سر اختيار الجزيرة العربية - ملتقى الشفاء الإسلامي

ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :        

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > القسم العلمي والثقافي واللغات > الملتقى العلمي والثقافي
التعليمـــات التقويم

الملتقى العلمي والثقافي قسم يختص بكل النظريات والدراسات الاعجازية والثقافية والعلمية

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 25-09-2026, 05:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,317
الدولة : Egypt
افتراضي سر اختيار الجزيرة العربية

سر اختيار الجزيرة العربية
البيئة، الوثنية، النار


وليد بن عبدالعظيم آل سنو

توطئة:
ثَمَّةَ أسرارٌ كثيرة لا يستطيع العلماءُ حصرها في اختيار الله - عزَّ وجلَّ - لتكون الجزيرة العربية مَهْدَ آخر رسالات السَّماء، وآخر إشارات بزوغ الفجر الجديد.

إنَّنا حين نتأمل ما جاء عن مكَّة في الإصحاح الستين من سفر أشعيا في الفصل الثاني والعشرين ما نصه: "قومي استنيري فنورك جاء، ومجد الرَّب أشرق عليك، ها هو الظلام يغطي الأرض، والسواد الكثيف يشمل الأمم، أما عليك فيشرق الرب، كنت مهجورة مكروهة، لا أحدَ يعبر فيك، والآن أجعلك فخر الدُّهور، وبهجة جيل فجيل، لن يسمع بالظلم في أرضك، ولا بالدمار والخراب داخل حدودك، وجميع شعبك من الأبرار، يرثون الأرض إلى الأبد، القليل منهم يصير ألفًا، والصغير يصير أمة عظيمة"، ندرك المغزى من الحكمة الإلهيَّة؛ لكون مكَّة كانت مهجورة لا أحد يعبر فيها.

ومهما تفقد الإنسان تلك الأسرار يَجد أنَّ الطريق ما زال ممتدًا أمامه لا نهاية له.

لكن الإنسان يحيا دائمًا وهو مولع باكتشاف الغامض، وكشف المستور، فيمضي لتقصي تلك الأسرار، والإتيان على بعضها بقدر الله - عزَّ وجلَّ.

فحينًا بعد حين يكشف الله لبعض عباده عن هذه الأسرار، فمنها على سبيل المثال أسرار خلقية "لطبيعة أبناء الجزيرة العربية"، ومنها أسرار علميَّة، وأخري فكرية وثقافية، ومنها أسرار سياسية وجُغرافية، وأخرى اجتماعية؛ بل هناك أسرار نفسية وعقلية، وحتَّى أولئك الذين تسمَّوا بالمناطقة والفلاسفة، والباحثون عما وراء الطبيعة، خاضوا بحر الأسرار العظيم، فأخرجوا لنا بعض تلك الأسرار، وخاض من خاض في بحر التفسير والسنة، وكل ذلك بسبب تلك الآية، التي حَيَّرت العقول، وطاشت بالألباب، ووقفوا لها خاشعين خاضعين، حتَّى أولئك الغربيون الذين اكتشفوا أخيرًا - خدعة وخطأ - دِقَّة خط جرينيتش؛ ليثبتوا للدُّنيا كلها وللعالم أجمع أنَّ خط مكة أكثر دقة، وأنه وسط العالم.

قال الله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143]، فمعنى قوله: {وَسَطًا}؛ أي: وسطًا في المكان، وسطًا في الخِلقة، وسطًا في المشاعر والأحاسيس، وسطًا في الأخلاق، بل وسطًا في الدعوة إليه - سبحانه - ووسطًا في كل شيء.

هذا الوسط أو هذه الوسطيَّة لها أسرار كامنة، تُكتشف حينًا بعد حين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

هذا الاختيار الإلهي - وكفى به سببًا وسرًّا - لا يَمنعنا - على أيَّة حالٍ - من أنْ نبحثَ، ونخوض غمار تلك الأسرار، التي وراء هذا الاختيار، فسرُّ اختيار الجزيرة العربية يرتبط بتلك البيئة الوثنية، التي كانت تستوجب النار.

البيئة

"هل كانت مصادفة عابرة أنْ يظهرَ هذا الرسول بهذا الدين، في هذا الموضع من الأرض في هذا الزَّمان؟ إن هنالك نظامًا مقدورًا أو قصدًا مقصودًا، وتدبيرًا معينًا، وترتيبًا موضوعيًّا لتلتقي هذه الظواهر كلها حيث التقت؛ كي تؤدي دورًا معينًا ليس أقل نتائجه: تخطيط خريطة العالم في عالم الظاهر، وفي عالم الشعور على هذا الوضع، الذي صارت إليه الأمور منذ ذلك التاريخ البعيد"[1].

إنَّ من أهم القضايا من وجهة نظري، التي يَجب أنْ تطرح في واقعنا المعاصر: معرفةَ طبيعة المجتمع، الذي عاش فيه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في بدء الدعوة، وعقائده وثقافته، وعلاقاته وطريقة مُواجهته للأحداث، وأسلوبه الدَّعوي؛ لنستطيع فَهْم التجربة النبوية بشكل عام وشامل وعميق، مع كيفيَّة نقل هذه التجربة إلى واقعنا المعاصر عند مُواجهتنا للمجتمع، الذي نتحرَّك فيه، فيما إذا كانت الأوضاع والمعطيات العامَّة متوافقة في سلوك كلاَ المجتمعين، مع استبعاد المؤثرات الخاصَّة التي تحكم بعض الأساليب المطروحة في التجربة.

إنَّ دراسة هذه البيئة التي نشأ فيها الإسلامُ يتطلب النَّظر في أمرين غاية في الأهمية؛ لأنه دون التمعن في هذين الأمرين تكون الرُّؤية غير واضحة، والدِّراسة غير ناضجة، ناقصة غير وافية وغير متكاملة أيضًا، وهذان الأمران هما:
الأول: يتعلق باختيار البيئة ذاتها؛ بمعنى: لماذا كانت الرِّسالة الخاتمة في هذه البقعة من الأرض دون غيرها؟ أي: لماذا كانت الجزيرة العربيَّة هي مهبط الوحي، والحضن الآمن للرسالة الخاتمة؟

الأمر الآخر:يتعلق باختيار النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - حال كونه أميًّا لا يقرأ ولا يكتب، رغم أنَّه جاء يتلو عليهم آيات ربه - عزَّ وجلَّ.

وهذان الأمران يَجب دراستهما في ظل دراسة أحوال الجاهليَّة لأسباب عدة؛ منها:
1 - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - نشأ في تلك البيئة الجاهليَّة[2]، وأنَّه - عليه الصلاة والسلام - كان أميًّا، ككثير من أبناء قريش؛ ولكنَّه لم يُمارس ما مارسوه، وتربوا عليه حال كونه "أُمِّيًّا" في بيئة "جاهلية"، وهذا ما يدعو للعجب والدَّهشة.

أخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله - تعالى -: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]، قال: هو محمد؛ {يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} [الجمعة: 2]، قال: القرآن؛ {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [الجمعة: 2]، قال: هو الشرك[3].

2 - أنَّ الجزيرة العربيَّة كانت بيئة هادئة بعيدة عن الأفكار الهدَّامة "المبتكرة" عقديًّا، تنعم بتلك الأفكار السطحيَّة البدوية الساذجة، حال كونها بعيدة عن تلك التيارات الفكرية المنحرفة، التي كانت سائدة في روما وفارس واليونان، وتلك ميزة مهمة.

قال أحد رهبان الكنيسة: كانت أطراف المدينة - أي: روما - جميعًا ملأى بالجدل ترى ذلك في الأسواق، وعند باعة الملابس، وصيارفة النقود، وباعة الأطعمة، فأنت تريد أن تبدل قطعة من ذهب، فإذا بك في جدل عمَّا خُلق، وعما لم يخلق، وأنت تريد أن تقف على ثمن الخبز، فيجيبك مَن تسأله: الأب أعظم أم الابن؟ والابن خاضع له، وأنت تسأل عن حمَّامك، وهل ماؤه ساخن، فيجيبك غلامك: لقد خلق الابن من العدم[4].

3 - تعلق هذين الأمرين بأحوال الجاهليَّة ألزم لهما من تعلقهما بالإسلام؛ إذ الإسلامُ جاء والعرب على تلك الحالة من الفَوضى والهمجيَّة والأمية، وقد ظل الأمر على ذلك أربعين سنة هي فترة عمر النَّبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قبل البَعْثة، فدراسة هذين الأمرين في هذه الفترة يبيِّن لنا حقيقةَ الوضع للبيئة وللنبي معًا.

4 - أمية النبي تثبت لنا حقيقة وتنقض مضادها.

تثبت لنا صدقه فيما جاء به وتلك حقيقة، وتنفي كذبه كما نفاه أعداؤه قبل محبِّيه.

يقول شارح الطحاوية: "فإنَّ النبوة إمَّا يدَّعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين"[5].

فالصِّدق والكذب صورتان مُتقابلتان متضادتان؛ ولذلك وصف مسيلمة بصفتين: تصغير في اسمه؛ لتحقيره وإذلاله، فسُمي مسيلمة.

والثانية: وصمه بالكذاب؛ لكذبه على الله، فصار مسيلمة الكذاب، وصار محمد الصادق الأمين، فصدق النبي لازم له؛ لأنَّ ما جاء به لا يحتمل إلا أمرًا واحدًا؛ لذا وصفه قومه بالصادق الأمين، ثُمَّ عادوا ووصفوه بالساحر الكذَّاب لماذا؟ لأنَّه بدأ يعادي نظام البيئة، وذوو الألباب منهم كانوا يدركون أنَّه ما كان ليصدق مع الناس، ويكذب على الله، وما كان ليكذب بعد الأربعين، وأنَّي له بمثل هذا الكتاب؟! {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت: 48]، "والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوة النبوة؟!"[6].

5 - دَور الفطرة السليمة في نشأة الولد، مهما كان المجتمع الذي نشأ فيه، وهذا أمر مهم بالنسبة لتربية الأولاد ليس مجاله ها هنا.

لذلك نقول: إنَّ دراسة البيئة التي نشأ فيها الإسلام، وتربَّى فيها النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - عنصر هام من عناصر دراسة السيرة النبوية؛ لأنَّ معنى دراسة البيئة "دراسة الحرب القادمة"، وفن قيادة الحرب موجود في ثنايا سيرة النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأن الحقيقة التَّاريخيَّة تؤكد مقولة أنَّ التاريخ دورات، وأنه يعيد نفسه بأنماط مختلفة، ونَحن ماضون في حلقته، سائرون في دروبه؛ حتَّى تقوم الساعة على الوثنية.

البيئة الوثنية[7]

هذا هو التعبير المتعارف عليه حال كون الأمم لا تعبد الله - عزَّ وجلَّ - وتفرده بالعبودية، وقد دخل ضمن هذا التعبير اليهود والنَّصارى - وكلاهما أهل كتاب - ومعهما قريش تحمل معها بقايا مُتناثرة من ملة إبراهيم - عليه السلام - لكن النَّاظر في أمر قريش يجد أنَّ الوثنية ألزم لها من غيرها، فاليهود والنَّصارى في تلك الأزمان كانوا قائمين على نتف يسيرة من الحق، أخذوا منه قليلاً وتركوا منه كثيرًا، وبقية الأمم غارقة في الشهوات والملذات حالها كحال قريش، إلا أن قريشًا كانت تختص بخصيصة عن غيرها، وهي الثبات على "البيئة الوثنية"؛ لاعتقادهم أنَّها ملة إبراهيم - عليه السلام - بل والافتخار بتلك العروبة والعصبية القبلية، وبأنهم من نسل إسماعيل - عليه السلام - وذلك على عكس اليهود والنَّصارى، الذين كانوا على استعدادٍ بعد تحريفِ وتبديل الدِّين لتغيير بلادهم ولغتهم ودياناتهم، كما فعلوا ذلك كثيرًا عبر التاريخ - الممعن في القدم، والمعاصر أيضًا - فكانت الوثنية في قريش أعظم من غيرها، وكان ذلك الشرك يستلزم النار.


النار


وكانت النَّار هي أصلَ العقاب الأرضي للبيئة الوثنية؛ لأنَّ الموت على الشِّرك يستلزم النار في الآخرة؛ ولذا كان من علامات قيام الساعة أنَّ الحشر يبدأ بنار تخرج من قعر عدن، ثم تنتشر في الأرض كلها؛ لأنَّ الأرض وقتئذٍ ستكون بيئة وثنية؛ لأنَّ كل نسمة طيبة تقبض، فلا يبقى إلا شرار الناس، فعودة أصل العقاب بعودة البيئة الوثنية، ومن أجل تلك العلة كانت مكة بعيدة عن الزَّلازل والبراكين والنار، حتى قيام الساعة؛ بل إنَّ العذاب العام رفع عن الأرض؛ بسبب دعاء النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أولاً، ثم بسبب وجوده في تلك البقعة المباركة ثانيًا، وهذه الرحمة العامة الشاملة من أسرار اختيار مكة.
سر اختيار الجزيرة العربية

"ظلت شبه الجزيرة العربية، وكأنَّها واحة حصينة آمنة من الغزو، إلاَّ في بعض أطرافها، آمنة من انتشارِ الدَّعوة الدينية، مسيحية أو مجوسيَّة، إلا في قليل من قبائلها، وهذه ظاهرة قد تبدو في التاريخ عجيبة، لولا ما يفسرها من موقع بلاد العرب ومن طبيعتها، وما للموقع والطبيعة من أثر في حياة أهلها، وفى أخلاقهم وميولهم ونزعاتهم"[8].
موقع شبه الجزيرة الجغرافي

"فشبه جزيرة العرب مستطيل غير مُتوازي الأضلاع، شماله فلسطين وبادية الشَّام، وشرقه الحيرة ودجله والفُرات وخليج فارس، وجنوبه المحيط الهندي وخليج عدن، وغربه بحر القلزم "البحر الأحمر"، فهو إذًا حصين بالبحر من غربه وجنوبه، حصين بالصحراء من شماله، وبالصحراء وخليج فارس من شرقه، وليست هذه المناعة وحدَها التي عصمته من الغزو الاستعماري أو الغزو الديني؛ بل عصمه كذلك ترامي أطرافه، فطول شبه الجزيرة يبلغ أكثر من ألف كيلو متر، وعرضه يبلغ نَحو الألف من الكيلومترات، وعصمه أكثر من هذا جدبُه جدبًا صرف عَيْنَ كل مستعمر عنه، فليس في هذه الناحية الفسيحة من الأرض نهر واحد، وليست لأمطارها فصول معروفة يُمكن الاعتماد عليها، وتنظيم الصناعة إيَّاها، وفيما خلا اليمن الواقعة جنوب شبه الجزيرة، والممتازة بخصب أرضها، وكثرة نزول المطر فيها، فسائر بلاد العرب جبال ونجود وأودية غير ذات زرع، وطبيعة جرداء لا تيسر الاستقرار، ولا تجلب الحضارة، وهي لا تشجِّع على حياة غير حياة البادية، وما تقضي به من الارتحال الدائم، واتِّخاذ الجمل سفينة للصَّحراء، وانتجاع مراعي الإبل، والاستقرار ريثما تأتي الإبل عليها، ثم الارتحال من جديد انتجاعًا لمرعى جديد.

وهذه المراعي التي ينتجعها بدو شبه الجزيرة، إنَّما تدور حول عين من العيون، تتفجر عن ماء المطر الذي يتسلل خلال أرض البلاد الحجرية، فينبت تفجره الخضرة المنتثرة ها هنا وهناك في واحات تحيط بهذه العيون، طبيعي في بلاد هذه حالها أن تكونَ كصحراء إفريقيَّة الكبرى، لا يقيم بها مقيم، ولا تعرف الحياةُ الإنسانية إليها سبيلاً، وطبيعي ألا يكون لمن يحل بهذه الصحراء غرض أكثر من ارتيادها والنَّجاة بنفسه منها، إلا في هذه النَّواحي القليلة التي تنبت الكلأ والمرعى، وطبيعي أن تظل هذه النواحي مجهولة من الناس؛ لقِلَّة مَن يغامر بحياته لارتيادها، وقد كانت بلاد العرب فيما سوى اليمن مَجهولة بالفعل من أهل تلك العصور القديمة"[9].

موقع مكة

"في وسط طريق القوافل المحاذي للبحر الأحمر ما بين اليمن وفلسطين، تقوم عدَّة سلاسل من الجبال تبعد نحو الثمانين كيلو مترًا من الشاطئ، وهي تُحيط بواد غير فسيح، تكاد تحصره لولا منافذ ثلاثة، يصله أحدها بطريق اليمن، ويصله الثاني بوادٍ قريب من البحر الأحمر "بحر القلزم" عند مرفأ جدَّة، ويصله الثَّالث بالطريق المؤدي إلى فلسطين، في هذا الوادي المحصور بين الجبال تقوم مكَّة، ومن العسير معرفة تاريخ قيامها، وأكثر الظَّن أنَّه يرجع إلى ألوف من السنين خَلَت، والثابت أنَّ واديها اتُّخذ من قبل أن تُبنى موئلاً لراحة رجال القوافل؛ بسبب ما كان به من بعض العيون، وأنَّ رجال القوافل هؤلاء كانوا يجعلون منها مضارب لخيامهم، سواء منهم القادمون من فلسطين مُتَّجهين إلى اليمن، والراجح أن إسماعيل بن إبراهيم أول من اتَّخذها مقامًا وسكنًا، بعد أن كانت مجرد محلة للقوافل، وسوقًا للتجارة يقع فيها التبادل بين الآتِين من جنوب الجزيرة والمنحدرين من شمالها"[10].
سر اختيار الجزيرة العربية مهدًا لنشأة الإسلام

يقول الإمام/ أبو الأعلى المودودي - رحمه الله -: "وإذا نظرت نظرة في جغرافية العالم، علمت أنَّ بلاد العرب هي أنسب أرض للرسالة العالمية، فهي بين آسيا وأفريقيا، وأقرب ما تكون لأوروبا، ولا سيَّما بالنسبة لذلك الزَّمان الذي كانت فيه أمم أوروبا الراقية المتمدنة تسكُن في الأقسام الجنوبية منها، وبعدها عن بلاد العرب يعدل بُعد الهند عن هذه البلاد، ثم إذا قرأت ما قالت كتب التاريخ عن ذلك الزَّمان، عرفت أنه ما كانت في الدُّنيا أمة أنسب وأجدر بهذه الرِّسالة العالمية من الأُمَّة العربية، فقد أخذت أسباب الوهن والانحلال تُدرك سائر الأمم الراقية والقُوى العظيمة، بعد أن أقامت الدنيا وأقعدتها، بينما كانت الأمة العربية - إذ ذاك - موفورة الجأش حامية الدم، وكان نمو المدنية، وارتقاء الحضارة وانتشار الترف في الأمم الأخرى - قد أفسد عليها عاداتها وخصالها.

أمَّا الأمة العربية فما كانت إلى ذلك العهد على مدنية تجعلها ناعمة البال، مولعة بالبذخ والترف، مائلة إلى السفائل والرذائل، وكانت هذه الأُمَّة بمنجاة تامة في القرن السادس الميلادي، من الآثار السيئة المنتشرة في أمم الأرض المتمدنة الأخرى، وكان فيها من الصِّفات الإنسانية العالمية جميع ما يُمكن أن يكون في أمة لم تصدمها المدنية بعواصفها، وكان العرب شجعانًا مقاديم، لا يقيمون وزنًا للرهب والخوف، باسطي الأيدي، قائمين بالعهود، أحرار الفكر والنَّظر، يُحبون الحرية والاستقلال، ويُؤثرونهما على كل شيء آخر، ولم تكن أعناقهم خاضعة لأمة أجنبية، وكانت عاطفة الاستماتة في الذود عن أعراضهم تجري في عروقهم، وكانوا يعيشون عيشة ساذجة لا تَعرف التَّرف والتنعم، لا ريب أنَّه كانت فيهم كثير من السيئات والمنكرات.

ولكن الحقَّ أنَّه ما كان منشأ هذه السيئات إلاَّ أنه ما خلا فيهم رسول من الله منذ ألفين وخمسمائة سنة؛ أي: منذ زمن إبراهيم - عليه السلام - إلى بعثة النبي محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وما قام فيهم زعيم يزكِّيهم، ويُعنى بإصلاح أخلاقهم وتعليمهم المدنيَّة والحضارة، وكانت الجاهليَّة مُنتشرة فيهم لما عاشوا عيشة الحرية في الصَّحراء قرونًا من الزَّمان، وقد بلغ تَماديهم في هذه الجاهليَّة أنه لم يكُن لأحد ليقبلَ تهذيبهم وإخراجهم من ظلمات البهيمية إلى نور الإنسانيَّة.

ولكنهم كانوا مع كل ذلك أهلاً لأنْ يُقيموا الدنيا ويقعدوها، إذا عُنِيَ بإصلاحهم وتعليمهم رجل عبقري، وقاموا على أثر دعوته وتعليمه بغاية سامية ورسالة شريفة في الدُّنيا، فإلى مثل هذه الأمة الفتية الباسلة المقدامة، كانت تَحتاج الرِّسالة العالمية لنشر كلمتها وتعميم دعوتها في سائر أرجاء الدُّنيا ونواحيها، ثم انظر نظرة في اللغة العربيَّة، فإنَّك إذا قرأت هذه اللغة، ودرست آدابها، ظهر لك - من دون أدنى ارتياب - أنَّه لا يُمكن أن تكون في الدنيا لغة أنسب من هذه اللغة لأداء الأفكار العالية، والإفصاح عن أدق معاني العلم الإلهي، والتأثير في القلوب، فبالجمل الصغيرة من هذه اللغة تؤدي الموضوعات المهمة، وتكون قوية التأثير في القلوب، إلى مثل هذه اللغة كانت تحتاج معاني القرآن الكريم، فمن حكمة الله البالغة، ورحمته الشاملة بعباده إذًا أن اختار أرض العرب على غيرها للنبوة العالمية"[11].

ويقول الشيخ/ إبراهيم شاهين - حفظه الله: "إنَّ الله مهد لهذا الدِّين باختيار تلك البقعة المباركة، فحماها بالبحارِ الحاكمة، حتَّى إذا جاء الإسلام، حماهُ من الحكومات والإمبراطوريات القويَّة، فكان مانعًا مائيًّا كبيرًا جدًّا، ومَحْضنًا طبيعيًّا رائعًا، ثم ترك الجزء الأعلى منفتحًا حتَّى يصل الخير منها إلى غيرها، إنه الجزء الذي ستنطلق منه الحضارة الإنسانية يمنة ويسرة تغذي العالم، ثم إنَّ الله جعل أرضَها صحراواتٍ ليس فيها شيء؛ حتَّى لا تكون مطمعًا للدول الحاكمة التي حولها فيزهدون فيها؛ ولذلك لما ظهر البترول صارت مطمعًا لكل طامع، وقد أخبر رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن أرض العرب كانت مروجًا وأنهارًا[12]، ثم جاءها التصحر والقحل، والسر في ذلك لكي تحتفظ بنفسها، كالمادة الخام، حتى إذا جاء الإسلام نهضوا به؛ ولذلك كانت تلك البلاد بلا أي معللات حضارية، ثم إن الله اختار هذا المكان لتخرج منه أمة دعوية، فإن الله استخرجها لشيء لم يكن موجودًا في الأمم؛ ولذلك لم تكُن أمة صناعية، ولم تكن كذلك أمَّة زراعية، فدل ذلك على أن الهدف الأسمى أنْ تكون أمة دعوية؛ لأنَّ العالم يحتاج إلى الهدى؛ لذلك كانت المهمة الأولى هي مهمة الدعوة، وهذا هو الدور التاريخي لهذه الأمة"[13].

ويقول دكتور/ محمد سعيد البوطي: "الحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون بعثته - عليه الصلاة والسلام - في هذه البقعة من العالم دون غيرها، وأن تكونَ نشأة الدعوة الإسلامية على يد العرب قبل غيرهم، ولبيان هذا ينبغي أولاً أن نعلم خصائص العرب وطباعهم قبل الإسلام، وأنْ نتصورَ البقعة الجغرافيَّة التي كانوا يعيشون فيها وموقعها مما حولها، وأن نتصور في مُقابل ذلك ما كانت عليه الأمم الأخرى إذ ذاك؛ كالفرس والروم واليونان والهنود، من العادات والطباع والخصائص الحضارية"، "أما الجزيرة العربية فقد كانت هادئة، بعيدة، بل مُنعزلة عن مظاهر هذه الاضطرابات كلها، فلم يكُن لدى أهلها من الترف والمدنية الفارسية؛ مما يجعلهم يتفننون في خلق وسائل الانحلال، وفلسفة مظاهر الإباحية والانحطاط الخُلُقي، ووضعها في قوالب من الدين، ولم يكُن لديهم من الطغيان العسكري الرُّوماني ما يبسطون به أيديهم بالتسلُّط على أيِّ رقعة من حولهم، ولم يؤتوا من ترف الفلسفة والجدل اليُوناني ما يُصبحون به فريسة للأساطير والخُرافات، كانت طبائعهم أشبه ما تكون بالمادة الخام، التي لم تنصهر بعد في أي بوتقة مُحوَّلة، فكانت تتراءى فيها الفطرة الإنسانيَّة السليمة، والنَّزعة القوية إلى الاتِّجاهات الإنسانية الحميدة؛ كالوفاء والنجدة والكرم والإباء والعِفَّة، إلا أنَّه كانت تعوزهم المعرفة التي تكشف لهم الطريق إلى كل ذلك.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الرقية الشرعية


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية

[حجم الصفحة الأصلي: 109.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 107.79 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]