|
|
|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
القرآن (الوصف، والهداية، والأثر 1) محمد عبدالعزيز الخولي القرآن هو ذلك الكتاب الذي أنزله الله منجما في اثنتين وعشرين سنة وشهرين واثنين وعشرين يوماً، تبتدئ من ليلة السابع عشر من رمضان للسنة الحادية والأربعين من ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم حيث نزل عليه في غار حراء أول ما نزل من القرآن ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ[1] * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ وتنتهي بتاسع ذي الحجة يوم الحج الأكبر من السنة الثالثة والستين من ميلاده صلى الله عليه وسلم حيث نزلت آية الختام ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ - أنزل الله على صَفِيّه من خلقه ومجتباه من عباده محمد بن عبدالله اليتيم الأمي الذي لم يذهب إلى مكتب أو مدرسة ولم يجلس إلى أستاذ يأخذ عنه ويتعلم منه - اللهم إلا أستاذه جبريل الذي كان يدارسه القرآن بعد النبوة - وما كان بديار قومه معاهد للتعليم ولا أساتيذ للتربية وما رحل في طلب العلم إلى غيرها من بلاد الامم الأخرى إن كانت الا رحلتان قصيرتان إلى بلاد الشام إحداهما مع عمه أبي طالب في تجارة له وكان محمد يومئذ حدثا والأخرى في تجارة لخديجة بنت خويلد مع غلامها ميسرة - أنزله الله على هذه النفس الفطرية فنطقت بالآيات البينة والحكم البالغة وصَدَرَت عن الأمية قواعدُ الصلاح والاصلاح فكان ذلك عند أولي العلم المتصفين آية واضحة وحجة دامغة على أن القرآن أنزله الله، وليس من صنع محمد ﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴾ ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ﴾ القرآن هو الكتاب الذي خط بقلم الحكمة الالهية وأملى من علم الله المحيط وحملّه الملائكة الأطهار حتى وصلوا به إلى محمد المعروف بالصدق والامانة فتلقفه عنهم وبلغه للناس كما بَلَغه وكما كتبه ربه لا تغيير ولا تبديل ولا دس ولا تحوير ﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾. القرآن هو الكتاب الذي انتظم من العقائد الصحيحة والآداب الحميدة والاخلاق العالية والاعمال الصالحة ما هو كفيل بسعادة البشر في دنياهم الحاضرة وحياتهم الثانية لو أنهم دانوا بما أوجب وتأدبوا بما سَن وتخلقوا بما بيّن وعملوا بما شَرَّع فهو الدواء لعلل البشر النفسية، وأمراضهم الخلقية، ومشاكلهم الاجتماعية لو أنهم تجرعوه وما هو بالمر المذاق ولا بالصبر الزعاف ولكنه العذب الفرات لمن تناوله بشهية وتقبله بنفس رضية ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾. ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ[2] وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى[3] أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾. القرآن هو ذلك التشريع الفسيح الرحب الوسيع الذي يتسع للناس جميعاً مهما اختلفت لغاتهم وتباينت بلادهم وتفارقت عاداتهم وتنافرت طباعهم لأنه لا يكلف الناس ما لا يطيقون ولا يدعوهم إلى ما به يتحرجون {لا نكلف نفساً إلا وسعها} ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [4]﴾ ولا يقف في سبيل تمتعهم بالطيبات وتزينهم بمختلف الزينات ما آمنوا وعملوا الصالحات ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ[5] فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ثم هو لا يأمر إلا بمعروف ولا ينهى إلا عن منكر ويقدر الحاجات والضرورات ويسن لها من الشرائع والأحكام ما يذلل صعابها ويتقي به ضرها ويدع الناس في بحبوحة ورخاء وسعة وهناء ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ[6] أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. ومن الآيات البينة على أن القرآن شريعة عامة للناس كافة من يوم أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، أن الأشياء التي لا يؤثر فيها مَر الزمان ولا تختلف باختلاف الاقوام بينها القرآن تفصيلا وما يختلف باختلاف الاحوال ويتغير بتغاير الامم وضع أصوله العامة وقواعده المطرده وترك التفصيل والتطبيق إلى ما تقتضيه المصلحة ويلائم الحاجات الوقتية والظروف الخاصة ولذلك تجد أحكام العبادات مفصلة في القرآن المشروح بعمل الرسول صلى الله عليه وسلم ففيه بيان الصلاة والصيام والحج وكذلك بيان الميراث والزواج والطلاق والعِدد. أما العقائد فقد تعرض لها القرآن بياناً واستدلالا من توحيد الله وذكر صفاته والايمان بفناء النوع الانساني وبعثه ونشره وحشره وسؤاله عن كل ما عمل ومجازاته بالجنة أو النار وكذلك الايمان بالملائكة والكتب والرسل الخ لان هذه حقائق ثابتة كالعبادات لا تحوير فيها ولا تغيير فنص عليها القرآن تفصيلا أما المعاملات كالبيع والاجارة والمضاربة والهبة والقيام على مال اليتيم فمنها ما ذكر القرآن له أحكاماً عامة ومنها ما لم يذكر شيئا عنه لتوضع أحكامه بحسب أصول الشريعة العامة وقواعد العدالة مراعى فيها مقتضيات الزمان وعرف الأقوام فمما تعرض له إجمالا البيع والاجارة والتصرف في مال اليتيم، ففي البيع جاء قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا[7] بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾. ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾. وجاء في الإجارة عبارة عامة مثل قوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ﴾ ﴿ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ﴾ وجاء في التصرف في مال اليتيم ﴿ وَابْتَلُوا[8] الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ[9] مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا[10] أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ فتراه أمر باختبار اليتيم ولم يبين طريق الاختبار وأمر بدفع المال إليه إذا بلغ النكاح - ولم يعين وقته - وآنسنا منه الرشد، ونهى عن أكل شيء من ماله ومنع الوصي إن كان غنيا من أخذ الاجر وان كان فقيراً أجاز له الاكل بالمعروف فترك تقدير الاجر أو الاكل الى العرف، ثم أمر الوصي بالاشهاد عليه عند دفع المال اليه تبرئة لذمته ومراعاة لمصلحته، وانظر موقع قوله تعالى ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ مما سبقها فالله من وراء الخبراء والقضاة والحكام محاسب الاوصياء حسابا عسيرا فلئن أغفلوا شيئا فما ربك بغافل فليراقبوا الله ربهم، ثم انظر إلى الاجمال في قوله ﴿ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ فذكر أن التصرف في ماله بالطرق الحسنة ولم يفصل هذه الطرق لأنها متشعبة ومختلفة باختلاف العصور والامم. ومما لم يتعرض له القرآن المضاربة أو القراض فترك تفصيل أحكامه لأولي العلم الراسخين والقضاة المجتهدين يضعونها بحسب حاجات الزمان مع ملاحظة أصول الشريعة. ولان الجرائم لا يحصى عددها وللزمان كل يوم فيها محدثات وللناس فيها تفنن، ولكل جريمة عقاب مناسب وما جزاء السيئة إلا مثلها - لأن الجرائم بهذه المثابة لم يتعرض القرآن لتحديد العقوبات لها اللهم إلا جرائم خاصة اقتضت حكمته تحديد عقوباتها الدنيوية، وهي السرقة والزنى والقذف والقتل والتعدي على الأطراف، وما عدا ذلك فوضع له قواعد عامة يطبقها ولاة الأمر من المسلمين والأئمة المجتهدون مثل قوله تعالى ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ ﴾ ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾. القرآن هو الكتاب الذي لم يذكر العقائد والآداب والاحكام جافة كما نرى في كتب الكلام والفقه والاخلاق - خصوصا ما ألَّفه المتأخرون - بل وضع في جانبها وفي خلالها ما يدعو إلى احترامها والعمل بها ائتمارا بأمرها وانتهاء عن نهيها فأحاطها بضروب من الترغيب والترهيب فضرب الامثال للعالمين وسرد القصص للمعتبرين وبين الحكم والمصالح للعقلاء المفكرين ورتب على العمل بها من السعادة في الدنيا والآخرة ما يغري الراغبين ويلهب النفعيين، فانظر قوله تعالى ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ[11] مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾ وذكر لنا من قصص آدم ونوح وهود وصالح وإبراهيم ويوسف وموسى وعيسى وغيرهم ما كله عبر وعظات. وانظر إلى قوله تعالى في سورة هود بعد أن حكى أنباء جمع من الأنبياء ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ[12] عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ[13]* وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴾ وترى الله يقول في سورة المائدة بعد أن ذكر أحكام الوضوء والغسل ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ويقول في سورة السناء تعليلا للنهي عن نكاح ما نكح الآباء ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ ويقول ﴿ ولا تقربوا الزنا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا ﴾ ويقول في تعليل النهي عن تعاطي الخمر والميسر الخ ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ﴾ وجاء فيه في القرآن ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا ﴾ ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴾ ﴿ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ - إلى غير ذلك من التعليلات والحكم الكثيرة التي أردفت في القرآن بالأوامر والنواهي. ومن الآيات التي رتبت السعادة في الدنيا والآخرة على العمل الصالح قوله تعالى ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ ﴿ ومن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴾ ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ﴾ ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا ﴾ والقرآن مملوء بأمثال هذه الآيات وليس غرضنا الاستقراء بل التنبيه بها على أمثالها. فالراغب في الدنيا ومتاعها عليه بالدين، والراغب في الآخرة دونه الدين. ومن لم تهده آيات الرغبة وبما أقامته مواضيع الرهبة، ومن يحب الآداب من طريق القصص فعليه بالقصص القرآني، ومن يحبها من طريق البحث والعقل والحكمة فليأخذها من تعليلات القرآن فانه ما ترك مهيعاً لانتهاج الخير إلا سلكه. فكل صنف من الناس به إليه حاجة وله فيه غاية، والله الهادي إلى سواء السبيل. المصدر: مجلة الإصلاح، العدد السابع والثامن، جمادى الثانية 1347هـ، ص10 [1] العلق الدم الجامد الذي تلعق بعضه ببعض. [2] ثقل وصمم. [3] معمى مبهم. [4] ضيق. [5] أثم. [6] جاء من الغائط قضى حاجته والغائط المكان المنخفض كانوا يقضون فيه حاجتهم. [7] أي لا تلقوا أمرها والحكومة فيها إلى الحكام أو تقدموها رشوة لهم. [8] اختبروا. [9] علمتم. [10] أي مبادرة لكبرهم فيقولون نأخذ من أموالهم ما نشتهي قبل أن يكبروا فينتزعوها من أيدينا. [11] قطعت. [12] ما أغنت عنهم أي ما نفعتهم. [13] هلاك.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
القرآن (الوصف، والهداية، والأثر 2) محمد عبدالعزيز الخولي القرآن هو الذي سلك للتأثير في النفوس وهدايتها إلى ما يحييها والأخذ بحجزاتها عما يشقيها - مسلكا خطابيًا أخَّاذًا جذابًا - قد ساير الحقائق جنبًا لجنب ولم يهم في أودية الخيال كما يهيم الشعراء وأكثر الخطباء، بل كان في بيانه الخلاب وعباراته العذبة، مقررًا للحقائق وداعمها بالآيات البينة والحجج الناطقة التي لا تقبل في شرعة الانصاف جدلا ولا مناقشة ولا حوارًا ولا مراجعة، ولذلك وصفه الله بقوله ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ﴾ فذكر أنه بينات وبراهين ساطعات، ولكن لا كبراهين المنطقيين التي يشكلونها بأشكالهم المعروفة فإنها براهين جافة ربما مجتها النفوس واستثقلتها الطباع، وربما مكنت العقول في تعرفها وتفهم الصلة بين أولها وآخرها واعتصار نتائجها من مقدماتها – ربما مكثت وقتًا طويلا، ولا كذلك براهين القرآن فإنها لطيفة الملمس طيبة المخبر واضحة المقصد، تجاري الفطرة وتساير العقول، مع تأثير في النفس غريب يأخذ بها إلى مراتب الكمال. فبينات القرآن مع ما فيها من التفرقة بين الحق والباطل هادية مرشدة تسلك بالإنسان سبيل الخير وتأخذ به عن مواطن الشر. وإني لمتدبر معك أيها القارئ الآيات الأولى من سورة النحل - إلى قوله تعالى ﴿ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾ لتعرف صدق ما ذكرت وبرهان ما ادعيت. فإن هذه الآيات سيقت لإبطال أن يكون لله من خلقه شريك يعبد كما يعبد، ويدعى كما يدعى أو يتقرب به إلى الله زلفى. فتراه في أول السورة يقول ﴿ أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ فبدأ كلامه بالوعيد وأنه مدرك المشركين لا محالة وقال ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ فنزه نفسه عن شركائهم، ونبا بشأنه عن شأنهم، وبين بعد أن القرآن أنزله فيما أنزل على من تخيره من عباده ليرشدهم إلى مصالحهم ويحذرهم بأس الله إن لم يرعووا عن شركهم ﴿ فما لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآَنُ لَا يَسْجُدُونَ ﴾ ألا فليتقوه وليخافوه ويحذروه فإن أخذه شديد، وإن عذابه أليم. ثم أخذ في إقامة الحجة على إبطال الشركاء فذكر أنه خلق السماوات والأرض بالحق، ثم نزه نفسه عن الشريك وكأنه يشير بهذا التعقيب إلى أن من هذا صنعه لا ينبغي أن يُشرك به خلقه. ثم ذكر خلقه للإنسان من النطفة وتربيته له حتى صيره بشرًا سويًا، فكان عليه أن يشكر له نعمة التربية ولكنه كفر بها واصبح لربه خصما مبينًا، بدفاعه عن الشرك ومحاماته عن الانداد. وذكر عقب ذلك خلقه للأنعام شارحًا ما لنا فيها من المصالح والمنافع بأسلوب بدع، وخلقه للخيل والبغال والحمير وما أعدت له، فانه يخلق ما لا نعلمه مما حَدّث به العصر من دراجات وسيارات وطيارات وغواصات وقطارات وباخرات، وكأنه بذلك يبين أنه قائم بتدبير شأن الإنسان وسد حاجه، وما اتخذوه من دون الله لا يقوم بشيء من ذلك فلِمَ يشرك به؟ ثم ذكر هذه الجملة ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ﴾ ليبين نعمة أخرى له، نعمة الهداية والبيان للطريق الحق الذي إذا سلكه الإنسان نجا وإن تنكبه ضل وغوى. ثم رجع إلى تعداد نعمه، فذكر الماء وآثاره الجمة من إحيائه للإنسان وانباته للاشجار التي يُسيم فيها الحيوان، وفصلها بالزرع والزيتون والنخيل والاعناب ومن كل الثمرات، وحثنا على التفكر فيها لاستنباط العبر منها والوصول إلى معرفة بارئها المعرفة اللائقة بجلاله وعظمته وأنه جدير بالتوحيد والافراد بالعبادة والخضوع، وذكر بعدُ خلقه للَّيل والنهار -الأول للإنسان لباس، والثاني له معاش - وخلقه للشمس والقمر، اللذين هما آيتا الليل والنهار، وأنهما والنجوم خاضعات لأمر الله تعالى لا تخرج عن نظامه الذي أبدعه، ولا عن سننه الذي وضعه. وفي ذلك آية بينه لمن عقل وتفهم وتبصر وتدبر. وذكر بعد ذلك أنه خلق في الأرض أشياء مختلفة في الأشكال والألوان والطبائع والمنافع، وأن فيها آية للمتفكرين. وذكر البحار وثمراتها من الاسماك والحلي، وسير الفلك فيها لابتغاء الرزق والعلم. وذكر الجبال والأنهار والسبل التي يهتدي بها السائر كما يهتدي بالنجوم. ذكر كل هذه المخلوقات العظيمة التي غمر الانسان بمزاياها ومنافعها وسلطه على تسخيرها في تدبير شؤونه وتوفير حاجه – ذكرها الابطال الشركاء كما نبينه، ولكنه لم يسردها سردًا ولم يعدها عدًا كما نعد الاشياء، بل أفادك في الاثناء معلومات قيمة وثمرات طيبة، وحثك على أن تنفذ منها إلى عظمة مبدعها. فلم يكن العد بذلك ثقيلا على النفس بل كان حلوًا مستمرًا شهيًا مستطابًا ينسيك كثرة المعدود ما حف به من مزايا الموجود ثم خلص من عد المخلوقات إلى هذه الجملة الحكيمة التي لا تستقر إلا في هذا الموضع ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ ﴾ فأتم بذلك الحجة على أن من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا يخلق شيئًا لا ينبغي أن يكون لله ندًا ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ فألقم المشركين بذلك حجرا ولم يبق لهم عذرا. وكأني بالقارئ وقد وصل إلى هذه الجملة، وقد تدبر ما سبقها وفكر فيما تقدمها وقف مبهوتًا صاغرًا أمام هذه الطريقة المثلى التي سلكها القرآن في حجاجه، وبرهن بها على صدق قضاياه وصحة نظرياته، طريقة تخر لها طرق المناطقة ساجدة مسبحة لله ممجدة. وانظر كيف عقبها الله بقوله ﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ حثًا لنا على الادكار والاعتبار، فإن الذاكرين المفكرين هم الذين يقفون على اسرار القرآن، وهو الذي تخالط حلاوته بشاشة قلوبهم، وتروى منه أفئدتهم، وتحيا به عقولهم. أما الذين يمرونه على ألسنتهم مرًا لا يجاوز تراقيهم ولا يعدو آذانهم فأولئك في قلوبهم عمى لا يبصرون في القرآن هدى. كما عدد كثيرًا من النعم قبل هذه النتيجة الحكيمة عقبها بأن نعم الله لا تقف عند ما فصل وبين، بل هي لا يحصيها العد ولا يضبطها القلم. فكيف يسوى رب هذه نعمه بمخلوق هذا شأنه؟ إن ذلك لوزر كبير وظلم عظيم يستدعي مؤاخذة عاجلة ومناجزة قاتلة. ولكن الله رحيم بعباده، يؤخر عقابه رجاء أن يثوبوا إلى رشدهم ويرجعوا عن غيهم. ثم ذكر تعالى أنه يعلم سرهم وعلانتيهم، وآلهتهم لا تعقل ولا تفهم ولا تبصر ولا تسمع، فلا سبيل لها إلى المعرفة، فكيف تسوى بمن أحاط بكل شيء علما؟. ثم ترقى جل شأنه في البرهان فبين أن هذه الآلهة مع كونها لا تخلق شيئًا فلا تسوى بالخالق - هي لله ملخوقة ولمعونته محتاجة، فكيف نستنصر بعاجز ضعيف ونترك قويا قهارا؟ كيف نستنجد بالأموات وندع رب الكائنات؟ ثم صرح بالدعوة التي ذكرها أول السورة فقال {إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} وبين أن الحامل لهؤلاء الكفار على مجانبة هذه الدعوة مع وضوح دليلها ونصوع برهانها وبداهة مقدماتها إنما هو استكبارهم وعنادهم وبغيهم واستعلاؤهم وقد قال تعالى ﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ ﴾. وحجاج القرآن كله على هذا النحو البدع الذي تسترسل معه النفس، ويسلس به قياد العقل. انظر قوله تعالى حكاية عن واعظ المدينة ﴿ أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ وتأمل مجادلته لأهل الكتاب ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ وتبصر قوله ﴿ وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ وقوله للذين طعنوا على القرآن بنزوله مفرقا ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ وفي مثل هذا المعنى قوله تعالى ﴿ وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا ﴾ وانظر رده تعالى على الذين اقترحوا على محمد صلى الله عليه سلم انزال آيات معينة ليؤمنوا به يأخذك العجب ويستولي عليك الدهش من قوة الجواب وقضائه على كل شبهة وازالته لكل قترة. وذلك في قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا[1] أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا[2] * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ[3] أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾. ولولا إطالة الموضوع به لسردت لك الكثير من أمثال ذلك ونحن إنما يهمنا تنبيهك بالأمثلة إلى تلك الخطة الحكيمة التي ارتسمها القرآن في الاستدلال فألان بها الطباع الجامدة وحرك بها النفوس الساكنة وفتح بها أعينًا عميًا وآذانًا صما وقلوبًا غلفا. فإذا أردت أن تحسن الجدال وتأخذ به الخصوم وتدرك به الغاية وتقطع العذر على معارضيك فانهج منهج القرآن فانه أهدى سبيلا وأقوم قيلا وأحسن تأويلا. القرآن هو الكتاب الذي إذا لازمه الانسان واتخذ منه خليلا جليسًا وسميرا أنيسًا وأقبل عليه يتلوه حق تلاوته، يتفقهه كلمة كلمة، وجملة جملة وآية آية، وسورة سورة - أفاض عليه من الهداية ما يجعله كبير العقل صادق الرأي نافذ البصيرة قوي الحَدْس طاهر النفس يأتي كل خير ويذر كل شر ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ ولقد تأثر به الجن ساعة سمعوه وامتلأت قلوبهم بمحبته وإجلاله حتى أسرعوا لدعوة قومهم إليه ﴿ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴾ و﴿ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾. وكيف لا يكون للقرآن في النفوس هذا الاثر وله عليها هذا السلطان يفعل فيها ما لا تفعله القوى القاهرة وقد وصفه الله بقوله ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾. ولأن القرآن الأستاذ الكبير والمربي العظيم ذو الارشاد الحميد والأثر المجيد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتلاوته خصوصًا في وقت هدوء الليل وسكون الناس وراحة النفس وصفاء العقل وخلوه من الشواغل والاسترسال وراء الحس فقال له ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا[4]﴾ فالنفس تشهده القلب يحضره. وقال له ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا ﴾ فامره بترتيل القرآن ليقوي نفسه فتستطيع القيام باعباء الرسالة والدعوة إلى الله والصبر على مناوأة الاعداء. وانى وربك لمحدثك عن مشاهدة ومخبرك عن عيان ما وجدت معضدا على تحمل متاعب الحياة ولا مخففًا لنوائبها ولا مذيبًا لشدائدها ولا مسليا عن فائتها أكبر من هذا القرآن، إنه ليحيل التعب في سبيل الجهاد إلى راحة والألم إلى لذة والشقاء إلى سعادة وإن الخطب لينتابك وقد كبر عليك حلوله وهالك نزوله فإذا ما لجأت إلى القرآن وتدبرت آياته وتفهمت عظاته وقرأت من قصص المرسلين والأئمة المصلحين وما أصابهم من ضروب الايذاء وسهام الاعداء دق الجليل وهان العظيم وتبددت الاحن وكأن لم تكن نائبة. وإذا ساورتك الهموم ومتلكتك الاحزان ففرق جيشها بآي القرآن واملأ قلبك بخشية الديان فلا ترى غمًا ولا هما ولا حزنا ولا ألما. وكان خليقا بالمسلمين وقد يسر الله لهم القرآن وسهل عليهم حفظه وارخص لهم ثمنه حيث أوجد المطابع التي كثرت بها المصاحف كثرة لم يبق معها اقتناء المصاحف على أي أحد عسيرا، خليق بالمسلمين والحالة هذه ان يهبوه من وقتهم ولو قليلا ومن تفكيرهم ولو يسيرا ولا يضنوا عليه بعشر ما ينفقونه في قراءة الفقه والاصول وكتب الكلام والفلسفة، بله القصص والروايات والاساطير والخرافات ولكن هجروا القرآن وصدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عنه ربه ﴿ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴾ فهل لهم أن يعودوا إلى حصنهم الحصين وناصحهم الأمين وإنه لبين أيديهم؟﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ﴾. (يتبع) المصدر: مجلة الإصلاح، العدد السابع والثامن، جمادى الثانية 1347هـ، ص10 [1] قطعاً. [2] جماعة. [3] ذهب. [4] في البخاري في كتاب التفسير عند قوله تعالى ﴿ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة, وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح» يقول أبو هريرة اقرؤوا إن شئتم ﴿ وقرآن الفجر إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾. ا هـ. فهذا يدل على أن قرآن الفجر غير التهجد في الليل.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |