظ: (أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله صلى الله عليه وسلم: ليس من البر الصيام في السفر ما ذكر من المشقة وأن من روى الحديث مجرداً فقد اختصر القصة وبما أشار إليه من اعتبار شدة المشقة يجمع بين حديث الباب والذي قبله، فالحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل من الصوم وإن من لم يتحقق المشقة يخير بين الصوم والفطر)[2] انتهى.








وأخرج مسلم عن أي سعيد قال: سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم". فكانت رخصة فمنا من صام ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلاً آخر فقال: "إنكم مصبحو عدوكم والفطر أقوى لكم فأفطروا". وكانت عزمة فأفطرنا، ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السفر.







قال الحافظ: (وهذا الحديث شاهد لما قلناه من أن الفطر أفضل لمن شق عليه الصوم ويتأكد ذلك إذا كان يحتاج إلى الفطر للتقوى به على لقاء العدو، وروي الطبري في تهذيبه من طريق خيثمة سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر فقال: لقد أمرت غلامي أن يصوم، قال: فقلت له فأين هذه الآية فعدة من أيام أخر، فقال: إنها نزلت ونحن نرتحل جياعاً وننزل على غير شبع وأما اليوم فنرتحل شباعاً وننزل على شبع، فأشار أنس إلى الصفة التي يكون فيها الفطر أفضل من الصوم.







قوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر) في رواية أنها غزوة الفتح.







قوله: (فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلل عليه) وفي رواية ابن خزيمة فشق على رجل الصوم فجعلت راحلته تهيم به تحت الشجرة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمره أن يفطر الحديث.







قوله: (ليس من البر الصيام في السفر).







قال الحافظ: قال الطبري بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعري ولفظه سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في حر شديد فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظل شجرة وهو مضطجع كضجعة الوجع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لصاحبكم أي وجع به فقالوا ليس به وجع ولكنه صائم وقد أشتد عليه الحر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حينئذ ليس البر أن تصوموا في السفر عليكم برخصة الله التي رخص لكم فكان قوله صلى الله عليه وسلم ذلك لمن كان في مثل ذلك الحال وقال ابن دقيق العيد أخذ من هذه القصة أن كراهة الصوم في السفر مختصة بمن هو في مثل هذه الحالة ممن يجهده الصوم ويشق عليه أو يؤدي به إلى ترك ما هو أولى من الصوم من وجوه القرب فينزل قوله ليس من البر الصوم في السفر على مثل هذه الحالة.







قال الحافظ: وفي الحديث استحباب التمسك بالرخصة عند الحاجة إليها وكراهة تركها على ترك التشديد والتنطع)[3] انتهى والله الموفق.







[1] صحيح البخاري: (3 /44).




[2] فتح الباري: (4/ 183).




[3] فتح الباري: (4 /184).













ابوالوليد المسلم 07-03-2020 04:07 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




ذهب المفطرون اليوم بالأجر


عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فمنا الصائم ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلاً في يوم حار، وأكثرنا ظلاًّ صاحب الكساء، فمنا من يتقي الشمس بيده، قال: فسقط الصوامون وقام المفطرون فضربوا الأبنية وسقوا الركاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".

قال البخاري: باب فضل الخدمة في الغزو. وذكر الحديث ولفظه: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، أكثرنا ظلاًّ الذي يستظل بكسائه، وأما الذين صاموا فلم يعملوا شيئًا، وأما الذين أفطروا فبعثوا الركاب وامتهنوا وعالجوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذهب المفطرون اليوم بالأجر".

قال الحافظ: (قوله: باب فضل الخدمة في الغزو، أي سواء كانت من صغير لكبير أو عكسه أو مع المساواة.

قوله: (فسقط الصوامون): كذا في نسخ العمدة والذي في مسلم: فسقط الصوام أي عجزوا عن العمل، وفي رواية: فتحزم المفطرون وعملوا وضعف الصوام عن بعض العمل.

قوله: (ذهب المفطرون بالأجر): قال الحافظ: أي الوافر، وليس المراد نقص أجر الصوام بل المراد أن المفطرين حصل لهم أجر عملهم ومثل أجر الصوام لتعاطيهم أشغالهم وأشغال الصوام فلذلك قال بالأجر كله لوجود الصفات المقتضية لتحصيل الأجر منهم. قال ابن أبي صفرة: فيه أن أجر الخدمة في الغزو أعظم من أجر الصيام.

قال الحافظ: وليس ذلك على العموم، وفيه الحض على المعاونة في الجهاد وعلى أن الفطر في السفر أولى من الصيام، وأن الصيام في السفر جائز، خلافاً لمن قال لا ينعقد وليس في الحديث بيان كونه إذ ذاك كان صوم فرض أو تطوع)[1] انتهى والله أعلم...

قال في الاختيارات: (والمريض إذا خاف الضرر استحب له الفطر والمسافر الأفضل له الفطر فإن أضعفه عن الجهاد كره له بل يجب منعه عن واجب، وأفتى أبو العباس لما نزل العدو دمشق في رمضان بالفطر في رمضان للتقوي على جهاد العدو وفعله وقال: هو أولى من الفطر للسفر، ويصح صوم الجنب باتفاق الأئمة وإذا نوى المسافر الإقامة في بلد أقل من أربعة أيام فله الفطر، وإذا نوى صيام التطوع بعد الزوال ففي ثوابه روايتان عن أحمد، والأظهر الثواب وإن لم ينو الصوم ولكن إذا اشتهى الأكل واستمر به الجوع فهذا يكون جوعه من باب المصائب التي تكفر بها خطاياه ويثاب على صبره عليها ولا يكون من باب الصوم الذي هو عبادة يثاب عليها ثواب الصوم)[2] والله أعلم. انتهى.


[1] فتح الباري: (4/ 184).

[2] الاختيارات الفقهية: (1/ 459).









ابوالوليد المسلم 07-03-2020 04:10 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




كان يكون علي الصوم من رمضان

فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان


عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان.
قال البخاري: باب متى يُقضى قضاءُ رمضانَ، وقال ابن عباس: لا بأس أن يُفرَّق لقول الله تعالى: ï´؟ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾ [البقرة: 184]، وقال سعيد بن المسيب في صوم العشر: لا يصلُح حتى يبدأ برمضان، وقال إبراهيم: إذا فرَّط حتى جاء رمضانُ آخرُ، يصومهما ولم يرَ عليه طعامًا، ويُذكَر عن أبي هريرة مرسلًا وابن عباس أنه يُطعِم، ولم يذكر الله الإطعامَ، إنما قال: ï´؟ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا يحيى، عن أبي سلمة، قال: سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: كان يكون عليَّ الصوم من رمضان، فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان، قال يحيى: الشُّغل من النبي أو بالنبي صلى الله عليه وسلم[1].

قال الحافظ: (قوله: باب متى يُقضى قضاءُ رمضان؛ أي: متى تُصام الأيام التي تُقضى عن فَوات رمضان، ومراد الاستفهام هل يتعيَّن قضاؤه متتابعًا، أو يجوز متفرقًا، وهل يتعيَّن على الفور أو يجوز على التراخي؟ قال الزين بن المنير: جعل المصنفُ الترجمةَ استفهامًا لتعارُض الأدلة؛ لأن ظاهر قوله تعالى: ï´؟ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ï´¾ يقتضي التفريقَ لصِدق أيام أُخَر؛ سواء كانت متتابعة أو متفرِّقة، والقياس يقتضي التتابعَ؛ إلحاقًا لصفة القضاء بصفة الأداء، وظاهرُ صنيع عائشة يَقتضي إيثارَ المبادرة إلى القضاء، لولا ما منَعها من الشُّغل، فيُشعُر بأن مَن كان بغير عُذرٍ لا ينبغي له التأخيرُ، قلت: ظاهرُ صنيع البخاري يقتضي جوازَ التراخي والتفريقِ، لِما أودَعه في الترجمة من الآثار كعادته، وهو قول الجمهور، قال: ولا يختلف المجيزون للتفريق أن التتابع أَولى.
قوله: ويذكر عن أبي هريرة مرسلًا وابن عباس أنه يُطعم.

قال الحافظ: وهو قول الجمهور، قال: وفي الحديث دلالةٌ على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا؛ سواء كان لعذرٍ، أو لغير عذرٍ؛ لأن الزيادة كما بيَّناه مُدرجة، فلو لم تكن مرفوعة، لكان الجواز مقيدًا بالضرورة؛ لأن للحديث حُكمَ الرفع؛ لأن الظاهر اطِّلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، مع توفُّر دواعي أزواجه على السؤال منه عن أمر الشرع، فلولا أن ذلك كان جائزًا، لم تواظب عائشة عليه، ويؤخَذ مِن حرصها على ذلك في شعبان - أنه لا يجوز تأخيرُ القضاء حتى يدخل رمضانُ آخرُ، وأما الإطعام فليس فيه ما يُثبته ولا يَنفيه[2]؛ انتهي.

قال في الاختيارات[3]: وإذا شرَعت المرأة في قضاء رمضان، وجَب عليها إتمامُه، ولم يكن لزوجها تفطيرُها، وإن أمَرَها أن تؤخِّر القضاء قبل الشروع فيه، كان حسًنا لحديث عائشة؛ انتهى.

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: لَمَّا نزلتْ: ï´؟ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ï´¾ [البقرة: 184]، كان من أراد أن يُفطر ويَفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها رواه الجماعة إلا أحمد.

وعن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل بنحو حديث سلمة وفيه: ثم أنزل الله: ï´؟ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ï´¾ [البقرة: 185]، فأثبَت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخَّص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام؛ مختصر لأحمد وأبي داود.

عن أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله وضَع عن المسافر الصومَ وشطرَ الصلاة، وعن الحُبلى والمُرضع الصومَ))؛ رواه الخمسة؛ قال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم.

وقال بعض أهل العلم:
الحامل والمرضع يُفطران ويَقضيان، ويُطعمان، وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد، وقال بعضهم: يُفطران ويُطعمان، ولا قضاءَ عليهما؛ فإن شاءَتا قضَتَا، ولا إطعامَ عليهما، وبه يقول إسحاق؛ انتهى.

قال الحجاوي في "مختصر المقنع": وإن أفطَرتْ حاملٌ أو مرضعٌ خوفًا على أنفسهما، قضتاه وأطعمَتا لكلِّ يومٍ مسكينًا.



[1] صحيح البخاري: (3/ 45).


[2] فتح الباري: (4/ 189).

[3] (1/ 460)

ابوالوليد المسلم 07-03-2020 04:12 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 
أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك

حديث: إن أمي ماتت وعليها صوم شهر




عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتتْ وعليها صوم شهر، أَفأَقضيه؟ قال: "لو كان على أُمِّك دَينٌ كنتَ قاضيةً عنها؟"، قال: نعم، قال: "فدَين الله أحقُّ أن يُقضى"، وفي رواية: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذرٍ، أفأصوم عنها؟ قال: "أفرأيتِ لو كان على أُمِّك دَينٌ، فقضيتِه، أكان يؤدِّي ذلك عنها؟"، قالت: نعم، قال: "فصومي عن أُمك".

قال البخاري: باب مَن مات وعليه صوم، وقال الحسن: إن صام عنه ثلاثون رجلًا يومًا واحدًا جاز[1]، ثم ذكر حديث عائشة وحديث ابن عباس.

قال الحافظ: (قوله: باب من مات وعليه صوم؛ أي: هل يُشرَع قضاؤه عنه أم لا؟ وإذا شُرِع، هل يختص بصيامٍ دون صيامٍ، أو يُطعم عن كل صيام؟ وهل يتعيَّن الصوم أو يُجزئ الإطعام؟ وهل يختص الولي بذلك، أو يصح منه ومن غيره؟ والخلاف في ذلك مشهور للعلماء.

قوله: (من مات وعليه صيام صام عنه وليُّه).
قال الحافظ: قوله: من مات عام في المكلفين لقرينة وعليه صيام، وقوله: صام عنه وليُّه، خبر بمعنى الأمر، تقديره: فليَصُمْ عنه وليُّه، وليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور.

وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فأجاز الصيام عن الميت أصحاب الحديث، وعلَّق الشافعي في القديم القولَ به على صحة الحديث، كما نقله البيهقي في المعرفة، وهو قول أبي ثور وجماعة من محدثي الشافعية، وقال البيهقي في الخلافيات: هذه المسألة ثابتة لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها، فوجَب العملُ بها، ثم ساق بسنده إلى الشافعي، قال: كل ما قلتُ وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافَه، فخذوا بالحديث، ولا تقلِّدوني، وقال الشافعي في الجديد، ومالك وأبو حنيفة: لا يُصام عن الميت، وقال الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد: لا يصوم عنه إلا النذر؛ حملًا للعموم الذي في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارَض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة مستقلة سأل عنها مَن وقعتْ له، وأما حديث عائشة، فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم؛ حيث قيل في آخره: فدينُ الله أحقُّ أن يقضى، وأما رمضان فيُطعم عنه، إلى أن قال: واختلف المجيزون في المراد بقوله: (وليُّه)، فقيل: كلُّ قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبته، والأول أرجحُ، والثاني قريبٌ، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أُمها، واختلفوا أيضًا: هل يختص ذلك بالولي؛ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية، ولأنها عبادة لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك في الموت، إلا ما ورد فيه الدليل، فيقتصر على ما ورد فيه، ويبقى الباقي على الأصل، وهذا هو الراجح، وقيل: يختص بالولي، فلو أمر أجنبيًّا بأن يصوم عنه، أجزأَ كما في الحج، وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك، وذكر الولي لكونه الغالب، وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري، وقوَّاه بتشبيهه صلى الله عليه وسلم، ذلك بالدين، والدين لا يختص بالقريب[2]؛ انتهى.

قال في الاختيارات الفقهية[3]: (وإن تبرَّع إنسانٌ بالصوم عمَّن لا يُطيقه لكِبَره ونحوه، أو عن ميت - وهما مُعسران - توجَّه جوازه؛ لأنه أقربُ إلى المماثلة من المال، وحكى القاضي في صوم النذر في حياة الناذر نحو ذلك ومَن مات وعليه صوم نذرٍ، أجزأ الصوم عنه بلا كفارةٍ).

قال النووي: (اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم واجبٌ من رمضان، أو قضاء أو نذرٌ أو غيره، هل يُقضى عنه؟ وللشافعي في المسألة قولان مشهوران: أشهرهما: لا يُصام عنه، ولا يصح عن ميت صوم أصلًا، والثاني: يُستحب لوليِّه أن يصوم عنه، ويصح صومُه عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده، وهو الذي صحَّحه محقِّقو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة[4]؛ انتهى.

قوله: (إن أمي ماتتْ وعليها صوم شهرٍ).

قال الحافظ: (هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية أبي حريز خمسة عشر يومًا، وفي رواية أبي خالد شهرين متتابعين، وروايته تقتضي ألا يكون الذي عليها صوم شهر رمضان بخلاف رواية غيره، فإنها محتملة إلا رواية زيد بن أبي أنيسة، فقال: إن عليها صوم نذرٍ، وهذا واضحٌ في أنه غير رمضان، وبيَّن أبو بشر في روايته سبب النذر، فروى أحمد من طريق شعبة عن أبي بشر أن امرأة ركِبت البحر، فنذرتْ أن تصوم شهرًا، فماتت قبل أن تصوم، فأتتْ أختها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث)[5].

وقال البخاري أيضًا: باب الحج والنذور عن الميت، والرجل يحج عن المرأة[6].

وذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أمي نذرت أن تحجَّ، فلم تحجَّ حتى ماتت، أَفَأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها، أرأيتِ لو كان على أُمك دَينٌ، أكنتِ قاضيةً، اقْضُوا الله فالله أحقُّ بالوفاء)).

وروي مسلم عن بريدة رضي الله عنه، قال: بينا أنا جالسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ أتتْه امرأة، فقالت: إني تصدَّقتُ على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال: ((وجب أجرُك، وردَّها عليك الميراث))، قالت: يا رسول الله، إنه كان عليها صوم شهرٍ، أفأصوم عنها قال: ((صومي عنها))، قالت: إنها لم تحج قطُّ، أفأحج عنها؟ قال: ((حجي عنها)).

قال الحافظ: (قوله: ورأيت إلخ فيه مشروعية القياس وضرب المثل؛ ليكون أوضحَ وأوقع في نفس السامع، وأقربَ إلى سرعة فَهمه، وفيه تشبيهُ ما اختُلِف فيه، وأشكَل بما اتُّفِق عليه، وفيه أنه يُستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتَّبت على ذلك مصلحةٌ، وهو أطيبُ لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وفيه أن وفاء الدين المالي عن الميت كان معلومًا عندهم مقرَّرًا، ولهذا حَسُنَ الإلحاقُ به، وقال أيضًا: وفيه أن من مات وعليه حج وجَب على وليِّه أن يُجهِّز مَن يَحج عنه مِن رأس ماله، كما أن عليه قضاء ديونه، فقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال، فكذلك ما شُبِّه به في القضاء، ويَلتحق بالحج كلُّ حقٍّ ثبَت في ذِمته من كفارة أو نذرٍ أو زكاة، أو غير ذلك)[7]؛ انتهى.

قال النووي: (وفي هذه الأحاديث جوازُ صوم الولي عن الميت كما ذكَرنا، وجواز سماع كلام المرأة الأجنبية في الاستفتاء ونحوه من مواضع الحاجة، إلى أن قال: وفيه دلالةٌ ظاهرة لمذهب الشافعي والجمهور أن النيابة في الحج جائزة عن الميت والعاجز الْمَأْيُوس مِن بُرْئه)[8]؛ انتهى.

وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت امرأةٌ مِن خَثْعَم، فجعل الفضل ينظُر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم، يصرف وجهَ الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في الحج، أدركتُ أبي شيخًا كبيرًا لا يَثبُت على الراحلة، أفأحجُّ عنه؟ قال: ((نعم))، وذلك في حَجة الوداع؛ متفق عليه، واللفظ للبخاري، وبالله التوفيق.

[1] صحيح البخاري: (3 /45).

[2] فتح الباري: (4/ 193).

[3] (1 /460).

[4] شرح النووي على مسلم (4 /144).

[5] فتح الباري: (4/ 195).

[6] صحيح البخاري: (3 /22).

[7] فتح الباري: (4/ 66).

[8] شرح النووي على مسلم: (4 /144).









ابوالوليد المسلم 07-03-2020 04:14 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك

حديث: (لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر، وأخروا السحور)




عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطر، وأخروا السحور)).

♦ قال البخاري: باب تعجيل الإفطار[1].
وذكر حديث سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر.

وحديث ابن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فصام حتى أمسى قال لرجل: انزل فاجدح لي، قال: لو انتظرت حتى تمسي، قال: انزل فاجدح لي إذا رأيت الليل قد أقبل من ها هنا، فقد أفطر الصائم.


♦ قال الحافظ: (قال ابن عبدالبر: أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور، صحاح متواترة، وعند عبدالرزاق وغيره بإسناد صحيح عن عمرو بن ميمون الأودي قال: كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أسرع الناس إفطارًا وأعطاهم سحورًا.

♦ قوله: (لا يزال الناس بخير)، وفي حديث أبي هريرة: لا يزال الدين ظاهرًا.

♦ قال الحافظ: وظهور الدين مستلزم لدوام الخير، قوله: ما عجَّلوا الفطر، زاد أبو ذر في حديثه: وأخَّروا السحور؛ أخرجه أحمد، "وما" ظرفية؛ أي: مدة فِعلهم ذلك امتثالًا للسنة، واقفين عند حدها غير متنطعين بعقولهم ما يُغير قواعدها، زاد أبو هريرة في حديثه؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون؛ أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما، وتأخير أهل الكتاب له أمد وهو ظهور النجم، وقد روى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا بلفظ: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم"، وفيه بيان العلة في ذلك، قال المهلب: والحكمة في ذلك ألا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم، وأقوى له على العبادة، واتَّفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بأخبار عدلين، وكذا عدل واحد في الأرجح؛ انتهى.

♦ قال ابن دقيق العيد: في هذا الحديث ردٌّ على الشيعة في تأخيرهم الفطر إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر؛ لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة، وقال: قال الشافعي في الأم: تعجيل الفطر مستحب، ولا يكره تأخيره إلا لمن تعمَّده، ورأى الفضل فيه.

♦ قال الحافظ: من البدع المنكرة ما أحدث في هذا الزمان من إيقاع الأذان الثاني قبل الفجر بنحو ثلث ساعة في رمضان، وإطفاء المصابيح التي جعلت علامة لتحريم الأكل والشرب على أن يريد الصيام، زعمًا ممن أحدثه أنه للاحتياط في العبادة، ولا يعلم بذلك إلا آحادُ الناس، وقد جرهم ذلك إلى أن صاروا لا يؤذنون إلا بعد الغروب بدرجة لتمكين الوقت - زعموا - فأخروا الفطر وعجلوا السحور، وخالفوا السنة، فلذلك قل عنهم الخير، وكثُر فيهم الشر، والله المستعان)[2]؛ انتهى.

[1] صحيح البخاري: (3 /47).

[2] فتح الباري: (4/ 199).









ابوالوليد المسلم 07-03-2020 04:17 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




حديث: (إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا، فقد أفطر الصائم)


عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا، فقد أفطر الصائم)).

♦ قال البخاري: باب متى يحل فطر الصائم، وأفطر أبو سعيد الخدري حين غاب قرص الشمس[1].
ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم".

وذكر حديث عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهو صائم، فلما غربت الشمس، قال لبعض القوم: يا فلان، قم فاجدح لنا؟ فقال: يا رسول الله، لو أمسيت، قال: انزل فاجدح لنا، قال: يا رسول الله فلو أمسيت، قال: انزل فاجدح لنا، قال: إن عليك نهارًا، قال: انزل فاجدح لنا، فنزل فجدح لهم، فشرب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: "إذا رأيتم الليل قد أقبَل من ها هنا، فقد أفطر الصائم"، والجدح تحريك السويق ونحوه بالماء بعود، ويقال له المجدح مجنح الرأس.

♦ قال الحافظ: (غرض هذه الترجمة الإشارة إلى أنه هل يجب إمساك جزء من الليل لتحقق مضي النهار أم لا، وظاهر صنيعه يقتضي ترجيح الثاني لذكره لأثر أبي سعيد في الترجمة، لكن محله إذا ما حصل تحقق غروب الشمس.

♦ قوله: (إذا أقبل الليل من ها هنا)؛ أي: من جهة المشرق والمراد به وجود الظلمة حسًّا.

♦ قوله: (فقد أفطر الصائم)؛ أي: دخل في وقت الفطر وهو لفظ خبر، ومعناه الأمر؛ أي: فليفطر الصائم، وفي رواية: فقد حل الإفطار.

* قال ابن دقيق العيد: الإقبال والإدبار متلازمان؛ أعني: إقبال الليل وإدبار النهار، وقد يكون أحدهما أظهر للعين في بعض المواضع، فيستدل بالظاهر على الخفي، كما لو كان في جهة المغرب ما يستر البصر عن إدراك الغروب، وكان المشرق ظاهرًا بارزًا، فيستدل بطلوع الليل على غروب الشمس)[2]؛ انتهى.

