|
|||||||
| ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
واقع الدعوة الآن ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ [البقرة: 128] أ. د. فؤاد محمد موسى لقد أورد الله هذا الدعاء في القرآن الكريم على لسان إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام للاقتداء به، ليكون هدفًا عامًّا لكل مسلم موحد بالله، صادقًا في إسلامه لله، إنه شعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود، وأدب النبوة، وإيمان النبوة، وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء، وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم بهذا الإيحاء، هذه هي الغاية... فهو عمل خالص لله، الاتجاه به في قنوت وخشوع إلى الله، والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضا والقبول، وهذا طابع الأمة المسلمة... التضامن... تضامن الأجيال في العقيدة: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ [البقرة: 128]، وهذه الدعوة تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن، إن أمر العقيدة هو شغله الشاغل، وهو همه الأول، وشعور إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بقيمة النعمة التي أسبغها الله عليهما... نعمة الإيمان... تدفعهما إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء الله ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام الذي لا يكافئه إنعام... لقد دعوا الله ربهما أن يرزق ذريتهما من الثمرات، ولم ينسيا أن يدعواه ليرزقهم من الإيمان؛ وأن يريهم جميعًا مناسكهم، ويبين لهم عباداتهم، وأن يتوب عليهم، بما أنه هو التواب الرحيم؛ لذلك كان هناك امتداد لهذا الدعاء: ﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [البقرة: 129]. وكانت وصية إبراهيم لبنيه ووصية يعقوب لبنيه... الوصية التي كررها يعقوب في آخر لحظة من لحظات حياته؛ والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته: ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]، كما وصى بها يعقوب بنيه: ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 133]. إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة، قوي الإيحاء، عميق التأثير، هذا الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه، ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر، يسجل فيه كل التفصيلات؟ إنها العقيدة... هي التركة، وهي الذخر، وهي القضية الكبرى، وهي الشغل الشاغل، وهي الأمر الجلل، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 133]، إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه، إنهم يتسلمون التراث ويصونونه، إنهم يطمئنون الوالد المحتضر ويريحونه، وكذلك ظلت وصية إبراهيم لبنيه مرعية في أبناء يعقوب، وكذلك هم ينصون نصًّا صريحًا على أنهم (مسلمون): ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [البقرة: 134]. وفي ضوء هذا التقرير يظهر الفارق الحاسم بين تلك الأمة التي مضت، والجيل الذي نعيشه الآن... حيث لا مجال لصلة، ولا مجال لوراثة، ولا مجال لنسب بين السابقين واللاحقين الآن من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا: ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [الروم: 32]، هذا فارسي، وهذا يمني، وهذا كردي، وهذا عربي، وكل منهم له مذهب يبتدعه لغرض القوميات، فلا يدعي أحد من المسلمين الآن، بما يعارض قول الله، أنهم هم هؤلاء الجيل، جيل الصحابة والسلف الصالح، ويقولون أنهم هم السلف الصالح، أو أنهم من أهل البيت والنبوة، والله يقول: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 144]. إن الأمة في التصور الإيماني هي الجماعة التي تنتسب إلى عقيدة واحدة من كل جنس ومن كل أرض؛ وليست هي الجماعة التي تنتسب إلى جنس واحد أو أرض واحدة، وهذا هو التصور اللائق بالإنسان، الذي يستمد إنسانيته من نفخة الروح العلوية، لا من التصاقات الطين الأرضية! لذلك كان لأبناء الصحابة والتابعين دور محوري وحاسم في حمل مشعل الدعوة الإسلامية ونشره في شتى بقاع الأرض، مستندين إلى التربية النبوية والقدوة الحسنة من آبائهم، يعيشون الإسلام واقعًا عمليًّا، مما جعل الدعوة جزءًا من هويتهم اليومية، وجعلتهم امتدادًا طبيعيًّا للرسالة، فتمت تربيتهم على القيادة وتحمل المسؤولية، وكان الأطفال والشباب يُعاملون كرجال منذ الصغر، ويُدفع بهم في مجالس العلم، والسياسة، والفتوحات، وكان المجتمع بالكامل يتحرك نحو غاية واحدة وهي نشر الإسلام وحمايته، فمؤسسات المجتمع (المسجد، البيت، الدولة) كانت متكاملة في هذا الاتجاه، وهنا نذكر أمثلة منهم: (عبدالله بن عمر، عبدالله بن عباس، عبدالله بن الزبير، عبدالله بن عمرو بن العاص)، هؤلاء امتداد طبيعي للرسالة، كأعمدة للفقه والفتوى والحديث، وقد حافظوا على السنة النبوية ونقلوا آلاف الأحاديث الشريفة عن آبائهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم، وقاد الكثير منهم الجيوش لفتح بلاد جديدة ودخول الناس في دين الله، مثل الحسن والحسين وابن عمر في فتح شمال إفريقيا وطبرستان، وقد ترك العديد منهم مكة والمدينة واستقروا في الثغور والبلاد المفتوحة لتعليم أهلها الإسلام، وجذبوا شعوب البلاد المفتوحة للإسلام من خلال أمانتهم، وحسن تعاملهم، وتطبيقهم لقيم العدالة، وقد عملوا على الحفاظ على وحدة الأمة، وواجهوا الفتن بحكمة، وحرصوا على جمع كلمة المسلمين ومنع تفرقهم، كما قدموا النصح للحكام، وقد تميزوا بالشجاعة في قول الحق، وتقديم المشورة للخلفاء لضمان تطبيق الشريعة والعدل، وتولى الكثير منهم إمارة الولايات الإسلامية، فكانوا نموذجًا في النزاهة وحسن الإدارة، وهكذا نقلوا المنهج التربوي النبوي الذي تعلموه في بيوتهم إلى جيل "التابعين"، وركزوا على غرس قيم التضحية، والزهد، والجهاد، وحب العلم في نفوس أبنائهم وتلاميذهم. أما دعاة اليوم (إلا ما رحم ربي) حتى لا نعمم ولا نظلم من أخلص لدعوته، فقد انشغلوا "بالشهرة وجمع المال"؛ فتحولت الدعوة إلى ما يشبه "الصناعة"، فأصبحت الدعوة مهنة ووظيفة للتربح المالي، على عكس الماضي، كان الكثير من العلماء والدعاة يملكون مهنًا خاصة (كالخطاط، والتاجر، والحداد) تنفق على دعوتهم، أما اليوم، أصبح العمل الدعوي والإعلامي وظيفة كاملة، يدخل فيها تفعيل الإعلانات، والرعايات التجارية، وبيع الكتب والدورات بمبالغ مرتفعة، مما فقد مصداقية الخطاب عند الجمهور، وأصبح لبعض الدعاة قنوات واستديوهات وفريق مهني، تستخدم للدعاية والإعلام، والتجارة في ذلك، وتم استخدام منصات التواصل الاجتماعي الحديثة (مثل يوتيوب، تيك توك، وإكس)، كما تم التركيز على العناوين المثيرة، أو الخوض في قضايا جدلية وجاذبة للجمهور لتصدر "التريند"، بدلًا من التركيز على ما ينفع الناس تأصيلًا وعلميًّا، كما أصبح الاهتمام بالنجومية والشهرة بدلًا من الدعوة، مما دعا هؤلاء إلى تقديم تنازلات في الطرح أو المبادئ للحفاظ على كسب المال والشهرة. وقد نتج عن هذا كله: 1- اهتزاز الثقة في الخطاب الديني: فعندما يرى الشباب مظاهر البذخ أو التناقض بين كلام الداعية وسلوكه المالي، يصاب بعضهم بـ "صدمة قدوات"، مما يضعف قيمة النصيحة الدينية لديهم ويفتح الباب للتشكيك في النوايا. 2- سطحية الطرح الدعوي: فللحفاظ على أكبر عدد من المتابعين، قد يلجأ البعض إلى تسييل المفاهيم الشرعية، واختزال الدين في "القصص المشوقة" أو "الفتاوى التسهيلية" المقبولة جماهيريًّا، وإغفال القضايا التربوية والفكرية العميقة التي تحتاج إلى جهد وبناء طويل. 3- تأثر بيوت الدعاة: نشوء أبناء الدعاة في بيئة يطغى عليها هوس الأرقام، والمشاهدات، والأموال، والظهور الإعلامي المستمر، مما يشوه مفهوم الدعوة لديهم، ويجعلهم يزهدون في قيمتها الحقيقية أو يبتعدون عنها تمامًا. وهكذا تتضح الفجوة أو الاختلاف بين دور أبناء الصحابة والتابعين ودور أبناء الدعاة في العصر الحديث، فلا نجد لأبناء هؤلاء الدعاة مثل (عبدالله بن عمر، عبدالله بن عباس، عبدالله بن الزبير، عبدالله بن عمرو بن العاص)، بل إن هناك أمثلة سيئة للغاية لمثل هؤلاء الأبناء، فيواجه أبناء الدعاة في العصر الحالي واقعًا معقدًا ومختلفًا جذريًّا، حيث يعيش ابن الداعية اليوم في عالم مفتوح، يتعرض فيه لآلاف الأفكار، والفلسفات، والمغريات، مما يجعل الثبات الشخصي تحديًا صعبًا، مثل ضغوط الشهرة، كما ينشغل الآباء في بعض الحالات بالدعوة العامة والسفر على حساب التربية الخاصة لأبنائهم، مما يترك فجوة توجيهية داخل البيت الواحد.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |