رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479137079.gif المحرر في أسباب نزول القرآن المؤلف: خالد بن سليمان المزيني المجلد الثانى سورة الفتح من صــ 907 الى صـ 916 (الحلقة 131) * تنبيه: قد تقدم عند دراسة السبب رقم (157) أن السورة نزلت بكمالها، وفي السبب رقم (158، 159) نزول بعض المقاطع، وليس بينهما تعارض فالأمر لا يخلو من حالين: الأولى: أن تكون السورة بكمالها نزلت بعد قوله - عليه الصلاة والسلام - إلى المدينة، وهذا لا يمنع السببية، فقد تأخر نزول براءة أم المؤمنين شهرًا، ومع هذا لم يمنع السببية، فكيف إذا كان التأخر لا يُجاوز أياماً؟ الثانية: أن هذين المقطعين نزلا في وقت الحادثتين، ثم ضم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المقاطع إلى بعضها، فظن بعض الصحابة أنها الآن نزلت بكمالها. وأيًّا كان الأمر فهذا لا يمنع السببية. واللَّه أعلم. * * * * * سورة الحجرات 160 - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد والترمذي والنَّسَائِي عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر، لما قدم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفد بني تميم أشار أحدهما بالأقرع بن حابس الحنظلي أخي بني مجاشع، وأشار الآخر بغيره، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أَردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) إلى قوله: (عَظِيمٌ). قال ابن أبي مليكة: قال ابن الزبير: فكان عمر بعدُ - ولم يذكر ذلك عن أبيه يعني - أبا بكر - إذا حدث النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بحديث، حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه. وفي لفظ للبخاري: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا) حتى انقضت. ولفظ النَّسَائِي أن الآية نزلت إلى قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث في سبب نزولها كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي وابن عاشور. قال ابن كثير: (وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) هذا أدب ثان أدب الله تعالى به المؤمنين أن لا يرفعوا أصواتهم بين يدي النبي - ى - فوق صوته، وقد روي أنها نزلت في الشيخين أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -) اهـ. وقال الشنقيطي: (سبب نزول هذه الآية الكريمة أنه لما قدم على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وفد بني تميم ... فذكر الحديث بتمامه. ثم قال: وهذه الآية الكريمة عَلَّمَ الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويحترموه ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض) اهـ. محل الشاهد. قال ابن عاشور: (وسبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري في صحيحه في قصة وفد بني تميم بسنده إلى ابن الزبير ... فذكر الحديث) اهـ. وهذا القدر الذي ذكره المفسرون في قصة الشيخين يوافق سياق القرآن من أول السورة إلى قوله: (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ). أما لفظ النَّسَائِي أنها نزلت إلى قوله: (وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) فهذا لا صلة له بقصة الشيخين - رضي الله عنه - وإنما صلته بالذين ينادون رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وراء الحجرات كما ذكر ذلك المفسرون؛ لأن الله وصفهم بأنهم لا يعقلون وهذا لا يناسب حال الشيخين - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا هو سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده وصراحة لفظه، وموافقته لسياق القرآن واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * * 161 - قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن البراء بن عازب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) قال: قام رجل فقال: يا رسول الله إن حمدي زين وإن ذمي شين فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (ذاك الله - عَزَّ وَجَلَّ -. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين الحديث بنصه كالطبري والقرطبي وابن كثير. وبعضهم ذكر أحاديث مشابهة كالبغوي وابن عطية وابن عاشور. قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية والتي بعدها نزلت في قوم من الأعراب جاؤوا ينادون رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وراء حجراته: يا محمد اخرج إلينا) اهـ. قال ابن كثير: (وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فيما أورده غير واحد) اهـ. قال ابن عطية: (نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم وذلك أنهم وفدوا على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي تسعة فنادوا بجملتهم ولم ينتظروا: يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير) اهـ. وقال ابن عاشور: (والمراد بالذين ينادون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من وراء الحجرات جماعة من وفد بني تميم جاؤوا المدينة في سنة تسع وهي سنة الوفود وكانوا سبعين رجلاً أو أكثر) اهـ. قال السعدي: (نزلت هذه الآيات الكريمة في ناس من الأعراب الذين وصفهم اللَّه بالجفاء، وأنهم أجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، قدموا وافدين على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فوجدوه في بيته وحجرات نسائه فلم يصبروا ويتأدبوا حتى يخرج بل نادوه: يا محمد يا محمد. أي اخرج إلينا،فذمهم الله بعدم العقل حيث لم يعقلوا عن الله الأدب مع رسوله واحترامه) اهـ. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا وإن كان إسناده لا يخلو من مقال فإن سياق القرآن، وإجماع المفسرين يعضد القول بأنه سبب نزول الآيتين الكريمتين واللَّه أعلم. * * * * * http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479128182.gif |
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479137079.gif المحرر في أسباب نزول القرآن المؤلف: خالد بن سليمان المزيني المجلد الثانى سورة الحجرات من صــ 917 الى صـ 927 (الحلقة 132) 162 - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الإمام أحمد عن عيسى ابن دينار قال: حدثنا أبي أنه سمع الحارث بن أبي ضرارٍ الخزاعي، قال: قدمت على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فدعاني إلى الإسلام، فدخلتُ فيه وأقررتُ به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول اللَّه أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعتُ زكاته فيُرسل إليَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رسولاً لإبّان كذا وكذا ليأتيك ما جمعتُ من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته، فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورسوله، فدعا بسروات قومه فقال لهم: إن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان وقّت لي وقتًا يُرسل إليَّ رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطةٍ كانت فانطلقوا فنأتي رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وبعث رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع فأتى رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال: يا رسول اللَّه إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي. فضرب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه إذا استقبل البعث وفصل من المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث. فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة ولا أتاني. فلما دخل الحارث على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (منعت الزكاة وأردت قتل رسولي) قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيتُه ولا أتاني، وما أقبلتُ إلا حين احتبس عليَّ رسولُ رسولِ الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، خشيت أن تكون كانت سخطةً من الله - عَزَّ وَجَلَّ - ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) إلى هذا المكان (فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد أورد ابن كثير الحديث بنصه وسائر المفسرين ذكروا أحاديث أخرى مشابهة في قصة الوليد بن عقبة بن أبي معيط منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي والشنقيطي وابن عاشور. قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط) اهـ. قال ابن عطية: (سببها أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقًا) اهـ. قال ابن كثير: (وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على صدقات بني المصطلق) اهـ. وقال الشنقيطي: (نزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط وقد أرسله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيهم بصدقات أموالهم. فلما سمعوا به تلقوه فرحاً به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله فرجع إلى نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم وفد منهم إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فأخبروه بكذب الوليد فأنزل الله هذه الآية). اهـ. وقال ابن عاشور: (وقد تضافرت الروايات عند المفسرين عن أم سلمة وابن عبَّاسٍ والحارث بن ضرار الخزاعي أن هذه الآية نزلت عن سبب قضية حدثت وذلك أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة). اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور وإن كان في إسناده مقال، إلا أن شهرته فاقت إسناده واحتج به المفسرون أجمع ولفظه يوافق سياق القرآن، فلعل الحديث لهذه الأسباب يكون سبب نزولها والله أعلم. * * * * * 163 - قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج البخاري وأحمد ومسلم عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قيل للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لو أتيتَ عبد اللَّه بن أُبي، فانطلق إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وركب حمارًا، فانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سَبَخَة فلما أتاه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: إليك عني، والله لقد آذاني نتْنُ حمارك فقال رجل من الأنصار منهم: واللَّه لحمار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أطيب ريحًا منك، فغضب لعبد اللَّه رجل من قومه، فشتمه، فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها أنزلت: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كما ذكروا معه غيره منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (وذُكر أن هذه الآية نزلت في طائفتين من الأوس والخزرج اقتتلتا في بعض ما تنازعتا فيه مما سأذكره إن شاء اللَّه تعالى). اهـ. ثم ذكر الروايات. أما ابن العربي فقد ذكر بعض الأسباب ثم جعل آخرها حديث أسامة بن زيد بدل حديث أنس بن مالك ثم قال: (أصح الروايات الأخيرة والآية تقتضي جميع ما روى لعمومها، وما لم يرو، فلا يصح تخصيصها ببعض الأحوال دون بعض). اهـ. وقال ابن عطية: (اختلف الناس في سبب هذه الآية فقال أنس بن مالك والجمهور سببها ما وقع بين المسلمين والمتحزبين منهم مع عبد اللَّه بن أبي ابن سلول حين مر به رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو متوجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه فقال عبد الله بن أبي لما غشيه حمار رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا تغبروا علينا ولقد آذانا نتن حمارك فرد عليه عبد الله بن رواحة). اهـ. وقال ابن عاشور: (وفي الصحيحين عن أنس بن مالك فذكر الحديث حتى قال: وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد: وليس فيه أن الآية نزلت في تلك الحادثة. ويناكد هذا أن تلك الوقعة كانت في أول أيام قدوم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة، وهذه السورة نزلت سنة تسع من الهجرة، وأن أنس بن مالك لم يجزم بنزولها في ذلك لقوله: (فبلغنا أنها نزلت فيهم) اللهم إلا أن تكون هذه الآية أُلحقت بهذه السورة بعد نزول الآية بمدة طويلة) اهـ. وسأذكر حديث أسامة ليتبين الأمر: عن أسامة بن زيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ركب على حمار على قطيفةٍ فَدَكية، وأردف أسامة بن زيد وراءه يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر. قال: حتى مر بمجلس فيه عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، وذلك قبل أن يسلم عبد اللَّه بن أبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خَمَّر عبد اللَّه بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عليهم ثم وقف فنزل فدعاهم إلى اللَّه،وقرأ عليهم القرآن، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقًا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه، فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول اللَّه، فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمنتركون واليهود حتى كادوا يتثاورون فلم يزل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخفضهم حتى سكنوا ... الحديث وليس فيه نزول الآية) اهـ .. قال ابن حجر في شرح حديث أنس (فقال رجل من الأنصار): (زعم بعض الشراح أنه عبد الله بن رواحة فتتبعت ذلك فوجدت حديث أسامة بن زيد بنحو قصة أنس، وفيه أنه وقعت بين عبد الله بن رواحة وبين عبد الله بن أبي مراجعة، لكنها في غير ما يتعلق بالذي ذكر هنا، فإن كانت القصة متحدة احتمل ذلك، لكن سياقها ظاهر في المغايرة؛ لأن في حديث أسامة أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أراد عيادة سعد بن عبادة فمر بعبد الله بن أبي، وفي حديث أنس - أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعي إلى إتيان عبد الله بن أبي، ويحتمل اتحادهما بأن الباعث على توجهه العيادة -، فاتفق مروره بعبد الله بن أبي فقيل له حينئذٍ لو أتيته فأتاه، ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة: (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمَّر عبد اللَّه بن أبي أنفه بردائه. ثم ذكر كلامًا حتى قال: وقد استشكل ابن بطال نزول الآية المذكورة وهي قوله: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا) في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان مع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفارًا فكيف ينزل فيهم (طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ولا سيما إن كانت قصة أنس وأسامة متحدة، فإن رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون. قلت: يمكن أن يحمل على التغليب، مع أن فيها إشكالاً من جهة أخرى، وهي أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد اللَّه بن أبي وأصحابه والآية المذكورة في الحجرات، ونزولها متأخر جدًا وقت مجيء الوفود، لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح نزلت قديمًا فيندفع الإشكال) اهـ، بتصرف. وأقول: إن الناظر في كلام ابن العربي وابن عطية يجد أنهما لا يفرقان بين حديث أنس وأسامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لأن ابن العربي جعل حديث أسامة الذي خلا من ذكر النزول بدل حديث أنس الذي تضمن النزول، وذكر أنه أصح الروايات في سبب نزولها. وابن عطية جمع في سياق حديثه بين اللفظين مع ما بينهما من الاختلاف. وما ذهبا إليه من اتحاد الحديثين، مؤيد بقول ابن حجر: (ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة: (فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمّر عبد الله بن أبي أنفة بردائه)) وعندي - واللَّه أعلم - أن الحديثين حكاية عن قصة واحدة؛ لأن ما يجمع بين الحديثين أكثر مما يفرق بينهما. وإذا كان الأمر كذلك فإن ذكر النزول يعكر عليه أمور: أولاً: ما ذكره ابن بطال من أن أصحاب ابن أبي كانوا كفارًا فكيف ينزل فيهم (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا). ثانياً: أن القصة كانت قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد اللَّه بن أبي وأصحابه، وآية الحجرات تأخر نزولها إلى وقت مجيء الوفود. ثالثاً: ما ذكره ابن عاشور من أن أنس بن مالك لم يجزم بنزولها في ذلك لقوله: (فبلغنا أنها نزلت فيهم). رابعاً: أن سياق أسامة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - للقصة خلا من ذكر النزول، مع أنه كان شاهداً للقصة لأنه كان رديف رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على الحمار. ولو نزل شيء لكان أعلم الناس به أسامة. خامساً: عدم الموافقة بين سياق القصة وسياق القرآن من وجوه: 1 - أن الآية تتحدث عن طائفتين مؤمنتين، وإحدى الطائفتين في القصة ليست كذلك. ب - قوله: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا) لا يُعرف أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أصلح بين طائفة مؤمنة، وأخرى مشركة. جـ - قوله: (فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي) النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يقاتل الباغية هنا وهي فئة ابن أبي وأعوانه من اليهود بل صفح وغفر لما أشار عليه سعد بن عبادة كما في حديث أسامة. د - وقوله: (حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) أنّى لهؤلاء المشركين ابتداءً، المنافقين انتهاء، أن يفيؤا إلى أمر الله، وقد ظلوا في الكفر وماتوا عليه. هـ - ثم قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)، وإذا كان المؤمنون إخوةً فيما بينهم فليسوا للكافرين من المنافقين والمشركين إخوة. واللَّه أعلم. وبهذا يتبين أن الحديث الذي معنا ليس سبب نزول الآية الكريمة لما تقدم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبب نزول الآية لمخالفته سياق القرآن من عدة وجوه، ولأن لفظ أسامة قد خلا من ذكر النزول، وسياق أنس لنفس القصة لم يجزم بالنزول، على أن الآية من آخر القرآن نزولاً، والقصة في أوائل الهجرة وقوعًا والله أعلم. * * * * * 164 - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سَلَمةَ (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) قال: قدم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة فكان إذا دُعي أحد منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول اللَّه إنه يغضب من هذا قال فنزلت: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث عند نزولها كالطبري وابن العربي والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (واختلف أهل التأويل في الألقاب التي نهى الله عن التنابز بها في هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بها الألقاب التي يكره النبزَ بها الملقَّبُ، وقالوا: إنما نزلت هذه الآية في قوم كانت لهم أسماء في الجاهلية فلما أسلموا نهوا أن يدعو بعضهم بعضًا بما يكره من أسمائه التي كان يدعى بها في الجاهلية) اهـ. وقال ابن كثير: (قوله: (وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ) أي: لا تتداعوا بالألقاب، وهي التي يسوء الشخصَ سماعُها) اهـ. أما البغوي وابن عطية وابن عاشور فقد ذكروا أسبابًا أخرى غير الذي معنا. قال ابن عطية: (وذكر بعض الناس لهذه الآيات أسبابًا ... ثم ذكر أحدها حتى قال: والقول عندي أن هذه الآية نزلت تقويما كسائر أمر الشرع ولو تتبعت الأسباب لكانت أكثر من أن تحصى) اهـ. وعندي - واللَّه أعلم - أن قوله: (فينا نزلت) يحتمل السببية وأن فعلهم الذي كان بينهم كان سبب نزولها، ويحتمل أن لا يكون فعلهم سببًا مباشرًا لنزولها فتكون الآية بعمومها تتناولهم وإن لم تقصدهم ابتداءً، وإلى هذا مال ابن عطية، ولعل مما يؤيد هذا أن الأصل عدم السببية حتى يرد الدليل على ذلك، وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال. ولعل مما يؤيد قول ابن عطية أن سياق الآيات بعدها ينصب على الجانب التربوي لينتزع منهم أخلاق الجاهلية المتأصلةَ في نفوسهم، فسياق الآيات في التربية والتوجيه لا غير. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا لنزول الآية لاحتماله السببية وغيرها، ولعل هذا سبب إعراض بعض المفسرين عنه واللَّه أعلم. * * * * * http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479128182.gif |
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479137079.gif المحرر في أسباب نزول القرآن المؤلف: خالد بن سليمان المزيني المجلد الثانى سورة القمر من صــ 928 الى صـ 937 (الحلقة 133) 165- قال اللَّه تعالى: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قدم وفد بني أسد على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فتكلموا، فقالوا: قاتلتك مضرُ ولسنا بأقلِّهم عددا ولا أكلَّهم شوكة، وصلنا رحمك، فقال لأبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - تكلموا هكذا، قالوا: لا، قال: (إن فقه هؤلاء قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم)، قال عطاء في حديثه فأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند نزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (وذكر أن هؤلاء الأعراب من بني أسد امتنوا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالوا: آمنا من غير قتال، ولم نقاتلك كما قاتلك غيرنا فأنزل اللَّه فيهم هذه الآيات) اهـ. قال البغوي: (نزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة ... ) اهـ. محل الشاهد. قال ابن عطية: (نزلت في بني أسد أيضاً وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات للنبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنا آمنا بك واتبعناك ولم نحاربك كما فعلت محارب خصفة وهوازن وغطفان وغيرهم فنزلت هذه الآية) اهـ. وقال القرطبي: (نزلت في أعراب من بني أسد بن خزيمة) اهـ. وما ذكره المفسرون في سبب نزولها هو الصحيح، لصحة سند الحديث ودلالة سياق القرآن على ذلك، فقوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا) هذا حدث منهم يوجب الرد والمعالجة من الله - عَزَّ وَجَلَّ - فجاءت الآيات مجيبة عن قولهم ومخبرةً بما ينبغي لهم قوله وفعله. * النتيجة: - أن الحديث الذي معنا سبب نزولها لصحة سنده وتصريحه بالنزول وموافقته لسياق القرآن واحتجاج المفسرين به والله أعلم. * * * * * سورة القمر 166 - قال الله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي ومسلم عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: سأل أهل مكة النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - آية فانشق القمر بفكة مرتين فنزلت: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) إلى قوله: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) يقول: ذاهب. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر القرطبي وابن عاشور الحديث الذي معنا. قال القرطبي: (وعلى هذا الجمهور من العلماء ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن مسعود، وابن عمر، وأنس، وجبير بن مطعم، وابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ... وذكر كلامًا حتى قال: وقد ثبت بنقل الآحاد العدول أن القمر انشق بمكة وهو ظاهر التنزيل ولا يلزم أن يستوي الناس فيها لأنها كانت آية ليلية، وأنها كانت باستدعاء النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من اللَّه تعالى عند التحدي). اهـ. وقال ابن عاشور: (وجمهور المفسرين على أن هذه الآية نزلت شاهدة على المشركين بظهور آية كبرى ومعجزة من معجزات النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهي معجرة انشقاق القمر). اهـ. أما سائر المفسرين كالطبري والبغوي وابن عطية وابن كثير فلم يذكروا حديث أنس إلا خاليًا من النزول، لكنهم ذكروا أحاديث أخرى عن غيره من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - قال الطبري: (وكان ذلك فيما ذكر على عهد رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو بمكة قبل هجرته إلى المدينة، وذلك أن كفار مكة سألوه آية فأراهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انشقاق القمر، آية حجة على صدق قوله، وحقيقة نبوته فلما أراهم أعرضوا وكذبوا وقالوا: هذا سحر مستمر، فقال اللَّه جل ثناؤه: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ). اهـ. وقال ابن عطية: (وقوله (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) إخبار عما وقع في ذلك) اهـ. وقال ابن كثير: (قد كان هذا في زمان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما ورد ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة، وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أي انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات). اهـ. وقال السعدي: (فمن أعظم الآيات الدالة على صحة ما جاء به محمد بن عبد الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه لما طلب منه المكذبون أن يريهم من خوارق العادات ما يدل على صحة ما جاء به وصدقه أشار - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى القمر فانشق بإذن اللَّه فلقتين، فلقة على جبل أبي قبيس، وفلقة على جبل قعيقعان، والمشركون وغيرهم يشاهدون هذه الآية العظيمة الكائنة في العالم العلوي التي لا يقدر الخلق على التمويه بها والتخييل، ففزعوا إلى بهتهم وطغيانهم وقالوا: سحرنا محمد ولكن علامة ذلك أنكم تسألون من ورد عليكم من السفر فإنه إن قدر على سحركم لم يقدر أن يسحر من ليس مشاهداً مثلكم، فسألوا كل من قدم، فأخبروهم بوقوع ذلك فقالوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) سحرنا محمد وسحر غيرنا) اهـ. بتصرف. ومن خلال ما تقدم يتبين اتفاق العلماء وإجماعهم على حدوث هذه الآية العظيمة في عهد رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل هجرته إلى المدينة. لكن النظر يدور حول نزول هذه الآيات بعد الحدث، والتصريح بالنزول في هذا الحديث فأقول: إن التصريح بنزول هذه الآيات الكريمات في هذا الحديث غير محفوظ؛ لأن جميع الطرق خلت منه إلا طريقاً واحداً، وتفصيل ذلك في الحاشية. أما هل نزلت الآيات بعد الحدث؟ فالجواب: هذا هو الظاهر - والله أعلم - لأن اللَّه قال بعدها عن المشركين: (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) وهذا هو الذي ذكره المفسرون عن المشركين أنهم وصموا رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالسحر بعد انشقاق القمر. ومن المعلوم أنهم لن يقولوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) إلا بعد رؤيتهم للآية، ومن المعلوم أيضاً أن اللَّه لن يحكي هذا القول عنهم حتى يقولوه. وإذا كان الأمر كذلك تحققنا أن الآيات إنما نزلت بعد الحدث لا قبله؛ لأنهم لن يقولوا: (سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) وهم لم يروها بعد، ولن يقول اللَّه هذا عنهم وهم لم يقولوه. لكن هل يعني هذا أن حدث انشقاق القمر سبب نزول الآية؟ والجواب: أن الراجح عندي أن الأمر كذلك، وإن كان التصريح بالنزول غير محفوظ، لأن سؤال المشركين آية، وإتيان اللَّه بها، وتكذيبهم إياها، يناسب تمام المناسبة نزول القرآن بعدها موبخاً لهم ومهدداً بيوم يقول الكافرون فيه: (هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ). فمطابقة هذا لاصطلاح العلماء في أسباب النزول ظاهرة. بقي أن يقال: هل انشق القمر مرتين؟ والجواب: أن القمر انشق مرة واحدة لكنه انفلق فلقتين لأن هذا هو المروي عن الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. ولأنه مقتضى الحكمة لأن المقصود من انشقاقه العبرة والعظة، وما لم يحصل هذا من انشقاقه في المرة الأولى مع أنها أبلغ في التأثير فلن يحصل في المرة الثانية وحينئذٍ تنتفي الحكمة من شقه مرتين واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول هذه الآيات الكريمة لصحة سنده، وموافقته لاصطلاح العلماء في تعريف السبب واللَّه أعلم. * * * * * http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479128182.gif |
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479137079.gif المحرر في أسباب نزول القرآن المؤلف: خالد بن سليمان المزيني المجلد الثانى سورة الواقعة من صــ 938 الى صـ 946 (الحلقة 134) 167 - قال الله تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القدر. فنزلت: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: إنا خلقنا كل شيء بمقدار قدرناه وقضيناه وفي هذا بيان أن الله جل ثناؤه توعد هؤلاء المجرمين على تكذيبهم بالقدر مع كفرهم به). اهـ. قال عياض: (ظاهره أن المراد بالقدر هاهنا مراد الله ومشيئته وما سبق به قدره من ذلك، وهو دليل مساق القصة التي نزلت بسببها الآية) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه واحتجاج المفسرين به وموافقته لسياق القرآن والله أعلم. سورة الواقعة 168 - قال الله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) وقليل من الآخرين شق ذلك على المسلمين فنزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ)، فقال: (أنتم ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الباقي). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزولها ولم يذكر هذا الحديث أحد من المفسرين الذين وقفت على أقوالهم. والحديث حري بالإعراض عنه فلا إسناد صحيح، ولا متن مستقيم، يوجب القبول والاحتجاج، لأنه إذا كان أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من أصحاب اليمين فمن الذي يكون من المقربين إذن؟ * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا للنزول لضعف سنده، وإعراض المفسرين عنه، وعدم موافقته لسياق القرآن، والله أعلم. * * * * * 169 - قال الله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: قال: مُطِر الناس على عهد النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا: هذه رحمة اللَّه. وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا) قال: فنزلت هذه الآية: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) حتى بلغ: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية، وقد ذكر هذا الحديث بعض المفسرين بلا تعقب كالبغوي والقرطبي، ومنهم من تعقبه كابن عاشور. قال البغوي: (وهذا في الاستسقاء بالأنواء وذلك أنهم كانوا يقولون إذا مطروا: مطرنا بنوء كذا ولا يرون ذلك من فضل اللَّه تعالى فقيل لهم: أتجعلون رزقكم أي شكركم بما رزقتم يعني شكر رزقكم التكذيب). اهـ. أما ابن عاشور فإنه لما ذكر حديث زيد بن خالد الجهني في صلاة الصبح في الحديبية مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (وليس فيه زيادة فنزلت هذه الآية ولو كان نزولها يومئذٍ لقاله الصحابي الحاضر ذلك اليوم، ثم ذكر حديث ابن عبَّاسٍ حتى قال: وابن عبَّاسٍ لم يكن في سن أهل الرواية في مدة نزول هذه السورة بمكة فلعل قوله فنزلت تأويل منه لأنه أراد أن الناس مُطروا في مكة في صدر الإسلام فقال المؤمنون قولاً وقال المشركون قولاً فنزلت آية: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) تنديدًا على المشركين منهم بعقيدة من العقائد التي أنكرها اللَّه عليهم وأن ما وقع في الحديبية مطر آخر لأن السورة نزلت قبل الهجرة ولم يروا أن هذه الآية أُلحقت بالسورة بعد نزول السورة ولعل الراوي عنه لم يحسن التعبير عن كلامه فأوهم بقوله: (فنزلت (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) بأن يكون ابن عبَّاسٍ قال: فتلا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) أو نحو تلك العبارة. وقد تكرر مثل هذا الإيهام في أخبار أسباب النزول ويناكد هذا صيغة (تكذبون) لأن قولهم مطرنا بنوء كذا ليس فيه تكذيب بشيء) اهـ. أما الطبري وابن عطية وابن كثير فلم يذكروا حديث ابن عبَّاسٍ سببًا لنزولها. قال الطبري: (وتجعلون شكر الله على رزقه إياكم التكذيب ثم ذكر الآثار عن السلف من الصحابة والتابعين الدالة على أن المراد بتكذيبهم هو قولهم مطرنا بنوء كذا وكذا) اهـ. وقال ابن عطية: (أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر الذي ينزله اللَّه للعباد هذا بنوء كذا وكذا، وهذا بعثانين الأسد، وهذا بنوء الجوزاء وغير ذلك) اهـ. قال السعدي: (أي تجعلون مقابلة منة اللَّه عليكم بالرزق التكذيب والكفر لنعمة اللَّه فتقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا وتضيفون النعمة لغير مسديها وموليها، فهلا شكرتم اللَّه على إحسانه، إذا أنزله إليكم ليزيدكم من فضله فإن التكذيب والكفر داع لرفع النعم، وحلول النقم) اهـ. وبما تقدم من الأقوال تبين أن العلماء متفقون على أن المراد بالآية التنديد بهؤلاء المشركين الذين يعزون وينسبون الحوادث الأرضية إلى الحركات الفلكية وليس إلى الله - سبحانه وتعالى عما يشركون - لكن يبقى النظر هل هذا الحديث سبب نزولها؟ الآيات التي معنا في سورة مكية والأصل بناءً على هذا أنها نزلت قبل الهجرة لا بعدها وابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - كما قال ابن عاشور ليس فى سن الرواية ذلك الوقت وحينئذٍ لا بد أنه تَلَقَّى هذا من غيره. أما حديث زيد بن خالد الجهني فقد خلا من ذكر النزول، وهو حري بذلك لأن قصة الحديبية كانت بعد الهجرة، وسورة الواقعة نزلت قبلها فلا تكون سبباً لها. وإذا استبعدنا حديث زيد من السببية، بقي حديث ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - والراجح عندي - واللَّه أعلم - أن الآية لم تنزل على السبب المصطلح عليه بين العلماء لعدم وجود حدث أو سؤال تعالجه الآية أو تجيب عنه. لأن قوله في الحديث: (أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر. قالوا هذه رحمة اللَّه، وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا) حكاية عن حال الناس تجاه رحمة اللَّه عموماً، وليس في الحديث دلالة على أن هذا حدث خاص قاله الناس ونزلت الآية بشأنه. وإذا كان حديث زيد قد خلا من ذكر النزول مع أنه سُبق بمطر فمن باب أولى أن يخلو حديث ابن عبَّاسٍ من هذا حيث لم يُسبق بمطر. وإذا كان الطبري وابن كثير مع عنايتهما بالأحاديث وتطريقها قد أعرضا عن ذكر هذا السبب كان هذا أيضاً مما يوجب الريب والتردد. وبناءً على ما تقدم فإن الآيات إنما نزلت لإبطال ما كان يعتاده أهل الجاهلية في مقالاتهم، كما أبطل القرآن ما اعتادوه من أفعالهم المنافية لشريعة الله والله أعلم. أما الجواب عن قوله: (فنزلت هذه الآية) فالمعنى أن عموم لفظها يتناول بالإبطال أقوال المشركين المنافية للتوحيد. * النتيجة: أن الحديث الذي معنا ليس سبباً لنزول الآية لعدم وجود الحدث المعين ولإعراض بعض المفسرين المعتنين بالأحاديث عن ذكره والله أعلم. * * * * * http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479128182.gif |
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479137079.gif المحرر في أسباب نزول القرآن المؤلف: خالد بن سليمان المزيني المجلد الثانى سورة المجادلة من صــ 947 الى صـ 961 (الحلقة 135) سورة الحديد 170 - قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج مسلم عن ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ) إلا أربع سنين. وأخرجه ابن ماجه عن عبد اللَّه بن الزبير قال: لم يكن بين إسلامهم وبين أن نزلت هذه الآية، يعاتبهم اللَّه بها إلا أربعُ سنين: (وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في تفسير هذه الآية وقد ذكر بعض المفسرين حديث ابن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - منهم البغوي والقرطبي وابن كثير وابن عاشور، ولم يذكروا أن الحديث سبب نزولها. ولعل هذا هو السبب أيضاً في إعراض عدد من كبار المفسرين عن ذكر الحديث، وإذا نظرنا إلى سبب يستدعي النزول على النحو المصطلح عليه بين العلماء لم نجد له أثراً هنا. * النتيجة: أن هذا الحديث ليس سبباً لنزول الآية الكريمة لخلوه من التصريح بالنزول وإعراض كثير من المفسرين عن ذكره، مع عدم وجود واقعة أو حدث خاص يستدعي النزول والله أعلم. * * * * * 171 - قال اللَّه تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كانت ملوك بعد عيسى ابن مريم - عليه الصلاة والسلام - بدلوا التوراة والإنجيل، وكان فيهم مؤمنون يقرؤون التوراة، قيل لملوكهم: ما نجد شتمًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء إنهم يقرؤون: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) وهؤلاء الآيات مع ما يعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم فادعهم فليقرؤا كما نقرا وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانةً ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نَرِدُ عليكم، وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دورًا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نَرِدُ عليكم ولا نمر بكم وليس أحد من القبائل إلا وله حميم فيهم قال: ففعلوا ذلك فأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا به، فلما بعث الله النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ولم يبق منهم إلا قليل انحطَّ رجل من صومعته وجاء سائح من سياحته وصاحب الدير من ديره فآمنوا به وصدقوه فقال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أجرين بإيمانهم بعيسى وبالتوراة، والإنجيل وبإيمانهم بمحمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وتصديقهم. قال: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ) القرآن واتباعهم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ) يتشبهون بكم (أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر هذا الحديث عدد من المفسرين كالطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير. وسياق العلماء لهذا الحديث من قبيل التفسير لا من باب أسباب النزول إذ لم يشيروا إلى أن هذا الحديث سبب نزولها. والظاهر - والله أعلم - أن الحديث ليس سبباً للنزول لما يلي: 1 - أن إسناد الحديث ضعيف لما فيه من الغرابة، مع كون أحد رواته منكر الحديث. 2 - أن القصة ظاهرة أنها في أتباع عيسى - عليه الصلاة والسلام - فكيف ينزل في شأن هؤلاء آيات على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ نعم إن كان هذا من باب القصص عن الأمم الخالية فهو كثير في القرآن، أما السببية فلا. 3 - أن بعض المفسرين الذين ذكروا روايات الحديث كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير قد خلت بعض رواياتهم من ذكر النزول إنما فيها (فذلك قول اللَّه تعالى) (فهم الذين ذكرهم اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - ولم يذكروا النزول. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سببًا للنزول لضعف إسناده، وعدم مناسبته لسياق القرآن، مع أن المفسرين ساقوه مساق التفسير والله أعلم. * * * * * سورة المجادلة 172 - قال اللَّه تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) * سَبَبُ النُّزُولِ: 1 - أخرج أحمد والبخاري تعليقًا والنَّسَائِي وابن ماجه عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: الحمد للَّه الذي وسع سمعه الأصوات لقد جاءت المجادلة إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا). 2 - أخرج أحمد وأبو داود عن خولة بنت ثعلبة قالت: والله فيَّ وفي أوس بن صامت أنزل الله - عزَّ وجلَّ - صدر سورة المجادلة. قالت: كنت عنده، وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه وضجر قالت: فدخل عليَّ يوماً فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليَّ كظهر أمي. قالت: ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعةً ثم دخل عليَّ فإذا هو يريدني على نفسي قالت: فقلت: كلا والذي نفس خويلة بيده لا تخلص إليَّ وقد قلتَ ما قلتَ حتى يحكم اللَّه ورسوله فينا بحكمه. قالت: فواثبني فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف فألقيته عني، قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت منه فجعلت أشكو إليه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما ألقى من سوء خلقه. قالت: فجعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: (يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي الله فيه) قالت: فواللَّه ما برحت حتى نزلت فيَّ القرآن فتغشى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما كان يتغشاه، ثم سري عنه، فقال لي: (يا خويلة قد أنزل اللَّه فيك وفي صاحبك) ثم قرأ عليَّ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) - إلى قوله - (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) فقال لي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مريه فليعتق رقبة) قالت: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه ما عنده ما يعتق. قال: (فليصم شهرين متتابعين) قالت: فقلت: واللَّه يا رسول اللَّه إنه شيخ كبير ما به من صيام قال: (فليطعم ستين مسكينًا وسقاً من تمر) قالت: قلت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده. قالت: فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (فإنا سنعينه بعرق من تمر)قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بعرق آخر. قال: (قد أصبت وأحسنت، فاذهبي فتصدقي عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً) قالت: ففعلت. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، وقد تنوعت اختيارات المفسرين لهذه الأسباب. فمنهم من ذكر الحديثين كالطبري وابن كثير. قال الطبري: (وكانت مجادلتها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في زوجها، وزوجها أوس بن الصامت، مراجعتها إياه في أمره، وما كان من قوله لها: أنت عليَّ كظهر أمي ومحاورتها إياه في ذلك وبذلك قال أهل التأويل، وتظاهرت به الرواية) اهـ. أما ابن كثير فقد قال بعد سياق حديث خولة بنت ثعلبة - رضي الله عنها -: (هذا هو الصحيح في سبب نزول هذه السورة) اهـ. ومنهم من ذكر حديث عائشة - رضي الله عنها - كابن العربي والقرطبي، وأضاف إلى ذلك روايات أخرى. ومنهم من ذكر حديث خولة بنت ثعلبة - رضي الله عنها - كابن عاشور فقد قال: (وتلك هي قضية سبب النزول لأن المرأة ما جاءت مجادلة إلا لأنها علمت أن زوجها المظاهر منها لم يرد فراقها كما يدل عليه الحديث المروي في ذلك) اهـ. أما البغوي وابن عطية فقد ذكرا روايات مشابهة للذي معنا. قال البغوي: (نزلت في خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت) اهـ. * النتيجة: أن الأحاديث التي معنا سبب نزول الآية الكريمة لإجماع المفسرين على ذلك وموافقتها لسياق القرآن وتصريحها بالنزول، وصحة أسانيد بعضها. واللَّه أعلم. * * * * * http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479128182.gif |
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479137079.gif المحرر في أسباب نزول القرآن المؤلف: خالد بن سليمان المزيني المجلد الثانى سورة المجادلة من صــ 962 الى صـ 969 (الحلقة 136) 173 - قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) * سَبَبُ النُّزُولِ: 1 - أخرج مسلم وأحمد والنَّسَائِي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أتى النبيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُناس من اليهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم قال: (وعليكم) قالت عائشة: قلت: بل عليكم السام والذام فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (يا عائشة لا تكوني فاحشة) فقالت: ما سمعتَ ما قالوا؟ فقال: (أوليس قد رددتُ عليهم الذي قالوا؟ قلت: وعليكم). وفي لفظ له ففطنت بهم عاثشة فسبَّتهم فقال رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (مه يا عائشة فإن اللَّه لا يحب الفحش والتفحش) وزاد فأنزل الله - عَزَّ وَجَلَّ - (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) .. إلى آخر الآية. 2 - أخرج أحمد عن عبد الله بن عمرو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن اليهود كانوا يقولون لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سام عليك ثم يقولون في أنفسهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ)فنزلت هذه الآية: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ .. ). 3 - أخرج الترمذي عن أنس بن مالك - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أن يهودياً أتى على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه، فقال: السام عليكم، فرد عليه القوا، فقال نبي اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (هل تدرون ما قال هذا؟) قالوا: الله ورسوله أعلم، سلَّم يا نبي الله. قال: (لا ولكنه قال كذا وكذا، ردوه عليَّ) فردوه فقال: (قلتَ: السام عليكم؟) قال: نعم، قال نبي الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند ذلك: إذا سلَّم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلتَ قال: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمهور المفسرين هذه الأحاديث على تفاوت بينهم في ذكر بعضها أو كلها منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى) من اليهود (ثُمَّ يَعُودُونَ) فقد نهى الله - عَزَّ وَجَلَّ - إياهم عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول). وقوله: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإذا جاءك يا محمد هؤلاء الذين نهوا عن النجوى، الذين وصف اللَّه جل ثناؤه صفتهم، حيوك بغير التحية التي جعلها اللَّه لك تحية، وكانت تحيتهم التي كانوا يحيونه بها التي أخبر الله أنه لم يحيه بها فيما جاءت به الأخبار أنهم كانوا يقولون: السام عليك) اهـ. وقال البغوي: (نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين) اهـ. وقال ابن العربي: (لا خلاف بين النقلة أن المراد بهم اليهود، كانوا يأتون النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيقولون السام عليك) اهـ. وقال ابن عطية: (هذه الآية نزلت في قوم من اليهود نهاهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التناجي بحضرة المؤمنين وإظهار ما يستراب منه من ذلك فلم ينتهوا فنزلت هذه الآية) اهـ. وقال ابن كثير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) أي كما يتناجى به الجهلة من كفرة أهل الكتاب ومن مالأهم على ضلالهم من المنافقين) اهـ. وقال السعدي: (هؤلاء المذكورون إما أُناس من المنافقين يظهرون الإيمان ويخاطبون الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بهذا الخطاب الذي يوهمون أنهم أرادوا به خيراً وهم كذبة في ذلك. وإما أُناس من أهل الكتاب، الذين سلموا على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقالوا: (السام عليك يا محمد) يعنون: الموت) اهـ. وقال ابن عاشور: (وفي قوله: (عَنِ النَّجْوَى) وقوله: (وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) دلالة على أنهم منافقون لا يهود؛ لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما كان ينهى اليهود عن أحوالهم وهذا يرد قول من تأول الآية على اليهود، بل الحق ما في ابن عطية عن ابن عبَّاسٍ أنها نزلت في المنافقين). ثم قال في قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ): (لا يليق حمله على أحوال اليهود كما علمت آنفاً ولو حمل ضمير (جَاءُوكَ) على اليهود لزم عليه تشتيت الضمائر) اهـ. بتصرف. والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه بعض المفسرين من أن الآيات نزلت في المنافقين وليست في اليهود. قال ابن عطية: (وقال ابن عبَّاسٍ هذه الآية كلها في منافقين، ويشبه أن من المنافقين من تخلق في هذا كله بصفة اليهود) اهـ. والحجة في هذا ما يلي: 1 - أن آخر قبائل اليهود نقضاً للعهد مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هم بنو قريظة بعد غزوة الأحزاب، وكان ذلك في سنة خمس من الهجرة. وأن سورة المجادلة من أواخر القرآن نزولاً حتى قال ابن عاشور: (وهي السورة المائة وثلاث في عداد نزول سور القرآن نزلت بعد سورة المنافقين وقبل سورة التحريم) اهـ. فإذا كان اليهود جميعاً قد خلت المدينة منهم سنة خمس إما بالقتل أو الإجلاء، وكانت سورة المجادلة قد تأخر نزولها إلى هذا الحد، فكيف يكون الخطاب فيها موجهاً لليهود؟! 2 - أن سياق الآيات القرآنية يميل إلى المنافقين من وجهين: الأول: ذكره ابن عاشور بقوله: (إن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما كان ينهى اليهود عن أحوالهم). وهذا حق فإن الله قال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى) وهذا يعني أنه قد جرى نهي عن ذلك، واليهود كفار، والكفار لا يخاطبون بفروع الشريعة، فكيف يتوجه لهم الأمر والنهي، والحال ما ذُكر؟. الثاني: أن اللَّه تعالى تحدث عن المنافقين بالأسلوب نفسه الذي تحدث به عن المتناجين فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). وهذه الآية كقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143). وإذا كان أسلوب الحديث في الآيتين واحدًا فلماذا تكون الأولى في اليهود، والثانية في المنافقين؟ 3 - أن وصف المنافقين بذلك أقرب من وصف اليهود لأنهم يعرفون من أحوال المؤمنين ما لا يعرفه اليهود، ويشاهدون ما لا يشاهدون وذلك بسب القربى وإظهار الإيمان، وإذا كانوا كذلك فهم أقدر على المناجاة بالإثم والعدوان ومعصية الرسول وقد حكى الله عنهم في سورة عُنيت بفضحهم بأنهم يتناجون بالإثم والعدوان فقال سبحانه: (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ومعلوم أن اللمز والسخرية بالمؤمنين من الإثم والعدوان ومعصية الرسول. بينما لا أعرف بين دفتي المصحف آية تحدثت عن مناجاة اليهود في العصر النبوي. وبناءً على ما تقدم يرد سؤالان اثنان: الأول: ما الجواب عن قول عائشة - رضي الله عنها - فأنزل اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ). فالجواب: أن الآية لما تضمنت التحية وكانت عائشة - رضي الله عنها - سمعت اليهود يحيونه بالسام ظنت أنها نزلت فيهم فقالت: فأنزل الله. وليس الأمر في الواقع كذلك لأن الحديث عن التحية محدود جدًا في ضمن الحديث عن النجوى، والنهي عنها، وأنها من الشيطان، وأَمْرِ المؤمنين بالتناجي بالبر والتقوى. فلماذا ينصبُّ الحديث على المحدود ويترك الكثير المبسوط؟ أليس هذا خلاف المعهود؟. الثاني: إذا كان المراد بالآية المنافقين، فما المراد إذن بقوله: (حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ)؟. فالجواب: ابن عاشور ذكر: (أنهم كانوا يقولون: أنعم صباحًا وهي تحية العرب في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية) اهـ. قلت: لو ذكر لهذا دليلاً لَسَلَّمنا أما مع عدم الدليل فلا. وعندي - واللَّه أعلم - أن قاعدة النفاق الراسخة وجهان ولسانان وحالان باطن وظاهر، والمنافقون دومًا لا يستطيعون الفصل بينهما بل لا يحسنون إلا الجمع بينهما وقد دلَّ على هذا كتاب الله. قال الله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5). ولك أن تعجب من اجتماع، حسن القول مع العداوة ولَيِّ الرؤوس. وقال تعالى: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14). وقال تعالى: (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57). وقال تعالى: (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ). إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أن المنافقين يحسنون دورين ويلبسون قناعين. وإنما الغرض من عرض الآيات السابقة أن أبين أن منهج المنافقين لا يتفق مع ما ذكره المفسرون هنا في تفسير التحية، وإنما الذي يتفق مع منهجهم هنا أنهم كانوا يتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وإذا أتوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حيّوه بأحسن تحية، ثم يقولون لبعضهم: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) أي: لِجمعنا بين ضدين صلاح ظاهر، وفساد باطن. واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الأحاديث المذكورة ليست سببًا لنزول الآية لمخالفتها السياق القرآني من عدة وجوه وإنما المراد منها الحديث عن حال المنافقين مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأصحابه في إظهار مودتهم مع ما تنطوي عليه قلوبهم من الحقد الدفين والشر المستطير. واللَّه أعلم. * * * * * http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479128182.gif |
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479137079.gif المحرر في أسباب نزول القرآن المؤلف: خالد بن سليمان المزيني المجلد الثانى سورة الحشر من صــ 970 الى صـ 981 (الحلقة 137) 174 - قال الله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج الترمذي عن علي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: لما نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) قال لي النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (ما ترى. دينار؟) قلت: لا يطيقونه، قال: (فنصف دينار؟) قلت: لا يطيقونه. قال: (فكم؟) قلت: شعيرة. قال: (إنك لزهيد) قال: فنزلت: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ) قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة. * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية. وقد ذكر جمع من المفسرين هذا الحديث منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية وابن كثير. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره: أشق عليكم وخشيتم أيها المؤمنون بأن تقدموا بين يدي نجواكم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صدقات الفاقة) اهـ. وقال البغوي: (قال ابن عبَّاسٍ: وذلك أن الناس سألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأكثروا حتى شقوا عليه فأراد اللَّه أن يخفف على نبيه ويثبطهم ويردعهم عن ذلك فأمرهم أن يقدموا صدقة على المناجاة مع رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) اهـ. والظاهر - واللَّه أعلم - أن هذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية لما يلي: 1 - أن إسناد الحديث ضعيف وتفصيله في موضعه من الحاشية. 2 - أن سياق الحديث يقتضي أن الذي أشفق من ذلك هو علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والناظر في سياق الآية من أولها إلى آخرها يجد أن حديثها بصيغة الجمع مما يدل على أن الإشفاق منهم وليس من علي وحده. 3 - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لعلي: إنك لزهيد لما اقترح شعيرة وهذا يعني وبقتضي أن علياً أرحم بالناس من رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وليس الأمر والله كذلك فليس أرحمَ بالناس من الناس أحدٌ من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول اللَّه تعالى عنه: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128). 4 - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - استشار علياً في مقدار الصدقة وهذا يخالف المعهود عنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من استشارة صاحبيه الكبيرين أبي بكر وعمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - جميعاً. وبناءً على ما تقدم فليس الحديث المذكور سبب نزولها بل ربما نزل التخفيف لمجرد علم اللَّه بمشقة ذلك عليهم من غير طلب منهم أو من أحدهم واللَّه أعلم. * النتيجة: أن الحديث المذكور ليس سبب نزولها لضعف إسناده، وعدم موافقته السياق القرآني والمشهور من حال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عدة وجوه واللَّه أعلم. 175 - قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) * سَبَبُ النُّزُولِ: أخرج أحمد عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جالسًا في ظلِّ حجرته - قال يحيى: قد كاد يقلص عنه - فقال لأصحابه: (يجيئكم رجل ينظر إليكم بعين شيطان، فإذا رأيتموه فلا تكلموه) فجاء رجل أزرق، فلما رآه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دعاه، فقال: (علام تشتمني أنت وأصحابك)؟ قال: كما أنت حتى آتيك بهم. قال: فذهب فجاء بهم، فجعلوا يحلفون باللَّه ما قالوا، وما فعلوا وأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ). وفي رواية له: فنزلت هذه الآية التي في المجادلة: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر بعض المفسرين هذا الحديث عند تفسيرها كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير. قال الطبري: (يقول تعالى ذكره لنبيه محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى إلى القوم الذين تولوا قوماً غضب الله عليهم وهم المنافقون تولوا اليهود وناصحوهم) اهـ. وقال البغوي: (نزلت في المنافقين تولوا اليهود وناصحوهم ونقلوا أسرار المؤمنين إليهم) اهـ. وقال ابن كثير: (يقول اللَّه تعالى منكراً على المنافقين في موالاتهم الكفار في الباطن وهم في نفس الأمر لا معهم ولا مع المؤمنين كما قال تعالى: (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143)) اهـ. * النتيجة: أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه واحتجاج المفسرين به واللَّه أعلم. * * * * * سورة الحشر 176 - قال الله تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5) * سَبَبُ النُّزُولِ: 1 - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: حرّق رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نخل بني النضير وقطع وهي البويرة فنزلت: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ). 2 - أخرج الترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - في قول اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ -:(مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا) اللينة: النخلة، وليخزي الفاسقين. قال: استنزلوهم من حصونهم، قال: أُمروا بقطع النخل فحكَّ في صدورهم. فقال المسلمون: قد قطعنا بعضاً وتركنا بعضاً، فلنسألن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل اللُّه تعالى: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا). * دِرَاسَةُ السَّبَبِ: هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة. وقد ذكر هذين الحديثين ابن كثير. أما حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فقد ذكره الطبري والبغوي وابن العربي والقرطبي، قال الطبري: (وإنما أُنزلت هذه الآية فيما ذكر من أجل أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما قطع نخل بني النضير وحرقها، قالت بنو النضير لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنك كنت تنهى عن الفساد وتعيبه، فما بالك تقطع نخلنا وتحرقها؟ فأنزل الله هذه الآية فأخبرهم أن ما قطع من ذلك رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو ترك فعن أمر الله فعل) اهـ. وقال البغوي: (وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما نزل ببني النضير وتحصنوا بحصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها فجزع أعداء اللَّه عند ذلك وقالوا: يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح عقر الشجرة وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك الفساد في الأرض، فوجد المسلمون في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون ذلك فساداً، واختلفوا في ذلك فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنه مما أفاء اللَّه علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها فأنزل الله هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه، وتحليل من قطعه من الإثم). اهـ. وقال ابن العربي: (لا خلاف أن الآية نزلت في بني النضير) اهـ. أما ابن عطية والسعدي وابن عاشور فلم يذكروا أيَّاً من الحديثين. قال ابن عطية: (سببها أن بعض أصحاب النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وضعوا أيديهم في نخل بني النضير يقطعون ويحرقون. فقال بنو النضير: ما هذا الإفساد يا محمد وأنت تنهى عن الفساد فكف عن ذلك بعض الصحابة وذلك في صدر الحرب معهم فنزلت الآية معلمةً أن جميع ما جرى من قطع أو إمساك فبإذن اللَّه ورَدَّتْ الآية على قول بني النضير أن محمداً ينهى عن الفساد وها هو ذا يفسد) اهـ. وقال السعدي: (ولما لام بنو النضير رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والمسلمين في قطع النخيل والأشجار وزعموا أن ذلك من الفساد وتوصلوا بذلك إلى الطعن بالمسلمين أخبر تعالى أن قطع النخيل إن قطعوه أو إبقاءهم إياه إن أبقوه فبإذن الله وأمره (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) حيث سلطكم على قطع نخلهم وتحريقها ليكون ذلك نكالاً لهم وخزيًا في الدنيا، وذلاً يعرف به عجزهم التام الذي ما قدروا على استنقاذ نخلهم الذي هو مادة قوتهم) اهـ. وقال أبو العباس القرطبي: (ولا شك في أن هذه الآية نزلت فيما عاب المشركون على رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قطع نخيل بني النضير فبين فيها أن الله تعالى أباحه لنبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خزيًا للمشركين، ونكايةً لهم، والآية نص في تعليل ذلك) اهـ. وعندي - والله أعلم - أن حديث ابن عبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أصرح وأكثر تفصيلاً وأليق بالنزول من حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -؛ لأن حديث ابن عمر مجمل ليس فيه تفصيل ولا يتضمن حدثاً أو إشكالاً لتجيب عليه الآية، إذ من الممكن أن تكون الآية تقص ما حدث بغض النظر عن علاجه كما هو كثير في القرآن. بخلاف حديث ابن عبَّاسٍ لأن فيه أن القطع قد حكَّ في صدورهم ثم سألوا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثم أنزل الله تعالى الآية. لكن هذا الحديث يعكر عليه أن إسناده ليس كسابقه لأن الصواب فيه الإرسال. وأقوال المفسرين في هذا مختلفة فأكثرهم كما تقدم يرون أن الإنكار على التقطيع والتحريق إنما جاء من بني النضير. وبعض المفسرين يرون أن الإشكال والاختلاف نشأ من الصحابة أنفسهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - كما دلّ على ذلك حديث ابن عبَّاسٍ. وما ذكره البغوي يجمع بين القولين لأنه ذكر أن الإنكار ابتداءً كان من بني النضير ونتيجة ذلك وجد المسلمون في أنفسهم من ذلك شيئًا فاختلفوا في القطع. وعلى كل حال فإننا لو نحيّنا الأسباب جانباً لما كان لهذا أثر على النتيجة وهي أن قصة بني النضير هي سبب نزول سورة الحشر عمومًا، وأن قضية التحريق والتقطيع هي سبب قول اللَّه خصوصًا: (مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) والله أعلم. * النتيجة: أن مجموع ما روي من أسباب النزول التي معنا أو التي ذكرها المفسرون تدل على أن سبب نزول الآية هو تحريق النخيل وتقطيعها لدلالة السنة على ذلك وإجماع المفسرين عليه مع موافقة سياق القرآن. * * * * * http://www.7lwthom.net/up/uploads/1492479128182.gif |
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
|
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
|
رد: المحرر في أسباب نزول القرآن ___ متجدد
|
| الساعة الآن : 09:34 PM |
Powered by vBulletin® Version 3.8.5
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd By AliMadkour