خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         احذر من ترك بلوتوث هاتفك يعمل طوال الوقت.. قد يعرض لاختراقه وسرقة بياناتك الشخصية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          المواصفات الكاملة لهاتف آيفون ديو.. السعر وموعد الطرح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 50 )           »          هل تشتري آيفون 18 برو ماكس أم تحتفظ بـ آيفون 17 برو ماكس؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          آبل تعلن موعد طرح iOS 27.. متى يصل إلى موبايلك الأيفون؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          المواصفات الكاملة لهاتف آيفون 18 برو وآيفون 18 برو ماكس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          سعر هاتف iPhone Duo الجديد من أبل.. موعد الحجز والطرح ومواصفات الكاميرا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          أبل تكشف iPhone Duo القابل للطي بشاشتين وتصميم جديد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          آيفون 18 برو وآيفون 18 برو ماكس.. أبل تكشف الجيل الجديد رسميًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          OpenAI تطلق ChatGPT Images 2.5.. أبرز المميزات الجديدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          فيسبوك وإنستجرام وتيك توك.. يتيحون خيارات جديدة للمستخدمين لإيقاف هيمنة الخوارزميات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 17-08-2026, 10:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,069
الدولة : Egypt
افتراضي خالد بن الوليد رضي الله عنه وأرضاه

خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ

د. محمد حرز


إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ومِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران:102]، أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عِبَادَ اللهِ، ((أَئِمَّةُ الهُدَى وَمَصَابِيحُ الدُّجَى)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، ((خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.

عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
أَوَّلًا: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.. سَيْفُ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يُهْزَمْ.
ثَانِيًا: وَمَضَاتٌ فِي حَيَاةِ سَيْفِ اللَّهِ الْمَسْلُولِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!
ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!


أَيُّهَا السَّادَةُ: بدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ: خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ مَعَ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى! تِلْكَ السِّلْسِلَةُ الْكَرِيمَةُ الْمُبَارَكَةُ الَّتِي نُقَدِّمُهَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لِأَبْنَاءِ الصَّحْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ خَاصَّةً، وَلِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، لِلْعِبْرَةِ وَالْعِظَةِ مِنْ نَاحِيَةٍ، وَلِتَقْدِيمِ الْقُدْوَةِ الصَّالِحَةِ الطَّيِّبَةِ لِتَرْبِيَةِ الْأَجْيَالِ عَلَيْهَا مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، لَا سِيَّمَا بَعْدَ فَتْرَةِ التَّغْرِيبِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي مَسَخَتِ الْهُوِيَّةَ، وَشَوَّهَتِ الْفِكْرَ وَالتَّارِيخَ، وَزَعْزَعَتِ الِانْتِمَاءَ.

نَقْضِي هَذِهِ الدَّقَائِقَ الْمَعْدُودَةَ مَعَ قَائِدِ الْمُجَاهِدِينَ، وَسَيْفٍ مِنْ سُيُوفِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُسْتَاذِ فَنِّ الْحُرُوبِ وَالْمَيَادِينِ، الْفَاتِكِ بِالْمُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالْفَاتِكِ بِأَعْدَاءِ الْإِسْلَامِ بَقِيَّةَ الْأَيَّامِ، إِنَّهُ فَارِسُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَسَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَتِرْيَاقُ وُسَاوِسِ الشَّيَاطِينِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، وَالْبَطَلُ الْقَوِيُّ الْعَنِيدُ، وَالْفَارِسُ الْقَوِيُّ الرَّشِيدُ؛ إِنَّهُ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَائِدٌ فَذٌّ فِي فَنِّ الْقِيَادَةِ وَإِدَارَةِ الْحُرُوبِ، أَحَبَّ الْمُسْلِمُونَ سَيْفَهُ، وَخَافَهُ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ، وَأَقْبَلَ قَادَةُ الدُّنْيَا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ إِلَى عَصْرِنَا يَنْهَلُونَ مِنْ مَوْرِدِ خَالِدٍ فِي فَنِّ الْقِيَادَةِ وَإِدَارَةِ الْحُرُوبِ وَقَوَاعِدِ الْقِتَالِ.

خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، الَّذِي تَحَوَّلَ فِي عَالَمِ الْحَرْبِ وَمَيَادِينِ الْقِتَالِ إِلَى أُسْطُورَةٍ، وَمَا زَالَتِ الْأَبْحَاثُ وَالدِّرَاسَاتُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا تَنْهَلُ مِنْ سِيرَتِهِ وَفُنُونِ قِيَادَتِهِ وَإِدَارَةِ الْحُرُوبِ.

فَمَنْ هُوَ خَالِدٌ؟ وَمَا الَّذِي نَعْرِفُهُ نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ عَنْهُ؟ وَاللَّهِ لَا نَعْرِفُ عَنْهُ إِلَّا الْقَلِيلَ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَعْرِفُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَسْمَاءَ قَادَةِ الدُّنْيَا وَرِجَالِ السِّيَاسَةِ وَالْحُرُوبِ، وَيَغْفلُونَ عَنْ هَذَا الْبَطَلِ الْإِسْلَامِيِّ الْعَظِيمِ الَّذِي سَطَّرَ التَّارِيخَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

لَمْ يَعْرِفِ التَّارِيخُ جُنْدِيًّا أَخْلَصَ مِنْهُ لِدِينِهِ، وَلَا أَقْدَمَ مِنْهُ إِلَى غَايَتِهِ، وَلَا تُعْرَفُ نَفْسٌ أَطْهَرُ مِنْ نَفْسِهِ، وَلَا سَيْفٌ أَمْضَى مِنْ سَيْفِهِ.

الْجُنْدِيُّ الَّذِي مَشَى فِي كُلِّ وَادٍ، وَصَعِدَ كُلَّ جَبَلٍ، خَاضَ الْبِحَارَ، وَعَبَرَ الْأَنْهَارَ، وَجَابَ الْأَرْضَ كُلَّهَا حَتَّى نَصَبَ لِلْإِسْلَامِ عَلَى كُلِّ رَبْوَةٍ رَايَةً، وَأَبْقَى لِلْإِسْلَامِ فِي كُلِّ أَرْضٍ وَطَنًا لَا تَقْوَى عَلَى اسْتِلَابِهِ مِنْ أَهْلِهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ.
لَا تَرْكنَنَّ إِلَى الْقُصُورِ الْفَاخِرَة
وَاذْكُرْ عِظَامَكَ حِينَ تُمْسِي نَاخِرَة
وَإِذَا رَأَيْتَ زَخَارِفَ الدُّنْيَا فَقُلْ
يَا رَبِّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَة


أَوَّلًا: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.. سَيْفُ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يُهْزَمْ:
أَيُّهَا السَّادَةُ، حِينَ تُذْكَرُ الْبُطُولَةُ، وَحِينَ يُرْفَعُ لِوَاءُ الْعِزَّةِ، وَحِينَ يُطْلَبُ النَّصْرُ فِي مَيَادِينِ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ... تَتَّجِهُ الْأَنْظَارُ إِلَى فَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يُهْزَمْ فِي مَعْرَكَةٍ قَطُّ، لَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ، رَجُلٌ خَاضَ الْمَعَارِكَ فَمَا عَرَفَ الْهَزِيمَةَ، وَأَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ عَلَى فِرَاشِهِ، فَذَرَفَتْ رُوحُهُ دُمُوعًا لَا عَلَى الدُّنْيَا، بَلْ حَسْرَةً أَنْ مَاتَ وَمَا نَالَ الشَّهَادَةَ! إِنَّهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ، سَيْفٌ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَمَزَّقَ بِهِ جُيُوشَ الْكُفْرِ، وَدَكَّ بِهِ عُرُوشَ الطُّغْيَانِ، إِنَّهُ الْقَائِدُ الْفَذُّ، وَالْبَطَلُ الْمِغْوَارُ، هُوَ أَبُو سُلَيْمَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ، أَحَدُ عُظَمَاءِ الْإِسْلَامِ، الَّذِي سَطَّرَ بِسَيْفِهِ تَارِيخًا مِنَ الْمَجْدِ لَا يُنْسَى، وَخَطَّ بِشَجَاعَتِهِ وَحِكْمَتِهِ أَرْوَعَ صُوَرِ الْبُطُولَةِ وَالْإِقْدَامِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا فِي السِّنِّ مِنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

حَدِيثُنَا الْيَوْمَ عَنْ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْإِسْلَامِ، وَفَارِسٍ مِنْ فُرْسَانِ الْمَيْدَانِ، وَبَطَلٍ مِنْ أَبْطَالِ الصَّحْبِ الْكِرَامِ، إِنَّهُ أَحَدُ رِجَالَاتِ التَّارِيخِ الَّذِينَ ضَرَبُوا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْبُطُولَةِ وَالْإِقْدَامِ، لَمْ يُشَارِكْ فِي مَعْرَكَةٍ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ إِلَّا انْتَصَرَ فِيهَا! فَكَانَ بِحَقٍّ عُجْبَةً مِنْ عَجَائِبِ الزَّمَانِ، إِنَّهُ أَسَدُ الْإِسْلَامِ وَمُهَنْدِسُ انْتِصَارَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، حَدِيثُنَا عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا أَبُو سُلَيْمَانَ؟! إِنَّهُ سَيْفُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.

نَشَأَ خَالِدٌ فِي بِيئَةٍ غَنِيَّةٍ مُتْرَفَةٍ، فَأَبُوهُ أَغْنَى رَجُلٍ فِي قُرَيْشٍ فَأَبُوهُ هُوَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، الَّذِي كَانَ أَغْنَى النَّاسِ فِي زَمَانِهِ، وَكَانَ مِنْ كِبْرِيَائِهِ فِي جُودِهِ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ أَنْ تُوقَدَ نَارٌ فِي مِنًى غَيْرُ نَارِهِ لِإِطْعَامِ الْحُجَّاجِ، الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الَّذِي تَحَدَّثَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ ثَرَائِهِ وَغِنَاهُ فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ فَقَالَ: ﴿ ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ﴾ [المدثر: 11-16] ذَلِكَمُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَتِلْكَ هِيَ الْبِيئَةُ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. فَيَا لَلْعَجَبِ أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هَذَا الْبَطَلَ الْمُجَاهِدَ مِنْ صُلْبِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْكَافِرِ الْفَاجِرِ، فَسُبْحَانَ مَنْ ﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾ [الأنعام: 95].

وَبِالرَّغْمِ مِنْ بِيئَةِ التَّرَفِ الَّتِي عَاشَ فِيهَا خَالِدٌ، إِلَّا أَنَّهُ تَرَبَّى عَلَى الرّجَالَةِ وَالْفُرُوسِيَّةِ وَالْخُشُونَةِ وَالْبُطُولَةِ، فَكَانَ يَرْكَبُ فَرَسَهُ لِيَشُقَّ بِهِ الْوِدْيَانَ وَيَصْعَدُ بِهِ الْجِبَالَ حَتَّى صَارَ فَارِسًا مِنْ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ، بَلْ مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ، وَقَدْ وَرِثَ الْكُرْهَ الشَّدِيدَ لِلْإِسْلَامِ فِي بَدَايَةِ أَمْرِهِ، ثُمَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ الْهِدَايَةَ، فَانْقَلَبَ حَالُهُ مِنْ عَدُوٍّ إِلَى سَيْفٍ مِنْ سُيُوفِ الْإِسْلَامِ.

فَكَانَ خَالِدٌ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ قَدْ شَهِدَ مَوَاقِعَ لِقُرَيْشٍ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمَ أَصْبَحَ مِنْ أَعْظَمِ قَادَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي مَوْقِعَةِ أُحُدٍ كَانَ لَهُ دَوْرٌ فِي تَغْيِيرِ مَجْرَى الْمَعْرَكَةِ بَعْدَ خَلَلٍ وَقَعَ فِي تَنفيذِ أَمْرِ الرُّمَاةِ، فَتَحَوَّلَ الْمَوْقِفُ مِنْ نَصْرٍ إِلَى ابْتِلَاءٍ.

فَخَالِدٌ هُوَ قَائِدُ خَيْلِ قُرَيْشٍ وَصَاحِبُ قُبَّتِهَا، وَفَارِسُهَا الْأَوَّلُ، وَمُقَدَّمُهَا فِي الْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، فَهُوَ يَعِيشُ الْمَجْدَ مِنْ كُلِّ أَطْرَافِهِ، وَهُوَ فِي نَفْسِ الْوَقْتِ يُعْتَبَرُ ظَاهِرِيًّا الْقَائِدَ الْمُقَابِلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يَقُودُ الْمُسْلِمِينَ فِي سِلْمِهِمْ وَحَرْبِهِمْ. ثُمَّ يَتَنَازَلُ عَنْ كُلِّ هَذَا لِيَكُونَ جُنْدِيًّا فِي الْجَيْشِ الَّذِي كَانَ يَقُودُ الْحَرْبَ ضِدَّهُ، وَيُصْبِحُ يَتَلَقَّى الْأَوَامِرَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُلْقِيهَا، وَيُنفِّذُ الْخُطَطَ بَعْدَ أَنْ كَانَ هُوَ مَنْ يَرْسِمُهَا. هَذَا شَأْنٌ عَجِيبٌ آخَرُ مِنْ عَجَائِبِ شَأْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ.

وَكَانَ «خَالِدٌ» رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-كَغَيْرِهِ مِنْ أَبْنَاءِ قُرَيْشٍ- مُعَادِيًا لِلْإِسْلَامِ، نَاقِمًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَنَاصَرُوهُ، بَلْ كَانَ شَدِيدَ الْعَدَاوَةِ لَهُمْ، شَدِيدَ التَّحَامُلِ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ فَقَدْ كَانَ حَرِيصًا عَلَى مُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ الْمُحَارِبِينَ لَهُمْ فِي كُلِّ الْمَعَارِكِ الَّتِي خَاضَهَا الْكُفَّارُ وَالْمُشْرِكُونَ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لَهُ دَوْرٌ بَارِزٌ فِي إِحْرَازِ النَّصْرِ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ «أُحُدٍ»، حِينَ وَجَدَ غِرَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ أَنْ خَالَفَ الرُّمَاةُ أَوَامِرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَرَكُوا مَوَاقِعَهُمْ فِي أَعْلَى الْجَبَلِ، وَنَزَلُوا لِيُشَارِكُوا إِخْوَانَهُمْ جَمْعَ غَنَائِمِ وَأَسْلَابِ الْمُشْرِكِينَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَدَارَ «خَالِدٌ» بِفُلُولِ الْمُشْرِكِينَ وَبَاغَتَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَسَادَتِ الْفَوْضَى وَالِاضْطِرَابُ فِي صُفُوفِهِمْ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يُحَقِّقَ النَّصْرَ لِلْمُشْرِكِينَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ هَزِيمَتُهُمْ مُحَقَّقَةً.

كَذَلِكَ فَإِنَّ «خَالِدًا» كَانَ أَحَدَ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، الَّذِينَ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الطَّوَافَ حَوْلَ الْخَنْدَقِ يَلْتَمِسُونَ ثَغْرَةً فِيهِ لِيَأْخُذُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ، وَلَمَّا فَشِلَتِ الْأَحْزَابُ فِي اقْتِحَامِ الْخَنْدَقِ وَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَحَدَ الَّذِينَ يَحْمُونَ ظُهُورَهُمْ لِئَلَّا يُبَاغِتَهُمُ الْمُسْلِمُونَ.

وَفِي «الْحُدَيْبِيَةِ» خَرَجَ «خَالِدٌ» عَلَى رَأْسِ مائَتَيْ فَارِسٍ دَفَعَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ لِمُلَاقَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ، وَقَدْ أَسْفَرَ الْأَمْرُ عَنْ عَقْدِ مُعَاهَدَةٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عُرِفَتْ بِـ «صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ». وَقَدْ تَجَلَّتْ كَرَاهِيَةُ «خَالِدٍ» لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ حِينَمَا أَرَادَ الْمُسْلِمُونَ دُخُولَ مَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، فَلَمْ يُطِقْ أَنْ يَرَاهُمْ يَدْخُلُونَ مَكَّةَ، فَخَرَجَ مِنْهَا حَتَّى لَا يُبْصِرَ أَحَدًا مِنْهُمْ فِيهَا.

وَلَقَدْ فَرِحَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا عَظِيمًا بِإِسْلَامِ هَذَا الْبَطَلِ الشُّجَاعِ الَّذِي أَعَزَّهُ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّ الْإِسْلَامَ بِهِ، وَتَحَوَّلَ عَدَاءُ خَالِدٍ السَّالِفُ لِلْإِسْلَامِ إِلَى مُوَالاةٍ صَادِقَةٍ، وَشِدَّةٍ وَبَأْسٍ عَلَى أَعْدَاءِ اللَّهِ الْكَافِرِينَ.

أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ فِي صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَخَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، مُنْقَلِبًا مِنْ صَفِّ الْمُشْرِكِينَ إِلَى صَفِّ الْمُسْلِمِينَ، وَمِنْ عَدُوٍّ لِلْإِسْلَامِ إِلَى سَيْفٍ مِنْ سُيُوفِهِ الْبَاتِرَةِ، فَكَانَ إِسْلَامُهُ بَدْءًا لِعَهْدٍ جَدِيدٍ مِنَ الْجِهَادِ وَالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ.

حَدَّثَ سَيِّدُنَا خَالِدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مَسِيرِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ لِيَأْخُذَ دَوْرَهُ فِي قَافِلَةِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: وَوَدِدْتُ لَوْ أَجِدُ مَنْ أُصَاحِبُ، فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي أُرِيدُ، فَأَسْرَعَ الْإِجَابَةَ، وَخَرَجْنَا جَمِيعًا، فَأَدْلَجْنَا سَحَرًا، فَلَمَّا كُنَّا بِالسَّهْلِ إِذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ، قُلْنَا: وَبِكَ، قَالَ: أَيْنَ مَسِيرُكُمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ، وَأَخْبَرْنَا أَيْضًا أَنَّهُ يُرِيدُ النَّبِيَّ لِيُسْلِمَ، فَاصْطَحَبْنَا حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ. فَلَمَّا طَلَعْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَأَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَلَّا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ». وَبَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي كُلَّ مَا أَوْضَعْتُ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلَى ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ». قَالَ: وَتَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَسْلَمَا وَبَايَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

لَقَّبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِـ سَيْفِ اللَّهِ الْمَسْلُولِ يَوْمَ مُؤْتَةَ، حِينَ تَسَلَّمَ قِيَادَةَ الْجَيْشِ بَعْدَ اسْتِشْهَادِ الْقَادَةِ الثَّلَاثَةِ، فَأَدَارَ الْمَعْرَكَةَ بِحِنْكَةٍ عَجِيبَةٍ، وَأَنْقَذَ الْجَيْشَ مِنْ إِبَادَةٍ مُحَقَّقَةٍ، فَكَانَ ذَلِكَ مَوْقِفًا خَالِدًا فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ.

لَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ: (نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْكَافِرِينَ)؛ (مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ).

وَمِنْ مَنَاقِبِهِ الْعَظِيمَةِ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى شَرَّفَهُ بِأَنْ جَعَلَ عَلَى يَدَيْهِ نِهَايَةَ صَنَمِ الْعُزَّى، فَكَسَّرَهُ وَأَبْطَلَ أَمْرَهُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ [النجم: 19-20]، فَقَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَشَى خَالِدٌ إِلَى الْعُزَّى فَكَسَرَ أَنْفَهَا بِالْفَأْسِ، ثُمَّ قَالَ:
يَا عُزَّ كُفْرَانَكِ لَا سُبْحَانَكِ
إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ أَهَانَكِ




ثَانِيًا: وَمَضَاتٌ فِي حَيَاةِ سَيْفِ اللَّهِ الْمَسْلُولِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ!
أَيُّهَا السَّادَةُ، لَقَدْ كَانَ إِسْلَامُ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نقْلَةً عَظِيمَةً فِي تَارِيخِهِ، فَبَعْدَ أَنْ كَانَ سَيْفًا عَلَى الْإِسْلَامِ أَصْبَحَ سَيْفًا لَهُ، وَهَذَا مِنْ عَجَائِبِ هِدَايَةِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ.

وَكَانَتْ أَوَّلُ حَلَقَاتِ الصِّرَاعِ بَيْنَ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْمُشْرِكِينَ- بَعْدَ التَّحَوُّلِ الْعَظِيمِ الَّذِي طَرَأَ عَلَى حَيَاةِ خَالِدٍ وَفِكْرِهِ وَعَقِيدَتِهِ- فِي (جُمَادَى الْأُولَى 8هـ = سِبْتَمْبَر 629م) حِينَ أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةَ الْأُمَرَاءِ إِلَى «مُؤْتَةَ» لِلْقِصَاصِ مِنْ قَتَلَةِ «الْحَارِثِ بْنِ عُمَيْرٍ» رَسُولِهِ إِلَى صَاحِبِ بُصْرَى.

وَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْجَيْشِ: «زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ»، وَمِنْ بَعْدِهِ «جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ»، ثُمَّ «عَبْدَاللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ»، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ بِجُمُوعِ الرُّومِ، اسْتُشْهِدَ الْقَادَةُ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ عَيَّنَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَصْبَحَ الْمُسْلِمُونَ بِلَا قَائِدٍ، وَكَادَ عَقْدُهُمْ يَنْفَرِطُ وَهُمْ فِي أَوْجِ الْمَعْرَكَةِ، وَهُنَا انْقَضَّ بِسُرْعَةٍ كَالْبَرْقِ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى اللِّوَاءِ لِيَرْفَعَهُ خَفَّاقًا عَالِيًا، وَأَسْرَعَ يَبْحَثُ عَنْ قَائِدِ السَّاعَةِ وَبَطَلِ الْمَيْدَانِ أَبِي سُلَيْمَانَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: «خُذِ اللِّوَاءَ يَا خَالِدُ»، فَقَالَ خَالِدٌ- الْمُؤَدَّبُ الْمُهَذَّبُ-: «لَا»، وَأَبَى أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى سَابِقَةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَقَالَ: «أَنْتَ أَوْلَى بِهِ مِنِّي يَا ثَابِتُ، فَأَنْتَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، لَسْتُ أَحَقَّ بِهَذَا اللِّوَاءِ مِنْكَ». فَقَالَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ: «خُذِ اللِّوَاءَ يَا خَالِدُ، وَاللَّهِ أَنْتَ أَدْرَى بِالْقِتَالِ مِنِّي، وَمَا أَخَذْتُهُ إِلَّا لَكَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ». وَنَادَى فِي الْمُسْلِمِينَ: «أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ! هَلْ تَرْضَوْنَ إِمْرَةَ خَالِدٍ؟» قَالُوا: «اللَّهُمَّ نَعَمْ».

وَاعْتَلَى الْعَبْقَرِيُّ جَوَادَهُ، وَقَدِ انْتَظَمَ أَمْرُ الْمَعْرَكَةِ، وَتَحَدَّدَ مَصِيرُهَا، وَدَبَّ الذُّعْرُ فِي صُفُوفِ الْعَدُوِّ، وَأَعَادَ خَالِدٌ تَنْظِيمَ الْجَيْشِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَجَعَلَ الْمَيْمَنَةَ مَكَانَ الْمَيْسَرَةِ، وَالْمَيْسَرَةَ مَكَانَ الْمَيْمَنَةِ، وَالسَّاقَةَ فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَالْمُقَدِّمَةَ فِي السَّاقَةِ، وَأَمَرَ طَائِفَةً أَنْ تُثِيرَ الْغُبَارَ وَتُحْدِثَ الصَّوْتَ وَالضَّجِيجَ. فَلَمَّا أَصْبَحَ الصَّبَاحُ، ظَنَّ الرُّومُ أَنَّ مَدَدًا قَدْ جَاءَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ الْخَوْفُ قُلُوبَهُمْ، وَانْسَحَبُوا انْسِحَابًا مُرْعِبًا، وَحَفِظَ اللَّهُ بِذَلِكَ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَادَ خَالِدٌ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ سَالِمًا. وَبَلَغَتِ الْبِشَارَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ خَبَرَ مُؤْتَةَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ: «أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَهَا سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ».

وَاسْتَطَاعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحِنْكَتِهِ وَمَهَارَتِهِ أَنْ يُعِيدَ الثِّقَةَ إِلَى نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَعَادَ تَنْظِيمَ صُفُوفِهِمْ، وَأَبْلَى فِي تِلْكَ الْمَعْرَكَةِ بَلَاءً حَسَنًا، فَانْدَفَعَ إِلَى صُفُوفِ الْعَدُوِّ يَعْمَلُ فِيهِمْ سَيْفَهُ قَتْلًا وَجَرْحًا حَتَّى تَكَسَّرَتْ فِي يَدِهِ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ. وَاسْتَطَاعَ خَالِدٌ أَنْ يَحْفَظَ جَيْشَ الْمُسْلِمِينَ وَيَعُودَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

ثُمَّ لَمْ تَمْضِ إِلَّا أَشْهُرٌ حَتَّى دَخَلَ خَالِدٌ مَكَّةَ فَاتِحًا، بَعْدَ أَنْ كَانَ أَمْسه قَائِدًا فِي صُفُوفِ الْمُشْرِكِينَ، فَسُبْحَانَ مَنْ يُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

وَلَمَّا تَوَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْخِلَافَةَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَإِذْ بِعُمَرَ يُرْسِلُ عَلَى الْفَوْرِ كِتَابًا يُهَنِّئُ فِيهِ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا النَّصْرِ عَلَى أَرْضِ الْمَيْدَانِ، وَيَنْعَى إِلَيْهِمْ وَفَاةَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيُخْبِرُهُمْ بِخِلَافَتِهِ، وَيَأْمُرُ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ أَنْ يَتَوَلَّى الْقِيَادَةَ مِنْ جَدِيدٍ وَأَنْ يُنَحِّيَ خَالِدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّ الرِّسَالَةَ وَصَلَتْ إِلَى خَالِدٍ فَأَخْفَاهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتَّى انْتَهَتِ الْمَعْرَكَةُ، وَبَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَعْرَكَةِ ذَهَبَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ لِيُؤَدِّيَ إِلَيْهِ تَحِيَّةَ الْجُنْدِيِّ إِلَى قَائِدِهِ. وَقِيلَ: بَلِ الَّذِي أَخْفَى الرِّسَالَةَ أَبُو عُبَيْدَةَ حَتَّى تَنْتَهِيَ الْمَعْرَكَةُ، ثُمَّ بَعْدَ الْمَعْرَكَةِ أَخْبَرَ خَالِدًا؛ لِنَرَى مَشْهَدًا عَظِيمًا مِنْ مَشَاهِدِ الْإِخْلَاصِ وَالتَّجَرُّدِ، فَيَتَنَازَلُ خَالِدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمُنْتَهَى الْإِخْلَاصِ وَالْحُبِّ عَنِ الْقِيَادَةِ الَّتِي سَطَّرَ رَوْعَتَهَا وَانْتِصَارَاتِهَا، لِأَخِيهِ الْأَمِينِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، فَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ مَنْ هُوَ الْقَائِدُ، وَلَكِنَّ الْقَضِيَّةَ أَنْ تَبْقَى رَايَةُ التَّوْحِيدِ خَفَّاقَةً عَالِيَةً، سَوَاءٌ رَفَعَهَا أَبُو عُبَيْدَةَ أَوْ خَالِدٌ أَوْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَوْ شُرَحْبِيلُ، فَالْمُهِمُّ أَنْ تَبْقَى الرَّايَةُ عَالِيَةً.

أَلَا فَلْنَتَعَلَّمْ هَذِهِ الدُّرُوسَ دَرْسَ التَّجَرُّدِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَدَرْسَ الصَّفَاءِ وَالْإِخْلَاصِ وَالنَّقَاءِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَبْحَثُونَ عَنْ زَعَامَةٍ وَلَا صَدَارَةٍ، وَلَكِنَّ الْمَقْصِدَ أَنْ يَبْقَى الْعَمَلُ خَالِصًا لِلَّهِ، سَوَاءٌ كَانَ إِمَامًا مُطَاعًا أَوْ جُنْدِيًّا مُطِيعًا. وَهَكَذَا يَرْجِعُ خَالِدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ تَنَحِّيهِ عَنِ الْقِيَادَةِ، لَا نَقْصًا وَلَا هَوَانًا، وَلَكِنْ تَجْسِيدًا لِلْإِخْلَاصِ وَالْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ. وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ مِنَ الطَّعْنِ فِي عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ بَاطِلٌ وَافْتِرَاءٌ، فَقُلُوبُ الصَّحَابَةِ أَطْهَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ أَشَدَّ النَّاسِ فِي الْحَقِّ وَأَقْوَاهُمْ فِي التَّوْحِيدِ، حَتَّى لَا يَتَعَلَّقَ النَّاسُ بِالْأَشْخَاصِ دُونَ رَبِّ الْأَشْخَاصِ. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي عَزْلِ خَالِدٍ: «إِنِّي لَمْ أَعْزِلْ خَالِدًا عَنْ سَخَطٍ وَلَا عَنْ خِيَانَةٍ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ قَدْ فُتِنُوا بِهِ... فَأَرَدْتُ أَنْ أُعَلِّمَهُمْ أَنَّ الصَّانِعَ هُوَ اللَّهُ». فَهَذِهِ هِيَ عَبْقَرِيَّةُ عُمَرَ، وَهَذَا هُوَ صِدْقُهُ، وَهَذَا هُوَ تَوْحِيدُهُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ..


