|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
إطلالة على شيء من تصرفات الإمام أحمد في مسنده حديث الاجتماع إلى أهل الميت نموذجًا شوقي محمد البنا الحمد لله الذي أنزل على عبده السنة والكتاب، وأورث علمهما من اصطفى من أولي الألباب، وقضى بحفظهما فهيأ لذلك الأسباب، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وعلى آله والأصحاب؛ أما بعد: فلا يخفى ما للإمام أحمد بن حنبل رحمه الله من مكانة سامقة بين المحدثين والفقهاء على حد سواء، وقد كان هذا الإمام بحرًا في المعرفة بالحديث وعلله، كما كان إمامًا في فقه الحديث والعمل به، وإن متقدمي الأئمة لهم من العلم والفضل والاطلاع والتحرير ما يتحير منه الباحث المطالع لتراثهم. وإن إمامنا أحمدَ - رحمه الله - قد صنف مسنده وجعله إمامًا للمسلمين في معرفة الحديث، وإن كنا لا نقول: إنه لم يفُته شيء من الصحيح، لكن نقول -كما قال الأئمة- إن لهذا المسند لشرطًا فوق غيره من المسانيد، بل وهو فوق كثير من الكتب المصنفة في السنن والأحكام، وإن للإمام أحمد في مسنده هذا شيئًا غير قليل من الإشارات قلَّ من يتنبه لها، كما أن الجمع في النظر بين المعرفة بأقوال الإمام أحمد في الحديث تصحيحًا وتضعيفًا وبين أقواله في الفقه لفائدة عظيمة قل من ينبه عليها، وإننا في هذا المقام لنضرب مثالًا بسيطًا في ذلك يتبين به شيء من تصرفات الإمام أحمد. فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (11/ 505 ط الرسالة) رقم (6905) قال: حدثنا نصر بن باب، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير بن عبدالله البجلي، قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعة الطعام بعد دفنه من النياحة. وهذا الحديث: قد أخرجه أيضًا ابن ماجه (1612) من طريقين عن هشيم بن بشير، عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس به. وقال البوصيري في "الزوائد": رجال الطريق الأول على شرط البخاري، والثاني على شرط مسلم. والحقيقة أنني من طبيعتي أنني إذا سمعت كلمة (على شرط البخاري/ مسلم/ الشيخين، ولم يخرجه) = أتريث في شأنها، ويقع في نفسي منها شيء. فقلت لنفسي: الإمام أحمد لازم شيخه (هشيم بن بشير) وأكثر عنه في المسند -نسبيًّا- فلماذا لم يخرج هذا الحديث من طريقه واختار أن يخرجه من طريق شيخه (نصر بن باب) وهو ضعيف؟! مع أنه على علم برواية هشيم له كما يأتي. وأيضًا: هذا الحديث لم يخرجه الإمام أحمد في مسند (جرير بن عبدالله) رضي الله عنه، وإنما خرجه في مسند (عبدالله بن عمرو)، وتحديدًا عندما ساق مرويات لشيخه (نصر بن باب) عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وتنحل تلك التساؤلات جميعًا، ونجد الإجابة عند الجمع بين أطراف كلام الإمام فيما يتعلق بهذا الحديث. فقد قال الإمام أبو داود في مسائله (1867): (ذكرت لأحمد حديث هشيم، عن إسماعيل، عن قيس، عن جرير كنا نعد الاجتماع عند أهل الميت وصنعة الطعام لهم من أمر الجاهلية، قال [أي أحمد]: زعموا أنه سمعه من شريك، قال أحمد [أيضًا]: وما أرى لهذا الحديث أصل)؛ [ا. ه من المسائل]. فهذا قد يدل على أن الإمام أحمد رأى أن هشيمًا دلس في هذا الحديث، وهو معروف بالتدليس، وأن رواية هشيم راجعة إلى رواية الضعفاء كنصر بن باب أو شريك. وإن كان لا يكفيك ما سبق في شأن هذا الحديث، فاعلم أن: هذا الحديث رواه عباد بن العوام (وهو ثقة من شيوخ الأئمة الستة) فقال: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم قال: قال جرير بن عبدالله: يعددون الميت - أو قال: أهل الميت - بعدما يدفن؟ - شك إسماعيل - قلت: نعم، قال: كنا نعدها النياحة. لم يذكر الطعام والاجتماع من النياحة، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (2278): حدثنا أحمد بن يحيى الحلواني، ثنا سعيد بن سليمان، عن عباد بن العوام، به، وإسناده صحيح. ولعل رواية عباد بن العوام هي الصواب في هذا الخبر، والله أعلم. فحديث في الواقع معلول بعدة علل: ففيه: رفع الموقوف، وفيه إدراج في متنه. وأما مذهب الإمام أحمد الفقهي؛ فكما في الروض المربع: ويسن أن يصلح لأهل الميت طعام، يبعث به إليهم ثلاثة أيام؛ لقوله عليه السلام: اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد جاءهم ما يشغلهم رواه الشافعي وأحمد، والترمذي وحسنه. (ويكره لهم) أي لأهل الميت (فعله) أي فعل الطعام (للناس) لما روى أحمد عن جرير قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت، وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة، وإسناده ثقات، ا.هـ من الروض. والظاهر أنهم استدلوا بهذا الخبر استئناسًا وحملوه على الكراهة دون الحرمة؛ وذلك لأن النياحة حرام، فلو كان الحديث صحيحًا محتجًّا به لذاته، لكان صنع الطعام حرامًا كحكم النياحة لا مكروهًا فقط؛ لأن قول الصحابي (كنا نعد) يحكم لها بالرفع عند عدد من الأئمة. كما أنهم استثنوا من الكراهة: ما إذا صنع أهل الميت الطعام لحاجة؛ كما قال الموفق ابن قدامة وغيره: إلا من حاجة، كأن يجيء من يحضر ميتهم من أهل القرى البعيدة ويبيت عندهم، فلا يمكن إلا أن يطعموه؛ ا. هـ. وعليه: فينبغي لفهم منهج الإمام أحمد وتصرفاته: النظر في مسنده وطريقة سوقه للمرويات، والاطلاع على كلامه في علل الحديث من خلال كتبه الأخرى كسؤالاته ونحوها، بل ومن خلال النظر في مذهبه الفقهي أيضًا. ومنه أيضًا يُعرف معنى كلمة الإمام أحمد المشهورة: (ليس له أصل/ ليس له إسناد): أي ليس له إسناد يعتمد عليه، لا أنه لم يروَ بإسناد البتة. ومنه أيضًا يعلم: أنه ينبغي التريث كثيرًا جدًّا في أي خبر يكون إسناده في الظاهر على شرط الشيخين. وأيضًا: يعلم أن إمامًا مثل أحمد إن بدا لك أنه في مذهبه الفقهي قد خالف حديثًا صحيحًا أو لم يعمل به، فتأنَّ وتريث، فربما لم يكن الحديث أصلًا صحيحًا، أو له محامل غير ما تظن. والله أعلم، وصلى الله على نبينا وسلم، وعلى آله وشرف وكرم.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |