اسم الله (الرحمن) و(الرحيم) - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الرجوع إلى الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          أمن الوطن أمانة ومسؤولية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          خلق الحياء وتحديات العصر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ميلاد الأخلاق والقيم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          سعد بن معاذ رضى الله عنه وأرضاه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 6 )           »          الحقد الرافضي ونصر الله لأوليائه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          يسر الشريعة وشمولية الأجر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          الحوار الأسري وأثره في استقرار البيوت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          الزواج.. قرار شخصين أم عائلتين؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          5 خطوات ضرورية يحتاجها عقد الزواج الشرعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 23-09-2026, 08:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,381
الدولة : Egypt
افتراضي اسم الله (الرحمن) و(الرحيم)

اسْمُ اللَّهِ (الرَّحْمٰنِ) و(الرَّحِيمِ)

د. محمد حرز

الْحَمْدُ لِلَّهِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وَيَسْتُرُ الْعُيُوبَ وَيَكْشِفُ الْكُرُوبَ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَهُدًى لِلْمُؤْمِنِينَ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَصَحْبِهِ الطَّيِّبِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَاشْكُرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ، ﴿ ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا ﴾ [الطَّلَاقِ: 5].

عِبَادَ اللهِ: ((نَفَحَاتٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلْيَا)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، نَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ، لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى عَظَمَةِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَقُدْرَتِهِ، وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَتَسْلِيمِ الأَمْرِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَلِنَأْخُذَ مِنْهَا شُمُوسًا تُوقِدُ لَنَا دُرُوبَ الحَيَاةِ، وَنَتَنَشَّقُ مِنْ عِبَرِهَا عِطْرًا يُحْيِي النُّفُوسَ وَالْقُلُوبَ وَالأَرْوَاحَ.(( اسْمُ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ)):عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا..


عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
أَوَّلًا: مَا أَدْرَاكَ مَا اسْمُ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ؟
ثَانِيًا: نَفَحَاتٌ فِي اسْمِ اللَّهِ الرحمن والرحيم.
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: أَثَرُ اسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ فِي حَيَاتِنَا.


أَيُّهَا السَّادَةُ: بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ:
اسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ وَخَاصَّةً وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، بَلْ هُمَا أَكْثَرُ الْأَسْمَاءِ وُرُودًا وَاقْتِرَانًا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَقَدِ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهِمَا كِتَابَهُ الْعَظِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ﴾، وَخَاصَّةً وَإِنَّ مِنْ أَفْضَلِ وَأَشْرَفِ الْعُلُومِ: الْعِلْمَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَهُوَ أَنْ يَتَعَرَّفَ الْعَبْدُ عَلَى رَبِّهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلَى، فَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْعُلُومِ وَأَجَلِّهَا، بَلْ هُوَ أَعْظَمُ الْعُلُومِ عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ، وَمَا ظَنُّكَ بِعِلْمٍ يَتَعَلَّقُ بِذَاتِ اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ؟! وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الَّتِي تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَكَمَالِهِ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ، وَفِي سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾[الأعراف: 180]. وَالْعِلْمُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالْإِيمَانُ بِهَا، وَمَعْرِفَتُهَا، وَإِحْصَاؤُهَا؛ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ: اسْمُ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ؛ ذَانِكَ الِاسْمَانِ اللَّذَانِ يَمْلَآنِ الْقَلْبَ رَجَاءً وَطُمَأْنِينَةً، وَيَغْمُرَانِ النَّفْسَ أَمَلًا وَأَمْنًا. فَيَا عِبَادَ اللَّهِ: تَعَرَّفُوا عَلَى رَبِّكُمْ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَاعْمُرُوا قُلُوبَكُمْ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَخَشْيَتِهِ، فَإِنَّ أَعْظَمَ السَّعَادَةِ أَنْ يَعْرِفَ الْعَبْدُ رَبَّهُ، وَأَعْظَمَ الْخَيْبَةِ أَنْ يَجْهَلَهُ. وَخَاصَّةً وَسِعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَعْنًى يُقَالُ، بَلْ هِيَ حَيَاةٌ تُعَاشُ، وَأَمَلٌ يُحْيِي الْقُلُوبَ، وَطَرِيقٌ وَاضِحٌ لِلنَّجَاةِ. فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِرَحْمَتِهِ لَمْ يَيْأَسْ، وَمَنْ طَرَقَ بَابَهُ فُتِحَ لَهُ، وَمَنْ عَادَ إِلَيْهِ قَبِلَهُ وَغَفَرَ لَهُ. وَخَاصَّةً وَالدُّنْيَا أَحْوَالٌ مُتَقَلِّبَةٌ، لَا تَسْتَقِرُّ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ، يَتَقَلَّبُ فِيهَا الْإِنْسَانُ بَيْنَ حَيَاةٍ وَمَوْتٍ، وَصِحَّةٍ وَمَرَضٍ، وَرَخَاءٍ وَشِدَّةٍ، وَغِنًى وَفَقْرٍ، وَيُسْرٍ وَعُسْرٍ، يُكَابِدُ فِيهَا أَلْوَانًا شَتَّى مِنَ الْأَحْوَالِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ﴾ [الْبَلَدِ: 4]، فَلَا رَاحَةَ أَبَدِيَّةَ لِلْمَرْءِ فِيهَا، وَلَا تَخْلُو مِنَ الْهُمُومِ وَالْمُنَغِّصَاتِ.
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا
صَفْوًا مِنَ الْأَحْزَانِ وَالْأَكْدَارِ
وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ غَيْرَ طِبَاعِهَا
مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ



أَوَّلًا: مَا أَدْرَاكَ مَا اسْمُ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ؟
أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مَوْضِعًا، بَيْنَمَا وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ الرَّحِيمِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَوْضِعٍ، فَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الاسْمَيْنِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَأَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى وَمِنْ لَطَائِفِ هَذَا الْبَابِ: أَنَّ اسْمَ اللَّهِ «الرَّحْمٰنِ» لَمْ يُذْكَرْ مُقْتَرِنًا بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، بَلْ يَرِدُ مُفْرَدًا دَالًّا عَلَى كَمَالِ الرَّحْمَةِ وَسَعَتِهَا وَعَظَمَتِهَا، وَذَلِكَ لِعِظَمِ هَذَا الِاسْمِ وَاخْتِصَاصِهِ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿ الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه: 5]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمٰنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ [الفرقان: 26]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمٰنِ عَبْدًا ﴾ [مريم: 93]. أَمَّا اسْمُ اللَّهِ «الرَّحِيمِ» فَكَثِيرًا مَا يَقْتَرِنُ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾. وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ «الرَّحْمٰنَ» دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ، وَهِيَ صِفَةُ الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ، أَمَّا «الرَّحِيمُ» فَدَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِ الرَّحْمَةِ بِالْمَرْحُومِينَ وَوُصُولِهَا إِلَيْهِمْ. فَالرَّحْمٰنُ: ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ، وَالرَّحِيمُ: الْمُوصِلُ رَحْمَتَهُ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. أَمَّا اسْمُ اللَّهِ «الرَّحِيمِ»؛ فَإِنَّهُ يَرِدُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُقْتَرِنًا بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى؛ لِمَا فِيهِ مِنْ دَلَالَةٍ عَلَى وُصُولِ رَحْمَةِ اللَّهِ إِلَى عِبَادِهِ، وَتَعَلُّقِهَا بِهِمْ. فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾ [هود: 90]. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12]. وَقَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا:﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 62]. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةَ مَرَّةٍ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ اسْمَيْهِ «الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ» فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَمِنْ أَشْهَرِهَا: الْبَسْمَلَةُ، وَسُورَةُ الْفَاتِحَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ ﴾ [البقرة: 163]. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الاسْمَيْنِ الْكَرِيمَيْنِ يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فَـ«الرَّحْمٰنُ» دَالٌّ عَلَى سَعَةِ الرَّحْمَةِ وَعَظَمَتِهَا، وَ«الرَّحِيمُ» دَالٌّ عَلَى وُصُولِ هَذِهِ الرَّحْمَةِ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. فَهُوَ سُبْحَانَهُ رَحْمٰنٌ فِي ذَاتِهِ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ، وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ نِعْمَةٍ أَنْ يَعِيشَ الْعَبْدُ فِي ظِلِّ رَحْمَةِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ.


وَالرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ هُوَ الاسْمُ الَّذِي فَتَحَ اللَّهُ بِهِ كِتَابَهُ، وَابْتَدَأَ بِهِ كُلَّ سُورَةٍ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ، وَهُوَ الاسْمُ الَّذِي يَمْلَأُ الْقُلُوبَ أَمْنًا، وَيَغْمُرُ النُّفُوسَ طُمَأْنِينَةً، وَيُشْعِرُ الْعَبْدَ أَنَّهُ يَعِيشُ فِي كَنَفِ رَحْمَةِ رَبٍّ كَرِيمٍ لَا يَقْنَطُ مَعَهَا مُذْنِبٌ، وَلَا يَيْأَسُ مَعَهَا عَاصٍ، وَلَا يَضِيعُ مَعَهَا مَكْرُوبٌ. الرَّحْمٰنُ: هُوَ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ الْخَلْقِ، فَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَلِلْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَلِلْإِنْسِ وَالْحَيَوَانِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾. أَمَّا الرَّحِيمُ: فَهُوَ الَّذِي يَخُصُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِرَحْمَةٍ خَاصَّةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ جَلَّ وَعَلَا:﴿ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ﴾. وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ رَحْمَةٍ! رَحْمَةٌ خَلَقَتْنَا، وَرَزَقَتْنَا، وَسَتَرَتْنَا، وَغَفَرَتْ لَنَا، وَتَتُوبُ عَلَيْنَا كُلَّمَا عُدْنَا إِلَيْهِ. جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ يُحَاسِبُ الْخَلْقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «اللَّهُ». فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: نَجَوْنَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ! فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «وَمَا يُدْرِيكَ؟» قَالَ: لِأَنَّ الْكَرِيمَ إِذَا قَدَرَ عَفَا، وَإِذَا حَاسَبَ سَامَحَ. فَيَا مَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، وَيَا مَنْ أَتْعَبَتْهُ الْهُمُومُ، وَيَا مَنْ ضَاقَ بِهِ الْحَالُ؛ أَقْبِلْ عَلَى الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ، فَبَابُهُ لَا يُغْلَقُ، وَرَحْمَتُهُ لَا تَنْقَطِعُ. وَكَيْفَ لَا؟! وَالرَّحْمَنُ وَالرَّحِيمُ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَالرَّأْفَةُ وَالرَّحْمَةُ مِنْ نُعُوتِ جَمَالِهِ، تَتَنَزَّلُ بِهَا النَّفَحَاتُ الرَّبَّانِيَّةُ، وَالرَّحَمَاتُ الْإِلَهِيَّةُ، فَتَجِدُ فِي كُلِّ تَقْدِيرٍ تَيْسِيرًا، وَمَعَ كُلِّ قَضَاءٍ رَحْمَةً، وَمَعَ كُلِّ بَلَاءٍ حِكْمَةً؛ فَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخَذَ مِنْكَ فَقَدْ أَبْقَى، وَإِنْ مَنَعَ فَلَطَالَمَا أَعْطَى، وَإِنِ ابْتَلَاكَ فَكَثِيرًا مَا عَافَاكَ، وَإِنْ أَحْزَنَكَ يَوْمًا فَقَدْ أَفْرَحَكَ أَيَّامًا وَأَعْوَامًا، فَاللَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. وَرَحْمَةُ اللَّهِ أَوْسَعُ بِنَا، وَعَافِيَتُهُ أَنْفَعُ لَنَا، وَلَوْ آخَذَنَا بِذُنُوبِنَا لَأَهْلَكَنَا، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَنَا، وَلَكِنَّهُ بِعِبَادِهِ رَءُوفٌ رَحِيمٌ. فلَوْ فَتَحَ سُبْحَانَهُ بَابَ رَحْمَتِهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، لَوَجَدَهَا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ، وَفِي كُلِّ حَالٍ، وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفِي كُلِّ زَمَانٍ؛ فَرَحْمَتُهُ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ. كَمَا أَنَّهُ لَا مُمْسِكَ لِرَحْمَتِهِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا، وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [فَاطِرٍ: 2]. فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى تَدَبُّرِ هَذَيْنِ الاسْمَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ؛ حَتَّى تَمْتَلِئَ قُلُوبُنَا رَجَاءً فِي اللَّهِ، وَحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ، وَإِقْبَالًا عَلَيْهِ، وَرَحْمَةً بِخَلْقِهِ.


لَذا نَادَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا كُلَّ الَّذِينَ تَمَادَوْا فِي الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، وَأَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، نِدَاءً مَلِيئًا بِالرَّحْمَةِ وَالْحَنَانِ، نِدَاءً يَمْلَأُ الْقُلُوبَ أَمَلًا وَرَجَاءً، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]. فَهَذِهِ هِيَ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ عَفْوُهُ وَكَرَمُهُ، يَدْعُونَا إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَيَفْتَحُ لَنَا أَبْوَابَ الْأَمَلِ، فَلِمَاذَا لَا نَتُوبُ؟! وَلِمَاذَا لَا نَخْجَلُ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ وَهُوَ يُنَادِينَا بِهَذَا اللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ؟! فَمِنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَسْتُرُ الذُّنُوبَ فِي الدُّنْيَا، وَيَغْفِرُهَا فِي الْآخِرَةِ، وَهُوَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيَفْرَحُ بِأَوْبَتِهِمْ. أَمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَحَدِّثْ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا حَرَجَ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ، قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.فَلِمَاذَا لَا نَتُوبُ، وَاللَّهُ يَنْدُبُنَا إِلَى التَّوْبَةِ، وَيَدْعُونَا إِلَى الرَّجْعَةِ وَالْإِنَابَةِ؟! أَتَدْرُونَ مَنْ يُنَادِي؟! إِنَّهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالُ، الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، يُنَادِينِي وَيُنَادِيكَ، بَلْ يُنَادِي الْمُسْرِفِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ طَاعَتِنَا وَعِبَادَتِنَا. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، وَيَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا». أَفَيُعْقَلُ هَذَا؟! الْغَنِيُّ يُنَادِي الْفَقِيرَ، وَالْقَوِيُّ يُنَادِي الضَّعِيفَ، وَغَيْرُ الْمُحْتَاجِ يُنَادِي الْمُحْتَاجَ! أَلَسْنَا نَحْنُ الْمَعْنِيِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾ [فاطر: 15]. فَمَا أَكْرَمَكَ يَا رَبَّنَا، وَمَا أَحْلَمَكَ يَا اللَّهُ! وَلِمَاذَا لَا نَتُوبُ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُبَشِّرُنَا بِفَرَحِ اللَّهِ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ؟! فَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مَهْلَكَةٍ، مَعَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ...» إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. رَوَاهُ مُسْلِم.


وَهَلْ تَضِيقُ رَحْمَةُ اللَّهِ وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». فَيَا أَيُّهَا الْعَاصِي: أَقْبِلْ عَلَى رَبِّكَ، وَلَا تَقْنَطْ مِنْ رَحْمَتِهِ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: 56]. وَلَا تَيْأَسْ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَافِرِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87] وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَفْرَحُ بِتَوْبَتِكَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْكَ وَعَنْ عِبَادَتِكَ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ لَكَ لِتَتُوبَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 110]. فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ، وَاتِّبَاعِ أَحْسَنِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وَقَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ النَّدَمُ. فَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ».
يَا وَاسِعَ الْإِحْسَانِ جُدْ بِمَغْفِرَةٍ
تَمْحُو الذُّنُوبَ وَتَسْتُرُ الْمُتَحَيِّرُ
إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ عَفْوَكَ رَاحَةٌ
وَبِأَنَّ بَابَكَ لِلتَّوَائِبِ يُؤْثَرُ
لَوْلَا رَجَائِي فِي رَحِيمِكَ مَا دَعَوْتُ
وَلَكِنَّ فَضْلَكَ لِلْعِبَادِ مُقَدَّرُ
كَمْ مِنْ كَرِيبٍ جَاءَ بَابَكَ بَاكِيًا
فَرَجَعَتْ أَحْزَانُهُ تَتَبَعْثَرُ
وَكَمِ الضَّعِيفُ إِذَا دَعَاكَ مُخْلِصًا
جَاءَتْهُ مِنْ نُورِ الرَّحِيمِ بَشَائِرُ
يَا رَبِّ أَنْتَ الْمُرْتَجَى فِي شِدَّتِي
وَبِرَحْمَتِكَ الْعَظْمَى الْقُلُوبُ تَنَوَّرُ



ثَانِيًا: نَفَحَاتٌ فِي اسْمِ اللَّهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ:
أَيُّهَا السَّادَةُ الْأَخْيَارُ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَمْلَأُ الْقُلُوبَ طُمَأْنِينَةً، وَيَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ حَيَاةً بَعْدَ يَأْسٍ، هُوَ الْإِيمَانُ بِسِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ تِلْكَ الرَّحْمَةُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَلَا يُعْجِزُهَا ذَنْبٌ، وَلَا يَحْجُبُهَا عَاصٍ إِذَا أَقْبَلَ بِقَلْبٍ صَادِقٍ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأَعْرَافِ: 156] فَهِيَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ شَامِلَةٌ، وَسِعَتِ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ؛ بَرَّهُمْ وَفَاجِرَهُمْ، مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَخَصَّ اللَّهُ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ. وَيَقُولُ سُبْحَانَهُ:﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [الزُّمَرِ: 53]فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ آيَةٍ تُفْتَحُ بِهَا أَبْوَابُ الرَّجَاءِ لِكُلِّ مُذْنِبٍ، وَتُغْلَقُ بِهَا أَبْوَابُ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ. فمَا أَرْحَمَ اللَّهَ وَمَا أَرْأَفَهُ! وَمَا أَصْبَرَهُ وَمَا أَحْلَمَهُ! هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، مَا خَلَقَنَا لِيُعَذِّبَنَا، وَمَا أَوْجَدَنَا لِيُشْقِيَنَا، وَمَا كَلَّفَنَا لِيَشُقَّ عَلَيْنَا، أَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ؛ وَذَلِكَ مِنْ رَحْمَتِهِ بِعِبَادِهِ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ، ﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ﴾ [طه: 1-3]. فَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، أَرْحَمُ بِنَا مِنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟)) قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: ((لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا))؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلَمَّا دَخَلَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَهُوَ يَحْتَضِرُ، فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، إِنَّكَ مُقْبِلٌ عَلَى مَنْ كُنْتَ تَرْجُوهُ. فَقَالَ سُفْيَانُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، أَتَرَى اللَّهَ يَغْفِرُ لِمِثْلِي؟ أَتَظُنُّ أَنَّ مِثْلِي يَنْجُو مِنَ النَّارِ؟ فَقَالَ حَمَّادٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ خُيِّرْتُ بَيْنَ مُحَاسَبَةِ رَبِّي إِيَّايَ وَبَيْنَ مُحَاسَبَةِ أَبَوَيَّ، لَاخْتَرْتُ مُحَاسَبَةَ اللَّهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ بِي مِنْ أَبَوَيَّ. فَمَنْ أَرْحَمُ مِنَ اللَّهِ؟! فَاللَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.وَكَيْفَ لَا؟! وَالرَّحْمَةُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الرَّحْمَنِ، كَتَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَوَسِعَ بِهَا كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّ بِهَا كُلَّ حَيٍّ؛ فَهُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. قَالَ رَبُّنَا: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الْأَنْعَامِ: 54]، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: (أَوْجَبَهَا عَلَىٰ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ تَفَضُّلًا مِنْهُ وَإِحْسَانًا وَامْتِنَانًا).وَفِي مَشْهَدٍ رَهِيبٍ مِنْ أَحْدَاثِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَبَّرَ اللَّهُ بِاسْمِ الرَّحْمَنِ؛ لِيَدُلَّ عَلَى رَحْمَتِهِ وَعَفْوِهِ، فَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا ﴾ [طَهَ: 108]. فَسُبْحَانَ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ.


وَكَيْفَ لَا؟! وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلَا أَخْبَرَنَا أَنَّ رَحْمَتَهُ تَسْبِقُ غَضَبَهُ، وَأَنَّ لَهُ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ سَائِرِ مَخْلُوقَاتِهِ فِي الْأَرْضِ، وَأَخَّرَ الْبَاقِيَ لِعِبَادِهِ يَوْمَ الْحِسَابِ. فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). فَكُلُّ مَا تَرَى مِنْ رَحْمَةِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، عَلَى امْتِدَادِ الزَّمَانِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْمَعْمُورَةَ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، مَا هِيَ إِلَّا رَحْمَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ مِائَةِ رَحْمَةٍ ادَّخَرَهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَسُبْحَانَ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَوْسَعُ صِفَاتِهِ جَلَّ وَعَلَا: رَحْمَتُهُ، وَأَوْسَعُ الْمَخْلُوقَاتِ: عَرْشُهُ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ يَوْمَ اسْتِوَائِهِ عَلَيْهِ:كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ». وَكَيْفَ لَا؟! وَ إِنَّ الْيَأْسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَهَالِكِ؛ لِأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ، وَاللَّهُ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ. ﴿ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: ٨٧] وَلْيَعْلَمِ الْعَبْدُ أَنَّ الْيَأْسَ وَالْقُنُوطَ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا؛ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ((الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ))؛ [أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ].فَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَغَفْلَةٌ عَنْ سَعَةِ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى لَمْ يَجْعَلْ لِلْيَأْسِ مَجَالًا فِي قَلْبِهِ، بَلْ يَسِيرُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَيُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ فِي كُلِّ حَالٍ.


وَكَيْفَ لَا؟! وَالرَّحْمَةُ كَتَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَفْسِهِ، وَاخْتَصَّ بِهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، هِيَ مَنْجَاةُ الْخَائِفِينَ، وَرَجَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، بَشَّرَ اللَّهُ بِهَا الْمُتَّقِينَ، وَطَمْأَنَ بِهَا التَّائِبِينَ، وَتَوَدَّدَ بِهَا إِلَى الْعُصَاةِ وَالْمُذْنِبِينَ، وَجَعَلَهَا شِعَارًا لِلْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ. وَرَحْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَبَبُ كُلِّ النِّعَمِ، فَمَا التَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ وَالنَّجَاحُ إِلَّا أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِعِبَادِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا ﴾ [النُّورِ: 21]. وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ الْجَنَّةَ عَمَلُهُ، وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ»؛ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ). فَكُلُّ مَا يَكُونُ مِنْ هِدَايَةٍ وَتَثْبِيتٍ وَصَلَاحٍ، فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، لَا بِحَوْلِ الْعَبْدِ وَلَا بِقُوَّتِهِ؛ فَالْعَبْدُ يَفْتَقِرُ إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ وَنَفَسٍ، وَرَحْمَتُهُ هِيَ مَلَاذُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمَلُ التَّائِبِينَ.


وَمَظَاهِرُ رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحْصِيهَا لِسَانُ فَصِيحٍ، وَلَا يَعُدُّهَا قَلَمُ أَدِيبٍ، وَلَا تَغِيبُ عَنْ نَظَرِ كُلِّ أَرِيبٍ لَبِيبٍ. قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿ فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [الرُّومِ: 50]. وَيُبْصِرُهَا الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ؛ قَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذَّارِيَاتِ: 21]. وَفِي الْكَوْنِ مِنْ حَوْلِهِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الْقَصَصِ: 73]. فَسُبْحَانَ مَنْ تَجَلَّتْ رَحْمَتُهُ فِي الْأَنْفُسِ وَالْآفَاقِ، وَعَمَّ نِعَمُهُ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ فِي كُلِّ حَالٍ وَأَوَانٍ.


وَرَحْمَتُهُ أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: وَجَدَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي النَّارِ، حِينَ أَحَاطَتْ بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ [الأنبياء: 69]. وَوَجَدَهَا نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْأَمْوَاجِ الْعَاتِيَةِ الَّتِي كَالْجِبَالِ، حِينَ لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَى إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ﴾ [هود: 43]. وَوَجَدَهَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي غَيَابَاتِ الْجُبِّ، كَمَا وَجَدَهَا فِي ظُلُمَاتِ السِّجْنِ، وَكَمَا وَجَدَهَا فِي التَّمْكِينِ وَالْمُلْكِ، حَتَّى قَالَ إِخْوَتُهُ مُعْتَرِفِينَ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 91].


وَوَجَدَهَا يُونُسُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ، فِي الظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ، حِينَ نَادَى رَبَّهُ مُنِيبًا مُتَضَرِّعًا: ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]. وَوَجَدَهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْيَمِّ وَهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ، لَا قُوَّةَ لَهُ وَلَا حِرَاسَةَ، وَوَجَدَهَا فِي قَصْرِ فِرْعَوْنَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه: 39]. وَوَجَدَهَا نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فِي الْغَارِ، وَفِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ، وَفِي بَدْرٍ، وَفِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَفِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ [التوبة: 40]. وَوَجَدَهَا، وَيَجِدُهَا، كُلُّ مَنْ آوَى إِلَى اللَّهِ، وَتَعَلَّقَ بِهِ، وَفَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَيْهِ، وَأَخَذَ بِالْأَسْبَابِ الْمَشْرُوعَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى رِضْوَانِهِ.


فَالرَّحْمَةُ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ، يُؤْتِيهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَلِذَلِكَ كَانَ دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ دَائِمًا: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ﴾ [الكهف: 10]. وَقَوْلُهُمْ: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8]. فَمَنْ أَرَادَ رَحْمَةَ اللَّهِ؛ فَلْيَلْزَمْ بَابَهُ، وَلْيُكْثِرْ مِنْ ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ، وَلْيُحَافِظْ عَلَى أَذْكَارِ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ، فَإِنَّهَا حِصْنٌ لِلْعَبْدِ، وَسَبَبٌ لِنُزُولِ الرَّحْمَاتِ وَالْبَرَكَاتِ.
يَا رَبِّ إِنْ عَظُمَتْ ذُنُوبِي كَثْرَةً
فَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ عَفْوَكَ أَعْظَمُ
إِنْ كَانَ لَا يَرْجُوكَ إِلَّا مُحْسِنٌ
فَبِمَنْ يَلُوذُ وَيَسْتَجِيرُ الْمُجْرِمُ؟
أَدْعُوكَ رَبِّي كَمَا أَمَرْتَ تَضَرُّعًا
فَإِذَا رَدَدْتَ يَدِي فَمَنْ ذَا يَرْحَمُ؟
مَا لِي إِلَيْكَ وَسِيلَةٌ إِلَّا الرَّجَا
وَجَمِيلُ عَفْوِكَ، ثُمَّ إِنِّي مُسْلِمٌ



أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 128.82 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 127.10 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.33%)]