وَفِي إِحْدَى الْغَزَوَاتِ فِي شَمَالِ الْجَزِيرَةِ، لَمَّا كَانَ قَائِدًا لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ، حُوصِرَ الْمُسْلِمُونَ وَكَادَتْ أَنْ تَذْهَبَ بَيْضَتُهُمْ وَأَنْ تُسْتَأْصَلَ شَأْفَتُهُمْ، فَالْتَفَتُوا يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا الْعَدُوُّ يُحَاصِرُهُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَكَانَ هُنَاكَ جَبَلَانِ مَشْهُورَانِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ قَبَائِلِ طَيِّئ هُمَا جَبَلَا سَلْمَى وَأَجَا، فَقَالَ أَحَدُ جُنْدِ خَالِدٍ: "يَا خَالِدُ، إِلَى سَلْمَى أَوْ إِلَى أَجَا؟"- أَيْ: هَلْ نَفِرُّ إِلَى سَلْمَى أَوْ إِلَى أَجَا؟- فاهتمت عَيْنَا خَالِدٍ وَبَكَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ: "لَا إِلَى سَلْمَى وَلَا إِلَى أَجَا؛ وَلَكِنْ إِلَى اللَّهِ الْمُلْتَجَأُ!"، فَقَاتَلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَوَكُّلِهِ وَتَصْمِيمِهِ وَرِبَاطِ جَأْشِهِ، فَهَزَمَ اللَّهُ بِهِ الْكُفَّارَ فِي تِلْكَ الْمَوْقِعَةِ.

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظِيمِ تَوَكُّلِهِ عَلَى رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا حَدَّثَ بِهِ أَحَدُ أَصْحَابِهِ، أَنَّهُ قَالَ: "نَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أُمِّ بَنِي الْمَرَازِبَةِ مِنَ الْفُرْسِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا خَالِدُ، احْذَرْ لَا تسْقكَ الْأَعَاجِمُ مِنَ السُّمِّ! فَقَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ وَقَلْبٍ وَاثِقٍ: أَيْنَ السُّمُّ؟ هَلُمَّ احْضِرُوهُ إِلَيَّ! فَأُحْضِرَ إِلَيْهِ السُّمُّ فِي كَأْسٍ، فَقَالَ: «بِسْمِ اللَّهِ»، ثُمَّ شَرِبَهُ فَلَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ. وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إِظْهَارًا لِعِزَّةِ الدِّينِ وَثِقَةً بِاللَّهِ، لَا تَهَوُّرًا وَلَا تَعَرُّضًا لِلتَّهْلُكَةِ.

رَضِيَ اللَّهُ عَنْ خَالِدٍ، وَعَنْ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَعَنْ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَجَزَاهُمُ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرَ الْجَزَاءِ.

ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟!


أَيُّهَا السَّادَةُ، وكيْفَ يُنْسَى مَنْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَ اللَّهِ الْمَسْلُولَ؟! كَيْفَ يُنْسَى مَنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ نُصْرَةَ الدِّينِ، وَفَتْحَ الْبِلَادِ، وَإِعْلَاءَ كَلِمَةِ الْإِسْلَامِ؟! كَيْفَ يُنْسَى مَنْ حَوَّلَهُ اللَّهُ مِنْ عَدُوٍّ لِلْإِسْلَامِ إِلَى سَيْفٍ مِنْ أَمْضَى سُيُوفِهِ، يَذُودُ عَنْ حِيَاضِهِ، وَيُقَاتِلُ دُونَ عَقِيدَتِهِ؟! كَيْفَ يُنْسَى صَاحِبُ مُؤْتَةَ، حِينَ انْهَارَتِ الصُّفُوفُ، وَتَسَاقَطَتِ الرَّايَاتُ، فَثَبَتَ ثَبَاتَ الْجِبَالِ، وَأَنْقَذَ الْجَيْشَ بِحِكْمَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ؟! كَيْفَ يُنْسَى قَائِدُ الْيَرْمُوكِ، الَّذِي كَسَرَ بِإِيمَانِهِ وَبَصِيرَتِهِ جُيُوشًا عَاتِيَةً، وَأَذَاقَهَا طَعْمَ الْهَزِيمَةِ؟!كَيْفَ يُنْسَى مَنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ الْمَنَاصِبُ، وَلَمْ تُفْسِدْهُ الْقِيَادَةُ، فَلَمَّا عُزِلَ عَنِ الْإِمَارَةِ قَالَ فِي صِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ: إِنِّي أُقَاتِلُ لِلَّهِ لَا لِعُمَرَ؟! كَيْفَ يُنْسَى مَنْ مَلَأَ جَسَدَهُ بِالْجِرَاحَاتِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، لِيُعَلِّمَ الْأُمَّةَ أَنَّ الْآجَالَ بِيَدِ اللَّهِ، لَا بِيَدِ السُّيُوفِ وَلَا الرِّمَاحِ؟

يَنَامُ سَيْفُ اللَّهِ الْمَسْلُولُ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْمَعَارِكِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْمَوَاقِعِ وَالْغَزَوَاتِ، يَنَامُ عَلَى فِرَاشِ مَوْتِهِ فِي بَيْتِهِ وَدَارِهِ، وَتَنْسَكِبُ الدُّمُوعُ غَزِيرَةً عَلَى وَجْنَتَيْهِ وَهُوَ يَتَلَوَّى وَيَتَأَلَّمُ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْمَوَاقِعِ وَالْغَزَوَاتِ... يَا خَالِدُ تَنَامُ عَلَى فِرَاشِ مَوْتِكَ فِي دَارِكَ وَفِي بَيْتِكَ، فَيَبْكِي خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَقُولُ: «لَقَدْ شَهِدْتُ كَذَا وَكَذَا زَحْفًا، وَمَا فِي جَسَدِي مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَفِيهِ ضَرْبَةٌ بِسَيْفٍ أَوْ رَمْيَةٌ بِسَهْمٍ أَوْ طَعْنَةٌ بِرُمْحٍ، وَهَأَنَذَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي حَتْفَ أَنْفِي كَمَا يَمُوتُ الْبَعِيرُ، فَلَا نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ».

إِيْهِ يَا بَطَلَ الْأَبْطَالِ، إِيْهِ يَا فَجْرَ كُلِّ لَيْلٍ، هَا أَنْتَ ذَا قَدْ أَتْمَمْتَ مسْرَاكَ، وَأَتْمَمْتَ كَفَاحَكَ، وَأَتْمَمْتَ رَوْعَتَكَ، وَأَتْمَمْتَ جِهَادَكَ، فَلِذِكْرَاكَ الْمَجْدُ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ، وَلِسِيرَتِكَ الْخُلُودُ يَا خَالِدُ، نُرَدِّدُ مَعَ فَارُوقِ الْأُمَّةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ نَعَاهُ وَالدُّمُوعُ تَنْسَكِبُ غَزِيرَةً: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ، مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ، لَقَدْ عَاشَ حَمِيدًا، وَلَقِيَ اللَّهَ سَعِيدًا». الْغَايَةُ مِنْ هَذَا أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْبُطُولاتِ وَهَذَا الْمَجْدِ لَمْ يَفْتَخِرْ يَوْمًا بِمَا فَعَلَ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ بِقِتَالِهِ ضِدَّ الْمُرْتَدِّينَ، أَوْ ضِدَّ الْفُرْسِ، أَوْ ضِدَّ الرُّومِ فِي الْيَرْمُوكِ، الْمَعْرَكَةِ الَّتِي غَيَّرَتْ وَجْهَ التَّارِيخِ إِلَى الْأَبَدِ.

أَمْضَى حَيَاتَهُ جُنْدِيًّا مِنْ جُنُودِ الْإِسْلَامِ، يَأْتَمِرُ بِأَمْرِ أَمِيرِهِمْ، لَا عِصْيَانَ وَلَا تَشْغِيبَ، وَلَا بَحْثَ عَنْ مَنْصِبٍ أَوْ إِمَارَةٍ، كَمَا وَقَعَ لِقَادَةٍ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِ. لَزِمَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَقِيَ فِي صُفُوفِهِمْ حَتَّى وَافَاهُ الْأَجَلُ عَلَى فِرَاشِهِ، لَمْ تُكْسَرْ لَهُ رَايَةٌ، وَلَمْ يَنْهَزِمْ لَهُ جَيْشٌ، وَكَانَ النَّصْرُ حَلِيفَهُ أَيْنَمَا كَانَ، مَعَ أَنَّهُ سَعَى إِلَى الشَّهَادَةِ سَعْيًا حَثِيثًا، وَلَكِنَّ سَيْفَ اللَّهِ لَا يُغْلَبُ وَلَا يُقْتَلُ، فَسَيْفُ اللَّهِ غَالِبٌ لَا مَغْلُوبٌ، وَقَاتِلٌ لَا مَقْتُولٌ.

وَهُوَ رَمْزٌ مِنْ رُمُوزِ الْإِسْلَامِ وَالْجِهَادِ، فَلَا يَفْخَرْ أَحَدٌ عَلَيْنَا بِقَتْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَهَذَا الرَّمْزُ الَّذِي لَمْ تَنْكَسِرْ لَهُ رَايَةٌ، لَمْ يَفْخَرْ عَلَى أَحَدٍ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُصِبْهُ الْغُرُورُ، بَلْ كَانَ عَبْدًا مُخْلِصًا يَرَى نَفْسَهُ جُنْدِيًّا بَيْنَ جُنُودِ الْإِسْلَامِ، يُرِيدُ اللَّهَ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ. وَأَمَّا مَا يُذْكَرُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إِلَّا وَقَصَّتْ مِنْ شَعْرِهَا وَوَضَعَتْهُ عَلَى قَبْرِهِ فَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى مَكَانَتِهِ فِي قُلُوبِ قَوْمِهِ وَمَنْزِلَتِهِ فِي التَّارِيخِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ... أَلَا عَلَى مِثْلِ سِيرَةِ خَالِدٍ فَلْتَنْشَأِ الْأَجْيَالُ، وَلْتَكُنْ قُدْوَةً وَنُورًا، لَا تَفَاهَاتٍ تُضَيِّعُ الْهُوِيَّةَ وَتُفْقِدُ الْقِيمَ.

رَحِمَ اللَّهُ أَبَا سُلَيْمَانَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَرَضِيَ عَنْهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 74.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 72.78 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.25%)]