|
|
|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
روائع البيان في القرآن (سورة الأعلى1) مصطفى حمودة عشيبة نزَل القرآن الكريم؛ ليشمل جميع مناحي الحياة؛ فلم يُفرِّق بين العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاقيات، بل أمر بها جميعها؛ ففي بضع آيات في سورة البقرة تحدث القرآن عن الإيمان وأركانه، ثم تحدَّث عن بعض الأخلاقيات، وبعدها تحدَّث عن القصاص، ثم الوصية والصيام، ثم عاد إلى المعاملات، كل ذلك في نظْم بديع، وترتيب عجيب، وربط كل ذلك بعِلة واحدة، هي الوصول إلى التقوى[1]. ويقول الشافعي: "كل ما حكم به رسول الله، فهو مما فهمه من القرآن". يقول - سبحانه -: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105]؛ أي: الحكْم بين الناس في جميع شؤونهم، وذلك لا يكون إلا عن طريق تدبُّره وفهمِه؛ ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29]. فلا بد مِن العكوف على فهم مراميه، وتوضيح معانيه، خاصة وقد أصبحنا أعاجم بالنسبة للغتِنا، وقد عمل المستشرقون والمستعمرون على ذلك قرونًا عديدة؛ حتى فصلوا بين المسلمين ودستورهم الأول. ولن تَحصل سعادة الدارَين إلا باتِّباع كتاب الله؛﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ﴾ [فاطر: 29]، ولن تتنزَّل علينا البركات إلا إذا أقمنا كلام الله، وجعلناه واقعًا نحياه؛ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 66]. والحاجة إلى بيان القرآن لا يكفي فيها الآن مجرَّد المأثور، بل لا بدَّ مِن توضيح الإعجاز البياني للقرآن؛ لأن أهمَّ أسبابِ تأثير القرآن في النفوس والعقول معرفةُ جمال وروعة تراكيبه، والتي تحدَّى الله بها الثقلَين، هذا طبعًا بجوار الـتأثير الروحي، الذي لن تجده في كلام إلا كلام الخالق - سبحانه - فقد كساه نورًا مِن نورِه. وإذا كان بعض المُنشغِلين بهذا العِلم يُعرِّفونه بأنه علم يُبحث فيه عن القرآن؛ مِن حيث دلالته على مراد الله بقدر الطاقة البشرية[2]، فإني أحاول جاهدًا - مُعترفًا بقُصوري - الوقوفَ على بيان القرآن وجماله، وأن كل كلمة في مكانها جاءت لتُعطي معنًى لا يقوم به غيرها؛ مما يبهر القلبَ، ويُعجِز العقل، وسوف أبدأ بسورة الأعلى، طالبًا مِن الله السداد، ومنكم النُّصح والإرشاد. بين يدَي السورة الكريمة: هذه السورة مكية على قول الجمهور؛ بدليل حديث البخاري عن البراء بن عازب قال: "أول مَن قدم علينا مِن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجَعلا يُقرِئانِنا القرآن، ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فما رأيتُ أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به، حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأتُ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ في سور مثلها"؛ يَعني ذلك أن البراء تعلَّمها مِن صحابة رسول الله قبل قدومه - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وقد ثبَت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَحرِص على قراءتها في المحافل والمجامع؛ فكان يقرؤها في صلاة الجمعة والعيدَين، وكان يقرؤها أيضًا في صلاة الوتر؛ مما يدل على فضلها[3]. وهذه السورة الكريمة تُفتَتح بالأمر بتسبيح الله - جل جلاله - ثمَّ تسوق الأدلة على وجوب تنزيهِه؛ مما يَجعل القلب والعقل يَستغرِق في إجلاله وحبِّه والشوق إليه؛ لفضله وكرمه، فبدأ تلك الأدلة بقضية الخَلق والهداية والتربية والرعاية، ثم بأعظم نِعمة، وهي تعهُّده - سبحانه - بحفْظ كلامه، ثم بشَّر رسوله الكريم والأمة مِن بعده باليسْر والتيسير، ثم يَختم آمرًا بالعمل بمُقتضى ذلك؛ بأن نُذكِّر به - سبحانه - وكذا ما أعدَّه لمَن أطاع ومَن عصى. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ [الأعلى: 1] ورَد التسبيح بمُشتقاته سبع مرات في فواتح السور؛ ليَشمل الزمان والمكان؛ دلالةً على أن الله - سبحانه - مُنزَّه عن النقائص دائمًا وأبدًا.وهو مِن باب الثناء على الله عن طريق تنزيهه وسلب النقائص عنه - سبحانه - كما أشار السيوطي في فواتح السور[4]. قال الكرماني: "هذه الكلمة استأثر الله بها، فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل "الإسراء"؛ لأنه الأصل، ثم بالماضي؛ لأنه أسبق الزمانَين، ثم بالمستقبل، ثم بالأمر في سورة الأعلى استيعابًا لهذه الكلمة مِن جميع جهاتها، وهي أربع: المصدَر، والماضي، والمستقبل، والأمر للمُخاطب"[5]. والتسبيح معناه: التنزيه، وسبحان الله: معناه تنزيهًا لله مِن الصاحبة والولد، وقيل: تنزيه الله - تعالى - عن كل ما لا يَنبغي له أن يوصف به[6]. فيشمل ذلك تنزيه الله في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمَن رفَض تحكيم شريعته - سبحانه - ما نزَّهَه؛ لأنه وحَده الذي يعلم ما يُصلح الخلق في أمر معاشهم ومعادهم، فهو الذي خلقَهم؛ ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14]، فشريعة الله بأحكامها وقواعدها تُصلِح كلَّ زمان ومكان. وهنا يَرِد سؤال، وهو: هل المراد تسبيح الاسم وتنزيهه، أم تسبيح الله - عز وجل -؟ فما المقصود بكلمة (اسم) في الآية الكريمة؟ (اسم) للعلماء فيها قولان: الأول: أنها غير مُقحَمة، ولكنَّها مرادة على حقيقتها، فيكون المعنى: أي نَزِّه أسماءه - عز وجل - عما لا يَليق، وصنْه عن الابتذال والتلفُّظ به في محلٍّ لا يَليق به؛ كالخلاء وحالة التغوُّط، وذكْره لا على وجه الخشوع والتعظيم، وربما يُعدُّ مما لا يَليق ذكْرُه عند مَن يكره سماعه من غير ضرورة إليه، وعن الإمام مالك - رضي الله تعالى عنه - أنه كان إذا لم يجد ما يُعطي السائل يقول: ما عندي ما أعطيك، أو ائتني في وقت آخر، أو نحو ذلك، ولا يقول نحو ما يقول الناس: يَرزقك الله - تعالى - أو يبعث الله - تعالى - لك، أو يعطيك الله - تعالى - أو نحوه، فسُئل عن ذلك فقال: إن السائل أثقَل شيء على سمعه وأبغضه إليه قول المسؤول له ما يُفيده ردَّه وحرمانه؛ فأنا أُجلُّ اسم الله - سبحانه - مِن أن أذكره لمَن يَكره سماعه، ولو في ضمن جملة، وهذا منه - رضي الله تعالى عنه - غاية في الورع[7]، ونحن نتعلم من هذا الفهم الراقي في دعوتنا ومواعظنا ألا نُثقل على الناس؛ خشيةَ أن يَكرهوا سماع ذكْر الله، ولكن نتخوَّلهم بالموعظة كما كان رسول الله يفعل، ولذلك فقد تعلمنا من علمائنا: "حدِّث الناس ما حدَجوك بأبصارهم"، وفي ذلك صيانة لذكر الله - سبحانه - مِن العبَث. الفريق الآخَر: "وذهب كثير إلى أنه مُقحَم - أي: المقصود: سبح ربَّك الأعلى - وذلك لأجْل التعظيم على سبيل الكناية؛ أي: إذا كنتَ مُطالَبًا بتنزيه الاسم، فما بالُك بالمُسمى؟ فالمعنى: نزِّه ربك عما لا يَليق به مِن الأوصاف، واستُدلَّ لهذا بما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم عن عُقبة بن عامر الجهَني قال: "لما نزلت: ﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾ [الواقعة: 74]، قال لنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: ((اجعلوها في ركوعكم))، فلما نزلتْ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال: ((اجعلوها في سجودكم))، ومِن المعلوم أن الذي يُقال فيهما: سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى. وبما أخرج الإمام أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - كان إذا قرأ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ قال: ((سبحان ربي الأعلى))[8]. والراجح: وأنا أقول: إن كان سَبِّحِ بمعنى نزِّه، فكِلا الأمرَين مِن كون (اسم) مقحمًا وكونه غير مُقحَم، وتعلُّق التسبيح به على الوجه الذي سمعت - مُحتمل غير بعيد، وإذا كان معناه: قل سبحان - كما هو المعروف فيما بينهم - فكونه مُقحمًا مُتعيَّن؛ إذ لم يسمع سلفًا وخلفًا مَن يقول: سبْحان اسم ربي الأعلى، أو سبحان اسم الله، والأخبار ظاهرة في ذلك[9]. وقد ورَد في القرآن الأمر بتسبيح الله، وورَد بتسبيح اسم الله، وقد فرَّق الإمام ابن عاشور بين دلالة الأمرَين تفريقًا حسنًا؛ حيث قال: "فتسبيح اسم الله النطْق بتَنزيهِه في الخُويِّصة وبين الناس بذكرٍ يَليق بجلاله مِن العقائد والأعمال؛ كالسجود والحمد... وأما تفكُّر العبد في عظمة الله - تعالى - وترديد تنزيهه في ذهنِه، فهو تسبيحٌ لذات الله، ومسمى اسمه، ولا يُسمى تسبيح اسم الله؛ لأن ذلك لا يَجري على لفظ مِن أسماء الله - تعالى - فهذا تسبيح ذات الله وليس تسبيحًا لاسمه، وهذا مَلاك التفرِقة بين تعلُّق لفظ التسبيح بلفظ اسم الله نحو: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ ﴾ [الأعلى: 1]، وبين تعلُّقه بدون اسم نحو: ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ ﴾ [الإنسان: 26]، ونحو: ﴿ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ ﴾ [الأعراف: 206]، ثم قال: فهذا مناط الفرْق بين استعمال (سبِّح اسم ربك)، واستعمال (وسبِّحه)، ومآل الإطلاقَين في المعنى واحد؛ لأن كِلا الإطلاقَين مُراد به الإرشاد إلى معرفة أن الله مُنزَّه عن النقائص"[10]. ثم بعد ذلك أضاف "اسم" إلى "ربك"، ولم يُضفْها إلى علَمِ الجَلالة؛ فلم يقل: "سبِّح الله"؛ لما يُشعِر به لفظ الربوبية مِن الخَلق والإنعام، وهذا مما يتناسب مع الآيات بعدها مِن الإشارة إلى الخلق والهداية، والبشارة بجمع القرآن في صدره وتيسير جميع أمره - صلى الله عليه وسلم - وإضافة كلمة (رب) إلى الضمير الراجع إلى الرسول مِن باب التشريف له ورفعة قدرِه - عليه السلام. ثم بعد ذلك وصف الله نفسه بالأعلى، وإيثار هذا الوصف هنا على ما سواه؛ لأن السورة تضمَّنت الحديث عن القرآن الكريم، فجاء وصف الأعلى؛ ليدلَّ على عُلوِّ القرآن، فهو مِن مُتعلِّقات وصْف العُلوِّ الإلهي. وكما رُوي عن رسول الله حينما نزلت الآية الكريمة قال: ((اجعلوها في سجودكم))، فقد أشار الإمام ابن عاشور إلى نكتة لطيفة في السرِّ مِن وراء ذلك، حاصلُها أنه أمر بذلك ليَقرن المصلي بين التنزيه القَولي والتنزيه الفِعلي؛ لأن السجود قمَّة التنزيه؛ لأنه لا يَضع أشرفَ عُضوٍ في جسده على الأرض إلا لخالقه، فإذا نزَّه الله بلسانه، فيكون قد جمع بين القَولي مِن التنزيه والفِعلي. وهنا كأن سائلاً يقول: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة، فما الدليل على وحدانية الرب وقُدرتِه حتى أُنزِّهه؟ وهذا ما نُتابع الحديث فيه - إن شاء الله. [1] انظر: الآيات 177: 188 من سورة البقرة. [2] انظر: مناهل العرفان؛ للزرقاني، ط التوفيقية، ت هاني الحاج (2: 5). [3] راجع الآثار التي نقَلها الإمام ابن كثير في بداية تفسيره للسورة الكريمة. [4] انظر: الإتقان؛ للسيوطي، ط مكتب التراث (3: 325). [5] البرهان في توجيه متشابه القرآن؛ للكرماني، ط دار الفضيلة، (ص: 232). [6] لسان العرب، ط الثالثة، دار صادر، بيروت (ص: 471). [7] تفسير روح المعاني؛ للألوسي، بتصرُّف. [8] تفسير روح المعاني؛ للألوسي، بتصرف. [9] تفسير روح المعاني؛ للألوسي، بتصرف. [10] التحرير والتنوير؛ لابن عاشور التونسي.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
روائع البيان في القرآن مصطفى حمودة عشيبة (سورة الأعلى2) وهنا كأن سائلاً يقول: الاشتغال بالتسبيح إنما يكون بعد المعرفة، فما الدليل على وحدانيَّة الرب وقُدرتِه حتى أُنزِّهه؟ فجاء الجواب من الله على أجلِّ وأروع ما يكون؛ فقال سبحانه: ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾ [الأعلى: 2]، فمن أجلِّ الأشياء التي توجِب تنزيهَ الله وتسبيحَه تفرُّدُه - سبحانه - بالخلق والإيجاد، والخَلْقُ من أظهر الأدلَّة وأقواها على وحدانيَّة الله وتفرُّده بالعلوِّ والقهر والعلم المُطلَق؛ ولذلك كانت هذه الطريقة هي المعتمَدة عند أكابر الأنبياء - عليهم السلام[1] - ودليل ذلك ما حُكِي عن إبراهيم - عليه السلام -: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 78]، حينما أراد توجيهَ عقول قومه وقلوبهم إلى توحيد الخالق - جل وعلا - وكذا عن موسى في حواره مع فرعون معرِّفًا بربه: ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [طه: 50]، وأما خاتَم الأنبياء والمرسلين، فكانت أُولى الآيات التي باشرتْ قلبَه مؤصِّلة لتلك القضية: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ [العلق: 1، 2]. بل لفَت الله أنظارَ عباده أن ينظروا في خلْق السموات والأرض وغيرهما؛ كي يَصِلوا إلى أعلى درجات المعرفة والإيمان؛ فقال - سبحانه -: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ﴾ [الطارق: 5 - 7]، وحينما وقع نظري على ولدي لأول وهْلة بعد خروجه من بطن أمه، وتذكَّرتُ رحلتَه من بدايتها وتكوينه، ما كان إلا أن نظرتُه وتأملته مشدوهًا قائلاً: سبحان الله! وظلَّّ لذلك الأمر بالِغ الأثر في نفسي، فمن تأمَّل أمثال تلك الحوادث التي نعرِض لها ليلاً ونهارًا، كان لها بالغ الأثر في تنزيه الخالق والصدع بتسبيحه. وقال - سبحانه - أيضًا: ﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً وَأَبًّا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴾ [عبس: 24 - 32]، وقال أيضًا: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [آل عمران: 190]، والآيات كثيرة حول هذا المعنى. يقول الرازي: "وإنما وقَع الاستدلالُ بهذه الطريقة كثيرًا؛ لما ذكرنا أن العجائب والغرائب في هذه الطريقة أكثر، ومشاهدة الإنسان لها واطِّلاعه عليها أتمُّ؛ فلا جَرَم كانت أقوى في الدَّلالة". ومعنى الخَلق الإيجادُ للشيء على غير مثالٍ سابقٍ، ويُطلَق وصْفُ الخالق على غير الله من باب المجاز، ولا يكون معناها الإيجاد على غير مثال سابق، وأما التسوية، فهي جعل المخلوقات على الحالة والهيئة التي تُناسِبها وتتلاءم مع طبيعتِها. وحذف المفعول في الآية الكريمة لإرادة العموم؛ فمن الأغراض البلاغيَّة لحذف المفعول به "قصْد التعميم في المفعول مع الاختصار"[2]؛ لذلك يقول ابن كثير - رحمه الله -: أي خَلَق الخليقةَ وسوَّى كلَّ مخلوقٍ في أحسن الهيئات. ويقول الألوسي: أي إنه - سبحانه - جعل الأشياء كلها سواء في باب الإحكام والإتقان، لا أنه - سبحانه - أَتقنَ بعضًا دون بعض. وذلك يدل على عِلمه - سبحانه - وحكمته؛ يقول الزمخشري: "﴿ خَلَقَ فَسَوَّى ﴾؛ أي: خلَق كل شيء فسوّى خَلقه تسوية، ولم يأتِ به متفاوتًا غير مُلتئم، ولكن على إحكام واتِّساق، ودلالة على أنه صادر عن عالِم، وأنه صَنْعة حكيم". ونقل الألوسي عن الزَّجَّاج ما يُوهِم حملَ الآية على التخصيص؛ حيث قال: خلَق الإنسان فعدَّل قامتَه، ولم يجعله منكوسًا كالبهائم، ثم عقَّب الألوسي قائلاً: وفي كل تَخصيص لا يقتضيه ظاهر الحذف. فوائد: حينما نتدبَّر الآية الكريمة، نجد أنها تستلزِم أمورًا: أولها: من عِلَّة الخلق الوصولُ بالقلب إلى معرفة الله معرفة حيَّة، تنبُع من التفكُّر في خلْق الأنفس والآفاق، وصولاً إلى قدرة الله وعِلمه: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12]. ثانيها: ما دام أن الله هو المتفرِّد بالخَلق، فلا بد بعد المعرفة من الإذعان له والخضوع مع الحبِّ الكامل؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]، ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ [الأنعام: 102]، فعند تدبُّر هذه الآيات وإنزالها على القلب، فإن الجسد يقشعِرُّ من خَشية الله وجلاله. ثالثها: ألا يتَّخِذ الإنسان مُعينًا ولا نصيرًا ولا يركن لغير الله:﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 14 - 18]. فإذا وصل الإنسان إلى ذلك فسبَّح الله من قلبه، أمدَّه الله بقدرةٍ من قدرته، وصنَعه على عينه، وتولَّى جميع أمره[3]. ثم انتقلت السورة لصفةٍ أخرى تستوجِب التسبيح والتنزيه؛ فقال - سبحانه -: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾ [الأعلى: 3]. والتقدير هو: وضَعَ الأشياء في مواضِعها الصحيحة بمقدار مُعيَّن، وبكيفيَّة معينة، تقتضيها الحكمةُ والعقل السليم[4]، والهداية هنا بمعنى الإرشاد والدَّلالة على طريق الخير أو الشر بهذا العموم؛ لحذف المفعول، وهذا ما رجَّحه الإمام الطبري. يقول الزمخشري: "قدَّر لكل حيوانٍ ما يُصلِحه، فهداه إليه، وعرَّفه وجهَ الانتفاع به". وتدبَّر معي قول الألوسي: "﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ ﴾؛ أي: جعل الأشياء على مقادير مخصوصة في أجناسها وأنواعها، وأفرادها وصفاتها، وأفعالها وآجالها، ﴿ فَهَدى ﴾ فوجَّه كل واحد منها إلى ما يَصدُر عنه وينبغي له طبعًا أو اختيارًا، ويَسَّره لما خلِق له بخلق الميول والإلهامات، ونَصْب الدلائل وإنزال الآيات، فلو تتبَّعت أحوال النباتات والحيوانات، لرأيت في كل منها ما تَحار فيه العقول، وتضيق عنه دفاتر النقول، وأما فنون هداياته - سبحانه وتعالى - للإنسان على الخصوصِ، ففوق ذلك بمراحل، وأَبعدَ منه ثم أبعد وأبعد بألوف من المنازل، وهيهات أن يُحيط بها فَلكُ العبارة والتحريرِ، ولا يكاد يَعلَمُها إلا اللطيفُ الخبير". قاعدة: والذي يُفهَم من كلام المفسرين أن الآية على عمومها، سواء في التقدير أو الهداية، فالخَلق كلهم مشتركون في ذلك، وما ورد من أقوال السلف لا يُحمَل على التخصيص، بل يُحمل على التمثيل؛ لأن الآية إذا جاءت عامَّة لا تُخصَّص إلا بدليل، سواء من السياق أو السباق أو اللحاق، أو آية أخرى، أو دليل من الأدلَّة المعتبَرة، فإن لم يوجد، فلا يجوز حمْلها على التخصيص[5]. وما ورد عن بعض السَّلف في الآية كقول مجاهد: "هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتِعها". وعن السُّدي: قدَّر الولدَ في البطن تسعة أشهر أو أكثر، وهداه للخروج منه للتمام. فهو على سبيل التمثيل للآية الكريمة تقريبًا للمعنى؛ ولذلك عقَّب الألوسي على تلك الأقوال قائلاً: والأَولى ما ذكِر أولاً، ولعل ما في سائر الأقوال من باب التمثيل لا التخصيص. فائدة: إن الله - عز وجل - حينما خلق الخلق لم يخلقهم عبثًا، ولم يتركهم سدى، ولكن هدى كلاًّ منهم لما يَصلُح له، فما يجب علينا أن نتفهَّمه أن الله إذا ولانا مسؤولية، فيجب علينا أن نرعاها ونتعاهَدها بالإرشاد والتوجيه، أولادًا كانوا أو طلابًا أو عمالاً، أو غير ذلك، فإن الله سائلٌ كلاًّ عما استرعاه: أَحفِظَ أم ضيَّعَ؟ [1] راجع: تفسير مفاتيح الغيب؛ للرازي. [2] خصائص التعبير القرآني؛ د. عبدالعظيم المطعني، ط/ وهبة، 2 / 53. [3] راجع: كلام الرازي عند تفسير قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ﴾ [الأنعام: 95]، فستقرأ ما تُسَرُّ به عينك، ويخشع قلبك إذا تدبَّرتَه. [4] انظر: التفسير الوسيط؛ د. محمد سيد طنطاوي. [5] قاعدة: إذا جاء اللفظ القرآني عامًّا وجاءت عبارة المفسِّر مفسِّرة بالخصوص، فإنها تحمل على التمثيل للعموم، إلا إذا ورد في عبارته ما يدل على التخصيص، أشار إلى تلك القاعدة في التعامل خاصة مع أقوال السلف في التفسير د. مساعد الطيار في بعض حديثه وفي كتابه "فصول في أصول التفسير"، ص80 فليُراجع، وكذلك أشار إليها الإمام الألوسي في التعقيب على الآية الكريمة بقوله: "والأَولى ما ذكر أولاً - أي: مِن حمل الآية على العموم - ولعلَّ ما في سائر الأقوال من باب التمثيل لا التخصيص"، وكذلك في بعض المواضع المشابهة، وكذا ابن عطية وغيرهما.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |