<?xml version="1.0" encoding="windows-1256"?>

<rss version="2.0" xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/" xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/">
	<channel>
		<title>ملتقى الشفاء الإسلامي - الملتقى العلمي والثقافي</title>
		<link>http://forum.ashefaa.com/</link>
		<description>قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية</description>
		<language>Ar</language>
		<lastBuildDate>Fri, 09 Oct 2026 18:37:28 GMT</lastBuildDate>
		<generator>vBulletin</generator>
		<ttl>60</ttl>
		<image>
			<url>http://forum.ashefaa.com/images/misc/rss.jpg</url>
			<title>ملتقى الشفاء الإسلامي - الملتقى العلمي والثقافي</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/</link>
		</image>
		<item>
			<title>الحرية الشخصية في الإسلام</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331864&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sat, 26 Sep 2026 10:05:05 GMT</pubDate>
			<description>*                 الحرية الشخصية في الإسلام (1)* 
 
                                                                      علي حسن فراج 
إذا كان العلمانيون يُبغضون كلَّ الأديان، فبُغْضهم للإسلام هو أقوى مِن بُغضهم لسائر الأديان؛ والسبب: أنَّ شريعة الإسلام لَمَّا اختارَها الله تعالى لتكونَ خاتمة...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center"><b>                 <font size="6"><font color="#ff0000">الحرية الشخصية في الإسلام (1)</font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font size="5"><font size="6"><font color="#ff0000">علي حسن فراج</font></font><br />
<font color="#800000">إذا كان العلمانيون يُبغضون كلَّ الأديان، </font>فبُغْضهم للإسلام هو أقوى مِن بُغضهم لسائر الأديان؛ والسبب: أنَّ شريعة الإسلام لَمَّا اختارَها الله تعالى لتكونَ خاتمة الشرائع، وأراد لها أنْ تبْقَى على مَدى العُصُور - جَعَلَها شريعةً كاملةً تُعالِج القضايا الدِّينية والدنيويَّة على حدٍّ سَواء، فمِن ثَمَّ فهي تَتَدَخَّل في سائر شؤون الناس، وتنتظم جميع نشاطاتهم، فتحرِّم هنا وتُحِل هناك، وتحظر هذا وتبيح ذاك، وتستحب شيئًا وتكره آخر... وهكذا، حتى إنَّها لَتُنَظِّمُ للمَرْء طريقة أكْلِه وشُرْبه، وطريقة نَوْمه، وقضاء حاجته.<br />
  <br />
 كل ذلك دعا العلمانيين والليبراليين إلى خصِّها بمزيدٍ منَ البُغْض الذي يكنُّونه للأديان جميعًا، فهُم بِزَعْمهم، ثم بتزويرهم على البشرية - التي يعادونها شعروا أم لَم يشعروا - دعاةُ الحريَّةِ، ورُسُل الديمقراطية.<br />
  <br />
 وشريعةُ الإسلام - بما ذَكَرْنا عنها - تُناهِض ما يدْعُون إليه مِن حريَّة، وتُضاده من جميع الجهات السِّت.<br />
  <br />
 ولَمَّا لَم يجعل الله الحريةَ حِكرًا على العلمانيين والليبراليين، فمِن حقِّ جميع بني الإنسان أنْ يَتَكَلَّمُوا عنها، ويبحَثُوا حقيقتها، ويُطَالِبوا بها، وأيضًا فمِن حقِّ أتْباع الإسلام - تبعًا للحُريَّة - أنْ يُدافِعُوا عن دينهم، ويُبَيِّنُوا موقفه الحقيقي من القضايا التي لا تزال تُثير جَدَلاً فكريًّا وثقافيًّا.<br />
  <br />
 <font color="#800000">ولتَكُن أولى القضايا التي نقف معها من قضايا الحرية: </font>حرية الفرد في أن يلبسَ ثيابه وحذاءَه كيف شاء، ويأكُل ويشرَب كيف شاء، وينام كيف شاء، إلى غَيْر ذلك من أُمُور الحياة الشخصيَّة للإنسان.<br />
  <br />
 <font color="#800000">فالعلمانيون يتَّهِمُون الإسلامَ بأنه يحدُّ مِن حُريَّة الشَّخص في هذه الأُمُور؛ </font>إذْ تأتِي النُّصُوص بأنَّ الأكل والشرب لا بُدَّ أن يكونَ باليمين، وأن الثوب والبنطال لا ينبغِي أن يكونَ أسفل من الكعبَيْن، وأن النوم يكون على الشقِّ الأَيْمن، وأن على الرجل إعفاء لحيته، وقص شاربه، وأنَّ الاستنجاء باليسار، إلى غير ذلك من النصوص الشرعية في باب الآداب والسلوك، وبعضها يَتَحَدَّثُ عُلماء الإسلام عن تَحَتُّمه وَوُجُوبه، وبعضها يقولون بنَدْبِه واستحبابه.<br />
  <br />
 <font color="#800000">وللجواب عن هذه الشبْهة، يجب بدايةً طرْح هذا السؤال:</font> <font color="#3366ff">هل الإنسانُ يملك حريَّة حقيقية في ممارسته لعاداته الشخصية في حياته اليومية؟</font><br />
  <br />
 سؤال غريب بعض الشيء، ولكنه غير خارج عن قواعد التفكير العقليَّة، والإجابة تحتاج إلى صدْق وعدْل، وتجرُّد وحياد.<br />
  <br />
 إنَّ منَ الصعوبة بمكان أنْ نُجيب بـ(نعم) على هذا السؤال؛ ذلك أن الواقع يُكَذِّبنا إذا جاءتْ إجابتنا بـ(نعم)؛ فالإنسانُ بِحُكْم كونه اجتماعيًّا بطَبْعه، لا ينفكُّ عن تقليد الآخرين ومحاكاتهم في السلوك الشخصي.<br />
  <br />
 <font color="#800000">السؤال مرة أخرى بصورة أوضح: </font><font color="#3366ff">هل سبق أنْ رأينا إنسانًا يلبس ثيابَه، أو يتناول طعامه، بطريقةٍ مبتَكَرةٍ خالصة من عند نفسه، لا يخضع فيها لتأثير عادة من عادات أحدٍ منَ الناس القريبين منه، أو البعيدين عنه؟</font><br />
  <br />
 يعني: قدْ رَأَيْنا الناس يتناوَلُون الطعام بأيديهم مباشرة، أو بالملاعق، أو بالشوكة والسكين، بحسب البيئة التي يعيش فيها الفرْدُ، لكن هل وجدْنا أحدًا من الناس يتناول الطعام بحذائِه مثلاً؟! وإذا وُجد هذا المثال، فهل هذا الشخص ينفرد بهذا الفعل دون جميع الناس؟ أو إنه يُقَلِّد في ذلك طائفة مُعينة، ينتمي إليها، أو يُعجَب بها؟<br />
  <br />
 وقلْ مثل هذا في لبْس الثياب، فأنت لا تجد أحدًا يَبْتَكِر طريقةً مُعينةً في ارتداء ثيابه، بل هو مُقَلِّدٌ لِمُجْتَمعه، أو لطائفة من مجتمعه، أو لطائفة أخرى تعيش خارج مجتمعه، ينتمي إليها عقديًّا، أو فكريًّا، أو مزاجيًّا.<br />
  <br />
 <font color="#800000">إذا ثَبَتَ هذا،</font> وأن الإنسان ليس له شخصية في سُلُوكه الشخصي إلا في أندر النادر، بل غاية حُرِّيته أنْ يَخْتار بين ما هو مَوْجُود وقائم بالفعل، فأيُّ ضيرٍ على الإسلام أن يرشدَ أتباعه إلى اختيار النموذج الذي شرَعه الله - وهو خالقهم - دون النماذج الذي اخترَعها بشَر أمثالهم؟!<br />
  <br />
 إنَّ بعضَ الشباب والفتيات المولعين بجديد الموضة، قد يرْفَعُ عقيرتَه مَخْدوعًا بالدعاوى الباطلة، بأنه حرٌّ في أن يلبسَ ما يشاء، دون قَيْد من دين، أو خُلُق، أو عادة مجتمع، ونسي هذا المسكين أو تلك المسكينة أنهم لا حرِّيَّة لهم في واقع الأمر، فهم لا يُنشِئُون هذه الموضات من تِلقاء أنفسهم، بل غارِقُون حتى آذانهم في تقليد طريقةٍ مُعينةٍ، رآها مُصَمِّم الأزياء أو مصممة الأزياء - اللذين هما دون غيرهما يُمارسان حرية الاختيار في طريقة الملبس - ولَم يَدْر بخلَد هذا الشابِّ أو هذه الفتاة أن يقفَ مع نفسِه لحظةً ويُفَكِّر: ما الحامل له على اتِّباع هذه الطريقة من الملبس؟ أَلِأَنَّ المطرِبَ الفلاني يفعلها، أو الممثلة الفلانية ترتديها، أو لاعب الكرة يمشي عليها؟<br />
  <br />
 <font color="#3366ff">أليس منَ النقص أن يكونَ الإنسان رهينًا لذَوْق غيره، أو مزاج الآخرين إذا كان الإنسان يستشعر في داخله قيمة نفسه، وعِظم قدرها، وحريتها واستقلالها؟</font><br />
  <br />
 ثم إذا كان مصيرُ الإنسان في هذه الأشياء إلى التقليد ولا بُدَّ، أفَلَيْسَ أرفع له وأسمى أن يحتذيَ في عاداته نموذجات إلهيَّة، لا يشعر بنقص ولا عار في الاحتذاء بها أو تقليدها؟!<font color="#3366ff"> أليس هذا أجْدَر به من تقليد بشَر مثله، يعانون النقْص البشَري، كما يعانيه هو؟!</font><br />
  <br />
 ما أعظمها من رفعة للإنسان حين يرى نفسه في ظِلِّ الإسلام، مُتَحَرِّرًا من تأثير عادات المجتمع وقيوده! فهو يأكُل ويشرب، ويلبس وينام، على الطريقة التي أرشدها إليها ربُّه وخالقُه، فيُمَحِّص عادات المجتمَع، ويُحاكمها إلى ما يؤمن به، وليس ينساق وراءَها كالبهيمة العجماء، مُقَلِّدًا أو محاكيًا.<br />
  <br />
 <font color="#800000">وهكذا يلتزم المسلمُ بمنهجٍ سَماوي غير أرضي، </font>فيشعر بالحرِّيَّة الحقيقية، حين يرى غيره واقعًا في أغلال وقُيُود تقليد الآخرين ومحاكاتهم، كما تُحاكي الببغاء كلام صاحبها.<br />
  <br />
 <font color="#800000">بقي أن نقول</font>: إنَّ الإسلام إذ يُرشِد أتباعه إلى هذا السمُو وهذه الرفعة، لا يفرضها فرضَ إلزامٍ وحتم دائمًا، بل يندبهم إلى الأخْذ، ويُرَغِّبهم في ذلك، فإن فعلوا فبها ونِعْمَتْ، وإلاَّ فقد حَرَمُوا أنفسهم من الأجْر، اللهم إلاَّ في أُمُور قليلةٍ جدًّا، يمنعهم من فِعْلها إلزامًا؛ لِمَصْلحةٍ أكبر للشخْص أو للمجتمع.<br />
<br />
                                                                                    <br />
<br />
</font><br />
<font size="5"><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331864</guid>
		</item>
		<item>
			<title>متابعة التطور العلمي ضرورة</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331862&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sat, 26 Sep 2026 09:58:50 GMT</pubDate>
			<description><![CDATA[*                 متابعة التطور العلمي ضرورة* 
 
                                                                      أبو مالك العوضي 
قديما قالوا: "إذا زل العالِم، زل بزلته عالَم!" 
   
 والمتأمل في تاريخ العلوم على اختلافها يجد هذا الكلام في غاية الصحة! فكم من عالم مشار إليه بالبنان وقع في خطأ...]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center"><b>                 <font size="6"><font color="#ff0000">متابعة التطور العلمي ضرورة</font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font size="5"><font size="6"><font color="#ff0000">أبو مالك العوضي</font></font><br />
<font color="#800000">قديما قالوا:</font> &quot;<font color="#000080">إذا زل العالِم، زل بزلته عالَم!</font>&quot;<br />
  <br />
 والمتأمل في تاريخ العلوم على اختلافها يجد هذا الكلام في غاية الصحة! فكم من عالم مشار إليه بالبنان وقع في خطأ مغتفر له ولا يخلو منه البشر، ثم صار من بعده يتبعونه في هذا الخطأ مئات السنين وأحيانا آلاف السنين!!<br />
  <br />
 فقديمًا كان أرسطو متربعًا على عرش جميع العلوم، وكانت أقواله قوانين وقواعد، قد تناقش وتشرح، أما معارضتها فكان أمرا بعيدا، وأحيانا ضربا من الخيال الجامح!<br />
  <br />
 <font color="#800000">فمثلا </font>افترض أرسطو بالبديهة أن الأجسام الثقيلة تسقط أسرع من الأجسام الخفيفة، ولا شك أن هذا مشاهد في الواقع، ولكن العلم الحديث (منذ جاليليو!) أثبت أن هذا محض خطأ لا أساس له من الصحة!!<br />
  <br />
 <font color="#800000">والآن</font> صارت هذه المعلومة من الأساسيات التي يدرسها طلاب المدارس ولا يكاد يجهلها أحد.<br />
  <br />
 وقُل مثل ذلك في نظرية الشعاع الضوئي الذي يخرج من العين، بعد أن ثبت بطلانها بجلاء لا يحتمل الشك، مع أنك لو طالعتَ الكتب القديمة في مختلف الثقافات لوجدت هذا الأمر مُقررًا لا مجال للنقاش فيه!<br />
  <br />
 وكذلك نظرية الهيولَى والصورة، ونظرية الجواهر والأعراض التي لا مكان لها في العلوم الحديثة؛ إذ الأعراض ما هي إلا تحول معين للأجسام، بل إن بعض الأجسام تبدي أحيانا سلوكا يجمع بين طبيعتين في آن واحد!! أعني الموجية والذرية.<br />
  <br />
 وأما نظريات بطليموس التي كانت أساسًا للدراسات الفلكية لقرون طويلة فقد صارت مجرد تاريخ علمي لا أكثر بعد أن ثبت بطلانها بما لا يشك فيه عاقل!<br />
  <br />
 والأمثلة كثيرة متنوعة سهلة المنال لمن أراد أن يتتبعها على مدى التاريخ العلمي للبشر جميعا. وكثير منا يعرف ذلك، ولكنه مع ذلك يقع في الخطأ نفسه دون أن يشعر!<br />
  <br />
 <font color="#800000">فمثلا:</font> نظرية داروِن في النشوء والارتقاء لا يعرف كثير من الناس أنها منقوضة في كثير من جوانبها، وأن أول من نقضها هو دارون نفسه، ثم تلاه ما لا يحصى من الباحثين!<br />
  <br />
 وبرهانُ التطبيق المشهور عند المتكلمين لا يزال أكثرُ الناس يدرسونه في كتب المنطق والكلام دون أن يعرف أحد أنه مبني على جهل عظيم باللانهايات التي كشفت الرياضياتُ الحديثة النقابَ عن كثير من خصائصها.<br />
  <br />
 ومن عرف هذه الرياضيات الحديثة ثم قرأ كلام الأسلاف في الجزء الذي لا يتجزأ وبراهين بطلانه لا يملك إلا أن يضحك بملء فيه من هذا التخلف العظيم.<br />
وما زال بعضُ الناس يقرأ لديكارت وكانط ونيتشه وغيرهم من أعلام الفلاسفة، ولا يدري شيئًا عن البحوث التي جاءت بعدهم ووضحت ما وقعوا فيه من أخطاء بحيث لم يعد هناك مجال للشك في بطلانها.<br />
  <br />
 وأما نظرياتُ المنطق الأرسطي فما زالت متربعةً على عرش الدراسات المنطقية في جميع المحافل المدرسية والجامعية، مع أن المنطق الرياضي الحديث قد جاء بثورة في هذا الباب، جمعت بين السهولة والصحة والوضوح، فلم يعد هناك حاجة للمنطق الأرسطي على الإطلاق!<br />
  <br />
 بل الأمرُ أعظم من ذلك؛ إذ يحتاج الأمر إلى متابعة دقيقة؛ لأن كثيرا من البحوث والكشوف الحديثة قريبة جدًّا من وقتنا هذا!<br />
  <br />
 <font color="#800000">فمثلا</font> مبدأ عدم التأكد لهيزنبرج صار منقوضًا بكثير من التجارب العلمية التي تثبت عدم صحته!! مع أنه لا يزال يدرس في مدارسنا وجامعاتنا وكأنه قمة التقدم العلمي!<br />
  <br />
 <font color="#800000">ومثلا:</font> نظرية فِرْما التي رأى أكثر الناس قديمًا أنه لا يمكن إثباتها، نجح أحدُ الباحثين المعاصرين في إثباتها برياضيات عالية لا يمكن أن يكون فرما على علم بها.<br />
  <br />
 أقول هذا وما زال بعض الناس يجادلُ في كروية الأرض ودورانها حتى الآن، مع أنه يمسك الجوال في يديه ويدخل الإنترنت ليل نهار!!<br />
  <br />
 وأضف إلى هذا كثيرًا من الأساتذة والدكاترة الذين لا يملكون مجرد بريد إلكتروني!!<br />
  <br />
 وكثيرًا ما يقرأ الإنسانُ لبعض العلماء المتقدمين قولا عجيبًا، قد يغتر به بعض المبتدئين أو غيرهم من المتهوّكين، ولا يعرف المسكينُ أن هذا القول قد صار مهجورًا تماما عند أهل العلم بعد أن أظهرت بحوثُ العلماء المتأخرين أن هذا القول لم يكن له أي أساس، ولم يبن إلا على غياب بعض المعلومات التي بثبوتها يسفر الحق ويشرق.<br />
  <br />
 <font color="#800000">إن المتخصص في فن </font>من الفنون يحتاج إلى معرفة تاريخ هذا الفن كله، والاطلاع على أكثر ما ألف فيه على مدى التاريخ، ولا سيما البحوث والكشوف الأخيرة التي قد يظهر فيها إسقاط كثير مما كان يقول به الأسلاف.<br />
  <br />
 <font color="#800000">وأما غير المتخصص </font>فقد يكفيه أن يتابع ما عليه أعلام هذا الفن على مر العصور، ولا سيما من المعاصرين؛ لأن الإحاطة بالفنون بعيدة المنال.<br />
  <br />
 ولكن لا ينبغي أن نقع في الخطأ الذي يقع فيه كثير من طلبة العلم وأربابه، ولا سيما في العلوم الشرعية وما يتعلق بها، إذ لا يكادون يقرءون إلا للمعاصرين!! ولا يعرفون من كلام المتقدمين شيئًا، مع أن أكثر هؤلاء المعاصرين الذين يقرءون لهم من أدعياء العلم، أو على أقصى تقدير هم طلبة علم جيدون لا يقاربون المتقدمين في علمهم فضلا عن أن يطاولوهم فيه.<br />
  <br />
 ولا أريد أن أطيل في هذه المسألة؛ لأنها ليست موضوعنا، ولكن التنبيه على مثلها مهم لكثرة الغفلة عنها.<br />
  <br />
 وكثيرًا ما تظهر مسائل في تاريخ العلم يكثر فيها الجدل ويطول فيها الحوار، وتصنف فيها الكتب من الطرفين، وتكثر النقاشات والأخذ والرد، حتى تصل إلى قرون في بعض الأحيان.<br />
  <br />
 ثم بعد ذلك يقررُ العلمُ كلمتَه الأخيرة في المسألة، ويتضح جانبها جليًّا، وتموت الشبهاتُ التي كانت تعرِض للمخالفين، فتجتمع كلمةُ علماء الفن على قول واحد لا يختلفون فيه لكثرة ما ظهر لهم من الأدلة والقرائن والبراهين على صحته.<br />
  <br />
 ثم يأتي بعد ذلك جاهلٌ لم يطلع على شيء من ذلك، ولم يقرأ إلا كلامًا لأحد القدماء ممن عاصر مرحلة الجدل والأخذ والرد، فيغتر بكلامه، أو على الأقل يحسب أن المسألة ما زالت خلافية تحتمل النقاش، وأنه أهل لدراستها وإبداء القول فيها!<br />
  <br />
 ولا يدري المسكين أن المسألة قد قتلت بحثًا ولا مجال للكلام فيها بعد ذلك، والأدهى أنه قد يظن نفسه من المجددين الذين يردون على الأقوال التي يشيع الخطأ فيها عند جميع الناس!!<br />
  <br />
 <font color="#008080">وقد يقول قائل:</font><br />
<font color="#3366ff">لماذا تحجّر على المفكر أن يفكر وأن يخالف وأن يأتي بآراء وترجيحات وإن خالفت قول أكثر الناس؟!! ألم يحدث هذا مع أينشتين، عندما أصلح قوانين نيوتن؟ ألم يحدث هذا مع كبلر عندما أثبت خطأ قوانين بطليموس؟ ألم يحدث هذا مع جاليليو عندما خطأ قوانين أرسطو؟!</font><br />
  <br />
 <font color="#000000">فما المانع أن تكون النظريات العلمية الحالية خاطئة ويأتي من يصلحها.</font><br />
  <br />
 <font color="#008080">فالجواب:</font><br />
أن هذا إن كان ممكنًا فإنما يأتي من المتخصصين في الفن الذين هم أعلم العلماء فيه، كالأمثلة المذكورة، وأما أن يأتي (سَبَّاك) بنظريات تهدم المعارف الهندسية، فهذا ما لا يعقل!<br />
  <br />
 وأما أن يأتي (<font color="#000080">تمرجي</font>) فيقدم نظريات طبية تخطئ المجمع عليه طبيًّا، فهذا ما لم يكن ولا يكون!<br />
  <br />
 وإنما ضربتُ هذين المثالين؛ لأنه لا يختلفُ فيهما العقلاءُ إن شاء الله، ولكن العجب العجاب أنه عند تطبيق ذلك على الدين تجده على خلاف ذلك؛ إذ لا بأس عند هؤلاء أن يأتي أجهل الناس بالشرع بمذهب التنوير والتجديد ويخالف ما أصّله علماء المسلمين في مئات السنين، بدعوى حرية الاجتهاد وعدم حكر الشرع على أحد!!!!<br />
  <br />
 <font color="#800080">والله المستعان.</font><br />
<br />
                                                                                    <br />
<br />
</font><br />
<font size="5"><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331862</guid>
		</item>
		<item>
			<title>{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331861&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sat, 26 Sep 2026 09:55:27 GMT</pubDate>
			<description>*                 {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}* 
 
                                                                      د. فارس العزاوي 
                                                                                                                                 لازال الحديث عن مفهوم...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><b>                 <font face="arial"><font size="6"><font color="#ff0000">{فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}</font></font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font face="arial"><font size="5"><font size="6"><font color="#ff0000">د. فارس العزاوي</font></font><br />
                                                                                                                                 <font color="#800000">لازال الحديث عن مفهوم الجهاد</font> هو السائد في أوساط المسلمين اليوم بشتى اتجاهاتهم ومشاربهم، وباختلاف مستوياتهم العلمية؛ لكون دواعيه قائمة مستمرة في واقع هذه الأمة، وهو أمر في الواقع ليس غريبًا كون مفهوم الجهاد من المفاهيم التي وضعها الشرع وفصل أحكامها، ولو بقي الخوض فيه في إطار البحث والدراسة ومذاكرة العلم لكان أمرًا مستساغًا بل مطلوبًا، ولكن الإشكال يكمن في كون هذا المفهوم أصبح كتابًا مفتوحًا يسطر فيه من شاء ما شاء بالقول أو بالفعل، في الوقت الذي يعتبر فيه هذا المفهوم من المفاهيم الدقيقة التي تحتاج إلى نظر وتعميق وتحقيق.<br />
  <br />
 والذ<font color="#800000">ي جعل هذا المفهوم الدقيق عرضة للعامة قبل الخاصة </font>ما تمر به الأمة من أحوال ضيق وضعف وغزو واحتلال وقل غير ذلك، كل هذا قد استدعى الكثيرين الخوض فيه ممن لم يتأهل للعلم والنظر في أحكامه ولم يمتلك ناصية العلم وآليته، فنتج عن ذلك إصدار فتاوى ورسائل وأحكام لا تمت إلى العلم بصلة، ولم يكن للعلماء دور في تهذيبها أو تمحيصها أو تزكيتها فضلاً عن تبنيها، وإنما كانت الحماسة غير المنضبطة هي رائدها، وإذا كانت مدعومة بالأدلة، فإنما هي أدلة أريد بها الاستظهار لحكم مسبوق على الدليل، فكان الدليل داعمًا للحكم المراد لا مرجعًا له والفرق واضح ولا شك، ولا تكفي في هذا المقام النية الصالحة وإخلاص العمل فهذا أمره إلى الله، والحكم في الظاهر مبني على موافقة العمل للشرع فحسن القصد لا يغني عن سداد المنهج.<br />
  <br />
 وهذه الظاهرة الخطيرة أفضت إلى قراءة النص قراءة منقوصة مبتورة عن أصلها وعن سياقها الذي ينبغي مراعاته عند استنباط الأحكام ومن المعلوم أن العلماء ذكروا مراحل متعددة لاعتبار الحكم الشرعي عند استخراجه تتمثل في الاستنباط والتحقيق والتدقيق والتنزيل، وهي مراحل تنطلق من تصور المسائل قبل طلب الدليل لها، وطلب الدليل يتضمن مرحلة التحقيق والتدقيق وهما مرحلتان الغرض منهما معرفة مقاصد النص وحكمه، ثم تأتي مرحلة التنزيل في الواقع لبيان موائمة الحكم للواقع من عدمها وهو ما يسمى عند أهل العلم بتحقيق المناط، إننا بحاجة ماسة اليوم إلى إدراك المفاهيم وتجليتها، مما يؤكد دور العلماء في واقع أضحت المفاهيم فيه ملتبسة، وفي زمن تصدر فيه أنصاف المتعلمين، وفي ظرف أضحى إسقاط العلماء وانتقاصهم ميزة لأولئك المتعالمين، إنه زمن يصح أن نطلق عليه زمن الفوضى الفكرية في أمر الجهاد، وسوف ننجر - إن لم نتدارك أمورنا وأوضاعنا - إلى معارك فكرية وصراعات مفاهيمية نخشى أن تفضي إلى إشغال الأمة وإضعافها أكثر مما هي عليه الآن، ولذلك نحذر علمائنا وعقلائنا وأهل الأمر فينا - إن بقي الحال على ما هو عليه الآن في هذه الفوضى الفكرية من جر الأمة إلى مزيد من إراقة الدماء وإزهاق الأرواح وانتهاك الحرمات بحجة الجهاد في سبيل الله وليس ذلك ببعيد على أهل الغلو والتشدد.<br />
  <br />
 <font color="#800000">ومن المهم أن ننبه في هذا المقام </font>على أن انتقادنا لبعض الممارسات الخاطئة في قراءة الجهاد ليس معناه عدم مشروعية الجهاد، فمشروعيته قائمة ومحكمة ليست منسوخة ولكن إذا تحققت أركانه ووجدت دواعيه لا أن نجر الأمة إلى ساحات جهادية مزعومة - إن صح هذا التعبير - تفضي بها إلى مفاسد كبيرة لا تحمد عقباها كما هو مشاهد ومحسوس، فلا يلزم من انتقادنا الممارسات الخاطئة لمفهوم الجهاد القول بعدم مشروعيته.<br />
  <br />
 <font color="#008080">وفي هذه الأسطر بيان<b> لبعض المخالفات المنهجية التي تم رصدها لدى بعض الإخوة ممن يرون العمل الجهادي والتحريض عليه ودفع الناس إليه، والتصدي للخوض فيه: </b></font><br />
 <font color="#800000"><b>- ينطلق الإخوة </b></font><font color="#800000"><b>من فرضية أن الجهاد اليوم فرض عين على جميع الأمة</b>، لكون جزء منها محتلاً،</font> ويستندون في ذلك على نصوص عامة مطلقة غير مقيدة، وفتاوى سابقة صدرت عن بعض العلماء والمشايخ، ولذلك لا يشترطون الاستئذان، ولا ينتظرون فتوى عالم أو مجتهد من أجل النظر في مثل هذه المسائل الدقيقة.<br />
  <br />
 <font color="#008080">والقول بفرضية العين في هذه المسألة الدقيقة فيه نظر من عدة أوجه، ومنها:</font><br />
 <font color="#3366ff"><b>الأول: </b></font>إن فرضية الجهاد العينية إنما تخص أهل البلاد التي احتلها الكفار أو داهمها إلا إذا لم تتحقق الكفاية بهم وهذا مرده أهل العلم والخبرة وليس لكل أحد أن يحدد كون الجهاد فرض عين أو فرض كفاية، قال النووي: &quot; وأما غير أهل تلك الناحية - أي من الذين داهمهم العدو أو احتل ديارهم - فمن كان منهم على دون مسافة القصر، فهو كبعضهم، حتى إذا لم يكن في أهل البلد كفاية، وجب على هؤلاء أن يطيروا إليهم، وإن كان فيهم كفاية، ففي وجوب المساعدة عليهم الوجهان، ومن كان على مسافة القصر، إن لم يكن في أهل البلدة والذين يلونهم كفاية، وجب عليهم أن يطيروا إليهم، فإن طار إليهم من تحصل به الكفاية، سقط الحرج عن الباقين، وهذا معنى قول البغوي: إذا دخل الكفار دار الإسلام، فالجهاد فرض عين على من قرب، وفرض كفاية في حق من بعد، وعلى هذا فحكم أهل الأعذار على ما ذكرناه في الضرب الأول وفيه وجه، أنه يجب على جميعهم المساعدة والمسارعة وليكن هذا في الأقربين ممن هو على مسافة القصر، وإن كان في أهل البلدة والذين يلونهم كفاية، فالأصح أنه لا يجب على الذين فوق مسافة القصر المساعدة؛ لأنه يؤدي إلى إيجاب على جميع الأمة، وفي ذلك حرج من غير حاجة ..&quot;[1].<br />
  <br />
 وقال ابن قدامة إذا داهم الكفار دار الإسلام: &quot; إذا جاءهم العدو صار الجهاد عليهم فرض عين، فوجب على الجميع، فلم يجز لأحد التخلف عنه، فإذا ثبت هذا، فإنهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير؛ لأن أمر الحرب موكول عليه، وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم، ومكامن العدو وكيدهم، فينبغي أن يرجع إلى رأيه، لأنه أحوط للمسلمين&quot;[2].<br />
  <br />
 وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته المطبوعة مع الفتاوى: &quot;والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد أهل الدين الصحيح الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا&quot;[3]. وبهذا يثبت لنا عظم الفتنة والمفسدة التي تترتب على ذهاب الشباب إلى أرض العراق وغيرها دون أن تكون لهم خبرة بتلك الأرض ولا علم بها، وكان في خروجهم المخالفة بحكم جهلهم بالوضع، وعدم الرجوع إلى أهل العلم.<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>الثاني</b>: </font>إن الحكم بالوجوب العيني - لو سلمنا به - في هذه المسألة إنما هو حكم متعلق بنازلة معينة، فيكون مستنده ومرده النازلة التي صدرت فيها هذه الفتوى، والنوازل كما هو معلوم يتعامل معها كلاً بحسبها، ولذلك لا يمكن تعميمها على كل نازلة، هذا من جهة ومن جهة أخرى لم يقل أحد من العلماء المعتبرين اليوم - حسب علمي - : إن الجهاد في العراق أو في غيره فرض عين على جميع الأمة.<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>الثالث</b>:</font> إذا سلمنا جدلاً أن الجهاد فرض على جميع الأمة، فإن الحكم هنا وتعميمه على المكلفين مبني على جانب واحد فقط هو الحكم التكليفي مع إغفال الحكم الوضعي الذي اعتبرته النصوص الشرعية واعتبره العلماء وجعلوه قاعدة أصولية ينبغي اعتبارها في كل حكم تكليفي، ولا يكتفى بكون الأمر واجبًا عينيًا أو واجبًا كفائيًا، والحكم الوضعي في مسألتنا متعلق بتحقق شروط وانتفاء موانع، ومن أعظم شروط هذه المسألة هو القدرة، والقدرة أمر نسبي يوكل أمره إلى العلماء وليس إلى غيرهم؛ وميزانها - كما أخبر بذلك العلماء - إنما هو المصلحة المترتبة على الفعل والترك، وأن شرط المصلحة أن تكون منضبطة بضوابط الحق والعدل، وتتطلب معرفة بمقاصد الشريعة والفقه بقواعدها وأحكامها، وتتطلب عقلاً راشدًا قادرًا على النظر والتمييز والتقدير لتحديد الضروري من الحاجي وهذا من التحسيني، وتحديد الراجح والمرجوح، والمصلحة الكبرى من الصغرى، والحقيقية من الظنية، والشاملة من الجزئية، والعامة من الخاصة، وتحديد المفسدة الكبرى من الصغرى، والتمييز بين ما هو من قبيل جلب المصلحة وما هو من قبيل درء المفسدة، وبين ما هو من مصالح الدين وما هو من مصالح الدنيا .. الخ، وهذه الأمور لا يمكن أن يخوض فيها إلا خواص العلماء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى: &quot;الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما&quot;[4].<br />
  <br />
 فمن الذي يقوم بذلك وبيانه وتوضيحه للناس عند التباس الأمور، وظهور المشكلات التي لا تجعل الناس في حيرة وريبة وتردد واختلاط الحق بالباطل دون تمييز لولا وجود العلماء، وصدق رسولنا عليه الصلاة والسلام: &quot;إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور العلماء، إنما يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالاً فأفتوا الناس فضلوا وأضلوا&quot;[5].<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>الرابع</b>:</font> ولو سلمنا بفرضية الجهاد العينية، فإن هذا القول إذا صح إنما يسع أهل البلاد التي داهمهم فيها الاحتلال وغزا فيها ديارهم ولا إشكال في ذلك، وأما أهل البلاد الأخرى من المسلمين فكيف نلزمهم بالجهاد العيني مع انتفاء القدرة على ذلك، ومن المعلوم أن معالم الأمة سابقًا تختلف عن معالمها اليوم كما يقول الفقهاء المعاصرون، فهي في السابق تميزت بوحدة الخلافة، ووحدة المرجعية، ووحدة الدار، والمسلمون في ظل هذه المميزات يمكنهم مساعدة إخوانهم من أهل البلاد المنكوبة والمحتلة، ولكن مع تغير هذه المعالم في أمتنا اليوم، حيث البلاد مقسمة إلى دول تحكمها حكومات متعددة مختلفة المشارب، والمرجعيات مختلفة ففي كل بلاد علماؤها ومفتوها، ومع هذه المعطيات المستجدة فكيف نلزم الناس بأمر لا يطاق، والواقع أثبت أن الناس عاجزون عن ذلك، وقبل هذا وهذا فإن الأمر موكول إلى علماء كل بلاد ومرجعيتها - مع اعتقادنا أن بلاد الإسلام واحدة، ورفضنا لحالة التجزؤ والتفرق التي عليها اليوم - فلهم النظر في المصالح الشرعية ومدى تحقيقها في واقع الأمة اليوم، مراعين قواعد الشرع وضوابطه، وإشاعة مثل هذه الفتوى في الواقع لا يؤدي إلا إلى مزيد من الفتن كما هو ظاهر، وإشغال الأمة بما يضعفها عما يقويها والله المستعان، ولا يشكل هذا مع ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته العلمية: &quot;إذا دخل العدو بلاد الإسلام، فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة&quot;[6].<br />
  <br />
 فإن هذه الفتوى كما أسلفنا إنما تنطبق على الحال السابق أما اليوم فلا يتأتى الأخذ بها لتغير الحال، ولاختلاف معالم الأمة، واختلاف مدارك الأحكام فلا تعمم، وهذا لا يمنع من القول إن قادة الأمة مطالبون بحمايتها والدفاع عنها والحفاظ على بيضتها، لكن علينا أن نراعي الواقع الذي يعيشه المسلمون، ومن المعلوم أن الفتوى تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال.<br />
  <br />
 <font color="#008080">وينبني</font><font color="#008080">على القول بفرضية الجهاد العينية، مخالفة منهجية أخرى وهي:</font><br />
 <font color="#800000"><b>- تعطيل مصالح الأمة بحجة أن الجهاد فرض عين</b>، فتتوقف </font>كل النشاطات التي تصب في خدمة هذا الدين والدعوة إليه، من طلب للعلم، ونشر له، ودعوة إلى الله، واهتمام بحقوق الناس ورعاية حاجاتهم، وأمر بمعروف ونهي عن منكر وغير ذلك، والواقع أن هؤلاء الأخوة جهلوا الواقع الذي يدعون فهمه وفقهه، وأغفلوا عن جهل أو تجاهل فقه الأولويات ومراتب الأعمال، وهذا من أوجه عدة، منها:<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>أولاً: </b></font>من المعلوم أن الجهاد في الشريعة من الوسائل وليس من المقاصد، وتقديمه على المقاصد المطلوبة لذاتها، تقديم لأمر مطلوب تأخيره بحكم كونه وسيلة ويترتب عليه تأخير أمر مطلوب تقديمه، قال الخطيب الشربيني: &quot;وجوب الجهاد وجوب الوسائل لا المقاصد، إذ المقصود بالقتال، إنما هو الهداية وما سواها من الشهادة وأما قتل الكفار فليس بمقصود حتى لو أمكن الهداية بإقامة الدليل بغير جهاد، كان أولى من الجهاد&quot;[7].<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>ثانيًا:</b> </font>إن من مقاصد الشريعة تعبيد الناس لرب العالمين، ونشر التوحيد ونبذ الشرك، وتهذيب عقائد الناس، خاصة مع انتشار البدع والمحدثات والانحرافات العقدية من تعظيم للقبور وتوجه لها واستغاثة بها وغير ذلك، وهذا يقتضي تخصيص جهود كبيرة لتحقيق هذا المقصد، والدعوة إلى الجهاد بالطريقة التي يقوم بها هؤلاء الأخوة تعتبر تعطيلاً لهذا المقصد الذي جعله الشارع أصلاً وأساسًا لهذا الدين.<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>ثالثًا:</b></font> يلزم من التركيز على جانب واحد من جوانب الشريعة، تفويت جوانب أخرى منها، وهذا يترتب عليه بالضرورة الجور على حقوق أخرى يجب مراعاتها، وواجبات أخرى يجب تأديتها.<br />
  <br />
 <font color="#000080"><b>-</b></font><font color="#800000"><b> الاعتماد على الشحن العاطفي</b>؛ نتيجة ما تمر به الأمة من ويلات وشدائد، </font>وما يمر به المسلمون في بعض أجزاءها من قتل وتشريد وتهجير وغيرها، وهذا ليس دليلاً للخوض في هذه المسائل العظيمة بلا ضوابط شرعية، ولا تأصيل شرعي صحيح، ومن المعلوم أن أهل السنة والجماعة رائدهم الدليل وقائدهم الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح، ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما أصاب الأمة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث دب الخلاف بين الصحابة حول الحكم وكاد القتال أن ينشب بينهم لولا أن الله قد هيأ كبار الصحابة وعلمائهم للتصدي لهذا الخلاف ودفعه، ووضع الأمر في نصابه، ولم تكن العاطفة في يوم ما مرجعًا شرعيًا أو أصلاً ضابطًا لمثل هذه المسائل، بل في الغالب تكون مفسدة يعم فسادها العباد والبلاد والواقع خير شاهد.<br />
  <br />
 ويكفينا في التدليل على ذلك ما قاله الشاطبي مدللاً على الانضباط بضوابط العلماء والسير في ركابهم والأخذ بمنهجهم: &quot;وللعالم المتحقق بالعلم أمارات وعلامات تتفق مع ما تقدم، وإن خالفتها في النظر. وهي ثلاث: <font color="#3366ff">إحد</font><font color="#3366ff">اها: </font>العمل بما علم حتى يكون مطابقًا لفعله .. <font color="#3366ff">والثانية:</font> أن يكون ممن رباه الشيوخ في ذلك العلم، لأخذه عنهم، ملازمته لهم؛ فهو الجدير بأن يتصف بما اتصفوا به من ذلك، وهكذا شأن السلف الصالح: فأول ذلك ملازمة الصحابة - رضي الله عنهم - لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأخذهم بأقواله وأفعاله، واعتمادهم على ما يرد منه، كائنًا ما كان، وعلى أي وجه صدر، فهم - فهموا مغزى ما أراد به أو لا، حتى علموا وتيقنوا أنه الحق الذي لا يعارض، والحكمة التي لا ينكسر قانونها، ولا يحوم النقص حول حمى كمالها، وإنما ذلك بكثرة الملازمة، وشدة المثابرة، وتأمل قصة عمر بن الخطاب في صلح الحديبية ...&quot;، ثم قال: &quot;فهذا من فوائد الملازمة، والانقياد للعلماء، والصبر عليهم في مواطن الإشكال، حتى لاح البرهان للعيان. وفيه قال سهل بن حنيف يوم صفين: أيها الناس: اتهموا رأيكم؛ والله لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددته. وإنما قال ذلك لما عرض لهم فيه من الإشكال، وإنما نزلت سورة الفتح بعد ما خالطهم الحزن والكآبة لشدة الإشكال عليهم، والتباس الأمر، ولكنهم سلموا وتركوا رأيهم حتى نزل القرآن، فزال الإشكال والالتباس . وصار مثل ذلك أصلاً لمن بعدهم، فالتزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى فقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية، وحسبك من صحة هذه القاعدة أنك لا تجد عالمًا اشتهر في الناس الأخذ عنه إلا وله قدوة اشتهر في قرنه بمثل ذلك، وقلما وجدت فرقة زائغة، ولا أحد مخالف للسنة، إلا وهو مفارق لهذا الوصف&quot;[8].<br />
  <br />
 <font color="#000080"><b>- </b></font><font color="#800000"><b>التوسع في بناء الأحكام على فتوى تترس الكفار بالمسلمين</b>،</font> فأفضى ذلك إلى إباحة دماء المسلمين عند اختلاطهم بالكفار دون تمييز، والأصل المستند عليه في هذه الأحكام مسألة مشهورة عند العلماء تكلم فيها الغزالي في المستصفى، وتكلم بها غيره من العلماء، والواقع أنه لا حجة لهم في بناء الأحكام عليها إلا إذا تحققت الشروط التي اعتبرها العلماء فيها، قال الغزالي مبينًا المصالح الواقعة في مرتبة الضروريات: &quot;<font color="#000080"><b>أما الواقع في رتبة الضرورات، فلا بعد أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد</b>، </font>وإن لم يشهد له أصل معين.<br />
  <br />
 <font color="#800000">ومثاله:</font> أن الكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين فلوا كففنا عنهم، لصدمونا وغلبوا على دار الإسلام، وقتلوا كافة المسلمين. ولو رمينا الترس، لقتلنا مسلمًا معصومًا لم يذنب ذنبًا، وهذا لا عهد به في الشرع. ولو كففنا لسلطنا الكفار على جميع المسلمين، فيقتلونهم، ثم يقتلون الأسرى - أيضًا - . فيجوز أن يقول قائل: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع، لأنا نعلم قطعًا: أن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم، قدرنا على التقليل. وكان هذا التفاتًا إلى مصلحة، علم بالضرورة كونها مقصود الشرع، لا بدليل واحد، وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر. لكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق - وهو قتل من لم يذنب - غريب، لم يشهد له أصل معين. فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معين. وانقدح اعتبارها ثلاثة أوصاف: أنها <b>ضرورة، قطعية، كلية</b>&quot;[9].<br />
  <br />
 وكلام الغزالي ظاهر في أن هذه المسائل يخوض فيها العلماء المعتبرون المتأهلون للعلم والفتيا والنظر الشرعي وتأصيله، بالإضافة إلى أن شروط مسألتنا التي توسع فيها هؤلاء محاطة بقيود ثلاثة لا يستطيع اعتبارها إلا من تأهل للعلم وتحصن به وكان فقيهًا مجتهدًا.<br />
  <br />
 <font color="#000080"><b>- </b></font><font color="#800000"><b>الخوض في المسائل الدقيقة</b>،</font> وهي مسائل لا يخوض فيها إلا كبار العلماء وخواص أهل العلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: &quot;فالبحث في هذه الدقائق من وظيفة خواص أهل العلم&quot;[10]. لأن هذه المسائل قد يلتبس فيها الحق والباطل، وتختلط فيها المصلحة بالمفسدة، وقد يفضي إلى تزاحم المصالح بعضها مع بعض، والمفاسد بعضها مع بعض، فتحتاج إلى دقة نظر وإعمال فكر واستقراء للأدلة، وهذا لا يسع إلا العلماء الكبار، وليس لطلبة العلم فضلاً عن غيرهم، قال شيخ الإسلام مبينًا الضوابط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: &quot;فتارة يصلح الأمر وتارة يصلح النهي، وتارة لا يصلح أمر ولا نهي حيث كان المعروف والمنكر متلازمين&quot;[11].<br />
  <br />
 هذا في ضوابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو أحد أوجه الجهاد التي دلت عليها الشريعة، فما بالك إذا كان الأمر متعلقًا بالدماء وتفويت النفوس فلا شك يحتاج إلى نظر ثاقب وإعمال للفكر أعمق مما تحتاجه قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن الأمور تلتبس فيه بصورة أكبر، قال ابن عاشور: &quot;وإذا كانت بعض معاني الشريعة ظاهرة بينة، والمصلحة فيها قطعية لا خلاف فيها بين العلماء مهما اختلفت الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة كسائر القطعيات في الشريعة - فإن هناك من المعاني ما يتردد بين كونه صلاحًا تارة وفسادًا تارة أخرى، وهذا معناه اختلال صفة الاطراد فيها، فهذه لا تصلح لاعتبارها مقاصد شرعية على الإطلاق، ولا لعدم اعتبارها كذلك، بل المقصد الشرعي فيها أن توكل إلى نظر علماء الأمة وولاة الأمور الأمناء على مصالحها من أهل الحل والعقد، لتعيين الوصف الجدير بالاعتبار في أحد الأحوال دون غيره صلاحًا أو فسادًا&quot;[12]، وهذا بلا شك أصل مقرر في النصوص الشرعية متفق عليه بين العلماء المعتبرين، ومن ذلك قوله تعالى: {<font color="#339966"><b>وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم</b></font><b>}</b>[13].<br />
  <br />
 <font color="#800000"><b>- تكفير الناس </b></font><font color="#800000"><b>دون مراعاة تحقق الشروط وانتفاء الموانع</b>،</font> وقد يعترض البعض على هذه المخالفة المنهجية بحكم دعواهم أنهم على منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، والواقع أنه قد شاع لدى البعض كما قد سمعناه أن للمسلم - أيا كان اسمه أو رسمه - وبغض النظر عن كونه متأهلاً للنظر في هذه المسألة أو لم يكن كذلك فإن له الحكم على المعين بحكم أن شروط التكفير قد تحققت فيه، وزالت عنه موانعه، والأمر جد خطير، فإن مسألة التكفير من المسائل التي تترتب عليها أحكام كثيرة، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع متعددة من الفتاوى أن هذه المسألة ينبغي اعتبار ضوابطها، وهذه الضوابط لا يمكن معرفة تحققها في المعين - بعد التأكد من كونها كفرًا - إلا عن طريق أهل العلم القائمين بالحجة والبيان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: &quot;اعلم أن مسائل التكفير والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدنيا فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين وحرم الجنة على الكافرين وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان&quot;[14].<br />
  <br />
 وإذا كان هذه المسائل كلية فكيف يخوض فيها من ليس من أهلها أو تأهل للعلم بها، وإنزالها على واقع المعينين، ولذلك نجد أن العلماء حذروا من الخوض فيها دون اعتبار ضوابطها، قال الشوكاني: &quot;اعلم أن الحكم على الرجل المسلم بخروجه من دين الإسلام، ودخوله في الكفر لا ينبغي لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقدم عليه إلا ببرهان أوضح من شمس النهار فإنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة المروية من طريق جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم - أن من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما&quot;[15].<br />
  <br />
 <font color="#008080">ولذلك نجد أن هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية تصدر فتوى في التحذير من التكفير وبيان خطره على الأمة في مجلسها المنعقد بتاريخ 2/4/1419ه- بالطائف، وهذا نصها:</font><br />
 &quot;فقد درس مجلس هيئة كبار العلماء في دورته التاسعة والأربعين المنعقدة بالطائف ابتداء من تاريخ 2/4/1419ه- ما يجري في كثير من البلاد الإسلامية وغيرها من التكفير والتفجير، وما ينشأ عنه من سفك الدماء، وتخريب المنشآت، ونظرًا إلى خطورة هذا الأمر، وما يترتب عليه من إزهاق أرواح بريئة، وإتلاف أموال معصومة، وإخافة للناس وزعزعة لأمنهم واستقرارهم، فقد رأى المجلس إصدار بيان يوضح فيه حكم ذلك نصحًا لله ولعباده وإبراء للذمة وإزالة للبس في المفاهيم لدى من اشتبه عليهم الأمر في ذلك فنقول وبالله التوفيق:<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>أولاً</b>:</font> التكفير حكم شرعي، مرده إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فكما أن التحليل والتحريم والإيجاب إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، فكذلك التكفير وليس كل ما وصف بالكفر من قول أو فعل، يكون كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة. ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن، لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات ولذلك حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحكم بالتكفير على شخص ليس بكافر، فقال: (أيما امرئ قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال وإلا رجعت عليه)[16].<br />
  <br />
 وقد يرد في الكتاب والسنة ما يفهم منه أن هذا القول أو العمل أو الاعتقاد كفر، ولا يكفر من اتصف به لوجود مانع يمنع من كفر، وهذا الحكم كغيره من الأحكام التي لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها كما في الإرث، سببه القرابة - مثلاً - وقد لا يرث بها لوجود مانع كاختلاف الدين، وهكذا الكفر يكره عليه المؤمن فلا يكفر به، وقد ينطق المسلم بكلمة بالكفر لغلبة فرح أو غضب أو نحوهما فلا يكفر بها لعدم   القصد كما في قصة الذي قال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك)[17]، أخطأ من شدة الفرح.<br />
  <br />
 والتسرع في التكفير يترتب عليه أمور خطيرة من استحلال الدم والمال، ومنع   التوارث، وفسخ النكاح وغيرها مما يترتب على الردة، فكيف يسوغ للمؤمن أن يقدم   عليه لأدنى شبهة. وإذا كان هذا في ولاة الأمور كان أشد؛ لما يترتب عليه من التمرد عليهم وحمل السلاح عليهم وإشاعة الفوضى وسفك الدماء، وفساد العباد والبلاد، ولهذا منع - صلى الله عليه وسلم - من منابذتهم فقال: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان)[18]، فأفاد قوله: (إلا أن تروا) أنه لا يكفي مجرد الظن والإشاعة، وأفاد قوله: (كفر) أنه لا يكفي الفسوق ولو كبُرَ، كالظلم وشرب الخمر ولعب القمار وأفاد قوله: (بواحًا) أنه لا يكفي الكفر الذي ليس ببواح أي صريح، وأفاد قوله (عندكم فيه من الله برهان) أنه لابد من دليل صريح بحيث يكون صحيح الثبوت صريح الدلالة فلا يكفي الدليل ضعيف السند ولا غامض الدلالة، وأفاد قوله: (من الله) أنه لا عبرة بقول أحد من العلماء مهما بلغت منزلته في العلم والأمانة إذا لم يكن لقوله دليل صريح صحيح من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -وهذه القيود تدل على خطورة الأمر وجملة القول: أن التسرع في التكفير له خطره العظيم؛ لقول الله عز وجل: {<font color="#339966"><b>قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانًا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون</b></font>}[19].<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>ثانيًا</b>:</font> ما نجم عن هذا الاعتقاد الخاطئ من استباحة الدماء وانتهاك الأعراض وسلب الأموال الخاصة والعامة وتفجير المساكن   والمركبات، وتخريب المنشآت، فهذه الأعمال وأمثالها محرمة شرعا بإجماع المسلمين؛ لما في ذلك من هتك لحرمة الأنفس المعصومة وهتك لحرمة الأموال وهتك لحرمات الأمن والاستقرار وحياة الناس الآمنين المطمئنين في مساكنهم ومعايشهم وغدوهم ورواحهم وهتك للمصالح العامة التي لا غنى للناس في حياتهم عنها وقد حفظ الإسلام للمسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم وحرم انتهاكها، وشدد في ذلك، وكان من آخر ما بلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته فقال في خطبة حجة الوداع: (إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا)[20].<br />
  <br />
 ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: (ألا هل بلغت اللهم فاشهد)، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)[21] وقد توعد   الله سبحانه من قتل نفسًا معصومة بقوله سبحانه في حق المؤمن: {<font color="#339966"><b>ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزآؤه جهنم خَالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا</b></font>}[22]. وقال في حق الكافر الذي له ذمة في حكم قتل الخطأ: {<font color="#339966"><b>فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة</b></font>}[23]. فإذا كان الكافر الذي له أمان إذا قتل خطأ فيه الدية والكفارة، فكيف إذا قتل عمدًا، فإن الجريمة تكون أعظم والإثم يكون أكبر وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة)[24].<br />
  <br />
 <font color="#3366ff"><b>ثالثًا</b>:</font> إن المجلس إذ يبين حكم تكفير الناس بغير برهان من كتاب الله وسنة - صلى الله عليه وسلم - وخطورة إطلاق ذلك، لما يترتب عليه من شرور وآثام، فإنه يعلن للعالم أن الإسلام بريء من هذا المعتقد الخاطئ وأن ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة، وتفجير للمساكن والمركبات والمرافق العامة والخاصة، وتخريب للمنشآت هو عمل إجرامي والإسلام بريء منه وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه وإنما هو تصرف من صاحب فكر منحرف وعقيدة ضالة فهو يحمل إثمه وجرمه فلا يحتسب عمله على الإسلام ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام والمعتصمين بالكتاب والسنة المستمسكين بحبل الله المتين، وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة ولهذا جاءت نصوص الشريعة قاطعة بتحريمه محذرة من   مصاحبة أهله. قال الله تعالى: {<font color="#339966"><b>ومن</b> <b>الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام</b></font><b>}</b>[25].<br />
  <br />
 والواجب على جميع   المسلمين في كل مكان التواصي بالحق والتناصح والتعاون على البر والتقوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن كما   قال الله: {<font color="#339966"><b>وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب</b></font>}[26]. وقال سبحانه: {<font color="#339966"><b>والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أول- ئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم</b></font><b>}</b>[27]. وقال عز وجل: {<font color="#339966"><b>بسم الله الرحمن الرحيم</b></font>}<b><b>[28]</b></b><b>، </b>{<font color="#339966"><b>والعصر</b><b> إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر</b></font>}[29]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (الدين النصيحة قيل: لمن يا رسول الله؟ قال الله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)[30] وقال - صلى الله عليه وسلم -: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)[31].<br />
  <br />
 والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة   ونسأل الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يكف البأس عن جميع المسلمين، وأن يوفق جميع ولاة أمور المسلمين إلى ما فيه صلاح العباد والبلاد وقمع   الفساد والمفسدين، وأن ينصر بهم دينه، ويعلي بهم كلمته وأن يصلح أحوال المسلمين جميعًا في كل مكان، وأن ينصر بهم الحق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم   على نبينا محمد وآله وصحبه &quot;. هذا مع أن الكثير من العلماء قديمًا وحديثًا قد بينوا ضوابط التكفير وأوضحوا شروطه وموانعه، ولعل ما كتبه شيخنا العلامة أحمد بن حسن المعلم في ذلك ظاهر وجلي لمن طلب الحق وبحث عنه، وهو منشور بفضل الله تعالى في مجلة المنتدى.<br />
  <br />
 <font color="#000080"><b>-</b></font><font color="#800000"><b> الانتقاص من أقدار العلماء والطعن فيهم وفي نواياهم ونبزهم بما لا يليق بهم</b>، </font>واتهامهم بالمداهنة للحاكم، وأنهم مشايخ سلطة ودولة، ولذا لا يعتد بهم في علمهم وأقوالهم، بل قد يصل بالبعض إلى تكفيرهم بحكم موالاتهم للطغاة كما يقولون دون مراعاة للضوابط الشرعية في ذلك، ولعل الفتاوى التي صدرت بحق علماء الأمة الكبار كسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز والعلامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني وغيرهما من أبرز الأمثلة على ذلك كما فعل أبو محمد المقدسي وأبو قتادة الفلسطيني، وهناك من الفتاوى التي تحرم الصلاة خلف أئمة الحرمين بحكم كونهم يدعون لحكامهم وأولياء أمورهم كما فعل أبو قتادة، ولا شك أن هذا من الغلو في الدين، والتشدد فيه، والأمر أظهر من أن تساق له الأدلة في هذا الموضع.<br />
  <br />
 ولعلنا نكتفي بمثالين اثنين يدلان على انحراف منهج القوم وإسقاطهم للعلماء والطعن فيهم وفي علمهم من جهة واستسهالهم سفك الدماء وإزهاق الأرواح من جهة ثانية، قال أبو قتادة الفلسطيني في مقال له نشر في مجلة الأنصار العدد 128: &quot;لقد استطاعت الحكومة الطاغوتية السعودية أن تجند الكثير من المشايخ السلفيين في العالم عملاء لها يكتبون لها التقارير الأمنية عن نشاط الحركات الإسلامية، وهذه كذلك نتيجة سننية؛ فإن السلفي الذي يعتقد بإمامة عبد العزيز بن باز، ومحمد بن صالح العثيمين، واللحيدان، والفوزان، وربيع المدخلي، كائنًا من كان هذا السلفي، ومن أي بلد كان فإنه سيعتقد في النهاية بإمامة آل سعود؛ لأن مشايخه هؤلاء يدينون بالولاء والطاعة لآل سعود، فإمام شيخي إمامي، وإمام ابن باز هو إمام السلفيين، ولذلك ففهد بن عبد العزيز هو إمام السلفيين في العالم أجمع ... !!&quot;.<br />
  <br />
 أما أبو محمد المقدسي فقد قال في جواب له على سؤال: <b>هل المشايخ أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز سيتركون الأمة على ضلال؟: </b>&quot;وصلتني رسالتك وصلك الله بحفظه وتوفيقه، وتسأل فيها: هل يترك الشيخ ابن باز  وأمثاله من المشايخ المسلمين على ضلال أم أنهم فيما أفتوا فيه من الخطأ فعلوه خشية الفتنة؟ فاعلم بارك الله فيك أنا لم نؤمر أن نشق عن قلوب الناس ولا أن ننبش عن نواياهم ولم نشتغل يوما قط في قصد ابن باز أو غيره من المشايخ ودوافعهم   القلبية في اجتهاداتهم التي خالفناهم وخطأناهم فيها وإنما يهمنا من ذلك كله التنبيه على الخطأ الظاهر والضلال البين والانحراف الواضح الذي قد يغتر به الشباب ويضلوا في متابعتهم له، ونحن نعرف فيما يظهر لنا أن كثيرًا من فتاوى هؤلاء المشايخ كانوا يبررونها أو يعللونها كما ذكرت في سؤالك بدرء المفسدة أو خوف الفتنة؛ ولكن تعلم بارك الله فيك أن أعظم فتنة في الوجود ليست هي سفك الدماء ونحوه من الفوضى مما  كان يحاذره أولئك المشايخ في فتاواهم التي يتأولون فيها للطواغيت أو يمنعون بها من الخروج عليهم ولو بالكلام والنقد الصريح؛ وإنما أعظم فتنة في الوجود هي الشرك   والكفر بالله كما قد أخبر تعالى بقوله: {<font color="#339966"><b>إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما</b> <b>دون ذلك لمن يشاء</b></font>}، وفي الحديث الذي يرويه البخاري وغيره سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - (أي الذنب أعظم عند الله ؟ فقال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك).<br />
  <br />
 فقوله تعالى: (ا<font color="#339966">لفتنة أكبر من القتل</font>) تعني كما يدل عليه سبب نزولها أن فتنة المسلم عن دينه ورده عن توحيد الله إلى ظلمات الشرك والتنديد سواء بتعبيده للأوثان الحجرية أم بتعبيده للأوثان العصرية أعظم وأكبر عند الله من مفسدة وكبيرة سفك الدماء في الشهر الحرام وهذا أمر بدهي في ديننا عند من يعرف خطر الشرك، ولكن المصيبة إذا قصر البعض معنى الشرك وحجّره على شرك القبور وأغفل منه شرك الدساتير والقوانين والقصور فلا شك أن فتاواه وموازينه ستضطرب عندها؛ لأنه سينظر إلى كثير من طواغيت الحكام على أنهم حكام مسلمون ليسوا بكافرين لكنهم ظالمون على أشد الأحوال؛ وسيقايس أحوالهم بأحوال بني أمية وبني العباس وسينزل أقاويل الأئمة في أولئك الخلفاء على هؤلاء الخوالف من الطواغيت؛ ومن ثم فمن البدهي أن يرى بهذا القياس الفاسد والنظر الزائغ أن فتنة سفك الدماء أعظم من الظلم والفسق الذي هو أعظم وصف لجرائم هؤلاء الحكام عنده !! فإن فساد الفروع نتيجة حتمية عن فساد الأصول وما ينتج من ضلال عن هذه الأفهام السقيمة لا يجوز السكوت عنه أو تبريره وتمريره وتسويغه بدعاوى حسن النية وطيب القصد &quot;.<br />
  <br />
 فهذه بعض المخالفات المنهجية تم عرضها وبيانها تحذيرًا وتصحيحًا للمسار، ونصحًا لكل من تلبس بها أو ببعض منها، رائدنا في ذلك الحق وبيانه، اتباعًا للحق ورجوعًا إلى الكتاب والسنة عند الخلاف والتنازع ببيان أهل العلم المعتبرين، قال تعالى: {<font color="#339966"><b>يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً</b></font><b>}</b>[32]، وقال تعالى: {<font color="#339966"><b>فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون</b></font><b>}</b>[33]، وأسأله تعالى أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا.<br />
  <br />
   <br />
 ــــــــــــــــــــــــــ<br />
 [1]   روضة الطالبين، ج7ص417.  <br />
 <br />
  [2]   المغني، ج13ص33.<br />
 <br />
  [3]   ج4ص185.<br />
 <br />
  [4]   ج20ص48.  <br />
 <br />
  [5]   أخرجه مسلم، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن، في آخر الزمان، رقم 2673.  <br />
 <br />
  [6]   ج4ص185.  <br />
 <br />
  [7]   مغني المحتاج ج4ص210.  <br />
 <br />
  [8]   الموافقات ص54.  <br />
 <br />
  [9]   المستصفى ج2ص487.  <br />
 <br />
  [10]   منهاج السنة ج4ص504.<br />
 <br />
  [11]   الفتاوى ج28ص130.<br />
 <br />
  [12]   مقاصد الشريعة الإسلامية ص168.  <br />
 <br />
  [13]   النساء، آية 83.  <br />
 <br />
  [14]   الفتاوى ج12ص468.<br />
 <br />
  [15]   السيل الجرار ج4ص578.<br />
 <br />
  [16]   أخرجه الترمذي، أبواب الإيمان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب من رمى أخاه بكفر، رقم 2774.  <br />
 <br />
 [17]   أخرجه مسلم، كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها، رقم 2747.<br />
  [18]   أخرجه البخاري، كتاب الفتن، باب: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (سترون بعدي أموراً تنكرونها)<b>،</b> رقم 6647.  <br />
 <br />
  [19]   الأعراف، آية 33.  <br />
 <br />
  [20]   أخرجه البخاري، كتاب العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، رقم 105.<br />
 <br />
  [21]   أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله، رقم 2564.<br />
 <br />
  [22]   النساء، آية 93.  <br />
 <br />
  [23]   النساء، آية 92.  <br />
 <br />
  [24]   أخرجه البخاري، أبواب الجزية والموادعة، باب: إثم من قتل معاهدا بغير جرم، 2995.  <br />
 <br />
  [25]   البقرة، آية 204.<br />
 <br />
  [26]   المائدة، آية 2.  <br />
 <br />
  [27]   التوبة، آية 71.  <br />
 <br />
  [28]   الفاتحة، آية 1.<br />
 <br />
  [29]   العصر.<br />
 <br />
  [30]   أخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، رقم 55.<br />
 <br />
  [31]   أخرجه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم 2586.<br />
 <br />
  [32]   النساء، آية 59.<br />
 <br />
  [33]   النحل، آية 43. <br />
 <br />
<br />
<br />
<br />
<br />
         <br />
<br />
<br />
</font></font><br />
<font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div><font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331861</guid>
		</item>
		<item>
			<title>صناعة جيل النصر</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331845&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Fri, 25 Sep 2026 14:23:34 GMT</pubDate>
			<description>*                 صناعة جيل النصر* 
 
                                                                      وائل العمري 
يحاولُ بعضُ دُعاةِ التنويرِ - زَعمُوا - أنْ يفصلَ بينَ القرآنِ الكريمِ باعتبارهِ منْهجًا للحياةِ الرشيدةِ وبينَ الواقعِ ؛ مُتخذًا منْ تغيراتِ الزَّمانِ ذريعةً لأنْ يؤطِّرَ تفعيلَ...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center"><b>                 <font size="6"><font color="#ff0000">صناعة جيل النصر</font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font size="5"><font size="6"><font color="#ff0000">وائل العمري</font></font><br />
يحاولُ بعضُ دُعاةِ التنويرِ - زَعمُوا - أنْ يفصلَ بينَ القرآنِ الكريمِ باعتبارهِ منْهجًا للحياةِ الرشيدةِ وبينَ الواقعِ ؛ مُتخذًا منْ تغيراتِ الزَّمانِ ذريعةً لأنْ يؤطِّرَ تفعيلَ المنهجِ القرآنيِّ ببيئتهِ الزمانيّةِ والمكانيّةِ ؛ مُتهمًا في الوقتِ ذاتِه أيَّ محاولةٍ لتثويرِ المعنى القرآنيِّ و اسْتمدادِ منهجهِ في العصرِ الحاضرِ بالظلاميّةِ والرجعيّةِ.<br />
<br />
وحسبُ أولاءِ أن يتريَّثوا أمدَا عندَ قوله تعالى : {<font color="#339966">إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا</font>}[9- الإسراء] ، وكيفَ أنَّ الفعلَ ( يهدي ) فعلٌ لا ينقطعُ حدوثُه وتجددُه.<br />
<br />
والأمَّةُ اليومَ بحاجةٍ ماسَّة ِإلى أنْ تَنْقل كلامَ اللهِ - عزّ وجلّ - إلى منهجِ حياتها, وواقعِ معيشتها.<br />
<br />
إنَّ الواجبَ علينا قبلَ أنْ نصنَع النَّصرَ أنْ نُفكِّرَ ماذا أعددنا لما بعدَ النَّصرِ ؟ هذا السؤالُ الكبيرُ ليسَ استباقًا للأحداثِ, بلْ قراءةً متفائلةً لمرحلةِ ما بعدَ النَّصرِ, وهكذا بَدَأَ السياقُ القرآنيُّ في سورةِ الأنفالِ سُورة بدرٍ الكُبرى, و قانونُ النصرِ والظَفَرِ.<br />
 <br />
بَدَأ الحديثُ عن الأنفالِ آخرِ أحداثِ المعركةِ, و بارقةِ النصرِ المؤزرِ, في إشارةٍ لطيفةٍ إلى الظفرِ والنصرِ في غزوةِ بدرٍ, وحسمَ السياقُ قضيّةَ الأنفالِ وهي منْ نتائجِ المعركةِ قبلَ أنْ يحسمَ المعركةَ ذاتَها.<br />
<br />
إنَّ شهوةَ النصرِ والظَفَرِ مجردةً عن الأهدافِ والقيمِ والمشاريعِ الإصلاحيّةِ شهوةٌ لا قيمةَ لها. ماذا سنجني من تحريرِ القُدْسِ وتحريرِ الأندلسِ وممتلكاتِنا المفقودةِ إنْ لم يكنْ بالأيدي مشروعٌ نقدمُه, وماذا سنجني من تحريرِ هذه المقدساتِ إنْ سَلَّمنا مفاتيحها كَرهًا اليوم التالي ؟! وماذا سنجني منْ هذهِ الفتوحاتِ إنْ لمْ يكنْ لدينا جيلٌ للنصرِ قادرٌ أنْ يقودَ هذا العالمَ ؟ ولذلكَ التفتَ السياقُ القرآنيُّ البليغُ إلى هذه النُّكتةِ في سورةِ الأنفالِ في حديثٍ مفصَّلٍ عن الإيمانِ و غرسِه في النُّفوسِ غرسًا عميقًا بدءًا بالتَّحفيزِ {<font color="#339966">إنْ كنتم مؤمنين</font>} ثم بتجليةِ مفهومِ الإيمانِ {<font color="#339966">إنَّما المؤمنونَ</font>} ثم بمُلاحظة دقيقةٍ لثمرتِه {<font color="#339966">زادتهم إيمانًا</font>} ثم بالظَفَرِ بالنتيجةِ {<font color="#339966">أولئكَ هم المؤمنون حقًا</font>}.<br />
<br />
<font color="#3366ff">ويبقى السؤالُ كيفَ لنا أنْ نُحقِّقَ النَصَر؟ ونصنعَ هذا الجيلَ؟</font><br />
عندَ تأملنا لسياقِ الآياتِ السابقةِ نجدُ أنَّ القرآنَ ابتدأَ بالحديثِ عن المعركةِ الأُولى في ميدانها العميقِ, إنَّها معركةُ النفسِ, لأنَّ عمليةَ النصرِ عمليةٌ تراكميَّةٌ يتحققُ فيها النصرُ الجمعيُّ بالنصرِ الفرديِّ أولًا, وهكذا يَعُدُّ السياقُ جيلَ النصرِ المؤمنِ الذي يصلحُ أنْ يقودَ العالمَ, ويبتدئُ النَّصُّ من أعمقِ نقطةٍ في دفائنِ النفوسِ {<font color="#339966">إذا ذكر الله وَجِلَت قلوبُهم</font>} {<font color="#339966">وإذا تُليت عليهم آياتُه زادتهم إيمانًا</font>} إنَّها تبدأُ من نُقطةِ المعتقدِ, نقطةِ الأحاسيسِ والمشاعرِ المهذبةِ, والقلوبِ المرهفةِ ؛ وتبقى القضيّةُ معلقةً بمسألةِ الإيمانِ {<font color="#339966">زادتهم إيمانا</font>} فهو المقياسُ الصحيحُ و كذلك {<font color="#339966">على ربهم يتوكلون</font>} إنَّها أفعالٌ قلبيةٌ خفيّةٌ,وكذلك جيلُ النصرِ أنقياء أخفياء أتقياء.<br />
<br />
وفي سياقِ جهادِ النفسِ ينتقلُ من دفائنِ النفوسِ, إلى أفعالِ الجوارحِ الظاهرةِ - سواءً قلنا بجزئيّةِ العملِ أو لزوميّتهِ للإيمانِ على الخلافِ المشهورِ - خروجًا من الخفاءِ إلى العَلَنِ فهم يقيمونَ الصَّلاةَ ولا يؤدونَ الصلاةَ وبونٌ شاسعٌ بينَ إقامةِ الصلاةِ وأَدَائِها, ثمَّ إنَّ هذه الأفعالَ تربيهم على البذْلِ, فتبتدئُ ببذلِ المالِ لتنقلهم بعد ذلك إلى الميدانِ الأكبرِ إلى بذل النفوسِ {<font color="#339966">ومما رزقناهم ينفقون</font>}.<br />
 <br />
إنَّ تلكَ الأماراتِ وإنْ لمْ تكنْ هي الإيمانَ كلَّه إلّا أنَّها دليلٌ قاطعٌ على وجودِه. وهكذا نلحظُ في السياقِ كيفَ كانتْ العنايةُ بجيل النصر ابتداءً من القلبِ وانتهاءً بالبذلِ.<br />
<br />
وبهذا الاستعدادْ يكونُ المرءُ إنسانًا صالحًا لأنْ يكونَ في جُملةِ المنتصرين, ليبدأ السياقُ بعد ذلك في الحديثِ عن ميدانِ الجهادِ الأكبرِ.. في أرضِ المعركةِ وتلك قصةٌ أخرى للنصرِ.<br />
<br />
                                                                                    <br />
<br />
</font><br />
<font size="5"><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331845</guid>
		</item>
		<item>
			<title>محنة النقد الآثم</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331844&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Fri, 25 Sep 2026 14:21:24 GMT</pubDate>
			<description>**محنة النقد الآثم** 
 
الشيخ حسين شعبان وهدان 
  
 
الحمدُ لله ربِّ الجودِ والكَرَمِ، وواهبِ الخيْراتِ والنِّعَمِ - سبحانه - ميزانُه الحق، وكلامُهُ الصِّدْق، وفضله على خلقه سيلٌ مِدرار، وهو العزيز الغفَّار. 
  
وبعدُ: 
يَصرخ ضميرُ العقلاء والمتقين في سمْع الزمن، ويا ليتَ أهلَه يسمعون: إنَّا لفي...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center">                                                                                                                                 <font size="5"><b><font size="6"><font color="#ff0000"><b>محنة النقد الآثم</b></font></font></b><br />
<br />
<font size="6"><font color="#ff0000">الشيخ حسين شعبان وهدان</font></font><br />
 <br />
<br />
الحمدُ لله ربِّ الجودِ والكَرَمِ، وواهبِ الخيْراتِ والنِّعَمِ - سبحانه - ميزانُه الحق، وكلامُهُ الصِّدْق، وفضله على خلقه سيلٌ مِدرار، وهو العزيز الغفَّار.<br />
 <br />
<font color="#008080">وبعدُ:<br />
</font>يَصرخ ضميرُ العقلاء والمتقين في سمْع الزمن، ويا ليتَ أهلَه يسمعون: إنَّا لفي مِحنةٍ كبرى قد اشتدَّ وقعُها، واستشرى أثرُها كالحريق، وتولَّى كِبْرَ الإِرجاف فيها أخلاطٌ من الناس يتسمَّوْن بظاهر الهداية، يجمعهم التسلِّي بسيرة العِباد؛ إمَّا قدحًا، وإما مدحًا، وصاحب الحظِّ السعيد مَن سلَّمه الله - تعالى - من ألسنتهم.<br />
<br />
إنَّها لَمِحنةٌ مُرْبِكَةٌ تُفقِد المجتمعَ توازنَه، وتنذره برفْع النِّعم وتوارُدِ النِّقم، وقع فيها مَن لا يتقي الله، ولا يعرف قدرَ الناس ولا قدرَ نفسه، فأطلق الأحكامَ على عِباد الله ممزوجةً بنقدٍ آثمٍ يفتقر إلى المصداقية والتعقُّل، ويتَّشح بالغرابة والبلادة، كأنَّه لا يملك من الدنيا إلاَّ لسانًا يَفْرِي ويحطم في قيمة الخلق، عارٍ عن تفكيرٍ يَعقِله، أو على الأقلِّ يوجِّهه.<br />
<br />
ومع الأسف الشديد المحبِط لأشواق الحالِمين بمنطق العدل والإنصاف، فقد زاد بين الناس نعيقُ الأصوات بالثرثرة والعَجيج، وكثرتْ مجالس التجريح بالزَّيف والضجيج، وغرق المجتمع - إلاَّ مَن رحم الله - في بحار النقد الآثم، والافتراء الظالم.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>عناوين تك</b><b>ذِّبها المضامين</b>:</font><br />
ولا تكاد تمرُّ شاردةٌ ولا واردة، إلاَّ وللأحلاس فيها رأيٌ ومذهب – كأنَّهم يعرفون كلَّ شيء - فهم عناوين زُورٍ على بناءٍ مكذوب، يزعم أحدُهم أنَّه يملك أُهْبَةَ التحليل السياسيِّ، والاجتهاد الشرعيِّ، والنقدِ الفنيِّ والرياضيِّ والأدبيِّ، ودرسوا تاريخَ كلِّ البلاد، وعرفوا سيرةَ الأجداد، وإذا تكلَّم أتى بالغرائب من فرْطِ جهله.<br />
 <div align="center">                            وَإِذَا بَصُرْتَ بِهِ بَصُرْتَ بِأَشْمَطٍ        وَإِذَا تُحَدِّثُهُ تَكَشَّفَ عَنْ  صَبِيِ<br />
                             </div> <br />
فلا تسمع إلاَّ وجهات نظرِ أحداثٍ صِغار، وأوهام تُرسِّخ للجهل الصارخ وتَحمي حِماه.<br />
<br />
ومِن وراء ذلك غَرِقت الأمَّة في طوفانٍ جارفٍ من الآراء السقيمة على كلِّ المجالات، ولطالما تسامَعَ الناس عن نقود الجهلاء الْخُلَّصِ، وأنصاف المتعلِّمين، وأعشار المثقفين.<br />
<br />
إنَّني أعجب كثيرًا من هذه الجرأةِ التي تسوِّل للعامَّة نقدَ الأغيار، والوقوعَ فيهم، بل والتطاولَ بهذا أيضًا على الخواصِّ من رموز الأمَّة وعلمائها بنقدٍ بينَه وبين المنهجيَّة بُعدُ المشرِقَين، يَهدم ولا يبني، ويُفرِّق ولا يجمع، ويُضلُّ ولا يَهدي.<br />
<br />
إنَّه نقدٌ مبنيٌّ على الظنِّ والهوى، ولا أساس له من منهج أو دليلٍ أو منطق، وما أكثرَ ما ذمَّ الله الظنَّ والهوى؛ {<font color="#339966">إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا</font>} [النجم: 28]، ((إيَّاكم والظنَّ، فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث))، ((وكونوا عبادَ الله إخوانًا، ولا تحسَّسوا ولا تجسَّسوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا))؛ البخاري، صحيح الجامع 16724 بسند صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه.<br />
<br />
وقال - تعالى -:{<font color="#339966">وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَاب</font>} [ص: 26]، لكنَّ أصحابَ الآراء العوجاء مُعْجَبُون حتَّى النُّخَاعِ بما يقولون، فلا تراهم إلاَّ على ثِقة الظمآن بوجود الماء في الصَّحراء، أو على ثقة الميِّت في العودة إلى الحياة، ولا يزالون على الإصرار مُتَجانِفِين لآثامٍ تَرْتاعُ من حَملِها الجبال الرواس.<br />
<br />
وما ظنُّك بالمجالس التي تحوي العُميان الذين يَصفون ضوءَ القمر، وهم لم يَرَوْه ولم يعرفوه؟! أو يَحْكمون على برئٍ باقترافِ الجنايات والأخطاء وهم – قبلَ اليوم – لم يُعاينوه؟! أو يخلعون خلَعَ التكريم على بليدٍ أو لئيمٍ؛ لهوىً في النَّفس، أو طمعًا في نيلٍ يسيل له لعاب أحلاس المجالس وسُكَارى الأفكار؟! لا شكَّ أنَّها مجالسُ حسرة وندامة<b>.<br />
<br />
</b>لقد سَقطَ البعضُ سقوطًا مُدَوِّيًا في هذا الأَتُّونِ المُحْرِق، فاخترعوا من مراسيم الإثم والبراءة ما يَتيه له عقلُ الحليم ولبُّ الرشيد؛ ذلك لأنَّ معوجَ الفِكر ينظر إلى مَن يُحب نظرةَ رِضا تامٍّ، وينظر إلى مَن يُبغض نظرةَ انتقاص وتجريح، وبحث دائم عن المساخط والعيوب:<br />
 <div align="center">                            وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ  عَيْبٍ  كَلِيلَةٌ        وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمَسَاوِيَا<br />
                             </div> لهذا؛ فغالب الأمر أنَّ أحكامنا على بعضنا لا تتَّفق على رأيٍ أو اتِّجاه، ولا يمكن لها في جوٍّ كهذا أن تتَّفق، فَمنَّا مَن يرى الظلام في رابعة النهار، وَمنَّا من يُسَوِّي بين الذهب والخشب، وصار الهِرُّ الضعيف – هزلاً – يحكي صوْلَةَ الأسد، والسبب: أنَّه يتمرَّغ على بساط التكريم والمدح من فسقة الألْسنةِ، وأهل الرغائب والمآرب.<br />
<br />
ولا شكَّ أنَّ المجتمع يَعُجُّ بمَن يرى الهَباءَةَ في عيون الناس، ولا يحسُّ الجِذْعَ في عينه، وذلك مِن عَمى قلبِه، وتاه الحقُّ الصافي بين أدراج الهوى والمصلحة، واللَّذة العاجلة والمأرب الوقتي، ونتيجةً لذلك رُفع الظلمُ بأفواه الجائرين في الأحكام بلِسانهم إلى مراقي العُلا، وَقَلَّ نصيرُ أهل الخير والعدل والتُّقَى، فخذلهم المجتمع وأَفْضَى بهم قطار الحياة - أحيانًا - إلى أن يتَّخذوا مكانًا قَصِيًّا؛ هربًا من لدغات النَّقد المتهجِّم السافر الذي يَنُمُّ عن قلَّة إيمان، وسوءٍ في الخُلق، ونقصٍ في الأدب.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>أص</b><b>لِح نفسك قبل نقد الآخرين:</b></font> <br />
إنَّ النقد البنَّاء ما هو إلاَّ محاولةٌ للإصلاح بتجلية العيوب، وبيان نِقاط المدح، وهدفُه الترقِّي إلى التصرُّف الأمثل، ونبذ الأخطاء، وعلى هذا فقد أمرنا الإسلام العظيم بإصلاح أنفسِنا أولاً، ودعانا بعد ذلك إلى محاولات إصلاح غيرنا ((ابدأْ بنفسِك، ثم بِمَن تعول...))؛ ذكره موفق الدين بن قدامة في المغني 11/375 بسند صحيح.<br />
<br />
ومَن يتأمَّل هذا النصَّ القرآني الكريم، يجده يُدير الأمر أولاً على النفس، ثم يعطف على الأهل؛ قال الله تعالى: {<font color="#339966">يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ</font>} [التحريم: 6]، وحتى في طلب الدعاء بالمغفرة يُعلِّمنا القرآن الكريم أيضًا أن نبدأ بأنفسنا؛ قال الله - تعالى – على لسان نبيِّه نوح – عليه السلام -: {<font color="#339966">رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَارًا</font>} [نوح: 28]، فالوقاية من النار مطلبُ الجميع، ولكن على الإنسان أن يَقيَ نفسَه أولاً، والمغفرة أيضًا مطلبُ الجميع، ولكن على الإنسان أن يبحثَ عنها لنفسِه أولاً، إنَّ هذا منهج قرآنيٌّ واضح لا بدَّ من الاحتكام إليه في كل الأمور.<br />
<br />
والهدف المنشود من ذلك هو أن يبدأَ المسلم عمليةَ الإصلاح بنفسِه، وخصوصًا في مجال النَّقد الذي يجب أن يكون ذاتيًّا، طالما أنَّه يتمتَّع بموهبة النقد والتفرُّسِ في العيوب، فلا جَرَم، يبدأُ أَوَّلاً بنفسه، فهو أوْلى من غيره.<br />
<br />
وليكن سؤاله الدائم لنفسه: <font color="#3366ff">هل أنا بريء ممَّا أَرْمِي به غيري مِن المعايِبِ والمثالِبِ؟</font><font color="#3366ff">وهل أتَمَتَّعُ في تَصَوُّرِ الناس عنِّي بهذه الصُّورةِ اللاَّمعةِ الجميلة التي أظنُّها في مخيلتي؟</font><br />
<br />
وما هي صورتي الحقيقيَّة في أعين الناس؟ ربما أنَّهم ينعتونني بالجهل أو البُخل أو الطمع أو الميل إلى الآثام، أو غيرها من مُحَقِّراتِ الصِّفات، آهِ لو كانوا يقولون عليَّ ذلك.<br />
<br />
تلك وقفة لا يَقْدِرُ عليها إلاَّ الموَفَّقُون، الباحثون عن عُمق الحقائق، والذين لا يَكذبون على أنفسهم، ولا يُحبُّون مَن يكذب عليهم.<br />
 <div align="center">                            يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ  الْمُعَلِّمُ  غَيْرَهُ        هَلاَّ لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا  التَّعْلِيمُ<br />
            ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا        فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ<br />
            لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ  وَتَأْتِيَ  مِثْلَهُ        عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ  عَظِيمُ<br />
                             </div> ولنا في موقف الفاروق عمر بن الخطَّابِ عِبرةٌ، حين طلب من حذيفةَ بن اليمان - رضي الله عنه - صاحبِ سِرِّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يُخْبِرَه: هل وجد اسمَه في ديوان المنافقين؟ هذا موقفُ رجلٍ كريمٍ من رِجالات الإسلام، يُلهِم العقل عبرًا وكنوزًا أغلى من الذَّهب، رجل لا يبحث عمَّن يمدحه بباطل القول وزورِه؛ ولكنَّه باحثٌ عن حقيقة منزلته التي يحتلُّها في قلب النبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - وتلك منزلة الأبرار.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>تزكية النفس من الفواقر:</b> <br />
</font>على الرَّغم من أنَّ أمر القرآن واضحٌ في البُعد عن تزكية النفس، فقد قال الله – تعالى -: {<font color="#339966">فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى</font>} [النجم: 32]، ومع هذا فإنَّ البعض يظلُّ يرفع من قدر نفسِه حتى يشتهرَ بين الناس بذلك، فلا تراه أبدًا إلاَّ مادحًا لذاته، شارحًا مواطنَ فخرِها، الذي ربَّما لا يكون له من الصِّدق أيُّ نصيب، ويدمن التَّكْرار: أنا لا أخطئُ أبدًا، إنَّ تصرُّفاتي مَضربُ الأمثالِ في الحِكمةِ وحسنِ التَّقدير، كل الناس تعرفني وتعرِف عني أنِّي مُمَيَّزٌ أَينما حلَلْتُ، ولا يكون هذا المسلكُ القرآنيُّ منطقَه أبدًا بقول الله – تعالى -: {<font color="#339966">وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ</font>} [يوسف: 53].<br />
<br />
قد يقرِّر ذلك على الناس، أمَّا هو فلا، ثم يُكرِّر في مجالسه أحكامًا نهائيَّةً تسرح في خاطره فقط، ويسمعها جُلساؤه عشرات المرَّات عن سيرته المَرضِيَّةِ في تفوُّقه الدِّراسي الذي كان، ونبوغه الفكري الذي لا يُحَدُّ، وطِيبِ أصله، ونقاء معدنه الذي لا يُسامَى، ثم يدير دفَّة الكلام بعد ذلك عن آبائه وأجداده وأولاده وأحفاده، إنَّها صورة تستدعي التفكير في حال هذا الذي أَمَلَّ الناس من حديثه ومجلسه، ولا يَصبِر عليه إلاَّ مَن ذَلَّتْ له رقبتُه بمسألة أو طِلْبَةٍ خاصَّة.<br />
<br />
إن هذا - كما قيل عنه -: إنَّه أتم الناس نقصًا، وإنَّ مصيبته إلى الأبد.<br />
<br />
وأشدُّ منه بلاءً مَن يُصَوِّرُ له خيالُه أنَّ عيوبَه وأخطاءَه محاسن يُعْجَب بها، ويدافع عن قُبحها، فيَعدُّ طولَ لسانِه وتَهَجُّمَهُ على الناس صراحةً، وبخلَه حرصًا، ونِفاقَه ذكاءً اجتماعيًّا، واغتيابَ الناس شهادةَ عدلٍ قوَّامٍ بالحق، ونميمتَه بين الخلق تحذيرًا من أهل الفسق، وغبَّهُ من مباهج الحياة والإغراق فيها تمتُّعًا بنعمة الله - تعالى - وندرةَ العبادة لديه لا تُضِير؛ لأنَّ رصيدَه من حسن التديُّن الماكِنِ في قلبه لا يُحدُّ!!<br />
<br />
وفي الوقت ذاته لا يَرْعَوي عن تحويل مدائحِ الناس إلى عيوب، فيرميهم بالنقائص لهوىً في نفسِه ومرضٍ في قلبه، فلا ترى الناسَ في مخيلته المريضة إلاَّ متَّهمين غارقين في بِحار الخطأ؛ لأنَّه لا يستريح لمكانتهم، ويُزعجه احترامُ الغير لهم، فيُحيل الباطل في ثوب الحق؛ ليُقَلِّلَ من شأنهم:<br />
 <div align="center">                            إِذَا   مَحَاسِنِيَ   الَّتِي   أُدِلُّ    بِهَا        صَارَتْ عُيُوبًا فَقُلْ لِي كَيْفَ أَعْتَذِرُ<br />
                             </div> إنَّ الإنصاف يستدعي كلَّ عاقل أن يشتغل بعيبه، وأن يحاول علاجَه وإصلاحه، وأن يُفرِّغ قلبَه وتفكيره من عيوب الناس؛ فإنَّه مسؤُولٌ عنْ نفسه لا عن الناس، فعندما يَشغله عيبُه يعرف الطريق السليم، ويُصلح ما أفسدتْه الأيَّام من أمر الدنيا والدِّين، خصوصًا في الزَّمن الذي تنوَّعت فيه الفِتَن، وقلَّ فيه مَن يناصر الحق.وصَدَق النبي الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين قال: ((... حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوىً مُتَّبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك))؛ المنذري في &quot;الترغيب والترهيب&quot; (4/132)، عن أبي ثعلبة الخُشني - رضي الله عنه - بسند صحيح، أو حسن أو ما يقاربهما.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>كلمة الحق هي المنصورة</b>:</font><br />
ولو نَطَق الواقع في حياة الناس لقال: إنَّ النِّفاق والكذب، والتعدِّي الظالم بغثاء الألْسنة على عِباد الله، كلها من زوائف البيان الظالمة، الطائرة مع الرِّيح رغمَ إكساب قائلها وِزرًا وأثقالاً من الذُّنوب؛ قال الله – تعالى -: {<font color="#339966">فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ</font>} [الرعد: 17].<br />
<br />
فكلُّ مَن نافقك، أو ناصَرَك على الناس في موقف باطلٍ، ونَقَدَهم من أجلك، وشوَّهَ صورتَهم – هو إنسانٌ غير مأمون في دِينه، وبالتالي فهو غير موثوقٍ به، فربَّما يقف ضدَّك في غدٍ يناصر غيرَك، إنَّ مصلحته تسير في هذا الاتجاه؛ لأنَّه لا مبدأَ لديه يَعصِمه من هذا الالتواء في السُّلوك، ولأنَّ حقَّ الله - تعالى - غالبٌ دائمًا، فسيبقى الحقُّ الصراح في آخر الجولات أبدًا هو النافعَ الباقي، زينةً للتاريخ، وإثباتًا للعدل.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>لا إهدار للنقد الهادف</b>: </font><br />
وكلُّ القصد ممَّا سبق هو البعدُ عن التجنِّي وسوء النيَّة، ورَجْم الناس بالعيوب، وليس القصدُ منه - إطلاقًا - إهدارَ قيمة النَّقد الهادف البنَّاء الذي تسمو به المطالب، وتزكو به طرائقُ الحياة؛ لأنَّه طِلبةُ المؤمن الغالية من أُولي الأحلام والنُّهى، حتى يقوِّمَ به أخطاءَه، ويصلحَ به ما أفسدتْه الأيام من حاله؛ {<font color="#339966">وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ</font>} [البقرة: 251]، والمؤمن للمؤمن نصيرٌ في الحق، صادق ومعين في المشورة المنصفة، وجامعُ شأنِه أنَّه مرآةٌ صافية لأخيه.<br />
<br />
فلْيَقبل المرءُ ما كان فيه ضبطٌ لمساره، وهدايةٌ لخطاه، شريطةَ أن يكون صادرًا مِن عقل ذكيٍّ، ولسانٍ حكيم، حتى يستطيعَ إهداءَ تمام النقص بلا تجريح، وفي الأثر: &quot;أَشْكرُ مَن أهدى إليَّ عيوبي&quot;.<br />
<br />
ولكلِّ ما سبق، فنحن مَدْعوُّون إلى أن نكون خِفافًا بألْسنتنا على بعضنا، متعاونين في رأبِ صَدْع النفوس بالنُّصح الحكيم تارة، وبالإغضاء تارات، ولا نشغل أنفسَنا إلاَّ بأنفسنا، وإذا عرضتْ لنا مواقف الحُكم والنقد والتجريح للغير، فالهربُ من هذه المهاوي مِن حُسن الفطن، والحق عصمة اللِّسان، وفيه هداية لكلِّ بني الإنسان، حيث يعمُّ نورُه أفقَ الحياة، وينتشر رغم بُغامِ الحَمْقى وأهل الثرثرة، ومجالس محاكم التفتيش المتجدِّدة عن قلوب وتصرُّفات عِباد الله.<br />
<br />
إنَّ البشريَّة الضالة الآن تسبح على بحورٍ من النِّفاق العالميِّ العام على شتَّى المجالات؛ لأنَّها فاقدةٌ لأصول الحُكم المنصف، والهُوَّة تزداد كلَّ يوم عُمقًا، ومن وراء ذلك داءاتٌ لا حصرَ لها في سوق الأخلاق والقِيم، والعالَم يئنُّ مِن فرط جراحه، ويتوجَّع بأخلاقه، ومشكاة النور الباقية الوحيدة بيدك أنت يا ابنَ الإسلام، فلا تُهملْها، بل احمل أمانتَها، فأنت أحقُّ بها وأهلها.<br />
<br />
<font color="#800080">والله يرعاك. </font><br />
</font><br />
<font size="5"><br />
<br />
</font><br />
         <br />
<font size="5"><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331844</guid>
		</item>
		<item>
			<title>أثر الإسلام في تغيير مفهوم العالم لمعنى الرحلة</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331843&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Fri, 25 Sep 2026 14:18:22 GMT</pubDate>
			<description>*                 أثر الإسلام في تغيير مفهوم العالم لمعنى الرحلة* 
 
                                                                      وائل عزت معوض 
 
 
لقد عَرَف العالَم ثلاثةَ أنواع من الرَّحلات قبل الإسلام، وهي الرحلات الحربيَّة، والرحلات التجارية، والرحلات السفارية أو الدبلوماسية، وسوف...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><b>                 <font face="arial"><font size="6"><font color="#ff0000">أثر الإسلام في تغيير مفهوم العالم لمعنى الرحلة</font></font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font face="arial"><font size="6"><font color="#ff0000">وائل عزت معوض</font><br />
</font></font><br />
<font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font><br />
<font face="arial"><font size="5">لقد عَرَف العالَم ثلاثةَ أنواع من الرَّحلات قبل الإسلام، وهي الرحلات الحربيَّة، والرحلات التجارية، والرحلات السفارية أو الدبلوماسية، وسوف نتناولها باختصار.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>أول</b><b>اً: الرحلات الحربية:</b></font><br />
وكانت لا تهدف إلاَّ إلى التوسُّع في الأرض على حساب الأمم الضعيفة؛ بغرض استغلال مواردها، وفرْض سيادتها والسيطرة عليها، فالحرب ليس لها هدفٌ إلاَّ السَّلب والنَّهب، وافتقدت معظم هذه الرَّحلات للبعد الجغرافي، لم تستفد الجغرافيا ولا الرحلة من هذه الرحلات.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>ثان</b><b>يًا: الرحلات التجارية:</b></font><br />
كان هدف الرحلات التجارية لا يخرج عن نِطاق اكتشافِ أسواق جديدة، وبَيْع أكبر كمية من المنتجات والغلاَّت، واكتساب أكبر قدرٍ من الأموال، ولقد شغلت التجارة الحيزَ الأكبر من تفكير هؤلاءِ التجار، الأمر الذي شَغلهم عن تَرْك أيِّ أثر لوصف تلك البلاد التي شاهدوها، ولتكون دليلاً لِمَن يأتي وراءهم، ربَّما كان هذا التكتُّم مقصودًا من قِبَل التجار؛ حتى لا يتابعهم أحدٌ، وينافسهم في تلك الأسواق الجديدة.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>ثال</b><b>ثًا: الرحلات السفارية أو الدبلوماسية (التكليفيَّة):</b></font><br />
والرِّحلة السفاريَّة رحلةٌ تكليفيَّة تصدر بأمر من السُّلطة الحاكمة، أو مَن يمثلها، وقد وظَّفت الدولة القديمة السِّفارة، لنقل الرسائل المتبادلة بين دولتين، أو بين حاكم الدولة وأحد ولاته، وقد تكون الرِّسالة شفويةً أو مكتوبة، ولم يكن للسفير دَورٌ مرسوم غير حمل الرِّسالة وتوصيلها، فلا يُعتمد على السَّفير في عقد صلح أو إبرام اتفاقية، ولم تكن هذه الرِّحلة منتظمة، فقد كانت حسب رغبة السُّلطة، وهي رحلات ذات رؤية قاصرة ومحدودة في نطاق ضيِّق محدَّد لها سلفًا.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>أثر الإسلام في تغيير مفهوم العالم لمعني الرحلة:</b></font><br />
توسَّع المسلمون فيما عرفه العالَم من رحلات قبل الإسلام، كما وضعوا لها أهدافًا وأُسسًا استمدُّوها من مبادئِ الإسلام، ولقد غيَّر الإسلام مفهومَ العالَم للرحلة، حسب التشريع الإسلاميِّ الإلهي، فوضع لكلِّ رحلة غرضًا، وهذا الغرض مشروطٌ بعدم تعارضه مع مبادئ الإسلام وشرائعه، فأسهم الرَّحَّالة المسلمون في وضْع قواعدَ وشروطٍ ثابتة لأدب الرحلات، تتناسب مع عالميَّة التشريع الإسلامي وسماحته.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>أول</b><b>اً: رحلة الجهاد أو الفتوحات الإسلامية:</b></font><br />
غيَّر الإسلام مفهوم الرِّحلة الحربية من مفهوم القِتال من أجل السَّلب والنهب، إلى وضْع مفهوم عالمي لفلسفة القتال، حيث جعل للقِتال أُسسًا واضحة، وأهدافًا مشروعة، وشروطًا ومصالحَ إنسانيَّة نبيلة يجب أن تُحترم، لقد جعل الإسلام من الجِهاد فريضةً واجبة على كلِّ مسلم قادر، إمَّا لدفع العدوان، أو عندما توضع العقبات والعراقيل أمامَ نشْر الدِّين الإسلامي، ومنع وصوله إلى الناس لإخراجهم من ظُلمات الجهل إلى نور المعرفة ورحابة العِلم.<br />
<br />
كان قادة الجيوش الإسلاميَّة يقومون بوصف المناطق التي سوف تكون ميدانًا جديدًا للفتوحات الإسلاميَّة، ويكتبُ كلُّ قائد تقريرَه، ويرفعه إلى الخليفة مباشرة، وكذلك كان يفعل العمَّال والولاة المعيَّنون على البلاد المفتوحة، بعد إتمام فتْحها، واستتباب الأمن فيها واستقرار المسلمين بها.<br />
<br />
لقد كانتِ الفتوحات الإسلاميَّة أوَّلَ رحلة عربيَّة وإسلاميَّة كبرى حول العالَم القديم؛ بل هي عبارةٌ عن مجموعة من الرحلات المتواصلة، فلأوَّل مرَّة يخرج المسلمون من الجزيرة العربية بشكل جماعيٍّ كبير ومهول ومنظَّم، في شكل فتوحات وغزوات لأُمم وبلدان ذات حضارات وثقافات، وعلوم وفنون، مثل: الفرس والرُّوم ومصر، وقد لَعِب الجنودُ والقادة والولاة في الفتح الإسلامي دورَ الرَّحَّالة، حيث قاموا بوصْفِ وتصويرِ ما شاهدوه من مشاهدَ وروايات عن البلاد المفتوحة، وكانتِ الأخبار التي يتناقلها جنودُ الفتوحات عن تلك البلدان، ووصفهم لِمَا شاهدوه من طبيعتها ومناخها، وخيراتها وطبائع أهلها، كلُّ ذلك حرَّك الرَّغبة الكامنة في النفوس، والتي شجَّع عليها الإسلام، فكانت هي المحرِّك الأوَّلَ لرغبات الاستكشاف، والضرب في مجاهل الأرض، وكان تداولهم للحقائق والمعارف التي تحصَّلت عليها القيادة العسكريَّة بدون مبالغة، ولا تهويل ولا تشويه، فلا يكتمونها كما كتَمَها مَن قبلهم، فَضَاعتْ معارفهم وطُويت مع الزَّمن.<br />
<br />
وكان لهذه الفتوحات أثرُها في نشْر الدِّين الإسلامي في العالَم، كما سهَّلت الفتوحاتُ الإسلامية أسبابَ الرِّحلة للتجار والدعاة إلى الدِّين الإسلامي، حيث فرضت الدولة الإسلامية سيطرتَها على الطرق الكبرى، بين الأقاليم المختلفة، وقام الجيش بتأمينها، فإذا كان الجيش الإسلامي قد قَهَر تلك البلادَ وأخضعها لسُلطان الإسلام، فلماذا لا يُغامر التجار؟ ولماذا لا يتحمَّل الدعاة مشاقَّ التبليغ والدَّعوة إلى الإسلام وتبليغه للنَّاس كافَّة؟! ولماذا لا يَسيح المسلمون في الأرض؛ كما حثَّهم على ذلك القرآن الكريم؟!<br />
<br />
ولم يقتصر دَورُ العرب على وصْف الطرق والمسالك فقط، بل تعدى هذا الدور إلى وصْف الأُمم والممالك والإمبراطوريات، وشعوب البلدان المجاوِرة للدولة الإسلاميَّة، التي لم تُفتح بعدُ، كوصف بلاد الصِّين والهند، والفرس والروم، فازدهرتِ التجارة بين الشُّعوب الإسلاميَّة، وشعوب البلدان المفتوحة، ثم تعدَّدت علاقات التعاون، وتشعَّبتِ المصالح مع البلاد المجاورة للدَّولة الإسلاميَّة، فنشأ التبادُلُ التجاريُّ مع أمم كالصِّين والهند، والجزر المتعدِّدة في المحيط الهندي.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>ثان</b><b>يًا: الرحلات التجارية:</b></font><br />
غيَّر الإسلام مفهومَ الرحلة التجارية من اقتصار هدف التاجر على الكَسْب، وجمع المال فقط، إلى اتِّساع هذا الهدف؛ ليكونَ التاجرُ داعيًا إلى نشْر الدِّين الإسلامي، حاملاً رسالةَ التبليغ بالتي هي أحسن، بجانب السَّعي على الرِّزق والكسب، كان التاجر حريصًا على كسْبِ القلوب بحُسن معاملته، وبشاشةِ وجهه وصِدْق تعاملاته، وكلُّ ذلك من تعاليم الإسلام، وكأنَّ الإسلام وجَّه هذه الرِّحلة وجهةً دعويَّة، ففتح الله بها البلاد بلا قِتال، أو استعمال السَّيف.<br />
<br />
كانت التجارة دافعًا قويًّا للسفر، خاصَّة بعد اتساع رقعة الدولة الإسلامية، وعدم وضْع الحواجز أو العوائق، وعمل الخلفاءُ المسلمون على تمهيد الطُّرق وتعبيدها وتأمينها، كما أنَّ الإسلام قد فَرَض ثقافتَه الداعية إلى الأمن ونشْر السلام، أدَّى ذلك إلى زيادة نشاط الرَّحلات التجارية، كما كانت التجارة سببًا من أسباب رواج وازدهار أدب الرَّحلات، حيث ألجأت التجارة التجار إلى الانتشار في أرْض لم يعرفوها، ولغة لم يُتقنوها، وطِباع أُناسٍ لم يألفوها، وأجناس من البَشر لم يخالطوهم من قبل، ولم يُعاشروهم، ولم يعاملوهم من قبلُ، وتناقل التجَّارُ أخبارَ رحلاتهم ومشاهداتهم، التي كثيرًا ما شابها المبالغة والمغالاة في الوصْف وتعظيم الصورة، وتهويل المواقف والأحداث، وتحمَّلت طبقةُ التجار - وخاصَّة المغامرين منهم - أعباءَ الرحلات، فخاضوا غمار البحر، من أجْل الكشفِ الجغرافي للمسالك والممالك والأسواق الجديدة؛ ترويجًا للسِّلع المحليَّة، كلبان عمَّان، وبخور اليمن، ولآلئ الخليج والند والصندل، وجَلْب السِّلع الرائجة، التي تحتاجها الأسواق المحليَّة في بلاد الإسلام، كحرير الصِّين، وأخشاب الهند، وجواهر سيلان، وعطور التبت.<br />
<br />
لقد كانتْ طبقة التجَّار بمثابة المحرِّك الاقتصادي العالمي للدولة الإسلاميَّة، والعالَم ككلٍّ، وفي القرن الثاني للهجرة كان التجَّار أوَّل مَن وصل إلى الصِّين خلالَ رحلاتهم للتِّجارة والتبادُل التجاري مع الصينيِّين، إلى درجة أنَّهم كوَّنوا جالياتٍ إسلاميَّة مستقلَّة في الدول التي تاجروا معها، مثل الهند والصِّين، وقد تمتَّعت هذه الجاليات بامتيازات كبيرة.<br />
<br />
حتى إنَّهم كانوا يُعيِّنون قاضيًا لهم لحلِّ مشكلاتهم كتلك التي قامتْ بميناء خانفو الصِّيني، وكان العرب يحصلون على جوازاتٍ تسمح لهم بالتنقُّل في داخل بلاد الصين بغرض التِّجارة، وكان ميناء سيراف هو المركزَ الرئيسَ للرَّحَّالة العرب، ومنه كانوا ينطلقون إلى الصِّين، وفيه تجتمع السِّلع الواردة من البصرة وعمان، وغيرها من المدن العربية، وامتدَّ نشاط التجَّار العرب، حتى شواطئ الصين وكوريا شرقًا، وإلى روسيا وشمال أوروبا، وإلى الجُزر البريطانية وأيسلندا غربًا.<br />
<br />
وكما أحدثَ التجَّارُ حالةً من الرَّواج التجاري، عَمِلوا حالةً من النشاط الدِّيني والدعوي، فعملوا على نشْر الإسلام في شرْق وغرب إفريقيا، والهند والصين وأندونيسيا، وجزيرة جاوة وسومطرة، والمالديف والفلبِّين، وساعدهم في ذلك علاقتهم الحَسَنة بالشُّعوب، وحرية انتقالهم في تلك البلاد، كما ساعَدَهم على ذلك هيبةُ وقوَّة الدولة الإسلاميَّة.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>ثال</b><b>ثًا: الرحلات السفارية:</b></font><br />
كان مصعب بن عمير هو أوَّل سفير في الإسلام، حيث كلفه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - بنشْر الدَّعوة الإسلاميَّة في المدينة، فقام مصعبٌ بمهمَّته خيرَ قيام، ومهَّد مجتمع المدينة النبويَّة لاستقبال النبي   -   صلَّى الله عليه وسلَّم.<br />
<br />
<font color="#800000">ومن أهمِّ المهام التي كان يُكلَّف بها السفير:</font> التوسُّط في فضِّ الخصومات، وتصفية النِّزاعات (سفراء صلح الحديبية)، وتبليغ الدَّعوة إلى أقطار العالَم؛ &quot;اتخذ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - سفراءَ له للقِيام بتبليغ الدَّعوة الإسلاميَّة للملوك والحكَّام في كلِّ أرجاء العالَم&quot;، ونظرًا لخطورة المهمَّة التي يقوم بها السفير وَضَع الإسلام للسِّفارة شروطًا وضوابطَ مهنيَّة وأخلاقية، فيجب أن يتوافر فيه الشروط التي يجب توافرُها في الملِك في بعض الأحيان، حيث يقرِّر السفير مصيرَ الشعب، حيث يُمثِّل السفير مصالحَ عامَّة عليا، فليس للرَّحَّالة مصلحةٌ شخصية، فقد سَمَا الإسلام بالسفارة، حيث نقلها من الأغراض المعاشيَّة الدنيويَّة إلى درجات الأعمال الدِّينية الهادفة، والإنسانيَّة النبيلة.<br />
<br />
لقد كانت السِّفارة هي التي تقوم بتسهيل وتذليل تلك الصِّعاب للبعثة المكلَّفة بالبحث، ومع نموِّ وازدهار الدولة الإسلاميَّة وتوسُّعها، في الفتوحات الإسلامية، حيث ترامت أطراف الدَّولة، وتشابكت مصالحُها مع البلاد المفتوحة، وتعدَّدت عَلاقاتُها في شتَّي أغراض الحياة المختلفة، فنظَّمت الدولة وهيَّأت آفاقَ الاتصال بين أجزاء الدَّولةِ بعضِها ببعض، وبين الدَّولة وغيرها من الدُّول عن طريق السِّفارات والبَعثات، ممَّا فتح لهم أبواب معرفة علميَّة جديدة، عَرَفوا من خلالها أخبارَ مجاوريهم معرفةً دقيقة.<br />
<br />
&quot;تولَّت رحلةُ السِّفارة أمرَ العلاقات الخارجيَّة مع غير المسلمين، وعملت على سبيل حُسْن الجوار والتفاهُم على الصَّعيد الدَّولي كما تولَّت أيضًا مسؤوليةَ نقْل وإبلاغ التعليمات والأوامر من وليِّ الأمر في عاصمة الدولة إلى عُمَّاله في الأمصار&quot;[1]، أو تخطُب وُدَّ حاكمِ دولة أخرى، أو تُبلِّغ تحذيرًا، وفي النهاية ليس للسَّفير همٌّ إلاَّ إنجاز مهمَّته التي كُلِّف بها، ولقد أضافت الرحلة السفارية بُعدًا ثقافيًّا وسياسيًّا لأدب الرحلات ورؤيةً جديدة للعالَم، أساسها المصالح المشتركة، والعَلاقات الطيِّبة والأرضيَّة المشتركة، وكان السفير الرَّحَّالة يقوم بوصف كلِّ شيء خلال الرحلة، بداية من الطريق وكيفية استقباله، وتسجيل انطباعاته عن البلد الذي يزوره، وأحوال سُكَّانه، وتحليل الأوضاع السائدة فيه، وذلك بمقدرة فائقة في الملاحظة الدقيقة، وروعةٍ في الوصْف وجودة في التصوير، مبديًا معرفتَه الجيِّدة بقواعد السُّلوك الدبلوماسي، ولا يغيب عنه الأهداف الأساسيَّة من المهمَّة المكلَّف قيامه بها.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>ومن أشهر هذه الرحلات:</b></font><br />
رحلةُ أحمد بن فضلان إلى بلاد البلغار، بتكليف من الخليفة العباسيِّالمقتدر بالله سَنةَ 309هـ/921م، وهي بَعثةٌ دبلوماسيَّة لتقوية الروابط بين شعْبِ ومَلِك البلغار المسلم، وبين الدولة الإسلاميَّة، ولتعليم البلغار فروضَ الإسلام وشرائعَه.<br />
<br />
ولقد استمرَّ هذا اللَّون من الرحلات، وكُتب له الذيوع والرواج، حتى بدايات العصر الحديث، حيث ظهر بالدولة العثمانيَّة طرازٌ خاصٌّ من أدب الرحلات، في القرن السابع عشر والثامن عشر، يُسمَّى (سفارتنامة)، وظهر هذا النَّوع من أدب الرحلات عندما بدأ الأتراك يتَّجهون بأبصارهم إلى أوروبا، وسرعانَ ما كُتِب لهذا النَّوع الذُّيوعُ والرَّواج، ولقد ظهر هذا الطراز من الكتابة نتيجةَ النشاط الدبلوماسيِّ للدولة العثمانيَّة، والذي أسفر عن قيام علاقات قويَّة مع عدد كبير من الدول في الشرق والغرب، ولقد برز المغاربة في هذا النَّوع من الرحلات، ولم يستطعِ المشارقةُ مجاراتَهم في هذا الفن، وهذا الطراز من الكتابة.<br />
<br />
ويرجع هذا النَّوع من الرحلات إلى رحلات السُّفراء المغاربة إلى أوروبا كمبعوثين دبلوماسيِّين، للتفاوض على فكِّ الأسرى، وإبرام معاهدات الصُّلح، ولقد قامت سياسة السُّلطان المغربي، محمد بن عبدالله، خلالَ النِّصف الثاني من القرن الثامن عشر، على فكِّ الأسرى، وإبرام معاهدات الصُّلح، وتقارُبِ وجهات النَّظر بين الطرف العربي والأوروبي، إلاَّ أنَّ سياسة السُّلطان فشلت في تحقيق الانفتاح على أوروبا؛ لأنَّ أوروبا كانت لها مصالحها وأطماعُها في العالَم الإسلامي، والتي كانت تهدُف إلى احتلاله والسَّيطرة عليه، كانت هذه الرحلات نتيجةَ التفوُّق الحضاري الأوروبي، وسعى الجانب العربيُّ إلى الانفتاح على منجزات النهضة الأوروبيَّة، والتطلُّع إليها، وقد عبَّرت كتب الرَّحَّالة المغاربة عن تصوراتهم تُجاهَ أوروبا، من خلال السفاريات والبعثات الدبلوماسيَّة، ولذلك أبدى الرَّحَّالة السفاريُّون - الدبلوماسيُّون - اهتمامَهم بموضوعات محدَّدة في القرن 19، مثل السلاح والنِّظام والقوَّة والإصلاح والتحديث.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>ومن أشهر تلك السفاريات:</b></font><br />
رحلة الوزير في افتكاك الأسير 1690 - 1691م لمحمد بن عبدالوهاب الغساني الأندلسي، المتوفَّى بها عام 1119هـ/1707 - 1708م، وهو وزير مغربي &quot;سجَّل ارتساماتِه عن الرحلة التي سافر فيها إلى إسبانيا في سفارته عن السُّلطان العلوي إسماعيل بن الشريف، إلى كارلوس الثاني عام 1102هـ/1690 - 1691م، وكانت تهدُف إلى استنقاذ الأسرى المسلمين بهذه البلاد&quot;[2]، صوَّر فيها الحياةَ الإسبانيَّة في القرن السابع عشر.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>إسهام المسلمين في أدب الرحلات:</b></font><br />
 إنَّ قدرة المسلمين على الإسهام والعطاء تأسَّست بناءً على منهج واضح، ورؤيةٍ متكاملة وشاملة للكَون كلِّه، وللمرَّة الأولى التي يُصبح للعرب فيها منهجٌ واضح، ومرجعيَّة عُليا مكوَّنة من القرآن والسُّنة، تكون هي الحاكمةَ والمحرِّكة لكلِّ شؤون الحياة.<br />
<br />
وقد تمثَّل جزءٌ من هذا العطاء الحضاري، في إسهام المسلمين في تنشيط الرِّحلةبثلاثة رحلات جديدة لم يعرفْها العالَم من قبل، استمدَّها المسلمون من الشريعة الإسلاميَّة، حيث فرض الإسلام بعضَها، وحثَّ أتباعه على فِعْل البعض الآخر.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>أول</b><b>اً: الرحلة الحجازية:</b></font><br />
وهي رحلةٌ رُوحيَّة إلى بيت الله الحرام، حيث يتوجَّه المسلم بالسَّفر إلى مكَّة لأداءِ فريضة الحجِّ - أحد أركان الإسلام الخمسة - وزيارةِ المسجد النبويِّ بالمدينة النبويَّة، راجيًا من الله أن يغفرَ ذنبه، ويقبل توبته، ولقد نشأ هذا اللَّون من الكتابة الرحليَّة عندما كان المغاربة والأندلسيُّون ينتهزون فرصةَ خروجهم بغرض أداء فريضة الحجِّ إلى بيت الله الحرام بمكَّة المكرمة، وزيارة مسجد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالمدينة النبوية، فيُدوِّنون رحلتَهم منذ خروجهم قاصدين البيتَ الحرام بمكة، وأداءَ مشاعر ومناسك الحج، وزيارةَ مسجد النبي بالمدينة النبويَّة.<br />
<br />
ويتناولون بالوصف الدقيق مراحلَ الحج، والمدن والبُلدان التي يمرُّون عليها، وتسجيل انطباعاتهم عن أحوال تلك البلاد، حتى يتمَّ لهم الوصول إلى هدفِهم، وهو بيت الله الحرام، فتشتمل الرحلة على وصْف مفصَّل عن مكَّة والمدينة، ووصفِ بيت الله الحرام، وكيفية تأدية مناسك الحج، فتَكوَّن من هذه الرحلات مكتبةٌ ضخمة قائمةٌ بذاتها عُرِفت باسم الرحلة الحجازيَّة.<br />
<br />
ولقد تحوَّلت الرحلة على يد القاضي أبي بكر ابن العربي - رحلته إلى طلب العلم، ورحلته الحجازية - إلى أدبٍ مكتوب على شكل مذكرات يوميَّة، ويتناول بالوصف والتصوير انطباعاتِه ومشاهداتِه خلالَ مشوار الرحلات، ثم جاء الرَّحَّالة الشهير ابن جُبير، وهو الذي أَصَّل لهذا اللَّون من الأدب، ووضع أُسس الرِّحلة ومقوماتها، وخصائص كتابتها وصياغتها، وقد اقتفى نهجَه وسار على دَربِه أغلبُ الرَّحَّالة المغاربة من بعده، حيث تابَعَه معظمُ الرَّحَّالة في تدوين رحلاتهم في كتاب مستقلٍّ يشتمل على تاريخ خروج الرِّحلة، وتحديد مكان الانطلاق، وتحديد الجِهة التي يقصدونها، ووصف طريق الرِّحلة ويوم الوصول، ووصف المدينة التي حطُّوا رحالَهم إليها، وتعيين مراحل السَّفر، ومراكز الماء، وأماكن الرَّوابط والحبوس، مع الاهتمام بتسجيل كلِّ ما يشاهده ويلاحظه الرَّحَّالة واصفًا كلَّ شيء وصفًا دقيقًا بأسلوب أدبيٍ سهل ويسيرٍ، يغلب عليه الطابع القصصي، ثم جاء ابنُ بطوطة ليُقدِّم نمطًا جديدًا ينحو منحى الغرائب، ثم تعدَّدت الرحلات الحجازيَّة، حتى أصبحت طرازًا فنيًّا مستقلاًّ بذاته.<br />
<br />
يرجع الفضل إلى المغاربة والأندلسيِّين في تأصيل هذا اللَّون من الكتابة الرحليَّة، لقد كانت عاطفتُهم الدِّينيِّة القويَّة هي التي تحرِّكهم، وتدفع بهم للخروج إلى زيارة البيت الحرام، وأداء الفريضة، وتحمَّلوا في سبيل ذلك المشاقَّ والصِّعاب، حتى إنَّها أصبحت فنًّا قائمًا بذاته له أُسُسه وخصائصه المميِّزة له حيث &quot;اشتهر الأندلسيُّون والمغاربة بأدب الرحلات، وحظي عندهم بعناية خاصَّة قد تفوق عنايةَ المشارقة به&quot;[3].<br />
<br />
وظلَّ هذا اللَّون في تدفقه وعذوبته، في كتابات وإبداعات كِبار المفكِّرين والأدباء في العصر الحديث، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر: &quot;الرحلة الحجازية&quot; للبتنوني، &quot;الارتسامات اللِّطاف&quot; لشكيب أرسلان، &quot;في منزل الوحي&quot; لمحمد حسين هيكل.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>ثان</b><b>يًا: الرحلة العلمية - رحلات طلب العلم:</b></font><br />
قلنا: إنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حثَّ صحابته على الخروج لطلب العلم، كما لَفت القرآنُ الكريم أنظارَ المسلمين إلى أهميته، في البداية نشطت الرِّحلة إلى طلب العلم امتثالاً لأوامر الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولَمَّا فتح الله على العرب المسلمين البلاد، ودخل أصحابُها في دين الله، توجَّه أصحاب تلك البلاد المفتوحة إلى عاصمة الخِلافة، وإلى مكَّة والمدينة بصفتهما مركزَ الدَّعوة، وموطن الصحابة، حفظةِ عِلم الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم<b>.<br />
<br />
</b>وتميَّز العصر الأُمويُّ في القرن الأول الهجري - عصر صدر الإسلام - بنشاط الرِّحلة في طلب العلم، وخاصَّة الرحلةَ إلى طلب الإسناد العالي للحديث، حيث يرحل طالبُ العِلم (الراوي)، إلى الصحابي حيث هو، فيروي عنه الحديثَ الذي سمعه من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مباشرةً، وهو أخصرُ طرق الحديث المتَّصِلة، فبدلاً من أن يأخذ التابعيُّ عن تابعيٍّ، يأخذ الراوي عن الصحابي مباشرة.<br />
<br />
&quot;حتى لقد كان أحدُهم يرحل المراحل، ويقطع الفيافي والمفاوز، ويجوب البلادَ شرقًا وغربًا في طلب حديث واحد؛ ليَسمعَه مِن راويه‏،‏ فمنهم مَن يكون الباعثُ له على الرحلة طلبَ ذلك الحديث لذاته، ومنهم مَن يقرن بتلك الرغبة سماعَه من ذلك الراوي بعينه؛ إمَّا لثقته في نفسه، وإمَّا لعلوِّ إسناده،   فانبعثتِ العزائم إلى تحصيله&quot;[4].‏<br />
<br />
&quot;ولم تكن المدينة النبوية هي المعقلَ الوحيد للرِّواية - وإن كانت تحتلُّ الصدارة في هذا الباب - بل قصد طلاب العلم بلدانًا ومدنًا أخرى، مثل مكَّة والطائف، واليمامة وصنعاء&quot;[5]، وذلك بسبب انتشار الصحابة في الأمصار، ولقد أدَّى انتشار العلماء إلى تعدُّد المراكز العِلميَّة، وأسهمت المراكزُ العلمية بدَور كبير في زيادة النشاط العِلمي، كما أسهمت الرِّحلةُ إلى طلب العلم في سرعة انتشار الآراء والمذاهب والأفكار على أيدي طلاَّب العِلم والمتعلِّمين، ولم يهتمَّ أولئك المحدِّثون العِظام (البخاري ومسلم) بتدوين أخبار رحلاتهم، ولو فعلوا ذلك لقدَّموا معلوماتٍ نادرةً وغزيرة، وأكثر إفادة من التي نجدها في كتب الرحلات المتأخِّرة، مثل: رحلة ابن جبير، وابن بطوطة.<br />
<br />
&quot;كانت الرغبة الشخصيَّة في الترحال أو السَّفر لطلب العلم والمعرفة من أقوى الدوافع للمسلمين لزيارة البلادِ التي تُحقِّق هدفَهم؛ بغضِّ النظر عن الصُّعوبات التي يمكن أن تصادفَهم&quot;[6].<br />
<br />
تحمَّل طلاَّب العِلم مشقَّاتِ السفر والترحال إلى مراكز العِلم والمعرفة، ولم يقفْ طلب العلم عند التفقُّه في الدِّين وعلومه فقط؛ بل كانت هناك رحلات لطلب العلوم الدنيويَّة أيضًا، ثم تطوَّرت هذه الرحلات بعدَ إنشاء المكتبات في عواصم الخِلافة الإسلاميَّة، فأصبحت محطَّ رحال طلبة العلم، وكان للخلفاء المسلمين دَورٌ كبير في تشجيع طلاَّب العِلم على السفر إلى مراكز الحضارة والمعرفة.<br />
<br />
<font color="#800000"><b>ومن هذه الرحلات:</b></font><b> رحلة الإمام الشافعي</b> التي تنتهي به إلى مصر، وقد رواها تلميذُه الربيع بن سليمان، وهي تدور حولَ رحلة الإمام الشافعي طلبًا للعلم، مِن فلسطين إلى مكَّة، ثم إلى المدينة، ونزوله على الإمام مالك، والتعلُّم على يديه، وتحصيل مذهبه، ثم انتقل إلى العِراق، وبعدَ وفاة الإمام مالك ضاق به الحِجاز، فغادرَها إلى مصر، وبها أقام ما تبقَّى من حياته، وفيها نشَر أُسس مذهبه، وذاع صِيتُه، وارتحل إليه طلاَّب العلم من كلِّ مكان، وهذا النَّوع من الرحلات لا يحفل بذكْر الأماكن، أو وصْف المدن التي شدُّوا الرِّحال إليها، أو الاهتمام بعادات وتقاليد الشُّعوب، لم تهتمَّ هذه الرحلة إلاَّ بطلب الحديث، أو بتوثيق الرِّواية، أو طلب الإسناد العالي.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>ومن مم</b><b>يِّزات تلك الرحلات:</b></font><br />
 - تحلِّي المسلمين الأوائل بالرُّوح العلميَّة، كما تحلَّوْا بحيوية ونشاط دفعتهم إلى جَوْب الآفاق، وأخْذ العِلم من شتَّى المراكز الفكريَّة.<br />
<br />
- تلاشت رُوح العصبيَّة القوميَّة، واختلط المشارقة بالمغاربة، واليمنيُّون بالشاميِّين، والإيرانيُّون بالجزيرة العربية، فلم يكن بين الشُّعوب الإسلامية أيُّ مظهر من مظاهر العصبيَّة أو النعرات القبليَّة أو الطائفيًّة أو الشعوبيَّة، ولم يكن ذلك فقط أيَّامَ تمتُّع البلاد العربية والإسلامية بوحدة سياسيَّة واحدة، وقيادة واحدة، وراية واحدة؛ بل ظلَّت هذه الرُّوح موجودةً حتى بعد انقسام العالَم الإسلامي، وتعدُّد الدول والقيادات، وتعدُّد ألوان الرايات.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>الرحلة الفهرسية (البرنامج) أو البرامجية</b></font><b><b>[7]</b></b><font color="#008080">:</font><br />
لقد ابتكر الأندلسيُّون والمغاربة هذا النَّوع من الرحلات، حيث اتخذت الرحلة الأندلسيَّة طابعًا دِينيًّا علميًّافي آنٍ واحد،وقد تمثَّل الطابع الدِّيني في رحلات الحج، وشدِّ الرحال إلى الأماكن المقدَّسة، كما اتضحت ملامحُ الطابع العِلمي في الرحلة إلى طلب العلم.<br />
<br />
اتَّخذت هذه الرحلة من الخروج إلى أداء فريضة الحج أساسًا لها، ثم الطواف على الأماكن المقدَّسة في مكَّة والمدينة والحِجاز، وملاقاة عُلماءِ الحرمين الشريفَين، واهتمَّ طلبة العلم الأندلسيون اهتمامًا خاصًّا بمقابلة الإمام مالك بن أنس - إمام دار الهجرة، ت:179هـ/795م - وأخْذِ العِلم على يديه، أو على يدِ تلاميذه من بعده، ثم اتسع النِّطاق الجغرافيُّ للرحلة الأندلسيَّة في طلب العِلم، فارتحلوا إلى اليمن والعِراق والشام؛ ليتشبعوا بالعِلم، والسَّماع من أكابرِ علماء المشرق، ومجالستهم في حواضرِ الثقافة العربيَّة؛ ولذلك يكاد يخلو هذا النَّوع من الوصف الجغرافي، وعدم التطرُّق للأحوال السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة.<br />
<br />
لقد أصبحت الرحلة الفهرسيَّة نموذجًا جيِّدًا، وطرازًا فريدًا للتواصُل داخلَ العالَم الإسلامي، حيث يطوف الرَّحَّالة المغاربة على مراكز العِلم بالمشرق لملاقاة كِبار العلماء والأدباء والمشايخ؛ طلبًا للعِلم وتحصيله.<br />
<br />
وحَفِظ لنا هذا اللَّونُ من أدب الرحلات تراجمَ وافيةً لأعلام وعلماء وأساتذة لا نعرف عنهم شيئًا، ولم تَنقل لنا أمَّهاتُ الكتب في التراجم والسِّير أي شيء، أو أي ترجمة محررة عن هؤلاء الأعلام، ولا نجد تراجمَ لمثل هؤلاء إلاَّ في مثل هذا اللَّون من أدب الرحلات، حيث يهتمُّ الرَّحَّالة بسرْد أسماء الأساتذة والعلماء الذين الْتقى بهم، وخالطهم خلالَ الرِّحلة، وكان التفاخر في الالْتقاء بأكبر عدد ممكن من أكابر العُلماء خلالَ زمن الرحلة، ثم يتطرَّق الرَّحَّالة إلى وصف المكتبات ودُور العِلم، وبعض الرِّفاق من الطلاب، ووسائل التدريس، وكتب الكثير من هؤلاء الرَّحَّالة ترجمة ذاتية لأنفسهم، كانت بمثابة التعريف بمؤلِّف الرحلة؛ بل إنَّ بعض الكتب لم يُعرف عنها أيُّ شيء إلاَّ من خلال أمثال تلك الرحلات.<br />
<br />
&quot;لقد ظلَّت الرحلة في طلب العِلم مظهرًا مشرفًا ونبيلاً في الثقافة العربية الإسلامية، حيث ظلَّ الناس يتبادلون الرِّحلة من المشرق إلى المغرب، ومن المغرب إلى المشرق، خصوصًا للكروع من ينابيع المعرفة، والسَّماع من أكابر العلماء والمفكِّرين، ومجالستهم ومناقشاتهم فيما كان يَعرِض لهم من مسائل العِلم، وقضايا المعرفة&quot;[8].<br />
<br />
إنَّ الرحلة في طلب العِلم في العصور الإسلاميَّة أصبحت معيارًا للحكم على مستوى العلماء والفقهاء، فلا تكتمل ثقافةُ طالب العِلم وعِلمُه وأدبه إلاَّ إذا ارتحل إلى الشرق، واتَّصل بعلمائه وجالسهم، وأخذ منهم، &quot;ولقد ظلَّت هذه السِّيرة قائمة إلى النِّصف الأوَّل من القرن العشرين&quot;[9].<br />
<br />
ولكن ابتداءً من القرن الثالث عشر الميلادي طَغى طابع الرحلات الوصفيَّة، والتي اتسعت أغراضُها لتشملَ وصف المراحل والمناهل التي مر بها الأندلسيُّون في طريقهم إلى الحج، فضلاً عن اهتمامِها بوصْف المكان، واستقصاء أحوال السكَّان، على نمط الرحلة (الرحلة الفهرسيَّة).<br />
<br />
<font color="#800000"><b>ومن أشهر هذه الرحلات:</b></font>رِحلة العبدريفي سنة 688هـ/1289م، ورحلة محمد بن عمر بن إدريس بن رشيد 657 - 721هـ/1258 - 1321م.<br />
<br />
<font color="#3366ff"><b>ثال</b><b>ثًا: الرحلة السياحية، أو رحلات التجوُّل والطواف في الأرض</b>:</font><br />
لقد وَضعَ الإسلام قانونَ حرية الحركة؛ قال - تعالى:{<font color="#339966">وَالأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ</font>} <b>[</b>الرحمن: 10]، كل الأرض لكلِّ الناس، فلا حِكرَ ولا احتكار، ولا حدود ولا حواجز، وقال  تعالى:{<font color="#339966">هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ</font><b>}</b> [الملك: 15].<br />
<br />
والرحلة السياحيَّة رحلةٌ حرَّة بلا قيود، ومتحرِّرة من كلِّ غرض، غير غرض الاستمتاع بالرحلة ذاتها، فلا تهدف إلى المتعة والتنزُّه واكتساب مهارات وخبرات جديدة، وتوسيع دائرة المعارف، بل ينبع هدفُها من ذات صاحبها، فالرَّحَّالة هو الوحيدُ الذي يعرِف هدفَه من الرحلة.<br />
<br />
ولقد حثَّ الإسلام على تلك الرحلات، ففرضت قوة الدولة الإسلاميَّة وهيبتها في العالَم كلِّه، والتي جعلت هذا النَّوع ينشط، حيث فَرَض الإسلامُ الأمن، فلم يعد الرَّحَّالة يخاف، والطرق التي مهَّدها الإسلام، واكتشاف طرق جديدة أسهل وآمن، وتأمين تلك الطُّرق والعَلاقات التي بين الإسلام وغيره من الدول فَرضَت عليهم احترامَ المسلم في أيِّ مكان ينزل فيه، وقد بلغ ابن بطوطة بهذا النَّوع من أدب الرحلات في رحلته السياحيَّة وجولته حولَ العالم القديم القِمةَ في فنِّ الرحلات، حيث تجمَّعت في رحلته كلُّ الخصائص الفنيَّة، والأُسس التي تقوم عليها الرحلة.<br />
  <br />
 ـــــــــــــــــ<br />
 [1]   صلاح الدين علي الشامي: الرحلة عين الجغرافيا المبصرة في الكشف الجغرافي والدراسة الميدانية ـ ص 115 ـ منشأة المعارف بالإسكندرية ـ الطبعة الثانية - 1999م.<br />
 [2]   محمد المنوني، &quot;المصادر العربية لتاريخ المغرب من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث&quot; الجزء الأول، (ص:190)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، المملكة المغربية، جامعة محمد الخامس 1983م.<br />
[3]   كراتشيكوفسكي: &quot;تاريخ الأدب الجغرافي العربي&quot;، ترجمة: صلاح الدين هاشم، ط2، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1987، (ص: 293)، وما بعدها.<br />
[4]   صديق بن حسن القنوجي: &quot;أبجد العلوم&quot;، تحقيق: عبدالجبار زكار، دار الكتب العلمية، بيروت، 1978م، ‏(2/223‏).<br />
[5]   ابن سعد: &quot;الطبقات الكبرى&quot;، تحقيق إحسان عباس، (5/443 ، 503،523،549)، دار صادر، بيروت، 1968م.<br />
[6]   عبدالعزيز طريح شرف: &quot;الموجز في تاريخ الكشف الجغرافي&quot;، (ص: 50)، مؤسَّسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية.<br />
[7]   البرنامج يقابل معنى الفهرسة، فهو كتاب يَجمع فيه الشيخُ أسماءَ شيوخه وأساتذته من مروياته وقراءته على أشياخه والمصنفات ونحو ذلك، فلفظ برنامج يستعمله أهل الأندلس كثيرًا، والبرنامج يرادف الفهرسة والمعجم والثَّبَت والمشيخة، انظر عبدالحي بن عبدالكبير الكتاني: &quot;فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات&quot;، تحقيق إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1982م ، (1/67: 71).<br />
[8]   عبد الله مرتاض: &quot;حوار المشارقة والمغاربة&quot;، (2/74)، كتاب العربي، العدد 66، 2006م، الكويت<b>.<br />
</b>[9]   عبد الله مرتاض: &quot;حوار المشارقة والمغاربة&quot;، (2/75)، كتاب العربي، العدد 66، 2006م، الكويت<b>.</b><br />
 <br />
</font></font><br />
                                                                                    <font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div><font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331843</guid>
		</item>
		<item>
			<title>دردشة على فنجان قهوة</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331842&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Fri, 25 Sep 2026 14:15:41 GMT</pubDate>
			<description><![CDATA[*                 دردشة على فنجان قهوة* 
 
                                                                      سهاد عكيلة 
ونحن نُنهي أعمال السنة الأخيرة من تخصُّصِنا**[1]**، تتراءى لكلٍّ منا صورةٌ ترسم ملامحَ المرحلة المقبلة، وتحدِّد أُطُرَ المستقبل القريب، وتزدحم في مخيِّلتنا الأفكارُ، لتتساءل:...]]></description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><b>                 <font face="arial"><font size="6"><font color="#ff0000">دردشة على فنجان قهوة</font></font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font face="arial"><font size="5"><font size="6"><font color="#ff0000">سهاد عكيلة</font></font><br />
ونحن نُنهي أعمال السنة الأخيرة من تخصُّصِنا<b><b>[1]</b></b>، تتراءى لكلٍّ منا صورةٌ ترسم ملامحَ المرحلة المقبلة، وتحدِّد أُطُرَ المستقبل القريب، وتزدحم في مخيِّلتنا الأفكارُ، لتتساءل: ترى كيف نتلمَّسُ خُطانا، ونثبِّتُ أقدامَنا في هذا العالم الواسع المسمَّى: الإعلام؟<br />
<br />
بعد التخرُّج سينطلق كلٌّ منا إلى سوق العمل، ليصنع مستقبله، ويبني مجْدَه، ولكلٍّ أسلوبُه في البناء، وهذا مطلوب؛ لأن الاختلاف من طبيعة البشر، ولأنه يُضفي على الحياة ألوانًا أخرى، فيزيدها رونقًا وجاذبية، ويحقِّق من خلالها التكاملَ في الجهد البشري وفي ميادين الحياة، وهو ثروة حقيقية إنِ الْتزم المختلفون قواعدَه.<br />
<br />
ولكن الاختلاف لا يعني القفزَ على أصول المهنة، وهو لا يعني العصيانَ على أصالة القيم التي تربَّيْنا عليها، والاختلافُ أيضًا لا يعني أن نلقي بأخلاقنا وراءَ ظهورِنا، ونمضي لنحقِّق ما نهوى؛ فللمهنة أدبياتٌ، ما نجح في حياته النجاحَ الحقيقي، وما بنى المجدَ الذي يستحق، إلا مَن تعلَّمها، وحرَصَ على تطبيقها.<br />
<br />
ومهما غيَّرنا وبدَّلنا من وسائلَ، واخترنا من أساليبَ في حياتنا العملية، تبقى الحقيقةُ واحدةً لا تتغير ولا تتلوَّن.<br />
<br />
فلا نقع في شَرَكِ تملُّق الزعماء، فنَدَعَ القلمَ يشرِّق ويغرِّب، ولا نقع في فخِّ الدعم المادي، فلا أحد منهم يدفع &quot;<font color="#000080">لوجه الله</font>&quot;، سيكون دعمه في الغالب مشروطًا، والصحفي الحر هو الذي يؤسِّس لقلمٍ حرٍّ نزيه، قويٍّ عصيٍّ على التكسُّر، ولا نقع في حُفَر المناصب والمراكز الموعودة، مقابلَ تزييف حقيقة، أو تلوين خبر؛ فأنت وأنا، وهو وهي، سنكون أعمدةَ الإعلام المسؤول، وعلينا تقع مسؤوليةُ استكمال عملية البناء على أُسُسٍ متينة، من خلال الاستفادة من خبرات مَن سبَقَنا والإضافة عليها، وتصحيح مسار ما انحرف منها.<br />
<br />
ما أودُّ قولَه - ونحن نودِّع مقاعدَ الدراسة، وزملاءَ التخصص، وأساتذة المهنة، والصرح العلمي الكبير الذي ضمَّنا أربع سنوات -: أن المالَ والشهرة والمناصب كلُّها جميلة ومغرية، ولكن مهما اشتدَّ سِحرُها، فإنها ستبقى قشورًا هشَّة، لا تلبث أن يَسْتَبِينَ ما تحتها من عَفَنٍ، وسيأتي يومٌ على كل مَن امتطى صهوتَها يتهاوى ليعود إلى نقطة البداية، ويا ليته يتعلَّمُ كيف يبتدئ من جديد.<br />
<br />
دعكم من ثرثرتي قليلاً، فقد وعدتُكم بالقهوة، <font color="#3366ff">هل سمعتم بقصة القهوة والفنجان؟</font> إذًا، استمتعوا معي بنكهة هذه القصة.<br />
<br />
الْتَقَى بعضُ خريجي إحدى الجامعات في منزل أستاذهم العجوز، بعد سنوات طويلة من التخرج، حقَّقوا فيها نجاحاتٍ كبيرةً في حياتهم العمليَّة، ونالوا أرفع المناصب، وحقَّقوا الاستقرار المادي والاجتماعي.<br />
<br />
وبعد عبارات التحية والمجاملة، بدأ كلٌّ منهم يتأفف من ضغوط العمل والحياة، التي تسبِّبُ له الكثيرَ من التوتر.<br />
<br />
وغاب الأستاذُ عنهم قليلاً، ثم عاد يحمل إبريقًا كبيرًا من القهوة، ومعه أكوابٌ من كل شكل ولون: صيني فاخر، ميلامين، زجاج عادي، كريستال، بلاستيك... بعضُ الأكواب كانت في منتهى الفخامة والجمال، وبعضُها الآخر كان من النوع الذي نجده في البيوت الفقيرة، وقال لهم أستاذهم: &quot;<font color="#000080">تفضلوا، كلُّ واحد منكم يسكب لنفسه القهوة</font>&quot;، وعندما أمسك كلٌّ منهم بكوبه.<br />
<br />
<font color="#339966">تكلم الأستاذ مجددًا:</font><br />
&quot;هل لاحظتم أن الأكواب الجميلة فقط هي التي وقع عليها اختيارُكم، وأنكم تجنَّبتُم الأكوابَ العادية؟ ومن الطبيعي أن يتطلَّعَ الواحد منكم إلى ما هو أفضل، وهذا بالضبط ما يسبِّب لكم القلقَ والتوتر، ما كنتم بحاجة إليه فعلاً هو القهوةُ، وليس الكوبَ، ولكنكم تهافتُّم على الأكواب الجميلة الثمينة، وعَيْنُ كل واحد منكم على كوب صديقه، فلو كانت الحياة هي القهوةَ، فإن الوظيفة، والمال، والمكانةَ الاجتماعية، هي الأكوابُ، وهي بالتالي مجردُ أدوات و&quot;مواعين&quot; تحوي الحياة، ونوعيةُ الحياة (القهوة) هي هي لا تتغير، وبالتركيز فقط على الكوب نضيِّع فرصة الاستمتاع بالقهوة&quot;.<br />
<br />
وبعدُ، فلن أزيد على حكمة مَن فَهِمَ الحياةَ وخَبَرَها.<br />
<br />
وإنما أقول: لعلنا نلتقي في أيام الحياة، لنحكي لبعضنا قصة الإعلام الذي شَرُف بإضافتنا إليه، ولم نكن حرفًا زائدًا عليه.<br />
   <br />
 ــــــــــــــــــــ<br />
[1]  هذه مقالة كتبتُها في السنة التي تخرجتُ فيها في جامعة بيروت العربية (تخصص إعلام)، ضمن مشروع التخرج الذي كان عبارة عن مجلة اسمها &quot;أصداء&quot;.<br />
 <br />
<br />
                                                                                    <br />
<br />
</font></font><br />
<font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div><font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331842</guid>
		</item>
		<item>
			<title>سر اختيار الجزيرة العربية</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331841&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Fri, 25 Sep 2026 14:13:43 GMT</pubDate>
			<description>**سر اختيار الجزيرة العربية* 
*البيئة، الوثنية، النار** 
 
وليد بن عبدالعظيم آل سنو 
  
 *توطئة: 
*ثَمَّةَ أسرارٌ كثيرة لا يستطيع العلماءُ حصرها في اختيار الله - عزَّ وجلَّ - لتكون الجزيرة العربية مَهْدَ آخر رسالات السَّماء، وآخر إشارات بزوغ الفجر الجديد. 
  
إنَّنا حين نتأمل ما جاء عن مكَّة في...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><font size="5"><b><font face="arial"><font size="6"><font color="#ff0000"><b>سر اختيار الجزيرة العربية</b><br />
<b>البيئة، الوثنية، النار</b></font></font></font></b><br />
<br />
<font face="arial"><font size="6"><font color="#ff0000">وليد بن عبدالعظيم آل سنو</font></font></font><br />
 <br />
 <font face="arial"><font color="#008080"><b>توطئة:<br />
</b></font>ثَمَّةَ أسرارٌ كثيرة لا يستطيع العلماءُ حصرها في اختيار الله - عزَّ وجلَّ - لتكون الجزيرة العربية مَهْدَ آخر رسالات السَّماء، وآخر إشارات بزوغ الفجر الجديد.<br />
</font> <font face="arial"><br />
إنَّنا حين نتأمل ما جاء عن مكَّة في الإصحاح الستين من سفر أشعيا في الفصل الثاني والعشرين ما نصه: &quot;قومي استنيري فنورك جاء، ومجد الرَّب أشرق عليك، ها هو الظلام يغطي الأرض، والسواد الكثيف يشمل الأمم، أما عليك فيشرق الرب، كنت مهجورة مكروهة، لا أحدَ يعبر فيك، والآن أجعلك فخر الدُّهور، وبهجة جيل فجيل، لن يسمع بالظلم في أرضك، ولا بالدمار والخراب داخل حدودك، وجميع شعبك من الأبرار، يرثون الأرض إلى الأبد، القليل منهم يصير ألفًا، والصغير يصير أمة عظيمة&quot;، ندرك المغزى من الحكمة الإلهيَّة؛ لكون مكَّة كانت مهجورة لا أحد يعبر فيها.<br />
</font> <font face="arial"><br />
ومهما تفقد الإنسان تلك الأسرار يَجد أنَّ الطريق ما زال ممتدًا أمامه لا نهاية له.<br />
</font> <font face="arial"><br />
لكن الإنسان يحيا دائمًا وهو مولع باكتشاف الغامض، وكشف المستور، فيمضي لتقصي تلك الأسرار، والإتيان على بعضها بقدر الله - عزَّ وجلَّ.<br />
</font> <font face="arial"><br />
فحينًا بعد حين يكشف الله لبعض عباده عن هذه الأسرار، فمنها على سبيل المثال أسرار خلقية &quot;لطبيعة أبناء الجزيرة العربية&quot;، ومنها أسرار علميَّة، وأخري فكرية وثقافية، ومنها أسرار سياسية وجُغرافية، وأخرى اجتماعية؛ بل هناك أسرار نفسية وعقلية، وحتَّى أولئك الذين تسمَّوا بالمناطقة والفلاسفة، والباحثون عما وراء الطبيعة، خاضوا بحر الأسرار العظيم، فأخرجوا لنا بعض تلك الأسرار، وخاض من خاض في بحر التفسير والسنة، وكل ذلك بسبب تلك الآية، التي حَيَّرت العقول، وطاشت بالألباب، ووقفوا لها خاشعين خاضعين، حتَّى أولئك الغربيون الذين اكتشفوا أخيرًا - خدعة وخطأ - دِقَّة خط جرينيتش؛ ليثبتوا للدُّنيا كلها وللعالم أجمع أنَّ خط مكة أكثر دقة، وأنه وسط العالم.<br />
</font> <font face="arial"><br />
قال الله: {<font color="#339966">وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا</font>} [البقرة: 143]، فمعنى قوله: {<font color="#339966">وَسَطًا</font>}؛ أي: وسطًا في المكان، وسطًا في الخِلقة، وسطًا في المشاعر والأحاسيس، وسطًا في الأخلاق، بل وسطًا في الدعوة إليه - سبحانه - ووسطًا في كل شيء.<br />
</font> <font face="arial"><br />
هذا الوسط أو هذه الوسطيَّة لها أسرار كامنة، تُكتشف حينًا بعد حين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.<br />
</font> <font face="arial"><br />
هذا الاختيار الإلهي - وكفى به سببًا وسرًّا - لا يَمنعنا - على أيَّة حالٍ - من أنْ نبحثَ، ونخوض غمار تلك الأسرار، التي وراء هذا الاختيار، فسرُّ اختيار الجزيرة العربية يرتبط بتلك البيئة الوثنية، التي كانت تستوجب النار.</font><br />
 <b><font face="arial"><font color="#0000ff"><b>البيئة</b></font></font></b><br />
<br />
 <font face="arial">&quot;هل كانت مصادفة عابرة أنْ يظهرَ هذا الرسول بهذا الدين، في هذا الموضع من الأرض في هذا الزَّمان؟ إن هنالك نظامًا مقدورًا أو قصدًا مقصودًا، وتدبيرًا معينًا، وترتيبًا موضوعيًّا لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت؛ كي تؤدي دورًا معينًا ليس أقل نتائجه: تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر، وفي عالم الشعور على هذا الوضع، الذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد&quot;[1].<br />
</font> <font face="arial"><br />
إنَّ من أهم القضايا من وجهة نظري، التي يَجب أنْ تطرح في واقعنا المعاصر: معرفةَ طبيعة المجتمع، الذي عاش فيه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في بدء الدعوة، وعقائده وثقافته، وعلاقاته وطريقة مُواجهته للأحداث، وأسلوبه الدَّعوي؛ لنستطيع فَهْم التجربة النبوية بشكل عام وشامل وعميق، مع كيفيَّة نقل هذه التجربة إلى واقعنا المعاصر عند مُواجهتنا للمجتمع، الذي نتحرَّك فيه، فيما إذا كانت الأوضاع والمعطيات العامَّة متوافقة في سلوك كلاَ المجتمعين، مع استبعاد المؤثرات الخاصَّة التي تحكم بعض الأساليب المطروحة في التجربة.<br />
</font> <font face="arial"><br />
إنَّ دراسة هذه البيئة التي نشأ فيها الإسلامُ يتطلب النَّظر في أمرين غاية في الأهمية؛ لأنه دون التمعن في هذين الأمرين تكون الرُّؤية غير واضحة، والدِّراسة غير ناضجة، ناقصة غير وافية وغير متكاملة أيضًا، وهذان الأمران هما:<br />
<font color="#3366ff"><b>الأول:</b></font> يتعلق باختيار البيئة ذاتها؛ بمعنى: لماذا كانت الرِّسالة الخاتمة في هذه البقعة من الأرض دون غيرها؟ أي: لماذا كانت الجزيرة العربيَّة هي مهبط الوحي، والحضن الآمن للرسالة الخاتمة؟<br />
</font> <font face="arial"><br />
<font color="#3366ff"><b>الأمر الآخر:</b></font>يتعلق باختيار النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - حال كونه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، رغم أنَّه جاء يتلو عليهم آيات ربه - عزَّ وجلَّ.<br />
</font> <font face="arial"><br />
<font color="#008080">وهذان الأمران يَجب دراستهما في ظل دراسة أحوال الجاهليَّة لأسباب عدة؛ منها:</font><br />
1 - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - نشأ في تلك البيئة الجاهليَّة[2]، وأنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان أميًّا، ككثير من أبناء قريش؛ ولكنَّه لم يُمارس ما مارسوه، وتربوا عليه حال كونه &quot;أُمِّيًّا&quot; في بيئة &quot;جاهلية&quot;، وهذا ما يدعو للعجب والدَّهشة.<br />
</font> <font face="arial"><br />
أخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله - تعالى -: {<font color="#339966">هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ</font>} [الجمعة: 2]، قال: هو محمد؛ {<font color="#339966">يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ</font>} [الجمعة: 2]، قال: القرآن؛ {<font color="#339966">وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ</font>} [الجمعة: 2]، قال: هو الشرك[3].<br />
</font> <font face="arial"><br />
2 - أنَّ الجزيرة العربيَّة كانت بيئة هادئة بعيدة عن الأفكار الهدَّامة &quot;<font color="#000080">المبتكرة</font>&quot; عقديًّا، تنعم بتلك الأفكار السطحيَّة البدوية الساذجة، حال كونها بعيدة عن تلك التيارات الفكرية المنحرفة، التي كانت سائدة في روما وفارس واليونان، وتلك ميزة مهمة.<br />
</font> <font face="arial"><br />
قال أحد رهبان الكنيسة: كانت أطراف المدينة - أي: روما - جميعًا ملأى بالجدل ترى ذلك في الأسواق، وعند باعة الملابس، وصيارفة النقود، وباعة الأطعمة، فأنت تريد أن تبدل قطعة من ذهب، فإذا بك في جدل عمَّا خُلق، وعما لم يخلق، وأنت تريد أن تقف على ثمن الخبز، فيجيبك مَن تسأله: الأب أعظم أم الابن؟ والابن خاضع له، وأنت تسأل عن حمَّامك، وهل ماؤه ساخن، فيجيبك غلامك: لقد خلق الابن من العدم[4].<br />
</font> <font face="arial"><br />
3 - تعلق هذين الأمرين بأحوال الجاهليَّة ألزم لهما من تعلقهما بالإسلام؛ إذ الإسلامُ جاء والعرب على تلك الحالة من الفَوضى والهمجيَّة والأمية، وقد ظل الأمر على ذلك أربعين سنة هي فترة عمر النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قبل البَعْثة، فدراسة هذين الأمرين في هذه الفترة يبيِّن لنا حقيقةَ الوضع للبيئة وللنبي معًا.<br />
</font> <font face="arial"><br />
4 - أمية النبي تثبت لنا حقيقة وتنقض مضادها.<br />
</font> <font face="arial"><br />
تثبت لنا صدقه فيما جاء به وتلك حقيقة، وتنفي كذبه كما نفاه أعداؤه قبل محبِّيه.<br />
</font> <font face="arial"><br />
يقول شارح الطحاوية: &quot;فإنَّ النبوة إمَّا يدَّعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين&quot;[5].<br />
</font> <font face="arial"><br />
فالصِّدق والكذب صورتان مُتقابلتان متضادتان؛ ولذلك وصف مسيلمة بصفتين: تصغير في اسمه؛ لتحقيره وإذلاله، فسُمي مسيلمة.<br />
</font> <font face="arial"><br />
والثانية: وصمه بالكذاب؛ لكذبه على الله، فصار مسيلمة الكذاب، وصار محمد الصادق الأمين، فصدق النبي لازم له؛ لأنَّ ما جاء به لا يحتمل إلا أمرًا واحدًا؛ لذا وصفه قومه بالصادق الأمين، ثُمَّ عادوا ووصفوه بالساحر الكذَّاب لماذا؟ لأنَّه بدأ يعادي نظام البيئة، وذوو الألباب منهم كانوا يدركون أنَّه ما كان ليصدق مع الناس، ويكذب على الله، وما كان ليكذب بعد الأربعين، وأنَّي له بمثل هذا الكتاب؟! {<font color="#339966">وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ</font>} [العنكبوت: 48]، &quot;والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوة النبوة؟!&quot;[6].<br />
</font> <font face="arial"><br />
5 - دَور الفطرة السليمة في نشأة الولد، مهما كان المجتمع الذي نشأ فيه، وهذا أمر مهم بالنسبة لتربية الأولاد ليس مجاله ها هنا.<br />
</font> <font face="arial"><br />
لذلك نقول: إنَّ دراسة البيئة التي نشأ فيها الإسلام، وتربَّى فيها النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - عنصر هام من عناصر دراسة السيرة النبوية؛ لأنَّ معنى دراسة البيئة &quot;دراسة الحرب القادمة&quot;، وفن قيادة الحرب موجود في ثنايا سيرة النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأن الحقيقة التَّاريخيَّة تؤكد مقولة أنَّ التاريخ دورات، وأنه يعيد نفسه بأنماط مختلفة، ونَحن ماضون في حلقته، سائرون في دروبه؛ حتَّى تقوم الساعة على الوثنية.</font><br />
 <b><font face="arial"><font color="#0000ff"><b>البيئة الوثنية</b></font><b><b>[7]</b></b></font></b><br />
<br />
 <font face="arial">هذا هو التعبير المتعارف عليه حال كون الأمم لا تعبد الله - عزَّ وجلَّ - وتفرده بالعبودية، وقد دخل ضمن هذا التعبير اليهود والنَّصارى - وكلاهما أهل كتاب - ومعهما قريش تحمل معها بقايا مُتناثرة من ملة إبراهيم - عليه السلام - لكن النَّاظر في أمر قريش يجد أنَّ الوثنية ألزم لها من غيرها، فاليهود والنَّصارى في تلك الأزمان كانوا قائمين على نتف يسيرة من الحق، أخذوا منه قليلاً وتركوا منه كثيرًا، وبقية الأمم غارقة في الشهوات والملذات حالها كحال قريش، إلا أن قريشًا كانت تختص بخصيصة عن غيرها، وهي الثبات على &quot;البيئة الوثنية&quot;؛ لاعتقادهم أنَّها ملة إبراهيم - عليه السلام - بل والافتخار بتلك العروبة والعصبية القبلية، وبأنهم من نسل إسماعيل - عليه السلام - وذلك على عكس اليهود والنَّصارى، الذين كانوا على استعدادٍ بعد تحريفِ وتبديل الدِّين لتغيير بلادهم ولغتهم ودياناتهم، كما فعلوا ذلك كثيرًا عبر التاريخ - الممعن في القدم، والمعاصر أيضًا - فكانت الوثنية في قريش أعظم من غيرها، وكان ذلك الشرك يستلزم النار.</font><br />
 <b><font face="arial"><font color="#0000ff"><br />
<br />
النار</font></font></b><br />
<br />
 <font face="arial">وكانت النَّار هي أصلَ العقاب الأرضي للبيئة الوثنية؛ لأنَّ الموت على الشِّرك يستلزم النار في الآخرة؛ ولذا كان من علامات قيام الساعة أنَّ الحشر يبدأ بنار تخرج من قعر عدن، ثم تنتشر في الأرض كلها؛ لأنَّ الأرض وقتئذٍ ستكون بيئة وثنية؛ لأنَّ كل نسمة طيبة تقبض، فلا يبقى إلا شرار الناس، فعودة أصل العقاب بعودة البيئة الوثنية، ومن أجل تلك العلة كانت مكة بعيدة عن الزَّلازل والبراكين والنار، حتى قيام الساعة؛ بل إنَّ العذاب العام رفع عن الأرض؛ بسبب دعاء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أولاً، ثم بسبب وجوده في تلك البقعة المباركة ثانيًا، وهذه الرحمة العامة الشاملة من أسرار اختيار مكة.</font><br />
 <b><font face="arial"><font color="#0000ff"><b>سر اختيار الجزيرة العربية</b></font></font></b><br />
<br />
 <font face="arial">&quot;ظلت شبه الجزيرة العربية، وكأنَّها واحة حصينة آمنة من الغزو، إلاَّ في بعض أطرافها، آمنة من انتشارِ الدَّعوة الدينية، مسيحية أو مجوسيَّة، إلا في قليل من قبائلها، وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها، وفى أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم&quot;[8].</font><br />
 <b><font face="arial"><font color="#0000ff"><b>موقع شبه الجزيرة الجغرافي</b></font></font></b><br />
<br />
 <font face="arial">&quot;فشبه جزيرة العرب مستطيل غير مُتوازي الأضلاع، شماله فلسطين وبادية الشَّام، وشرقه الحيرة ودجله والفُرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه بحر القلزم &quot;<font color="#000080">البحر الأحمر</font>&quot;، فهو إذًا حصين بالبحر من غربه وجنوبه، حصين بالصحراء من شماله، وبالصحراء وخليج فارس من شرقه، وليست هذه المناعة وحدَها التي عصمته من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني؛ بل عصمه كذلك ترامي أطرافه، فطول شبه الجزيرة يبلغ أكثر من ألف كيلو متر، وعرضه يبلغ نَحو الألف من الكيلومترات، وعصمه أكثر من هذا جدبُه جدبًا صرف عَيْنَ كل مستعمر عنه، فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معروفة يُمكن الاعتماد عليها، وتنظيم الصناعة إيَّاها، وفيما خلا اليمن الواقعة جنوب شبه الجزيرة، والممتازة بخصب أرضها، وكثرة نزول المطر فيها، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ذات زرع، وطبيعة جرداء لا تيسر الاستقرار، ولا تجلب الحضارة، وهي لا تشجِّع على حياة غير حياة البادية، وما تقضي به من الارتحال الدائم، واتِّخاذ الجمل سفينة للصَّحراء، وانتجاع مراعي الإبل، والاستقرار ريثما تأتي الإبل عليها، ثم الارتحال من جديد انتجاعًا لمرعى جديد.<br />
 <br />
وهذه المراعي التي ينتجعها بدو شبه الجزيرة، إنَّما تدور حول عين من العيون، تتفجر عن ماء المطر الذي يتسلل خلال أرض البلاد الحجرية، فينبت تفجره الخضرة المنتثرة ها هنا وهناك في واحات تحيط بهذه العيون، طبيعي في بلاد هذه حالها أن تكونَ كصحراء إفريقيَّة الكبرى، لا يقيم بها مقيم، ولا تعرف الحياةُ الإنسانية إليها سبيلاً، وطبيعي ألا يكون لمن يحل بهذه الصحراء غرض أكثر من ارتيادها والنَّجاة بنفسه منها، إلا في هذه النَّواحي القليلة التي تنبت الكلأ والمرعى، وطبيعي أن تظل هذه النواحي مجهولة من الناس؛ لقِلَّة مَن يغامر بحياته لارتيادها، وقد كانت بلاد العرب فيما سوى اليمن مَجهولة بالفعل من أهل تلك العصور القديمة&quot;[9].</font><br />
 <b><font face="arial"><font color="#0000ff"><b>موقع مكة</b></font></font></b><br />
<br />
 <font face="arial">&quot;في وسط طريق القوافل المحاذي للبحر الأحمر ما بين اليمن وفلسطين، تقوم عدَّة سلاسل من الجبال تبعد نحو الثمانين كيلو مترًا من الشاطئ، وهي تُحيط بواد غير فسيح، تكاد تحصره لولا منافذ ثلاثة، يصله أحدها بطريق اليمن، ويصله الثاني بوادٍ قريب من البحر الأحمر &quot;بحر القلزم&quot; عند مرفأ جدَّة، ويصله الثَّالث بالطريق المؤدي إلى فلسطين، في هذا الوادي المحصور بين الجبال تقوم مكَّة، ومن العسير معرفة تاريخ قيامها، وأكثر الظَّن أنَّه يرجع إلى ألوف من السنين خَلَت، والثابت أنَّ واديها اتُّخذ من قبل أن تُبنى موئلاً لراحة رجال القوافل؛ بسبب ما كان به من بعض العيون، وأنَّ رجال القوافل هؤلاء كانوا يجعلون منها مضارب لخيامهم، سواء منهم القادمون من فلسطين مُتَّجهين إلى اليمن، والراجح أن إسماعيل بن إبراهيم أول من اتَّخذها مقامًا وسكنًا، بعد أن كانت مجرد محلة للقوافل، وسوقًا للتجارة يقع فيها التبادل بين الآتِين من جنوب الجزيرة والمنحدرين من شمالها&quot;[10].</font><br />
 <b><font face="arial"><font color="#0000ff"><b>سر اختيار الجزيرة العربية مهدًا لنشأة الإسلام</b></font></font></b><br />
<br />
 <font face="arial"><font color="#800000">يقول الإمام/ أبو الأعلى المودودي - رحمه الله -: </font>&quot;وإذا نظرت نظرة في جغرافية العالم، علمت أنَّ بلاد العرب هي أنسب أرض للرسالة العالمية، فهي بين آسيا وأفريقيا، وأقرب ما تكون لأوروبا، ولا سيَّما بالنسبة لذلك الزَّمان الذي كانت فيه أمم أوروبا الراقية المتمدنة تسكُن في الأقسام الجنوبية منها، وبعدها عن بلاد العرب يعدل بُعد الهند عن هذه البلاد، ثم إذا قرأت ما قالت كتب التاريخ عن ذلك الزَّمان، عرفت أنه ما كانت في الدُّنيا أمة أنسب وأجدر بهذه الرِّسالة العالمية من الأُمَّة العربية، فقد أخذت أسباب الوهن والانحلال تُدرك سائر الأمم الراقية والقُوى العظيمة، بعد أن أقامت الدنيا وأقعدتها، بينما كانت الأمة العربية  - إذ ذاك - موفورة الجأش حامية الدم، وكان نمو المدنية، وارتقاء الحضارة وانتشار الترف في الأمم الأخرى - قد أفسد عليها عاداتها وخصالها.<br />
 <br />
أمَّا الأمة العربية فما كانت إلى ذلك العهد على مدنية تجعلها ناعمة البال، مولعة بالبذخ والترف، مائلة إلى السفائل والرذائل، وكانت هذه الأُمَّة بمنجاة تامة في القرن السادس الميلادي، من الآثار السيئة المنتشرة في أمم الأرض المتمدنة الأخرى، وكان فيها من الصِّفات الإنسانية العالمية جميع ما يُمكن أن يكون في أمة لم تصدمها المدنية بعواصفها، وكان العرب شجعانًا مقاديم، لا يقيمون وزنًا للرهب والخوف، باسطي الأيدي، قائمين بالعهود، أحرار الفكر والنَّظر، يُحبون الحرية والاستقلال، ويُؤثرونهما على كل شيء آخر، ولم تكن أعناقهم خاضعة لأمة أجنبية، وكانت عاطفة الاستماتة في الذود عن أعراضهم تجري في عروقهم، وكانوا يعيشون عيشة ساذجة لا تَعرف التَّرف والتنعم، لا ريب أنَّه كانت فيهم كثير من السيئات والمنكرات.<br />
 <br />
ولكن الحقَّ أنَّه ما كان منشأ هذه السيئات إلاَّ أنه ما خلا فيهم رسول من الله منذ ألفين وخمسمائة سنة؛ أي: منذ زمن إبراهيم - عليه السلام - إلى بعثة النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما قام فيهم زعيم يزكِّيهم، ويُعنى بإصلاح أخلاقهم وتعليمهم المدنيَّة والحضارة، وكانت الجاهليَّة مُنتشرة فيهم لما عاشوا عيشة الحرية في الصَّحراء قرونًا من الزَّمان، وقد بلغ تَماديهم في هذه الجاهليَّة أنه لم يكُن لأحد ليقبلَ تهذيبهم وإخراجهم من ظلمات البهيمية إلى نور الإنسانيَّة.<br />
 <br />
ولكنهم كانوا مع كل ذلك أهلاً لأنْ يُقيموا الدنيا ويقعدوها، إذا عُنِيَ بإصلاحهم وتعليمهم رجل عبقري، وقاموا على أثر دعوته وتعليمه بغاية سامية ورسالة شريفة في الدُّنيا، فإلى مثل هذه الأمة الفتية الباسلة المقدامة، كانت تَحتاج الرِّسالة العالمية لنشر كلمتها وتعميم دعوتها في سائر أرجاء الدُّنيا ونواحيها، ثم انظر نظرة في اللغة العربيَّة، فإنَّك إذا قرأت هذه اللغة، ودرست آدابها، ظهر لك - من دون أدنى ارتياب - أنَّه لا يُمكن أن تكون في الدنيا لغة أنسب من هذه اللغة لأداء الأفكار العالية، والإفصاح عن أدق معاني العلم الإلهي، والتأثير في القلوب، فبالجمل الصغيرة من هذه اللغة تؤدي الموضوعات المهمة، وتكون قوية التأثير في القلوب، إلى مثل هذه اللغة كانت تحتاج معاني القرآن الكريم، فمن حكمة الله البالغة، ورحمته الشاملة بعباده إذًا أن اختار أرض العرب على غيرها للنبوة العالمية&quot;[11].<br />
</font> <font face="arial"><br />
<font color="#000000">ويقول الشيخ/ إبراهيم شاهين - حفظه الله:</font> &quot;إنَّ الله مهد لهذا الدِّين باختيار تلك البقعة المباركة، فحماها بالبحارِ الحاكمة، حتَّى إذا جاء الإسلام، حماهُ من الحكومات والإمبراطوريات القويَّة، فكان مانعًا مائيًّا كبيرًا جدًّا، ومَحْضنًا طبيعيًّا رائعًا، ثم ترك الجزء الأعلى منفتحًا حتَّى يصل الخير منها إلى غيرها، إنه الجزء الذي ستنطلق منه الحضارة الإنسانية يمنة ويسرة تغذي العالم، ثم إنَّ الله جعل أرضَها صحراواتٍ ليس فيها شيء؛ حتَّى لا تكون مطمعًا للدول الحاكمة التي حولها فيزهدون فيها؛ ولذلك لما ظهر البترول صارت مطمعًا لكل طامع، وقد أخبر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن أرض العرب كانت مروجًا وأنهارًا[12]، ثم جاءها التصحر والقحل، والسر في ذلك لكي تحتفظ بنفسها، كالمادة الخام، حتى إذا جاء الإسلام نهضوا به؛ ولذلك كانت تلك البلاد بلا أي معللات حضارية، ثم إن الله اختار هذا المكان لتخرج منه أمة دعوية، فإن الله استخرجها لشيء لم يكن موجودًا في الأمم؛ ولذلك لم تكُن أمة صناعية، ولم تكن كذلك أمَّة زراعية، فدل ذلك على أن الهدف الأسمى أنْ تكون أمة دعوية؛ لأنَّ العالم يحتاج إلى الهدى؛ لذلك كانت المهمة الأولى هي مهمة الدعوة، وهذا هو الدور التاريخي لهذه الأمة&quot;[13].<br />
</font> <font face="arial"><br />
<font color="#000000">ويقول دكتور/ محمد سعيد البوطي:</font> &quot;الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون بعثته - عليه الصلاة والسلام - في هذه البقعة من العالم دون غيرها، وأن تكونَ نشأة الدعوة الإسلامية على يد العرب قبل غيرهم، ولبيان هذا ينبغي أولاً أن نعلم خصائص العرب وطباعهم قبل الإسلام، وأنْ نتصورَ البقعة الجغرافيَّة التي كانوا يعيشون فيها وموقعها مما حولها، وأن نتصور في مُقابل ذلك ما كانت عليه الأمم الأخرى إذ ذاك؛ كالفرس والروم واليونان والهنود، من العادات والطباع والخصائص الحضارية&quot;، &quot;أما الجزيرة العربية فقد كانت هادئة، بعيدة، بل مُنعزلة عن مظاهر هذه الاضطرابات كلها، فلم يكُن لدى أهلها من الترف والمدنية الفارسية؛ مما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الانحلال، وفلسفة مظاهر الإباحية والانحطاط الخُلُقي، ووضعها في قوالب من الدين، ولم يكُن لديهم من الطغيان العسكري الرُّوماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلُّط على أيِّ رقعة من حولهم، ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليُوناني ما يُصبحون به فريسة للأساطير والخُرافات، كانت طبائعهم أشبه ما تكون بالمادة الخام، التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة مُحوَّلة، فكانت تتراءى فيها الفطرة الإنسانيَّة السليمة، والنَّزعة القوية إلى الاتِّجاهات الإنسانية الحميدة؛ كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعِفَّة، إلا أنَّه كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق إلى كل ذلك.</font><br />
<font face="arial">يتبع </font><br />
</font></div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331841</guid>
		</item>
		<item>
			<title>كيف يصنع المعلّم صفًّا يتعلم فيه الجميع؟</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331815&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Thu, 24 Sep 2026 09:46:20 GMT</pubDate>
			<description>*كيف يصنع المعلّم صفًّا يتعلم فيه الجميع؟* 
 
                                          
 
*  لا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة بل يبني بيئة يتعلم فيها الطلاب الإنصات والسؤال والاختلاف باحترام 
* الانضباط الحقيقي لا يبدأ بالتشدد وكثرة التعليمات بل بعلاقة متوازنة تجمع الحزم والوضوح والاحتواء 
*...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center"><b><font size="6"><font color="#ff0000">كيف يصنع المعلّم صفًّا يتعلم فيه الجميع؟</font></font></b><br />
<br />
                                         <br />
<ul><li><font size="5"> لا يقتصر دور المعلم على نقل المعرفة بل يبني بيئة يتعلم فيها الطلاب الإنصات والسؤال والاختلاف باحترام</font></li>
<li><font size="5">الانضباط الحقيقي لا يبدأ بالتشدد وكثرة التعليمات بل بعلاقة متوازنة تجمع الحزم والوضوح والاحتواء</font></li>
<li><font size="5">يمنح الذكاء الاصطناعي المعلم وقتًا أكبر للتخطيط والإعداد وتطوير العملية التعليمية</font></li>
</ul>  <div align="center"><font size="5"><font color="#009595">مع بداية العام الدراسي، يدخل المعلم إلى صفه حاملًا خطة الدرس، والكتب، والوسائل والأنشطة وربما  يحمل شيئًا من القلق الاعتيادي الذي يرافق أي بداية جديدة، غير إن الحصة الأولى لا تبدأ في الحقيقة عند فتح الكتاب، ولا تنتهي عند إغلاقه، وإنما تبدأ من لحظة استقبال الطلاب، ومن النبرة التي يسمعونها، ومن الرسالة التي تلتقطها عيونهم عن معنى هذا المكان ومعنى وجودهم فيه.، والقيم التي تطرح فيه.</font></font></div> <font size="5">        المعلم لا يواجه مهمة نقل المعلومات فحسب؛ بل يشارك في بناء بيئة يتعلم فيها الطلاب كيف ينصتون؟ وكيف يسألون؟ وكيف يختلفون باحترام؟ وكيف يحاولون مرة أخرى حين يخطئون؟ ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه المعلم في بداية العام ليس درسًا مزدحمًا بالمعلومات، بل أثرًا واضحًا يقول للطلاب: أنتم مرحب بكم هنا، والتعلم عمل جاد، والخطأ جزء من الطريق، والاحترام قاعدة لا تتغير.</font><br />
 <div align="center"><font size="5"><u><font color="#009595"><u>العلاقة قبل التفاصيل</u></font></u></font></div> <font size="5">       قد يظن بعض المعلمين أن الانضباط يبدأ بالتشدد أو بكثرة التعليمات، بينما يبدأ الانضباط الحقيقي غالبًا بعلاقة متوازنة تجمع الدفء والوضوح، حين ينادي المعلم طلابه بأسمائهم، وينصت إلى إجاباتهم، ويصحح أخطاءهم دون تقليل أو إحراج، فهو يضع أساسًا نفسيًا يجعل الطالب أكثر استعدادًا لتقبل التوجيه والالتزام بالقواعد.</font><br />
 <font size="5">        المحبة في الفصل لا تعني التراخي، كما إن الحزم لا يعني القسوة، والصف الناجح هو الذي يعرف فيه الطالب ما المتوقع منه، ولماذا هو متوقع؟ وما الذي يحدث عندما يبتعد عن الاتفاق؟ ولذلك فإن القواعد الصّفية تكون أكثر فاعلية حين تكون قليلة وواضحة ومصاغة بإيجابية، مثل: «أبدأ مستعدًا»، و«أتحدث باحترام»، و«أشارك بفاعلية»، و«أعتني بصفّي».. هذه العبارات لا تبقى جميلة لأنها مكتوبة على لوحة؛ بل لأنها تُدرّب وتُمارس وتُطبّق بعدل واتساق.</font><br />
 <font size="5">        وعندما يحدث سلوك مزعج، لا يحتاج المعلم إلى تحويل الموقف إلى معركة، ولكن إشارة هادئة، أو اقتراب بسيط، أو تذكير مختصر بالاتفاق، قد يكون كافيًا في كثير من المواقف، وإذا احتاج الأمر إلى تدخل أكبر؛ فالأفضل أن يكون متدرجًا وواضحًا، مع الحرص على أن يبقى التصحيح موجهًا إلى السلوك لا إلى شخصية الطالب؛ فالهدف من التدخل ليس الانتصار في لحظة، بل إعادة الطالب إلى التعلم بكرامة.</font><br />
 <div align="center"><font size="5"><u><font color="#009595"><u>التخطيط الذي ينبغي أن يكون</u></font></u></font></div> <font size="5">        في بداية العام، تزداد المهام وتتراكم التفاصيل، وقد يتحول التحضير إلى أوراق كثيرة لا تنعكس بالضرورة على ما يحدث في الصف؛ لذلك يحتاج المعلم إلى نوع آخر من الاستعداد يسبق التحضير الكتابي: التحضير الذهني، وهو أن يقرأ الدرس بعيون طلابه، وأن يسأل نفسه: ما الفكرة التي قد تبدو صعبة؟ ما السؤال الذي يثير الفضول؟ ما المثال الأقرب إلى واقعهم؟ ومتى سيتحدثون أو يطبقون ما يتعلمونه؟</font><br />
 <font size="5">        هذا النوع من التفكير يغير شكل الحصة؛ فالدرس الجيد لا يبدأ عادةً بسيل من التعليمات، بل بتهيئة ذكية؛ سؤال محير، أو قصة قصيرة، أو صورة، أو موقف قريب من حياة الطلاب؛ ثم ينتقل إلى مشاركة حقيقية تجعل الطالب يفكر ويتحاور ويجرب، قبل أن يختم المعلم بسؤال أو مهمة صغيرة تكشف ما الذي بقي من التعلم.</font><br />
 <font size="5">        إن أول دقيقتين من الحصة تستحقان عناية خاصة؛ فمهمة ظاهرة على السبورة، وسؤال واحد واضح، وعبارة مختصرة تشرح مسار الحصة، يمكن أن تصنع فرقًا في هدوء البداية وتركيز الطلاب، ولا يحتاج الأمر إلى تعقيد؛ بل يحتاج إلى قصد واضح وإيقاع يعرفه الجميع.</font><br />
 <div align="center"><font size="5"><img src="https://al-forqan.net/wp-content/uploads/2026/09/معلم-ن--300x191.jpg" border="0" alt="" /></font></div> <div align="center"><font size="5"><u><font color="#009595"><u>التنوّع ليس زينة تعليمية</u></font></u></font></div> <font size="5">       لا توجد طريقة تدريس واحدة تصلح لكل هدف وكل طالب؛ فشرح مفهوم جديد يحتاج أحيانًا إلى مثال محسوس أو نموذج واضح، بينما تحتاج المهارة إلى ممارسة ومحاكاة وتغذية راجعة، أما التفكير في المشكلات فيزدهر حين يُمنح الطلاب سؤالًا حقيقيًا، ووقتًا للتفكير، ومساحة لتبادل الأفكار قبل الحكم عليها.</font><br />
 <font size="5">         ولهذا فإن التنويع في التدريس ليس بحثًا عن المظاهر أو عن الاستراتيجيات الرائجة، بل هو اختيار واعٍ للطريقة التي تقرّب الطالب من هدف التعلم. ويمكن للمعلم الجديد أن يبدأ بخطوات صغيرة: نشاط «فكّر-زاوج-شارِك»، أو محطتين للتعلم، أو عصف ذهني منظم، أو نشاط قصير في الحصة، ويُستثمر وقت الصف بعده في الحوار والتطبيق، المهم ألا يحاول تغيير كل شيء دفعة واحدة؛ فالتطوير الحقيقي يتراكم بالتجربة والملاحظة والتحسين.</font><br />
 <div align="center"><font size="5"><u><font color="#009595"><u>الذكاء الاصطناعي: مساعدٌ لا بديل</u></font></u></font></div> <font size="5">       دخل الذكاء الاصطناعي إلى البيئة التعليمية، ويمكن أن يمنح المعلم وقتًا أكبر للتخطيط والتفكير والإعداد؛ فمن الممكن الاستفادة منه لتوليد أفكار للتهيئة، أو صياغة أسئلة متنوعة، أو إعداد نسخ متفاوتة الصعوبة من نشاط واحد، أو بناء مسودة أولية لخطة درس أو معيار تقييم .</font><br />
 <font size="5">      لكن قيمة هذه الأداة لا تظهر إلا حين يقودها معلم واعٍ؛ فالذكاء الاصطناعي قد يقترح، لكنه لا يعرف طلاب الصف كما يعرفهم معلمهم، ولا يدرك تفاصيل بيئتهم، ولا يتحمل مسؤولية القرار التربوي؛ لذلك تبقى المراجعة والتحقق والتكييف ضرورية قبل استخدام أي مخرج؛ كما يجب حماية خصوصية الطلاب، وعدم إدخال بياناتهم الشخصية أو أعمالهم الحساسة في أدوات غير معتمدة.</font><br />
 <div align="center"><font size="5"><u><font color="#009595"><u>عامٌ دراسي يبدأ بخطوة</u></font></u></font></div> <font size="5">      ربما لا يخرج المعلم من يومه الأول وقد ضبط كل الروتين، أو اكتشف أفضل طريقة للتدريس، أو وجد الحل لكل تحدٍّ. وهذا أمر معتاد؛ فبداية العام ليست اختبارًا للكمال، بل فرصة لبناء عادات مهنية صغيرة وثابتة: أن يستقبل طلابه باهتمام، وأن يوضح قواعده، وأن يخطط لبداية ذكية، وأن يطلب الدعم عند الحاجة، وأن يتأمل ما حدث ليحسن ما سيحدث.</font><br />
 <font size="5">         في نهاية الأمر، لن يتذكر الطلاب عدد الشرائح التي عرضها المعلم، ولا كم صفحةً أنجز من الكتاب. لكنهم سيتذكرون -على الأرجح- معلمًا جعلهم يشعرون بأنهم قادرون على التعلم، وأن الخطأ لا يلغي المحاولة، وأن في الصف مساحة آمنة للعلم والاحترام والنمو.</font><br />
                   <br />
                                                                     <br />
<br />
                                                             <b>                                  <font size="5">                                   اعداد:    د. سالم يوسف الحسينان                                 </font>                               </b><br />
<br />
                             <br />
                         <br />
<font size="5"><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331815</guid>
		</item>
		<item>
			<title>الثَّقافة بين المفهوم والفعل</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331673&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Mon, 21 Sep 2026 09:42:18 GMT</pubDate>
			<description>**الثَّقافة بين المفهوم والفعل** 
 
صالح حسين الخلف 
   
كثيراً ما نصف مَن يمتلك سعة الاطلاع بأنَّه مثقَّف، دون أن ندقِّق في مدى تطابق الوصف مع الموصوف، فيتم الجمع بين مَن يمتلك الثَّقافة بالمعنى السطحيِّ، وبين مَن يمتلكها بالمعنى الحدِّي والمعمَّق، ويعتقد البعض منَّا بأنَّ الثَّقافة تقف عند احتواء...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center">                                                                                                                                 <font size="5"><b><font face="Arial"><font size="6"><font color="#ff0000"><b>الثَّقافة بين المفهوم والفعل</b></font></font></font></b><br />
<br />
<font face="Arial"><font size="6"><font color="#ff0000">صالح حسين الخلف</font></font></font><br />
 <font face="Arial"><br />
</font> <font face="Arial"><br />
كثيراً ما نصف مَن يمتلك سعة الاطلاع بأنَّه مثقَّف، دون أن ندقِّق في مدى تطابق الوصف مع الموصوف، فيتم الجمع بين مَن يمتلك الثَّقافة بالمعنى السطحيِّ، وبين مَن يمتلكها بالمعنى الحدِّي والمعمَّق، ويعتقد البعض منَّا بأنَّ الثَّقافة تقف عند احتواء المعارف المتنوِّعة وحفظها.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
بالرُّجوع إلى أوَّل معجم عربيٍّ نخرج بهذا المعنى الَّذي يشرحه الخليل بن أحمد، فيقول: &quot;إنِّي لَثَقْفٌ لَقْفٌ راوٍ رامٍ شاعرٌ.. وثَقِفتُ الشَّيءَ وهو سرعة تعلُّمه. وقلبٌ ثَقفٌ أي سريع التَّعلُّم والتَّفهُّم&quot;<b>[1]</b>، وعند الوصول إلى ابن فارس، فإنه يؤصِّل في مقاييسه لمفردة &quot;<font color="#000080">ثقف</font>&quot; معنى واحداً، وهو: &quot;إِقامة دَرءِ الشَّيء. ويقال ثقَّفتُ القناةَ إِذا أَقمتَ عِوَجَها.. وثقفتُ هذا الكلامَ من فلانٍ. ورجلٌ ثَقِْفٌ لَقِْفٌ، وذلك أن يصيب علمَ ما يسمعه على استواء&quot;<b>[2]</b>، ما يهمني في كلام ابن فارس أنَّه تتبَّع استعمالات المفردة ليجملها في معنى أصيل؛ يقرِّب منه كل ما يتفرَّع من هذه المفردة في استعمالات أخرى.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
أمَّا ابن منظور، فيجمل مادة &quot;ثقف&quot; في عدَّة معانٍ، منها: &quot;ثَقِفَ الشَّيءَ ثَقْفاً وثِقافاً وثُقُوفةً: حَذَقَه. ورجل ثَقْفٌ وثَقِفٌ وثَقُفٌ: حاذقٌ فَهِمٌ.. ابن السِّكِّيت: رجلٌ ثَقْفٌ لَقْفٌ إذا كان ضابِطاً لما يَحْوِيه قائماً بهِ. ويقال: ثَقِفَ الشَّيءَ وهو سرعةُ التَّعلُّم.. وثَقُفَ الرَّجل ثقافةً أي صار حاذقاً خفيفاً.. وثَقِفَ ثَقَفاً أي صار حاذقاً فطناً.. وهو غلامٌ لَقِنٌ ثَقِفٌ أي ذو فطنةٍ وذكاء، والمراد أنَّه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه. وفي حديث أم حكيم بنت عبد المطلب: إنِّي حَصانٌ فما أُكلَّم، وثَقافٌ فما أُعلَّم&quot;<b>[3]</b>.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
<font color="#339966">من </font><font color="#339966">خلال الشَّرح اللُّغويِّ للمفردة نخرج بالاستنتاجات التَّالية للمعنى العام:</font><br />
1- الثَّقافة تتطلَّب مهارةً وخفَّة في سرعة التَّعلُّم إضافة إلى العمل المستمرِّ، ممَّا يوصل صاحبها إلى الإلمام والوعي التَّام لما يحيط به.<br />
2- الثَّقافة في الكلام يتأصَّل معناها في إصابة علمٍ على استواء.<br />
3- المثقَّف هو مَن يكون ضابطاً لما يحويه من خبرات ومعارف مطبِّقاً هذه الأشياء في واقعه.<br />
4- إضافة معنى الفطنة والذَّكاء للمفردة وهذه لا تكون إلاَّ عن موهبةٍ بمعنى أنَّ المثقَّف يمتلك استعداداً فطريَّاً، وربَّما تدخَّل عامل الوراثة في الأمر.<br />
5- حصر المعرفة فيما يحتاج إليه فقط أي إنَّ الثَّقافة حاجة وليست ترفاً معرفيَّاً.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
اللُّغة إذن تربط الثَّقافة في معنى مراجعة الشَّيء والإحاطة به، ثمَّ فهمه فهماً دقيقاً، وكأنَّها تسعى بذلك إلى إصلاح ما اعوجَّ من مفهوم سابق لهذا الشَّيء تماماً كما في إقامة عوج القناة، فالثَّقافة على سبيل التَّشبيه غايتها أن تصل إلى المعرفة الصَّحيحة، ولا يكون ذلك إلاَّ بإقامة ما اعوجَّ من مفاهيم خاطئة، هذا ما فسَّرته لنا كتب اللُّغة.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
<font color="#339966">أمَّا عن الثَّقافة كمفهوم فيحدِّدها المجمع اللُّغويُّ بالقاهرة في الآتي: </font><br />
&quot;ثقافة.. كلُّ ما فيه استنارة للذِّهن وتهذيب للذَّوقِ وتنمية لملكة النَّقد والحكم لدى الفرد أو في المجتمع وتشتمل على المعارف والمعتقدات، والفنِّ والأخلاق وجميع القدرات الَّتي يسهم بها الفرد في مجتمعه&quot;<b>[4]</b>.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
غير أنَّ نصر محمد عارف يعترض على مثل هذه التَّعريفات الَّتي انتقلت فجأةً وبلا مقدِّمات إلى المعاني والدِّلالات الأوربيَّة للمفهوم دون تحليلٍ للدِّلالات الأصيلة وما يمكن أن يستنبط منها، فهذا المفهوم مجرد نقل وترجمة لمفردة (<font color="#0000ff"><b>culture</b></font>) الَّتي اختُلِف في ترجمتها بحسب ما توصَّل إليه نصر محمد، فمرَّة تترجم بالثَّقافة كبديل لهذا المصطلح، ومرَّة بالحضارة، وأخرى بالمدنيَّة، ممَّا استدعاه أن يؤلِّف كتاباً كاملاً حول هذا الالتباس في المفهوم.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
فالتَّعريف إذن محلُّ نظرٍ وتأمُّل، فلا بدَّ من تحديد ماهيَّة المفهوم وأبعاده ودلالاته انطلاقاً من الجذر اللُّغويِّ وربطه بما يستجدُّ من خلال التَّطور الدِّلاليِّ، لذا فقد حاول نصر محمد أن يسدَّ هذه الثَّغرة، ويستخلص ستَّ نقاطٍ لمفهوم &quot;<font color="#000080">الثَّقافة</font>&quot; اعتماداً على الأصل العربيِّ، ومن أقرب ما قاله في ماهيَّة المفهوم: &quot;إنَّه يركِّز في المعرفة على ما يحتاج إليه الإنسان طبقاً لظروف بيئته ومجتمعه، وليس على مطلق أنواع المعارف والعلوم، وإنما – كما يقول ابن منظور- &quot;هو غلام لقِنٌ ثَقْفٌ أي ذو فطنة وذكاء، والمراد أنَّه ثابت المعرفة بما يحتاج إليه&quot;.<br />
 <br />
وهذا يربط مفهوم الثَّقافة بالنمط المجتمعيِّ الَّذي يعيش الإنسان في ظلِّه، وليس بأيِّ مقياس آخر يقسِّم الثَّقافات قياساً على ثقافةٍ معيَّنة مثل مفهوم <font color="#0000ff"><b><font color="#000000">(</font><font color="#0000ff"><b>culture</b></font><font color="#000000">) </font></b></font>القائم على الغرس والفرض والمعياريَّة في التَّعامل مع الثَّقافات الأخرَى. فاللَّفظ العربيُّ يعتبر الإنسان مثقَّفاً طالما هو ثابت المعرفة بما يحتاج إليه في زمانه وعصره ومجتمعه وبيئته. ولذلك يكون المثقَّف - أشدُّ ما يكون - مرتبطاً بمجتمعه وقضاياه بغضِّ النَّظر عن كمِّ المعارف والمعلومات المكدَّسة في ذهنه والَّتي قد تكون أفكاراً ميِّتة أو مميتة كما يقول مالك بن نبي.<br />
 <br />
إذ المقصود بالثَّقافة إدراك طبيعة قضايا المجتمع وما يصلحه، ووظيفة المثقَّف هي إدارة الحياة ودفع المجتمع إلى القوَّة والمنفعة وتحسين أوضاع النَّاس. فدور المثقَّف هو دور المصلح، أو كما يطلق عليه غرامشي المثقَّف العضويَّ المرتبط أشدَّ ما يكون الارتباط بنمطه المجتمعي وقضاياه.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
أمَّا أخذ الثَّقافة بمعنى المعارف والعادات والقيم.. إلخ فقد يؤدِّي إلى ظهور أنماط من المثقَّفين إمَّا أن يكون مثقَّفاً تابعاً لنمط حضاريٍّ آخر يخرِّب مجتمعه من أجل تطبيق ما يؤمن به ويعتقد أنَّه الحقيقة المطلقة دون فهم لظروف مجتمعه وما يصلحه، أو مثقَّفاً ليس إلاَّ وعاء لأكداس من المعارف والمعلومات المتضاربة<b>[5]</b>.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
أمَّا الدُّكتور جميل صليبا فيخرجنا من مأزق التباس المفهوم بوضع معنيين الأوَّل خاصٌّ وهو المترجم عن المفهوم الأوروبي، والثَّاني عامٌّ وهو المستخلص من المفهوم العربي: &quot;والثَّقافة بالمعنى الخاصِّ هي تنمية الملكات العقليَّة أو تسوية بعض الوظائف البدنيَّة، ومنها تثقيف العقل، وتثقيف البدن. ومنها الثَّقافة الرِّياضيَّة، والثَّقافة الأدبيَّة، أو الفلسفيَّة.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
والثَّقافة بالمعنَى العامِّ هي ما يتَّصف به الرَّجل الحاذق المتعلِّم من ذوقٍ، وحسٍّ انتقاديٍّ، وحكم صحيح، أو هي التَّربية الَّتي أدَّت إلى إكسابه هذه الصِّفات&quot;<b>[6]</b>.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
المثقَّف إذن معنيٌّ بتشذيب ما غرس فيه سلفاً من مفاهيم مغلوطة، وتصحيح ما اكتسبه من معلومات ملتبسة؛ ليصل بعد ذلك إلى حالةٍ من الفهم والوعي التامِّ المستقل.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
إنَّه - على حدِّ تعبير محمَّد العلي- مَن يقوم بإنتاج الوعي أو: &quot;هو ذاك الَّذي يخضع الرُّؤية للموقف، والموقف للرُّؤية في اختيار مرهف. وهنا تكون رؤيته تَستخدم مع الواقع لغةً جدليَّةً. لا لغةً مسبقةً. ومن هنا أيضاً يستطيع تطويرَ الرُّؤية وإغناءَها&quot;<b>[7]</b>.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
وبحسب هذا التَّعريف يعرِّض المثقَّف قناعاته وأفكاره لمعاناةٍ شديدةٍ، لا تتوقَّف عند حدِّ المراجعة والتَّصحيح، بل تزداد هذه المعاناة عند اتَّضاح الرؤية واتِّخاذ موقفٍ ما مغاير لما كان عليه، ومن هنا تبدأ المعركة وعليه تحمُّل تبعاتها.<br />
</font> <font face="Arial"><br />
<font color="#3366ff">ولكن هل كلُّ شيءٍ معرَّض للمراجعة والتَّصحيح؟</font><br />
</font> <font face="Arial"><br />
بالطَّبع لا يمكن قبول مثل هذا الكلام؛ لأنَّ هناك أشياء فوق المراجعة وفوق التَّصحيح، إنَّها ثوابت الدِّين والعقيدة الَّتي يؤمن بها الفرد المسلم من خلال الكتاب والسنَّة، فمراجعة هذه الثوابت تدخل الإنسان في نفق مظلم لا يوصله إلا إلى ضلال، فالمطلوب هو مراجعة وتشذيب الأفكار البشريَّة تلك الَّتي يعتريها النَّقص والزَّيادة.</font><br />
  <br />
 <font face="Arial"><b><b>ـــــــــــــــــــــــ<br />
</b></b><b><b>[1]</b></b>  - كتاب العين، ج5، ص 138، 139.<br />
<b><b>[2]</b></b>  - معجم مقاييس اللُّغة، ج 1، ص 382، 383. <br />
<b><b>[3]</b></b>  - لسان العرب، ج9، ص 19. <br />
<b><b>[4]</b></b>  - المعجم الفلسفيُّ- مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص58.<br />
<b><b>[5]</b></b>  - كتاب: الحضارة- الثَّقافة- المدنية &quot;دراسة لسيرة المصطلح ودلالة المفهوم&quot;، ص 31، 32. <br />
<b><b>[6]</b></b>  - المعجم الفلسفيُّ- الدُّكتور جميل صليبا، ج1، ص 378. <br />
<b><b>[7]</b></b>   - محمَّد العلي شاعراً ومفكِّراً- عزيزة فتح الله، من محاضرة المثقف والإيديولوجيا، ص 317.</font><br />
 <br />
</font><br />
<font face="Arial"><font size="5"><br />
<br />
</font></font><br />
         <br />
<font face="Arial"><font size="5"><br />
</font></font></div><font face="Arial"><font size="5"><br />
</font></font></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331673</guid>
		</item>
		<item>
			<title>دعوى باطلة</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331672&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Mon, 21 Sep 2026 09:40:08 GMT</pubDate>
			<description>*                 دعوى باطلة* 
 
                                                                      حمدان بن راشد البقمي 
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .. 
 
أما بعد: 
* فإن دعوى المشركين أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - سفَّه أحلامهم...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center"><b>                 <font size="6"><font color="#ff0000">دعوى باطلة</font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font size="5"><font size="6"><font color="#ff0000">حمدان بن راشد البقمي</font></font><br />
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا ..<br />
<br />
<font color="#339966">أما بعد:</font><br />
<b> فإن دعوى المشركين أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - سفَّه أحلامهم (أي: عقولهم) باطلة لو عقلوا..<br />
<br />
</b>فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إلى المشركين وقد تعارفوا على أمور و نظموا حياتهم عليها في جميع شؤونهم سواء العقدية التعبدية منها أو التعاملية الحياتية أو السلوكية الأخلاقية، ولأنها لا تخضع لوحي فاحتمال البعد فيها عن العقل وبالتالي الخطأ أكبر بكثير، فالوحي هو ميزان العقول الذي يحدد لها مسارها الصحيح ومجالها الذي خلقت من أجله وبدون الوحي يطيش العقل وإن بلغ به صاحبه من الإدراك والحنكة والحكمة والدهاء والذكاء في متاهات وضلالات لا حد لها ولا منتهى.<br />
<br />
ومع ذلك فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر المشركين على ما تعارفوا عليه من أمور تتوافق مع العقل كإقراره لهم على كرم الخلق وحسن الضيافة في مجال السلوك والميزان في مجال الاقتصاد ، بخلاف أهل الكتاب فإنه كان يتقصد مخالفتهم لأنهم يدَّعون أن ما هم عليه من شرع الله ويعلمون صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنهم ليس لديهم امتناع عن الانقياد والاستسلام لدعواهم أنهم على دين سماوي والأديان السماوية كما هو معلوم قائمة على التصديق والتسليم والانقياد.<br />
<br />
ولم يقر - صلى الله عليه وسلم - المشركين على شركياتهم وعبادتهم للأوثان التي يزعمون أنها موافقة للعقل وعند جدالهم بالحجج العقلية التي توصل إلى إبطال أحقية ما يعبدون من الأوثان بالعبادة، فبمجرد العقل يقر العاقل أن تلك الصخرة أو الشجرة أو الصنم المزعوم التي يعرفون عجزها عن خلاص نفسها من الأخطار التي تهددها هي لا تملك لغيرها من باب أولى ضرا ولا نفعا، ومحاجتهم بالعقل تجعلهم يعترفون بحقيقة ذلك التعلق والاعتقاد وأنه غير مبني على تصور عقلي صحيح ولا مقدمات صحيحة ولا نتائج حقه فيعترفون أنهم على نهج آبائهم وهذا هو الداعي الصحيح عندهم لعبادة تلك الأوثان والأحجار والأشجار لا ما أدرجوه في دعواهم المقتضية أنهم توصلوا إلى اعتقادهم النفع والضر من غير الله بمحض عقولهم.<br />
<br />
وبهذا يعرف تناقض القوم في دعواهم وحقيقتهم ، وإنما استخدموا تلك الأساليب لتنفير الناس من الدعوة الحقة التي جاء بها نبي الله - صلى الله عليه وسلم -، <b>وعليه فإن زعمهم بأن محمدا سفه أحلامهم في إبطاله للشرك الذي يقرون أنه من تقرير أسلافهم لا بمحظ عقولهم باطل ليس له حظ من العقل.<br />
<br />
</b><font color="#800080">وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.</font><br />
<br />
                                                                                    <br />
<br />
</font><br />
<font size="5"><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331672</guid>
		</item>
		<item>
			<title>إنهم قادمون!</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331670&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Mon, 21 Sep 2026 09:35:07 GMT</pubDate>
			<description>**إنهم قادمون!** 
 
عبدالعظيم صبحي صقر 
   
 منذ ما يزيد عن قرنين من الزمان، بدأ الخداع، عملية منظَّمة استهدفَتِ استئصال عقل هذه الأمة المفكِّر، وقلبها النابض. 
 
إنهم يعدُّونها من مراحل الازدهار، في حين أن الكثير من العقلاء أعدوها أولى مراحل الاندحار. 
 
بدأتْ بالبعثات، شباب لمَّا تكتمل أسنانُهم...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center"><font size="5"><br />
</font><br />
<font size="5"><b><font size="6"><font color="#ff0000"><b>إنهم قادمون!</b></font></font></b><br />
<br />
<font size="6"><font color="#ff0000">عبدالعظيم صبحي صقر</font></font><br />
  <br />
 منذ ما يزيد عن قرنين من الزمان، بدأ الخداع، عملية منظَّمة استهدفَتِ استئصال عقل هذه الأمة المفكِّر، وقلبها النابض.<br />
<br />
إنهم يعدُّونها من مراحل الازدهار، في حين أن الكثير من العقلاء أعدوها أولى مراحل الاندحار.<br />
<br />
بدأتْ بالبعثات، شباب لمَّا تكتمل أسنانُهم بعدُ، ابْتُعِثُوا إلى الغرب؛ بعضهم ليجلب المعارف التكنولوجية، وهذا حق، وكانت تحتاجه الأمة، ويا ليتهم فعلوا!<br />
أما الآخر، فقد ذهب ليجلب لنا ثقافة الآخر!<br />
<br />
هكذا، وبكل بساطة، ألقى الشباب - المتهور! - عمائمَهم في البحر عند أول نفخة في بوق الباخرة، وعن طيب خاطر أُلْقِيَت ثقافة اثني عشر قرنًا من الإسلام، وستة عشر قرنًا من العربية، حينئذٍ.<br />
<br />
ولقد أوحى إليهم بعضهم - والله أعلم بالمقاصد - أن يجلبوا فنونًا من ذلك (الغرب)؛ ليضيئوا بها عقول (الشرق)!<br />
<br />
جاءت القصة، والرواية، والمسرحية، والأغنية، ادَّعَوا أنهم يجلبون فنونًا من رائق القول، إنما هي أولى مراحل المؤامرة؛ قصة سهلة، ورواية ممتعة، ومسرحية جذابة، والشعر، آآآآه على الشعر! ذلك الدرب من القول الذي كان يقوله أجلاف الأعراب في البادية، ممن لم يتسنَّ لهم - والحمد لله - الاطِّلاعُ على ثقافة الغرب المتمدين.<br />
<br />
العرب الأجلاف، شبَّهوا النساء بالحيوانات (الظبي والبقر)؛ وذلك لأنهم لم يشاهدوا حسناوات أوروبا، ولم تخلب ألبابَهم نجلاواتُ فرنسا؛ بل ولم يحكوا إلا عن الخيمة، والحصان، وبعر الآرام، ألم يشاهدوا البواخر والطائرات، والأبراج المرتفعات؟! {<font color="#339966">فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ</font>} [آل عمران: 187].<br />
<br />
قدَّموا البديل، وشوهوا الأصيل!<br />
<br />
لا تنظر خلفك، وإلا فاتك قطار التقدم!<br />
<br />
الماضي - العزيز - تَخَلُّف، والحاضر - الذليل - تَقَدُّم!<br />
<br />
تَقَدَّمْ، تَقَدَّمْ، تَقَدَّمْ، تَقَدَّمْ، تَقَدَّمْ، تَقَدَّمْ، تَقَدَّمْ، وليس أمامك سوى هذا التَّقَدُّم.<br />
<br />
لا تصف الصحاري والوديان، لا تركن إلى الماضي والجمود، انهض، تقدم، فهناك حسناوات في الانتظار، هيا، إنهن مللن الانتظار.<br />
<br />
ومرت سنون، وسنون، وسنون، كسِنِي يوسف، جدبٌ وقحطٌ فكريٌّ، تقليدٌ وتنميقٌ وتلفيقٌ وخداعٌ ثقافيٌّ.<br />
<br />
&quot;<font color="#000080">وخلف من بعدهم خلف</font>&quot;، نسوا حقيقة المؤامرة، ولم يَرَوْا إلا الخديعة قابعة فوق صدورهم، خانقة لعقولهم، صارت العقول كأطفال الشوارع، لا يدرون من أين أتَوا؟ ولا إلى أين يذهبون؟<br />
<br />
تملَّكوا المنابر، فتملكوا العقول، فأسروا الأرواح، قالوا لهم: آباؤكم الفراعين العظام، وأعمامكم البابليون العتاة، وآشور خالكم، وإسبرطة مهدكم الأول!<br />
<br />
قالوا لهم، وقالوا لهم، وقالوا لهم، صار الماضي (<font color="#000080">السحيق</font>) العربي الإسلامي كأحاديث &quot;<font color="#000080">خرافة</font>&quot;! حتى تساءل بعضهم: &quot;<font color="#000080">هل حقًّا كانوا هنا؟</font>!&quot;، وصار عُبَّادُ الأوثان مرآة الحضارة، وصدق فيهم قَوْلُ نبيِّهم: ((سيتقارب الزمان، ويُصَدَّقُ الكاذب، ويُكَذَّبُ الصادق، ويؤتمن الخائن، ويُخوَّن الأمين، وينطق الرويبضة))، آآآه يا زمن الرويبضة!<br />
<br />
أو كما قال الصادق الأمين - عليه أفضل الصلاة والسلام - على مر الأزمان.<br />
<br />
وعندما نهض الأموات من سبات التعفن الفكري النتن، وقالوا: يا قوم لستم هكذا، إنما كنتم هكذا، ولكن أنَّى يُسمع المنادي الأموات؟!<br />
<br />
اتَّهموهم بالرجعية والتخلف، والبرجوازية المتعفنة، و...، و...، و...، و...، و...، و...، و...، و...، و...، و...، و...، و...<br />
<br />
حتى ملَّت ألسنتهم من الكلام، وأهالوا عليهم الركام، وكمَّمُوا الأفواه، وقالوا: كُفُّوا عن الكلام، ما أنتم منا ولا نحن منكم، وإنا بريئون مما تقولون.<br />
<br />
ولكن النبتة الحية وسط الدمن البالية، والخرائب المتعفنة، أبتْ أن تموت، لا؛ بل أُبي لهم أن يموتوا؛ {<font color="#339966">إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ</font>} [الحجر: 9].<br />
وظلَّت النبتة الصغيرة تنمو، وتنمو، وتنمو، ولم يلاحظها المحتل الفكري الجاثم فوق عرش العقول.<br />
<br />
سألتُ أحد المجمعيين القدامى عن الوضع المتردي للثقافة العربية، خاصة لغتها الباسلة، فقال لي: بُني، الأمل في أن ينهض جيل جديد غيور على لغته.<br />
<br />
وها قد عاد المارد العربي المسلم، نهض ليقتلع أشجار الغرب التعيسة، قراء، شعراء، أدباء، حقوقيون، فقهاء، خطباء، محدثون، أئمة، ودعاة، و... و... و...<br />
<br />
فيا أيها الوَسَخُ الفكري النتن، هيا فانجلي؛ فلقد عاد مارد، ومارد، ومارد، ومارد، وعاد زمن العماليق، اختبئ هناك حيث لا يراك أحد، هناك، خلف مزبلة التاريخ!<br />
<br />
<font color="#800080">فإنهم قادمون.</font><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331670</guid>
		</item>
		<item>
			<title>الدين والحياة.. تكامل أم استغناء؟!</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331630&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sun, 20 Sep 2026 09:18:47 GMT</pubDate>
			<description>**الدين والحياة.. تكامل أم استغناء؟!** 
 
*فاطمة محمود عليوة 
* 
 
   
 إن الدِّين الإسلامي من أجلِّ نِعَم الله على عباده؛ فهو المنهج القويم الذي يصلح به حالُهم في الدنيا، ويطيب به الجزاءُ في الآخرة، وبالتمسُّك به يَجدُ الإنسان ما يشبع حاجاتِه، ويهذِّب شهواته؛ فهو الضالة المنشودة لكل حائر يبحث عن...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><font size="5"><b><font size="6"><font color="#ff0000"><b>الدين والحياة.. تكامل أم استغناء؟!</b></font></font></b><br />
<br />
<b><font size="6"><font color="#ff0000">فاطمة محمود عليوة</font></font><br />
<font color="#0000ff"><br />
</font></b><br />
<br />
  <br />
 إن الدِّين الإسلامي من أجلِّ نِعَم الله على عباده؛ فهو المنهج القويم الذي يصلح به حالُهم في الدنيا، ويطيب به الجزاءُ في الآخرة، وبالتمسُّك به يَجدُ الإنسان ما يشبع حاجاتِه، ويهذِّب شهواته؛ فهو الضالة المنشودة لكل حائر يبحث عن الطريق المستقيم؛ كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ</font>} [الإسراء: 9].<br />
<br />
<font color="#800000">ومما يبرهن على عظمة هذا الدِّين:</font> ما احتوتْه كتبُ السيرة النبوية عن ذلك التحوُّل الرائع في طبيعة البشر، هذا الدين الذي حَمَله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للبشرية، واستطاع به أن يُخرِج العبادَ من عبادة العباد، ومن غياهب الجهل والفساد، إلى عبادة رب العباد، وإلى العلم والمعرفة، فقادوا به الدنيا في عدد قليل من السنوات، وحلَّ التراحمُ، والتكافل، والإيثار، محلَّ التناحرِ، والفرقة، والقتال، حتى تحقق في الأمَّة قولُه - تعالى -: {<font color="#339966">كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ</font>} [آل عمران: 110].<br />
<br />
وما أشبَهَ اليومَ بالأمس! ما أحوجَ أمةَ الإسلام إلى الالتزام بمنهج الله - سبحانه - في كل شأن من شؤون دنياها؛ حتى تعود من تيهها! وما أحوجَ العالمَ كله إلى هذا الدين؛ حتى يخرج مما فيه من أزمات، وخلافات، وصراعات! كي يهنأ الإنسان - كل إنسان - وتطيب الحياة.<br />
<br />
ومن حكمة الله - عز وجل -: أنْ جعل الإسلام صالحًا لكل زمان ومكان، فأتى هذا الدين بما ينظم كلَّ صغيرة وكبيرة في أمور الدنيا؛ كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ</font>} [الأنعام: 38].<br />
<br />
ولكن عجبًا ممَّن يحاولون إقصاء الدين عن دائرة الحياة، أو وضعه في أضيق الحدود، ثم يتوهَّمون أنهم سوف يحيَوْن حياةً هنيئة، معتقدين أن الدين لله، أما الوطن فللجميع - كما يزعمون - ثم يردِّدون تلك المقولة، التي مفادها: (لا دين في السياسة، ولا سياسة في الدين).<br />
<br />
ولكن هل حقًّا لا علاقة بينهما، برغم أن من يمارسهما هو الإنسان؟! وهل حقًّا أن الدين والسياسة كالسماء والأرض، ضروريتان للحياة، إلا أنهما لا يجتمعان؟!<br />
<br />
وعلى الرغم من وجود الكثير ممن يؤيِّدون هذه المقولة؛ رغبةً منهم في فصْل الدين عن كل أمور الدنيا، بما فيها السياسة، إلا أن كل الحقائق تدلِّل على أصيل العلاقة، وقوة الترابط بين الدين وبين كل جوانب الحياة، بما فيها علاقة الدِّين بالسياسة.<br />
<br />
<font color="#008080">ومن هذه الحقائق على سبيل المثال وليس الحصر:</font><br />
• أن الدين كلٌّ؛ فهو جاء لينظم كل جوانب الحياة، ويُقوِّم حياة الإنسان، والسياسة جزء من اهتمامات الإنسان؛ ولذا كان الكل يشمل الجزء.<br />
<br />
وإذا كان البعض يقول: إن الدين لله والوطن للجميع، بمعنى: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة.<br />
<br />
• فإننا نقول: لو كان حقًّا ما يدَّعون، فلماذا لم يحتفظ الله - عز وجل - بالدين عنده في الجنة، أو جعله للملائكة فقط؟! لماذا ينزل الله دينًا يخصه على أرضٍ هي للجميع؟!<br />
<br />
ولكن لأن الدين حقًّا لله، وكذلك الوطن لله، فما كان لله يطبق على أرض الله، وعلى عباد الله.<br />
<br />
• وإذا كان وطن الإنسان هو تلك الأرض التي تحتويه، ويعيش عليها، ويمارس عليها كل حقوقه، فيثور التساؤل: لمن هذه الأرض؟ ولمن هذا الإنسان؟!<br />
<br />
وتأتي الإجابة الواضحة، التي لا ينكرها إلا جاهلٌ: إن الأرض والإنسان كلاهما لله - عز وجل - كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ</font>} [الأعراف: 128].<br />
<br />
فللمالك وحده حقُّ التصرف فيما يملك؛ ولذا سخَّر كل ما في هذا الكون للمكرَّم على وجه هذه الأرض، ألا وهو الإنسان؛ كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ</font>} [الإسراء: 70].<br />
<br />
وهذا التسخير مقابل صك العبودية من الإنسان لله الخالق، ومحورُ هذه العبودية قائمٌ على العبادة الحقة لله - تعالى - كما قال: {<font color="#339966">وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ</font>} [الذاريات: 56].<br />
<br />
والعبادة لله يجب ألاَّ تخرج عن الأصول التي حدَّدها الله - عز وجل - لعباده؛ كي تشمل كل جوانب الحياة بحركاتها وسكناتها؛ كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ <font color="#ff0000">*</font> لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ</font>} [الأنعام: 162، 163].<br />
<br />
وهكذا، فلا دخل للأهواء، ولا ينبغي لإنسانٍ ما أن يقيِّد ما أقرَّه الله لعباده، ولا أن يبتدع طريقةً ما ليعبد بها الله؛ ولكن استسلام وتسليم لكل أوامر الله - عز وجل - كما قال: {<font color="#339966">ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ</font>} [الجاثية: 18]، ثم جاء الأمر الرباني بعدم التفريط في هذا المنهج، كما قال الله - عز وجل -: {<font color="#339966">فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ</font>} [الزخرف: 43]، ثم بيَّن الله أن هذا الأمر ليس للنبي فقط؛ بل لكل مَن يتبع الرسولَ الكريم - صلى الله عليه وسلم - كما قال: {<font color="#339966">وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ</font>} [الزخرف: 44]، فهو اتِّباع ملزم؛ لأن عليه سؤالَ يوم القيامة كما بيَّن لنا الله - عز وجل.<br />
<br />
وإذا كان البعض يقول: إن الشريعة نصوص تَحكُم أمور الدين، أما القانون فهو ينظم أمور الدنيا، فالدين ينتهي أو ينحصر في علاقة العبد بربه، أما القوانين فهي المنوطة بتنظيم أمور الدنيا، بما فيها من علاقة الحاكم بالمحكوم، وعلاقة الناس بعضهم ببعض، وكذلك علاقة الدولة بالدول الأخرى، من خلال عدة قوانين، منها الدستوري، والمدني، والجنائي، والإداري، والدولي... إلخ؛ ولذا لا ينبغي إقحام الدين في هذه الأمور.<br />
<br />
<font color="#800000">وردًّا على ذلك نقول:</font> وهل افتقر الدِّين لمثل هذه القوانين؟! بل إن المتأمل لفضل الله على عباده، يجد في الدين كل مبتغاه؛ لأنه يشمل وينظم كل جوانب الحياة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر:<br />
فيما ينظِّم علاقة الحاكم بالمحكوم، وضمان أمر الطاعة، نجده في كتاب الله؛ كما قال - تعالى: {<font color="#339966">أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ</font>} [النساء: 59].<br />
<br />
فجعل الله استقرار حياة الفرد في الدنيا والآخرة في طاعة الله - عز وجل - ثم في طاعة الرسول، وكذلك طاعة أولي الأمر، وهذا مقابل أداء الأمانة، التي قال عنها الرسول الكريم في الحديث: ((كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته، والإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته))؛ رواه البخاري، ثم بيَّن جزاء الحاكم الصالح العادل بخير الجزاء؛ كما قال: ((سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل...))؛ رواه البخاري، وكذلك حذَّر الرسول مِن تضييع حقوق الرعية؛ حيث قال - صلى الله عليه وسلم -: ((كفى بالمرء إثمًا أن يضيع مَن يقوت))؛ صحيح أبي داود.<br />
<br />
أما القانون التجاري والتعامل بالمال؛ كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ</font>} [البقرة: 282]؛ بل إن أطول آية في كتاب الله هي آية الدَّيْنِ؛ مما يدلل على أن الدِّين جاء لينظم أمور الدنيا، بما فيها التعامل المادي بالأموال؛ بل إن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قال: ((نفسُ المؤمن معلَّقة بدَيْنه حتى يُقضَى عنه))؛ رواه الترمذي؛ أي: روحه محبوسة عن مقامها الكريم، وهكذا ربط الدِّين بين استقامة تعاملات الإنسان في الدنيا بجزائه في الآخرة، وفي هذا ضمان لسلامة وحفظ حقوق الناس.<br />
<br />
وكذلك نظَّم الدِّين قواعد البيع والشراء، ووضع لها آدابًا؛ كما في الحديث: ((لا يَبِعْ أحدُكم على بيع أخيه))؛ البخاري.<br />
<br />
أما ضمان الثقة في التعامل، والتي تعتبر من أهم أسس النجاح لأي اقتصاد قوي، فقد ذكر في الحديث: ((ومَن غشَّنا، فليس منا))، مسلم.<br />
<br />
أما في العلاقات الدولية، وما ينظم مصالح الدول بعضها ببعض، مهما اختلفت أديانهم، فقد قال الله - تعالى -: {<font color="#339966">لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ</font>} [الممتحنة: 8]؛ بل حث الدِّين على الإحسان لمن يقع في الأسر من الأعداء في حالة الحرب؛ كما قال الله في الصفات التي يحبها من عباده: {<font color="#339966">وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا</font>} [الإنسان: 8].<br />
<br />
أما القانون الجنائي، ذلك الذي يحمي حرمات الناس وأموالهم، ويعاقب مَن يعتدي على حقٍّ لإنسان آخر؛ فقد قال - تعالى -: {<font color="#339966">وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا</font>} [المائدة: 38]، وكذلك قال: {<font color="#339966">وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ</font>} [المائدة: 45]؛ بل إن الرسول - عليه الصلاة والسلام - قال: ((كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه))؛ مسلم.<br />
<br />
<font color="#008080">أما بالنسبة للعلاقات الزوجية، فما أكثرَ النصوصَ التي تنظم هذا الأمر! ومنها:</font><br />
منذ بداية العلاقة؛ قال رسول الله: ((فاظفر بذات الدِّين، تربتْ يداك))؛ البخاري.<br />
<br />
وعند العقد؛ لضمان حقوق المرأة؛ قال الله - تعالى -: {<font color="#339966">وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً</font>} [النساء: 4].<br />
<br />
ولرعاية الأولاد؛ قال - تعالى: {<font color="#339966">وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ</font>} [البقرة: 233].<br />
<br />
أما أساس التعامل بين الزوجين، وضمان العشرة الطيِّبة بينهما، فقد قال - تعالى -: {<font color="#339966">وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ</font>} [البقرة: 228]، أما إذا استحالت الحياة بين الزوجين، فقد أتى حكم الله في الآية: {<font color="#339966">الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ</font>} [البقرة: 229].<br />
<br />
أما بالنسبة للحكم في المسائل والأمور المستجدة من أمور الحياة، فقد بيَّن الله الحكم فيها بالرجوع لأهل الخبرة والعلم؛ كما قال: {<font color="#339966">فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ</font>} [النحل: 43]، وكذلك أمرَنا الرسول أن نأخذ بسُنَّته، وسنة الخلفاء الراشدين مِن بعده، وأن في الاقتداء بهم الفلاح؛ كما قال: ((فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ))؛ رواه أبو داود، وكذلك بالأخذ بالاجتهاد في الرأي.<br />
<br />
وهكذا، مما سبق يتضح مدى قوة الصلة، ووثيق العلاقة بين أحكام الدين وأمور الحياة بكل ما فيها، فالسياسة جزء من الدين، أما الدين فهو كل الحياة.<br />
<br />
وإذا كان البعض يبرهن على عدم صلاحية الدين لأنْ يُحتَكم إليه بين كل الدول؛ بسبب اختلاف معتقداتهم؛ ولذا يفضل اللجوء للقوانين الوضعية، تلك التي تلائم احتياجات الأفراد، والتي اتَّفقوا هم عليها، فلا يصح أن نطبِّق الدين الإسلامي على معتنقي النصرانية أو اليهودية مثلاً.<br />
<br />
<font color="#800000">ونقول ردًّا على ذلك:</font> إن اختلاف الأديان لا يعني أبدًا الاختلاف في القيم، والأحكام، والأهداف المشروعة؛ لأن مصدر الأديان كلها واحد، والهدف منها واحد، فلا تعارض؛ كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ</font>} [الشورى: 13]، فكيف يدعي البعض بعد ذلك أن الاحتكام للدين في أمور الحياة لا يخدم احتياجات البشر؟!<br />
<br />
بل إن الجميع مأمورون بأن يحتكموا لما أنزله الله؛ كما قال - تعالى -: {<font color="#339966">وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ</font>} [الشورى: 10].<br />
<br />
وأخيرًا: أليست الدنيا مزرعةَ الآخرة؟! وأن الكل متَّفق على حتمية الموت، وحتمية السؤال في الآخرة عما قدَّمنا في الدنيا؟! ولذا كان من عدل الله - عز وجل - أن ينزل لعباده المنهج، الذي إذا التزموا به في الدنيا، وجدوا إجابة السؤال في الآخرة، وهذا ما أقرَّه الله لعباده؛ كما قال: {<font color="#339966">وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ</font>} [الشورى: 7].<br />
<br />
وهكذا، فإن الله أراد أن يكون هذا الدِّين نذيرًا وهاديًا لكل خلقه؛ ولذا أرسله لأم القرى ومَن حولها، وعجبًا أن يثبت بالبحث العلمي أن البيت الحرام بمكة هو حقًّا مركز هذا الكون، كما صرح بذلك أحد العلماء المسلمين؛ ولذا عما قليل لن يجد مثل هؤلاء الذين يريدون حصر الدين في أضيق الحدود، لن يجدوا أنجع ولا أفضل من كتاب الله - عز وجل - ليحل لهم كل عقبات حياتهم، وهذا ما ينكشف يومًا بعد يوم، فلقد لجأت الديانة النصرانية في بعض مذاهبها للطلاق كحل للقضاء على مشكلات المرأة، برغم أن الطلاق محرَّم في دينهم - كما يزعمون.<br />
<br />
وبعضهم نادى بالتعدُّد بين الزوجات - مثل روسيا - لحل مشكلة العنوسة، وكذلك لضمان كفالة المرأة، ففي إحدى الدراسات التي نشرت: أن كل خمس نساء لرجل؛ حتى يجدن من يكفلهن.<br />
<br />
والآن ينادُون في أوروبا وأمريكا بفصل البنات عن البنين في المدارس؛ للحد من الرذيلة، وما ينجم عنها من أمراض فتاكة؛ مثل الإيدز، وللعمل على إعادة العفَّة لمجتمعاتهم، وكذلك لتحقيق التفوق الدراسي.<br />
<br />
ورويدًا رويدًا سيتمسك هؤلاء بمبادئ وقيم الإسلام برغبتهم وإرادتهم، ليس لشيء سوى حاجتهم الملحة لصلاح حياتهم بكل جوانبها؛ لأن هذا الدِّين - الإسلام - لكل البشر حقًّا، ولكل الحياة.<br />
</font></div><font size="5"><br />
</font></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331630</guid>
		</item>
		<item>
			<title>مستقبل غامض</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331629&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sun, 20 Sep 2026 09:14:57 GMT</pubDate>
			<description>**مستقبل غامض** 
 
*السيد بنداري محمد طبل 
* 
 
  
 
من المعروف أن مستقبل أيّ أمة إنما يتمثَّل في أبنائها، وما تقدِّمه لهم من عقيدةٍ صحيحة تهديهم سُبُلَ السلام، وعلمٍ يدفعهم دائمًا إلى الأمام، ويبوِّئهم صدارة الأمم، وفكرٍ راشد ينير لهم حالِكَ الظُّلَم، وثقافةٍ تُقَوِّم عقولهم، وتُقوي فيهم الهمم. 
...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><div align="center"><font size="5"><b><font size="6"><font color="#ff0000"><b>مستقبل غامض</b></font></font></b><br />
<br />
<b><font size="6"><font color="#ff0000">السيد بنداري محمد طبل</font></font><br />
<font color="#0000ff"><br />
</font></b><br />
<br />
 <br />
<br />
من المعروف أن مستقبل أيّ أمة إنما يتمثَّل في أبنائها، وما تقدِّمه لهم من عقيدةٍ صحيحة تهديهم سُبُلَ السلام، وعلمٍ يدفعهم دائمًا إلى الأمام، ويبوِّئهم صدارة الأمم، وفكرٍ راشد ينير لهم حالِكَ الظُّلَم، وثقافةٍ تُقَوِّم عقولهم، وتُقوي فيهم الهمم.<br />
<br />
وحين نتمثَّل هدي ديننا الحنيف، من آيات الله - عز وجل - وسنة رسوله الخاتم - صلى الله عليه وسلم - في تربية الأجيال، فحين نتتبَّع هدي القرآن، نجد أبا الأنبياء إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - حين دعا الله أن يبعث في ذريته من بني إسماعيل؛ {<font color="#339966">رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ</font>} [البقرة: 129]، أجاب الله دعْوتَه بعد أن أدخل عليها بعض التعديل؛ ليعلمنا ترتيب الأولويات في التربية والتعليم؛ فقال - عز مِن قائل -: {<font color="#339966">كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ</font>} [البقرة: 151  ]، وقال في آل عمران: {<font color="#339966">لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ</font>} [آل عمران: 164]، وقال في سورة الجمعة: {<font color="#339966">هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ</font>} [الجمعة: 2].<br />
<br />
في ثلاثة مواضع من القرآن الكريم، يجيب ربنا - عز وجل - دعوة إبراهيم، ويذكُرها بنفس الترتيب الذي صحَّحه - سبحانه وتعالى - لا لإبراهيم وحده، ولكن للبشر عامة، ولذرِّيَّته خاصة من أتباع ولده محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - الذين هم أولى الناس بإبراهيم مع نبيِّهم، فكان الترتيب الرباني لتنشئة أمَّة قوية قويمة، تستحق الحياةَ الحرة الكريمة، أن يبدأ بَنُوها بتلاوة كتاب الله، ثم يتم تربيتُهم على آدابه، ثم يتعلَّمون ما في كتاب ربِّهم من أحكام، وشريعة، وعِبَر، كما تتعلم الحكمة، وهي عند أغلب المفسرين سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.<br />
<br />
وبالرجوع إلى تاريخ هذه الأمة، نجد أنها عندما التزمتْ بهذه الأولويات، لم تتقدَّم صفَّ الأمم فحسب؛ بل قادَتِ العالمَ جميعًا، ويكفي أن تذكر أن طلاب العلم وقتها كانوا إذا أرادوا أن ينالوا حظَّهم من العلم السائد آنذاك، وجب عليهم أن يدرسوا اللغة العربية ويجيدوها؛ فهي - آنذاك - لغة العلم، اللغة الأولى في العالم، وعلى طالب العلم من أي مكان في العالم أن يتَّجه إلى مظانه: بغداد، أو دمشق، أو مصر، أو تونس، أو بلاد الأندلس، هكذا كان العالم كله يمتاح من علم هذه الأمة، التي التزمتْ بتعاليم ربِّها وسنة نبيِّها، الذي قَبِل رأْي أبي بكر في مفاداة أسرى بدر من المشركين بأن يُعلِّم الواحدُ منهم عشرةً من المسلمين، مقابلَ إطلاقه من الأسر، هذا هو ديننا كتابًا وسنة، <font color="#3366ff">فكيف آل بنا الحال إلى هذا المآل؟</font><br />
<br />
<font color="#008080">نتطرق إلى حال التعليم في مصر:</font><br />
لنرى كيف آلتْ به الحال إلى هذا المآل، لن نرجع كثيرًا في تاريخ مصر، ولكن نبذة قصيرة عمَّا يعرفه الجميع من عصر التعليم الناهض، إبان النصف الأول من القرن العشرين وبدايات النصف الثاني منه؛ وذلكم عصر طه حسين، والعقاد، ومصطفى لطفي السيد، وتوفيق الحكيم، عصر العلوم والآداب والفنون؛ ولكن تأتي حرب 1967، فتُجهَض هذه الحركة التي كانت تقود الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها بخبرائها، وعلمائها، وأدبائها، ومعلِّميها، <font color="#3366ff">كيف حدث ما حدث؟<br />
</font><br />
اضطرت الدولة إلى تجنيد خريجي الجامعات في الجيش؛ حيث احتاج إعادةُ بناء الجيش إلى خبرات عليا، ومهارات خاصة، فكان لا بد من تجنيد حَمَلة المؤهلات العليا وفوق المتوسطة، للقيام بمهمة إعادة بناء الجيش المصري؛ من أجل تحرير وتطهير التراب الذي داستْه الأقدام الصهيونية، فكان من نتائج ذلك أنِ استعانَتِ الدولة بحَمَلة المؤهلات المتوسطة، وحديثي الخبرة، أو قليلي الخبرة؛ للقيام بدور أولئك الذين تمَّ تجنيدُهم لذلك الهدف النبيل.<br />
 <br />
وكان أكبرَ مجالٍ تأثَّر بغيابهم هو مجالُ التعليم؛ حيث تم تشغيل ذوي المؤهلات المتوسطة غير المتخصصين في حقل التعليم، وخاصةً التعليمَ الابتدائي، وهو الأساس في البنية التعليمية، الذي سيترتب عليه مستقبلُ هؤلاء الأطفال، حين ينتقلون إلى المراحل التعليمية المختلفة، وإلى مراكز القيادة بعد ذلك، فيصير منهم المعلِّمون، وهكذا تخرَّج هؤلاء وأساسُهم التعليمي غيرُ سليم، وعندما تولَّوا مراكزَ المعلِّمين انطبق عليهم القول الشائع: &quot;فاقد الشيء لا يعطيه&quot;، فكان أنْ جاءت أجيال من المعلمين خاويةً، لم يجدوا مَن يضع لهم الأساس السليم، فإذا كانت الدودة في أصل الشجرة،<font color="#3366ff"> فكيف تقدم ثمارها السليمة، وهي معطوبة من الداخل؟!</font><br />
<br />
نشأ إذًا جيل كامل، لم يتلَقَّ حظَّه الواجب من التعليم، فضلاً عن التربية، فقدْنا - ضمن ما فقدنا - المنهجَ الرباني في التربية والتعليم، فلم نَعُدْ نعلِّم أبناءنا آياتِ الله في طفولتهم، ولم نعد نهتمُّ بتزكيتهم كما أرشدَنا ربُّنا، فالمربِّي الأول للأطفال (الأم) خرج من البيت ولم يَعُدْ؛ فقد انشغل بمساعدة الأب في تدبير شؤون البيت ومصاريف الأولاد، فنتج لنا جيل من الأطفال حملة المفاتيح، تطمئن الأم كلَّ صباح قبل خروج أولادها إلى المدرسة إلى أن كلاًّ منهم يحمل مفتاح الشقة في رقبته، وحين يعود من البيت فأمامه الطعام المعَدُّ سلفًا، وعليه أن يقوم بأداء واجباته المدرسية، أو مشاهدة التلفاز، أو الخروج لمقابلة أصحابه واللعب معهم، إلى أن تعود الأم من عملها مجهدة؛ فلا تتحمَّل أولادها، فضلاً عن أن تساعدهم في تحصيل العلوم المدرسية؛ فحالتها النفسية والبدنية لا تسمح لها بالتعامل مع أولادها بالشكل المناسب كأم وكأبناء.<br />
 <br />
وهكذا ينشأ الأبناء؛ لا مدرسة تعلِّم، ولا أسرة تربِّي؛ وإنما الطعام المعد سلفًا، وجهاز التلفاز بما فيه، والشارع بأنواع الأطفال المختلفة، الذين في الغالب تصرَّفتْ معهم أمهاتُهم التصرفَ نفسه، فعلَّم الأطفالُ أنفسَهم؛ كلٌّ ينقل إلى الآخر خبراتِه، وما شاهده في جهاز التلفاز، أو سمع من آخرين، ثم احتاج الأطفال إلى أن يجتازوا امتحانات آخر العام، فاضطرتْ أسرُهم إلى أن ترسل بهم إلى نفس المدرسين الذين لا يعلِّمونهم في المدرسة.<br />
 <br />
سواء بسبب هبوط مستواهم العلمي، أو بسبب هبوط مستواهم الديني؛ فلا الوازع الديني ولا وازع السلطان دفعهم إلى مراقبة الله في تعليم هؤلاء الأبناء - إلا مَن عصم الله - فتحوَّل التعليم إلى حشو أذهان الأبناء بكلام لا يشترط أن يفقهوه؛ ولكن يكفي أن يستظهروه؛ ليفرغوه في أوراق الإجابة، فيحصلوا على درجات نهائية، أو أعلى أحيانًا من النهائية؛ (راجع نتائج الثانوية العامة في وزارة الجنزوري؛ حيث تجاوزت مجاميع الطلاب مائة في المائة).<br />
<br />
<font color="#008080">كلُّ هذا إلى جانب مجموعة من السلبيات في العملية التعليمية، تمثَّلت فيما يلي:</font><font color="#339966"><br />
</font>1- جمود مناهج التعليم.<br />
<br />
2- نقص الإمكانيات، متمثلة في نقص الوسائل التعليمية المناسبة، والمعامل العلمية، وأجهزة الحاسب في معمل الحاسب أو في معمل الوسائط المتعددة.<br />
<br />
3- ما يوجد من برامج في معامل الحاسب أو الوسائط المتعددة لا يواكب المناهجَ التعليمية - برغم تخلُّفها - ولا يواكب طرق التدريس الحديثة.<br />
<br />
4- ضعف إمكانيات المدارس؛ حيث الاعتمادُ الكلي على الوسائل البدائية، وخاصة السبورة.<br />
<br />
5- عدم الاستفادة من مكتبات المدارس؛ لعدم وجود كتب تواكب التطورات العصرية.<br />
<br />
6- بُعد المدارس أحيانًا عن المناطق السكنية يؤدِّي إلى تكاسل الطلاب عن الذهاب إلى المدارس، ويشجعهم أهلوهم على ذلك.<br />
<br />
7- توحيد مناهج التعليم الثانوي في أنحاء الدولة يجعل الطلاب لا يعايشون بيئاتهم.<br />
<br />
8- قلة الاهتمام بالأنشطة الطلابية، سواء كانت فنية، أم رياضية، أم ثقافية، أم اجتماعية.<br />
<br />
9- جفاف المناهج الدراسية، وعدم ارتباطها بحاجة واهتمامات الطلاب؛ مما يعطل ويضعف مِن قدرتهم على التفكير العلمي.<br />
<br />
10- نظام الالتحاق بالجامعات، المعتمد على مكتب التنسيق، الذي يوزع الطلاب طبقًا لمجموعهم، لا طبقًا لرغباتهم.<br />
<br />
<font color="#008080"><b>النتائج المترتبة على هذه السلبيات</b>:</font><br />
1- عدم توافق أسراب الخريجين مع سوق العمل؛ مما يعطل التنميةَ البشرية كمرتكز أساس لتوفير القوة اللازمة لمواجهة واحتواء تداعيات العواصف العابرة التي تصادفها.<br />
<br />
2- انتفاء وجود قاعدة علمية بحثية تضع أقدامنا مع الدول المتقدمة التي تتبناها بعلمائها ومخترعيها.<br />
<br />
3- تحوُّل الطالب إلى طرف سلبي معتمد على التلقين، غير منتج فكريًّا.<br />
<br />
4- انقطاع الطلاب عن التعلُّم في المدارس، مع الاعتماد على الدروس الخصوصية؛ لأنه لم يعد هناك فرق بين المدرسة والدرس الخصوصي في الإمكانيات، وحيث يختار الطالب الوقت الذي يراه مناسبًا له، مع المدرس الذي يختاره.<br />
<br />
5- والنتيجة النهائية فراغ في فراغ، وفشل تعليمي، أدَّى في النهاية إلى خروج الجامعات المصرية من ترتيب أفضل خمسمائة جامعة في العالم، سواء في مستوى الخريجين، أم في مستوى الأبحاث العلمية التي تقدَّم في هذه الجامعات.<br />
<br />
<font color="#3366ff">وماذا بعد؟! وما الذي يمكن أن تفعله حكومات العالم العربي؛ لتدارك هذا الحضيض الذي هوى إليه التعليم بين شعوبها؟</font><br />
<br />
<font color="#008080"><b>المقترح ما يلي</b>:</font><br />
• <b>العودة إلى المنهج الرباني في التربية والتعليم</b>؛ حيث:<br />
أ- {<font color="#339966">يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا</font>}: نرجع ثانية إلى وجوب تحفيظ الأطفال القرآنَ الكريم، (وقد كان النصارى حتى ستينيات القرن الماضي يرسلون أبناءهم إلى الكُتَّاب يحفظون القرآن الكريم؛ لتقويم ألسنتهم، وتربية عقولهم).<br />
ب- {<font color="#339966">وَيُزَكِّيكُمْ</font>}: التربية بمقتضى القرآن الكريم.<br />
ج- {<font color="#339966">وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ</font>}: شرح بعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، المناسبة لمستوى كل مرحلة سِنيَّة؛ حتى يرتبط الإنسان بدينه؛ ربًّا ورسولاً، فيعرف ما له وما عليه تجاه ربه ومجتمعه.<br />
د- {<font color="#339966">وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ</font>}: تقديم العلوم الدنيوية التي تؤدِّي إلى نهضة هذه الأمة نهضة صحيحة، تعيدها إلى مكانتها الصحيحة بين الأمم.<br />
<br />
• استخدام طريقة التعليم الذاتي؛ حيث يساعد على الاتصال بالمجتمع، وتحديد احتياجاته.<br />
<br />
• دعم المدارس بالوسائل التعليمية المتطورة وَفْقًا لأحدث التطورات التكنولوجية، واستعمالها بطريقة جادة، لا أن تكون مجردَ قطع أثاث في مخازن المدرسة.<br />
<br />
• الاهتمام بالأنشطة الطلابية المختلفة؛ لتعود المدرسةُ عامِلَ جذبٍ، لا عامل طرد.<br />
<br />
• توزيع مناهج التعليم تبعًا لاحتياج كل بيئة من بيئات الدولة؛ فتنتج أفرادًا منتجين طبقًا لمتطلبات البيئة التي يعيشون فيها.<br />
<br />
• أن يكون الالتحاق بالجامعات طبقًا لرغبات الطلاب واحتياجات المجتمع، وذلك بإجراء اختبارات أولية للراغبين في الالتحاق بأي كلية من الكليات، طبقًا لإمكانياتهم الذهنية والمهارية.<br />
<br />
• مراجعة نظم التعليم والامتحانات، بعيدًا عن المناهج والامتحانات النمطية.<br />
<br />
• الاستفادة مِن تجارِب مَن سبقونا في مضمار التعليم، بقياس مدى قدرة الطالب على التفكير، وحسن التصرف في استخدام المعلومات التي درسها.<br />
<br />
• إعداد المعلِّم وتدريبه على أسلوب جديد، من حيث التنميةُ المعلوماتية وتكنولوجيا التعليم.<br />
<br />
• تعويد الطلاب الاعتمادَ كليًّا على المشاهدة، والملاحظة، والمقارنة، والتحليل، والتركيب، والتنقيب، والتجريب.<br />
<br />
• تحديث المناهج باستمرار، وإلغاء فكرة تغيير المناهج كل خمس سنوات أو أكثر؛ لمتابعة آخر تطورات العلم في مجالاته المختلفة.<br />
<br />
• الربط بين العلم وسوق العمل داخليًّا وخارجيًّا.<br />
<br />
• القضاء التام على ظاهرة الدروس الخصوصية؛ حتى يعود للمدرسة دورُها الحقيقي، وللمدرِّس هيبتُه واحترامه، وحتى يعود للجامعة دورُها الريادي في قيادة هذه الأمة، وإعادتها إلى مكانها الطبيعي بين الأمم.<br />
<br />
• تقديم الإنفاق على التعليم على ما عداه؛ فالتعليم هو الذي يبني الأمم، ويحميها من أعدائها، طبعًا لا نغفُل جانب التسليح العسكري؛ ولكن في زمننا هذا لم يعد التسليح مجرد حمل السلاح، وإنما العقل الذي يعرف كيف يستخدم هذا السلاح، وهذا العقل بالتأكيد ناتج العملية التعليمية الصحيحة.<br />
<br />
فهل سنستطيع أن نردِّد مع شاعرنا القديم:<br />
 <br />
 <div align="center">                            نَبْنِي كَمَا  كَانَتْ  أَوَائِلُنَا        تَبْنِي وَنَفْعَلُ كَالَّذِي فَعَلُوا<br />
             </div><br />
</font></div><font size="5"><br />
</font><br />
</div></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331629</guid>
		</item>
		<item>
			<title>السعادة</title>
			<link>http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331628&amp;goto=newpost</link>
			<pubDate>Sun, 20 Sep 2026 09:12:10 GMT</pubDate>
			<description>*                 السعادة* 
 
                                                                      يحيى المصري أبو البراء 
هل رأيتم إنسانًا يضحك وهو مُثخن بالجراح؟ وآخر يبتسم وإنَّ داخلَه ليبكي ويتأوَّه؟ 
 
هل رأيتم إنسانًا يبكي من شدَّة سعادته، يبكي أنْ أخرسه شعور السُّرور؟ 
 
هل رأيتم محبًّا...</description>
			<content:encoded><![CDATA[<div><div align="center"><b>                 <font face="arial"><font size="6"><font color="#ff0000">السعادة</font></font></font></b><br />
<br />
                                                                      <font face="arial"><font size="5"><font size="6"><font color="#ff0000">يحيى المصري أبو البراء</font></font><br />
<font color="#000000">هل رأيتم إنسانًا يضحك وهو مُثخن بالجراح؟ وآخر يبتسم وإنَّ داخلَه ليبكي ويتأوَّه؟<br />
<br />
هل رأيتم إنسانًا يبكي من شدَّة سعادته، يبكي أنْ أخرسه شعور السُّرور؟<br />
<br />
هل رأيتم محبًّا يبكي حين يَلْقى حبيبه؟<br />
<br />
</font>إنَّه يبكي كمدًا على اللَّحظة التَّالية للحظة اللِّقاء.<br />
<br />
إنَّ لحظة الصَّفاء سعادةٌ، وأيُّما سعادة؛ لكن توجس الجفاء ساعةَ الصفاء يقلب الاثنين إلى جفاء!<br />
<br />
لكنَّه سعيد في الحالين، فليس الضَّحك والابتسام مؤشِّرًا مطَّردًا على السعادة، ولا العبوس والبكاء مؤشِّرًا ثابتًا يدلُّ على الحزن والألم.<br />
<br />
السعادة حَيَّرت المتفلسفين والمتشرعين والمتأدِّبين؛ لكنَّهم - مجتمعين - شعروا بها في حيواتهم، وإنَّما أَبَقَتْ مِن كتاباتهم وألسنتهم العبائرَ التي تُفصح عن السَّعادة، فحاموا حولَها دون أن يقحموا حماها.<br />
<br />
والآن، لا تظنُّوا كلَّ مَن يضحك مسرورًا، فقد يكون نائيًا بأمثال الجبال! ولا تظنُّوا كلَّ مَن رأيتموه باكيًا حزينًا، فقد يكون أسعدَ منكم!<br />
 <br />
 <div align="center">                            رُبَّ ورْقَاءَ هَتُوفٍ في  الضُّحَى        ذَاتِ شَجْوٍ  صَدَحَتْ  في  فَنَنِ<br />
            ذَكَرَتْ   إِلْفًا   وَدَهْرًا    سَالِفًا        فَبَكَتْ  حُزنًا  فَهاجتْ   حَزَني<br />
            فَبُكَائِي        رُبَّمَا        أَرَّقَهَا        وَبُكَاهَا        رُبَّمَا        أَرَّقَني<br />
            وَلَقَدْ   تَشْكُو    فَمَا    أفْهَمُهَا        وَلَقَدْ   أَشْكُو    فَمَا    تَفْهَمُنِي<br />
            غَيْرَ   أَنِّي    بِالجَوَى    أعْرِفُهَا        وِهْيَ   أَيْضًا   بِالجَوَى   تَعْرِفُني<br />
                             <br />
<font color="#000000">فَالطَّيْرُ يَرْقُصُ مَذْبُوحًا مِنَ الأَلَمِ. </font><br />
 </div><br />
                                                                                    <br />
<br />
</font></font><br />
<font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div><font face="arial"><font size="5"><br />
</font></font></div>

]]></content:encoded>
			<category domain="http://forum.ashefaa.com/forumdisplay.php?f=54">الملتقى العلمي والثقافي</category>
			<dc:creator>ابوالوليد المسلم</dc:creator>
			<guid isPermaLink="true">http://forum.ashefaa.com/showthread.php?t=331628</guid>
		</item>
	</channel>
</rss>
