إن الله تعالى أرسل رسله مبشرين ومنذرين، والتبشير إنما يكون في الخير، وإذا ما ادلهمَّت الخطوب، وتسابقت إلى النفوس عوامل بأسها؛ من بطشة الطغاة، وطول ليل الظلم؛ تحتاج النفوس إلى من يجدد لها إشراقها، وينفث في رُوْعها إيمانًا جديدًا، وثقةً يقينيةً، وينسج لها خيوطَ الأمل المنطلق، ويقطع خيوط اليأس الوهِن.
يرشد إلى معالم الطريق، وينير سراج القلوب القلقة، ويعيد الأمان إلى الأرواح الخائفة، وحينئذ تشع أنوار اليقين بالله الواحد القهار، وتشرق شمس النفوس الأبية، وتضيء الآفاق بنور الأمل، ومن أراد أن يغمره نور الأمل فليفتح للقرآن قلبه؛ تسكب فيه أنوار الهدى واليقين، فإذا باليأس يتبدد والخوف يتلاشى
بارقتان
بارقة اليقين الواثق (قصة موسى عليه السلام)
- اليم موطن الهلاك يصبح موطن نجاة واحتماء.
- فرعون المتجبر يخاف الأطفال لذلك يأمر بقتلهم.
- زوجة فرعون ترغمه على العفو عن موسى ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ (القصص: من الآية 9).
- موسى يكبر ويشب عن الطوق ويبدأ المواجهة ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ (القصص: من الآية 15).
- يخرج موسى من مصر ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ (القصص: من الآية 18) فالطوارئ معلنة، والتوتر سائد الأجواء، والأفواه مُكمَّمة، والآراء سجينة، والحريات مقيدة والرجال مغيبة.
شعاع ينير الظلام
1- إيمان "امرأة فرعون"، ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ (التحريم: من الآية 11).
2- "مؤمن آل فرعون" ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ (غافر: من الآية 28)، فقوى المعارضة تزداد وتقوى، وتصل إلى أعلى السلطة (من آل فرعون).
3- القوى الشعبية تلتحم مع قوى الحق المتمثلة في موسى وهارون ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ (القصص: من الآية 20)، تكونت أرضية لأهل الحق قبل المواجهة، فكانت رصيدًا هزَّ فرعون وهدد كيانه فيما بعد، فبدأ الباطل يتهاوى على الرغم من البداية الفردية ضئيلة.
4- ازدياد قوة الرأي العام المعارض لفرعون وظلمه، واتساع رقعة المؤيدين للحق "وبلغ ذلك قوته عندما آمن سحرة فرعون، وكان التحدي السافر لفرعون وجبروته ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (طه: من الآية 72).
معلم على طريق المواجهة
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)﴾ (طه)..
- أمر لكل صاحب دعوة حق يستمد قوته من جبار السموات والأرض.
- دعوة الحق تبتلع كل الدعوات، وتهيمن عليها، وتمحو الباطل من الساحة، ولا يقبل الناس إلا دعوة الهدى والنور.
- دعوات الباطل واهية تحمل عوامل فنائها؛ لأنها صنع بشر.
- دعوات الضلال زاهية ساحرة، لكن بوارها محقق، فلا بقاء لها.
ومضة البشارة علو النهاية
إن العلوَّ والكبر ما اتصف بهما إنسان إلا وكانت نهايته الذل والدمار، فها هم بنو إسرائيل نهايتهم عندما يفسدون في الأرض، ويعلون علوًّا كبيرًا ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية 4).
علو يعقبه إذلال ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (الإسراء: من الآية 7)، وزوال دولة، ونهاية أمة طال فسادها وعمَّ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ (الإسراء: من الآية 7)، وها هو فرعون قد علا في الأرض ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ (القصص: من الآية 4).
علو بديله تمكين..﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص).
علو نهايته تدمير ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)﴾ (الدخان).
علو وطول مكر نهايته حسرة وهلاك ﴿وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: من الآية 6).
بارقة التمكين الحاكم
من قصة يوسف عليه السلام (رؤيا طفل صغير، كيد وغدر، ابتلاء وفتنة، صبر وقدوة، دعوة وتمكين، حكم سيادة).
ظن مهلك.. ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ (يوسف: من الآية 8).
صراخ الأحقاد يهتف.. ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ (يوسف: من الآية 9).
معيار كشف حقائق النفوس
همة عالية..﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف: من الآية 4).
انحدار غاية.. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (يوسف: من الآية 12).
ومضة خير منقذ.. ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ (يوسف: من الآية 11).
شعاع النجاة.. ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ (يوسف: من الآية 10).
ابتلاء الطهارة.. ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ (يوسف: من الآية 23).
ابتلاء السجن المنتقى.. ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (يوسف: من الآية 33).
حكم وتمكين بعد صبر وابتلاء.. ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (يوسف: من الآية 54).
تلاحم بين القصتين
1- عظمة القدرة، وكيف ساقت الأحداث حتى يكون مراد الله وحده.
2- تربية الاثنين في القصر، ولكنهما ما تأثرا برخاوة ولا جبروت.
3- كانت دعوة كليهما تغيرية، وإن اختلفت الطريقة والنهاية.
4- التقاط التحول.. يوسف ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ (يوسف: من الآية 10)، وموسى ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ (القصص: من الآية 8).
5- المكان "مصر".
إرهاصات وبشارات
في وهم الطغاة لا صوت يعلو فوق نعيقهم، ونسوا أن الله أكبر، ففرعون ما دفعه إلى العلو إلا أنه استخف قومه استخفافًا يحوي القهر والتسلط فأطاعوه، والعرش المهتزّ يدفع صاحبه للبطش دائمًا والنكال بالمستضعفين، ظنًّا منه أن ذلك يحمي ويقوي عرشه ويبقى هيمنته الزائفة، وما علم أن هذه بداية نهايته.
وللاستخفاف طرق تؤدي بالشعب إلى الاستذلال والاستعباد؛ فالحاكم يضرب على أوتار الشهوات، ويغرق فيها شعبه مع التضييق، وكبت الحريات ورصد ذوي العقول المبدعة، وإقصائهم عن دوائر التأثير ويبلغ به الحمق منتهاه، فيظن أن سير الحياة هبة منه يجب أن يحمده الناس عليها! ويمنُّ بذلك على شعبه ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ (الشعراء: من الآية 18).
لما اعتاد القهر والتسلط، وسلب الناس حقوقهم، كان أقل متنفس ينالونه من حقوق مِنّة وهبة، وكأن القهر صار أصلاً، وما للشعوب إلا أن تكون صدى يُرْجِّع ما قال الفرعون.
ولو وجد الطاغية من يقف في وجهه ما تجبر، فلا صدى إلا في الفراغ، وما أوقفه عند حده إلا موسى عليه السلام وقال ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)﴾ (الشعراء).
اتخذ فرعون بني إسرائيل عبيدًا، وسخّرهم في الشاق من الأعمال، واستذلَّهم، ومع كل ذلك يعده تكرُّمًا منه، والفراعنة يستخدمون كل أساليب الخداع والإبهام ويُسخِّرون الدولة وأجهزتها ومرافقها لخدمة مصالحهم وأطماعهم.
الإعلام وكان متمثلاً في سحرة فرعون، فلقد برعوا في الإيهام والتلبيس والخداع؛ فهم مهرة في صناعة وتهيئة وحشد الرأي العام وفق هوى الفرعون، وترديد ما يريد بين الناس، وتهويل الأحداث والمبالغة في معطياتها، فانظر إلى فرعون حينما فزع من أمر موسى وأتباعه ﴿أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (غافر: من الآية 26)، ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)﴾ (الأعراف)، والتهوين من الأمر نفسه والتقليل من تبعاته ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)﴾ (الشعراء).
فالقول ما قال فرعون، والرأي ما رأى فهو الحاكم الأوحد، ورأيه دائمًا في معتقده الباطل صحيح ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29).
تأمل الأسلوب تر عجبًا ﴿مَا أُرِيكُمْ﴾ فهو المتسلط المتحكم، الذي لا تمر الرؤية إلا من خلاله، وطبيعي لا يمر إلا ما يريد، وباللون الذي يصبغ به الصور وبالقدر الذي يريد، وتقوى الصورة وتضعف حسب حاجة الفراعنة لا حسب مصلحة الشعوب ﴿إِلاَّ مَا أَرَى﴾ رؤية الشعوب في عرف الطغاة لا يجب أن تنفصل أو تختلف عن رؤيتهم، واحتواء الأسلوب على وصفية الرشاد والاهتداء للتبعية الفرعونية ﴿سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ لهي غاية الكبر والغطرسة المسيطرة على الطغاة؛ فهم لا يرون إلا الصواب الدائم لأفعالهم والسداد لآرائهم.
حيوية الأسلوب (أسلوبان للحصر، التعبير بالمضارع، إسناد الفعل للمتكلم المفرد بالضمير المخاطب ثلاث مرات، ضمير الجمع، ثم جاء مرتين في حال كلامه عن نفسه مما يوحي بالديكتاتورية المتسلطة المعلنة، وصفية الرشاد الكاذب والاهتداء الموهم).. ما أوقف فرعون في اندفاعه إلا مؤمن آل فرعون﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ﴾ (غافر: من الآية 28)، رجل صحت رجولته، فقام وقال كلمته، التي سُجِّلت في كتاب رب العالمين، ونتعبد الله بتلاوتها إلى يوم القيامة.
الداخلية والأمن.. ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى (23)﴾ (النازعات)، ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 111).
إعلان الطوارئ ورفع حالة الاستعداد القصوى.. ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾(غافر: من الآية 25).
إعلان الحرب وملاحقة المعارضين.. ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60)﴾ (الشعراء).
النهاية.. ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ (طه: من الآية 78).
ومضة بارقة
اليم.. كان سبب نجاة موسى عليه السلام، وكانت فيه نهاية فرعون وجنوده، فالمكان جنس واحد، ولكن النهاية متباينة.
ويوسف عليه السلام، صبر حتى مكنه الله، وحكم مصر، فمن البئر إلى القصر، إلى حكم مصر.
رؤى ورموز
قصة يوسف فيها رؤى وقعت، ورموز فسرت، فما أكثر رؤى الصالحين بالسيادة والتمكين.
(موسى في مصر، ويوسف في مصر) علاقة واستشراف.
علاقة فريدة ولفتة عجيبة
لماذا في هاتين القصتين تدور الأحداث في قمتها في مصر؟!
لماذا تبدأ مع كل منهما منذ صغره، وهذا يكون في اليم، وهذا يكون في البئر، ثم يكون الاثنان في القصر، ثم الابتلاء والتمحيص ثم السيادة والتمكين؟
قانون التمكين.. ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128)، فمن جاهد وصبر قيل له ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ (يوسف: من الآية 99).
بوارق الأمل.. إن الألم إذا قوى واعتصر النفس، وكان للنفس زادها تولد منه الأمل، وشعت بأنواره وعم إشراقه.
توافق عجيب.. حروف الألم هي نفسها تعطي الأمل مع قلب رقيق، ولكن هذا القلب الحرفي لا بد أن يحتويه قلب مملوء بنور الله، واليقين بنصره، فكلما اشتد الألم، كلما قرب النصر وقوى، ومع الألم يكون لم الصف ووحدته في مواجهة المحن والشدائد.
في نهاية كل صراع بين الحق والباطل يكون المآل والخاتمة لأهل الحق.
ألم- أمل- ملأ- لئم- مآل) تقليبات الكلمة داخل دائرة الصراع إيحاءً وتعبيرًا، فإذا ألقيت الأضواء كشفت مكنونات الألفاظ فشع نور الأمل.
من أنواع الأمل
مع اختلاف الواقع، وحال النفس الإنسانية قوةً وضعفًا تتباين الآمال.
1- الأمل اللاهي
وهو أمل العابثين القاعدين، أمل من غفلت فماتت قلوبهم، أمل من تلهوا بالتوافه، شغلوا بالصغائر ﴿وَيُلْهِهِمْ الأَمَلُ﴾ (الحجر: من الآية 3).
2- الأمل الواهم
وهو أمل أهل الوهم والسراب، أمل خادع لأنه أمل الذين لم يسيروا مع الحق، ولطالما عملوا، ولكثرة ما أرهقوا أنفسهم، ولكن ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)﴾ (الفرقان) أمل الظامئ، ولكن لا شراب، هو أمل السراب الذي نهايته حسرة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)﴾ (النور).
3- الأمل الوئيد
وهو أمل الواقع المرير، والخطب الشديد، يجعل أهله يستبطئون النصر، ويستعجلون بالموعود ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 214) ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ (الإسراء: من الآية 51).
4- الأمل الوليد
وهو أمل الذي خرج من النصر، ويطمح بالتمكين، ولا يقف عند حد معين، هو أمل حر طليق، يرنو إلى الأستاذية ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ﴾ (الأحزاب: من الآية 39) ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ (51)﴾ (غافر).
5- أمل الواثق
وهو ينبع من داخل النفس أولاً ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾ (الأنعام) أمل يجوب الآفاق، يملؤه يقين بامتداد دعوة الحق ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ (37)﴾.. هو أمل المنطلقين بشعاع هدى اليقين.
6- الأمل الجريح
وهو أمل جراحاته تنزف، وآلامه بالقلوب تقصف.
فيعقوب عليه السلام حينما فقد يوسف، كان على يقين بعودته، ولكن بعدما طال صبره، وقوي أمله بعوده يوسف، إذا به يفقد ابنًا ثانيًا، ولكن ما تسرب اليأس إلى قلبه، ولا نسج الوهن خيوطه بل زاد اليقين ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (يوسف: من الآية 83).
وحال أمتنا اليوم كحال يعقوب عليه السلام، إذا بنا ونحن نأمل ونحلم بعودة أوطان مسلوبة وتحرير شعوب مقهورة مظلومة، يفاجئنا سلب أوطان جديدة، وتنزف جراحات أخرى.
ولكن، مع كل هذا فلنا في الله غاية الأمل، وإن كان الناس يرونها خيالاً وأوهامًا، فإنا نراها حقائق واقعة، فأحلام اليوم حقائق الغد إن شاء الله تعالى.
فليكن لنا قول يعقوب مَعلمًا ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ (يوسف: من الآية 83).
والأمل الجريح لا ينسى جراحات الماضي، فهي محفورة في السويداء، ومدوَّنة في سجلّ الذاكرة وعالقة بشغاف القلوب، وليل الظلم لا يدوم.
وعندما جاء أبناء يعقوب طالبين صفحه ودعاءه، ما قال لهم غفر الله لكم مباشرةً، لكنه قال لهم ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ (يوسف: من الآية 98).
فمع العفو والصفح تبقى في النفس جراحات لا تبرأ، جراحات الكرامة التي ينتهكها الطغاة، وجراحات الأمة الدامية، فالدماء التي تنزف لن تضيع سدى.
شعاع الأمل
فأصحاب الأمل ينطلقون مع أن الجراحات تنزف..
وثقل قيود الطغاة فيها العبيد ترسف..
وما زال حادي الركب يشدو
لا تخالوا الليل يبقى.. أوشك الفجر يلوح
وشرور الظلم تمضي.. ودمى البغي تطيح
يا جنود الله صبرًا.. إن بعد العسر يسرا
وصدى الحداء يردِّد: الصبر زاد المؤمنين، والنصر عقبى الصابرين.
-----------