رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: صِفة السّيْر في الدَّفعِ مِنْ عَرَفة
عَنْ عُروة قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ وأَنَا شَاهِدٌ، أَوْ قَالَ سَأَلْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْدَفَهُ مِنْ عَرَفَاتٍ، قُلْت:ُ كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. رواه مسلم في الحج (2/936) باب: الإفاضة منْ عَرفات إلى المُزدلفة، واسْتحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعاً بالمُزدلفة في هذه الليلة، وقد رواه الإمام البخاري في الحج (1666) وبوّب عليه: بَابُ السَّيْرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ. في هذا الحَديثِ يَروي التَّابِعيُّ عُروةُ بنُ الزُّبَيرِ أنَّه كان جالساً مع الصَّحابيِّ أُسامةَ بنِ زَيدٍ -رَضيَ اللهُ عنهما-، فسُئِلَ أُسامةُ عن سَيرِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَداعِ، حين دَفَعَ - صلى الله عليه وسلم - وأفاضَ مِن عَرَفاتٍ إلى مُزدَلِفةَ، فأخبَرَهم أنَّه كان يَسيرُ العَنَقَ، أيْ: يَسيرُ سَيراً مُتوسِّطاً لا يُسرِعُ فيه، لِئلَّا يُضايِقَ النَّاسَ ويُؤذيَهم، ولِيَكونَ قُدوةً لِغيرِه في ذلك، فإذا وَجَدَ فَجْوةً بَينَ النَّاسِ وطَريقاً واسِعاً فَسيحاً نَصَّ، أيْ: أسرَعَ في سَيرِه في هذا المَكانِ الواسِعِ.قال البخاري عقب روايته للحديث: قَالَ هِشَامٌ: والنَّصُّ فَوْقَ العَنَقِ. ثم قال البخاري: فَجْوَةٌ: مُتَّسَعٌ، والْجَمِيعُ فَجَوَاتٌ وفِجَاء. اهـ. وكذلك جاء في رواية مسلم أنه من تفسير هشام أيضا. قال النووي: أَمَّا الْعَنَق فَبِفَتْحِ الْعَيْن وَالنُّون، وَالنَّصّ بِفَتْحِ النُّون وَتَشْدِيد الصَّاد الْمُهْمَلَة هُمَا نَوْعَانِ مِنْ إِسْرَاع السَّيْر، وَفِي الْعَنَق نَوْع مِنْ الرِّفْق. و«الْفَجْوَة» بِفَتْحِ الفَاء: المَكَان المُتَّسِع. اهـ. قال ابن المنذر: وحديث أسامة يدلّ أنّ أمْره بالسّكينة، إنّما كان في الوقت الذي لمْ يَجد فَجْوة، وأنّه حين وَجَدَ فَجْوة، سَار سَيراً فوق ذلك، وإنّما أرادَ بالسّكينة في وقتِ الزّحام. نَقَله ابن بطّال. فأسامة بن زيد - رضي الله عنه - كان رديفَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - حينما دَفَع -صلى الله عليه وسلم - مِنْ عَرَفة، والدّفع ليس خاصّاً بالخُروج منْ عَرفة، فقد جاء في الحديث: «دفع مِنَ المُزدلفة قبل أنْ تطلع الشّمس». رواه النسائي. صفة حجته -صلى الله عليه وسلم - وفي حديث جابر في صفة حجته - صلى الله عليه وسلم -: «وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، ودَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ، كُلَّمَا أَتَى حَبْلا مِنْ الحِبَالِ، أَرْخَى لَهَا قَلِيلا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ». رواه مسلم.و«الحِبَال» هُنَا بِالحَاءِ المُهْمَلَة المَكْسُورَة جَمْع حَبْل، وهُوَ التَّلّ اللَّطِيف مِنْ الرَّمْل الضَّخْم. وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ عَرَفَةَ فَسَمِعَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم - ورَاءَهُ زَجْراً شَدِيداً وَضَرْباً، وصَوْتاً لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهم، وقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ البِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ». رواه البخاري. وقال: أَوْضَعُوا: أَسْرَعُوا. فوائد الحديث
إن الدين عند الله الإسلام لما أهبط الله -عز وجل- آدم -عليه السلام- إلى الأرض أهبطه إليها مسلمًا موحدًا، ولما خاطب نوح -عليه السلام- قومه قال لهم: {وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس: 72)، ويحكي القرآن عن إبراهيم -عليه السلام- وسرعة استجابته للإسلام فيقول: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (البقرة: 131)، ومرة أخرى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران: 67)، والإسلام هو وصية كل نبي لقومه ولأولاده من بعده: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 132)، ويعقوب -عليه السلام- بدوره يختبر أبناءه ليطمئن أنهم لن يغيروا أو يبدلوا: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة: 133)، ووصية موسى -عليه السلام- لقومه: {يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ} (يونس:84)، وهو ما علَّمه عيسى -عليه السلام-للحواريين ثم اختبرهم فيه: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: 52)، وهكذا ما بُعِث نبي ولا أُرسِل رسول إلا بالإسلام. لذلك تجد القرآن الكريم يقرر في وضوح وجلاء قائلًا: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} (آل عمران: 19)، ولا عجب إذًا أن يقولها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «.. والأنبياء إخوة لعَلَّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد»، «ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع»، ولأن الدين عند الله -عزوجل- واحد؛ هو الإسلام لا سواه، فأنه لن يقبل من مخلوق يوم القيامة أي دين آخر سوى دين الإسلام: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85)؛ «يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وأن كل دين سواه غير مقبول عنده؛ لأن الدين الصحيح ما يأمر الله به ويرضى عن فاعله ويثيبه عليه، والسنة النبوية في هذا الصدد واضحة ظاهرة تقول في جلاء: «إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة»، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار».اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة
عن عبداللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ المَغْرِبِ والْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَكَانَ عبداللَّهِ يُصَلِّي بِجَمْعٍ كَذَلِكَ، حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ -تعالى-. الحديث رواه مسلم في الحج (2/937) باب: الإفاضة منْ عَرَفات إلى المُزْدلفة، واسْتحباب صلاتي المغرب والعشاء جميعاً بالمُزدلفة في هذه الليلة. قوله: «جَمَعَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - المغرب والعشاء بجمع» قال الحافظ: أي: المزدلفة، وسُميت «جَمعًا»؛ لأنّ آدم اجْتمع فيها مع حوّاء، وازدلف إليها، أي: دَنَا منها، وروى عن قتادة أنّها سُمّيت جمعاً؛ لأنّها يُجْمع فيها بين الصّلاتين، وقيل: وُصِفت بفِعل أهلها؛ لأنّهم يَجتمعون بها ويزْدلفون إلى الله، أي: يَتقرّبون إليه بالوقُوف فيها، وسُمّيت المُزدلفة، إمّا لاجتماع الناس بها، أو لاقترابهم إلى مِنى، أو لازْدلاف الناس منها جميعاً، أو للنُّزول بها في كلّ زلفة مِنَ الليل، أو لأنّها منزلة وقُربة إلى الله، أو لازْدلاف آدم إلى حَواء بها. قوله: «لَيْسَ بَيْنَهُمَا سَجْدَةٌ» وفي لفظ: «ولمْ يُسبِّح بَينهما» أي: لمْ يَتنفّل، وفي لفظ: «ولا على إثْر كلّ واحدةٍ منْهما» أي: عَقِبها، ويستفاد منه أنّه ترك التنفل عقب المغرب وعَقِب العشاء، ولمّا لمْ يكن بين المَغرب والعشاء مُهلة، صرّح بأنّه لمْ يتنفّل بينهما، بخِلاف العشاء، فإنّه يَحْتمل أنْ يكونَ المُراد أنّه لمْ يتنفّل عَقِبها، لكنّه تنفَّل بعد ذلك في أثناءَ الليل. ورواه البخاري في: باب: مَنْ أذَّن وأقامَ لكلّ واحدةٍ منْهما. عن عبدالرحمن بن يزيد يقول: حجّ عبدالله - رضي الله عنه -، فأتينا المُزْدلفة حين الأذان بالعَتَمة، أو قريباً منْ ذلك، فأمرَ رجلًا فأذّنَ وأقام، ثمّ صلّى المَغرب وصلّى بعدها ركعتين، ثمّ دَعا بعَشائه، فتعشَّى، ثمّ أمَرَ رجلًا فأذّن وأقام، وقال البخاري أيضاً: باب: الجَمْع بين الصّلاتين بالمزدلفة. وذكر حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: دَفَعَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - منْ عَرَفة، فنَزَل الشِّعب، فبالَ ثمّ تَوضّأ، ولمْ يُسْبغ الوُضُوء، فقلت له: الصّلاة؟ فقال: «الصّلاةُ أمَامَك»، فجَاءَ للمُزْدَلفة فتوضَّأ فأسبَغ، ثمّ أُقِيمت الصّلاة، فصَلّى المَغْرب، ثمّ أناخَ كلُّ إنْسانٍ بعيره في مَنْزله، ثمّ أُقِيمت الصّلاة، فصلّى ولمْ يُصلّ بينهما. ولمسلم: «فأقامَ المَغْرب، ثمّ أنَاخَ النّاس، ولمْ يَحُلُّوا حتّى أقامَ العِشاء، فصَلُّوا ثمّ حلُّوا»، قال الحافظ: وكأنّهم صَنَعوا ذلك رِفْقاً بالدّواب، أو للأمْنِ مِنْ تَشوُّشهم بها، وفيه إشعارٌ بأنّه خفَّف القراءة في الصّلاتين. وفيه: أنّه لا بأسَ بالعَمل اليَسِير بين الصّلاتين اللتين يُجْمعُ بيْنَهما، ولا يَقْطعُ ذلك الجَمع. انتهى. أي: لمّا غَربت الشّمس مِنْ يوم عَرَفة، انْصرفَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - منْها إلى «مزدلفة»، فصلَّى بها المَغْرب والعِشاء جَمع تأخير، بإقامةٍ لكلّ صلاة، ولمْ يُصَلِّ نافلة بينهما، تحقيقاً لمعنى الجَمع، ولا بعدهما، ليأخذ حظّه مِنَ الرّاحة، اسْتعداداً لما بعدها من مناسك. حكم الإمام إن كان مكيا وقال ابنُ رشد في (بداية المُجْتهد): «واخْتلَفُوا إذا كان الإمام مَكيًّا، هل يقصر بمِنَى الصلاة يوم التروية، وبعَرفة يوم عَرفة، وبالمُزدلفة ليلة النّحر إنْ كان مِنْ أحد هذه المواضع؟ فقال مالك والأوزاعي وجماعة: سُنّة هذه المواضع: التّقصير، سواءً كان مِنْ أهلها، أم لمْ يكنْ، وقال الثوري وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور وداود: لا يَجُوز أنْ يَقصُر مَنْ كان مِنْ أهْل تلك المواضع. وحُجّة مالك: أنّه لمْ يرو أن أحداً أتَمّ الصلاة معه - صلى الله عليه وسلم -، أعْنِي بعد سلامه منها، وحُجّة الفريق الثاني: البقاء على الأصْل المَعْرُوف: أنّ القَصْر لا يجوز إلا للمُسَافر، حتّى يَدلّ الدليلُ على التخصيص انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ويَجْمع ويَقصُر ومزدلفة وعرفة مطلقًا، وهو مذهب مالك وغيره من السلف، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، واختاره أبو الخطاب في عبادات ولا يشترط للقصر والجمع نيّة، واختاره أبو بكر عبدالعزيز بن جعفر وغيره» انتهى. وقوله: «وصَلّى المَغْربَ ثلاثَ رَكَعات، وصَلّى العِشَاء رَكْعتين» فيه دَليلٌ على أنّ المغرب لا يُقْصَر، بل يُصَلّى ثلاثاً أبَداً، وكذلك أجمع عليه المسلمون، وفيه: أنّ القَصرَ في العِشَاء وغيرها مِنَ الرُّباعيات أفْضل. من فوائد الحديث
باب: صلاةُ المَغْرب والعِشَاء بالمُزْدَلفةِ بإقَامةٍ واحِدة عن سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قال: أَفَضْنَا مَعَ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- حَتَّى أَتَيْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: هَكَذَا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي هَذَا الْمَكَانِ. الحديث رواه مسلم (2/938) في الباب السابق نفسه. وفي حديث جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما-، في وَصْف حَجّة الرّسُول - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثُمّ أذَّنَ ثُمّ أقامَ، فَصَلّى الظُّهرَ، ثُمّ أقامَ فَصَلّى العَصْر، ولمْ يُصلّ بينهما شيئا، قال: حتّى أتَى المُزْدلفة فَصَلّى بها المَغْربَ والعِشَاء، بأذانٍ وَاحدٍ وإقَامَتين». رواه مسلم (1218). قال ابنُ قدامة في «المغني»: «فإنْ جَمَعَ بينَ صَلاتين في وقتِ أُولاهُما، اسْتُحبّ أنْ يُؤذّنَ للأولى ويُقيم، ثُمّ يُقيم للثّانية، وإنْ جَمَع بينهما في وقتِ الثانية، فهُما كالفائتتين، لا يتأكّدُ الأذانُ لهما؛ لأنّ الأُولى منْهما تُصلّى في غَيرِ وَقْتها، والثانية مسبوقة بصَلاةٍ قبلها، وإنْ جَمَع بينهما بإقامةٍ واحِدة، فلا بأس. انتهى - يجوزُ الفَصْل بين الصّلاتين المَجْمُوعتين، بإقامةٍ ووُضُوء خَفيف، عند الجُمْهور. - وأمّا حُكْمُ الأذان والإقامة: فهُما فَرضُ كفاية، فيكفي عن الجَمَاعة أنْ يُؤذّن ويقيم أحدُهم، ولا يُطلب ذلك مِنْ كلّ واحدٍ مِنَ الجَماعة، فإذا كانوا في بلدٍ قد أَذّنَ فيه المؤذنُون في المساجد، كفَاهم ذلك، وأقَامُوا لكلّ صَلاة. الدَّليل على فَرَضِيتهما قال الشيخُ مُحمّد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: «والدَّليل على فَرَضِيتهما- أي: الأذان والإقامة-: أَمْرُ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بِهما في أحاديث عِدَّة، ومُلازمته لهما في الحَضَر والسَّفر، ولأنّه لا يتمُّ العِلْم بالوَقتِ إلا بِهما غالبًا، ولتعيُّن المَصْلحة بهما، لأنَّهما مِنْ شَعَائر الإسْلام الظَّاهرة، وهُما واجبان على المُقيمِين والمُسَافرين، ودليله: أنَّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لمالك بن الحويرث وصحبِه: «إذا حَضَرت الصَّلاةُ، فليُؤذِّن لكُم أحدُكُم»، متفق عليه. وهُم وَاِفدُون على الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، مُسَافرون إلى أهْليهم، فقد أمَر الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُؤذِّن لهم أحدُهم، ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمْ يَدَعِ الأذان ولا الإقامة، حَضَراً ولا سَفَراً، فكان يُؤذِّن في أسْفاره، ويأمُر بلالاً أن يُؤذِّنَ.اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: تقديم الظُّعن مِنَ مزدلفة
عن عبداللَّهِ مَوْلَى أَسْمَاءَ قَالَ: قَالَتْ لِي أَسْمَاءُ وَهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ: هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَتْ: ارْحَلْ بِي، فَارْتَحَلْنَا حَتَّى رَمَتْ الجَمْرَة،َ ثُمَّ صَلَّتْ فِي مَنْزِلِهَا، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ هَنْتَاهْ، لَقَدْ غَلَّسْنَا؟ قَالَتْ: كَلَّا أَيْ بُنَيَّ، إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَذِنَ لِلظُّعُنِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/940) في الباب السابق، ورواه البخاري (1679) في كتاب الحج، باب: مَنْ قَدّمَ ضَعفةَ أهْله بليلٍ فيقفون بالمزدلفة ويَدْعُون، ويَقدُم إذا غَابَ القَمر. في هذا الحديثِ يُخبِرُ عبداللهِ وهو ابنُ كَيسانَ، القُرَشي التّميمي مولاهم، مَولى أسماء بنتِ أبي بكْرٍ الصِّدِّيقِ، ثقة، قال: إنَّ أسْماءَ بنتَ أبي بكْرٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- قَالَتْ له «وهِيَ عِنْدَ دَارِ الْمُزْدَلِفَةِ» أي: وهي نازلةٌ عند الدّار المَبْنيّة في مُزدلفة، وهي مَشهورةٌ في ذلك الزّمن في مُزْدلفة، فهي نزَلَتْ لَيلَةَ العاشرِ مِن ذي الحجَّةِ، بعدَ الإفاضةِ مِن عَرَفاتٍ إلى مُزْدَلِفةَ، والمُزدلِفةُ: كما مرّ معنا: اسمٌ للمكانِ الذي يَنزِلُ فيه الحَجيجُ بعْدَ الإفاضةِ مِنْ جبَلِ عَرَفاتٍ، ويَبيتونَ فيه لَيلةَ العاشرِ مِنْ ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحَرامُ، وتُسمَّى جَمْعاً، وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حوالي (12) كم. إحياء أسماء لبعض الليل فأحيَتْ أسْماءُ -رضي الله عنها- بعضَ اللَّيلِ، بالعِبادةِ والصَّلاةِ، ثمَّ قالت لِمَولاها عبداللهِ: يا بُنيَّ، هلْ غابَ القمَرُ؟ فأجابَها بـ«لا»، فواصَلَت إحياءَ لَيلِها بالصَّلاةِ والدُّعاءِ، كما في قوله: «فَصَلَّتْ سَاعَةً» أي: استَمرَّت في الصّلاة، ثُمَّ قَالَتْ: «يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ الْقَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ» حتَّى غابَ القَمرُ، ومَغيبُ القمَرِ تلك اللَّيلةَ يَقَعُ عندَ أوائلِ الثُّلثِ الأخيرِ، قبْلَ الفجْرِ بنحْوِ ساعةٍ ونِصفٍ إلى ساعتينِ، وسَببُ سُؤالِها: لِتَعلَمَ كمْ بَقِيَ مِن اللَّيلِ؟ فقدْ كُفَّ بَصَرُها في آخر حَياتِها -رَضيَ اللهُ عنها-، قال الحافظ: ومَغيبُ القَمَر تلك الليلة يقع عند أوائل الثُّلث الأخير، ومَنْ ثَمَّ قَيّده الشافعي ومَنْ تَبعه بالنّصْف الثاني. انتهى. ثم انْصَرَفَت إلى مِنًى- وهو كما ذكرنا- وادٍ يُحيطُ به الجِبالُ، يقَعُ في شرْقِ مكَّةَ على الطَّريقِ بيْن مكَّةَ وجبَلِ عَرفةَ، ويَبعُدُ عن المسجِدِ الحرامِ نحوَ (6 كم) تَقريباً، وهو مَوقعُ رمْيِ الجَمراتِ، فلمَّا وصَلَتْ إليها، رمَتْ جَمرةَ العَقبةِ في آخِرِ اللَّيلِ قبْلَ الفَجرِ، ثمَّ رَجَعَت فصَلَّت الصُّبحَ في مَكانِها الذي نزَلَتْه في مِنى، فقالَ لها مَولاها: «يا هَنْتَاهُ» أي: يا هذِه، قال ابن الأثير: وتُسكّن الهاء التي في آخرها وتُضم، ويقال في التّثنية: يا هنتان في المُؤنث، وفي جَمْعه: يا هنتان وهنوات، وفي المذكر: يا هَن ويا هَنان ويا هنون، وأصْله مِنَ الهَن، ويُكنى به عن نكرة كلّ شيء، فقولك للمُذكّر: يا هَن، كقولك: يا رجل، وقولك للأنثى: يا هنة، كقولك: يا امْرأة. قوله: «لقد غَلَّسْنَا» قوله: «لقد غَلَّسْنَا» أي: جِئنا بِغَلَسٍ، وهو ظَلامُ آخِرِ اللَّيلِ، والمَعنى: أنَّنا تَسرَّعنا في الرَّحيلِ مِن مُزْدَلِفةَ، ورَمْيِ الجَمْرةِ باللَّيلِ، فأجابَته بأنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ ورخَّصَ لِلظُّعُنِ، والظُّعُنِ: جَمْعُ ظَعينةٍ، وهي المرأةُ في الهَودجِ، ثمَّ أُطلِقَ على المَرأةِ مُطلقاً، أي: رَخَّص للنِّساءِ في النُّزولِ مِن مُزْدَلِفةَ إلى مِنًى، في آخِرِ اللَّيلِ قبلَ الفَجرِ، ليَكونَ أبعَدَ عن مَشقَّةِ الزِّحامِ. قال النووي -رحمه الله-: «إن النّبّي - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ للظُّعُن» بضم الظّاء والعين، وبإسكان العين أيضاً، وهنّ النّساء، الواحدة ظعينة، كسَفينة وسُفُن، وأصلُ الظّعينة: الهَودج الذي تكونُ فيه المَرأة على البَعير، فسمّيت المَرأةُ به مَجازًا، واشتُهر هذا المَجاز حتّى غلب، وخفيت الحقيقة، وظَعينة الرّجل امرأته اهـ. (شرح مسلم) (9/40)، وقال صاحب المُغني: لا نعلمُ خِلافاً في جَواز تقديم الضّعَفة بليلٍ مِنَ جمع إلى مِنى اهـ، وسبب سُؤالها: نشأ مِنْ عَمَاها الذي عَرَضَ لها في آخر عُمْرها -رضي الله عنها. قوله: «فارْتَحلنا» قوله: «فارْتَحلنا» أي: إلى مِنَى «حتّى رَمَت الجَمْرة» أي: جَمْرة العَقَبة «ثمَّ» بعد رَمْيها «صَلّت» أي: صَلاةَ الصُّبْح «في مَنْزلها» بمِنَى «فقلت لها أي هنتاه» أي: يا هذه، وهو بفتح الهاء وبعدها نون ساكنة أو مفتوحة وإسْكانها أشهر ثمَّ تاء مثناة من فوق. قال الحافظ: واستدلّ بهذا الحديث على جواز الرّمي قبل طُلوع الشّمس، عند مَنْ خَصّ التّعجيل بالضّعفة، وعند مَنْ لمْ يُخصّص. وخالف في ذلك الحَنفيّة فقالوا: لا يَرمي جَمرة العَقبة إلا بعد طُلوع الشمس، فإنْ رَمى قبلَ طلوع الشّمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإنْ رَماها قبل الفَجر أعَادها، وبهذا قال أحمد، وإسحاق والجمهور، وزاد إسحاق: ولا يرميها قبل طُلوع الشّمس. وبه قال النخعي، ومجاهد، والثوري، وأبو ثور، ورأى جواز ذلك قبل طُلوع الفجر: عطاء، وطاوس، والشعبي، والشافعي. واحْتجّ الجُمْهور: بحديث ابن عمر الماضي قبل هذا، واحتجّ إسْحاق بحديث ابن عباس: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال لغِلْمان بني عبدالمطلب: «لا تَرْمُوا الجَمْرة حتّى تَطْلعَ الشّمْس» وهو حديثٌ حَسن، أخرجه أبو داود، والنسائي، والطّحاوي، وابن حبان... قال: وإذا كان مَنْ رخّص له، منع أنْ يَرمي قبلَ طُلوع الشّمْس، فمَنْ لمْ يرخص له أولى. واحتج الشافعي بحديث أسماء هذا. ويُجْمع بينه وبين حديثِ ابن عباس، بحَمل الأمر في حديث ابن عباس على النّدْب، ويؤيده ما أخرجه الطحاوي: من طريق شعبة مولى ابن عباس عنه قال: بعثني النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أهله، وأمرني أن أرمي مع الفجر. وقال ابن المنذر: السُّنّة ألا يَرْمي إلا بعد طُلوع الشّمس، كما فَعلَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَجوز الرّمي قبل طُلوع الفجر؛ لأنّ فاعله مُخالفٌ للسّنّة، ومَنْ رَمَى حينئذ فلا إعَادة عليه؛ إذْ لا أعْلم أحداً قال: لا يُجْزئه. قال الحافظ: واسْتدلّ به أيضاً: على إسْقاط الوقُوف بالمَشْعر الحَرام عن الضّعَفة، ولا دلالة فيه؛ لأنّ رواية أسْماء، ساكتة عن الوُقُوف، وقد بيّنته رواية ابن عمر التي قبلها. اختلاف السلف في هذه المسألة وقد اختلفَ السلفُ في هذه المسألة، فكان بعضُهم يقول: مَنْ مَرّ بمُزْدلفة، فلمْ يَنزلْ بها فعليه دَمٌ، ومَنْ نَزَل بها، ثمّ دَفَع منْها، في أيّ وقتٍ كان مِنَ الليل، فلا دَمَ عليه، ولو لم يقفْ مع الإمام، وقال مجاهد، وقتادة، والزُّهري، والثّوري: مَنْ لمْ يقفْ بها، فقد ضَيّع نُسُكاً وعليه دَمٌ، وهو قولُ أبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وروي عن عطاء، وبه قال الأوزاعي لا دم عليه مطلقاً وإنّما هو منزل من شاء نزل به ومن شاء لم ينزل به. وذهب ابن بنت الشافعي، وابن خزيمة إلى أنّ الوقُوف بها رُكنٌ لا يتمّ الحَجّ إلا به. وأشار ابن المنذر إلى تَرْجيحه، ونقله ابن المنذر، عن علقمة، والنخعي، والعجبُ أنّهم قالوا: مَنْ لمْ يقف بها، فاته الحج، ويَجعل إحْرامه عُمْرة. واحتجّ الطّحاوي: بأنّ الله لمْ يذكر الوقوف، وإنّما قال: {فاذْكُروا اللهَ عندَ المَشْعرِ الحَرَام}. وقد أجْمعوا على أنّ مَنْ وَقَفَ بها بغير ذِكْر، أنّ حَجّه تَامٌّ، فإذا كان الذّكر المَذكور في الكتاب، ليس مِنْ صُلب الحج، فالمَوطن الذي يكون الذّكر فيه، أحْرَى أنْ لا يكون فرْضاً. قال: وما احتجوا به منْ حديث عروة بن مضرس- وهو بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها مهملة - رفعه قال: «مَنْ شَهِدَ معنا صلاة الفَجر بالمُزْدلفة، وكان قد وَقفَ قبلَ ذلك بعَرَفة ليلاً أو نَهاراً، فقد تَمّ حَجّه». لإجماعهم أنّه لو بات بها، ووقف ونام عن الصلاة، فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أنّ حجّه تام. انتهى. وحديث عروة: أخرجه أصحابُ السنن، وصحّحه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم ولفظ أبي داود عنه: أتَيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - بالمَوقف- يعني بجَمع - قلت: جئتُ يا رسُول الله، مِنْ جبل طيئ، فأكللتُ مَطيّتي، وأتْعبتُ نفسِي، والله ما تركتُ مِنْ جبلٍ إلا وَقَفتُ عليه فهل لي مِنْ حَج؟ فقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «منْ أدركَ مَعنا هذه الصّلاة، وأتى عَرفات قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تمّ حَجّه، وقَضَى تَفَثه». وللنسائي: «مَنْ أدْركَ جَمْعاً مع الإمامِ والناس، حتّى يُفيضُوا فقدْ أدْرك الحَجّ، ومَنْ لمْ يُدْرك مع الإمامِ والناس، فلمْ يُدْرك»، وقد ارْتكبَ ابنُ حزم الشّطط، فزَعم أنّه مَنْ لمْ يُصلّ صلاة الصّبْح بمُزْدلفة مع الإمام، أنّ الحَج يفوته، الْتزاماً لما ألْزمه به الطّحاوي، ولمْ يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على الإجْزاء، كما حكاه الطّحاوي، وعند الحنفية: يجب بترك الوقوف بها دم لمن ليس به عذر، ومن جملة الأعذار عندهم الزحام. انتهى باختصار (الفتح) (3/528-529). فوائد الحديث
|
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
https://al-forqan.net/wp-content/upl...0/شرح-مسلم.jpg شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: التّغْلِيس بصَلاة الصُّبْح بالمُزْدلفة
عَنْ عبداللَّهِ بن مسعود - رضي الله عنه - قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ المَغْرِبِ والعِشَاءِ بِجَمْع،ٍ وصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا، الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/938) باب: استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النّحر بالمزدلفة، والمبالغة فيه بعد تحقّق طُلوع الفجر، وأخرجه البخاري في (كتاب الحَج) حديث (1682) باب: متّى يُصلّي الفَجْر بجَمع». قوله: «ما رأيتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى صلاة إلا لمِيقاتها، إلا صلاتين: صلاةَ المَغرب والعِشاء بجَمع، وصلّى الفَجرَ يومئذٍ قبلَ مِيقاتها» معناه: أنّه صلى المغرب في وقت العشاء بجَمع، وهي المُزْدلفة، وصَلّى الفجر يومئذ قبلَ ميقاتها، أي: المُعْتاد، ولكنْ بعد تحقّق طلوع الفجر. قوله: «قبلَ وَقْتها» فقوله: «قبلَ وَقْتها» المُراد: قبلَ وَقْتها المُعتاد، لا قبلَ طُلوع الفَجر، لأنّ ذلك ليسَ بجائزٍ بإجْماع المسلمين، فيَتعَيّن تأويله على ما ذكرناه، وقد ثبتَ في صحيح البُخاري في هذا الحديث: أنّ ابنَ مَسْعود صلّى الفَجْر حينَ طَلَعَ الفَجْر بالمُزْدلفة، ثمّ قال: «إنّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صلّى الفَجْر هذه السّاعة»، وفي رواية: «فلمّا طَلَعَ الفَجْر قال: «إنّ رسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - كانَ لا يُصلّي هذه السّاعة، إلا هذه الصّلاة في هذا المَكان منْ هذا اليوم». قيل: كان يُبكِّرُ مِنْ أجْلِ أنْ يَتَّسِعَ الوقتُ للذِّكرِ والدُّعاءِ، لأنَّ ما بيْن صَلاةِ الفجْرِ ودفْعِ الناسِ إلى مِنىً، مَحلُّ ذِكرٍ ودُعاءٍ. وأيضًا: لِيتَّسِعَ الوقتُ لِما بيْن أيْدِيهم مِنْ أعْمالِ يومِ النّْحْرِ مِنَ المَناسِكِ. اسْتحباب الصّلاة في أوّل الوقت قال النووي: «وفي هذه الرّوايات كلّها حُجّةٌ لأبي حنيفة في اسْتِحباب الصّلاة في آخر الوقت في غير هذا اليوم، ومَذْهبنا ومذهب الجُمهور: اسْتحباب الصّلاة في أوّل الوقت في كلّ الأيام، ولكنْ في هذا اليوم أشدّ اسْتِحباباً، وقد سبق في كتاب الصلاة إيضاح المسألة بدلائلها، وتُسنُّ زيادة التّبْكير في هذا اليوم. قال: وأجابَ أصحابنا عن هذه الروايات بأنّ معناها: أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان في غير هذا اليوم، يتأخّرُ عن أوّل طُلوع الفَجر لَحْظة، إلى أنْ يأتيه بلالٌ، وفي هذا اليوم لمْ يَتأخّر، لكثرة المَناسك فيه، فيَحتاج إلى المُبالغة في التّبكير، ليَتّسع الوقتُ لفِعل المناسك. والله أعلم». والجوابُ لأصْحاب أبي حنيفة أيضاً عن هذا الحديث: أنّه مَفْهُوم، وهم لا يقولون به، ونحنُ نقولُ بالمفهوم، ولكنْ إذا عارضه مَنْطُوقٌ، قدّمناه على المفْهُوم، قد تظاهرت الأحاديثُ الصّحيحة بجواز الجَمْع، ثم هو مَتْروك الظّاهر بالإجْماع في صَلاتي الظّهر والعصر بعرفات. وفي البخاري: عن عبدالرحمنِ بنِ يزيدَ قالَ: خرجْنا مع عبداللهِ - رضي الله عنه - إلى مكةَ، ثمّ قَدِمنا جمعًا فصلى الصلاتينِ: كُلُّ صلاةٍ وحدها بأذانٍ وإقامةٍ، والعشاءُ بينهما، ثمّ صَلّى الفجرَ حين طلعَ الفجرُ- قائلٌ يقولُ طلعَ الفجرُ، وقائلٌ يقولُ لم يطلعِ الفجرُ- ثمّ قالَ: إنّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: «إنّ هاتين الصّلاتينِ حُوّلتا عن وقتِهما في هذا المكانِ: المَغربَ والعشاءَ، فلا يَقدَمُ الناسُ جمعاً حتّى يُعْتِمُوا، وصلاةُ الفجرِ هذه الساعةُ». ثمّ وقفَ حتّى أسفرَ، ثمّ قالَ- أي عبدالله-: لو أن أميرَ المؤمنين أفاضَ الآن أصابَ السنةَ. فما أدري: أقولُه كان أسرعَ، أم دفعُ عثمانَ - رضي الله عنه -، فلم يزلْ يلبي حتى رمى جمرةَ العقبةِ يومَ النحرِ. فوائد الحديث 1- مُبادَرةُ الحاجِّ بصَلاتي المغرِبِ والعِشاءِ جَمعا، أوَّلَ قُدومِه المُزدلِفةَ. 2- وفيه: التَّبكيرُ بالفجْرِ في أوَّلِ وَقتِه صَبيحةَ يومِ النَّحرِ. 3- قد ظَهَرَ جَلِيًّا في مَناسِكِ الحجِّ مِن التَّيسيرِ على الناسِ، ورَفْعِ المَشقَّةِ عنهم، ورَحمتِه -سبحانه- خُصوصًا بالضُّعفاءِ والنِّساءِ، ما قال اللهُ -تعالى- فيه: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185). وقال: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} (الحج: 78). باب: الإفاضَة مِنْ جَمْع بليلٍ للمرأة الثقيلة عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ تَدْفَعُ قَبْلَهُ، وقَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وكَانَتْ امْرَأَةً ثَبِطَةً- يَقُولُ الْقَاسِمُ: والثَّبِطَةُ الثَّقِيلَةُ- قَالَ: فَأَذِنَ لَهَا فَخَرَجَتْ قَبْلَ دَفْعِهِ، وحَبَسَنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا فَدَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، ولَأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَمَا اسْتَأْذَنَتْهُ سَوْدَةُ، فَأَكُونَ أَدْفَعُ بِإِذْنِهِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/939) باب: اسْتِحباب تقديم دَفع الضّعفة منَ النّساء وغيرهنّ منْ مُزْدلفة إلى مِنى في أواخر الليالي قبلَ زَحمة الناس، واسْتحباب المُكث لغيرهم حتى يُصلّوا الصُّبح بمُزْدلفة. في هذا الحديثِ تروي أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّ أمَّ المؤمنينَ سَودةَ بنتَ زَمْعةَ -رضي الله عنها- كانَت ضَخمةً، أي: سَمينةً ثَقيلةَ الحركةِ، فاستَأذَنَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ تَنزِلَ مِن مُزْدَلِفَةَ آخرَ اللَّيلِ، وتَذهَبَ إلى مِنًى لِتَرمِيَ الجمْرةَ قبلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، أي: شِدَّةِ زِحامِ النَّاسِ؛ لأنَّ بَعضَهم يَحطِمُ بَعضًا مِن الزِّحامِ، فأَذِنَ - صلى الله عليه وسلم - لها بالنُّزولِ في آخِرِ اللَّيلِ، فنَزَلَت قبْلَ الفَجرِ. المزدلفة والمُزدلِفةُ كما سبق اسمٌ للمكانِ الذي يَنزِلُ فيه الحجيجُ بعْدَ الإفاضةِ مِنْ عَرَفاتٍ، ويَبيتونَ فيه لَيلةَ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وفيه المَشعَرُ الحرامُ، وتُسمَّى جَمْعاً، وتَبعُدُ عن عَرَفةَ حوالي (12 كم)، وهي بجِوارِ مَشعَرِ مِنًى، ومِنًى: وادٍ قُربَ الحَرَمِ المَكِّيِّ، يَنزِلُه الحُجَّاجُ لِيَبيتوا فيه يَومَ التَّرويةِ، وأيَّامَ التَّشريقِ، ويَرْموا فيه الجِمارَ. قوله: «قبل حَطَمة الناس» بفتح الحاء أي: زحمتهم. قوله: «وكانت امْرأةً ثبطة» هي بفتح الثاء المثلثة وكسر الباء الموحدة وإسكانها، وفسّره في الحديث بأنّها: الثقيلة، أي: ثقيلة الحركة بطيئة، مِنَ التثبيط وهو التعويق. ثمَّ قالتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ -رضي الله عنها-: وأقمْنَا حتَّى أصبَحْنا نَحنُ سائرَ أهلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ دَفَعْنا مِن المُزدلِفةِ إلى مِنًى مع رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وذلك عندَ الإسفارِ، وهو ظُهورُ ضَوءِ النَّهارِ. فلمَّا رَأَت عائشة -رضي الله عنها- شِدَّةَ الزِّحامِ، تَمنَّت لو كانَت فَعَلَت كما فَعَلَت سَوْدَةُ -رضي الله عنها-، ولو أنَّها استأذَنَت مِثلَها لَسُرِرَتْ كَثيراً، ولَفَرِحَتْ فَرَحاً عَظيماً أكثَرَ مِن فَرَحِها بأيِّ شَيءٍ يُفرَحُ به، بالتَّخلُّصِ مِن ذلك التَّعبِ الَّذي عانَتْه مِن شِدَّةِ الزِّحامِ. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: تَلْبيةُ الحاجّ حتّى يَرْمي جَمْرة العَقَبة عَنْ عَطَاءٍ عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنْ جَمْعٍ، قَالَ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضْلَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/931) باب: اسْتحباب إدامة الحاجّ التلبية حتّى يَشْرع في رمي جَمْرة العقبة يوم النّحر، وأخرجه الستّة بألفاظٍ مُختلفة. يحدثُ ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أرْدَفَ الفَضْل»، أي: أنّه - صلى الله عليه وسلم - صلى الفَجر في مُزْدلفة، وبقي بها حتّى الإِسْفار، ثمّ رَكِبَ راحلته مُتَوجّهاً إلى مِنَى، وأرْدَفَ الفَضْل بن العبّاس، أي: أرْكبَه خَلْفه بين مُزْدلفة ومِنْى على راحلته. فأخبرَ الفَضْلُ بن عباس -رضي الله عنهما-، وحَدّثه عن تلبية الرّسُول - صلى الله عليه وسلم - حديث شاهد عيان، وأخبره عمّا أبْصرَه بعينه، وسمعه بأذنه، فذَكَرَ «أنّه لمْ يَزْل» النبي - صلى الله عليه وسلم - «يُلبّي حتّى رَمَى جَمْرةَ العَقَبة» أي: أنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم- اسْتمرّ في التّلْبية ليلةَ عِيد النّحر، وصَبيحة يوم النّحر إلى أنْ رَمَى جَمْرة العَقَبة، فلمْ يَقْطع التلبية، حتّى رَمَى جَمرة العَقبة، يومَ النَّحْرِ، وهو يومُ العاشِرِ مِنْ ذي الحِجَّةِ، وكان ذلك في حَجَّةِ الوداعِ، فدلّ هذا الحديث على أنّه يُطْلب مِنَ الحَاجّ أنْ يَستَمرّ مُلبّياً حتّى يرمي جَمْرةَ العَقَبة يوم النّحر، ثمّ يَقطع التّلْبية. قال الترمذي عقبه (927): والعملُ على هذا عند أهلِ العِلمِ مِنْ أصْحاب النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- وغيرهم، أنّ الحاجّ لا يَقطع التّلبية؛ حتّى يرمي الجَمْرة، وهو قول الشّافعي وأحمد وإسحاق. انتهى. والجمهور: على أنّ الحاجّ مُفرداً كان أو مُتمتّعاً أو قارناً يقطع التلبية مع أوّل حَصَاة يَرْميها من جمرة العقبة لقول ابن مسعود - رضي الله عنه -: «رمقت النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فلمْ يزْل يُلبّي حتّى رَمَى جمرة العقبة بأوّل حَصاة». أخرجه البيهقي، وفيه شريك وعامر بن شقيق، وقد وثقهما بعض المُحدّثين وضعفهما البعض الآخر. فيه: دليل على أنّه: يستديم التّلبية، حتى يَشرع في رمي جَمرة العَقبة غداة يوم النحر. وإليه ذهب الشافعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو ثور، وجماهير العلماء: من الصحابة والتابعين، وفقهاء الأمصار، ومن بعدهم. وقال الحسن: يُلبّي حتّى يُصلي الصُّبح، يوم عَرفة. وحكي عن علي، وابن عمر، وعائشة، ومالك، وجمهور فقهاء المدينة: أنه يلبي حتى تزول الشمس، قال النووي: دليل الشافعي والجُمهور: هذا الحديث الصّحيح، مع الأحاديث بعده. قال: ولا حُجّة للآخرين في مخالفتها، فيتعيّن اتباع السنّة. وقال الشوكاني في «السيل الجرار»: هذا يَحتمل أنّه ترك التّلبية، عند الشُّرُوع في الرّمي، ويحتمل أنّه تركها عند الفراغ منه. ويؤيد هذا: ما روي من حديث الفضل بن عباس، عند النسائي والبيهقي: أنه - صلى الله عليه وسلم-، قطع التلبية مع آخر حصاة. فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمْي جَمْرة العَقَبة يومَ النَّحْر على الراحلة
عن جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي؛ لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ». (1294/310)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/943) باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النّحر راكباً، وبيان قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو في حجَّةِ الوَداعِ- والَّتي كانتْ في السَّنةِ العَاشرةِ منَ الهجرةِ- يَرْمي جَمرةَ العَقَبةِ راكباً راحلَتَه -وهي النّاقةُ الَّتي يَرتحِلُ عليها- وذلك يومَ النَّحرِ، يَعني: في رَميَه لِلجَمرةِ في يومِ العيدِ، في العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ. والنّبي - صلى الله عليه وسلم - رَمى راكباً؛ ليُظهِرَ للنَّاسِ فِعلَه، وكان يَقولُ للنَّاسِ: «لِتَأْخُذوا مَناسكَكم» أي: تَعلَّموا مِنِّي، واحْفَظوا الأحْكامَ الَّتي أَتيْتُ بها في حَجَّتي، مِنَ الأَقوالِ والأَفعالِ، فخُذوها عَنِّي واعَمَلوا بِها، وعَلِّمُوها النَّاسَ. وقال النووي: فيه: دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه، أنّه يُسْتحبُّ لمَنْ وَصَل منَى راكباً أنْ يَرمِي جَمْرة العَقبة يومَ النّحر رَاكباً، ولو رَمَاها ماشياً جاز، وأمّا مَنْ وصلها ماشياً فيرميها ماشياً، وهذا في يوم النّحر، وأمّا اليومان الأولان منْ أيّام التّشريق، فالسُّنّة أنْ يَرمي فيهما جميعَ الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي راكباً، ويَنْفر، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال أحمد وإسحاق: يُستحبُّ يوم النّحر أنْ يَرمي ماشياً. قال ابنُ المُنذر: وكان ابنُ عُمر وابن الزبير وسالم يَرمُون مشاة، قال: وأجْمعُوا على أنّ الرّمي يُجزيه على أيّ حَالٍ رَمَاه؛ إذا وَقَع في المَرْمى. انتهى. وبيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - سببَ ذلك فقال: «فإِنِّي لا أَدْرِي لعلِّي لا أَحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذِه»، وهذا إشارةٌ إلى تَوديعِهم، وإعْلامِهم بقُربِ وَفاتِه - صلى الله عليه وسلم -، وحثَّهم على الِاعْتِناءِ بالأَخْذِ عنه، وانتِهازِ الفُرصةِ مِن مُلازَمتِه وتَعلُّمِ أُمورِ الدِّينِ؛ ولِهذا سُمِّيتْ: حَجَّةَ الوَداعِ. وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتأخُذُوا منَاسككم» فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خُذُوا مَنَاسككم، وهكذا وقع في رواية غير مُسلم، وتقديره هذه الأمُور التي أتيتُ بها في حجّتي مِنَ الأقوال والأفْعال والهيئات، هي أمُور الحَجّ وصفته، وهي مناسككم فخُذُوها عنّي، واقْبلُوها واحْفظُوها، واعْملُوا بها وعلّموها الناس. فوائد الحديث أمَرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّتَه بأخْذِ أُمورِ الدِّينِ، ولا سيَّما المناسِكُ عنه، وألَّا يَعمَلوا بهَواهُم، وإنَّما يتَّبِعونَ ما سَنَّ لهم. وهذا الحديث أصلٌ عظيمٌ في مَناسك الحجّ، وهو نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة: «صَلُّوا كما رَأيتموني أُصلّي». حرَصَ الصَّحابةُ -رضي الله عنهم- على الاقْتداءِ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كلِّ شيءٍ، لا سيَّما العِباداتُ، ومنْها فريضةُ الحجِّ، الَّتي تؤخَذُ أرْكانُها وسُننُها وآدابُها من هَديِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم - الَّذي فصَّلَ ما أجمَلَه القرآنُ. باب: قَدْرُ حَصَى الجِمَار عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَى الجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ؛ الحديث رواه مسلم في الحج (2/944) باب: اسْتحباب كون حَصى الجِمار بقَدر حصى الخَذف. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ يَرْمى جَمْرةَ العَقَبةِ صَبيحةَ يَومِ النَّحرِ العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ، ورَماها بمِثلِ حَصى الخَذْفِ، والخَذْفُ: هو رَميُكَ حَصاةً، أو نَواةً تأخُذُها بينَ سَبَّابتَيكَ، وتَرْمي بها. المراد بالحديث والمرادُ بالحديث: بيانُ مِقْدارِ الحَصى الَّتي يُرْمى بها في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فكان حُكمُ الجَمَراتِ الَّتي رَمَى بها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أكبَرَ مِنَ الحِمَّصِ، وأصغَرَ مِنَ البُندقِ. وفي هذا إشارةٌ إلى النَّهيِ عنِ الغُلوِّ في الدِّينِ، كاعْتقادِ أنَّ الرَّميَ بالحِجارةِ الكَبيرةِ أبلَغُ مِنَ الرَّميِ بالصَّغيرةِ، ويكونُ الرَّميُ بسَبعِ حَصَياتٍ في كلِّ مرَّةٍ، ويُفرَّقُ بينَ الحَصَياتِ، فيَرْميهنَّ واحدةً واحدةً. فعن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-: قالَ لي رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غداةَ العقبةِ وَهوَ على راحلتِه: «هاتِ القِطْ لي»، فلقطتُ لَهُ حصياتٍ؛ هنَّ حَصى الخَذفِ، فلمَّا وضعتُهنَّ في يدِه، قال: «بأمْثالِ هؤلاءِ، وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أَهلَكَ مَنْ كان قبلَكمُ الغلوُّ في الدِّينِ». أخرجه النسائي (3057) واللفظ له، وابن ماجة (3029)، وأحمد (3248). فقوله: «وإيَّاكم» أي: أُحذِّركم، «والغُلوَّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةَ الحدِّ في أمورِ الدِّينِ، والتَّشدُّدَ فيه بالإفراطِ، ولكن عليكم بالوسَطيَّةِ في كلِّ شيءٍ؛ «فإنَّما أهلَك مَنْ كان قبْلَكم» مِن الأُممِ السَّابقةِ، «الغُلوُّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةُ الحدِّ، والتَّشدُّدُ في الدِّينِ بالإفراطِ؛ فهو سببُ الهلاكِ والبَوارِ. فوائد الحديث 1- بَيانُ تَيسيرِ الإسْلامِ في رَميِ الجَمراتِ، وأنَّها تكونُ صَغيرةً؛ حتَّى لا يَتضرَّرَ النَّاسُ في المناسكِ بها. 2- وفيه: التَّحذيرُ من الغُلوِّ، وبيانُ أنَّه منْ أسبابِ هلاكِ الأممِ السَّابقةِ. 3- الحجُّ أحَدُ أرْكانِ الإسْلامِ الخَمسةِ، وقد بيَّنَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كيفيَّةَ أداءِ الحجِّ بقَولِه وفِعلِه، وأمَرَ بأخْذِ المَناسِكِ عنه؛ فعَلى المُسلِمِ أنْ يَقْتديَ بالنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم} معنى الاسمين ودلالتهما في حق الله تعالى قال الإمام الشنقيطي -رحمه الله تعال في تفسير قوله تعالى-: {إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيم}: «الحكم في الاصطلاح: هو من يضع الأمور في مواضعها ويوقعها في مواقعها، فالله -جل وعلا- حكم لا يضع أمرا إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه، ولا يأمر إلا بما فيه الخير، ولا ينهى إلا عما فيه الشر، ولا يعذب إلا من يستحق العذاب وهو -جل وعلا- ذو الحكمة البالغة له الحجة والحكمة البالغة، وأصل الحكم في لغة العرب: معناه: المنع؛ نقول: حكمه، وأحكمه إذا منعه، هذا هو أصل الحكم، والعليم: صيغة مبالغة؛ لأن علم الله -جل وعلا- محيط بكل شيء، يعلم خطرات القلوب، وخائنات العيون، وما تخفي الصدور، حتى إن من إحاطة علمه -سبحانه- علمه بالعدم الذي سبق في علمه ألا يوجد، فهو عالم أن لو وجد كيف يكون، وأن اسم (الحكيم العليم) فيه أكبر مدعاة للعباد أن يطيعوه، ويتبعوا تشریعه؛ لأن حكمته -سبحانه- تقتضي ألا يأمرهم إلا بما فيه الخير، ولا ينهاهم إلا عما فيه الشر، ولا يضع أمرا إلا في موضعه، وبإحاطة علمه يعلمون أن ليس هنالك غلط في ذلك الفعل، أو أن ينكشف عن غير المراد، بل هو في غاية الإحاطة والإحكام، وإذا كان من يأمرك بحكم لا يخفى عليه شيء حكيم في غاية الإحكام لا يأمرك إلا بما فيه الخير، ولا ينهاك إلا عما فيه الشر، فإنه يحق عليك أن تطيع وتمتثل»، فاسم الحكيم يقتضي الإيمان بأن الله -عزوجل- حكيم في أحكامه وقضائه وقدره؛ فكما أنه حكيم في شرعه ودينه، فهو حكيم في قضائه وقدره. لذلك فإن مَن عرف اللهَ بعلمه وحكمته، أثمر ذلك في قلبه الرِّضا بحكم الله وقدَرِه في شرعه وكونه، فلا يعترض على أمره ونهيه ولا على قضائه وقدَرِه، وإنما يَرضى المؤمن العارِف بأسماء الله وصِفاته بحكم الله وقضائه؛ لأنَّه يعلم أنَّ تدبير الله له خيرٌ من تدبيره لنفسه، وأنَّه -تعالى- أعلم بمصلحته من نفسه، ولذا تراه يَرضى ويسلّم، بل إنَّه يرى أنَّ هذه الأحكام القدَريَّة الكونية أو الشرعية إنما هي رحمة وحكمة، وحينئذ لا تراه يعترض على شيء منها، بل لسان حاله: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبيا. |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمي جَمْرة العَقَبة مِنْ بَطْنِ الْوَادِي والتكبيِرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ
عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ- وَهُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ-: أَلِّفُوا القُرْآنَ كَمَا أَلَّفَهُ جِبْرِيلُ، السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، والسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ، وَالسُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ. قَالَ: فَلَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِهِ، فَسَبَّهُ وقَالَ: حَدَّثَنِي عبدالرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ عبداللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَأَتَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِي، فَاسْتَعْرَضَهَا فَرَمَاهَا مِنْ بَطْنِ الوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، قَالَ: فَقُلْتُ يَا أَبَا عبدالرَّحْمَنِ: إِنَّ النَّاسَ يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا؟ فَقَالَ: هَذَا والَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ؛ مَقَامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ؛ وعَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ عبداللَّهِ لَبَّى حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ، فَقِيلَ أَعْرَابِيٌّ هَذَا؟ فَقَالَ عبداللَّهِ: أَنَسِيَ النَّاسُ أَمْ ضَلُّوا؟ سَمِعْتُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، يَقُولُ فِي هَذَا المَكَانِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/942) باب: رَمي جمرة العقبة مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وتكونُ مكة عنْ يساره، ويُكبّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاة. شرح الحديث الأول في الحديث الأول يَذكُرُ التابعيُّ الأعمَشُ سُليمانُ بنُ مِهْرانَ، قال سمعت: «الحجّاج بن يوسف يقول، وهو يخطبُ على المنبر» وكان الحجّاج بن يوسف الثقفي واليًا على العراق من قِبل عبدالملك بن مروان، وكان معرُوفًا بالظُّلم وسفك الدّماء، وانْتقاص السّلف، وتعدّي حُرمات الله بأدْنى شبهة، وقد أطْبق أهل العلم بالتاريخ والسّير: على أنّه كان مِنْ أشدّ الناس ظُلمًا، وأسْرعُهم للدّم الحَرَام سَفْكًا، ولمْ يَحفظ حُرْمات أصْحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا وصيّته في أهل العِلم والفَضل والصّلاح منْ أتباع أصحابه. قال ابن كثير: «وقد رُوي عنه ألفاظ بشعة شنيعة، ظاهرها الكفر، فإنْ كان قد تابَ منها، وأقلعَ عنها، وإلا فهو باقٍ في عُهدتها، ولكن قد يُخشى أنّها رويت عنه بنوعٍ من زيادة عليه». موقف العلماء من الحجاج قال: «وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى كفره وإن كان أكثر العلماء لمْ يروا كفره وكان بعضُ الصحابة كأنس وابن عمر يُصلّون خَلفه، ولو كانوا يرونه كافرًا؛ لمْ يُصلّوا خلفه». (البداية والنهاية) (9/153)، وروى الترمذي في سننه (2220): عن هِشَامِ بن حَسَّانَ قَال: «أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الحَجَّاجُ صَبْراً؛ فَبَلَغَ مِائَةَ أَلْفٍ، وعِشْرِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ». قوله: «ألّفُوا القُرآن كما ألّفه جبريل» قوله: «ألّفُوا القُرآن كما ألّفه جبريل، السورة التي يذكر فيها البقرة، ...» قال القاضي عياض: إنْ كان الحجّاج أراد بقوله: «كما ألّفه جِبريل» تأليف الآي في كلّ سُورة، ونظمها على ما هي عليه الآن في المُصْحف، فهو إجْماعُ المسلمين، وأجْمعوا أنّ ذلك تأليف النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنْ كان يُريد تأليف السورة بعضها في إثر بعض؛ فهو قولُ بعض الفُقهاء والقرّاء، وخالفهم المُحقّقون وقالوا: بل هو اجتهادٌ مِنَ الأئمّة، وليس بتوقيف، قال القاضي: وتقديمه هنا النّساء على آل عمران؛ دليلٌ على أنّه لمْ يُرد إلا نَظم الآي؛ لأنّ الحجّاج إنّما كان يتّبع مُصحف عثمان - رضي الله عنه . كما في رِوايةِ النَّسائيِ: سَمِعتُ الحَجَّاجَ يقولُ: «لا تَقولوا: سُورةُ البقرةِ، قُولوا: السُّورةُ التي يُذكَرُ فيها البقرةُ»، فذَكَر الأعمَشُ ما سَمِعَه مِن الحَجَّاجِ لإبراهيمَ النَّخَعيِّ استِيضاحًا للصَّوابِ، ولم يَقصِدِ الأعمشُ الرِّوايةَ عن الحَجَّاجِ؛ فلم يكُنْ بأهلٍ لذلك، وإنَّما أراد أنْ يَحْكِيَ القصَّةَ، ويُوضِّحَ خطَأَ الحَجَّاجِ فيها بما ثَبَتَ عن الصّحابة، فحدَّثَه إبراهيمُ أنَّ عبدالرَّحمنِ بنَ يَزيدَ أخبَرَه أنَّه حجَّ مع عبداللهِ بنِ مَسعودٍ - رضي الله عنه -، وكان معه حينَ رَمى جَمْرةَ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشرُ مِن ذي الحجَّةِ، وهي الجَمْرةُ الكُبْرى، وتقَعُ في آخِرِ مِنًى تُجاهَ مكَّةَ، وليست مِن مِنًى، بلْ هي حدُّ مِنًى مِن جِهةِ مكَّةَ. فاسْتَبْطَنَ الوادِيَ قال: «فاسْتَبْطَنَ الوادِيَ» أي: وقَفَ في وسْطِه، حتَّى إذا حاذَى الشَّجرَةَ وقابَلَها - وهذه الشَّجرةُ لَيست مَوجودةً الآنَ- جاءَها مِن عَرْضِها، فرَمَى الجمْرةَ بسَبْعِ حَصَياتٍ، يقولُ: «اللهُ أكبَرُ» مع كلِّ حَصاةٍ يَرمِيها، وفي رِوايةِ مُسلمٍ: «فقلتُ: يا أبا عبدالرَّحمنِ، إنَّ الناسَ يَرْمونها مِن فَوقِها» فقال: مِن هاهُنا- وأشار إلى بَطْنِ الوادي- قام الذي أُنزِلَت عليه سُورةُ البقَرةِ - صلى الله عليه وسلم -، وأقسَمَ ابنُ مَسعودٍ على ذلك باللهِ الذي لا إلهَ غيرُه، تَأكيداً لقَولِه ونَقْلِه عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وتَخصيصُ ابنِ مَسعودٍ سُورةَ البَقَرةِ بالذِّكرِ في قَسَمِه دُونَ غَيرِها؛ قيل: يُشيرُ إلى إنَّ كَثيرًا مِنْ أفعالِ الحجِّ مَذكورٌ فيها، فكأنَّه قال: هذا مَقامُ الذي أُنزِلَتْ عليه أحكامُ المَناسِكِ، منبِّهًا بذلك على أنَّ أفعالَ الحجِّ تَوقيفيَّةٌ. وقيل: لطُولِها وعِظَمِ قَدْرِها، وكَثرَةِ ما تَحوي مِن الأحْكامِ. ومُرادُ إبراهيمَ النَّخْعيِّ مِن هذا الحَديثِ: قَولُ ابنِ مَسعودٍ - رضي الله عنه -: «سُورةُ البَقَرةِ» ولم يَقُلِ: «السُّورةُ التي ذُكِرَت فيها البقرةُ» كما قال الحَجَّاجُ الثَّقفيُّ؛ ففي هذا رَدٌّ عليه ورفْضٌ لقَولِه ولقولِ مَن قالوا: لَا يُقالُ سُورةُ البقَرةِ، وإنَّما يُقالُ: السُّورةُ التي تُذكَرُ فيها البَقَرةُ. فوائد الحديث 1- رَميُ الجِمارِ مِن بَطْنِ الوادِي، والتُكبيِرُ مع كُلِّ حَصاةٍ. 2- وفيه: مَشروعيَّةُ الحَلِفِ لتَأكيدِ الكَلامِ. 3- وفيه: إنكارُ أهلِ العِلمِ على وُلاةِ الأمْرِ بالحِكمة والعلم. الحديث الثاني في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ عبدالرَّحمنِ بنُ يَزيدَ أنَّ عبداللهِ بنَ مَسعودٍ - رضي الله عنه - لَبَّى حينَ أَفاضَ مِن جَمعٍ، وهيَ المُزدَلِفةُ، وهي ثالثُ المشاعِرِ المقدَّسةِ الَّتي يمُرُّ بها الحَجيجُ، وتقَعُ بينَ مَشعَرَيْ مِنًى وعَرَفاتٍ، ويَبيتُ الحجَّاجُ بها بعدَ نَفْرتِهم من عَرفاتٍ في آخِرِ يومِ التَّاسعِ من ذي الحِجَّةِ، ثُمَّ يُصلّون فيها صَلاتَيِ المغرِبِ والعِشاءِ جَمعاً وقَصرًا، ويجمَعونَ فيها الحَصى لرَميِ الجَمَراتِ بمنًى، ويمكُثُ فيها الحجَّاجُ حتَّى صباحِ اليومِ التَّالي يومِ عيدِ الأضْحى؛ ليُفيضوا بعدَ ذلك إلى منًى. فلمَّا سَمِعَه النَّاسُ يُلبِّي في هذا المكانِ وهذا الوقتِ؛ أنْكَروا عليه تَلبيتَه، وظَنُّوا أنَّه أَعْرابيٌّ من سكَّانِ الصَّحاري الَّذين لا يَفقَهونَ ولا يَعلَمونَ أحْكامَ الدِّينِ، وأخرَجَ البَيهَقيُّ في الكُبرى «فقالوا: يا أعْرابيُّ، إنَّ هذا ليس بيومِ تَلبيةٍ، إنَّما هو التَّكبيرُ». فَقال عبداللهِ بنُ مسعودٍ - رضي الله عنه - مُنكِرًا على مَن أنكَرَ عليه التَّلبيةَ، حينَما أفاضَ من مُزدَلِفةَ: «أَنَسِيَ النَّاسُ أم ضلُّوا؟!» والمَعنى: هل نَسيَ هؤلاء سُنةَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في التَّلبيةِ في مثلِ هذا الموضِعِ؟ حتَّى أنْكَروا عليّ ذلك؟ أم هم تارِكونَ للسُّنَّةِ معَ عِلمِهم بها؟! ثُمَّ قال: «سَمِعتُ الَّذي أُنزلِتْ عليه سورةُ البَقرةِ» يقصِدُ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ في هذا المكانِ: «لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ» أي: أُكرِّرُ إجابَتي لكَ في امتِثالِ أمْرِكَ بالحَجِّ، فأُلَبِّي أمرَكَ مرَّةً بعدَ مرَّةٍ، وإنَّما خَصَّ البَقرةَ؛ لأنَّ مُعظمَ أَحْكامِ المَناسكِ فيها، فكأنَّه قالَ: هذا مَقامُ مَن أُنزِلتْ عليه المَناسِكُ، وأُخِذَ عنهُ الشَّرعُ، وبَيَّنَ الأَحْكامَ؛ فَاعتَمِدُوه. فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمْي جَمْرة العَقَبة يومَ النَّحْر على الراحلة
عن جَابِرٍ - رضي الله عنه - قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَقُولُ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي؛ لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/943) باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النّحر راكباً، وبيان قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ». في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وهو في حجَّةِ الوَداعِ- الَّتي كانتْ في السَّنةِ العَاشرةِ منَ الهجرةِ- يَرْمي جَمرةَ العَقَبةِ راكباً راحلَتَه -وهي النّاقةُ الَّتي يَرتحِلُ عليها- وذلك يومَ النَّحرِ، يَعني: في رَميَه لِلجَمرةِ في يومِ العيدِ، في العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ، والنّبي - صلى الله عليه وسلم - رَمى راكباً؛ ليُظهِرَ للنَّاسِ فِعلَه، وكان يَقولُ للنَّاسِ: «لِتَأْخُذوا مَناسكَكم» أي: تَعلَّموا مِنِّي، واحْفَظوا الأحْكامَ الَّتي أَتيْتُ بها في حَجَّتي، مِنَ الأَقوالِ والأَفعالِ، فخُذوها عَنِّي واعَمَلوا بِها، وعَلِّمُوها النَّاسَ. مَنْ وَصَل منَى راكبًا وقال النووي: فيه: دلالة لما قاله الشافعي وموافقوه، أنّه يُسْتحبُّ لمَنْ وَصَل منَى راكباً أنْ يَرمِي جَمْرة العَقبة يومَ النّحر رَاكباً، ولو رَمَاها ماشياً جاز، وأمّا مَنْ وصلها ماشياً فيرميها ماشياً، وهذا في يوم النّحر، وأمّا اليومان الأولان منْ أيّام التّشريق، فالسُّنّة أنْ يَرمي فيهما جميعَ الجمرات ماشياً، وفي اليوم الثالث يرمي راكباً، ويَنْفر، هذا كله مذهب مالك والشافعي وغيرهما. وقال أحمد وإسحاق: يُستحبُّ يوم النّحر أنْ يَرمي ماشياً. قال ابنُ المُنذر: وكان ابنُ عُمر وابن الزبير وسالم يَرمُون مشاة، قال: وأجْمعُوا على أنّ الرّمي يُجزيه على أيّ حَالٍ رَمَاه؛ إذا وَقَع في المَرْمى. انتهى. لعلِّي لا أَحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذِه وبيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - سببَ ذلك فقال: «فإِنِّي لا أَدْرِي لعلِّي لا أَحُجُّ بعدَ حَجَّتي هذِه»، وهذا إشارةٌ إلى تَوديعِهم، وإعْلامِهم بقُربِ وَفاتِه - صلى الله عليه وسلم -، وحثَّهم على الِاعْتِناءِ بالأَخْذِ عنه، وانتِهازِ الفُرصةِ مِن مُلازَمتِه وتَعلُّمِ أُمورِ الدِّينِ؛ ولِهذا سُمِّيتْ: حَجَّةَ الوَداعِ. لتأخُذُوا منَاسككم وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لتأخُذُوا منَاسككم» فهذه اللام لام الأمر، ومعناه: خُذُوا مَنَاسككم، وهكذا وقع في رواية غير مُسلم، وتقديره هذه الأمُور التي أتيتُ بها في حجّتي مِنَ الأقوال والأفْعال والهيئات، هي أمُور الحَجّ وصفته، وهي مناسككم فخُذُوها عنّي، واقْبلُوها واحْفظُوها، واعْملُوا بها وعلّموها الناس. فوائد الحديث
الحديث الثاني: باب: قَدْرُ حَصَى الجِمَار عن جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ قال: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَمَى الجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/944) باب: اسْتحباب كون حَصى الجِمار بقَدر حصى الخَذف. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّه رَأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ يَرْمى جَمْرةَ العَقَبةِ صَبيحةَ يَومِ النَّحرِ العاشِرِ من ذي الحِجَّةِ، ورَماها بمِثلِ حَصى الخَذْفِ، والخَذْفُ: هو رَميُكَ حَصاةً، أو نَواةً تأخُذُها بينَ سَبَّابتَيكَ، وتَرْمي بها، والمرادُ بالحديث: بيانُ مِقْدارِ الحَصى الَّتي يُرْمى بها في الصِّغَرِ والكِبَرِ، فكان حُكمُ الجَمَراتِ الَّتي رَمَى بها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أكبَرَ مِنَ الحِمَّصِ، وأصغَرَ مِنَ البُندقِ. النَّهي عنِ الغُلوِّ في الدِّينِ وفي هذا إشارةٌ إلى النَّهيِ عنِ الغُلوِّ في الدِّينِ، كاعْتقادِ أنَّ الرَّميَ بالحِجارةِ الكَبيرةِ أبلَغُ مِنَ الرَّميِ بالصَّغيرةِ، ويكونُ الرَّميُ بسَبعِ حَصَياتٍ في كلِّ مرَّةٍ، ويُفرَّقُ بينَ الحَصَياتِ، فيَرْميهنَّ واحدةً واحدةً، فعن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-: قالَ لي رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غداةَ العقبةِ وَهوَ على راحلتِه: «هاتِ القِطْ لي»، فلقطتُ لَهُ حصياتٍ، هنَّ حَصى الخَذفِ، فلمَّا وضعتُهنَّ في يدِه، قال: «بأمْثالِ هؤلاءِ، وإيَّاكم والغُلوَّ في الدِّين، فإنَّما أَهلَكَ مَنْ كان قبلَكمُ الغلوُّ في الدِّينِ». أخرجه النسائي (3057) واللفظ له، وابن ماجة (3029)، وأحمد (3248). فقوله: «وإيَّاكم» أي: أُحذِّركم، «والغُلوَّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةَ الحدِّ في أمورِ الدِّينِ، والتَّشدُّدَ فيه بالإفراطِ، ولكن عليكم بالوسَطيَّةِ في كلِّ شيءٍ؛ «فإنَّما أهلَك مَنْ كان قبْلَكم» مِن الأُممِ السَّابقةِ، «الغُلوُّ في الدِّينِ»، أي: مُجاوزةُ الحدِّ، والتَّشدُّدُ في الدِّينِ بالإفراطِ؛ فهو سببُ الهلاكِ والبَوارِ. فوائد الحديث الثاني
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: رَمْيُ الجِمَارِ وِتراً عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الِاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، ورَمْيُ الجِمَارِ تَوٌّ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/945) باب: بيان أنّ حَصى الجِمَار سبعٌ. يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الِاستِجمارَ- وهو إزَالةُ أثَر البَولِ والغَائطِ بالأَحْجَارِ- يكونُ تَوًّا، أي: وِتراً، وأقلّه ثلاثٌ، فإنْ لمْ يَتمَّ الإنْقاءُ بثَلاثٍ، وجَبَ عليه أنْ يَزيدَ عَلى الثَّلاثِ حتَّى يَحصُلَ الإنْقاءُ، فإنْ حصَلَ بوِترٍ فَلا زيادةَ، وإنْ حصَلَ بشَفعٍ، فعليهِ زِيادةُ مَسْحهِ للإيتَارِ، وكذلك رَميُ الجِمَارِ في الحجِّ، فإنّها تُرمَى بسَبعِ حَصَياتٍ، وهي وترٌ، والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمروةِ سبْعُ مرَّاتٍ، وهي وِترٌ، والطَّوافُ حولَ الكَعبةِ سَبعةُ أَشْواطٍ، وهي وترٌ. وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا استَجمَرَ أحدُكم فَلْيستَجْمِرْ بِتَوٍّ» قيلَ: إنَّ المُرادَ بما ذَكَرَ في أوَّلِ الحديثِ هو الفِعلُ، وما ذكره هنا هو عددُ الأَحْجارِ، أو أنَّ التَّكريرَ للحثِّ والاهْتمامِ بهذا الأمرِ خاصَّةً؛ لأنَّه قد يَتهاوَنُ فيه الناس معَ تَكرُّرِه اليَوميِّ، بخلافِ غيرِه، فالجُملةُ الأُولى أُريدَ بها الإخْبارُ، والجُملةُ الثَّانيةُ طَلَبيَّةٌ، أُريدَ بها الحثُّ والاهتمامُ، بأمْرِ الاسْتِجمار والتّطهّر، لتكراره اليومي، وتَهاون بعضُ الناس فيه، وقيلَ: المرادُ بالاسْتِجمارِ هنا: البَخُورُ والتَّبخُّرُ، ويَكونُ بوَضعِ العُودِ عَلى جَمرةِ النَّار، فيُوتِرُ فيه أَيضاً. فوائد الحديث
باب: حَلْق النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - في حَجّه عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/947) باب: تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير، ورواه البخاري بلفظ: «حَلَقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وطَائِفَةٌ مِن أصْحَابِهِ، وقَصَّرَ بَعْضُهُمْ». في هذا الحَديثِ يَحكي عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رَضيَ اللهُ عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وجَماعةً مِن أصحابِه، حَلَقوا شَعرَ رُؤوسِهم، والبَعضَ الآخَرَ منهم قَصَّروا شَعْرَهم ولم يَحلِقوا، وكان ذلك في حَجَّةِ الوداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهجرةِ، فدلَّ هذا على مَشروعيَّةِ الأمرَين، إلَّا أنَّ الحلْقَ أفضَلُ مِن التَّقصيرِ بالنِّسبةِ للرِّجالِ، لأنَّه فِعلُ رسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ اللهَ -عزَّوجلَّ- قدَّمَه في كِتابِه فقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} (الفتح: 27). كما أنّه أبلَغُ في العِبادةِ، وأبيَنُ للخُضُوعِ والذِّلَّةِ لله -تعالى-، وأدلُّ على صِدْقِ النيَّةِ، والذي يُقَصِّرُ يُبقِي على نفْسِه شَيئًا ممَّا يَتزيَّنُ به، بخلافِ الحالِقِ، فإنَّه يَشعُرُ بأنَّه تَرَكَ ذلك للهِ -تعالَى-، وفيه إشارةٌ إلى التجَرُّدِ للهِ -عزَّ وجلَّ-، والحلْقُ كما ذكرنا: إنّما يكونُ للرِّجالِ فقطْ، أمَّا النِّساءُ فليس لهنّ إلَّا التَّقصيرُ. والحلْقُ والتَّقصيرُ، شَعيرةٌ مِن شَعائرِ الحجِّ، وبه يَتحلَّلُ المُحرِمُ مِنْ إحْرامِه، ويكونُ بعْدَ رمْيِ جَمرةِ العقَبةِ، وبعْدَ ذَبْحِ الهدْيِ إنْ كان معه، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ، وفي العُمرةِ يكونُ الحلق أو التقصير، بعْدَ السَّعيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ. فوائد الحديث ومما يستفاد من الحديث أنّ رَسولُ اللهِ -[- قد بيَّنَ للأمّة مَناسِكَ الحجِّ بأقوالِه وأفعالِه، ونَقَلَها لنا الصَّحابةُ الكرامُ -رَضيَ اللهُ عنهم- أجمعينَ. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في الحَلْق والتّقصير عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ولِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه،ِ ولِلْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: «ولِلْمُقَصِّرِينَ». (1302/320)، الحديث رواه مسلم في هذا الحديثِ يَحكي ابنُ عمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كرَّرَ الدُّعاءِ للذينَ يَحلِقون شَعْرَهم في مَناسِكِهم، أنْ يَرحَمَهم اللهُ -تعالى-، وكان ذلك في حَجَّةِ الوداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهِجرةِ، أو في عامِ الحُديْبيَةِ، أو فيهما جميعًا، فسَأَلَه الصَّحابةُ أنْ يَدْعو للمُقصِّرين مِثلَ ما دَعا للمُحلِّقين، فأجابَهُم لذلك وقال: «والمُقصِّرين»، لكن بعد المرَّةِ الثالثةِ. والحلْقُ: هو إزالةُ شَعرِ الرَّأسِ بالكُلِّيةِ، والتَّقصيرُ: هو قصُّ أطْرافِ شَعرِ الرأسِ، فدلَّ ذلك على مَشروعيَّةِ الأمرَين، إلَّا أنَّ الحلْقَ أفضَلُ مِن التَّقصيرِ بالنِّسبةِ للرِّجالِ، لأنَّه فِعلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أولاً، ولأنَّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- قدَّمَه في كِتابِه فقال: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} (الفتح: 27). والحلق أبلَغُ في العِبادةِ، وأبيَنُ للخُضوعِ والذِّلَّةِ، وأدلُّ على صِدْقِ النيَّةِ، والذي يُقَصِّرُ يُبقِي على نفْسِه شَيئًا ممَّا يَتزيَّنُ به، بخلافِ الحالِقِ، فإنَّه يَشعُرُ بأنَّه تَرَكَ ذلك للهِ -تعالى-، وفيه إشارةٌ إلى التجَرُّدِ للهِ -عزَّ وجلَّ-. والحلْقُ يكونُ للرِّجالِ فقطْ، أمَّا النِّساءُ فليس لهم إلَّا التَّقصيرُ. والحلْقُ أو التَّقصيرُ في الحجِّ شَعيرةٌ مِن شَعائرِ الحجِّ، وبه يَتحلَّلُ المُحرِمُ مِن إحْرامِه، ويكونُ بعْدَ رمْيِ جَمرةِ العقَبةِ، وبعْدَ ذَبْحِ الهدْيِ إنْ كان معه، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ. وفي العُمرةِ يكونُ بعْدَ السَّعيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ. فوائد الحديثِ
باب: الرّمي ثمّ النّحْر ثمّ الحَلق والبداية بالحَلْق بالجانبِ الأيمن عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا، والحَجَّامُ جَالِسٌ، وقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ، فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ، فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «احْلِقْ الشِّقَّ الْآخَرَ» فَقَالَ: أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. يَرْوي أنسُ بنُ مالكٍ - رضي الله عنه - أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا رمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ الكُبْرى في مِنًى، وذلك صَبيحةَ يومِ عِيدِ الأضْحى في يومِ العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ، وذلك في حُجَّةِ الوَداعِ في السَّنةِ العاشرةِ مِن الهِجرةِ، قال: «ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْبُدْنِ فَنَحَرَهَا» أي: ذبَحَ ذَبِيحَتَهُ وهَدْيَه. قوله: «والحجام جالس» والحجّام يطلق على مَنْ امتهن الحِجَامة، وهي استخراج الدم الفاسد عن طريق الامتصاص، وهذا قديماً، وأما اليوم فلها طرق أخرى للحجم، وكان غالب من يمتهن الحجامة سابقًا الحَلاق. قال النووي رحمه الله: «واختلفوا في اسم هذا الرجل الذي حَلَق رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، فالصّحيح المشهور أنه: معمر بن عبدالله العدوي - رضي الله عنه -». (شرح النووي). قوله: «وقَالَ بِيَدِهِ عَنْ رَأْسِهِ فَحَلَقَ شِقَّهُ الْأَيْمَنَ» أي: لمّا أراد حَلْقَ شَعَرِه، ناولَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحالِقَ شِقَّهُ الأيمَنَ، فَحَلَقَه، لأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في كُلِّ شَيْءٍ، «فَقَسَمَهُ فِيمَنْ يَلِيهِ» يعني: بيْن أصْحابِهِ. قوله: ثُمَّ قَالَ: «احْلِقْ الشِّقَّ الْآخَرَ» فَقَالَ: أَيْنَ أَبُو طَلْحَةَ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ». أي: ثُمَّ ناوَلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحلاقَ الشِّقَّ الأَيْسَرَ مِن رأْسِه، ثم دَعا أبا طَلْحَةَ الأَنْصارِيَّ وهو زَوجَ أُمِّ سُلَيمٍ والدةِ أنَسٍ -رضي الله عنهم-، فَأعْطاهُ الشَّعرَ المحْلُوقَ، وخَصَّهُ به، لمَكانَتِهِ، ولعلَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَسَمَ شَعرَهُ بيْنهم، ليكونَ برَكةً باقيةً بيْن أظهُرِهم، وتَذكِرةً لهم، وكأنَّه أشار بذلك إلى اقتِرابِ أجَلِه - صلى الله عليه وسلم - وانقضاءِ زَمانِ الصُّحبةِ. وفي رِوايةِ لأحمَدَ: أنَّ أبا طَلحةَ أعطاهُ لأُمِّ سُليمٍ- وهي زوجتُه- فَكَانَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تَخلِطُه في طِيبِهَا، وقدْ ثبَتَ أنَّ بعضَ الصَّحابَةِ كان يَأخُذُ مِن عَرَقِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ويَجعَلُه في طِيبِه، وآخَرَ يَلتمِسُ أثرَ أصابِعِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الطَّعامِ، ليَأكُلَ مِن مَكانِه منه، وثالِثًا يَشْرَبُ مِن سُؤْرِه وبَقايا شَرابِه، هذا بالإضافةِ إلى تَتبُّعِهم السُّنَنَ والهَدْيَ النَّبوِيَّ، حبًّا للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وتبرُّكًا بآثارِه الشَّريفةِ، وهذا خاصٌّ بآثارِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - العَينيَّةِ. فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: مَنْ حَلَقَ قَبلَ النّحْر أو نَحَرَ قبلَ الرَّمْي
عن عبداللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ -رضي الله عنهما- يَقُولُ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ، فَيَقُولُ القَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ؟ فَنَحَرْتُ قَبْلَ الرَّمْيِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «فَارْمِ ولَا حَرَجَ» قَال: وطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ، أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ فَيَقُولُ: «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ، مِمَّا يَنْسَى المَرْءُ، ويَجْهَلُ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ، وأَشْبَاهِهَا، إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلُوا ذَلِكَ ولَا حَرَجَ»، وعَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ، وهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ» وأَتَاهُ آخَرُ، فَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، وأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ، قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ»، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُهُ سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ، إِلَّا قَالَ: «افْعَلُوا وَلَا حَرَجَ». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/948- 949) باب: مَنْ حلقَ قبل النّحر، أو نَحرَ قبل الرّمي.يقول عبداللَّهِ بْنَ عَمْرِو -رضي الله عنهما-: وَقَف النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حجّة الوداع، بمنى يوم النّحر على ناقته -صلى الله عليه وسلم -، عند جَمْرة العَقبة بعد الزّوال لتعليم الناس بقيّة مناسك الحَجّ. جَوَاز القُعُودِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلحَاجَةِ وقَوله: «وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ» هَذَا دَلِيلٌ لِجَوَازِ القُعُودِ عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلحَاجَةِ، قَالَ القَاضِي: «ويُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُما: وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ عِنْدَ الجَمْرَةِ، ولَمْ يَقُلْ في هَذَا: خَطَبَ، وإِنَّما فِيهِ أَنَّهُ وَقَفَ وسُئِلَ، والثَّانِي: بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَقَفَ لِلْخُطْبَةِ فَخَطَبَ، وهِيَ إِحْدَى خُطَبِ الحَجِّ المَشْرُوعَة، يُعَلِّمُهُمْ فيها ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ مِنَ المَنَاسِكِ.قال النووي: هذَا كَلَامُ القاضِي، وهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ، وخُطَبُ الحَجِّ المَشْرُوعَةُ عِنْدَنَا أَرْبَعٌ: أَوَّلُهَا: بِمَكَّةَ عِندَ الكَعْبَةِ في اليَوْمِ السَّابِعِ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، والثَّانِيَةُ: بِنَمِرَةَ يَومَ عَرَفَةَ، والثَّالِثَةُ: بِمِنًى يَومَ النَّحْرِ، والرَّابِعَةُ: بِمِنًى فِي الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وكُلُّهَا خُطْبَةٌ فَرْدَةٌ، وبَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، إِلَّا التِي بِنَمِرَةَ فَإِنَّها خُطْبَتَانِ، وقَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وبَعْدَ الزَّوَالِ، وقَدْ ذَكَرْتُ أَدِلَّتَهَا كُلَّها مِنَ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي (شَرْحِ الْمُهَذَّبِ). قوله: «فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ» أي: جَعل الحجّاج يسألونه، أي: يَستفتونه في تقديم بعض الأعْمال يوم النّحر على بعض، أو أخّروا بعض الأعْمال على بعض، فَيَقُولُ القَائِلُ مِنْهُمْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ أَشْعُرُ أَنَّ الرَّمْيَ قَبْلَ النَّحْرِ؟ لمْ أكنْ أشعر، أي: لمْ أفطن، ولمْ أعلم أنّ ذبح الهَدي يكون قبل الحَلْق، فَقالُ له - صلى الله عليه وسلم -: «انْحَرْ وَلَا حَرَجَ» أي: اذْبح ولا حَرج، أي: لا إثمَ عليك، في تأخير الذّبح عن الحَلْق، فإذا ذبَحتَ بعد الحَلق، فعملك صَحيح.قوله: «وطَفِقَ آخَرُ يَقُولُ» أي: فجاء رجلٌ آخر يسألُ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، «يقول: إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ، أَنَّ النَّحْرَ قَبْلَ الحَلْقِ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟» يقول: لمْ أشعر، أي: لم أفطنْ ولمْ أعلم، أنّ الرّمي قبل النّحر. قوله: «فنَحرتُ قبل أنْ أرمي» أي: ذبحتُ الهدي قبل أنْ أرمي جمرة العقبة، فَقالُ له - صلى الله عليه وسلم -: «إرم ولا حرج» أي: إرم جَمرة العقبة، ولا إثمَ عليك في تقديم. الذّبح على الرّمي. «افْعَلُوا ذَلِكَ ولَا حَرَجَ» قَالَ: فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْأَلُ يَوْمَئِذٍ عَنْ أَمْرٍ، مِمَّا يَنْسَى المَرْءُ، ويَجْهَلُ، مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ قَبْلَ بَعْضٍ، وأَشْبَاهِهَا، إِلَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم -: «افْعَلُوا ذَلِكَ ولَا حَرَجَ»، وفي الحديث الثاني: «فما سُئل يومئذ» أي: فما سُئل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - في موقفه في ذلك اليوم. «عن شَيءٍ قدّم ولا أخّر» أي: عن عَملٍ مِنْ أعمال الحج في يوم النحر، قُدّم على غيره منْ هذه الأعمال، ولا عن عمل أخّر على غيره من هذه الأعمال الأَرْبَعَة، «إلا قال: افعلْ ولا حرج» أي: إلا أجاز التقديم أو التأخير، وأنّه لا إثم على فاعله.وقَوْلُه في الحديث الثاني: «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَامَ إِلَيهِ رَجُلٌ». وفي رِوَايَةٍ: وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ فَجَاءَ رَجُلٌ- وَفِي رِوَايَةٍ- وَقَفَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَطَفِقَ نَاسٌ يَسْأَلُونَهُ وفي رِوَايَةٍ: «وَهُوَ وَاقِفٌ عِنْدَ الجَمْرَةِ» قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: قَالَ بَعْضُهُم: الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ مَوْقِفٌ وَاحِدٌ، ومَعْنَى خَطَبَ: عَلَّمَهُمْ. ما يُفيده الحديثان 1- أن السُّنّة تقديم الرّمي، ثمّ النّحر، ممّن عليه هَدْي، ثمّ الحَلْق، ثُمّ طَواف الإفاضة.2- وأنّه يجوزُ تقديمُ بعض هذه الأعْمال على بعض. 3- وأنّه لا يلزم منْ قدّم بعض هذه الأعْمال على بعض شيء، لا فِدية عليه ولا شيء. 4- وأنّ أفعالَ رسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - قد تكون للإيجَاب، وقد تكون للاسْتِحباب. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: تَقليدُ الهدي وإشعاره عند الإحرام
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عَنهُما- قَالَ: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - الظُّهْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، وسَلَتَ الدَّمَ، وقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالْحَجِّ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/912) باب: تقليد الهَدي وإشْعاره عند الإحرام. يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عَنهُما- أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صلَّى الظُّهرَ وهو خارجٌ إلى الحجِّ بذي الحُلَيْفةِ، وقد صلاها قَصراً، يَعني ركعتَينِ، وذلك لأنَّه كانَ مُسافِراً إلى مكَّةَ، وذو الحُلَيفةِ قَريةٌ بينَها وبينَ المدينةِ سِتَّةُ أمْيالٍ أو سَبعةٌ، أي: حَوالَيْ (10 كم)، وعن مكَّةَ حَوالَيْ 420 كيلومترًا، وتُسمَّى اليومَ عندَ العامَّةِ: أبيارَ عليٍّ أو آبارَ عليٍّ، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ ومَن مرَّ بها.ثمَّ دَعا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- «بناقتِه» الَّتي هي من جُملةِ الهَديِ الَّذي سيُذبَحُ في الحرَمِ، «فأشَعرَها في صَفْحةِ» أي: في جانِبِ «سَنامِها الأَيمنِ» وهو أَعْلى ظَهرِ البَعيرِ، وإشْعارُ البَدنةِ هو أنْ يُشَقَّ أحدُ جانِبَيْ سَنامِها حتَّى يَسيلَ دَمُها، ويُجعَلَ ذلك علامةً لها تُعرَفُ بها أنَّها هَديٌ للبيت الحرام، فلا يُتَعرَّضُ لها، وإذا ضلَّتْ رُدَّتْ، وإنِ اختلَطَتْ بغيرِها تميَّزَتْ. قوله: «ثُمَّ سلَتَ الدَّمَ» قوله: «ثُمَّ سلَتَ الدَّمَ» أي: مسَحَه وأزالَهُ عنها، «وقلَّدَها» التَّقليدُ هو تَعْليقُ القَلائدِ، أوِ النَّعْلِ، ونَحوِ ذلك في عُنُقِ الهَديِ، ليَكونَ علامةً أُخْرى يُعلَمَ بها أنَّها هَديٌ.قال النووي: «وأمّا تقليدُ الغنم، فهو مذهبنا ومذهب العُلماء كافة مِنَ السّلف والخلف إلا مالكا، فإنّه لا يقول بتقليدها. قال القاضي عياض: ولعلّه لمْ يبلغه الحديث الثابت في ذلك. قلت: قد جاءتْ أحاديث كثيرة صحيحة بالتّقليد، فهي حُجّةٌ صَريحة في الرّد على من خالفها. واتفقوا على أنّ الغَنَم لا تشعر لضَعْفها عن الجرح، ولأنّه يَسْتَتر بالصُّوف. وأمّا البقرة فيستحب عند الشافعي وموافقيه الجمع فيها بين الإشعار والتقليد كالإبل. قال: وفي هذا الحديث: استحباب تقليد الإبل بنعلين، وهو مذهبنا ومذهب العلماء كافّة، فإنْ قلّدَها بغير ذلك مِنْ جُلُود أو خُيُوط مَفْتولة ونحوها، فلا بأس». انتهى. قوله: «ثمَّ ركِبَ راحلتَهُ» قوله: «ثمَّ ركِبَ راحلتَهُ» وهي الدَّابَّةُ المُعَدَّةُ للسَّفرِ، وكانتْ حينَئذٍ ناقةً تُسَمَّى القَصْواءَ، «فلمَّا استَوتْ به الرَّاحِلةُ» يَعني: لمَّا ارتَفَعَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُستَوياً على ظَهرِ الرَّاحِلةِ في مِنطَقةِ «البَيداءِ» وهوَ مَوضِعٌ مُلاصِقٌ لذي الحُلَيفةِ، وهو الميقاتُ المَكانيُّ لأهلِ المدينةِ، والبَيداءُ في اللُّغةِ: هي الصَّحْراءُ التي لا شَيءَ فيها، والمقصودُ بها هنا: اسمُ المَوضِعٍ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وهو مَكانٌ فوقَ عَلَمَيْ ذي الحُلَيفةِ إذا صُعِدَ مِنَ الوادي، وفي أوَّلِ البَيداءِ بِئرُ ماءٍ.فلمَّا كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم- في البَيداءِ، «أهلَّ بالحَجِّ» يَعني: أحرَمَ بالحجِّ، ورفَعَ صوتَهُ بتَلبيةِ الحَجِّ، وقد ورَدَ في الصَّحيحَينِ: عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ -رَضيَ اللهُ عَنهُما-: «ما أهَلَّ رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - إلَّا مِن عِندِ المَسجِدِ، يَعْني مَسجِدَ ذِي الحُلَيْفةِ». سَببَ اخْتلافِ الصَّحابةِ ولعلَّ سَببَ اخْتلافِ الصَّحابةِ -رَضيَ اللهُ عنهم- في المواضِعِ الَّتِي أهَلَّ منها رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ كُلًّا منهم أخبَرَ بما رأَى، فالنَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - خرَجَ مِنَ المدينَةِ حاجًّا، فلمَّا صلَّى في مَسجدِ ذِي الحُلَيْفةِ أهَلَّ بالحَجِّ، فسَمِعَ ذلك منه أقْوامٌ فحَفِظُوا عنه، ثُمَّ رَكِبَ، فلمَّا استَقلَّت به ناقتُه أهَلَّ، وأدرَكَ ذلك منه أقْوامٌ، لأنَّهم كانوا يَأْتُونَ جَماعاتٍ، فسَمِعُوه فقالوا: إنَّما أهَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ استَقلَّتْ به ناقتُه، ثُمَّ مضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فلمَّا عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ أهَلَّ، وأدْرَكَ ذلك منه أقوامٌ، فقالوا: إنَّما أهَلَّ حِينَ عَلا على شَرَفِ البَيْداءِ، فنقَلَ كلٌّ مِنْهم ما سَمِعَ، وظهَرَ بذلك أنَّ الخلافَ وقَعَ في ابتِداءِ الإهْلالِ والإحْرامِ مِنَ المِيقاتِ.ويجمعها: ما رَواه أبو داودَ: عنِ ابنِ عبَّاسٍ -رَضيَ اللهُ عَنهُما- قال: «وايمُ اللهِ، لقد أوجَبَ في مُصَلَّاه، وأهَلَّ حينَ استقَلَّتْ به ناقتُه، وأهَلَّ حينَ عَلا على شرَفِ البَيْداءِ». فوائد الحديث
الوصية بالتقوى لقد أكثر الله -عزَّ وجلَّ- في آيات الحجِّ -على قلَّتها- من الوصيَّة بالتقوى؛ لأنَّه يحصل في الحجِّ من أسباب التقوى ما لا يحصل في غيره، وذلك مع الوعي الصحيح لحقيقة الحج ومغزاه، وقد تكرَّرت الوصيَّة بتقوى الله في سياق آيات الحجِّ من سورة البقرة، ففي الآية الأولى من هذه الآيات قال الله -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، وفي أثناء هذه الآيات قال -سبحانه-: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}، وختم -جلَّ وعلا- آيات الحجِّ بقوله: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.والتقوى هي أعظمُ وصيَّة وخيرُ زاد ليوم المعاد، وهي وصيَّة الله للأوَّلين والآخرين من خلقه، كما قال -سبحانه-: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}، وهي وصيَّة النَّبيِّ الكريم - صلى الله عليه وسلم - لأمَّته، فقد كان -صلى الله عليه وسلم - إذا بعث أميراً على سريَّة أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمَن معه من المسلمين خيراً، وكان كثيرَ الوصيَّة بها في خُطبه، ولَمَّا خطب الناسَ في حجَّة الوداع يوم النحر وصَّى الناسَ بتقوى الله، ولم يزل السَّلف الصالح يتواصون بها؛ وذلك لأنَّها خيرُ زاد يبلغ إلى رضوان الله، ولَمَّا قال رجل لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: اتَّق الله، أجابه عمرُ بقوله: «لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم نقبلها»، والنقول عن السلف في هذا كثيرة. وللتقوى على أهلها منافعُ عظيمةٌ وثمارٌ كريمةٌ وفوائدُ جَمَّةٌ في الدنيا والآخرة، فمن ثمارها حصولُ العلم النافع، قال الله -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ}، وقال -تعالى-: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}، ومن ثمارها الخروج من المحن وتحصيل الرّزق الطيِّب وتيسُّر الأمور، قال -تعالى-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، وقال -سبحانه-: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا}، ومن ثمارها {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}، و{أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} ومن ثمارها نيلُ الفلاح والفوزُ بالمغفرة، قال -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وقال -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، ومن ثمارها حصولُ الرِّفعة في الدنيا والآخرة، قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، وحصولُ العاقبة الحميدة، قال الله -تعالى-: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، ومن أجَلِّ ثمارها دخولُ الجنَّة والتشرُّف برؤية الله -تبارك وتعالى-، قال الله -تعالى-: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} وقوله -سبحانه-: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}، وثمارُ التقوى لا تُحصَى، وفضائلُها لا تُستقصى، وأكرمُ الناس عند الله أعظمهم تقوىً له -سبحانه-، قال -تعالى-: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: البَعثُ بالهَدْي وتَقْليدها وهُو حلال
عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عبدالرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ ابْنَ زِيَادٍ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّ عبداللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا، حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ، حَتَّى يُنْحَرَ الْهَدْيُ، وَقَدْ بَعَثْتُ بِهَدْيِي، فَاكْتُبِي إِلَيَّ بِأَمْرِكِ. قَالَتْ عَمْرَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِيَدِهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ، حَتَّى نُحِرَ الْهَدْيُ. وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمَاً، فَقَلَّدَهَا.. الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/959) باب: استحباب بعث الهدي إلى الحَرَم لمن لا يُريد الذهاب بنفسه، واسْتحباب تقليده وفتل القلائد، وأنّ باعثه لا يصير مُحْرماً، ولا يَحرم عليه شيء بذلك، ورواه البخاري في الحج (1700) باب: مَنْ قلّد القَلائد بيده.
فَتْوى ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- وفي هذا الحديثِ: أخبَرَتْ عَمْرةُ بِنتُ عبدالرَّحمنِ أنَّ زِيادَ بنَ أبي سُفيانَ كَتَبَ إلى عائِشةَ -رضي الله عنها-: إنَّ عبداللهِ بنَ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- كان يُفتي: بأنَّ مَن أَهْدى هدْيًا- مِن الإبلِ أو البَقرِ، أو الغنَمِ أو المَعْزِ- للبيتِ الحَرامِ، فبَعَثَ به لِيُذبَحَ في الحجِّ، ولكنَّه لم يَتلبَّسْ بالنُّسُكِ، ولم يُسافِرْ للحجِّ، بلْ بقِيَ في مَوطنِه، فإنَّه يَحرُمُ عليه ما يَحرُمُ على الحاجِّ؟ فلا يَقرَبُ الطِّيبَ ولا النِّساءَ، ولا غيرَ ذلك مِن مَحظوراتِ الإحرامِ، ويَظَلُّ على ذلك حتَّى يُنْحَرَ هَدْيُه.فلمَّا سَمِعَتْ أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- فَتْوى ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-، ردَّتْ هذه الفتْوى بأنَّها مُخالِفةٌ لِما فَعَلَه رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم -، فقدْ كانتْ تَصنَعُ القلائدَ- وهي الأطواقُ- الَّتي كانت تُوضَعُ في رِقابِ هدْيِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - التي كان سيُرسِلُها، وهو غيرُ حاجٍّ وغيرُ مُتلبِّسٍ بالنُّسكِ، ثُمَّ وضَعَها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - بيَدِه الشَّريفةِ على الهدْيِ، وبعَثَ بها مع أبي بَكرٍ - رضي الله عنه - إلى الحجِّ، سَنةَ تِسعٍ مِن الهِجرةِ لَمَّا حَجَّ بالناسِ، ولمْ يَلتزِمِ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم - بما يَلتزِمْ به المُحرِمُ، ولم يَحرُمْ عليه شَيءٌ أحلَّه اللهُ لغيرِ المُحرِمِ بحَجٍّ أو عُمرةٍ. «ثمّ بعَثَ بها معَ أبي» وفي رواية البخاري قالت: «ثمّ بعَثَ بها معَ أبي» تُريد بذلك أباها أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -، واستفيد من ذلك: وقت البَعث، وأنّه كان في سنة تسع عام حجّ أبي بكر بالناس، وروى مالك في «الموطأ»: عن ربيعة بن عبدالله بن الهدير: أنّه رأى رجُلاً مُتجرّداً بالعراق، فسأل عنه، فقالوا: إنّه أمر بهديه أنْ يقلّد، قال ربيعة: فلقيت عبدالله بن الزبير فذكرت له ذلك، فقال: «بِدْعةٌ وربّ الكعبة». ورواه ابن أبي شيبة.قال ابن التين: خالفَ ابنُ عباس في هذا جميع الفقهاء، واحتجت عائشة بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما روته في ذلك يَجبُ أنْ ُيصار إليه، ولعلّ ابن عباس رَجَع عنه، فتعقّبه الحافظ بقوله: وفيه قصورٌ شديدٌ، فإنّ ابن عباس لمْ ينفرد بذلك، بل ثبتَ ذلك عن جماعةٍ مِنَ الصحابة. وقال ابن المنذر: قال عمر، وعلي، وقيس بن سعد، وابن عمر، وابن عباس، والنخعي، وعطاء، وابن سيرين وآخرون: مَنْ أرسلَ الهدي وأقام، حَرُم عليه ما يحرم على المُحْرم، وقال ابن مسعود وعائشة وأنس، وابن الزبير وآخرون: لا يصير بذلك مُحْرماً، وإلى ذلك صار فقهاء الأمْصَار. اسْتقرّار الأمر على خلاف ما قال ابن عباس وجاء عن الزهري ما يدلّ على أن الأمر اسْتقرّ على خلاف ما قال ابن عباس، ففي البيهقي: عنه قال: أول مَنْ كشَفَ العَمَى عن الناس، وبيّنَ لهم السُّنّة في ذلك عائشة. فذكر الحديث عن عروة وعمرة عنها، قال: فلما بلغ الناس قول عائشة، أخذوا به، وتركوا فتوى ابن عباس، وبه قال الجمهور: لا يصير بتقليد الهَدي وإهْدائه مُحْرماً، ولا يجبُ عليه شيء.قال الحافظ ابن حجر: وله حالان: إمّا أنْ يَسوقَ الهَدْي، ويَقصد النُّسك، فإنّما يُقلّدها ويُشْعرها عند إحْرامه، وإمّا أنْ يَسوقه ويُقيم، فيُقلّدها مِنْ مكانه. وهو مقتضى حديث الباب. انتهى. وقال ابن التين: يحتمل أنْ يكونَ قولُ عائشة: «ثُمّ قلّدها بيدِه» بَياناً لحِفظها للأمر ومعرفتها به، ويحتمل أنْ تكونَ أرادتْ أنّه - صلى الله عليه وسلم - تَناولَ ذلك بنفسِه، وعَلمَ وقتَ التّقليد، ومع ذلك فلمْ يَمتنع مِنْ شَيءٍ يَمتنع منه المُحْرِم، لئلا يَظنّ أحَدٌ أنه اسْتباح ذلك قبل أنْ يعلم بتقليد الهدي. الحديث الثاني عنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمَاً، فَقَلَّدَهَا. في هذا الحديثِ تُخبِرُ عائشةُ -رضي الله عنها-: «أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - أهْدَى مرَّةً غَنمًا» أي: في مَرَّة مِن مرَّاتِ إرْسالِه - صلى الله عليه وسلم - للهَديِ إلى الحرم، كانتْ غَنماً، وهو يدلُّ على جواز إهداء الغَنم إلى الحرم، ولا يلزم أنْ تكون مِنَ الإبل.وما أهداه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ليس هو هدْيَ الإحْرَام، ولهذا أقام حلالًا بعدَ إرسالِه، ولم يُنقَلْ أنّه أهدَى غنماً في إحْرامِه، ولا مانع مِن إهداء مَنْ أحرمَ بالغنمِ. قولها: «وقلَّدها» أي: جَعَل في عُنُقِها قِلادةً، يُستدلُّ بها على أنَّها مِن ذَبائحِ الهَديِ. من فوائد الحديثين
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: ركوب البدنة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّها بَدَنَةٌ؟ فَقَالَ: «ارْكَبْهَا وَيْلَكَ، فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ»، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؛ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ؛ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْها، حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/960-961) باب: جواز ركوب البدنة المُهداة لمن احتاج إليها. الحديث الأول في الحديثِ الأول: يَرْوي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه -: أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- رَأى رجُلًا ماشياً على قَدمَيه، ويَسوقُ أمامَه بَدَنةً، قدْ أهْداها إلى البَيتِ الحرامِ، يَتقرَّبُ بها إلى اللهِ -تعالى-، والبَدَنةُ: تكونُ مِنَ الإبلِ خاصَّةً، وقيل: البُدْنُ تُطلَقُ على الإبلِ والبقَرِ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِرُكوبِها؛ ليَستريحَ ولا تحَصَلَ له مَشقَّةِ المَشْيِ ولا التّعب، فأخْبَرَه الرَّجُلُ أنَّها بَدَنةٌ مُهداةٌ إلى الكَعبةِ، فكيف يَركَبُها؟فقال له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المرَّةِ الثانيةِ أو الثالثةِ: «ارْكَبْها، وَيلَكَ!» وأصلُ الوَيلِ: العذابُ الشَّديدُ، وهو غيرُ مَقصودٍ هنا، وإنَّما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَغلُظَ له في القَولِ لِيركَبَها. وفيه: مَشروعيَّةُ رُكوبِ الهَدْيِ لمَن احتاج إليها، حتّى يجدَ ظهراً. وهو مذهبُ الشافعي في رُكوب الهَدي؛ إذْ يقول: إنّه يَرْكبُها إذا احْتاج، ولا يَرْكبها مِنْ غيرِ حاجة، ويَركبُها بالمَعروف مِنْ غَيرِ إضْرار بها، وبهذا قال ابن المنذر وجماعة، وهو رواية عن مالك. وقال عروة بن الزبير ومالك في الرواية الأخرى وأحمد وإسحاق: له رُكوبها مِنْ غير حاجةٍ، بحيث لا يضرّها، وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يَركبها إلا أنْ لا يجدَ منْه بُدّاً. وحكى القاضي عن بعض العلماء: أنه أوْجبَ رُكوبها المُطلق؛ للأمْر بذلك، ولمُخَالفة ما كانت الجَاهلية عليه مِنْ إكرام البَحِيرة والسائبة والوصيلة والحامي، وإهْمَالها بلا رُكوب. ودليل مَن منعَ منْ غير حاجة: أنّ الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهْدَى ولمْ يَرْكب هديه، ولمْ يأمر الناسَ برُكوب الهَدَايا، ودليلنا على عروة وموافقيه رواية جابر المذكورة. والله أعلم. «انظر: شرح النووي». فوائد الحديث
الحديث الثاني عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عبداللَّهِ -رضي الله عنهما-: سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ؛ فَقَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ؛ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْها، حَتَّى تَجِدَ ظَهْراً». في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ أبو الزُّبيرِ محمَّدُ بنُ مُسلِمٍ الأسدي مولاهم، أنَّ جابرَ بنَ عبداللهِ -رضي الله عنهما- سُئلَ عنْ رُكوبِ الهَديِ، وهو كلُّ ما يُهْدَى إلى البَيتِ منَ الأنْعامِ؛ قُربةً إلى اللهِ، فذكَرَ جابرٌ - رضي الله عنه - قَولَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم-: «اركَبْها بالمَعروفِ»، أي: بِوَجهٍ لا يَلحَقُها ضَررٌ، «إذا أُلْجِئْتَ» يعني: إذا اضطُررْتَ إلى رُكوبِها، «حتَّى تَجِدَ ظَهراً» أي: حتّى تجدَ مَركوباً آخَرَ منَ الدَّوابِّ غيرِ الهَديِ.باب: ما عَطِبَ مِنَ الهَدْي قبل محله عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ؛ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتاً فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلَا تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/963) باب: ما يفعلُ بالهَدْي إذا عَطِب في الطّريق.في هذا الحَديثِ يَرْوي أبو قَبيصةَ ذُؤيبُ بنُ حَلْحَلةَ الخُزاعيُّ - رضي الله عنه -: أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - كان يَبعَثُ مَعه بالبُدْنِ- وهي الأنعامُ الَّتي تُهْدى إلى بيتِ اللهِ الحرامِ- ثُمَّ يقولُ لَه: «إنْ عَطِبَ مِنها شَيءٌ» أي: أصابه أمرٌ يمنعها من السّير، مِن كسرٍ أو مرَضٍ أو تعَبٍ يَغلِبُ معه هَلاكُها وموتُها قبْلَ وُصولِها إلى مَوضعِ الذَّبحِ. قوله: «فانْحَرْها» واذْبَحْها في مَكانِها، «ثُمَّ اغمِسْ نَعْلَها» المُقلَّدَةَ بها في دَمِها، «ثُمَّ اضرِبْ» بهذا النَّعلِ المُلطَّخِ بالدَّمِ على صَفحتِها، أي: اجعَلِ النَّعلينِ على جانبِ سَنامِ البُدنِ؛ ليكونَ ذلك عَلامةً مَعروفةً؛ لكيْ يَعرِفَها مَن يمُرُّ بها، فمَن جاء بعْدَهم يَنظُرُ إليها ويَعرِفُ أنَّها هدْيٌ، وقد عَطِب، فيَأكُلُ منها دونَ حرَجٍ، فلا يَحسَبُها مَيتةً؛ وذلك أنَّ الطُّرقَ الَّتي يَسلُكُها النَّاسُ في أسفارِهم كانت مَعروفةً مِن قِبَلِ غيرِهم. وأيضا: فإنَّ العادةَ الغالبةَ أنَّ ساكِنِي الصَّحراءِ -البَدْو- وغيرَهم، يَتَّتبعون مَنازلَ الحجيجِ لالتقاطِ ما خلَّفوه في أماكنِ راحتِهم. قوله: «وَلا تَطعَمْها أنت ولا أَحدٌ مِن أهلِ رُفْقتِك» أي: لا يَأكُلْ منها الوكيل ولا أحدٌ ممّن معه، سَواءٌ كان فَقيراً أم غَنيّاً، وفي هذا قطْعُ الذَّريعةِ؛ لئلَّا يَتوصَّلَ بعضُ النَّاس إلى نحْرِ الهدْيِ، أو تَعييبِه قبْلَ أوانِه. من فوائد الحديث
الافتقار إلى الله -تعالى- إن من أخص خصائص العبودية: الافتقار المطلق لله -تعالى-، فهـو «حقيقـة العبـودية ولبُّها»، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} (فاطر:15)، قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: «يخبر -تعالى- بغناه عما سواه، وبافتقار المخلوقات كلها إليه، وتذللها بين يديه قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ} أي: محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات وهو -تعالى- الغني عنهم بالذات؛ ولهذا قال -عز وجل-: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} أي: هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه».وقال -تعالى- فـي قصة موسى -عليه الصلاة والسلام-: {فَقَالَ رَبِّ إنِّي لِـمَا أَنزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}(القصص: 24)، وقال -تعالى-: {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} (محمد: 38)، وقال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (العنكبوت: 6). عرَّف الإمام ابن القيم -رحمه الله- الافتقار إلى الله بقوله: «حقيقة الفقر: ألا تكون لنفسك، ولا يكون لها منك شيء؛ بحيث تكون كلك لله، وإذا كنت لنفسك فثمَّ ملْك واستغناء مناف للفقر». ثم قال: «الفقر الحقيقي: دوام الافتقار إلى الله في كل حال، وأن يشهد العبد في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقـة تامـة إلى الله -تعالى- من كل وجه». فالافتقار إلى الله -تعالى- أن يُجرِّد العبد قلبه من كل حظوظها وأهوائها، ويُقبل بكليته إلى ربه -عـز وجل- متذللاً بين يديه، مستسلماً لأمره ونهيه، متعلقاً قلبه بمحبته وطاعته، قال الله -تعالى-: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} (الأنعام). والمتأمل في أنواع العبادة القلبية والعملية يرى أن الافتقار فيها إلى الله هو الصفة الجامعة لها، فبقدر افتقار العبد فيها إلى الله، يكون أثرها في قلبه، ونفعها له في الدنيا والآخرة، وحسبك أن تتأمل في الصلاة أعظم الأركان العملية، فالعبد المؤمن يقف بين يدي ربه في سكينة، خاشعاً متذللاً، خافضاً رأسه، ينظر إلى موضع سجوده، يفتتحها بالتكبير، وفي ذلك دلالة جليَّة على تعظيم الله -تعالى- وحده، وترك ما سواه من الأحوال والديار والمناصب. وأرفع مقامات الذلة والافتقار أن يطأطئ العبد رأسه بالركوع، ويعفِّر جبهته بالتراب مستجيراً بالله منيباً إليه؛ ولهذا كان الركوع مكان تعظيم الله -تعالى-، وكان السجود مكان السؤال، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: «فأما الركوع فعظّموا فيه الرب -عز وجل-، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم»؛ ولهذا كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في ركوعه: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت. خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي». اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: الاشْتَراكُ في الهَدْي
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ والبَقَرِ، كُلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا فِي بَدَنَةٍ، الحديث رواه مسلم في الحج (2/955) باب: الاشْتراك في الهدي، وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة. في هذا الحديثِ يُخبِرُ جابِرُ بنُ عبداللهِ -رَضِي اللهُ عنهما- أنَّهم عِندما كانوا مع النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الحجِّ، أَمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يشْتركَ في الإبِلِ والبَقَرِ، كلُّ سَبعةٍ منْهم في بَدَنةٍ، وهذا يَعني: أنَّ الهَدْيَ إذا كان جَمَلًا أو بَقرةً، أجْزَأَ فيه أن يَشترِكَ فيها سَبعةٌ، وفي رِواية أُخرى عندَ مُسلمٍ: «اشتَرَك كلُّ سَبْعةٍ منْهم في بَدَنَةٍ». والبَدَنةُ: تكونُ مِن الإبلِ خاصَّةً، وقيل: البُدْنُ تُطلَقُ على الإبلِ والبقَرِ.وفي رواية له: فقال رجُلٌ لجابرٍ: «أَيُشْتَرَكُ في البَدنةِ، ما يُشتَرَكُ في الجَزُورِ؟» والجَزُورُ: هو الصَّغِيرُ مِن الجِمَالِ، وقيل: إنَّ البَدَنةَ هي الَّتي تُهدَى للبيتِ قبْلَ الإحرامِ بالنُّسُكِ، وأمَّا الجَزورُ فهو ما اشْتُرِيَ مِن الإبِلِ وأُهدِيَ للبيتِ بعْدَ الإحرامِ، ولذلك سَألَ الرَّجلُ عنها: وهلْ يَجوزُ الاشْتراكُ فيها أيضًا؟ فقال له جابرٌ: «ما هي إلَّا مِن البُدْنِ» أي: إنَّ الجَزُورَ لَمَّا اشتُرِيَت للنُّسُكِ صار حُكمُها كالبُدْنِ. حضور جابر - رضي الله عنه - الحديبية وأخبَرَ أبو الزُّبيرِ- وهو راوي الحديثِ عن جابرٍ - رضي الله عنه - أنَّ جابرًا قد حضَر الحُدَيْبِيَةَ، وهي الواقعةُ الَّتي مُنِع فيها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - والمسلِمون مِن دُخولِ مَكَّةَ لأداءِ العُمرةِ، فحَلَّ ونَحَر الهَدْيَ في مكانِه الَّذي أُحصِرَ فيه، وكانت في السَّنةِ السَّادسةِ مِن الهجرةِ، والحُدَيبيَةُ اسمٌ لبِئرٍ يقَعُ بالقُربِ مِن مكَّةَ على بُعدِ حوالَيْ 20 كم على طَريقِ جُدَّةَ القَديمِ.وأخبَرَ جابرٌ - رضي الله عنه - أنَّهم نَحَروا يومئذٍ سَبعينَ بَدَنةً، اشترَكَ كلُّ سَبعةٍ في بَدَنةٍ، وفي رِوايةٍ: «فأَمَرَنا» أي: النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - «إذا أَحْلَلْنا أنْ نُهدِيَ، ويَجتمِعَ النَّفَرُ منَّا في الهَدِيَّةِ» أي: يَشترِكَ الجماعةُ إلى السَّبعةِ في البَدَنةِ الواحدةِ، «وذلك حينَ أمَرَهم أنْ يَحِلُّوا مِن حَجِّهم» أمَّا الحجُّ فأراد به حَجَّةَ الوداعِ، وأمَّا العمرةُ فأراد بها عُمرةَ الحُدَيبيةِ، كما يُشيرُ إليه قولُه: «وحضَرَ جابرٌ الحُدَيبيةَ». فوائد الحديث
باب: الهَدْي مِنَ البَقَر عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/956) الباب السابق، ورواه البخاري في كتاب الحَج (1709): باب ذَبحُ الرجلِ البَقر عن نِسَائه منْ غيرِ أمْرهنّ.رواه عن عمرة بنت عبدالرحمن عن عائشة -رضي الله عنها- تقول: خرجنا مع رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - لخَمْسٍ بقين من ذي القعدة لا نَرَى إلا الحجّ، فلمّا دَنَونا مِنْ مكّة، أمَرَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مَنْ لمْ يكنْ مَعَه هَدْيٌ، إذا طَافَ وسَعَى بينَ الصّفَا والمَرْوة أنْ يُحلّ. قالت: فدُخلَ علينا يومَ النّحر بلَحْمِ بَقَر، فقلتُ: ما هذا؟ قال: نَحَرَ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - عن أزْواجه. قال الحافظ: قوله: باب: ذَبْح الرّجل البَقَر عن نِسائه مِنْ غيرِ أمْرِهنّ، أمّا التّعبير بالذّبح مع أنّ حديث الباب بلفظ النّحر، فإشارةٌ إلى ما ورد في بعض طرقه بلفظ «الذّبح»، ونَحْرُ البقر جائزٌ عند العلماء، إلا أنّ الذّبحَ مُسْتحبٌ عندهم، لقوله -تعالى-: {إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (البقرة:67). وخالف الحسن بن صالح فاستحبّ نَحْرها. قوله: «مِنْ غيرِ أمْرهِنّ» وأما قوله: «مِنْ غيرِ أمْرهِنّ» فأخَذه منْ اسْتفهام عائشة عن اللّحم، لمّا دَخَل به عليها، ولو كان ذَبَحه بِعِلْمها، لمْ تَحتَج إلى الاسْتفهام، لكنْ ليسَ ذلك دافعاً للاحتمال، فيجوز أنْ يكونَ علمُها بذلك تقدم بأن يكون استأذنهن في ذلك لكن لما أدخل اللحم عليها احتمل عندها أن يكون هو الذي وقع الاستئذان فيه وأن يكون غير ذلك فاستفهمت عنه لذلك.قولها: «فدُخلَ علينا» وقولها: «فدُخلَ علينا» بضم الدال على البناء للمَجْهول. «بلَحْم بَقر» قال ابنُ بطّال: أخذ بظاهره جَماعة، فأجازُوا الاشْتراك في الهَدْي والأضْحية، ولا حُجّة فيه؛ لأنّه يحتمل أنْ يكون عن كلّ واحدةٍ بَقرة، وأمّا رواية يونس، عن الزهري عن عمرة عن عائشة: أنّ رسُول الله -صلى الله عليه وسلم - نحر عن أزواجه بقرة واحدة. فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك وقد خالفه غيره اهـ.فتعقّبه الحافظ بقوله: رواية يونس أخرجها النسائي وأبو داود وغيرهما، ويونس ثقةٌ حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائي أيضاً، ولفظه أصْرح من لفظ يونس، قال: ما ذبح عن آل مُحمّد في حجّة الوداع إلا بقرة. وروى النسائي أيضا من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: ذَبَحَ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عمّن اعْتَمرَ مِنْ نِسائه في حَجّة الوداع بقرة بينهن. صحّحه الحاكم، وهو شاهدٌ قويٌ لرواية الزهري. قال: واستدلّ به على أنّ الإنْسان قد يلحقه مِنْ عَملِ غيرِه، ما عَمِله عنه بِغيرِ أمْره، ولا عِلْمه، وتُعقّب باحْتِمال الاسْتئذان كما تقدم في الكلام على التّرجمة. وفيه: جَوازُ الأكل مِنَ الهَدْي والأضْحية، وسيأتي نقلُ الخِلاف فيه. انتهى مختصراً. وقيل: فيه إشْكال أنّ زوجات النّبي - صلى الله عليه وسلم - كنّ تسعة، والبَقَرة لا تجزئ إلا عن سبعة، لكن قد يقال: إنّ الثّنتين الباقيتين ذبح عنهنّ شاة شاة، والله أعلم. تعظيم الله -عزّوجل- من عظم الله -سبحانه- وقدره حق قدره، تحقق فلاحه ونجاحه وسعادته في دنياه وأخراه، بل إنَّ تعظيمه -سبحانه- أساس الفلاح، وكيف يفلح ويسعد قلب لا يعظم ربه وخالقه وسيده ومولاه؟! ومن عظم الله عرف أحقية الله -عزّ وجل- بالذل والخضوع والخشوع والانكسار له، وعظّم شرعه، وعظّم دينه، وعرف مكانة رسله. وهذا التعظيم لله -سبحانه- يعد أساسا متينا يقوم عليه دين الإسلام، بل إن روح العبادة في الإسلام هو التعظيم، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن نبينا - صلى الله عليه وسلم - (سيد ولد آدم إمام الأولين والآخرين وقدوة الخلائق أجمعين وأتقى الناس لرب العالمين) أنه -صلى الله عليه وسلم - كان يقول في ركوعه وسجوده -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم -: «سُبْحَانَ ذِى الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ»، وكان يقول -صلى الله عليه وسلم -: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ -عزّ وجل-»، وكان -صلى الله عليه وسلم - يقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الْعَظِيمِ»، ويقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّىَ الأَعْلَى»، ويقول -صلى الله عليه وسلم -: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ ثَقِيلَتَانِ فِى الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ»، ومن أسماء ربنا وخالقنا ومولانا الحسنى «العظيم»، وهو -جل وعلا- عظيم في أسمائه، وعظيم في صفاته ، وعظيم في أفعاله، وعظيم في كلامه، وعظيم في وحيه وشرعه وتنزيله، بل لا يستحقّ أحدٌ التّعظيم والتكبير والإجلال والتمجيد غيره، فيجب على العباد أن يعظّموه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته ومحبّته والذّل له والخوف منه، ومن تعظيمه -سبحانه- أن يطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يُكفر، ومن تعظيمه وإجلاله أن يخضع لأوامره وشرعه وحكمه، وألا يُعترض على شيء من شرعه، وهو -جل وعلا- عظيم مستحق من عباده أن يعظموه حق التعظيم ، وأن يقدروه حق قدره ، قال الله -تعالى-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67)، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك؛ فضحك النبي -صلى الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لقول الحبر! ثم قرأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}.اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: نَحرُ البُدْن قِيَامًا مُقَيَّدَةً
عَنْ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَتَى عَلَى رَجُلٍ، وَهُوَ يَنْحَرُ بَدَنَتَهُ بَارِكَةً؛ فَقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ - صلى الله عليه وسلم -. رواه مسلم في الحج (2/956) باب: نحر البُدن قياماً مقيدة، ورواه البخاري في كتاب الحج (1713) باب: نحر الإبل مقيدة. في هذا الحَديثِ يَروي التابعيُّ زِيادُ بنُ جُبَيْرٍ: أنَّه رَأى عبداللهِ بنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما- وقدْ مرَّ على رجُلٍ، لم يُذكر اسمه، «وهو ينحر بدَنتَه باركة» زاد أحمد: «ليَنْحرَها بمنَى»؛ أي: قد أقعدها ليَنحرها وهي باركة على الأرض، والبَدَنةُ: تكونُ مِن الإبلِ خاصَّةً. «ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً» فَقَالَ: «ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً» «ابعثها» أي: أثِرْها وأقمها، يقال: بَعثتُ الناقة أثرتها، قوله: «قِيَاماً مُقيّدة» أي: معقولة الرجل، قائمة على ما بقي من قوائمها، ولأبي داود: من حديث جابر: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابه كانوا يَنْحرُون البدنة، مَعْقولة اليُسْرى، قائمةً على ما بَقِي منْ قوائمها. وروى سعيد بن منصور: عن سعيد بن جبير: رأيتُ ابنَ عُمر يَنْحرُ بدنته، وهي معقولة إحدى يديها، فأمَرَه ابنُ عُمَرَ وأرْشَدَه أنْ يَجعَلَها واقفةً مُقيَّدةً مَربوطةَ اليَدِ اليُسرى، ثمَّ يَنحَرَها قائِمةً، وبيَّن له أنَّ ذلك هو سُنَّةُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: «سنّة محمد» بنصب سنة بعامل مضمر، كالاختصاص، أو التقدير: مُتّبعاً سُنّة محمد. ونحْرُ الإبلِ: هو أنْ يَضرِبَها بحَربةٍ أو سكين في الوَهْدةِ التي بيْن أصلِ عُنُقِها وصَدْرِها. وقيل: إنَّ الحِكمةَ في تَخْصيصِ الإبِلِ بالنَّحْرِ قائمةً، هو طُولُ العُنُقِ؛ إذْ لو ذُبِحَت قريبًا مِن الرَّأسِ، لكان مَجرَى الدَّمِ مِنَ القَلبِ إلى محَلِّ الذَّبحِ بعيدًا، فلا يُساعِدُ على إخراجِ جَميعِ الدَّمِ بيُسرٍ، بخلافِ النَّحْرِ في آخِرِ العُنقِ، فإنَّه يُقَرِّبُ المسافةَ ويُساعِدُ القَلبَ على دَفْعِ الدَّمِ كُلِّه، أمَّا البقرُ والغَنَمُ فالذَّبحُ مُناسِبُ لهما. فوائد الحديث
باب: الصّدقة بلُحُوم الهَدْي وجِلالها وجُلُودها عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وجُلُودِهَا وأَجِلَّتِهَا، وأَنْ لَا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا. قَالَ: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا». رواه مسلم في الحج (2/954) وبوب عليه النووي، بمثل ما بوّب المنذري. في هذا الحَديثِ يروي علِيُّ بنُ أبي طالبٍ - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَه وهو في الحجِّ، لِيَتولِّي أمْرَ البُدْنِ الَّتي جَعَلَها هَدْياً، في ذَبْحِها وتَفرِقتها على الفُقراءِ. وفي رِوايةٍ للبُخاريِّ: «أهْدى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِئةَ بَدَنةٍ». وفي صَحيحِ مُسلمٍ: مِن حَديثِ جابرٍ - رضي الله عنه -: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نحَرَ ثَلاثًا وسِتِّينَ بيَدِه، ثمَّ أعْطى علِيًّا، فنَحَرَ ما غَبَرَ-أي: ما بَقِيَ-، وأشْرَكَه في هَدْيِه إلى المنحَرِ». والبُدْنُ: جمْعُ بَدَنةٍ، وهي بَهيمةُ الأنعامِ التي تُهْدى إلى البيتِ الحرامِ للتَّقرُّبِ بها إلى اللهِ -تعالى-، وتكونُ مِن الإبلِ خاصَّةً، وقيل: البُدْنُ تُطلَقُ على الإبلِ والبقَرِ. وأمَرَه - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَقسِمَ لُحومَها في المساكِينِ فقَسَمَها، ثمَّ أمَرَه أنْ يَقسِمَ جِلالَها وجُلودَها فقَسَمَهما، والجِلالُ: ما تَلبَسُه الدَّابَّةُ مِن كِساءٍ وقِلادةٍ ونحْوِها، وذلك لئلَّا يَعودَ إليه منها شَيءٌ؛ لأنَّه أخْرَجَها للهِ. التجليل سُنّة قال القاضي: التجليل سُنّة، وهو عند العلماء مُختصٌّ بالإبل، وهو ممّا اشْتُهر من عمل السلف، قال: وممّن رآه مالك والشافعي وأبوثور وإسحاق. قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا يتلطخ بالدم، قالوا: ويُستحبّ أنْ تكون قيمتها ونفاستها بحسَب حال المُهدي، وكان بعض السلف يُجلّل بالوشي، وبعضهم بالحبرة، وبعضهم بالقباطي والملاحف والأزر، قال مالك: وتشق على الأسنمة إنْ كانت قليلة الثمن، لئلا تسقط، قال مالك: وما علمت مَنْ تَرَك ذلك إلا ابن عمر، اسْتبقاء للثياب، لأنّه كان يُجلّل الجلال المرتفعة من الأنماط والبرود والحبر. قال القاضي: وفي شقّ الجِلال على الأسنمة فائدة أخرى، وهي إظْهار الإشْعار لئلا يَسْتتر تحتها. انتهى. وكذلِك أمَرَه ألَّا يُعْطي الجَزَّارَ شَيئاً منْها أجرةً على عَمَلِه فيها، فإعطاءُ الجَزَّارِ شَيئاً منها عِوَضًا مِن فِعلِه وذَبْحِه بَيعٌ، ولا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِن لَحْمِها، وأمَّا إعطاؤه صَدَقةً، أو هَديةً، أو زِيادةً على حقِّه، فلا حَرَجَ فيه. قال النووي: ومذهبنا أنّه لا يجوزُ بَيعُ جلدِ الهَدْي ولا الأضْحية، ولا شيء مِنْ أجزائهما، لأنّها لا ينتفع بها في البيت ولا بغيره، سواءً كانا تطوعاً أو واجبتين، لكن إنْ كانا تطوعاً، فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وغيره، ولا يجُوز إعْطاء الجزار منْها شيئاً بسببِ جزارته، هذا مذهبنا، وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد وإسحاق... فوائد الحديث
محبة النبي - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان إن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من أوثق عرى الإيمان، ومن أعظم درجات الدين، وهي دالة على صدق إيمان الإنسان، ولما كانت هذه المحبة أهم الحقوق الواجبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته، جعلها الله فوق محبة الإنسان لنفسه، وأهله، وماله، والناس أجمعين كما قال الله -تعالى-: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:24) فهذه الآية دليل واضح على وجوب تقديم حب النبي - صلى الله عليه وسلم - وحقه على كل حب وحق، وليت شعري أين نحن من هذه الآيـة؟! قال القاضي عياض: «كفى بهذه الآيـة حضا وتنبيهاً، ودلالة وحجة على لزوم محبته، ووجوب فرضها، واستحقاقه لها - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ قرع -تعالى- من كان ماله، وأهله، وولده، أحب إليه من الله ورسوله، وأوعدهم بقوله -تعالى-: فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، ثم فسقهم بتمام الآية، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله». إن هذه الآية لم تجعل الواجب على الناس حب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقط! بل ذهبت إلى ما هو أعلى من ذلك ألا وهو أن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من الأموال، والأولاد، والإخوان، والأزواج! ويتطلب ذلك أن يقتدي الإنسان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في شؤون حياته، وهو متابعته، وعدم مخالفـة سنته كما قال -تعالى-: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31)، ومما يدل على أن محبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الإيمان قوله - صلى الله عليه وسلم -: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: طَوافُ الإفاضة يومَ النّحر
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى. قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفِيضُ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَهُ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/950) باب: اسْتِحباب طواف الإفاضة يوم النّحر. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجليلُ عبداللهِ بنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم - وهو في حَجَّةِ الوَداعِ في السَّنةِ العاشِرةِ- «أَفاضَ يومَ النَّحرِ» أي: طافَ بالبيتِ الحرامِ طَوافَ الإفاضةِ، وهُوَ الطَّوافُ بالبيتِ الَّذِي يَعقُبُ الوُقوفَ بعَرَفةَ ورَمْيَ الجَمْرةِ الكُبرَى، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنَّ الحاجَّ يأتِي بَعدَ إفاضتِه مِن مِنًى إلى مَكَّةَ، ويومُ النَّحرِ هو العاشرُ مِن ذي الحِجَّةِ، وهو الموافقُ عيدَ الأضْحى، وسُمِّيَ بذلك؛ لِما يَجْري فيه مِن نَحْرِ الهَدْيِ والأضاحيِّ. رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى منى ويُخبِرُ ابنُ عُمرَ -رضي الله عنهما- أنَّه - صلى الله عليه وسلم - رجَعَ بعدَ ذلك، فصلَّى الظُّهرَ بِمِنًى، وهي موضِعُ أداءِ شعائرِ الحجِّ ومَبيتُ الحجَّاجِ في يومِ التَّرويةِ، ويومِ النَّحرِ، وأيَّامِ التَّشريقِ، حيث إنَّ فيها موقِعَ رَميِ الجَمَراتِ، والَّتي تتمُّ بينَ شُروقِ وغُروبِ الشَّمسِ في تلك الأيَّامِ منَ الحجِّ، ويُذبَحُ فيها الهَديُ. وقيلَ: صَلاتُه - صلى الله عليه وسلم - الظُّهرَ كانتْ بمكَّةَ، كما في صَحيحِ مُسلمٍ: عن جابرٍ - رضي الله عنه -: «ثُمَّ ركِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأفاضَ إلى البيتِ، فصلَّى بمكَّةَ الظُّهرَ». وقيلَ: أنَّه - صلى الله عليه وسلم - طافَ طوافَ الإفاضةِ، ثُمَّ دخَلَ وقتُ الظُّهرِ، فصلَّى الظُّهرَ بمكَّةَ في أوَّلِ وَقتِها، ثُمَّ رجَعَ إلى مِنًى، فوجَدَ النَّاسَ يَنتَظرونَه للصَّلاةِ معَه، فصلَّى بهم مرَّةً أُخرى، فبهذا تجتمِعُ الأحاديثُ دونَ حاجةٍ إلى تَرْجيحِ بعضِها على بعضٍ. وأخبَرَ نافعٌ- وهوَ مَوْلى ابنِ عُمرَ، والرَّاوي عنه هذا الحَديثَ- أنَّ ابنَ عُمرَ -رضي الله عنهما- كان يفعَلُ مثلَ ذلك، ويُخبرُ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فعَلَه؛ وذلك لأنَّ ابنَ عُمرَ -رضي الله عنهما- كان شديد الاتباع للنَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في جَميعِ أعْمالِه، وفي السَّفَرِ والحضَرِ. فوائد الحديث
باب: من طاف بالبيت فقد حَلّ عن ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ حَاجٌّ وَلَا غَيْرُ حَاجٍّ إِلَّا حَلَّ قُلْتُ لِعَطَاءٍ مِنْ أَيْنَ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ قَوْلِ اللَّهِ -تَعَالَى-: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 33). قَالَ قُلْتُ: فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ المُعَرَّفِ. فَقَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: هُوَ بَعْدَ المُعَرَّفِ وقَبْلَهُ، وكَانَ يَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. الأثر رواه مسلم في الحج (2/913) باب: تقليد الهَدى وإشْعاره عند الإحرام. مَسألةِ وَقتِ التَّحلُّلِ مِن الإحْرامِ للحاجِّ في هذا الأثر بَيانُ اجتَهَادِ ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- في مَسألةِ وَقتِ التَّحلُّلِ مِن الإحْرامِ للحاجِّ، فقد كان يُفْتي بأنَّ مَنْ لم يَسُقِ الهَديَ، وأهَلَّ بالحَجِّ؛ فإنَّه إذا طافَ طَوافَ القُدومِ؛ فله أنْ يَتحلَّلَ قبْلَ الوُقوفِ بعَرَفةَ، وقبْلَ إتْمامِ مَناسِكِ حَجِّه، ويَجعَلَها عُمْرةً، كما في رِوايةِ مُسلِمٍ. فقال ابنُ جُرَيجٍ لعَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: مِن أينَ قال هذا ابنُ عَبَّاسٍ؟ أي: مِن أينَ استَدَلَّ على هذا الحُكمِ؟ فقال عَطاءٌ: مِن قَولِ اللهِ تعالى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 33)، ومِن أَمْرِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه الذين لم يَسُوقوا الهَدْيَ أنْ يَحِلُّوا في حَجَّةِ الوَداعِ، ويَجْعَلوها عُمْرةً، فقال ابنُ جُرَيجٍ: إنَّما كان ذلك بعْدَ المُعَرَّفِ، والمُعرَّفُ: هو الوُقوفُ بعَرَفةَ، قال عَطاءٌ: كان ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- يَرى ذلك قبْلَ الوُقوفِ بعَرَفةَ وبعْدَه. مخالفة مذهب العلماء واجتِهادُ ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- مُخالِفٌ لمَذهَبِ العُلَماءِ كافَّةً؛ فإنَّ الحاجَّ لا يَتحلَّلُ بمُجَرَّدِ طَوافِ القُدومِ؛ بلْ لا يَتحلَّلُ حتَّى يَقِفَ بعَرَفاتٍ، ويَرْميَ، ويَحلِقَ، ويَطوفَ طَوافَ الزِّيارةِ، فحينَئذٍ يَحصُلُ التَّحَلُّلانِ، ويَحصُلُ الأوَّلُ باثنَيْنِ مِن هذه الثَّلاثةِ الَّتي هي: رَميُ جَمْرةِ العَقَبةِ، والحَلْقُ، والطَّوافُ. وأمَّا احْتِجاجُ ابنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- بالآيةِ، فلا دَلالةَ له فيها؛ لأنَّ قَولَه -تعالى-: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (الحج: 33)، مَعْناه: لا تُنحَرُ إلَّا في الحَرَمِ، وليس فيه تعَرُّضٌ للتَّحلُّلِ مِن الإحْرامِ. وأمَّا احْتِجاجُه بأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَهم في حَجَّةِ الوَداعِ بأنْ يَحِلُّوا، فلا دَلالةَ فيه؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَهم بفَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرةِ تَمتُّعاً في تلك السَّنةِ، فلا يكونُ دَليلًا لتَحلُّلِ مَن هو مُتَلبِّسٌ بإحْرامِ الحجِّ. الفوائد الواردة في الأثر
الحجُّ وزيادةُ الإيمان إنَّ في الحجِّ مجالاً واسعاً لإصلاح النفوس وتهذيب القلوب وزيادة الإيمان، وكم في الحجِّ من الدروس الرائعة والعبر المؤثّرة في إقبال القلوب على الله، وشدّة رغبها ورهبها ورجائها وخوفها، وكثرة رجوعها وإنابتها، فكم من دمعة صادقة في الحجِّ أُريقت! وكم من توبة نصوح قُبلت! وكم من عثرة أُقيلت! وكم من خطيئةٍ حُطَّتْ! وكم من دعاء خاشع أجيب! وكم من رقبة من النار أُعتقت! وعندما نتأمَّل نصوصَ القرآن والسنَّة المتعلِّقة بالحجِّ نجدُ فيها من الضوابط العظيمة والتوجيهات الحكيمة التي تحقِّق للعبد صلاحاً وزكاءً في حجِّه، بل في حياته كلِّها، كقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}، فكم في هذه النواهي {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} من دعوة وتوجيه إلى كبح جماح النفس والحدِّ من ميلها إلى رغباتها وشهواتها! وكم في قوله -سبحانه-: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} من دعوة إلى المسارعة في فعل الخيرات والمسابقة لأداء الطاعات! وكم في قوله: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} من دعوة لأخذ الأُهبة والاستعداد بالتَّزوُّد ليوم المعاد! كشأن المسافر الذي يأخذ زاده معه في سفره، قال ابن القيم -رحمه الله-: «الناسُ منذ خُلقوا لم يزالوا مسافرين، وليس لهم حطٌّ عن رحالهم إلاَّ في الجنَّة أو النار، والعاقل يعلم أنَّ السفرَ مبنيٌّ على المشقَّة وركوب الأخطار، ومن المحال عادةً أن يطلب فيه نعيماً ولذَّةً وراحةً، إنّما ذلك بعد انتهاء السفر». اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: يَكفِي القَارن طَوَافٌ واحِدٌ للحَجّ والعُمْرة
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها-: أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، عَنْ حَجِّكِ وعُمْرَتِكِ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/880) باب: بيان وجُوه الإحْرام، وأنّه يجوز إفْراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العُمرة، ومتى يحلّ القارن من نسكه. في هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائِشةُ -رضي الله عنها-: أَنَّهَا حَاضَتْ بِسَرِفَ، فَتَطَهَّرَتْ بِعَرَفَةَ...»، وفي لفظ لمسلم: عن جابر - رضي الله عنه - أنه قال: «أقْبلنا مُهْلينَ مع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بحجٍّ مُفرد، وأقبلتْ عائشة -رضي الله عنها- بعُمْرة، حتى إذا كنا بسَرف، عَرَكت...». وسَرف: بفتح السين المهملة وكسر الراء ثم فاء، موضع قريب من مكة على أميال منْها. وروى البخاري: عن القاسم يقول: سمعت عائشة تقول: خَرَجنا لا نَرى إلا الحَج، فلمّا كنّا بسَرف حِضْت، فدخل عليّ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أبْكي، فقال: «ما لك، أنَفسِت؟ قلت: نعم. قال: إنّ هذا أمرٌ كتَبَه اللهُ على بناتِ آدم، فاقْضِي ما يَقضِي الحَاج، غير ألا تطُوفُي بالبيت». يَكفيكِ لِحَجِّتِكِ وعُمْرَتِك قال لها رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُجْزِئُ عَنْكِ طَوَافُكِ بِالصَّفَا والْمَرْوَةِ» وفي رواية: «طَوافُكِ بِالبَيتِ» أي: حولَ الكَعبةِ المُشرَّفةِ، «وبينَ الصَّفا والمَرْوة» أي: وسَعيُك بين الصَّفا والمَرْوة، وسَمَّاه طَوافاً تَوسُّعاً في اللفظ. وفي رواية: «يَكفيكِ لِحَجِّتِكِ وعُمْرَتِكِ» أي: يُجزِئك عنْهما طَوافٌ واحدٌ بأشْواطِه، وسَعيٌ واحِدٌ بأشْواطِه، وقد قال لها ذلك، لأنَّها كانت أحْرمَتْ مِنَ الميقاتِ ثُمَّ حاضَت، فأمرَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تُدخِلَ الحَجَّ على العُمرةِ فَتكون قَارِنةً، ثُمّ لمْ تَطُفْ بِالبيتِ ولا بين الصَّفا والمَروة عند قُدومِها مَكَّةَ، لمانِع الحَيض، فلمَّا طَهُرَت أخْبرَها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن طوافاً واحداً، وسَعياً واحداً، كافٍ عن حَجَّتِها وعُمرَتِها، وهما طَوافُ الإفاضةِ، ثمّ السَّعي في نِهايةِ النُّسكِ. أهلّي بالحَج ودَعِي العُمْرة وأخرج مسلم (1211): من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «خَرَجنا مع رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حجّة الوَدَاع فأهللنا بعُمْرة، ثم قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كانَ مَعه هَديٌ فليهل بالحج مع العُمرة، ثم لا يُحلّ حتى يحلّ منهما جميعاً. قالت: فقدمتُ مكة وأنا حائضٌ لمْ أطُفْ بالبيت، ولا بينَ الصّفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «انْقُضِي رَأسَك، وامْتَشطي، وأهلّي بالحَج، ودَعِي العُمْرة»، قالت: ففعلت، فلمّا قَضينا الحَجّ أرْسَلني رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التّنْعيم، فاعْتمرت، فقال: «هذه مكانُ عُمْرتك»، فطاف الذين أهلّوا بالعُمرة بالبيت، وبالصّفا والمَروة، ثمّ حلّوا، ثمّ طافوا طوافًا آخر بعد أنْ رجَعوا مِنْ مِنْى لحَجّهم، وأمّا الذين كانُوا جَمَعوا الحَجّ والعُمرة، فإنّما طَافُوا طَوافًا واحدًا»، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ودَعِي العُمْرة» أي: اتْرُكي التّمتّع. يَسَعُك طَوافك لحَجّك وعُمْرتك وفي لفظ لمسلم: عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّها أهلّت بعُمرة، فقَدِمت ولمْ تَطفْ بالبَيت حتى حاضَت، فنَسَكت المَنَاسك كلّها، وقد أهلّت بالحج، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النّفر: «يَسَعُك طَوافك لحَجّك وعُمْرتك». فأبت، فبَعثَ بها مع عبد الرحمن إلى التَّنْعيم، فاعْتَمرت بعد الحج. وفي لفظ لمسلم أيضاً: من حديث جابر بن عبد الله: أنّ عائشة -رضي الله عنها- في حَجّة النّبي - صلى الله عليه وسلم - أهلّت بعُمْرة، وزاد في الحديث قال: وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا سهلًا، إذا هَويت الشّيء، تَابعها عليه، فأرْسَلها مع عبد الرحمن بن أبي بكر، فأهَلّتْ بعُمْرة مِنَ التنعيم. فوائد الحديث
منافع الحجِّ وفوائده يقول الله -تعالى-: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}، منافع الحجِّ وفوائده لا يُمكن حصرُها، وعِبَرُه ودروسُه لا يُمكن عدُّها واستقصاؤها، فإنَّ قوله -تعالى- في الآية: ( مَنَافِعَ ) هو جمع منفعة، ونكَّرَ المنافعَ إشارةً إلى تعدُّدها وتنوُّعها وكثرتِها، وشهودُ هذه المنافع أمرٌ مقصودٌ في الحجِّ؛ إذ اللاَّم في قوله: ( لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) لام التعليل، وهي متعلِّقةٌ بقوله: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي: إن تؤذن فيهم بالحج يأتوك مشاةً وركباناً لأجل أن يشهدوا منافع الحجِّ، أي: يحضروها، والمراد بحضورهم المنافع حصولها لهم وانتفاعهم بها، ولهذا فإنَّ من الحريِّ بكلِّ مَن وفَّقه اللهُ لهذه الطاعة ويَسَّر له أداء هذه العبادة أن يكون حريصًا غاية الحرص على تحصيل منافع الحجِّ والإفادةِ من عِبَره وعظاته، إضافة إلى ما يحصله في حجِّه من أجور عظيمة وثواب جزيل ومغفرة للذنوب وتكفير للسيِّئات، فقد ثبت عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَن حجَّ هذا البيتَ فلَم يرفُث ولم يفسُق، رجع كيوم ولدته أمُّه»، وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «تابعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد»، وجديرٌ بمَن نال هذا الرِّبحَ وفاز بهذا المَغنم أن يعودَ إلى بلده بحال زاكية، ونفس طيِّبة، وحياة جديدة مليئة بالإيمان والتقوى، عامرة بالخير والصلاح والاستقامة والمحافظة على طاعة الله -عزَّ وجلَّ-. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: متى يَحلُّ مَنْ أحْرَمَ بِحجٍّ وعُمْرة؟
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ، وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. الحديث رواه مسلم في الحج (2/873) باب: بيان وجُوه الإحْرام، وأخرجه البخاري في الحج (1562) باب: التّمتع والقِران والإفْراد بالحَج، ونسخ الحج لمنْ لمْ يكنْ معه هديٌ. في هذا الحديثِ بيانُ تلك الأنْساكِ الثَّلاثةِ، حيث تُخْبِرُ عائشةُ -رضي الله عنها- فتقول: «خرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حجَّةِ الوداعِ»، وهي الحَجَّةُ التي حَجَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان كالمُوَدِّعِ لهم في خُطَبِ الحَجِّ، ولمْ يَلْبَثْ كَثيراً بعدَها، وكانتْْ في السَّنةِ العاشِرةِ من الهِجرةِ. أَنْساكُ الحَجِّ ثَلاثةٌ وأَنْساكُ الحَجِّ ثَلاثةٌ: التَّمَتُّعُ: وهو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالعُمْرةِ في أشهُرِ الحجِّ، وهي: شَوَّالٌ وذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، ثُمَّ بعد الفراغ من أعمال العمرة يَحِلَّ منها، ثُمَّ يُحْرِمَ بالحَجِّ مِن عامِه. والقِرَانُ: وهو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ والعُمْرَةِ معًا، أو يُحْرِم بالعُمْرة ثمّ يُدخل عليها الحَجّ قبل أنْ يَفْتتح الطّواف، فَيَصير قارناً. والإفْرادُ: وهو أنْ يُحْرِمَ الحاجُّ بالحَجِّ فَقَطْ. حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وقَدْ اخْتَلَفَ العلماء فِي حَجِّ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلى أَنَّهُ أَفْرَدَ، وهُو أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وقَال أَبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ: إنَّهُ قَرَنَ الحَجَّ والعُمْرَةَ. وقالَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ وإِسْحَاقُ: إنّه تَمَتَّعَ. وهو أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافعيِّ. فالصحابة مِنهم مَنْ أهَلَّ بعُمرةٍ فَقَطْ، وهذا له أنْ يَكتفيَ بعُمرةٍ فقط دونَ أن يحُجَّ، وإنْ كان قدْ نوَى أنْ يحُجَّ بعدَ التحلُّلِ مِنَ العُمرةِ، وهذا هو التمتُّعُ؛ حيثُ سيتمتَّعُ بالإحلالِ مِن العُمرةِ- إذا لم يكُنْ ساق الهدْيَ معه- ثم يُحرِمُ بالحَجِّ يومَ الترويةِ، وهو الثامنُ مِن ذي الحجَّةِ، ثم يأتي بأركانِ الحَجِّ، وعليه هدْيٌ للتمتُّعِ، ومنهم مَن أهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمرةٍ جَمَعَ بيْنهُما، وهذا هو القِرانُ. ومِنهم مَن أهَلَّ بالحَجِّ فقطْ، وهذا هو الإفْرادُ، وأهَلَّ رَسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بالحَجِّ مُفرِداً، ثمَّ أدخَلَ عليه العُمرةَ؛ ولذلك فإنَّ مَن أهَلَّ بالحَجِّ فَقَطْ أو جَمَعَ الحَجَّ والعُمرةَ، وكان قد ساقَ معه الهدْيَ وقَلَّدَه- وتقليدُ البَدنةِ أنْ يُعلَّقَ في عُنقِها شيءٌ ليُعلَمَ أنَّها هَديٌ-؛ لم يَحِلُّوا مِنْ إحْرامِهم حتَّى كان يومُ النَّحرِ في العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّه أوَّلُ وَقتِ تَحلُّلِ الحاجِّ، وفيه يَنحَرُ الحاجُّ هَدْيَه. عَمَلُ القارِنِ والمُفْرِدِ واحِدٌ وعَمَلُ القارِنِ والمُفْرِدِ واحِدٌ؛ فيكفي إحْرامٌ واحِدٌ، وطَوافٌ واحِدٌ، وسَعيٌ واحِدٌ، ولا يَحِلُّ إلَّا يومَ النَّحْرِ، ويَقتَصِرُ على أفعالِ الحَجِّ، وتندرِجُ أفعالُ العُمْرَةِ كلُّها في أفْعالِ الحَجِّ، لكن يجِبُ الهَدْيُ على القارِن إذا لم يَكُنْ مِن حاضِرِي المسجِدِ الحرامِ، فإنْ كان مِن حاضِرِي المسجِدِ الحرامِ فلا دَمَ عليه. وقد بيَّنَت الرِّواياتُ في الصَّحيحَينِ: أنَّ مَن لم يَسُقِ الهَدْيَ معه؛ قد تَحلَّلَ بعْدَ أداءِ عُمرةٍ، فيها طوافٌ بالبيتِ، وسَعْيٌ بيْن الصَّفا والمَروةِ، ثمَّ الحلْقُ أو التَّقصيرُ، والتَّحلُّلُ، ثمَّ انْتَظَروا حتى يومِ التَّرويةِ في الثامنِ مِن ذي الحِجَّةِ، فأحْرَموا بالحجِّ وأتَمُّوا نُسكَهم. قولها: «وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ» أي: لم يَحِلُّوا مِنْ إحْرامِهم حتَّى كان يومُ النَّحرِ، وهو العاشرِ مِن ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّه أوَّلُ وَقتِ تَحلُّلِ الحاجِّ، وفيه يَنحَرُ الحاجُّ هَدْيَه. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: نُزُولُ المُحَصَّبِ يَومَ النَّفْر والصّلاة به
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ، كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ، وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: نُزُولُ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، لِأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ. وعن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ بِمِنًى: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ»، وذَلِكَ إِنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ، تَحَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ: ألا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، حَتَّى يُسْلِمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. يَعْنِي بِذَلِكَ: المُحَصَّبَ. الأحاديث الثلاثة رواها الإمام مسلم في الحج (2/951-952)، وبوّب عليها النووي: باب: اسْتحبابُ النُزُولُ بالمُحَصّبِ يَومَ النّفر، والصّلاة به. الحَديثِ الأول في الحَديثِ الأول: يُخبِرُ عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في عَهدِه، وأبَا بَكْرٍ، وعُمَرَ -رضي الله عنهما- في خِلافتِهما، «كانوا يَنزِلونَ الأَبْطَحَ»، وكان نُزولُه - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح يومَ الثَّالثَ عشَرَ من ذي الحِجَّةِ، وذلك بعدَ رُجوعِه من مِنًى بعدَ انْقضاءِ أعْمالِ الحجِّ. والأبطَحُ: هو المُحَصَّبُ، وهو مَوضِعٌ يقَعُ بيْنَ مِنًى ومَكَّةَ، وهو إلى مِنًى أقرَبُ، سُمِّيَ به لاجتِماعِ الحَصْباءِ فيه بِحَمْلِ السَّيلِ إليه، ويُسمَّى الآنَ الجَعفريَّةَ، وهي تابعةٌ لمَنطقةِ الجُمّيزةِ. وقيلَ: هو موضِعُ رَمْيِ الجِمار بِمِنًى، وكان يُسمَّى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانةَ، والخَيْفُ: هو ما انْحَدَر مِنَ الجَبَلِ وارتَفَعَ عنِ المَسِيلِ، وكان خارجَ مَكَّةَ جِهةَ المدينةِ. وكان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ نزَلَ به، بعدَ انْتهاءِ أيَّامِ رَمْيِ الجَمَراتِ، وكان مَوْلاه أبو رافِعٍ - رضي الله عنه - قدْ نصَبَ له الخَيْمةَ في هذا المكانِ، ثُمَّ تَبِعَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أبو بَكْرٍ وعُمَرُ، فكانوا يَقِفونَ بهذا المكانِ في الوقتِ نفْسِه، وكان البَعضُ يرَى أنَّه مِن سُنَنِ الحجِّ، كعبداللهِ بنِ عُمَرَ، كما رواه عنه مُسلم في صَحيحِه (2/951): عن نافع: أنّ ابن عمرَ كان يَرى التّحْصيب سُنّة، وكان يُصلّي يومَ النّفر بالحَصْبة. الحديث الثاني وفي الحديث الثاني: أخبَرَتْ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما نَزلَ بهذا المكانِ في المُحَصَّبِ، بعْدَ مُغادرَتِه مِنًى يومَ الثالثَ عشَرَ مِنْ ذي الحِجَّةِ، ثالثِ أيَّامِ التَّشريقِ، لأنَّه كان أيْسرَ لِخُروجِه إلى المَدينةِ، وحتَّى يَجتمِعَ إليه أصْحابُه ومَن سيَرحَلونَ معَه، كما جاء في رِوايةِ مُسلمٍ (2/951): عن عائشةَ -رَضيَ اللهُ عنها-: «أنَّها لمْ تكُنْ تفعَلُ ذلك»، وقالتْ: إنَّما نزَلَه رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّه كان مَنزِلًا أسمَحَ لخُروجِه». فذَكَرتْ أمُّ المؤمنينَ عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ النُّزولَ لهذا الوادي، لم يكُنْ مِن مَناسكِ الحجِّ، وإنَّما كانَ مَنزِلًا نَزَلَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ليكونَ النُّزولُ به أسْهَلَ عندَ سَفَرِه راجعاً إلى المدينةِ، ليَجتمِعَ فيه الناسُ، وليَستويَ في ذلك البَطيءُ والمُعتدِلُ، ويكونُ مَبيتُهم وقيامُهم في السَّحَرِ، ورَحيلُهم بأَجْمَعِهم إلى المدينةِ. الحديث الثالث وفي الحديث الثالث: وقد أخرجه البخاري (1590) فهو متفق عليه، حديث أبي هريرة قال: قال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بمنى: «نحنُ نَازِلُونَ غدًا، بِخَيفِ بني كنانة، حيثُ تقاسَمُوا على الكُفْر» حيثُ تقاسموا، أي: تَحالفوا، «على الكفر»، وذلك أنّ قريشًا وكنانة تَحالَفَتا على بني هاشم، «ألا يُناكحُوهم ولا يُبَايعُوهم» وفي رواية للبخاري: «ألا يُبايعُوهم ولا يُؤْوُوهم». معنى «تَقاسُمُهم على الكُفْر» قال الحافظ النووي: معنى «تَقاسُمُهم على الكُفْر» تَحَالفهم على إخْراج النّبي - صلى الله عليه وسلم - وبني هاشم والمطلب منْ مكة، إلى خَيْف بني كنانة، وكتَبُوا بينهم الصّحيفة المشهورة، فيها أنْواعٌ مِنَ الباطل، فأرسلَ الله عليها الأرَضَة، فأكلتَ ما فيها منَ الكُفْر، وتركتَ ما فيها منْ ذِكْر الله، فأخبرَ جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبر به عمّه أبا طالب، فأخبرهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فوجدُوه كما أخبر، وقد ذكر الخطيب أنّ قوله هنا: «وذلك أنّ بني كنانة إلخ» المعطوف على حديث أسامة، مُدْرجٌ. وقد رواه البخاري أيضاً: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يا رسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ تَنْزِلُ غَداً فِي حَجَّتِهِ؟ قَال: «وهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا؟» ثُمَّ قَالَ: «نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ المُحَصَّبِ، حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الكُفْرِ». فأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- يقول: قلتُ: يا رسُول الله، أينَ تَنْزلُ غداً، في حَجّته؟ قال: «وهلْ تَرَكَ لنا عقيل» بفتح العين وكسر القاف، وهو ابن أبي طالب، «مَنْزلاً» زاد في باب: توريث دُور مكة وبيعها وشرائها، من كتاب الحج: وكان عقيل وَرِثَ أبا طالب هو وطالب، ولمْ يرثْ جَعفر ولا عليّ شيئاً، لأنّهما كانا مُسْلمين، وكان عقيلٌ وطالبُ كافرين، أي: عند وفاة أبيهما، لأنّ عَقيلاً أسْلم بعد ذلك. وقيل: ولمّا كان أبو طالب أكبر ولد عبدالمطلب، احْتَوى على أمْلاكه وحَازها وحده، على عادة الجاهليّة، مِنْ تقديم الأسَنّ، فتسلّطَ عقيلٌ أيضاً بعد الهجرة عليها. وقال الداودي: باعَ عَقيل ما كان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولمن هاجر من بني عبدالمطلب، كما كانوا يفعلون بدُور مَنْ هَاجَرَ مِنَ المُؤمنين، وإذا أجاز - صلى الله عليه وسلم - لعقيل تصرفه قبل إسْلامه فما بعد الإسلام بطريق الأولى. فوائد الأحاديث
|
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في البَيتُوتة ليالي منى بمكة لأهل السّقاية
عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عبدالْمُطَّلِبِ - رضي الله عنه - اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِي مِنًى؛ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. وعَنْ بَكْرِ بْنِ عبداللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَا لِي أَرَى بَنِي عَمِّكُمْ؛ يَسْقُونَ العَسَلَ واللَّبَنَ، وأَنْتُمْ تَسْقُونَ النَّبِيذَ؟ أَمِنْ حَاجَةٍ بِكُمْ أَمْ مِنْ بُخْلٍ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ، قَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ وخَلْفَهُ أُسَامَةُ، فَاسْتَسْقَى؛ فَأَتَيْنَاهُ بِإِنَاءٍ مِنْ نَبِيذٍ، فَشَرِبَ وسَقَى فَضْلَهُ أُسَامَةَ، وقَالَ: «أَحْسَنْتُمْ وأَجْمَلْتُمْ، كَذَا فَاصْنَعُوا». فَلَا نُرِيدُ تَغْيِيرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. في الباب حديثان: الحديث الحديثان أخرجهما مسلم في الحج (2/953) باب: وجُوب المَبيت بمِنى ليالي أيام التّشريق، والتّرْخيص في تَرْكه لأهلِ السّقاية، وأخرجه البخاري في الحج (1634)، فهو متفق عليه. الحديث الأول في هذا الحَديثِ يَروي عبداللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ العبَّاسَ - رضي الله عنه - استأذَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَبيتَ بمَكَّةَ لَياليَ مِنًى، وهي: لَيلةُ الحاديَ عَشَرَ، والثَّانيَ عَشَرَ، والثَّالثَ عَشَرَ مِن ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّ السُّنَّةَ أنْ يَبيتَ الحُجَّاجُ في تلك اللَّيالي بمِنًى، وهو مَوقِعُ رَميِ الجَمَراتِ. سَبَبُ بَياتِ العبَّاسِ بمَكَّةَ وسَبَبُ بَياتِ العبَّاسِ بمَكَّةَ هو السِّقايةُ، أي: حتى يَقومَ بسِقايةِ الحَجيجِ؛ لِأنَّهم كانوا يَستسْقونَ الماءَ مِن زَمزَمَ، فيُخرِجونَه مِنَ البِئرِ، ويَجعَلونَه في الحِياضِ مُسَبَّلًا للحُجَّاجُ يشربون منه، فأذِنَ له النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وكانتْ السّقاية لِلعبَّاسِ في الجاهليَّةِ، وأقَرَّها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - له، فهي لآلِ العبَّاسِ أبداً، فخدمة الحُجاج والبيت كانت مقسمة بين قريش، فيَسقُطُ المَبيتُ بمِنًى عن أصحابِ سِقايةِ الحَجيجِ ومَن في حُكمِهم مِن أهلِ الأعذارِ، وذلك مِن يُسرِ الشَّريعةِ. المبيت بمِنى ليالي التشريق والمبيت بمِنى ليالي التشريق، هو أحدُ واجبات الحج التي فعلها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالإقامة بـ»منى» تلك الليالي والأيام؛ هو من الطاعة لله تعالى، ومن شعائر الحج. ولما كانت سِقاية الحجيج من القُرَبِ المفضّلة، لأنّها خدمة لحجاج بيته وأضيافه، رخّص - صلى الله عليه وسلم - لعمّه العباس في ترك المَبيت بـمِنى؛ لكونه قائماً على السقاية، فيقوم بِسَقْي الحجاج، وهي مصلحة عامة، ممّا دلَّ على أن غيره، ممن لا يعمل مثل عمله وليس له عذر ليس له هذه الرخصة. فوائد الحديث الأول
الحديث الثاني في هذا الحَديثِ يُخبِرُ التَّابِعيُّ بَكرُ بنُ عبداللهِ المُزَنِيُّ: أنَّه كان جالسًا معَ ابنِ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- عندَ الكَعبةِ، فجاءَه أعْرابيٌّ، والأعرابي هو الَّذي يسكُنُ الصَّحْراءَ والبادية، فقال: «ما لي أرَى بَنِي عمِّكم» أرادَ غيرَ بَني العبَّاسِ من سائرِ قُرَيشٍ، «يَسقُونَ العَسَلَ واللَّبَنَ، وأنتُم تَسقُونَ النَّبِيذَ؟!» ومرادُ الأعْرابيِّ: سِقايةُ الحاجِّ، فكان بَنو العبَّاسِ يَسقونَ النَّاسَ النَّبيذَ، وهو تَمرٌ أو زَبِيبٌ يُنقَعُ في الماءِ حتَّى يَحلُوَ طَعمُه، وليس بِمُسكِرٍ، وقدْ كانتِ المِياهُ بِمَكَّةَ مُتغيِّرةً، فكانوا يُطيِّبونَها بهذا. فيقول لابن عباس: هلْ تَرْكُكم لسِقايةِ العسَلِ واللَّبنِ، لأجْلِ فَقرٍ، أمْ لبُخلٍ؟ فقال له ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: «الحمدُ للهِ، مَا بِنَا مِنْ حَاجَةٍ وَلَا بُخْلٍ» فأخبَرَه أنَّهم ليس بهم فَقْرٌ، ولا بُخلٌ، وإنَّما يَفعَلونَ هذا؛ تَمسُّكًا بما تلَقَّوْه منَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان قدْ قَدِمَ إلى مكَّةَ وهو راكبٌ على راحِلَتِه، أي: ناقَتِه، وكان أُسامةُ بنُ زيدٍ -رضي الله عنهما- يركَبُ خَلفَه، فطلَبَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسْقى، فجاؤوه بإناءٍ فيه نَبِيذٌ، فشَرِبَ، وسَقَى أُسامةَ بقيَّةَ شَرابِه، وقال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لهم: «أَحْسَنْتُم وأَجْمَلْتُم، كذا فاصْنَعُوا» أي: صَنَعْتُم فِعلًا حَسَناً وجَميلاً، بِتَطْيِيبِكمُ الماءَ بالنَّبِيذِ مِنَ التَّمرِ أوِ الزَّبِيبِ، وحثّهم على الاستمرار. وفي هذا دَليلٌ على أنَّ هذا الشَّرابَ غيرُ مَنهيٍّ عنه، وإلَّا لَمَا شَرِبَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولَكانَ نَهَى عنه. ثمَّ أوْضَحَ ابنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- سَببَ ذلك بقولِه: «فلا نُرِيدُ تَغييرَ ما أمَرَ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -» أي: مِن تَطيِيبِ الماءِ بالنَّبِيذِ، وذلك بقولِه: «كذا فاصْنَعُوا» أي: أمرَهم - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَثبُتوا على سَقيِ النَّبيذِ، فامْتَثَلوا أمرَه، والمَعنى: أنَّنا لا نُغيِّرُ سِقاءَ النَّبيذِ إلى سِقاءٍ غَيرِه منَ العسَلِ واللَّبنِ، وإنْ كان ذلك أوْلى عندَ النَّاسِ؛ لأنَّنا لا نُغيِّرُ شيئاً أعجَبَ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ أمرَنا به؛ إذ هو الأوْلى لنا، واللَّائقُ بنا. فوائد الحديث الثاني
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: إقامةُ المُهاجر بمكّة بعد قضاء الحَجّ والعُمْرة
عَنْ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ قَال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عبدالْعَزِيزِ يَقُولُ لِجُلَسَائِهِ: مَا سَمِعْتُمْ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ فَقَالَ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: سَمِعْتُ الْعَلَاءَ أَوْ قَالَ العَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يُقِيمُ المُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ، ثَلَاثًا»(1352/441)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/985) باب: جواز الإقامة بمكة للمُهاجر منْها بعد فراغ الحجّ والعمرة ثلاثة أيام بلا زيادة. عبدالرَّحمنِ بنُ حُمَيدٍ هو ابن عبدالرحمن بن عوف الزُّهْريُّ، تابعي ثقة. يقول: إنَّ أميرَ المؤمِنينَ عُمَرُ بنُ عبدالعَزيزِ سَأَلَ السَّائبَ بنَ يَزيدَ رضي الله عنه - وكان مِن أصْحابِ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عمَّا سَمِع في سُكْنى مكَّةَ لمَن هاجَرَ منها قبْلَ الفَتحِ، فأجابَه أنَّه قدْ سَمِع العَلاءَ بنَ الحَضْرَميِّ - رضي الله عنه - يُخبِر: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قدْ رخَّص للمُهاجِرينَ في الإقامةِ بمكَّةَ بعْدَ الصَّدَرِ، ثَلاثةَ أيَّامٍ، والمُرادُ بالصَّدَرِ، أي: بعْدَ أنْ يَعودَ مِنْ مِنًى، ويَطوفَ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضة، وبعد الانْتِهاءُ مِن أعْمالِ الحجِّ ومَناسِكِه، فلا يَصِحُّ للمُهاجِرِ أنْ يظَلَّ في مكَّةَ أكثَرَ مِن ثَلاثةِ أيَّامٍ، لأنَّ الانتِظارَ أكثَرَ مِن ذلك يُشبِهُ الإقامةَ فيها دونَ عُذرٍ شَرعيٍّ، والمُهاجِرُ مَأْمورٌ ألَّا يُقيمَ في البلَدِ الَّتي هاجَرَ منها، وهي مكَّةُ، قيلَ: ذلك لأنَّ المُحافَظةَ على الهِجرةِ وفَضْلِها، أفضَلُ مِن الإقامةِ في مكَّةَ. قال الحافظ ابن حجر: «ويستنبط من ذلك أنَّ إقامة ثلاثة أيام، لا تُخْرج صاحبها عن حكم المسافر، وفي كلام الداودي اختصاص ذلك بالمُهاجرين الأولين، ولا معنى لتقييده بالأولين. معنى الحديث قال النووي: «معنى هذا الحديث أنّ الذين هاجروا، يَحْرُم عليهم اسْتيطان مكة. حكى عياض أنّه قول الجُمهور، قال: وأجازه لهم جماعة، يعني بعد الفتح، فحملوا هذا القول على الزمن الذي كانت الهجرة المذكورة واجبة فيه، قال: واتفق الجميع على أنّ الهجرة قبل الفتح كانت واجبة عليهم، وأنَّ سُكنى المدينة كان واجباً لنُصْرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومواساته بالنّفس، وأمّا غير المُهاجرين، فيَجوزُ له سُكنى أي بلدٍ أراد، سواء مكة وغيرها بالاتفاق، انتهى كلام القاضي. قال الحافظ: ويستثنى من ذلك: مَنْ أَذِنَ له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإقامة في غير المدينة، واستدل بهذا الحديث على أن طواف الوداع عبادة مستقلة ليست من مناسك الحج، وهو أصح الوجهين في المذهب، لقوله في هذا الحديث» بعد قضاء نُسُكه»؛ لأنَّ طواف الوَدَاع لا إقامة بعده، ومتى أقام بعده، خرج عن كونه طواف الوداع، وقد سمّاه قبله قاضياً لمُناسكه فخرج طواف الوداع عن أنْ يكون من مناسك الحج، والله أعلم. المراد بالحديث وقال القرطبي: المراد بهذا الحديث: مَنْ هَاجَرَ مِنْ مكّة إلى المدِينة لنَصْر النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولا يعني به مَنْ هَاجر مِنْ غيرها؛ لأنّه خَرَج جواباً عن سؤالهم لما تحَرّجُوا من الإقامة بمكة؛ إذْ كانوا قد تركوها لله -تعالى-، فأجابهم بذلك، وأعلَمَهم أنَّ إقامة الثلاث ليس بإقامة، قال: والخلاف الذي أشار إليه عياض كان فيمن مضى، وهل ينبني عليه خلاف فيمن فرّ بدينه من موضعٍ يَخافُ أنْ يُفْتن فيه في دينه، فهل له أنْ يَرجع إليه بعد انقضاء تلك الفتنة؟ يمكن أنْ يقال: إنْ كان تَرَكها لله كما فعله المُهاجر. فوائد الحديث
باب: لَا يَنْفِر أَحَدٌ حَتَّى يَطوف بِالْبَيْتِ للوداع عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْت»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/963) باب: وجُوب طواف الوَدَاع، وسُقُوطه عن الحائض، ورواه البخاري ومسلم أيضا بلفظ: «أمِرَ النّاسُ أنْ يكونَ آخرُ عَهْدهمْ بالبَيت، إلا أنّه خُفّفَ عن الحائض». يقولُ عبدالله بنُ عَبَّاس -رَضِي اللهُ عنهُما-: «كان النَّاسُ» أي: الحُجّاج بعدَ قَضاءِ حَجِّهم، وقبلَ أن يَطُوفُوا بالبيتِ طوافَ الوَداعِ، قوله: «يَنصرِفون في كلِّ وَجهٍ» أي: في كُلِّ طريقٍ مِن طُرُقِ مَكَّةَ. قوله: «فقال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: لا يَنفِرَنَّ أَحَدٌ» أي: لا يَخرُجَنَّ أحدُكم مِن مَكَّةَ «حتَّى يكونَ آخِرُ عهدِه»، أي: حتَّى يكونَ آخِرُ مَناسِكِه «الطَّوافَ بالبَيتِ»، أي: طوافَ الوَداعِ. طوافُ الوَدَاع واجبٌ قال النووي: طوافُ الوَدَاع واجبٌ يلزَمُ بتركه دَمٌ على الصحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. انتهى. قال الحافظ: والذي رأيته في «الأوسط» لابن المنذر، أنّه وَاجبٌ للأمر به، إلا أنّه لا يجبُ بتركه شيء. وقوله في الرواية الأخرى: «أمرَ الناسُ» كذا في رواية عبدالله بن طاووس عن أبيه، على البناء لما لمْ يُسمّ فاعله، والمُراد به النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذا قوله «خُفّف» وقد رواه طاووس فصَرّح فيه بالرّفع، ولفظه عن ابنِ عباس قال: كان الناسُ يَنْصرُفُون في كلّ وجه، فقال رسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يَنفرَنّ أحدٌ، حتّى يكونَ آخرَ عَهْدِه بالبَيت». وفيه دليلٌ: على وجُوب طَواف الوَدَاع للأمْر المُؤكّد به، وللتّعبير في حقّ الحائض بالتخفيف كما تقدم، والتَّخفيف لا يكون إلا مِنْ أمرٍ مُؤكّد. واستدلّ به على أنّ الطّهارة شرطٌ لصِحّة الطّواف. فوائد الحديث
حقيقة البر والتقوى آية من كتاب الله -تعالى- اشتملت على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، وفيما بينَهم وبينَ ربِّهم؛ فهي جديرة بإدامة النظر في معانيها، وفَهْم مراميها، وكمال الحرص على العمل بما جاء فيها؛ إنها قوله -عز اسمه-: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (الْمَائِدَةِ:2)؛ فإن كل عبد -كما قال ابن القيم -رحمه الله- لا ينفك عن هاتين الحالين، وهذين الواجبين، وهما: واجب بينه وبين الله، وواجب بينه وبين الخلق. أمَّا الواجب الذي بين العبد وبين الخَلْق من المعاشَرة والمعاوَنة، والصحبة؛ أن يكون اجتماعه بهم وصحبته لهم تعاونًا على مرضاة الله، وطاعته، التي هي غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا بها، وهي البر والتقوى، اللذان هما جماع الدين كله. وإنَّ حقيقةَ البِرِّ أنَّه الكمال المطلوب من الشيء، والمنافع التي فيه؛ فالبر كلمة جامعة لأنواع الخير والكمال المطلوب من العبد، وفي مقابله الإثم، وهي كلمة جامعة للشرور والعيب، التي يذم العبد عليها؛ فيدخل في مُسمَّى البر، الإيمانُ وأجزاؤه الظاهرة والباطنة. ولا ريب أن التقوى جزء من هذا المعنى، وأكثر ما يعبر به عن بر القلب، وهو وجود طعم الإيمان فيه وحلاوته، وما يلزم من ذلك من طمأنينته وسلامته وانشراحه، وقوته وفرحه بالإيمان؛ فإن للإيمان لذة وفرحة في القلب، فمن لم يجدها فهو ناقص الإيمان أو فاقده. وإنَّ حقيقةَ التقوى هي العمل بطاعة الله؛ إيمانًا واحتسابًا، أمرًا ونهيًا؛ فهي تَحمِل العبدَ على أن يفعل ما أمَر اللهُ به، إيمانًا بالأمر، وتصديقًا بوعده، ويترك ما نهى الله عنها إيمانًا بالنهي، وخوفًا من وعيده، كما قال طلق بن حبيب: «إذا وقعت الفتنة فأطفِئوها بالتقوى، قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بالطاعة على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقابَ الله»، وهذا من أحسن ما قيل في تعريف التقوى وبيان حقيقتها. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. المَرْأةُ تَحِيضُ قبلَ أنْ تُودِّع
عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَذَكَرْتُ حِيضَتَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟»، قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ كَانَتْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلْتَنْفِر»، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/963-964) باب: وجُوب طواف الوداع وسُقوطه عن الحائض، ورواهما البخاري في الحج (3/586) بابك إذا حاضت المرأة بعد ما أفاضت. تَروي أمُّ المؤمنِينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّه لَمَّا حَجُّوا مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَجَّةَ الوداعِ، طافوا طوافَ الإفاضةِ يومَ النَّحرِ، وهو اليومُ العاشرُ مِن ذي الحجَّةِ، حاضتْ أُمُّ المؤمنينَ صَفيَّةُ بنتُ حُيَيٍّ -رضي الله عنها- بعدَ أداءِ طَوافِ الإفاضةِ، وذلك بعْدَ أنِ استَأذَنَتْ نِساؤُه في طَوافِ الإفاضةِ، وأذِنَ لهنَّ. قولها: «أنَّ صفيَّةَ بنتَ حُيَيٍّ زوجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حاضتْ بعدما أفاضت» في حَجَّةِ الوَدَاع، أي: ليلة النَّفْر، قال ابن حجر -رحمه الله-: حاضت صفية، أي: في أيام مِنى، وسيأتي في أبواب الإدلاج من المحصَّب؛ أنَّ حيضها كان ليلة النَّفْر، زاد الحاكم: لمّا أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنْ ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبةً حزينة، فقال: عَقْرَى.. الحديث. وهذا يُشعر بأنَّ الوقت الذي أراد منها ما يريد الرجل من أهله؛ كان بالقُرْب من وقت النَّفْر منْ منى. «أَحابِسَتُنَا هي؟» قوله: «فقال النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَحابِسَتُنَا هي؟» أي: قال النّبي - صلى الله عليه وسلم - مُسْتفهماً مِنْ عائشة: «أحابستنا هي؟» أي: عن الرُّجوع إلى المدينة؛ لأنّه ظنَّ أنَّها لم تطُفْ طواف الإفاضة. «أحَابِسَتُنَا هي؟» الهمزة هنا ليست للاستفهام المَحض، ولكنها على معنى الإنكار والإشفاق مِنْ شيءٍ يُتوقَّع، ويدلّ عليه قوله في الحديث الآخر: «لعلها تَحْبِسُنَا؟» فهذا توقُّع بيِّن وإشفاق. وقلنا: إنَّه بمعنى الإنكار؛ لأنّه خَرَج مخرج التبرُّم والغضب، وتوضيحه: أنَّ بعضهم روى هذا الحديث فقال: «عَقْرَى حَلْقَى» أي: عقرهَا الله، وحلقها إذا أَصَابَهَا الوجع في حلقها، ما أراها إلا حابستنا...، وهذا من الدعاء الذي لا يُراد به وقوع المكروه؛ وإنَّما هو كلامٌ تستعمله العرب على معنيين: أحدهما: عند التبرُّم والضّجر، ومنه الحديث، وتقدم في قوله: «أفٍّ لك». والآخر: في معنى استعظام الشيء، والإفْراط في إحْسانه، كما يقال: أخْزَاه الله ما أشْعره! وقاتله الله ما أفصحه! «هذا شيء كتَبَه الله على بنات آدم» وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- مُقارِنًا بين قول النبي لعائشة وصفية: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا شيء كتَبَه الله على بنات آدم» يعني: الحيض، وكتبه عليهن، أي: جَبَلَهُنَّ عليه، وثبَّته عليهن، وهو تأنيسٌ لها وتسلية، وهو دليلٌ على ميله لها، وحُنُوهِ عليها، وكم بين مَن يؤنَّس ويُستَرضَى وبين مَن يُقال له: عَقْرَى حَلْقَى»؟! والصواب: ليس فيه دليل على اتِّضَاع قدر صفية عنده، لكن اختلف الكلام باختلاف المقام، فعائشة دخل عليها وهي تبكي أسفًا على ما فاتها من النُّسُك، فسلَّاها بذلك، وصفية أراد منها ما يريد الرَّجُل من أهله، فأبدت المانع، فناسب كلًّا منهما ما خاطبها به في تلك الحالة. وقال ابن جماعة -رحمه الله-: استنبط (أي: البخاري) اعتبار قولها (أي: المرأة) في الحيض والحمل، بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أَحَابِسَتُنَا هي؟» فرتَّب حبْس الحاج على مجرد قولها، فدلَّ على أنَّه مُعتبَر في العِدَّة والحَمل والحيض. وقال ابن حجر -رحمه الله-: في رواية الأعرج عن أبي سلمة عن عائشة التي مضت في باب الزيارة يوم النحر: «حَجَجْنَا فأَفَضْنَا يوم النَّحر، فحاضت صفية، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ما يريد الرَّجل من أهله، فقلتُ: يا رسول الله، إنها حائض...» الحديث. وهذا مشكلٌ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - إنْ كان عَلِمَ أنها طافت طواف الإفاضة، فكيف يقول: «أَحَابِسَتُنا هي؟» وإنْ كان ما عَلِمَ؛ فكيف يريد وقاعها قبل التحلل الثاني؟! ويُجاب عنه: بأنه - صلى الله عليه وسلم - ما أراد ذلك منها إلا بعد أنْ استأذنه نساؤه في طواف الإفاضة، فأَذِنَ لهنَّ، فكان بانيًا على أنها قد حلَّت، فلما قيل له: إنها حائض، جوَّز أنْ يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها منْ طواف الإفاضة، فاستفْهَم عن ذلك، فأَعْلَمَتْهُ عائشة أنها طافت معهن، فزال عنه ما خشيه من ذلك، والله أعلم. وقال الصنعاني -رحمه الله-: قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أي: أَمَانِعَتُنَا عن التوجُّه من مكة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه ظنًا منه - صلى الله عليه وسلم - بأنها ما طافت طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجَّه، ولا يأمرها بالتوجّه معه، وهي باقيةٌ على إحْرامها، فيحتاج إلى أنْ يُقيم حتى تطْهر وتطوف، وتحل الحِلَّ الثاني. طواف الإفاضة يَحبس الحائض بمكة وقال ابن بطال -رحمه الله-: في قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» دليل أنَّ طواف الإفاضة يَحبس الحائض بمكة، لا تَبْرح حتّى تَطوف للإفاضة؛ لأنّه الطواف المُفْترض على كلّ مَنْ حج، وعلى هذا أئمة أهل العلم. وقال النووي -رحمه الله-: إذا حاضت المرأةُ قبل طواف الإفاضة، وأراد الحُجَّاج النَّفْر بعد قضاء مناسكهم، فالأَولى للمرأة أنْ تُقيم حتى تطهُر فتطوف، إلا أنْ يكون عليها ضرر ظاهر في هذا، فإن أرادت النَّفْر مع الناس قبل طواف الإفاضة جاز، وتبقى مُحْرِمَة حتى تعود إلى مكة، فتطوف متى ما كان، ولو طال سنين... وقال القاضي عياض -رحمه الله-: ويُستفاد من قوله: «أحَابِسَتُنَا هي؟» أنَّ الكَرِي (أي: المكاري) تُحبس عليها إذا لم تَطُف طواف الإفاضة، كما قال مالك، حتى تَطْهُر أو يمضي أيامها، أو أقصى ما يمسك النساء الدم والاسْتطهار، على اختلاف قوله في هذا الأصل. قضاء الحائض للمناسك وقال ابن تيمية -رحمه الله-: الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، فإنها تجتهد ألا تطوف بالبيت إلا طاهرة، فإن عجزت عن ذلك ولم يمكنها التخلُّف عن الرَّكب حتّى تطهر وتطوف، فإنّها إذا طافت طواف الزيارة وهي حائض أجزأها في أحد قولي العلماء، ثم قال أبو حنيفة وغيره: يجزئها لو لم يكنْ لها عُذر، لكن أوجب عليها بَدَنة، وأما أحمد فأوجب على من ترك الطهارة ناسياً دماً، وهي شاة، وأما هذه العاجزة عن الطواف وهي طاهرة، فإن أخرجت دمًا فهو أحوط، وإلا فلا يتبين أن عليها شيئًا؛ فإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: وهو قول قوي، ولا سيما لأهل أمريكا وأندونيسيا. قوله: «فلتنفر» قوله: «فلتنفر» أي: فلتُسْرع الخروج من مكة راجعة إلى المدينة؛ لتمام حجِّها، وعدم بقاء شيء عليها، وتخرج إلى المدينة من غير طواف الوداع، فإنه سقط لعذر الحيض، وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: إنْ كانت الحائض قد طافَت قبل أنْ تحيض، جاز لها بالسُّنة أن تخرج ولا تودِّع البيت، ورخص ذلك للحائض وحدها دون غيرها، وهذا كله أمر مجتمع عليه من فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء عليه لا خلاف بينهم فيه، وقد كان ابن عمر -]- يفتي بأن الحائض لا تنفِر حتى تودِّع البيت، ثم رجع عنه. وقال الترمذي -رحمه الله-: والعمل على هذا عند أهل العلم: أنَّ المَرأة إذا طافت طَوافَ الزيارة، ثمّ حَاضت، فإنها تنفِر، وليس عليها شيءٌ، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق. قال ابن المنذر: قال عامّة الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت طواف وداع، وروينا عن عمر بن الخطاب وابن عمر وزيد بن ثابت أنّهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، وكأنّهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة؛ إذْ لو حاضت قبله لم يسقط عنها. ثم أسند عن عمر بإسناد صحيح: إلى نافع عن ابن عمر قال: «طافت امرأة بالبيت يوم النحر ثم حاضت، فأمَرَ عُمر بحبسها بمكة بعد أنْ ينفر الناس، حتى تطهر وتطوف بالبيت» قال: وقد ثَبتَ رُجُوع ابن عمر وزيد بن ثابت عن ذلك، وبقي عمر فخالفناه؛ لثبوت حديث عائشة. يشير بذلك إلى ما تضمَّنته أحاديث هذا الباب. أحكام الحديث وفوائده
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: في إباحة العُمْرة في شُهور الحَجّ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ! ويَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَراً، ويَقُولُونَ: إِذَا بَرَأَ الدَّبَرْ، وعَفَا الْأَثَرْ، وانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتْ الْعُمْرَةُ لِمَنْ اعْتَمَرْ؟ فَقَدِمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأَصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً؛ فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّه»، الحديث رواه مسلم في الحج ومسلم (2/909) باب: جواز العمرة في أشهر الحج، وأخرجه البخاري في الحج (1564) باب: التمتع والقران والإفراد بالحجّ. يقول عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: إنَّ العربَ في الجاهِليَّةِ، كانوا يَرَون أنَّ الإحرامَ بالعُمرةِ في أشهُر الحَجِّ مِن أفجَر الفُجورِ! أي: مِن أعظَمِ المَعاصي والذنوب، ويُحرِّمون العُمرةَ إلى نِهايةِ مُحَرَّمٍ، ويَجعَلون المُحَرَّمَ صَفَراً، ويَتلاعَبون بالأشهُرِ الحُرُمِ على حَسَبِ أهوائِهِم، فيُؤَخِّرون تَحريمَ المُحَرَّمِ إلى صَفَرٍ، أي يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر، لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر مُحرّمة، فتضيق عليهم أمُورهم بترك الغارة وغيرها، وهو النَّسِيءُ الَّذي ذمَّه اللهُ -تعالى-، وضلّلهم به في قولِه: {إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} (التوبة: 37). فكانوا يسمون المحرم: صفرًا، ويُحلّونه وينسئون المحرم، ويَقولون: إذا بَرا الدَّبَرُ، وهو الجُروحُ الَّتي تكونُ في ظَهْرِ الإبِلِ بعد الحجّ، فإذا شُفِيَت الجِراحاتُ الَّتي في ظَهْرِ الإبِلِ، الَّتي تَحدُث بسَببِ الحَمْلِ عليها، وكَثرةِ احتِكاكِها في أسفارِها الطَّويلةِ. وعَفا الأثَرُ: أي دَرَس وأمحي، أي اخْتَفَت آثارُ أقدامِ الإبلِ الَّتي تُحدِثُها في سَيرِها، وانسلخ صفر: أي انْتَهى شَهْرُ صَفَرٍ الَّذي هو في الحَقيقةِ شَهْرُ مُحَرَّمٍ بِسَبَبِ النَّسيءِ، حلَّت العُمرةُ لمَن اعتَمَرَ، فعِندَ ذَلكَ تَجوزُ العُمرةُ لمَن أرادَها، وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر، ويُوقف عليها، لأنّ مُرادهم السّجع. دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة فلمَّا قَدِمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه ودَخَلوا مَكَّةَ صَبيحةَ اليومِ الرَّابعِ مِن ذي الحِجَّةِ، مُهلِّين بالحَجِّ في حَجَّةِ الوَداعِ، أمَرَهُم أنْ يَجعَلوها عُمرةً، أي: يَفسَخوا الحَجَّ إلى العُمرةِ، ويَتحلَّلوا بالطَّوافِ والسَّعيِ، فتَعاظَمَ عندَهم مُخالَفةُ العادةِ الَّتي كانوا عليها مِن تَأخيرِ العُمرةِ عن أشهُرِ الحَجِّ، فاستَفسَروا مِن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن نَوعيَّة هذا الحِلِّ، هل هو تَحلُّل خاصٌّ ببَعضِ الأشياءِ، أو هو عامٌّ في جَميعِها؟ قوله: «فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: «الحِلُّ كُلُّه» فأخبَرَهم - صلى الله عليه وسلم - بأنَّه تَحلُّلٌ عامٌّ، فيَحِلُّ لكُم كُلُّ شَيءٍ مِن الأشياءِ الَّتي كانَت مُحَرَّمةً عليكُم أثناءَ العُمرةِ، بما في ذلك المُعاشَرةُ والجِماعُ للنِّساءِ، فأبْطَلَ بذلك عاداتِ الجاهليَّةِ، مِن النَّسيءِ وتَحريمِ العُمرةِ في أشهُرِ الحجِّ، وأقرَّ شَريعةَ الإسلامِ. من فوائد الحديث
باب: فَضل العُمْرَة فِي رَمَضَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهَا أُمُّ سِنَانٍ: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا؟» قَالَتْ: نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ- زَوْجِهَا- حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا، وكَانَ الْآخَرُ يَسْقِي عَلَيْهِ غُلَامُنَا. قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ، تَقْضِي حَجَّةً، أَوْ حَجَّةً مَعِي»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/917) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري، ورواه البخاري في كتاب العمرة (1863) باب: حجّ النساء. في هذا الحديث يَرْوي ابنُ عباسٍ -رضي الله عنهما- أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سَأَلَ أمَّ سِنانٍ الأنصاريَّةَ -رَضيَ اللهُ عنها- بعْدَ عَودتِه مِن حَجَّةِ الوَداعِ، عن سَببِ عدَمِ حَجِّها، فأخْبرَتْه -رَضيَ اللهُ عنها- أنَّ الَّذي منَعها، هو أنَّها وزَوجَها أبا سِنانٍ - رضي الله عنه - كانا لا يَملِكانِ سِوى ناضحَينِ، والنَّاضحُ: هو البعيرُ الَّذي يُحمَلُ عليه الماءُ للسُّقْيَا، وقال ابن بطال: الناضح البعير أو الثور أو الحمار، الذي يستقى عليه، لكن المراد به هنا البعير، لتصريحه به، فحجَّ زَوجُها على أحدِ النَّاضحَينِ، وترَكَ الآخَرَ لسُقْيَا الأرضِ الَّتي لهما. عمَل يعدِلُ في ثوابِه عمَلَ الحجِّ فأرْشَدَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مُسلِّياً لها، ومُخْبرًا عن عمَلٍ يعدِلُ في ثوابِه عمَلَ الحجِّ، وهو أنْ تَعتمِرَ في شهر رَمضانَ؛ فإنَّ عُمرةً في رَمضانَ تَعدِلُ في ثَوابِها ثَوابَ الحجِّ، أو ثَوابَ حَجَّةٍ معه - صلى الله عليه وسلم -، شَكَّ الرَّاوي في ذلك. وليس المرادُ منه: أنَّ العُمرةَ تَقْضي بها فرْضَ الحجِّ، أو تقومُ مَقامَه في إسقاطِ الفَرْضِ، وإنْ كان ظاهِرُه يُشعِرُ بذلك، بلْ هو مِن بابِ المُبالَغةِ، وإلْحاقِ الناقصِ بالكاملِ، للتَّرغيبِ فيه، وهذا نظيرُ ما جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنَّ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} (الإخلاص: 1)، تعدِلُ ثُلُثَ القُرآنِ، أي: تعدِلُ ثوابَ ثُلثِ القُرآنِ، ولكنَّها لا تُجزئُ عن قِراءة ثُلُثِ القُرآنِ فِعليًّا؛ كما نقله الترمذي عن إسْحاق بن راهويه. قال ابن خزيمة: في هذا الحديث: أنّ الشّيء يُشْبه الشيء، ويُجعل عدله إذا أشبهه في بعض المعاني لا جميعها، لأنّ العُمْرة لا يُقْضى بها فرضُ الحَجّ ولا النّذْر. وقال ابن العربي: حديث العُمرة هذا صحيح، وهو فضلُ من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج، بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي: فيه أنّ ثوابَ العمل يزيد بزيادة شرف الوقت، كما يزيد بحُضُور القلب، وبخُلُوص القَصْد. اعتمار النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الحافظ ابن حجر: «فصل: لمْ يَعْتمر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في أشهر الحج كما تقدّم، وقد ثَبتَ فضل العمرة في رمضان بحديث الباب، فأيّهُما أفضل؟ الذي يظهر أن العُمْرة في رمضان لغير النّبي - صلى الله عليه وسلم - أفْضل، وأمّا في حَقّه فما صَنَعه هو أفضل؛ لأنّ فعله لبيان جَواز ما كان أهلُ الجاهلية يَمنعُونه، فأرادَ الردّ عليهم بالقول والفِعل، وهو لو كان مَكرُوهاً لغيره، لكان في حقّه أفضل، والله أعلم». (الفتح). وقال ابن القيّم في (الهدي): «يحتمل أنّه - صلى الله عليه وسلم - كان يشتغل في رمضان مِنَ العبادة، بما هو أهمّ مِنَ العُمْرة، وخَشِي مِنَ المَشقة على أمّته؛ إذْ لو اعْتَمر في رمضان لبادروا إلى ذلك مع ما هم عليه مِنَ المشقة في الجَمع بين العُمْرة والصّوم، وقد كان يترك العمل وهو يحبُّ أنْ يعمله خشية أنْ يُفرضَ على أمّته، وخوفاً من المشقة عليهم». من فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم.. باب: كمْ حَجّ النّبيّ – صلى الله عليه وسلم -؟
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم - قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قَالَ: وَحَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - غَزَا تِسْعَ عَشْرَةَ، وَأَنَّهُ حَجَّ بَعْدَ مَا هَاجَرَ حَجَّةً وَاحِدَةً؛ حَجَّةَ الوَدَاعِ، قَالَ أَبُو إِسْحَقَ: وبِمَكَّةَ أُخْرَى. الحديث رواه مسلم في الحج (2/916) باب: بيان عدد عُمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وزمانهنّ، ورواه البخاري (3949)في المغازي: باب: غزوة العُشَيرة أو العُسَيرة. في هذا الحَديثِ يَرْوي التَّابِعيُّ الثقة العابد أبو إسْحاقَ وهو السَّبِيعيُّ عمرو بن عبدالله، أنَّ زَيدَ بنَ أرْقَمَ بنِ زَيدٍ الأنْصاريَّ - رضي الله عنه - سُئِل: كمْ غَزوت مع النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - من غَزْوةٍ؟ والغَزْوةُ هي الجَيشُ الَّذي يَخرُجُ فيه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بنفْسِه، والبَعثُ أوِ السَّريَّةُ: هو الجَيشُ الَّذي يُرسِلُه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَخرُجُ فيه، فأجابَ زَيدُ بنُ أرْقَمَ - رضي الله عنه -: أنَّ عدَدَ الغَزَواتِ كان سبعَ عَشْرةَ غَزْوةً، خرَج فيها بنفْسِه، وفي رواية: تسع عشرة. لكن رُوى عن جابر - رضي الله عنه -: أنّ عدد غزواته - صلى الله عليه وسلم - إحدى وعشرون غزاة، ففاتَ زَيدَ بنَ أرْقَمَ - رضي الله عنه - ذِكرُ غَزوَتَينِ منْها، ويُحتَمَلُ أنْ تَكونَا الأبْواءَ وبُواطَ، ولعَلَّهما خَفِيَتا عليه لصِغَرِه. الغزوات التي قاتل فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قاتَلَ - صلى الله عليه وسلم - بنفْسِه في ثَمانٍ منها، وهي: بَدرٌ، ثمَّ أُحُدٌ، ثمَّ الأحْزابُ، ثمَّ بَنو المُصْطَلِقِ، ثمَّ خَيبَرُ، ثُمَّ مكَّةُ، ثمَّ حُنَينٌ، ثمَّ الطَّائفُ، وقد أهمَلَ بَعضُهم عدَّ غَزْوةِ بَني قُرَيْظةَ؛ لأنَّه ضَمَّها إلى الأحْزابِ؛ لكَوْنِها كانت في إثْرِها، وأفْرَدَها بَعضُهم؛ لكَوْنِها وقَعَت مُنفَرِدةً بعدَ هَزيمةِ الأحْزابِ. أيُّ الغَزَواتِ كانتْ أوَّلَ؟ وسَأَلَه أبو إسْحاقَ السَّبيعيُّ في رواية: أيُّ الغَزَواتِ كانتْ أوَّلَ؟ قال: العُسَيْرةُ، أوِ العُشَيرُ، على الشَّكِّ في تَحْديدِ الاسْمِ. قال شُعْبةُ بنُ الحَجَّاجِ -أحَدُ رُواةِ الحَديث: فذكَرْتُ ذلك لقَتادةَ بنِ دِعامةَ، فقال: العُشَيرُ، وفي نُسْخةٍ: العُشَيْرةُ، وكان المَطْلوبُ في هذه الغَزاةِ عِيرَ قُرَيشٍ الَّتي خَرَجَت مِن مكَّةَ ذاهِبةً إلى الشَّامِ بالتِّجارةِ، وكانت هذه الغَزْوةُ في مِنطَقةِ العُشَيْرةِ، وهي مِنطَقةٌ مَوْجودةٌ قُربَ يَنبُعَ حاليًّا، وتَبعُدُ مَسافةَ (2) كيلوِ عن قَرْيةِ المُبارَكِ باتِّجاهِ الشَّرقِ، وكان ذلك في أواخِرِ شَهرِ جُمادى الأُولى وأوائلِ جُمادى الآخِرةِ مِن العامِ الثَّاني للهِجْرةِ، وقد فات المُسلِمينَ القِتالُ واغْتِنامُ القافِلةِ في هذه الغَزْوةِ، ولكنْ تَرصَّدَها المُسلِمونَ بعْدَ ذلك أثْناءَ رُجوعِها مِن الشَّامِ، وكانوا يَترَقَّبونَ رُجوعَها، فخَرَج النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتلَقَّاها ليَغنَمَها، ولكنَّ أبا سُفْيانَ قائدَ القافِلةِ تَنحَّى بَعيدًا عن طَريقِ المُسلِمينَ، وأخَذ طَريقَ البَحرِ، ونَجا بالقافِلةِ، وبسببِ ذلك كانت وَقْعةُ بَدرٍ في السَّنةِ الثَّانيةِ مِن الهِجْرةِ، حيث خرَج المُشرِكونَ مِن مكَّةَ؛ لحِمايةِ القافِلةِ، والحِفاظِ على مَكانَته. حجّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وأنه حَجّ بعد ما هَاجر حَجّة واحدة: حَجّة الوَدَاع» وهي في السنة العاشرة من الهجرة، قال أبو إسحاق في رواية: «وبمكة أخرى» يعني: قبل الهجرة، وقد روي في غير مسلم: «قبل الهجرة حجتان». وفي رواية أخرى عن قتادة قال: «سألت أنساً: كمْ حَجّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: حجة واحدة». رواه مسلم، ومعناه: لمْ يَحجّ بعد الهِجْرة؛ إلا حجةً واحدة. فوائد الحديث:
باب: كم اعْتَمرَ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم ؟ عن أَنَس - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ؛ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ، أَوْ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وعُمْرَةً مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ؛ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. (1253/217)، الحديث رواه مسلم في الموضع السابق. والعُمرةُ هي: التعبُّدُ للهِ -تعالَى- بالإحرامِ مِن الميقاتِ والطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعْيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ، والتحَلُّلِ منها بالحَلْقِ أو التَّقصيرِ، وليس لها وقتٌ مُحدَّدٌ في العامِ. فيقول أنسٌ - رضي الله عنه - إنَّه - صلى الله عليه وسلم - اعتمَرَ أربعَ عُمُراتٍ؛ العمرةُ الأُولى: عُمرةُ الحُدَيْبِيةِ في ذي القَعدةِ سَنةَ سِتٍّ مِن الهِجْرةِ؛ حيثُ صَدَّهُ المُشركونَ، ولم يَصِلِ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابُه إلى البيتِ الحرامِ، فتَحلَّلُوا، وحُسِبَت لهم عُمرةً. وفي صَحيحِ البُخاريِّ، عن ابنِ عباسٍ -رَضيَ اللهُ عنهما-: «قد أُحصِرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فحَلَقَ رَأسَه، وجامَعَ نِساءَهُ، ونحَرَ هَدْيَه، حتى اعتَمَرَ عامًا قابلًا». والحُدَيْبِيَةُ: قَريةٌ كَبيرةٌ على القُرْبِ مِن مكَّةَ ممَّا يَلي المدينةَ، سُمِّيتْ ببئْرٍ هناكَ، والآنَ هي وادٍ بيْنَه وبيْنَ مكَّةَ 22 كيلومِترًا على طَريقِ جُدَّةَ، واشتَهَرَ اسمُ الحُديبيةِ في السُّنةِ بالصُّلحِ الذي وَقَعَ بيْن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وقُريشٍ. العُمْرةُ الثانيةُ: عُمرةُ القَضاءِ
العُمرةُ الثالثةُ: عُمرةُ الجِعِرَّانَةِ
العمرةُ الرَّابعةُ: عمرة حَجَّةِ الوَداعِ
فوائد الحديث:
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في التّقصِير في العُمْرة
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ -رضي الله عنهما- أَخْبَرَهُ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمِشْقَصٍ، وهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ، أَوْ رَأَيْتُهُ يُقَصَّرُ عَنْهُ بِمِشْقَصٍ، وهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ. الحديث أخرجه مسلم في الحج (2/913) باب: التقصير في العمرة، وأخرجه البخاري في كتاب الحج حديث (1730)، باب: التقصير عند الإحْلال. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ الصّحابي الجليل مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ -رضي الله عنهما- أنَّه قَصَّر شَعْرَ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولعلَّ ذلك كان عندَ تَحلُّلِه مِن عُمْرةِ الجِعْرانةِ، وقد اعتَمَرَها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا فتَحَ مكَّةَ، وسُمِّيتْ بذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - دخَلَ مكَّةَ ليلًا، وأدَّى مَناسكَ العمرةِ، ثمَّ خرَجَ منها لَيلًا، فباتَ بالجِعِرَّانَةِ حتَّى أصبَحَ وزالَتِ الشَّمسُ مِن اليومِ التَّالي، توجَّهَ إلى المدينةِ، وكان ذلك في السَّنةِ الثَّامنة مِن الهِجرةِ. وقيل: كان ذلك في عمرة القَضَاء؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمْ يَسْتَصحب معه أحداً إلا بعض المهاجرين، ولمْ يُعد معاوية - رضي الله عنه - معهم، وخَفيت عُمْرتُه على كثيرٍ مِنَ النّاس، ومعاوية - رضي الله عنه - في عُمْرة القضاء، كان مسلماً، لكنّه كان يُخْفي إسلامه خوفاً مِنْ أبويه، ولمْ يظهره إلا يوم الفتح سنة ثمان، واختاره الحافظ ابن حجر -رحمه الله-، كما في الفتح. مشروعية الاقتصارِ على تَقصيرِ الشَّعرِ قال: «بِمِشْقَصٍ» والمِشقَصُ: ما طالَ وعرُضَ مِن النِّصالِ والسِّهامِ، وفيه: مَشروعيَّةُ الاقتصارِ على تَقصيرِ الشَّعرِ، وإنْ كان الحلْقُ أفضَلَ، وسواءٌ في ذلك الحاجُّ والمعتمِرُ، إلَّا أنَّ الأفضَلَ للمُتمتِّعِ أنْ يُقصِّرَ في العُمرةِ ويَحلِقَ في الحجِّ؛ لِيَقَعَ الحلْقُ في أكمَلِ العِبادتينِ. والحلْقُ والتَّقصير: شَعيرةٌ مِنْ شَعائرِ الحجِّ والعُمْرة، وبه يَتحلَّلُ المُحرِمُ مِنْ إحْرامِه، ويكونُ بعْدَ رمْيِ جَمرةِ العقَبةِ، وبعْدَ ذَبْحِ الهدْيِ إنْ كان معه، وقبْلَ طَوافِ الإفاضةِ. وفي العُمرةِ يكونُ بعْدَ السَّعيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ. فوائد الحديث في الحديث مشروعية التقصير عند التحلل من مناسك الحج والعمرة، وإنْ كان الحَلْق أفضل، وسيأتي بيان فضل المُحلّقين بدُعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم ثلاثًا، كما في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. باب: قضاءُ الحَائض العُمْرة عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عائشة -رضي الله عنها- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وأَصْدُرُ بِنُسُكٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهَرْتِ؛ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهِلِّي مِنْهُ، ثُمَّ الْقَيْنَا عِنْدَ كَذَا وكَذَا» قَالَ: أَظُنُّهُ قَالَ: «غَدًا، ولَكِنَّها عَلَى قَدْرِ نَصَبِكِ، أَوْ قَالَ: نَفَقَتِكِ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/876) باب: بيان وجُوه الإحْرام. في هذا الحَديثِ تَرْوي أمُّ المؤمنينَ وهي عائشةُ -رَضيَ اللهُ عنها-، بَعضَ ما حَدَثَ في حَجَّةِ الوداعِ، وهذا المتْنُ جُزءٌ مِن رِوايةٍ طويلَة، أخْبَرَت فيها أنَّهم خرَجوا مع رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لا غرَضَ لهم إلَّا الحجُّ، فلمَّا قَدِموا مكَّةَ، أمَرَ - صلى الله عليه وسلم - مَنْ لمْ يَسق الهدْيَ، أي: مِن خارجِ مكَّةَ، أنْ يُحِلُّوا مِنْ إحْرامِهم بعْدَ الطَّوافِ بالبيتِ، والسَّعْيِ بيْن الصَّفا والمَروةِ، والحَلْقِ أو التَّقصِيرِ، ويَتمتَّعوا إلى يومِ الثامنِ مِن ذي الحِجَّةِ يومِ التَّرويةِ، فيُحرِموا بالحجِّ. أمَّا عائِشةُ -رَضيَ اللهُ عنها- فقدْ مَنَعَها مِن التَّحلُّلِ؛ كَونُها حاضَت لَيلةَ دُخولِها مَكَّةَ بِسَرِفَ، وهو موضع على عَشَرةِ أميالٍ مِن مَكَّةَ، وكانَت مُحْرِمةً بِعُمرةٍ، وأدْخَلَت عليها الحَجَّ، فصارَت قارِنةً، فلَمْ تَطُفْ بالبَيتِ طَوافَ العُمرةِ لِمانِع الحَيضِ، وأمَّا طَوافُ الإفاضةِ فقدْ طافَتْه في يومِ النَّحر، فاشْتَكَت لرَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأظْهَرَت حُزنَها؛ بسَببِ أنَّ النَّاسَ يَرجِعُون بِنُسُكينِ مُسْتقلَّينِ -وهما الحجُّ والعُمرة- وتَرجِعُ هي بِنُسُكٍ واحدٍ في الظَّاهِرِ، وحَزنتْ على ذلِك -رَضيَ اللهُ عنها-؛ لِرغبتها في تكثيرِ الطاعات، ولتحصل على ما حَصَلَ لِسائِرِ أُمَّهاتِ المُؤمنينَ وغيرِهنَّ من الصَّحابةِ. فقال لها النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «انْتظرِي، حتَّى إذا طهُرْتِ مِنَ الحيضِ، فاخرُجي إلى التَّنعيمِ» وهو مَوضعٌ على ثَلاثةِ أميالٍ أو أربعةٍ مِنْ مكَّةَ، وهو أَقْرَبُ أطرافِ الحِلِّ إلى البَيْتِ، وسُمِّي به لأنَّ على يَمِينِه جبلَ نُعَيْمٍ، وعلى يَسارِهِ جَبَلَ نَاعِمٍ، والوادِيَ اسمُه نَعْمَان. «فَأهِلِّي بِالعُمرةِ» ثُمَّ قال لها: «فَأهِلِّي بِالعُمرةِ» يعني أحْرِمِي بها وأدِّيها، وأرْسَلَها مع أخِيها عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بكرٍ - رضي الله عنه -. وقال لها: «ثُمَّ ائْتِينا بِمكانِ كذا» يَقصِدُ الأَبطَحَ، وهو المكانُ الذي نزَلَ فيه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعْدَما انْصَرَفَ مِن مِنًى، وانْطَلَقَ منه قافلًا إلى المدينةِ، ويُسمَّى المُحَصَّبَ، وهو مكانٌ متَّسِعٌ بيْن مكَّةَ ومِنًى بيْنَ الجبلَيْنِ إلى المقابرِ، سُمِّيَ به لاجتماعِ الحَصْباءِ فيه بِحَمْلِ السَّيلِ إليه، ويُسمَّى الآنَ الجَعفريَّةَ، وهي تابعةٌ لمَنطقةِ الجُمّيزةِ. ثُمَّ قال لها - صلى الله عليه وسلم -: «ولكنَّها على قدْرِ نَفَقَتِك، أو نَصَبَكِ» أي: أنَّ الأجرَ فيها على قدْرِ النَّصَبِ والتَّعبِ والجهْدِ، وكذلك المالِ، فكُلَّما زادَ المالُ المُنفَقُ، والجهدُ المبذولُ زادَ الأجرُ مِنَ اللهِ تعالى. ميقات من كان بمكة قال النووي -رحمه الله-: «فيه دليل لما قاله العلماء: أنَّ مَن كان بمكة وأرادَ العمرة، فميقاته لها أدنى الْحِل، ولا يجوز أنْ يُحْرِمَ بها مِنَ الحَرَم، فإنْ خالفَ وأحْرمَ بها مِنَ الحَرَم، وخرج إلى الْحِل قبل الطواف أجزأه، ولا دم عليه، وإنْ لمْ يَخرج وطاف وسَعَى وحَلَق، ففيه قولان:
الثوابُ على قَدْر المشقة وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «قول بعض الناس: الثوابُ على قَدْر المشقة، ليس بمستقيم على الإطْلاق، كما قد يستدِلّ به طوائف على أنواع من الرهبانيات والعبادات المُبْتدعة، التي لمْ يشرعها الله ورسوله، منْ جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحلّ الله مِنَ الطّيبات، ومثل التّعمّق والتنطُّع الذي ذمَّهُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، مثل الجُوع أو العطش المُفْرط الذي يضر العقل والجسم، ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتَّعَرِّي والمشي الذي يضرّ الإنسان بلا فائدة...، وهذا بابٌ واسع. الأجر على قدر الطاعة وأما الأجر على قدر الطاعة، فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسَّرٍ، كما يسَّرَ الله على أهل الإسلام الكلمتين، وهما أفضل الأعمال، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم». أخرجاه في الصحيحين. الأجرُ على قَدْر مَنْفعة العمل وفائدته ولو قيل: الأجرُ على قَدْر مَنْفعة العمل وفائدته، لكان صحيحًا، اتصاف الأول باعتبار تعلُّقه بالأمر، والثاني باعتبار صفته في نفسِه، والعمل تكون منفعته وفائدته تارة من جهة الأمر فقط، وتارة من جهة صفته في نفسه، وتارة من كلا الأمرين، فأما كونه مُشِقًّا، فليس هو سبباً لفضل العمل ورُجْحانه، ولكنْ قد يكون العمل الفاضل مُشِقًّا ففضله لمعنى غير مَشَقَّتِهِ، والصّبر عليه مع المشقة، يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمَشقّة، كما أنَّ مَنْ كان بُعْده عن البيت في الحج والعمرة أكثر، يكونُ أجرُه أعظم مِنَ القَريب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة في العمرة: «أجركِ على قدر نصبكِ»؛ لأنّ الأجرَ على قَدْر العمل في بُعْدِ المسافة، وبالبُعْدِ يكثُرُ النّصب، فيكثر الأجر، وكذلك الجهاد؛ فكثيراً ما يكثر الثواب على قَدْر المَشقّة والتّعب، ليس لأنَّ التَعبَ والمَشقّة مقصودٌ مِنَ العمل، ولكنْ لأنّ العمل مُسْتلزم للمشقَّة والتَّعب، هذا في شَرْعنا الذي رُفِعَتْ عنَّا فيه الآصَارُ والأغْلال، ولمْ يُجعل علينا فيه حَرج، ولا أُرِيْدَ بنا فيه العُسْر، وأمّا في شَرْع مَنْ قبلنا، فقد تكونُ المشقّةُ مطلوبةً منهم، وكثيرٌ مِنَ العُبّاد يَرى جِنْس المشَقّة والألم والتعبِ مطلوباً مُقَرِّباً إلى الله؛ لما فيه مِنْ نُفْرَة النّفْس عن اللّذات، والرُّكون إلى الدنيا، وانقطاع القلب عن علاقة الجَسد، وهذا مِنْ جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم، ولهذا تجد هؤلاء مع مَنْ شابههم مِنَ الرُّهبان يُعالجون الأعمال الشَّاقَّة الشديدة الْمُتْعِبَة من أنواع العبادات والزَّهادات، مع أنّه لا فائدةَ فيها، ولا ثَمرةَ لها ولا مَنفعة، إلا أنْ يكون شيئاً يسيراً، لا يقاوم العذاب الأليم الذي يجدونه». (مجموع الفتاوى)(10/620-623). تنبيه لمسألة مهمة لمْ يُنْقل أنَّ أحداً مِنَ الصّحابة في عهد النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا بَعده، خَرَج من مكة إلى الحِلّ؛ ليُحْرم بالعُمرة، غير عائشة -رضي الله عنها-، للسّبب المذكور في الحديث؛ ولذا فلا يُشْرع ذلك على الصحيح، وإنّما المشروع: كثْرةُ الطّواف بالبيت. - قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية -رحمه الله-: «وكذا الخُرُوج مِنْ مكة لعُمْرة تطوُّعٍ بِدْعة، لمْ يفعله النّبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا أصحابه على عهده، لا في رمضان، ولا في غيره، ولمْ يأمر عائشة بها، بل أَذِنَ لها بعد المُرَاجعة، تطييباً لقلبها، وطوافه بالبيت أفْضل مِنَ الخُرُوج اتّفاقًا، وخُرُوجه عند مَنْ لمْ يَكرهه، على سبيل الجواز». (الفتاوى الكبرى) (5/ 384). - وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: «فالعُمْرةُ التي فَعلها رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وشرعها، هي عُمرة الداخل إلى مكة، لا عُمرة مَنْ كان بها، فيخرُج إلى الحلّ ليعتمر! ولمْ يَفعلْ هذا على عهده أحدٌ قَطّ، إلا عائشةُ وحدها بين سائر مَنْ كان معه؛ لأنّها كانت قد أهلَّت بالعُمْرة فحاضت، فأمَرها، فأدخلت الحجّ على العُمْرة، وصارت قارنة، وأخْبَرها أنَّ طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة، قد وَقَع عن حجتها وعُمْرتها، فوَجَدت في نفسها أنْ يرجع صواحباتها بحجٍّ وعُمْرة مستقلين، فإنّهنّ كنّ مُتَمتّعات، ولمْ يَحِضنَّ، ولمْ يقرِنَّ، وتَرْجع هي بعمرةٍ في ضِمْن حجتها، فأمَرَ أخاها أنْ يُعمّرها مِنَ التّنْعيم، تطييباً لقلبها، ولمْ يَعْتمر هو مِنَ التّنْعيم في تلك الحَجّة، ولا أحدٌ ممّن كان معه». (زاد المعاد) (2/ 89-90). فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: ما يقول إذا قَفَلَ من سفر الحج وغيره
من فوائد الحَديثِ:
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: التّعْريسُ والصّلاة بذِي الحُلَيفة إذا صَدَر مِنَ الحَجّ والعُمْرة
عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا. وكَانَ عَبْدِاللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدِاللَّهِ بْنَ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: كَانَ إِذَا صَدَرَ مِنْ الحَجِّ أَوْ العُمْرَةِ، أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الحُلَيْفَةِ، الَّتِي كَانَ يُنِيخُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ وهُوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، فِي بَطْنِ الْوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. قَالَ مُوسَى: وقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالْمُنَاخِ مِنْ الْمَسْجِدِ، الَّذِي كَانَ عَبْدِاللَّهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، وهُوَ أَسْفَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ، الَّذِي بِبَطْنِ الْوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَسَطًا مِنْ ذَلِكَ. الأحاديث رواها مسلم في الحج (2/981) وبوّب عليها النووي بمثل تبويب المصنف. فيَرْوي عَبْدِاللهِ بنُ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنَّ رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أناخَ، أي: جَعَلَ راحِلَتَه تَبرُكُ على الأرضِ، فنزَلَ بالبَطْحاءِ التي بِذي الحُلَيْفةِ، وهي الَّتي يَعرِفُها أهلُ المدينةِ: بِالمُعَرَّسِ، وهي مَنطقةُ مَسيلِ الماءِ، وذاتُ حَصًى صِغارٍ. وذو الحُليفةِ: قَريةٌ بيْنها وبيْن المدينةِ سِتَّةُ أميالٍ أو سَبعَةٌ (10 كم)، وتقَع أسفَلَ مَسجِدِ ذي الحُلَيفةِ، وهي مِيقاتُ أهلِ المدينةِ، ومَن يمُرُّ بها مِن غيرِ أهْلِها. أصل المُعَرّس
نزول النبي - صلى الله عليه وسلم - في بطحاء ذي الحُليفة وقد اخْتُلف في نُزُوله - صلى الله عليه وسلم - ببطحاء ذي الحُليفة، على أقوال:
صلاته - صلى الله عليه وسلم - في المعرس ويدلّ له أيضًا: صلاته - صلى الله عليه وسلم - به، وما فهم من لفظ الحديث مِنْ مُواظبته على النُّزُول به، لكنّه ليسَ منْ مناسك الحج، بل هو سُنّةٌ مُسْتقلة، وبهذا قال الجُمهور، قال مالك في الموطأ: لا ينبغي لأحدٍ أنْ يُجاوز المُعرّس إذا قفلَ حتّى يُصلّي فيه، وأنّه مَنْ مَرّ به في غير وقتِ صلاةٍ؛ فليُقمْ حتّى تحلّ الصّلاة ثمّ يُصلّي ما بَدَا له، لأنّه بلغني أنّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَرّسَ به، وأنّ عبدالله بن عمر أناخ به. قال ابن عبدالبر: واستحبّه الشافعي ولم يأمر به. وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: ليس نزوله- صلى الله عليه وسلم - بالمعرّس؛ كسائر منازل طريق مكة، لأنّه كان يُصلّي الفريضة حيثُ أمْكنه، والمُعرّس إنّما كان يصلي فيه نافلة.
فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: في تَحْريم مَكّة وصَيْدها وشَجْرها ولقطتها
عن أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قَامَ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، ولَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، ولَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، ومَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يُفْدَى وَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ». فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِلَّا الْإِذْخِرَ». فَقَامَ أَبُو شَاهٍ- رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ». قَالَ الْوَلِيدُ: فَقُلْتُ لِلْأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ «اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» قَالَ: هَذِهِ الْخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. وعَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ». الحديث الأول رواه مسلم في الحج (2/988) باب: تحْريمُ مكّة وصَيْدها وخَلاها وشَجَرها ولقطتها؛ إلا لمُنْشد على الدوام، وفي هذا الحديثِ يَحكي أبو هُرَيرةَ - رضي الله عنه - أنَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، خطَبَ النَّاسَ يوم فتح مكة، ووضَّح لهم أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد حبَسَ الفِيلَ عن مكَّةَ، يومَ أنْ حاوَلَ أبرهةُ الحَبشيُّ هدَمَ الكَعبةَ، وذلك قبْلَ بَعثةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بأربعينَ سَنةً، والذي جاء ذِكرُه في قولِ اللهِ تعالَى: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ{ (الفيل: 1) فأرسَلَ اللهُ -تعالَى- على أصْحابِه جَماعاتٍ مِنَ الطَّيرِ؛ تَرمِيهم بحِجارةٍ منْ سجيل، وذلك حِين وَصَلوا إلى بطْنِ الوادي بالقُربِ مِن مكَّةَ فأهلَكَتْهم، وإنَّما ذكَّرَ النّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه -رَضيَ اللهُ عنهم- والناس بحادثِ الفِيلِ؛ في مَعرضِ خُطبتِه فيهم؛ لبَيانِ حُرْمةِ القتْلِ في مكَّةَ، فمعَ كَونِ أهلِ مكَّةَ وَقتئذٍ كُفاراً؛ فقد دافَعَ اللهُ عنها، فحُرمةُ أهْلِها بعدَ الإسلامِ آكَدُ وأعظم. قوله: «وسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ والْمُؤْمِنِينَ» أي: ولكنَّ اللهَ سلَّطَ على أهلِ مكَّةَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصَحابتَه -رَضيَ اللهُ عنهم-، ولم يَحِلَّ في مكَّةَ القِتالُ إلَّا وَقتَ دُخولِه - صلى الله عليه وسلم - إيَّاها فَاتِحاً مع أصْحابِه، ثُمَّ عادَتْ حُرْمَتُها كما كانتْ، وأنَّها لمْ تَحِلَّ لأحدٍ قبْلَه من خلق الله، ولنْ تَحِلَّ لأحدٍ بعدَه؛ لأنَّ تَحريمَ مكَّةَ أمْرٌ قَديمٌ، وشَريعةٌ سالفةٌ ومُستمِرَّةٌ، ليس ممَّا أحْدَثهُ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أو اختُصَّ بشَرْعِه، وقد عادَتْ إليها حُرمتُها بعْدَ الفتْحِ كما كانت. قوله: «فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا» أي: فلا يُصَطاد، أولا يهيج من مكانه. وقد ذكر البخاري عن عكرمة قال: هل تدري: ما لا ينفر صيدها؟ هو أنْ ينحيه من الظل، ينزل مكانه. اهـ، وإذا كان التنفير مُحرّماً، فالاصْطياد والإتلاف مِنْ بابِ أولى، وهذا إذا لمْ يَحْصلْ مِنَ الصيد ضررٌ أو أذى، فإنْ حَصلَ منه ضرر، دُفع بأخفّ الضّررين. قوله: «ولا يُخْتَلى شَوكها» أي: ولا يُقطع ولا يُؤخذ. وقد جاء في لفظ: «ولا يُخْتلى شوكها، ولا يُعْضَد شَجرها». وهو يفيد تحريم قطع شجر الحَرَم، سَواءً كان ذا شوك أو لا شوك فيه، إلا ما كان أذى أو ضرر على الناس، فيَجوزُ قطْعُه، قِياساً على حلِّ قتْلِ الفواسقِ الخَمْسِ في الحرَمِ بجامعِ الإيذاءِ، وجاء في لفظ البخاري عن ابن عباس: «لا يُخْتلي خَلاها» أي: حَشِيشها الرّطب، قال ابن قدامة: وأجْمعُوا على إباحة أخْذ ما اسْتَنبته الناسُ في الحَرَم، منْ بَقلٍ وزَرعٍ ومَشْمُوم، فلا بأس برعيه واخْتلائه اهـ. قوله: «ولا تَحلُّ سَاقطتها إلا لمُنْشد» السّاقطة هنا: هي اللُّقَطة، والمُنْشد: هو المُعَرّف، أي: ولا يَحلُّ ولا يجُوزُ التقاطُ لُقَطة مكة؛ إلا لمُعرّفٍ لها، لا لتَملّكها، بل للعَملِ على إرْجَاعها إلى أهلها. فلا يُؤخَذُ شَيءٌ سَقَطَ مِنْ صاحبِه في مكَّةَ، بلْ يُترَكُ مكانَه حتَّى إذا رَجَعَ صاحبُه وجَدَه، ولا يَأخُذه إلَّا مَن نَوى أنْ يُعرِّفَه ويَحفَظَه حتَّى يَأتِيَ صاحبُه. قوله: «ومَنْ قُتِلَ لَهُ قتيلٌ فهو بِخَير النَّظَرين» أي: ولي القَتيل له أفضلُ الأمْرَين عنده، «إمّا أنْ يُفْدَى، وإمّا أنْ يُقْتل» أي: إمّا أنْ يأخذَ دِيّة القَتيل، وإمّا أنْ يَقتلَ القاتل، بعد حُكم وليّ الأمْر عليه، وفي لفظ للبخاري: «إمّا أنْ يَعْقل، وإمّا أنْ يُقادَ أهلُ القتيل» وسُمِّيَت عقْلًا؛ لأنَّهم كانوا يَعقِلون الإبلَ ويَربِطونها بفِناءِ دارِ المُستحِقِّ للعقْلِ. أو أنْ يُمكّنوا مِنَ القَوَد، وهو قتلُ القَاتل. قوله: «فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «إِلَّا الْإِذْخِرَ» والإذخر نَباتٌ عُشبيٌّ مَعرُوف عند أهل مكة، عَريضُ الأوراقِ، له رائحةٌ لَيمونيَّةٌ عَطِرةٌ، أزهارُه تُستَعملُ مَنقوعةً كالشَّايِ، وكان يُستعمل أيضاً بَدَلًا مِنَ الحَطَبِ، ويَجعَلونَه في أسقُفِ بُيوتِهم، وكذا لِسُقُفِ قُبورِهم، فاستَثناهُ النبيُّ [ مِنَ النَّهيِ عن قَطْعِه. وقال ابن البيطار: والذي بمكة أجْوده، وأهل مكة يسقفون به البيوت بين الخشب، ويسدون به الخَلَل بين اللبنات في القُبُور، ويَسْتعملونه بدلَ الحلفاء في الوقود. اهـ من الفتح. فالذي طَلَبَ استثناءَ الإذخرِ هو العبَّاسُ - رضي الله عنه -، كما جاء في الصَّحيحينِ، وسُؤالُه كان على سَبيلِ الضَّراعةِ، وتَرخيصُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان تَبليغاً عن اللهِ -تعالَى-؛ إمَّا بطَريقِ الإلهامِ، أو بطَريقِ الوحْيِ. اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ
أحاديثَ الأمْرِ بالكِتابةِ فقال أكثرُ أهلِ العِلمِ: إنَّ أحاديثَ الأمْرِ بالكِتابةِ؛ ناسِخةٌ لأحاديثِ النَّهيِ عنها؛ فقد كان النَّهيُ لعِلَّةٍ؛ وهي إنَّه ربَّما اختلَطَ حَديثُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالقُرآنِ، فلمَّا زالتِ العِلَّةُ؛ أُذِنَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في الكِتابةِ؛ لزَوالِ المَحذُورِ مِنَ الكِتابةِ، ونُسخَ المَنعُ مِنَ الكتابة. ويُؤيِّدُ هذا: عُمومُ ألفاظِ الأمرِ بالكِتابةِ، وأنَّها مُتأخِّرةٌ في الزَّمنِ. وبعضُ الصَّحابةِ داوَمَ على كِتابةِ الحديث، مِن بابِ الحِرصِ على السُّنَّةِ، أو خَشيةَ أنْ ينسى. فروى الإمام أحمد وأبو داود: عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: كنتُ أكتبُ كلَّ شَيءٍ أسْمعه مِنْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أرِيدُ حِفظه، فنَهتْني قُريش عن ذلك، وقالوا: تكتبُ كلَّ شَيءٍ تَسْمعه مِنْ رسُول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم - بَشَرٌ يتكلمُ في الغَضَب والرّضا؟ فأمسكْتُ عن الكتابة، حتّى ذَكرتُ ذلك لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأَوْمأ بإصْعَبه إلى فِيه- أي: فَمَه- فقال: «اكتُبْ؛ فوالذي نفْسِي بيدِه، ما يَخرجُ منْه إلا حَقٌّ»، وذلك بعدَ أنْ رسَخَتْ مَعرفةُ الصَّحابةِ بالقُرآنِ؛ فلمْ يُخشَ خَلطُهم له بغَيرِه مِن حَديثِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وبهذا يتبين بُطلان قول من قال: إنّ السّنّة لمْ تُدوّن في عصر الرسالة؟ والحقّ أنّها دُونت لكن ليس بالصُّورة التي تمّت فيما بعد في عصور التدوين، ولكن مِنَ المُجْمع عليه أنّها كانت مَحفُوظةً في الصّدُور، وفي بعض الصحائف والسطور في عصر الصّحابة، وتلقاها عنهم التابعون، ثم بدأ التدوين في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عن الجميع-. قوله: قال الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعي، وهو عبدالرحمن بن عمرو الإمام: «ما قوله- أي أبي شاه- اكتبوا لي يا رسول الله؟ قال: هذه الخطبة» يعني التي سمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فوائد الحديث 1- تَذكيرُ رَسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - النَّاسَ نِعمةَ اللهِ في حبْسِ الفيلِ عن مكَّةَ؛ والانتقام ممّن أراد بالكعبة سُوءاً، فإنَّها كانت آيةً شهِدَ بها كلُّ مُحِقٍّ ومُبطِلٍ. 2- وفيه: أنَّ الإنسانَ إذا سَمِعَ الكلامَ الجَزْلَ والمفيد، الَّذي لا يُمكِنُه ضبْطُه حِفظًا؛ فإنَّه يَنْبغي له أنْ يَطلُبَ كِتابتَه، كما فعَلَ أبو شَاهٍ. 3- وفيه: جَوازُ مُراجَعةِ العالِمِ في المصالحِ الشَّرعيةِ، والمُبادرَةُ إلى ذلك في المَجامِعِ والمَشاهِدِ. 4- وفيه: الأمْرُ بكِتابةِ حَديثِ النبي - صلى الله عليه وسلم - وسُنَّتِه. 5- تحريم الإسلام كلَّ أنواعِ الظُّلمِ، والتشدَّدَ في سَفْكِ الدِّماءِ بغيرِ وجْهِ حقٍّ، خلافاً لما كان عليه الناسُ في الجاهليَّةِ، منَ أنواع مِن الظُّلمِ وسَفْكِ الدِّماءِ. الحديث الثاني عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ»، في هَذا الحَديثِ نَهى النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَن حَملِ السِّلاحِ بمكَّةَ، حتَّى لا يَكونَ سَببًا لرُعبِ مُسلمٍ أو أَذى أَحدٍ؛ فَلا يَخفَى ما في ذلِك مِن زِيادةِ الأَمنِ في مَكانٍ به شَعائرُ الإسلامِ كَمكَّةَ، والنَّهيُ مَحمولٌ لغيرِ الضَّرورةِ، أمَّا لو كان هناك ضَرورةٌ -كمُحارَبةِ كفَّارٍ ونحوِهم- فيُشرَعُ حمْلُ السِّلاحِ، كما في عامِ الفتْحِ حِين دخَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مكَّةَ بجُيوشِه حامِلِين أسْلِحتَهم؛ إذْ أذِنَ اللهُ له بذلك لنشْرِ دِينِه، وإعلاءِ كَلِمتِه، وأحلَّ له هذا الحرَمَ جُزءًا مِن نَهارٍ، مِن طُلوعِ الشَّمسِ إلى صلاةِ العصرِ، ثمَّ أعلَنَ للنَّاسِ عَودةَ حُرمتِه إلى ما كانت علي، كما في الحديث السابق. ومن فوائد الحديث: أنّ مكَّةُ بلَدٌ له حُرمتُه؛ إذ يُوجَدُ به البيتُ الحرامُ، والمشاعرُ المُقدَّسةُ؛ ولذا شرَعَ الشَّرعُ أحكامًا خاصَّةً به تُؤكِّدُ هذه المعاني؛ فشَرَع فيه مِن وَسائلِ الأمنِ والأمان؛ ما لم يَشرَعْ في غيرِه مِن بِقاعِ الأرضِ. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: دُخُول النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- مكة غير مُحْرِم يومَ الفََتح
عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ مَكَّةَ- وقَالَ قُتَيْبَةُ: دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ- وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. (1358/451)، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ؛ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/990) باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. في الحَديثِ الأول يُخبِرُ الصَّحابيُّ الجَليلُ جابرُ بنُ عبداللهِ -رضي الله عنهما- أنَّ رَسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- دَخلَ مَكَّةَ يومَ الفَتحِ، الَّذي وقَعَ في العامِ الثَّامنِ مِن الهجرةِ، وَكان يَلبَسَ في ذلكَ اليومِ على رأسِه عِمامةً سَوداءً، فلَم يَكُنْ حينئِذٍ مُحرِماً بمَلابسَ الإحرامِ في هَذا اليومِ؛ لأنَّه لم يُرِدْ نُسكًا، بلْ أراد فتْحَ مكَّةَ. وفي الحديث الثاني: عن أنسِ بنِ مالكٍ - رضي الله عنه -: «أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم- دخَلَ عامَ الفتحِ وعلى رأسِه المِغفَرُ». فيَحتمِلُ أنْ يكونَ المِغفَرُ فوقَ العِمامةِ؛ وِقايةً لرَأْسِه المكرَّمِ مِن صَدَأِ الحديدِ، أو كانت العِمامةُ فوقَ المِغفَرِ، أو كان أوَّلَ دُخولِه على رَأسِه المِغفَرُ، ثمَّ أزالَهُ ولَبِسَ العِمامةَ بعْدَ ذلك، فحَكى كلٌّ منهما ما رآهُ. قال القاضي عياض -رحمه الله-: قوله: «بغير إحْرام» والأظهر أنّه دَخل عليه السلام مكة غير مُحْرِم، وقد جاء في حديث يحيى وقتيبة: «ولم يكن مُحْرِماً». انتهى. قوله: «بغير إحرام» فقوله: «بغير إحرام» هذا صريح في كون النّبي - صلى الله عليه وسلم- دخل مكة يوم الفتح هو وأصحابه غير مُحْرِمين، فدلَّ على جواز دُخولها بغير إحْرام لمن لا يريد حجًّا، ولا عُمْرة، قال أبو الوليد الباجي -رحمه الله-: «دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه الْمِغفر» يقتضي أحد أمرين: إما أنْ يكونَ غير مُحْرِم، فلذلك غطَّى رأسه بالمغفر، وهو الأظهر؛ لأنّه لم يروِ أحدٌ أنّه تَحلّلَ مِنْ إحْرام. وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: «وإنّما أُحِلّتْ لي سَاعة مِنْ نَهار»، فعلى أنّ دُخُول مكة على غير إحْرام؛ خاصٌّ بالنّبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولهذا قال مالك: ولمْ يكنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ مُحْرماً، وقد كان يحتمل أنْ يكون غَطّى رأسه لأذى اضْطرّه إلى ذلك، وافتدى، لو ثَبتَ أنّه دَخلَ مكة مُحْرماً، ودخول مكة على ثلاثة أضرب:
قوله: «دخلَ مكة بغير إحْرام» وقال النووي -رحمه الله-: قوله: «دخلَ مكة بغير إحْرام» هذا دليلٌ لمن يقول بجواز دُخُول مكة بغير إحْرام لمنْ لمْ يُردْ نُسكاً، سواء كان دُخُوله لحاجةٍ تكَرَّر، كالحطّاب والحشّاش والسقّاء والصيّاد وغيرهم، أمْ لمْ تتكرّر كالتاجر والزائر وغيرهما، سواء كان آمناً أو خائفاً، وهذا أصحّ القولين للشافعي، وبه يفتي أصْحابه، والقول الثاني: لا يجوز دخولها بغير إحْرام؛ إنْ كانت حاجته لا تكرّر، إلا أنْ يكون مقاتلًا أو خائفًا مِنْ قتال، أو خائفًا مِنْ ظالمٍ لو ظهر. وقال ابن بطال -رحمه الله-: قال ابن القصّار: اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة بغير إحرام، لمَن لمْ يُرِدْ الحج والعُمرة؛ فقالا مرَّةً: لا يجوز دخولها إلا بإحْرَام؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان، إلا الحطَّابين، ومَنْ قَرُب منْها مثل جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة تَردّدهم عليها، وبه قال أبو حنيفة والليث، وقالا مَرَّةً أخرى: دُخُولها بإحْرام استحباب لا واجب. انتهى. وإلى هذا القول ذهب البخاري، وله احتج بقوله -عليه السلام-: «ولكلّ آتٍ أتى عليهنّ، ممّنْ أرادَ الحَجّ والعُمرة» فدلّ هذا أنّ مَن لمْ يُرد الحج والعمرة؛ فليست ميقاتًا له، واستدل أيضًا: بدخوله - صلى الله عليه وسلم- عام الفتح وعلى رأسه المغفر، وهو غير مُحرم، وبهذا احتجّ ابن شهاب، ولم يره خصوصًا للرسول - صلى الله عليه وسلم-، وأجاز دخول مكة بغير إحرام، وهو قول أهل الظاهر. وقال المازري -رحمه الله-: قال بعض أصحابنا: لا يدخل مكة إلا بإحْرام؛ إلا لمثل إمامٍ في جيشه للضرورة، وقائل هذا اتبع هذا الحديث على وجهه، واختلف قول مالك: هل دُخول مكة بإحرامٍ واجبٍ أو مُسْتحب؟ وأسقط ذلك مالك عمَّن يكثر تردُّده إليها، كالحطَّابين وأصحاب الفواكه. وقال ابن حجر -رحمه الله-: أمّا مَنْ قال مِنَ الشافعية كابن القاص: دخول مكة بغير إحْرام منْ خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ففيه نظر؛ لأنّ الخُصُوصيّة لا تثبت إلا بدليل. جواز دُخُول مكة للقتال وقال ابن القيم -رحمه الله-: وفيها- أي الأحاديث-: جواز دُخُول مكة للقتال المُباح بغير إحْرام، كما دخل رسُول الله - صلى الله عليه وسلم - والمُسْلمون، وهذا لا خلافَ فيه، ولا خلافَ أنّه لا يدخلها مَنْ أرادَ الحج أو العمرة إلا بإحْرام، واختلف فيما سِوى ذلك، إذا لمْ يكنْ الدُّخول لحاجةٍ متكررة، كالحشَّاش والحطاب على ثلاثة أقوال:
فقه الحديث وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: في هذا الحديث من الفقه: دخول مكة بغير إحرام، وبالسلاح، وإظهار السلاح فيها، ولكن هذا عند جميع العلماء منسوخ ومخصوص بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله حرّم مكة يوم خلق السّماوات والأرض، لمْ تحلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي ساعةً منْ نهار» يعني: يوم الفتح. التمهيد (4/ 147). وقال أيضًا: ليس هذا عندي- يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه عمامة سوداء»- بمعارض لحديث ابن شهاب «يعني حديث: «دخل مكة وعلى رأسه المغْفر»؛ لأنه قد يمكن أن يكون على رأسه عمامة سوداء وعليها المغفر، فلا يتعارض الحديثان. التمهيد (4/ 157). وقال القاضي عياض -رحمه الله-: فيحتمل أنّ العمامة كانت تحت المِغْفر؛ صيانةً لرأسه منْ برد المِغْفر وخُشُونته، فلما نزع المِغفر ظهرت العمامة التي ذكر مَن ذكر أنّه دخل مكة وهي على رأسه، على ما ذكرناه. وقال أيضًا: ووجه الجمع بينهما: أنَّ أول دخوله كان وعلى رأسه المغفر، وبعد ذلك كانت عليه العمامة؛ بدليل حديث عمر وابن حريث عن أبيه، وذكره مسلم: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم- خطب الناس، وعليه عمامة سوداء»؛ ولأنَّ خطبته عليه السلام إنما كانت بعد غلبته على مكة، وعند باب الكعبة، ويحتمل أنَّ جابرًا الذي ذكر أنه دخل مكة وعليه عمامة، ولم يتعرض الذي دعته إليه ضرورة الحرب، فلا يستدلّ به على أنه دخلها حلالًا، ويعرض لما رآه عليه بعد نزعه المغْفر من العمامة بعد زوال عذر الخوف، ووضع أوزار الحرب. «إكمال المعلم» (4/476). وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-: قول جابر: إنّه - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء؛ ليس مناقضاً لقوله: إنّه دخل ذلك اليوم وعليه المغفر؛ لإمكان أنْ تكون العمامة تحت المغفر؛ وقايةً مِن صدأ الحديد وشعثه، أو يكون نزع المغفر عند انقياد أهل مكة، ولبس العمامة، والله تعالى أعلم. جواز لباس الأسود في الخطبة وأيضًا قال النووي -رحمه الله-: فيه: جواز لباس الثّياب السُّود، وفي الرواية الأخرى: «خطبَ النّاسَ وعليه عِمامةٌ سَوداء». فيه: جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل منه، كما ثبت في الحديث الصحيح: «خير ثيابكم البياض»، وأمّا لباس الخطباء السواد في حال الخطبة فجائز، ولكن الأفضل البياض كما ذكرنا، وإنما لبس العمامة السّوداء في هذا الحديث بيانًا للجواز، والله أعلم. «شرح صحيح مسلم» (9/ 133). وقال الغزالي -رحمه الله-: ومَنْ قال: إنّه مكروه وبدعة -أي: لبس السواد للخطيب- أراد به أنه لمْ يكن معهوداً في العصر الأول، ولكن إذا لمْ يَرد فيه نَهي؛ فلا ينبغي أن يُسمّى بدعة ومكروهاً، ولكنه تركٌ للأَحَبِّ». «إحياء علوم الدين» (2/ 336). وقال المُلاّ علي القاري -رحمه الله-: هذا وفي الجملة جاز لبس السواد في العمامة وغيرها، وأنَّ الأفضل البياض؛ نظراً إلى أكثر أحواله - صلى الله عليه وسلم - فعلاً وأمراً، وأغرب الشافعية في قولهم: لبس الخطيب السواد بدعة فليتركه، ويلبس الأبيض، إلا إنْ أُكرِه بخصوصه، كما كان يفعله العباسيون. وفي الحديث: أنّ الصَّحابةُ -رضي الله عنهم- كانوا يَرقُبون أحوالَ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم- ليَتعلَّموا منه، ولا سيما في المُلِمَّاتِ، كالحربِ والغزْوِ، ونَقَلوا كل ذلك لمَن بعْدَهم، ووَصَفوا هيْئتَه ومَلابسَه وجميعَ أحوالِه. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم … باب: في جَدْر الكَعْبة وبابها
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ الجَدْرِ: أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قُلْتُ: فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي البَيْتِ؟ قَالَ: «إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ». قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: «فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ؛ لِيُدْخِلُوا مَنْ شاؤوا، ويَمْنَعُوا مَنْ شاؤوا، ولَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ؛ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي الْبَيْتِ، وأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ». الحديث رواه مسلم في الحج (2/973) باب: جَدْر الكعْبة وبابها. ورواه البخاري في الحج (1584) باب: فضل مكة وبُنيانها. في هذا الحَديثِ تُخبِرُ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّها سَأَلَت النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عن الكَعبةِ، وهل الجَدْرُ- وفي رواية المُسْتملي: الجِدار- أي: الحِجْر، جُزءٌ منها؟ والحِجرُ هو المُسمّى بحِجْر إسماعيلَ، وهو البِناءُ الدَّائريُّ الذي حَولَ الكَعبةِ مِنَ النَّاحيةِ المُقابِلةِ للحجَرِ الأسوَدِ والرُّكنِ اليَمانيِ، وهو على شَكلِ نِصفِ دائرةٍ يُلاصِقُ الرُّكنينِ الشاميَّ والعِراقيَّ، وهذا الحِجرُ جُزءٌ مِن الكعبةِ، ولكِن لَمَّا هُدِمَت الكعبةُ وبنَتْها قُريشٌ لم تَسَعْهمُ النَّفقةُ فاقتَصَروا على هذا البناءِ. الحِجْر مِنَ الكعبة فالنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أخبَرَها أنَّ الحِجْر مِنَ الكعبة؛ لِمَا فيه مِن أُصُولِ حائِطِه، ولكنْ لِقِلَّةِ ذاتِ يَدِ قُرَيْشٍ، وقِلَّةِ النَّفقةِ الطَّيِّبةِ التي جَمَعُوها، لم يَستَطيعوا إتمامَ كلِّ الكَعبةِ على قَواعدِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، فلمْ يُدخِلوه في البَيتِ، وهو قَوْله: «قَصَّرَت بهم النَّفَقَة» بِفَتْح الصَّاد الْمُشَدّدَة، أَي: النَّفَقَة الطّيبَة الَّتِي أخْرجُوها، ويروى: قَصُرَت، بِضَم الصَّاد المخففة. وروى ابن إِسْحَاق فِي السِّيرَة: أَنّ وهب بن عَائِد بن عمرَان بن مَخْزُوم المَخْزُومِي، قَالَ لقريش: لَا تدْخلُوا فِيهِ مِنْ كَسْبكم إلاَّ طيّباً، ولَا تدْخلُوا فِيهِ مَهر بَغيّ، وَلَا بيع رَبّاً، ولَا مظْلمَة منْ أحدٍ مِنَ النَّاس. وهَذَا يدل على أَنّ الحِجْر كُله مِنَ الْبَيْت، وبِذَلِك كَانَ يُفْتِي عبد الله بن عَبَّاس - رضي الله عنه -، كَمَا رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق: عن أَبِيه عن مرْثَد بن شُرَحْبِيل قَالَ: سمِعت ابْن عَبَّاس يَقُول: لَو وليتُ من الْبَيْت مَا ولي ابْنُ الزُّبير؛ لأدْخلتُ الحِجْر كُله فِي الْبَيْت، فلِمَ يُطاف بِهِ إِنْ لم يكنْ مِنَ الْبَيْت؟! وروى التِّرْمِذِيّ: عَن عَلْقَمَة بن أبي عَلْقَمَة عَن أمه عَن عَائِشَة -رَضِي الله عنْهُما- قَالَت: كنتُ أحبُّ أَنْ أَدْخلَ البَيْتَ فأُصلي فِيهِ، فَأخذ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، بيَدي فَأَدْخلنِي الحِجْر، فَقَالَ: صلّي فِي الحِجْر؛ إِنْ أردْت دُخُول البَيْت، فَإِنَّمَا هُوَ قِطْعَة من الْبَيْت، ولَكِن قَوْمك اسْتَقصرُوه حِين بَنَوا الْكَعْبَة، فأخْرجُوه من الْبَيْت»، ثمّ أخْبَرَها - صلى الله عليه وسلم - أنَّه لولا قُربُ عَهدِهِم بالكُفرِ، ومَخافةُ إنكارِ قُلوبِهم؛ لَأدخَلَ - صلى الله عليه وسلم - الحِجرَ في البَيت، وأعادَ بِناءَ الكعبة على قَواعِدِ إبراهيمَ -عليه السَّلامُ-، ولَألْصَقَ البابَ بالأرضِ؛ لأنَّهم قدْ رَفَعوه عن الأرضِ؛ حتَّى يُدخِلوا مَنْ شاؤوا، ويَمنَعوا مَنْ شاؤوا. قال: فجعَلْتُ لها بابين وفي الصَّحيحَين: قال: «فجعَلْتُ لها بابين: بابٌ يَدخُلُ الناسُ، وبابٌ يَخرُجُون»، وفي مسلم: «وهلْ تَدْرِينَ لِمَ كانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بابَها؟» قالَتْ: قُلتُ: لا، قالَ: «تَعَزُّزًا ألا يَدْخُلَها إلَّا مَن أرادُوا، فَكانَ الرَّجُلُ إذا هو أرادَ أنْ يَدْخُلَها يَدَعُونَهُ يَرْتَقِي، حتَّى إذا كادَ أنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ». وهذا التَّغييرُ فعَلَه عبد الله بنُ الزُّبير -رَضيَ اللهُ عنهما-، فقد بَنى الكَعبةَ على ما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فروى البخاري ومسلم واللفظ له: لمَّا احْتَرَقَ البَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فكانَ مِن أَمْرِهِ ما كانَ؛ تَرَكَهُ ابنُ الزُّبَيْرِ حتَّى قَدِمَ النَّاسُ المَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ -أَوْ يُحَرِّبَهُمْ- علَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ، قالَ: يا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ في الكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ ما وَهَى منها؟ قال ابنُ عَبَّاسٍ: فإنِّي قدْ فُرِقَ لي رَأْيٌ فِيها؛ أَرَى أَنْ تُصْلِحَ ما وَهَى منها، وتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عليه، وأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وبُعِثَ علَيها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَقالَ ابنُ الزُّبَيْرِ: لوْ كانَ أَحَدُكُمُ احْتَرَقَ بَيْتُهُ، ما رَضِيَ حتَّى يُجِدَّهُ، فَكيفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ؟ إنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ علَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمع رَأْيَهُ علَى أَنْ يَنْقُضَها، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ، أَنْ يَنْزِلَ بأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فيه أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فألْقَى منه حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيءٌ، تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ حتَّى بَلَغُوا به الأرْضَ، فَجَعَلَ ابنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً، فَسَتَّرَ عَلَيها السُّتُورَ حتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ. قالَ: «لَوْلَا أنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بكُفْرٍ»
كم مرة بني البيت؟
مسألة: هل يجوزُ الطّواف داخل الحِجْر؟
فوائد الحديث (1) في الحديث دَليلٌ على ارتِكابِ أيسرِ الضَّررَين دَفْعاً لأَكبرِهما؛ لأنَّ تَرْكَ بِناءِ الكَعبةِ على ما هو عليه أيسرُ مِن افتِتانِ طائفةٍ مِنَ المسلِمينَ ورُجوعِهِم عن دينِهِم، قال النووي: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام منها: إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحةٌ ومفسدة، وتعذّر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة؛ بُدِئ بالأهمّ؛ لأنّ النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبر أنَّ نَقضَ الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم - عليه السلام - مَصْلحة، ولكن تُعارضه مفسدةٌ أعظم منه، وهي خوفُ فتنة بعض مَنْ أسلمَ قريباً، وذلك لما كانوا يعتقدونه مِنْ فَضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيماً، فتركها - صلى الله عليه وسلم -. (2) ومنها: فكر وليّ الأمر في مصالح رعيته، واجتنابه ما يخاف منه تولد ضرر عليهم، في دِينٍ أو دنيا، إلا الأمور الشّرعيّة كأخذ الزكاة، وإقامة الحُدُود، ونحو ذلك. (3) ومنها: تألف قلوب الرعية وحسن حياطتهم، وألا يُنفّرُوا، ولا يُتعرّض لما يخاف تنفيرهم بسببه، ما لم يكنْ فيه تركُ أمْرٍ شرعي كما سبق. (شرح مسلم). (4) وفيه: أنَّ النَّاسَ كلّهم غَيرُ مَحْجوبينَ عن البَيتِ. (5) وفيه: أنّ الكَعبة هي بَيتُ اللهِ في الأرضِ، وقِبلةُ المسلمينَ، وقد عظَّمَ اللهُ قَدْرَها بيْن الناسِ، حيثُ جَعَلَها مَهوَى القُلوبِ ومَقصداً للحجِّ. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: تَحْريمُ المَدينة وَصَيْدها وشَجَرها والدُّعاء لها
في الباب ستة أحاديث، رواها مسلم في الحج (2/991) باب: فَضل المدينة ودُعاء النّبي - صلى الله عليه وسلم - فيها بالبَركة، وبيان تحريمها وتَحريم صَيدها وشجرها، وبيان حدود حرمتها. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، ودَعَا لِأَهْلِها، وإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ، كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِها وَمُدِّهَا؛ بِمِثْلَيْ مَا دَعَا بِهِ إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ»، في هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنَّ إبراهيمَ -عليه السلام- حرَّمَ مكَّةَ بِتَحريمِ اللهِ، ودَعا لَها، كما في قَولِه -تعالى-: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (البقرة: 126). قال النووي: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ إبْراهيم حَرّم مكة» هذا دليل لمن يقول: إنّ تحريم مكة إنّما هو كان في زَمَن إبراهيم - عليه السلام -، والصّحيح: أنّه كان يوم خلق الله السماوات والأرض. تحريم إبراهيم -عليه السلام- لمكة وذكروا في تحريم إبراهيم -عليه السلام- احتمالين:
الحديث الثاني عن سَعْدٍ بن أَبِي وقاص قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ، أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا». وقَالَ: «المَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ، لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْها؛ إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، ولَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وجَهْدِهَا، إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً، أَوْ شَهِيداً يَوْمَ الْقِيَامَةِ». في هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنِّي أُحرِّمُ ما بيْنَ لَابَتَيِ المدينةِ» أي: أنَّها حرَمٌ آمِنٌ، فيَأمَنُ فيها كلُّ شَيءٍ، واللَّابَتانِ: تَثْنيةُ لَابَةٍ، واللَّابَةُ: هي الحَرَّةُ، وهي أرضٌ ذاتُ حِجارةٍ سَوداءَ كأنَّها أُحرِقَتْ بالنَّارِ، فالمَدينةُ زادَها اللهُ -تعالى- شَرفًا بيْنَ حَرَّتينِ في جانَبيِ الشَّرقِ والغَربِ، والحَرَّةُ الشَّرقيَّةُ تُسمّى: حَرَّةُ واقِمٍ، وبها قُباءُ وحِصنُ واقِمٍ، والحرَّةُ الغربيَّةُ هي حَرَّةُ وَبَرةَ، وبها المَسجِدُ المُسمَّى بمَسجِدِ القِبلتَينِ. وحُدودُها مِن جِهةِ الجَنوبِ والشَّمالِ: ما بيْنَ جَبَلَيْ عَيْرٍ وثَوْرٍ، فحَدُّ الحرَمِ النَّبويِّ ما بيْنَ جَبلِ عَيْرٍ جَنوبا، ويَبعُدُ عنِ المسجدِ النَّبويِّ (8,5 كم)، وجَبلِ ثَوْرٍ شَمالًا، ويَبعُدُ عنِ المسجِدِ النَّبويِّ (8كم)، ثُمَّ بيَّنَ - صلى الله عليه وسلم - المَنْهيَّ عنهُ في تلكَ الحُدودِ، هو عدَمِ قَطعِ العَضاهِ، وهوَ كُلُّ شَجرٍ فيه شَوْكٌ، وعدمِ صَيدِ الحَيواناتِ والطُّيورِ بِها؛ فهيَ مَحْميَّةٌ في تلكَ الحُدودِ. قَوله: «المَدينةُ خيرٌ لَهم لو كانوا يَعلَمونَ» فيه إعلَامُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ببَعضِ فَضائلِ المدينةِ، وقدْ قال ذَلكَ في ناسٍ سَيَترُكونَ المَدينةَ، فالمَدينةُ خيْرٌ لأُولئكَ التَّاركينَ لَها؛ مِن تلكَ البلادِ الَّتي يَترُكونَ المَدينةَ لأَجْلِها، ثُمَّ بيَّنَ أنَّه لا يَدَعُها ويَترُكُها أحدٌ ممَّنِ استَوْطَنَها رَغْبةً عنْها، أي: كَراهةً لَها، أو رَغبةً عن ثَوابِ السَّاكنِ فيها، إلَّا أبْدَلَ اللهُ في المَدينةِ مَن هوَ خيْرٌ مِنه، بمَولودٍ يُولَدُ فيها، أو بمُنتقِلٍ يَنتقِلُ إليها مِن غَيرِها من البلاد. ثُمَّ أخبَرَ أنَّه لا يَثبُتُ أحدٌ، فيَصبِرُ عَلى لأْوَائِها -وهوَ الشِّدَّةُ والجُوعُ- «وجَهدِها» أي: مَشقَّتِها؛ إلَّا كانَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - شَفيعاً، أو شَهيداً له يومَ القِيامةِ، ويَحتمِلُ أنْ يكونَ المَعنى: أنَّ الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - يَكونُ شَهيداً لبَعضِ أَهلِ المَدينةِ، وشَفيعاً لبَقيَّتِهم، أو يَكونُ شَفيعاً للعاصِينَ، وشَهيداً للمُطيعينَ، أو شَهيداً لِمَن ماتَ في حَياتِه، وشَفيعاً لِمَن ماتَ بعدَه، أو تَكونُ (أو) هُنا بمَعنى الواوِ، ويَكونُ المَعنى: أنَّه يَكونُ شَفيعاً وشَهيداً لَهم. وهَذه خُصوصيَّةٌ لأهل المدينة، وهي غير الشَّفاعةِ للمُذْنِبينَ، أو للعالَمينَ فِي القِيامةِ، وَعلى شَهادتِه عَلى جَميعِ الأُمَّةِ. فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: التَّرْغِيبُ في سُكْنى المَدِينة والصّبرُ على لأوائِها
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى الْمَهْرِيِّ: أَنَّهُ جَاءَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ لَيَالِي الحَرَّةِ، فَاسْتَشَارَهُ فِي الجَلَاءِ مِنْ الْمَدِينَةِ، وشَكَا إِلَيْهِ أَسْعَارَهَا، وكَثْرَةَ عِيَالِهِ، وأَخْبَرَهُ أَلَا صَبْرَ لَهُ عَلَى جَهْدِ الْمَدِينَةِ وَلَأْوَائِهَا، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ، لَا آمُرُكَ بِذَلِكَ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَصْبِرُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا فَيَمُوتَ؛ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعاً، أَوْ شَهِيداً، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِذَا كَانَ مُسْلِماً»، وعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: قَدِمْنَا المَدِينَةَ وهِيَ وبِيئَةٌ فَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، واشْتَكَى بِلَالٌ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَكْوَى أَصْحَابِهِ؛ قَالَ: «اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ؛ كَمَا حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وصَحِّحْهَا، وبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِها وَمُدِّهَا، وحَوِّلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ»؛ في الباب حديثان رواهما مسلم في الحج (2/1001) وبوّب عليه النووي بمثل تبويب المنذري. الحديث الأول قوله: عن أبي سعيد مولى المهري: «أنه جاء أبا سعيد الخدري ليالي الحرة» يعني: الفتنة المشهورة، التي نُهبت فيها المدينة، سنة ثلاث وستين للهجرة.
فوائد الحديث (1) في الحديث الحَثُّ على سُكنى المَدينة، وفَضْل الصّبر على شدائدها، وضِيق العَيْش فيها، وأنَّ هذا الفَضل باقٍ مُسْتمرٌ إلى يومِ القيامة، قال النووي: اختلفَ العُلماء في المجاورة بمكة والمدينة: فقال أبو حنيفة وطائفة: تُكره المُجاورة بمكة؟ وقال أحمدُ وطائفة: لا تكره بل تُستحبّ، وإنّما كرِهها مَنْ كَرهها لأمُور، منها: خوف المَلَل، وقِلّة الحُرْمة للأنس، وخُوف مُلابسة الذُّنوب، فإنَّ الذَّنبَ فيها؛ أقبحُ منه في غيرها، كما أنَّ الحَسَنة فيها أعظمُ منها في غيرها. واحتج من استحبها: بما يحصل فيها مِنَ الطّاعات، التي لا تحصل بغيرها، وتضعيف الصَّلَوات والحسنات، وغير ذلك. قال: والمختار: أنَّ المُجاورة بهما جميعاً مُسْتحبة، إلا أنْ يَغلبَ على ظَنّه الوُقوع في المَحْذُورات المَذكورة، وقد جاورتهما خلائق لا يُحصون مِنْ سلف الأمّة وخلفها، ممن يقتدى به. وينبغي للمجاور: الاحتراز عن المَحْذُورات وأسْبابها. انتهى. (2) خصَّ اللهُ -سُبحانَه وتَعالَى- بعضَ بِقاعِ الأرضِ بِبَركاتٍ لم يَجعَلْها في غيْرِها، وجعَلَ بعضَها مَوطِنَ الشُّرورِ والفِتنِ، وبعضَها مَوطِنَ الخيرِ والبَرَكاتِ، وقدِ اختُصَّتِ المدينةُ النبويَّةُ بكَثيرٍ منَ الخيرِ والبَرَكةِ والفَضلِ. (3) حُبُّ الأوطانِ، والتَّعلُّقُ بها، والحَنينُ إليها؛ فِطرةٌ في النُّفوسِ، لم يُنكِرْها الإسلامُ، وإنَّما وجَّهَها الوِجْهةَ الصَّحيحةَ التي تَخدُمُ دِينَ اللهِ عزَّ وجلَّ وتُعْلي رايتَه. الحديث الثاني في هذا الحديثِ تَحكي أمُّ المؤمنينَ عائِشةُ -رضي الله عنها- أنَّه لَمَّا هاجَرَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه إلى المدينةِ، أُصِيبَ أبو بَكرٍ الصِّدِّيقُ وبِلالُ بنُ رَباحٍ -رَضيَ اللهُ عنهما- بالحُمَّى، فتَكلَّم كلٌّ منْهم بحسَبَ يَقينِه وعِلمِه بعَواقبِ الأمورِ، فتَعزَّى أبو بَكرٍ - رضي الله عنه - عنْدَ أخذِ الحمَّى له كما في الرواية: بقولِه: «كُلُّ امرئٍ مُصبَّحٌ في أهلِه» يعني: كلُّ إنسانٍ يُقال له: صَبَّحَك اللهُ بالخَيرِ، وأنْعَمَ اللهُ -تعالَى- صَباحَك، ونحْوُ ذلك ممَّا يُحيَّا به الإنسانُ مِن أحبابِه، «والمَوْتُ أدْنَى مِن شِرَاكِ نَعْلِهِ» والحالُ أنَّ الموتَ أقرَبُ إليه مِن شِراكِ النَّعلِ -وهو أحَدُ سُيورِ النَّعلِ التي تكونُ على وَجْهِها- قد يَفْجَؤه فلا يُمْسي حيًّا، إشارةً منه لشِدَّةِ قُرْبِ الموتِ مِن كلِّ إنسانٍ، سواءٌ أكان مَريضًا أمْ صَحيحًا. وأمَّا بِلالٌ - رضي الله عنه - فكان إذَا خَفَّت عنْه الحُمَّى وهَدَأَت سَورَتُها، يَرْفَعُ «عَقيرتَه» أي: صَوتَه، بأبياتٍ مِن الشِّعرِ تُعبِّرُ عن حَنينِه، وتَمنِّيه الرُّجوعَ إلى مكَّةَ، الَّتي كانَتْ فيها صِحَّتُه، فهو يَتمنَّى أنْ يَبيتَ لَيلةً واحدةً في وادي مكَّةَ، ويُطفِئَ أشواقَه الحارَّةَ مِن مِياهِ مَجَنَّةَ- وهي: ماءٌ عندَ عُكاظٍ على أميالٍ يَسيرةٍ مِن مكَّةَ بناحيةِ مَرِّ الظَّهرانِ، وكان به سُوقٌ في الجاهليَّةِ- وأنْ يُمتِّعَ ناظرَيْهِ بمُشاهَدةِ الإذْخِر والجَليلِ، وهما نَبْتانِ مِن الكلَأِ طَيِّبِ الرائحةِ يَكونانِ بمكَّةَ، وأنْ يُشاهِدَ شامةَ وطَفِيلًا، وهما جَبَلانِ مُتجاوِرانِ جَنوبَ غرْبِ مكَّةَ على قُرابةِ (90 كم) منها. دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدينة فلمَّا رَأى رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ما نزَل بأصحابِه مِن الحُمَّى والوَباءِ، خَشِي عليهم أنْ يَكرَهوا المدينةَ؛ لِما في النُّفوسِ مِن استِثقالِ ما تَكرَهُه، فدَعا اللهَ أنْ يُحبِّبَ إليهم المدينةَ كحُبِّهم مكَّةَ بلْ أشدَّ، وأنْ يُبارِكَ لهم فيها، فيَزيدَ الخَيرُ، وأنْ يُبارِكَ في صاعِهِم ومُدِّهم، والصَّاعُ: أربعةُ أمدادٍ، والمُدُّ: مِقدارُ ما يَملَأُ الكَفَّينِ، وقدْ دَعا في حَديثٍ آخرَ في الصَّحيحَينِ: بأْن تكونَ البركةُ فيها؛ ضِعْفَيْ بَرَكةِ مكَّةَ، وسَأَلَ اللهَ -تعالَى- أنْ يَرفَعَ الوَباءَ عنهم، وأنْ يَنقُلَه إلى «الجُحفةِ» وخصَّها بذلك؛ لأنَّها كانت إذْ ذاك دارَ شِرْكٍ؛ ليَشتَغِلوا بالوباء والمرض عن مَعونةِ أهْلِ الكفْرِ، والجُحفة مَوضعٌ بيْن مكَّةَ والمدينةِ، تَبعُدُ عن مكَّةَ (190 كم). فاستجابَ اللهُ دَعوةَ نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، فبُورِكَ في أقواتِ المَدينةِ، وأحبَّها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابُه، حُبًّا أدامَه في نُفوسِهم حتَّى ماتوا عليه، ومِن مَظاهرِ ذلك: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كانَ إذَا قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَرأى المَدِينةَ، جَعَلَ راحلتَه تُسرِعُ؛ مِن حُبِّهَا، كما في صَحيحِ البُخاريِّ. فوائد الحديث (1) أنَّ اللهَ -تعالَى- أباحَ للمُؤمنِ أنْ يَسأَلَ ربَّه صِحَّةَ جِسمِه، وذَهابَ الآفاتِ عنه إذا نزَلَتْ به، كسُؤالِه إيَّاه في الرِّزقِ والنَّصْرِ، وليس في دُعاءِ المؤمنِ ورَغبتِه في ذلك إلى اللهِ -تعالى-؛ لومٌ ولا قَدْحٌ في دِينِه ولا في زُهده. (2) وفيه: العِنايةُ بالناحيةِ الصِّحِّيَّةِ، والاهتِمامُ بجَودةِ الهَواءِ، ونَقاءِ الماءِ، والتَّحذيرُ مِن المِياهِ الراكدةِ المُتغيِّرةِ. (3) وفيه: الدُّعاءُ على الظَّالمينَ والكافرينَ بالوبَاء والمرض. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم – باب: لا يَدْخُلُ المَدينة الطّاعُون ولا الدَّجال
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1005) باب: صِيانة المَدينة مِنْ دُخُول الطّاعُون والدّجال إليها، ورواه البخاري في فضائل المدينة (1880) باب: لا يَدخلُ الدّجال المَدينة، وموضعين آخرين، وفي هذا الحَديثِ يُخبِرُ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببَعضِ ما فضَّل اللهُ به المدينةَ النبوية على غيرِها من البلاد والقُرى.
«لا يَدخلها الطّاعون»
خُروجُ المَسيحِ الدَّجَّالِ وخُروجُ المَسيحِ الدَّجَّالِ مِن أشراطِ السَّاعةِ الكُبرى وعَلاماتِها، والدَّجَّالُ مِنَ التَّدْجِيلِ بمعْنى التَّغطيةِ؛ لأنَّه كذَّابٌ يُغَطِّي الحقَّ ويَستُرُه، ويُظهِرُ الباطلَ. وقد أَقْدَره اللهُ -عزَّ وجلَّ- على أشياءَ مِن مَقدوراتِ اللهِ -تعالى-: مِن إحياءِ الميِّتِ الَّذي يَقتُلُه، ومِن ظُهورِ زَهرةِ الدُّنيا والخِصْبِ معه، وجَنَّتِه ونارِه، ونَهْرَيْهِ، واتِّباعِ كُنوزِ الأرضِ له، وأمْرِه السَّماءَ أنْ تُمطِرَ فتُمطِرَ، والأرضَ أنْ تُنبِتَ فتُنبِتَ، فيَقَعُ كلُّ ذلك بقُدرةِ اللهِ -تعالى- ومَشيئتِه، فِتنةً وابتلاءً للناس. وفي الصَّحيحَينِ: مِن حَديثِ أنسٍ - رضي الله عنه - مرفوعاً: «ليسَ مِن بَلَدٍ إلَّا سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ». فامتازتْ هاتانِ المَدينتانِ العَظيمتانِ بهذا. فوائد الحديث
باب: المَدِينَةُ تَنْفِي خَبَثَها عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَدْعُو الرَّجُلُ ابْنَ عَمِّهِ وَقَرِيبَهُ: هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، هَلُمَّ إِلَى الرَّخَاءِ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ! والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ فِيهَا خَيْراً مِنْهُ، أَلَا إِنَّ المَدِينَةَ كَالْكِيرِ، تُخْرِجُ الْخَبِيثَ، لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ المَدِينَةُ شِرَارَهَا، كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ»، وعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رضي الله عنه -: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ -تعالى- سَمَّى الْمَدِينَةَ: طَابَةَ»، الحديثان رواهما مسلم في الحج (2/1005) باب: المَدِينة تَنْفي شِرَارها. الحَديثِ الأول في الحَديثِ الأول: يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه يَأتي عَلى النَّاسِ زَمانٌ، ينادي الرَّجلُ ابنَ عمِّه وقَريبَه، فيقول له: «هَلُمَّ إلى الرَّخاءِ» يَعني: هيا إلى الخُروجِ منَ المدينةِ، وأسْرِع إلى الرَّخاءِ، يعني بذلك - صلى الله عليه وسلم - أنَّ البلدانَ تُفتَحُ على المُسلمينَ، فتَكثُرُ الأموال والخيراتُ، ويعمّ الرّخاء، فيَركَنُ كَثيرٌ ممَّن خرَج مِنَ المدينة والحِجازِ وجزيرة العَرب، إلى ما وَجَدوا مِن خَيراتٍ بتلك البلادِ المفتوحةِ، فيَتَّخِذونها داراً وموطناً، ويَدْعون إليهم مَن كان بالمدينةِ مِن أهلِهم، لشِدَّةِ العَيشِ بها، وضيق الحَال. والحقّ: أنَّ الإقامةَ في المَدينةِ النّبوية خَيرٌ لهم؛ لأنَّها حَرَمُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وجِوارُه، ومَهبِطُ الوَحْيِ من القرآن الكريم، والسُّنّة النّبوية، ومَنازِلُ الصّحابة الكرام، ولو كانوا يَعلَمون ما في الإقامةِ بها، مِنَ الفَوائدِ والعوائدِ في الدِّينِ والدّنيا، الَّتي يُحتقرُ دُونَها ما يَجِدونه مِن الحُظوظِ الدُّنيويَّةِ الفانيةِ العاجلةِ، في الإقامةِ في غَيرِها من البُلدان والقُرى، لما تركوها، وهاجروا عنها، أو المعْنى: لو كان عِندَهم شَيءٌ مِن العِلمِ، أي: لَيتَهم كانوا مِن أهلِ العِلمِ، تَغليظاً وتَشديداً. قَسَمُ النبي - صلى الله عليه وسلم -
المدينة تُخرِجُ شِرارَ النَّاسِ
من فوائد الحديث:
الحديث الثاني في هَذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم - أنَّ مِن الأسماءِ الَّتي سَمَّى اللهُ -تعالى- بها المَدينةَ: «طابةَ»، والمعنى أنَّ اللهَ -تعالى- سمَّاها كذلك في اللَّوحِ المَحْفوظِ، أو أمَرَ نَبيَّه - صلى الله عليه وسلم - أنْ يُسمِّيَها بها، ردّاً على المنافقينَ في تَسميتِها: يَثرِبَ، فروى البخاري في «فضائل المدينة من صحيحه»: عن أبي حُميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: أقبلنا مع النّبي - صلى الله عليه وسلم - مِنْ تَبُوك، حتّى أشْرَفنا على المَدينة، فقال: «هذِه طَابَة». وطابة: اشتقاقُها مِنَ الطِّيبِ، وهو الرَّائِحةُ الحَسَنةُ، أو مِن الشَّيءِ الطَّيِّبِ الطَّاهِرِ، لخُلوصِها مِن الشِّركِ والكفر، وتَطهيرِها منه. وقيل: لطِيبِها لساكنِها، وقيل: مِن طِيبِ العَيشِ بها، وقيل: لطِيبِ تُرابِها وهَوائِها. اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
رد: شرح كتاب الحج من صحيح مسلم
شرح كتاب الحج من صحيح مسلم .. باب: مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَة بِسُوءٍ أَذَابَهُ اللَّهُ
عن أَبيِ هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَرَادَ أَهْلَهَا بِسُوءٍ- يُرِيدُ الْمَدِينَةَ- أَذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ». (1386/493)، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1007) وبوّب عليه بمثل تبويب المنذري، وراه البخاري في فضائل المدينة (1877) باب: إثم مَن كاد أهل المدينة، عن سعد - رضي الله عنه -، بلفظ: «لا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أحَدٌ، إلَّا انْمَاعَ كما يَنْمَاعُ المِلْحُ في المَاء»ِ. في هذا الحَديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أنَّ اللهَ -سُبحانَه وتعالى- يدافِعُ عن المدينةِ وأهلِها المؤمنِينَ الصَّالحينَ، ومِن ذلك: أنَّه لا يَمكُرُ أحَدٌ بأهلِ المدينةِ، ويُدبِّرُ لهم الأَذَى في العَلَنِ أو الخَفاءِ؛ إلَّا أهلَكَه اللهُ وأزالَه مِن الوُجودِ سَريعاً، كما يَذُوبُ المِلحُ في الماءِ؛ وفي رواية مسلم: «مَنْ أرادَ أهلها بسُوء أذابه الله، كما يذوبُ المِلح في الماء». وقوله: «إلا انْماع» أي: ذاب. فمَن أرادَ المَكرَ بهم لا يُمهِلُه اللهُ -تعالى-، ولا يُمكِّنُ له سُلطاناً عليهم، بل يُذهِبُه عن قَريبٍ، كما هو شأنُ كلّ مَنْ حارَبَها على مرّ الأيام في التاريخِ، وقيل: مَن أرادَها في حَياةِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بسُوءٍ اضمَحلَّ أمْرُه، والصواب: أنّ ذلك عام. وقيل: المُرادُ العَذابُ له في الآخِرةِ، كما في صَحيحِ مُسلمٍ: «لا يُريدُ أحَدٌ أهلَ المدينةِ بِشَرٍّ إلَّا أذابَه اللهُ في النَّارِ ذَوْبَ الرَّصاصِ»، فجَعَلَ العِقابَ له في نارِ جَهنَّمَ. قال عياض: هذه الزيادة تدفع إشكال الأحاديث الأخر، وتوضّح أنّ هذا حُكمه في الآخرة. قال: ويحتمل أنْ يكون المراد: لمَنْ أرادها في الدُّنيا بسوء، وأنّه لا يُمْهل بل يذهب سلطانه عن قرب، كما وقع لمسلم بن عقبة وغيره، فإنّه عُوجل عن قرب، وكذلك الذي أرسله. قال: ويحتمل أنْ يكون المراد من كادها اغتيالاً، وطلباً لغرّتها في غفلةٍ فلا يتمّ له أمْر، بخلاف مَنْ أتى ذلك جهاراً كما استباحها مسلم بن عقبة وغيره. وروى النسائي: من حديث السائب بن خلاد رفعه: «مَنْ أخَافَ أهلَ المدينةٍ ظَالماً لهم؛ أخافَه الله، وكانتْ عليه لعنةُ الله» الحديث. ولابن حبان نحوه من حديث جابر. (فتح الباري) (4/94). فوائد الحديث
باب: التّرْغيبُ في المقام بالمدينة عند فتح الأمصار عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ - رضي الله عنه -: قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ ومَنْ أَطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ؛ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، والْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، ثُمَّ يُفْتَحُ الْعِرَاقُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ ومَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ»، الحديث رواه مسلم في الحج (2/1008) وبوب عليه بمثل تبويب المنذري. في هذا الحَديثِ يَرْوي الصَّحابيُّ سُفيانُ بنُ أبي زُهيرٍ وهو الأزديُّ - رضي الله عنه -، أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أخبَرَ عن مُدُنٍ ستُفتَحُ للصحابة ومنْ بعدهم من الأمّة الإسلامية، وقد وَقَعَ ما أخبَرَ به -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- كما قال، وعلى التَّرتيبِ المذكورِ في الحديثِ. فتح اليمن فأخبَر - صلى الله عليه وسلم - أولاً: أنَّه ستُفتَحُ اليمنُ، وسُمّيت يَمناً؛ لأنّها يمين الكعبة، أو الشّمس، أو باسم: يمن بن قحطان. قال: فيُعجِبُ قَوماً مِن الصحابة وغيرهم بِلادُها، وطيب عَيشُ أهْلِها، فيَحمِلُهم ذلك على المُهاجَرةِ إليها بأنفُسِهم وأهْلِيهم، حتَّى يَخرُجوا مِن المدينةِ؛ والحقيقة أنَّ الإقامةَ في المدينةِ خَيرٌ لهم؛ لأنَّها حرَمُ الرَّسولِ - صلى الله عليه وسلم -، وجِوارُه، ومَهبِطُ الوحْيِ، ومَنزِلُ البَرَكاتِ، لو كانوا يَعلَمون ما في الإقامةِ بها؛ مِنَ الفَوائدِ والعوائدِ في الدِّينِ والدُّنيا، والتي يُحتقرُ دُونَها، كلّ ما يَجِدونه مِن الحُظوظِ الدُّنيويَّةِ الفانيةِ العاجلةِ، في الإقامةِ في غَيرِها منَ البُلدان. قال المناوي: وجواب «لو» محذوف، أي: لو كانُوا مِنَ العُلماء؛ لعلموا أنّ إقامتهم بالمدينة أولى، وقد تجعل للتمني فلا جواب لها، وكيفما كان؛ ففيه تجهيلٌ لمَن فارقها، لتَفْويته على نفسِه خيراً جَسيماً. انتهى. أو يكون معْنى: «لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ» أي: لَيتَهم كانوا مِنْ أهلِ العِلمِ؛ تَغليظاً وتَشديداً عليهم، وذمّاً لهم, وقوله: «يُبِسُّونَ» أي: يسُوقُون دَوابَّهُم، والبَسُّ: هو سَوق بلين، تقولُ: بِسْ بِسْ، عند السَّوقِ وإرادةِ السُّرعةِ. قال الشّرّاح: والوصْفُ بـ«يُبِسُّون» وهو سَوقُ الدَّوابِّ، يُشعِرُ برَكاكةِ عُقولِهم، وأنَّهم ممَّن رَكَنَ إلى الحُظوظِ البَهيميَّةِ، وحُطامِ الدُّنيا الفانيةِ العاجِلةِ، وأعْرَضوا عن الإقامةِ في جِوارِ الرَّسولِ -[-، ولذلك كُرِّرَ «قَوماً»، ووُصِفَ في كلِّ قَرينةٍ بـ«يُبِسُّون»، استِحقاراً لتلك الهَيئةِ القَبيحةِ. - ثمَّ أخبَر - صلى الله عليه وسلم - عن فتْحِ الشَّامِ، وتَضُمُّ حاليًّا الأُردنَّ، وفِلسطينَ، وسُوريَّةَ، ولُبْنانَ، فذكر فيهم مثلَ ما سبق في اليمن. - ثمّ أخبر عن فتْحِ العِراقِ أيضًا، وأنَّ النَّاسَ يَزحَفون إليهما طَلَباً للرَّخاءِ، على نحْوِ ما ذَكَرَ في اليمَنِ، لكنَّ المدينةَ خَيرٌ لهم، لو كانوا يعلمون. وهذا كلّه: هو فيمَن خَرَجَ راغباً عن سُكنى المَدينةِ، وتحوّل لغيرها منَ البلاد لأجل طلب الدّنيا ومتاعها، أمَّا مَن خَرَجَ من المدينة لحاجةٍ؛ كجِهادٍ أو تِجارةٍ أو زيارة أو دعوة إلى الله، وتعليم العِلم للناس، فليس داخلًا في معْنى الحديثِ. فوائد الحديث
اعداد: الشيخ: د. محمد الحمود النجدي |
| الساعة الآن : 06:41 AM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2025, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour