موقف المسلم في الحروب والأزمات - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تحت العشرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 170 - عددالزوار : 122713 )           »          المرأة والأسرة --------- متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 168 - عددالزوار : 126039 )           »          خواطر الكلمة الطيبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 81 - عددالزوار : 57000 )           »          التعدي مساس بمشاعر المسلمين وشعائرهم .. استنكارٌ وإدانةٌ لاستهداف مكة المكرمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          من أرشيف الشيخ عبدالله السبت .. الإسلام ليس فكراً بل عقيدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          كيف يصنع المعلّم صفًّا يتعلم فيه الجميع؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          الحياة ليست مسطرة مستقيمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          مداد حواء – مرفأ الكَلِم .. المدرسة تبدأ قبل أول يوم.. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          الجدّة مدرسة الأجيال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          قراءة في الاحتياجات والعوائق.. ماذا تريد المرأة بعد الخمسين؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 3488 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم يوم أمس, 08:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,154
الدولة : Egypt
افتراضي موقف المسلم في الحروب والأزمات

مَوْقِفُ الْمُسْلِمِ فِي أَوْقَاتِ الْحُرُوبِ وَالْأَزَمَاتِ

أحمد بن عبدالله الحزيمي

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ، بِيَدِهِ الْأَمْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الشَّأْنُ كُلُّهُ، يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، لَا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَتِهِ وَاهْتَدَى بِهُدَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، فَبِتَقْوَى اللَّهِ يَنَالُ الْعَبْدُ رِضَاهُ، وَالسَّعَادَةَ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
نَعِيشُ هَذِهِ الْأَيَّامَ تَسَارُعًا مُدْهِشًا فِي الْأَحْدَاثِ، حُرُوبٌ تَتَأَجَّجُ، وَتَغَيُّرَاتٌ تَتَلَاحَقُ، وَأَخْبَارٌ لَا تَهْدَأُ، وَوَعِيدٌ يَتَصَاعَدُ، وَوُعُودٌ تَتَرَدَّدُ، وَالْقُلُوبُ بَيْنَهُمَا فِي قَلَقٍ وَانْتِظَارٍ، وَفِي خِضَمِّ هَذَا كُلِّهِ يَبْرُزُ السُّؤَالُ الْمُهِمُّ: كَيْفَ يَرَى الْمُؤْمِنُ هَذِهِ الْأَحْدَاثَ؟ أَبِعَيْنِ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ وَالتَّشَاؤُمِ يَنْظُرُ، أَمْ بِقَلْبٍ ثَابِتٍ وَأَمَلٍ وَتَفَاؤُلٍ؟

إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الْكِرَامُ أَهَمُّ مَا يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ فِي ظِلِّ هَذِهِ الظُّرُوفِ:
أَوَّلًا: أَحْسِنُوا الظَّنَّ بِرَبِّكُمُ الْكَرِيمِ، وَاعْتَمِدُوا عَلَيْهِ، وَفَوِّضُوا الْأُمُورَ إِلَيْهِ، فَذَلِكُمْ سَبَبٌ لِطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَرَاحَةِ الْبَالِ، وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: 3].

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي.

وَتَذَكَّرُوا أَنَّ نَبِيَّكُمْ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي أَشَدِّ الْمِحَنِ وَأَعْظَمِ الْفِتَنِ مُتَفَائِلًا، يُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّهِ، وَيُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ، فَاقْتَدُوا بِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ، وَفِي صِدْقِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَتَفْوِيضِ الْأُمُورِ إِلَيْهِ.

وَاعْلَمُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – أَنَّ هَذَا الْكَوْنَ لَيْسَ مَتْرُوكًا لِلصُّدَفِ، وَلَا تَجْرِي أَحْدَاثُهُ عَلَى غَيْرِ قَدَرٍ، بَلْ هُوَ تَدْبِيرٌ مُحْكَمٌ، وَقَضَاءٌ مُبْرَمٌ، وَعِلْمٌ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَلَا تَتَحَرَّكُ فِي هَذَا الْكَوْنِ ذَرَّةٌ، وَلَا يَنْطَلِقُ فِيهِ صَارُوخٌ، وَلَا تُحَلِّقُ فِيهِ مُسَيَّرَةٌ، إِلَّا بِعِلْمِ اللَّهِ وَبِإِذْنِهِ وَتَحْتَ قَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَلَا تَسْقُطُ قَذِيفَةٌ، وَلَا تَدُوِّي سَمَاءٌ بِأَصْوَاتِ الِانْفِجَارَاتِ، إِلَّا وَقَدْ سَبَقَهَا قَدَرٌ، وَأَحَاطَ بِهَا عِلْمٌ، وَكُتِبَتْ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ، فَلَا يَضْطَرِبْ قَلْبُ مُؤْمِنٍ، وَلَا يَسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِ الْقَلَقُ، بَلْ يُسَلِّمُ أَمْرَهُ لِلَّهِ، وَيُوَكِّلُ شَأْنَهُ إِلَى مُدَبِّرِ هَذَا الْكَوْنِ، وَيَقُولُ بِقَلْبٍ مُوقِنٍ:﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [التوبة: 51].


فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاهُ، هَدَأَ قَلْبُهُ، وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ، وَلَمْ تَزِدْهُ الْأَحْدَاثُ إِلَّا ثِقَةً وَثَبَاتًا.

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ، فِي مِثْلِ هَذِهِ الظُّرُوفِ تَتَعَاظَمُ الْمَسْؤُولِيَّاتُ، وَيُخْتَبَرُ وَعْيُ النَّاسِ وَثَبَاتُهُمْ، وَأَوَّلُ ذَلِكَ أَنْ نَكُونَ مَعَ قِيَادَتِنَا وَوِحْدَةِ صَفِّنَا، فَاسْتِقْرَارُ الْأَوْطَانِ بَعْدَ تَوْفِيقِ اللَّهِ إِنَّمَا يُحْفَظُ بِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَتَمَاسُكِ الصَّفِّ، وَالثِّقَةِ، لَا بِالتَّشْكِيكِ وَلَا بِالِاضْطِرَابِ.

وَأَنْ نَحْفَظَ أَمْنَنَا، فَالْأَمْنُ لَيْسَ مَسْؤُولِيَّةَ جِهَةٍ بِعَيْنِهَا، بَلْ هُوَ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ الْجَمِيعِ، وَكُلُّ تَصَرُّفٍ وَاعٍ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ مَحْسُوبَةٍ، وَكُلُّ مَوْقِفٍ مُتَّزِنٍ هُوَ لَبِنَةٌ فِي بِنَاءِ الْأَمَانِ.

وَأَنْ نَبْتَعِدَ كَذَلِكَ عَنْ كُلِّ مَا يُزَعْزِعُ الِاسْتِقْرَارَ أَوْ يُثِيرُ الْقَلَقَ بَيْنَ النَّاسِ، فَإِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا يُهَدِّدُ الْمُجْتَمَعَاتِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ نَشْرَ الشَّائِعَاتِ، وَتَدَاوُلَ الْأَخْبَارِ بِلَا تَثَبُّتٍ، وَالْخَوْضَ فِي الْأَحْدَاثِ فِي الْمَجَالِسِ وَوَسَائِلِ التَّوَاصُلِ بِمَا يَزْرَعُ الْخَوْفَ وَيُضْعِفُ الثِّقَةَ.

وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي أَزْمِنَةِ الْحُرُوبِ وَالْأَزَمَاتِ بَثُّ الطُّمَأْنِينَةِ فِي بُيُوتِنَا، مَعَ أَبْنَائِنَا، وَمَعَ مَنْ حَوْلَنَا، فَبَثُّ الطُّمَأْنِينَةِ فِي النُّفُوسِ وَقْتَ الْأَزَمَاتِ يُسَكِّنُ الْقُلُوبَ، وَيُهَدِّئُ الْعُقُولَ، وَيَمْنَحُ الْمُجْتَمَعَ صَلَابَةً وَثَبَاتًا وَسْطَ الْفِتَنِ وَالِاضْطِرَابِ.

فَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ مَفَاتِيحَ لِلسَّكِينَةِ، تَنْشُرُونَ الثِّقَةَ، وَتَغْرِسُونَ الْيَقِينَ، وَتُطْفِئُونَ نَارَ الْقَلَقِ، فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْمُطْمَئِنَةَ عِبَادَةٌ، وَبَثَّ الْأَمَلِ صَدَقَةٌ، وَتَثْبِيتَ الْقُلُوبِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ فِي أَوْقَاتِ الشَّدَائِدِ، وَبِهَا يَحْفَظُ اللَّهُ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَيَجْمَعُ الْكَلِمَةَ، وَيُقَوِّي الصَّفَّ عِنْدَ نُزُولِ الْمِحَنِ.

عَبْدَ اللَّهِ:
لَا تُشْغِلْ نَفْسَكَ بِهَذِهِ الْأَحْدَاثِ الْمُتَسَارِعَةِ، وَلَا تَتَلَقَّفْ كُلَّ خَبَرٍ، وَلَا تَسْتَمِعْ لِكُلِّ تَحْلِيلٍ، لَا تَجْعَلْ قَلْبَكَ رَهِينَةَ خَبَرٍ عَاجِلٍ يَرْفَعُهُ، وَيُسْقِطُهُ آخَرُ، وَلَا تَلْتَمِسِ السَّكِينَةَ مِنْ تَغْرِيدَةٍ أَوْ شَاشَةٍ تَنْقُلُ الْخَبَرَ، بَلِ اشْغَلْ نَفْسَكَ بِمَا يَنْفَعُكَ فِي دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، فَإِنَّ مَنْ عَمَّرَ وَقْتَهُ بِالنَّافِعِ ثَبَتَ قَلْبُهُ، وَهَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَلَمْ تَتَحَكَّمْ فِيهِ تَقَلُّبَاتُ الْأَخْبَارِ وَلَا ضَجِيجُ الْأَحْدَاثِ.

أيها المؤمنون:
مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي يَجِبُ التَّذْكِيرُ بِهَا: التَّفَاؤُلُ، وَالثِّقَةُ الْمُطْلَقَةُ بِنَصْرِ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ.

فَعَلَى الْمُسْلِمِ، وَهُوَ يَسْمَعُ وَيُشَاهِدُ هَذِهِ الْأَحْدَاثَ، أَنْ يَكُونَ مُتَفَائِلًا بِعِزِّ الْإِسْلَامِ، وَاثِقًا بِانْتِصَارِ الْمُسْلِمِينَ، مُؤْمِنًا بِأَنَّ اللَّهَ نَاصِرُ دِينِهِ، وَأَنَّ الْمَصَائِبَ وَالْفِتَنَ، مَهْمَا عَظُمَتْ، فَهِيَ امْتِحَانٌ وَتَقْوِيَةٌ لِلْإِيمَانِ، فَلْتَكُنْ قُلُوبُنَا مُطْمَئِنَّةً بِوَعْدِ اللَّهِ، وَلْتَكُنْ طَاقَتُنَا مُنْصَبَّةً عَلَى الْعَمَلِ لِمَا يُرْضِيهِ، فَلَا يَثْنِينَا الْخَوْفُ، وَلَا يُرْبِكُنَا الْقَلَقُ، فَالنَّصْرُ قَرِيبٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى.

وَلْنَتَذَكَّرْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْشُرُ الْأَمَلَ، وَيَغْرِسُ يَقِينَ انْتِصَارِ الْإِسْلَامِ حَتَّى فِي أَحْلَكِ اللَّحَظَاتِ.

﴿ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [يوسف: 110].

وَاعْلَمُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – أَنَّ كُلَّ مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ لِلْعَبْدِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ، وَمَا قَدْ يَبْدُو لَنَا أَلَمًا أَوْ مُصِيبَةً فَهُوَ فِي حَقِيقَتِهِ رَحْمَةٌ، ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]، فَاللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، لَا يَبْتَلِيهِمْ إِلَّا بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ، وَمَا يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِنَا مِنْ حِكْمَةٍ فِي هَذِهِ الْأَحْدَاثِ فَهُوَ خَيْرٌ لَنَا، فَكُلُّ مِحْنَةٍ، وَكُلُّ ابْتِلَاءٍ، وَكُلُّ حَادِثٍ مُؤْلِمٍ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ دَرْسًا وَرَحْمَةً، فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، وَاصْبِرُوا عَلَى مَا يُقَدِّرُهُ، وَثِقُوا بِأَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ عِنْدَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَا يُصِيبُكُمْ مِنْ أَحْدَاثٍ، مَهْمَا عَظُمَتْ، فَهُوَ فِي مِيزَانِ الْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ الْبِلَادَ حِصْنًا لِلْإِسْلَامِ، وَدَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَذُخْرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُدِيمَ عَلَيْهَا نِعْمَةَ الْأَمْنِ، وَيُثَبِّتَ عَلَى قُلُوبِنَا الشُّكْرَ عَلَى نِعَمِهِ، وَأَنْ يُبْعِدَ عَنَّا كُلَّ شَرٍّ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.


الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلاَمًا عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى، أَمَّا بَعْدُ:
أَحَدَ الصَّالِحِينَ كَانَ مُجَاهِدًا فِي أَحَدِ الْمَعَارِكِ، وَاشْتَدَّ الْكَرْبُ حَوْلَهُ، فَإِذَا بِهِ يُكَثِّرُ مِنَ التَّنَفُّلِ وَالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، فَتَعَجَّبَ النَّاسُ وَسَأَلُوهُ: "أَفِي هَذَا الْوَقْتِ تَصْلِي؟" فَأَجَابَ مُبْتَسِمًا: «إِنَّمَا نُقَاتِلُهُم بِهَذَا

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ:
مِنْ أَعْظَمِ مَا يُثْبِتُ الْقَلْبَ فِي أَزْمِنَةِ الاضْطِرَابِ: الإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ. فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَنْشَغِلُ فِيهِ النَّاسُ بِالْأَخْبَارِ وَالْأَحْدَاثِ وَالْتَّحْلِيلَاتِ، يَرْتَقِي بَعْضُ الْأَقْوَامِ إِلَى مَقَامٍ أَعْلَى، يَلْجَأُونَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّوْبَةِ والدعاء، وَالتَّقَرُّبِ لَهُ بِتَرْكِ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ، فَهَذِهِ هِيَ الْقُوَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلرُّوحِ، وَهَذِهِ الطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي لَا تَهُزُّهَا الْفِتَنُ.

وَاسْمَعُوا الْحَدِيثَ الْعَظِيمَ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَالْهِجْرَةِ إِلَيَّ».

وَيَعْنِي: كَأَجْرِ الْمُهَاجِرِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ يَوْمَ كَانَتِ الْهِجْرَةُ وَاجِبَةً، وَسَبَبُ فَضْلِ الْعِبَادَةِ فِي هَذَا الْوَقْتِ أَنَّ النَّاسَ يَغْفِلُونَ عَنْهَا وَيَنْشَغِلُونَ بِالْأَحْدَاثِ، فَيَتَفَرَّغُ لَهَا قَلِيلُونَ، فَتُحْسَبُ كَمَنْ قَامَ بِالْهجرَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

وَلْيَعْلَمْ كُلُّ مُؤْمِنٍ أَنَّ الْعِبَادَةَ وَقْتَ الْحُرُوبِ لَيْسَتْ هُرُوبًا مِنَ الْوَاقِعِ، بَلْ هِيَ اسْتِمْدَادٌ لِلْقُوَّةِ، وَتَجْدِيدٌ لِلثَّبَاتِ، وَهِيَ الَّتِي تَمْنَحُ الْقَلْبَ طُمَأْنِينَةً لَا تَهُزُّهَا أَصْوَاتُ الرّصاصِ، وَلَا دَوِيُّ الْمَدَافِعِ، وَلَا صَفَارَاتُ الْإِنْذَارِ، وَتَجْعَلُ صَاحِبَهَا ثَابِتًا فِي مُحِيطِ الْفِتَنِ، مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ، مُسْتَمْسِكًا بِحَبْلِ النَّجَاةِ.

﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40-41].

وأخيرًا أيها المباركون:
إِنَّ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْعَصِيبِ أَنْ يَلْجَأَ إِلَى اللَّهِ، وَيَرْفَعَ يَدَيْهِ بِالدُّعَاءِ بِإِخْلَاصٍ وَصِدْقٍ وَيَقِينٍ، أَنْ يَحْفَظَ هَذِهِ الْبِلَادَ الْمُبَارَكَةَ وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كَيْدِ أَعْدَائِهِمْ، فَهَذَا حَقٌّ وَوَاجِبٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، لَا يُعْفَى عَنْهُ أَحَدٌ.

كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يُقَصِّرُونَ فِي هَذَا الْبَابِ، فَلَا يَدْعُونَ لِبِلَادِهِمْ فِي خَلْوَتِهِمْ، وَلَا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ لِرَبِّهِمْ أَنْ يَحْفَظَ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ مَا يَدْعُو بِهِ الْخَطِيبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَافٍ عَنْهُمْ، وَهَذَا مِنَ الْغَفْلَةِ، فَإِنَّ دُعَاءَ الْعَبْدِ وَحْدَهُ أَصْدَقُ إِخْلَاصًا، وَأَقْرَبُ إِلَى الْإِجَابَةِ، وَأَعْظَمُ أَثَرًا.

وَإِذَا كَانَ يُنْدَبُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدْعُوَ لإِخْوَانِهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، فَدُعَاؤُهُ لِبِلَادِهِ، وَلِأَمْنِهِ، وَلِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ أَكَدُّ وَأَوْلَى.

اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَالْمُسْلِمِينَ، وَقِنَا شَرَّ الْأَعْدَاءِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ،
وَاجْعَلْ حِمَاهَا بِعَيْنِكَ الَّتِي لَا تَنَامُ، وَارْزُقْنَا الْأَمْنَ وَالاسْتِقْرَارَ.
وَثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَارْزُقْنَا الصَّبْرَ وَالْيَقِينَ،
وَاجْعَلْ هَذِهِ الْبِلَادَ مِنَارَةً لِلْإِسْلَامِ، وَبَلَدًا آمِنًا مُطْمَئِنًّا.

اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَانْصُرْ بِهِمْ دِينَكَ الْحَقَّ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ انصُرْ جُنُودَنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَسَدِّدْ رَمْيَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ، وَأَجْزِلْ لَهُمْ الْأَجْرَ وَالْمَثُوبَةَ.

يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ، يَا ذا الجَلالِ والإِكرامُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 58.99 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 57.31 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.84%)]