♦ قال الحافظ: (وفي حديثي الباب من الفوائد: بيان وقت الصوم، وأن الغروب متى تحقق كفى، وفيه إبماء إلى الزجر عن متابعة أهل الكتاب، فإنهم يؤخرون الفطر عن الغروب، وفيه أن الأمر الشرعي أبلغُ من الحسي، وأن العقل لا يقضي على الشرع، وفيه البيان بذكر اللازم والملزوم جميعًا لزيادة الإيضاح)[3]؛ انتهى، وبالله التوفيق.


[1] صحيح البخاري: (3 /46).

[2] فتح الباري: (4 /196).

[3] فتح الباري: (4/ 198).









ابوالوليد المسلم 07-03-2020 04:19 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




لست كأحد منكم إني أطعم وأسقى


عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، قالوا: يا رسول الله، إنك تواصل، قال: ((إني لستُ مثلكم، إني أُطعم وأُسقى))؛ رواه أبو هريرة وعائشة وأنس بن مالك رضي الله عنهم.

ولمسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: "فأيُّكم أراد أن يواصلَ، فليواصل إلى السحر".

قال البخاري: باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام؛ لقوله تعالى: ï´؟ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ï´¾ [البقرة: 187]، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه رحمةً لهم وإبقاءً عليهم، وما يكره من التعمق، ثم ذكر حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا تواصلوا))، قالوا: إنك تواصل، قال: ((لستُ كأحدٍ منكم إني أُطعم وأُسقى))، وحديث ابن عمر، وحديث أبي سعيد رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تواصلوا، فأيُّكم إذا أراد أن يواصل، فليواصل حتى السحر))، قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله، قال: ((إني لستُ كهيئتكم، إني أبيت لي مُطعمٌ يُطعمني وساق يَسقين)).

وحديث عائشة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال رحمةً لهم، فقالوا: إنك تواصل، قال: ((إني لستُ كهيئتكم، إني يُطعمني ربي ويسقين)).

قال الحافظ: (قوله: باب الوصال، هو الترك في ليالي الصيام لما يُفطر بالنهار بالقصد، فيخرج من أمسك اتفاقًا، ويدخل من أمسك جميع الليل أو بعضه، ولم يجزم المصنف بحُكمه لشُهرة الاختلاف فيه)[1].

قوله: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال)، وفي حديث أنس: "لا تواصلوا"، وفي رواية ابن خزيمة: "إياكم والوصال".

قوله: (إنك تواصل قال: إني لستُ مثلكم)، وفي حديث أبي هريرة: (وأيكم مثلي).

قال الحافظ: (وهذا الاستفهام يفيد التوبيخ المشعر بالاستبعاد، وقوله: مثلي؛ أي: على صفتي ومنزلتي من ربي.

قوله: "إني أُطعم وأُسقى)، في حديث أنس: "إني أظل يُطعمني ربي ويسقين".

وفي رواية فقال صلى الله عليه وسلم: "لو مد بي الشهر لواصلتُ وصالًا يدع المتعمقون تعمُّقَهم".

قال الحافظ: (واستدل بمجموع هذه الأحاديث على أن الوصال من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وعلى أن غيره ممنوع منه، إلا ما وقع فيه الترخيص من الإذن فيه إلى السحر، ثم اختلف في المنع المذكور، فقيل: على سبيل التحريم، وقيل: على سبيل الكراهة، وقيل: يحرم على من شق عليه، ويباح لمن لم يشق عليه - إلى أن قال - وذهب أحمد وإسحاق، وابن المنذر وابن خزيمة، وجماعة من المالكية - إلى جواز الوصال إلى السحر؛ لحديث أبي سعيد المذكور، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيءٌ مما يترتب على غيره، إلا أنه في الحقيقة بمنزلة عشائه، إلا أنه يؤخره؛ لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها السحر، كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم، وإلا فلا يكون قربة، وقال: وفي حديث الباب من الفوائد استواء المكلفين في الأحكام، وأن كل حُكم ثبت في حق النبي صلى الله عليه وسلم، ثبت في حق أُمته إلا ما استُثني بدليل، وفيه جواز معارضة المفتي فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله، ولم يعلم المستفتي بسر المخالفة، وفيه الاستكشاف عن حكمة النهي، وفيه ثبوت خصائصه صلى الله عليه وسلم، وأن عموم قوله تعالى: ï´؟ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ï´¾ [الأحزاب: 21] مخصوص، وفيه أن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله المعلوم صفته، ويبادرون إلى الائتساء به إلا فيما نهاهم عنه، وفيه بيان قدرة الله تعالى على إيجاد المسببات العاديات من غير سبب ظاهر)[2]؛ انتهى، والله أعلم.


وقال البخاري أيضًا: باب التنكيل لمن أكثر الوصال، رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم[3].

ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول الله، قال: ((وأيُّكم مثلي، إني أبيت يُطعمني ربي ويسقين))، فلمَّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم يومًا، ثم يومًا، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتُكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا.

ثم ذكره من طريق أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إياكم والوصال مرتين))، قيل: إنك تواصل، قال: ((إني أبيت يُطعمني ربي ويسقين، فاكلفوا من العمل ما تُطيقون)).

قال الحافظ: (قوله: باب التنكيل لمن أكثر الوصال، التقييد بأكثر قد يُفهم منه أن مَن قلَّل منه لا نكال عليه؛ لأن التقليل منه مظنة لعدم المشقة، لكن لا يلزم من عدم التنكيل ثبوت الجواز.

قوله: لو تأخر الهلال؛ أي: الشهر لزدتُكم.
قال الحافظ: (استدل به على جواز قول لو، وحمل النهي الوارد في ذلك على ما لا يتعلق بالأمور الشرعية.

والمراد بقوله: "لو تأخر لزدتكم"؛ أي: في الوصال إلى أن تعجِزوا عنه، فتسألوا التخفيف عنكم بتركه، وهذا كما أشار عليهم أن يرجعوا من حصار الطائف، فلم يُعجبهم، فأمرهم بمباكرة القتال من الغد، فأصابتهم جراح وشدة، وأحبوا الرجوع، فأصبح راجعًا بهم، فأعجبهم ذلك)[4].
قوله: كالتنكيل لهم، وفي رواية كالمنكل لهم، والتنكيل المعاقبة.

قال الحافظ: (واختلف في قوله: يُطعمني ويسقيني، فقيل هو على حقيقته، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامةً له في ليالي صيامه، وتعقَّبه ابن بطال ومَن تبِعه بأنه لو كان كذلك، لم يكن مواصلًا، إلى أن قال: وقال الزين بن المنير هو محمول على أن أكلَه وشربه في تلك الحالة كحال النائم الذي يحصل له الشِّبع والري بالأكل والشرب، ويستمر له ذلك حتى يستيقظ، ولا يَبطل بذلك صومُه، ولا ينقطع وصاله، ولا ينقص أجره، وحاصله أنه يحمل ذلك على حالة استغراقه صلى الله عليه وسلم في أحواله الشريفة؛ حتى لا يؤثر فيه حينئذ شيء من الأحوال البشرية، وقال الجمهور: قوله: يُطعمني ويسقيني مجاز عن لازم الطعام والشراب، وهو القوة، فكأنه قال: يُعطيني قوة الآكل والشارب، ويفيض على ما يسد مسد الطعام والشراب، ويَقوى على أنواع الطاعة من غير ضَعف في القوة، ولا كلالٍ في الإحساس، أو المعنى أن الله يخلق فيه من الشِّبع والري ما يُغنيه عن الطعام والشراب، فلا يحس بجوعٍ ولا عطش، والفرق بينه وبين الأول أنه على الأول يُعطي القوة مع الشِّبع والري، ورجَّح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم، ويُفوِّت المقصود من الصيام والوصال؛ لأن الجوع هو رُوح هذه العبادة بخصوصها، قال القرطبي: ويبعده أيضًا النظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع، ويربط على بطنه الحجارة من الجوع.

قال الحافظ: (ويحتمل أن يكون المراد بقوله: يُطعمني ويسقيني؛ أي: يشغلني بالتفكر في عظمته، والتحلي بمشاهدته، والتغذي بمعارفه، وقرة العين بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه عن الطعام والشراب، وإلى هذا جنح ابن القاسم، وقال قد يكون هذا الغذاء أعظم من غذاء الأجساد، ومَن له أدنى ذوق وتجربة يعلَم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الجسماني، ولا سيما الفرح المسرور بمطلوبة الذي قرت عينه بمحبوبة؛ انتهى.
والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)[5].


[1] فتح الباري: (4/ 202).

[2] فتح الباري، (4/ 203، 204).

[3] صحيح البخاري، (3/48).

[4] فتح الباري، (4/ 206).

[5] فتح الباري، (4/ 207).











ابوالوليد المسلم 10-03-2020 04:05 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




حديث صوم الدهر


عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأَصومنَّ النهار، ولأَقومنَّ الليل ما عشتُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنت الذي قلت ذلك؟))، فقلت له: قد قلتُه، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: ((فإنك لا تستطيع ذلك، فصُم وأفطِر، ونَمْ وقُمْ، وصُمْ من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر))، قلت: إني لأُطيقُ أفضل من ذلك، قال: ((فصُم يومًا وأفطِر يومين))، قلت: إني لأطيق أفضل من ذلك، قال: ((فصم يومًا وأفطِر يومًا، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام))، قلت: إن لأطيق أفضل من ذلك، فقال: ((لا أفضل من ذلك)).

وفي رواية: قال: ((لا صوم فوق صوم داود عليه السلام شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا)).

قوله: (أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار ولأقومن الليل ما عشت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنت الذي قلت ذلك" إلى آخره، وفي رواية: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا عبدالله، ألم أُخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل"، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "فلا تفعل، صم وأفطر، وقُم ونَم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله"، فشددتُ فشُدِّد عليَّ، قلت: يا رسول الله إني أجد قوةً، قال: "فصم صيام نبي الله داود عليه السلام، ولا تزد عليه"، قلت: وما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: "نصف الدهر"، فكان عبدالله يقول بعد ما كبر: يا ليتني قبِلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال: فصم صيام داود عليه السلام، قال: وكيف؟ قال: "كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، ولا يفر إذا لاقى"، قال من لي بهذه يا نبي الله وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صام من صام الأبد مرتين "، وفي رواية: "صم من الشهر ثلاثة أيام"، قال: أطيق أكثر من ذلك، فما زال حتى قال: "صم يومًا وأفطر يومًا،" فقال: اقرأ القرآن في شهر، قال: إني أطيق أكثر، فما زال حتى قال: "في ثلاث"، وفي رواية: إنك لتصوم الدهر، وتقوم الليل، فقلت: نعم قال: "إنك إذا فعلت ذلك، هجَمت له العين، ونفهَت له النفس، لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام صوم الدهر كله"، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له صومي، فدخل علي، فألقيت له وسادة من أدم حشوها ليف، فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه، فقال: "أما يكفيك من كل شهر ثلاثة أيام"، قال: قلت يا رسول الله قال: خمسًا، قلت: يا رسول الله، قال: سبعًا، قلت: يا رسول الله، قال: تسعًا، قلت: يا رسول الله قال: إحدى عشرة، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا صوم فوق صوم داود عليه السلام، شطر الدهر، صُم يومًا وأفطر يومًا"، وفي رواية: أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنَّته، فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل، لم يطأ لنا فراشًا ولم يفتش لنا كنفًا مذ أتيناه، فلما طال ذلك عليه، ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألْقِني به، فلقيتُه بعدُ، وللنسائي: فوقع على أبي، فقال: زوجتك امرأة فعضلتَها، وفعلت، وفعلت، وفعلت، قال: فلم ألتفت إلى ذلك لما كانت لي من القوة، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ألْقِني به، فأتيته معه، ولابن خزيمة: إن لكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي، فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك، فقد هلك، وللنسائي: صم الاثنين والخميس من كل جمعة.

قوله: (بأبي أنت وأمي يا رسول الله)؛ أي: أفديك بأبي وأمي.
قال الحافظ: (قوله: وصم من الشهر ثلاثة أيام بعد قوله: فصم وأفطر - بيان لما أجمل من ذلك.

قوله: (فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر)؛ لقول الله تعالى: ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: 160]، وذلك مثل صيام الدهر.

قوله: "فصم يومًا وأفطر يومًا، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام"، قلت: إن لأُطيق أفضل من ذلك، فقال: "لا أفضل من ذلك".

قال ابن التين: استدل على كراهته من هذه القصة من أوجه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الزيادة، وأمره بأن يصوم ويفطر، وقوله: لا أفضل من ذلك، ودعاؤه على من صام الأبد، قال ابن العربي: قوله: لا صام من صام الأبد، إن كان معناه الدعاء فيا ويح مَن أصابه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه الخبر، فيا ويح من أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يصم[1].

قوله: (لا صوم فوق صوم داود عليه السلام شطر الدهر، صم يومًا وأفطر يومًا)، فيه أن ذلك أفضل من صيام الدهر.

قال الحافظ: (ويترجح من حيث المعنى أيضًا بأن صيام الدهر قد يفوت بعض الحقوق - أن مَن اعتاده، فإنه لا يكاد يشق عليه، بل تضعُف شهوته عن الأكل، وتقل حاجته إلى الطعام والشراب نهارًا، ويألف تناوله في الليل؛ بحيث يتجدد له طبع زائد بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا، فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر، وقد نقل الترمذي عن بعض أهل العلم أنه أشق الصيام ويأمن مع ذلك غالبًا من تفويت الحقوق؛ انتهى.

وعن ابن مسعود أنه قيل له: إنك لتقل الصيام، فقال: إني أخاف أن يُضعفني عن القراءة والقراءة أحب إلي من الصيام؛ رواه سعيد بن منصور)[2].

قال الخطابي: محصل قصة عبدالله بن عمرو أن الله تعالى لم يتعبد عبده بالصوم خاصة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده لقصر في غيره، فالأولى الاقتصاد فيه؛ ليستبقي بعض القوة لغيره[3].

قال الحافظ: (وفي قصة عبدالله بن عمرو من الفوائد غير ما تقدم: بيان رفق رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وشفقته عليهم، وإرشاده إياهم إلى ما يصلحهم، وحثه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه، ونهيهم عن التعمق في العبادة، لما يخشى من إفضائه إلى الملل أو ترك البعض، وقد ذم الله تعالى قومًا لازموا العبادة، ثم فرَّطوا فيها، وفيه الندب على الدوام على ما وظَّفه الإنسان على نفسه من العبادة، وفيه جواز الإخبار عن الأعمال الصالحة، والأوراد ومحاسن الأعمال، ولا يخفى أن محل ذلك عند أمن الرياء، وفيه جواز القسم على التزام العبادة، وفائدة الاستعانة باليمين على النشاط لها، وأن ذلك لا يخل بصحة النية والإخلاص فيها، وأن اليمين على ذلك لا يلحقها بالنذر الذي يجب الوفاء به، وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وأن النفل المطلق لا ينبغي تحديده، بل يختلف الحال باختلاف الأشخاص، والأوقات والأحوال، وفيه جواز التفدية بالأب والأم، وفيه الإشارة إلى الاقتداء بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أنواع العبادات، وفيه أن طاعة الوالد لا تجب في ترك العبادة، ولهذا احتاج عمرو إلى شكوى ولده عبدالله، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ترك طاعته لأبيه، وفيه زيارة الفاضل للمفضول في بيته، وإكرام الضيف بإلقاء الفرش ونحوها تحته، وتواضع الزائر بجلوسه دون ما يفرش له، وألا حرج عليه في ذلك إذا كان على سبيل التواضع والإكرام للمزور، وقال أيضًا: وفي الحديث جواز تحدث المرء بما عزم عليه من فعل الخير، وتفقُّد الإمام لأمور رعيته كلياتها وجزئياتها، وتعليمهم ما يصلحهم، وفيه تعليل الحكم لمن فيه أهليَّة ذلك، وأن الأولى في العبادة تقديم الواجبات على المندوبات، وأن مَن تكلَّف الزيادة على ما طُبِع عليه، يقع له الخلل في الغالب، وفيه الحض على ملازمة العبادة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مع كراهته له التشديدَ على نفسه، حضَّه على الاقتصاد، كأنه قال له: ولا يمنعك اشتغالك بحقوق مَن ذُكِرَ أن تُضيِّعَ حقَّ العبادة، وتترك المندوب جملةً، ولكن أجمع بينهما[4]؛ انتهى، وبالله التوفيق.

[1] فتح الباري، (4/ 220).

[2] فتح الباري، (4/ 223).

[3] فتح الباري، (4/ 221).

[4] فتح الباري، (4/ 225).









ابوالوليد المسلم 10-03-2020 04:07 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك




حديث: إن أحب الصيام إلى الله صيام داود


عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحب الصيام إلى الله صيام داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثُلثه وينام سدسه، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا)).

♦ قال البخاري: باب من نام عند السحر[1].
وذكر الحديث، ثم ذكر حديث عائشة حين سألها مسروق: أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت: الدائم، قلتُ: متى كان يقوم؟ قالت: يقوم إذا سمع الصارخ، والحديث الآخر: ما ألفاه السحر عندي إلا نائمًا، تعني النبي صلى الله عليه وسلم.

♦ قال الحافظ:
قوله: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، قال المهلب: كان داود عليه السلام يجم نفسه بنوم أول الليل، ثم يقوم في الوقت الذي ينادي الله فيه: هل من سائل فأُعطيه سؤله، ثم يستدرك بالنوم ما يستريح به من نصَب القيام في بقية الليل، وهذا هو النوم عند السحر، كما ترجم به المصنف، وإنما صارت هذه الطريقة أحبَّ، من أجل الأخذ بالرفق للنفس التي يخشى منها السآمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يمل حتى تملوا، والله يحب أن يديم فضله ويوالي إحسانه، وإنما كان ذلك أرفقَ؛ لأن النوم بعد القيام يريح البدن، ويُذهب ضرر السهر وذبول الجسم بخلاف السهر إلى الصباح، وفيه من المصلحة أيضًا استقبال صلاة الصبح وأذكار النهار بنشاط وإقبالٍ، وأنه أقربُ إلى عدم الرياء؛ لأن من نام السدس الأخير، أصبح ظاهر اللون سليم القوى، فهو أقرب إلى أن يخفى عمله الماضي على مَن يراه. أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد[2].

[1] صحيح البخاري: (2 /63).

[2] فتح الباري: (3/ 16).









ابوالوليد المسلم 10-03-2020 04:09 AM

رد: أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام كتاب الطهارة
 

أقوال العلماء الأعلام على أحاديث عمدة الأحكام

الشيخ فيصل بن عبدالعزيز آل مبارك

حديث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتي الضحى






عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.

♦ قوله: (أوصاني خليلي).
قال الحافظ: (الخليل الصديق الخالص، الذي تخللتْ محبته القلب، فصارت في خلاله؛ أي: في باطنه، واختلف هل الخلة أرفع من المحبة أو بالعكس؟ وقول أبي هريرة هذا لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو كنت متخذًا خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا"؛ لأن الممتنع أن يتخذ هو صلى الله عليه وسلم غيره خليلًا لا العكس، ولا يقال: إن المخاللة لا تتم حتى تكون من الجانبين؛ لأنا نقول: إنما نظر الصحابي إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك، أو لعله أراد مجرد الصحبة أو المحبة[1].

قال: وفي قوله: خليلي، إشارة إلى موافقته له في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا؛ لأن أبا هريرة صبر على الجوع في ملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم.

قال: ويؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التحدث بالنعمة والشكر لله، لا على وجه المباهاة[2]، والله أعلم.

قال البخاري: باب صيام أيام البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة[3]، وذكر الحديث.

قيل: المراد بالبيض الليالي، وهي التي يكون فيها القمر من أول الليل إلى آخره.

قال الحافظ: (جرى البخاري على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وهو ما رواه أحمد والنسائي، وصحَّحه ابن حبان من طريق موسى بن طلحة عن أبي هريرة، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي، فقال: "ما منعك أن تأكل؟"، فقال: إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: إن كنت صائمًا فصم الغرَّ؛ أي: البيض، وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بينه الدارقطني، وفي بعض طرقه عند النسائي: إن كنت صائمًا فصم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وجاء تقييدها أيضًا في حديث قتادة بن ملحان، ويقال: ابن منهال عند أصحاب السنن بلفظ: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، وقال: هي كهيئة الدهر، وللنسائي من حديث جرير مرفوعًا: صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة؛ الحديث، وإسناده صحيح، وكان البخاري أشار بالترجمة إلى أن وصية أبي هريرة بذلك لا تختص به)[4]؛ انتهى.

عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام؛ رواه مسلم.

♦ قال الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب.
♦ قوله: (وركعتي الضحى).
♦ قال البخاري أيضًا: باب صلاة الضحى في الحضر، قاله عتبان بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم[5].

ثم ذكر حديث الباب ولفظه: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهنَّ حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر.

♦ قال الحافظ: قوله: وصلاة الضحى، زاد أحمد في روايته: كل يوم، وفي طريق أخرى وركعتي الضحى، قال ابن دقيق العيد: لعله ذكر الأقل الذي يوجد التأكيد بفعله، وفي هذا دلالة على استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وعدم مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على فعلها لا ينافي استحبابها؛ لأنه حاصل بدلالة القول، وليس من شرط الحكم أن تتضافر عليه أدلة القول والفعل، لكن ما واظب النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، مرجح على ما لم يواظب عليه.

♦ قوله: (وأن أوتر قبل أن أنام)، وفي الطريق الأخرى: ونوم على وتر.

♦ قال الحافظ: (وفيه استحباب تقديم الوتر على النوم، وذلك في حق من لم يثق بالاستيقاظ ويتناول من يصلي بين النومين، وهذه الوصية لأبي هريرة، ورد مثلها لأبي الدرداء فيما رواه مسلم، ولأبي ذر فيما رواه النسائي، والحكمة في الوصية على المحافظة على ذلك، تمرين النفس على جنس الصلاة والصيام؛ ليدخل في الواجب منهما بانشراح، ولينجبر ما لعله يقع فيه من نقص، ومن فوائد ركعتي الضحى أنها تجزئ عن الصدقة التي تصبح على مفاصل الإنسان في كل يوم، وهي ثلاثمائة وستون مفصلًا؛ كما أخرجه مسلم من حديث أبي ذر، وقال فيه: ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى)[6].

♦ قال في الاختيارات الفقهية[7]: وتستحب المداومة على صلاة الضحى إن لم يقم في ليلة، وهو مذهب بعض من يستحب المداومة عليها مطلقًا.

قلت: لكن أبا العباس له قاعدة معروفة، وهي ما ليس من السنن الراتبة لا يداوم عليه حتى يلحق بالراتب؛ كما نص الإمام أحمد على عدم المواظبة على سورة "السجدة"، وهل أتى" يوم الجمعة؛ انتهى والله أعلم.


[1] فتح الباري: (3/ 57).

[2] فتح الباري: (4/ 227).

[3] صحيح البخاري: (3/ 53).

[4] فتح الباري: (4/ 226).

[5] صحيح البخاري: (2/ 73).

[6] فتح الباري: (3/ 57).

[7] الاختيارات الفقهية: (1/ 428).










الساعة الآن : 12:58 AM

Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour


[حجم الصفحة الأصلي: 559.87 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 558.10 كيلو بايت... تم توفير 1.77 كيلو بايت...بمعدل (0.32%)]