|
|
|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
ما بعد النسوية.. من سؤال الحقوق إلى سؤال العمران همام الطوالبة كل فكرةٍ إنسانية تُولد استجابة لظلم واقع تحمل في بدايتها من أسباب القوة ما يجعل الناس يلتفون حولها أول الأمر، فإذا أدت رسالتها، كان عليها أن تخضع للمراجعة! ذلك أن الأفكار لا تُقاس بسلامة مقاصدها فقط، بل بما تحمله في طياتها من أحكام مؤسسَّة على الدليل والبرهان، وبما تؤول إليه من آثار في حياة الناس، والنسوية واحدة من هذه الأفكار. نشأت النسوية في بيئات حَرمت المرأة من حقوقها الأساسية، فكان من الطبيعي أن ترتفع الأصوات المؤيدة لها أو المتعاطفة معها، رفضاً للظلم، واستجابة لنداء الحق والعدل، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لم يعد: ماذا أرادت النسوية؟ بل ماذا صنعت النسوية؟ وهل ما تزال قادرة على تقديم إجابات كافية للأسئلة التي يواجهها الإنسان والأسرة في القرن الحادي والعشرين؟ إن الإنصاف يقتضي التأكيد أن النسوية لم تكن يومًا تيارًا واحدًا، بل تيارات متعددة، تباينت منطلقاتها وأحكامها وغاياتها، ولذلك فإن النقد المنصف لا يتوجه إلى النسوية كفكرة عامة، وإنما إلى بعض اتجاهاتها التي تجاوزت مقاومة الظلم إلى التشكيك في بعض الأحكام الدينية القطعية وبعض البنى الاجتماعية الأصيلة، وجعلت العلاقة بين المرأة والرجل علاقة صراع وصدام، لا علاقة شراكة وتكامل، والأسرة لا تُبنى على فكرة غالب ومغلوب، ولا على منافسة دائمة بين شطريها على السلطة والقرار. وليس من الحكمة أن يُعالج الظلم التاريخي الذي وقع على بعض النساء في بعض المجتمعات بإنتاج صراع جديد داخل المجتمعات، فالمرأة التي حُرمت من حقوقها لا تحتاج إلى أن تصبح خصمًا للرجل، كما أن الرجل المعاصر لا ينبغي أن يُحمَّل وزر تاريخ لم يصنعه، إن علاج الظلم لا يكون بظلم جديد، وإنما بإقامة ميزان العدل الذي يخضع له الجميع، ويحفظ لكل إنسان كرامته ومسؤوليته. المرأة في سوق الاستهلاكية ومن أخطر ما أفرزته بعض الخطابات النسوية المعاصرة أنها قدَّمت نموذجًا واحدًا للنجاح، حتى بدا أن المرأة لا تحقق ذاتها إلا إذا سارت في طريق الإنجاز المهني في سوق الاستهلاك التنافسي، أما إذا اختارت -بكامل إرادتها- أن تجعل الأسرة مشروع حياتها الأول، أو أن توازن بين بيتها وعملها، عُدَّ ذلك عند بعضهم تراجعًا عن التحرر وردة إلى عصور الظلام والعبودية، والمفارقة أن هذا التصور، وهو يرفع شعار الحرية، يفرض على المرأة وصاية جديدة لا تقل قسوة عن الوصايات التي ثار عليها أولاً؛ إذ يجعل المرأة رهينة نموذج واحد للحياة، ويُضيِّق مساحة الاختيار التي هي جوهر الحرية الحقيقية. غير أن اختزال أزمة الأسرة اليوم في الأفكار النسوية المتطرفة وحدها خطأ آخر، فالعالم المعاصر تحكمه منظومة اقتصادية تُعلي من شأن الإنتاج والاستهلاك، وتفرض على الرجل والمرأة إيقاعًا مرهقًا من العمل، حتى غدت الأسرة في كثير من الأحيان الحلقة الأضعف في معادلة التنمية. كما أسهمت ثقافة الفردانية، والإعلام الرقمي، وتسارع أنماط الحياة، في إعادة تشكيل العلاقات الإنسانية على نحو أضعف الروابط الأسرية، ورسخ قيم الإنجاز الفردي على حساب المسؤولية المشتركة، ومن ثم فإن أي حديث جاد عن مستقبل الأسرة لا يكتمل بالنقد الأخلاقي وحده، بل يستلزم مراجعة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي جعلت نجاح السوق يتقدم على حساب استقرار الأسرة. ولهذا، فإن مرحلة «ما بعد النسوية» التي ننشدها ليست دعوة إلى الانتقاص من حقوق المرأة، ولا ذريعة لإحياء أنماط من التبعية لفظها التاريخ، وإنما مراجعة فكرية بدأت إرهاصاتها تظهر حتى داخل الأوساط الغربية؛ إذ أخذ عدد من الباحثين والكاتبات يتساءلون عمّا إذا كانت بعض مسارات النسوية قد أوصلت الخطاب إلى طريق يحتاج إلى مراجعة، بعد أن اتسعت ظواهر تأخر الزواج، وتراجع الخصوبة، وتصاعد الشعور بالوحدة، وتزايد الضغوط النفسية في كثير من المجتمعات، ولا يعني ذلك أن النسوية السبب الوحيد لهذه التحولات، لكنه يعني أن أي فكرة كان لها أثر في تشكيل الوعي العام ينبغي أن تخضع، كغيرها، للنقد والتقويم. المسؤولية الاجتماعية والأسرية ومن هنا، فإن «ما بعد النسوية» انتقال طبيعي من مرحلة الرفض إلى مرحلة البناء، ومن سؤال الحقوق المجرد إلى سؤال العمران، تحافظ على كل حق عادل اكتسبته المرأة، ولكن لا بناء على منطق الصراع، بل بناء على منطق المسؤولية الاجتماعية والأسرية. مرحلة تقوم على نموذج تشاركي ومسؤول، لا يُنتقص حق المرأة ولا يُحمَّل الرجل وزر تاريخ لم يصنعه، نموذج يؤمن أن الأسرة شراكة لا صراع؛ فلا نجاح مهنياً يعوض انهيار البيت، ولا استقرار أسرياً يقوم على إلغاء طموح أحد الزوجين، أما الحقوق الفردية فتقترن بالمسؤوليات؛ فكلما اتسعت دائرة الحقوق، اتسعت معها دائرة الواجبات تجاه الأسرة والمجتمع، أما السياسات العامة فينبغي أن تكون صديقة للأسرة، من خلال بيئات عمل تراعي الأمومة والأبوة، وتشريعات تُعين الوالدين على أداء رسالتهما، بدل أن تدفعهما إلى الاختيار بين النجاح المهني والاستقرار الأسري. إن مستقبل الإنسانية لن تصنعه شعارات الصراع، ولا معارك تبادل الاتهامات، وإنما تصنعه مراجعة شجاعة تُقرُّ للمرأة بحقوقها، وتُعطي للرجل قدره، وتُعيد للأسرة مكانتها بوصفها الحاضنة الأولى للإنسان، والبيئة التي تتكون فيها معاني الرحمة والانتماء والمسؤولية. لعل السؤال اليوم لم يعد: كيف نحرر المرأة؟ ولا كيف ينتصر الرجل؟ بل كيف نبني إنسانًا ونقيم أسرة؟ كيف نحقق عدلاً يحفظ الحقوق ويصون المسؤوليات؟ وحين يتغيَّر السؤال، تبدأ حقًّا مرحلة ما بعد النسوية، مرحلة لا يكون معيار نجاحها انتصار المرأة على الرجل، ولا انتصار الرجل على المرأة، بل انتصار العدل الذي يحفظ كرامة المرأة، ويصون مكانة الرجل، ويبني الأسرة، ويخرج إلى الحياة أفضل إنسان.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |