|
|||||||
| ملتقى الأخت المسلمة كل ما يختص بالاخت المسلمة من امور الحياة والدين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. حول المرأة المسلمة (1) د. أحمد ناجي يتنازع المرأة المسلمة في العصر الحديث اتجاهان متضادان، أحدهما يرى أنه لا يجوز لها أن تخرج من بيت أبيها إلا إلى بيت زوجها، حتى قال بعضهم: "إن المرأة لا تخرج من بيتها في حياتها إلا مرتين: مرة إلى بيت زوجها، والأخرى إلى قبرها"، وانطلاقاً من هذا الاتجاه حُرمت المرأة المسلمة في بعض بلاد المسلمين من التعليم وانتُزعت حقوقها وأصبحت تمثل صورة مشوهة لنظرة الإسلام للمرأة. واتجاه مضاد يرى أن للمرأة الانطلاق بلا قيد، والتحرر من كل ضابط، والتخلص من كل رقابة، حتى ولو كانت تلك الرقابة نابعة من ذاتها وخوفها على نفسها من الذئاب البشرية، فلتتحطم هذه الرقابة، حتى لا يقف شيء في وجه استمتاعها بالحياة، وحتى لا تفسد عليها نشوة اللذة، ويترتب على ذلك وجوب ترك المرأة وشأنها تفعل ما تشاء وتترك ما تشاء بدون قيود ولا ضوابط، ولا رقابة، وعلى المجتمع أن يسلم بذلك الحق، وعلى الحكومات الإسلامية أن تحافظ على تلك الحرية وتحميها. هذا هو اتجاه الغرب وتلاميذه في الشرق، فلا دين يحكم المرأة، ويكبح جماحها، ولا أخلاق تهذب طباعها، وتوقظ مشاعرها، وتثير فيها روح النخوة والغيرة والإباء، ولا مُثُل، ولا فضائل، تقاس على أساسها الأعمال خيرها وشرها، ولا حياء يمنعها من ارتكاب الشطط والمجاهرة بالمنكر. ولقد ركز أصحاب هذا الاتجاه جهدهم حول المرأة، فعملوا على إخراج المرأة من بيتها باسم الحرية والتحرر، وأقحموها في مجالات العمل المختلفة البعيدة عن اختصاصها والمتنافرة مع خصائصها، فقضوا بذلك على أنوثتها، وعلى الأسرة والبيت باسم الحرية والتحرر، وخلعوا عنها حجابها، وكشفوا عن موطن الزينة والفتنة منها، ليشبعوا بذلك نهمهم الجنسي باسم الحرية والتحرر، وانتزعوها من حمى حاميها وراعيها وحافظها (الرجل) بتحريضهم لها على التمرد على قوامته ليسهل لهم غوايتها وتحقيق مآربهم منها، وتركوها تختلط بل أرغموها على الاختلاط بالرجال، والخلوة بهم، فقضوا بذلك على عفتها وكرامتها وحيائها باسم الحرية والتحرر. وبين هذين الاتجاهين المرفوضين يأتي الاتجاه الوسط الذي ينظر إلى المرأة على أنها ميزان الاعتدال في الأسرة فإن اختل هذا الميزان انهار المجتمع، وعلى أنها نصف الحاضر وكل المستقبل، حيث أنها تقوم على تربية النشء -بنين وبنات- الذي سيتكون من لبناته المجتمع. إن الاتجاه الوسطي ينادي بأن النساء شقائق الرجال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النساء شقائق الرجال" (رواه أحمد)، ويؤكد أن الأصل التكويني للرجال والنساء واحد، فالإنسان بدأ وجوده منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام، ومن آدم خلق الله الشطر الثاني للإنسان فاجتمع منهما زوجان، ثم بث الله منهما عن طريق التناسل المتتابع ذكراناً وإناثاً، وفق مشيئته تعالى، هكذا أكد القرآن الكريم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1). فالأصل التكويني للناس ذكوراً كانوا أو إناثاً هو أصل واحد، ولا يؤثر في وحدة الأصل أن أحد الصنفين يمتاز ببعض الخصائص التي تتلاءم ومهماته ووظائفه في الحياة، وأن الصنف الآخر يمتاز ببعض خصائص أخرى تتلاءم ومهماته ووظائفه، ليتكامل الشطران في تأدية وظائف النفس الإنسانية في هذه الحياة. فلتطمئن المرأة إلى التكريم العظيم الذي كرمها به الإسلام، إذ أعلن بصريح نصوصه أنها مع الرجل من نفس واحدة، فالعنصر التكويني لكل منهما واحد، إلا أن الرجل تفرد ببعض خصائص تناسب المهمات والوظائف المهيأ للقيام بها، وأن المرأة تفردت ببعض الخصائص التي تناسب المهمات والوظائف المهيأة للقيام بها، وكمال كل من الرجل والمرأة يكون باستيفائه لخصائص صنفه، فلا يكمل الرجل ما لم تكمل ذكورته، ولا تكمل المرأة ما لم تكمل أنوثتها. والذين يريدون من المرأة أن تنافس الرجل في خصائصه إنما يدفعونها إلى أقبح حالات النقص التي تعتري بعض النساء، ومحرضو المرأة على تجاوز واقعها التكويني، ومهماتها التي اصطفاها لها الإسلام بحسب خصائصها، إنما يريدون منها أن تركع لأهوائهم وأنانياتهم. وقد قرر الإسلام أن المرأة كالرجل مسؤولة مسؤولية كاملة عن الأمور الدينية تجاه ربها، وتجاه المجتمع الإسلامي، وأن حكمها حكم الرجل في الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، والثواب والعقاب، لأنها مزوّدة بكل العناصر التي تؤهلها للتكليف. ولذلك كانت المرأة مسؤولة عن إعلان الإسلام، وهي في ذلك تقف مع الرجل في مرتبة واحدة، وتعامل مثل معاملته، ومتى أعلنت إسلامها فنطقت بالشهادتين عصمت دمها ومالها إلا بحق الإسلام وحسابها على الله تعالى. والمنافقات من النساء كالمنافقين من الرجال، والمشركات منهن كالمشركين منهم، والكوافر منهن كالكفار منهم، يستقبلون جميعاً عند الله نصيبهم من العذاب، قال تعالى: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (الأحزاب: 73). وقال تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً {5} وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً} (الفتح). فالنساء والرجال بين يدي أركان العقيدة والشريعة الإسلامية سواء، تكليفاً وجزاءً، ولولا تقرير الإسلام أن الصنفين مستويان من حيث العموم في تزويدهما بعناصر التكليف لما جعلهما الإسلام على صعيد واحد، ولما خاطبهما بخطاب واحد، تبشيراً أو إنذاراً، أو إرشاداً وموعظة. ولذلك قال علماء الإسلام: إن النصوص الإسلامية التي يوجه فيها الخطاب للرجال هي موجهة للنساء أيضاً، في كل الأحكام والعظات والتكاليف وأنواع التربية الإسلامية، ما لم يكن مضمون الخطاب مما يتعلق بخصائص الرجال التكوينية، وما لم يصرح في الخطاب بأنه خاص بالرجال دون النساء. وإن شاء الله تعالى سنتناول في مقالات قادمة كل الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام وأذنابهم حول مكانة المرأة في الإسلام والرد عليها بالأدلة الثابتة من القرآن والسنة وإجماع العلماء.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. الإسلام ظلم المرأة في الميراث (2) د. أحمد ناجي يقول مثيرو هذه الشبهة: إن الإسلام ظلم المرأة وحرمها من حقوقها بدليل أن القرآن وهو المصدر الأول من مصادر التشريع كما تقولون قال: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ...) "النساء:11"، وإذا كانت هذه الشبهة قد جاءت على لسان أذناب الغرب فقد سبقهم إليها أستاذهم المستشرق الفرنسي "جاستون فبيت" فقال: "من الظلم الواضح أن تأخذ المرأة نصف الرجل في الميراث"، ثم قال "إن دور المرأة فى المجتمع الإسلامي على جانب كبير من الضآلة، وأن ضآلة مرتبتها كانت أمراً مسلماً به في جميع مظاهر الحياة، حتى إنه في مسألة الميراث لم يكن نصيبها إلا نصف نصيب الرجل " ([1]) تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها قضية ميراث المرأة المسلمة من أهم الشبهات التي أثارها كارهوا الإسلام من المستشرقين وأذنابهم من العلمانيين، فكثيراً ما نسمع من هؤلاء المطالبة بوجوب المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث مدَّعين أن الإسلام قد ظلم المرأة عندما جعل نصيبها نصف نصيب الرجل!!! ونريد أن نؤكد هنا أن المستشرقين وتلاميذهم لم يتبعوا قواعد البحث العلمي الأصيل فيما أثاروه على الإسلام وخاصة فيما يتعلق بقضايا المرأة، لأنهم "يتجاهلون عنصر المقارنة في القضايا التي يعرضون لها ومنها قضية المرأة المسلمة مع أن عنصر المقارنة عنصر جوهري في مجال البحث العلمي الأصيل، وهؤلاء الذين يحرصون على الافتراء يتجاهلون عن عمد المقارنة بين وضع المرأة في الجاهلية، ووضعها في الإسلام، بل المقارنة بين وضعها في ظل الشرائع السابقة على الإسلام، فقد كانت في ظل هذه الشرائع عدماً، وأصبحت في ظل الإسلام وجوداً قائماً بذاته". ([2]) ميراث المرأة في الشرائع الأخرى يقول الشيخ عبد المجيد صبح في كتاب "المرأة المسلمة": "لقد كانت المرأة قبل الإسلام محرومة من حقها في الميراث فأنصفها الإسلام وجعل لها حقاً مقرراً فيه. - فكان الرومان لا يورثون الزوجة من زوجها مطلقاً، حتى ولو لم يكن له وارث وكانوا يحرمون الأصول وفيهم الأم عند وجود الفروع. - وعند اليهود: يرث البكر الذكر وحده كل التركة ولا شيء لأحد غيره من الإناث، لا الأم ولا البنت ولا الزوجة، وإذا كان للميت بنات فقط كان للمُورِث أن يوصي بكل ماله لمن يشاء وأن يحرمهن كلهن. - والأناجيل التي بيد النصارى تخلو من أي تشريع للمواريث، وظل المسيحيون يتوارثون بما في التوراة التي بيد اليهود إلى وقت قريب إلى أن وضعت لهم كنائسهم نظاماً. - وكان الجاهليون قبل الإسلام يورثون الذكور القادرين على الحرب والغارة فلم يكن للإناث ولا للصبية الصغار ميراث.([3]) أعباء الرجل ورفاهية المرأة وقد يبدو لأول وهلة أن الإسلام ظلم المرأة إذ جعل لها نصف حظ الرجل من الميراث، لكن هذا فهم خاطئ لا يلبث أن يبدوا ما فيه من خطأ، فبقليل من التدبر والمعرفة بنظام الإسلام وما ألقاه على كاهل الرجل من الأعباء والالتزامات المالية يتضح أن الإسلام لم يظلم المرأة ولم يفضل الرجل عليها، فالرجل في الإسلام هو المكلف بأن يُقدم مهراً للمرأة قال تعالى: (وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) "النساء:4"، وهو المكلف بالنفقة الشاملة من طعام وكسوة ومسكن وعلاج للمرأة والأولاد، قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ) "الطلاق:6"، وقال تعالى: (لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) "الطلاق:7"، ويطالب الرجل بالنفقة على والديه وأقاربه إذا كانوا في حاجة إلى هذه النفقة، ثم إن المرأة إذا طلقت فقد فرض الإسلام لها نفقة العدة ونفقة المتعة التي تحفظ كيانها وكرامتها، وهذه كلها أعباء مالية كُلف بها الرجل، وأُعفيت منها المرأة، فهل مع كل هذه الأعباء والمسئوليات التي كُلِف بها الرجل يكون الإسلام قد ظلم المرأة؟! إن المسألة "مسألة حساب لا عواطف، تأخذ المرأة ثلث الثروة الموروثة لتنفقها على نفسها، ويأخذ الرجل ثلثي الثروة لينفقها أولاً: على زوجته، وثانياً: على أسرة وأولاد، فأيهما يصيب أكثر بمنطق الحساب والأرقام؟ والرجل ينفق تكليفاً لا تطوعاً مهما كانت ثروة المرأة الخاصة، فلا يحق له أن يأخذ منها شيئاً البتة إلا بالتراضي الكامل بينهما، وعليه أن ينفق عليها كأنها لا تملك شيئاً ولها أن تشكوه إذا امتنع عن الإنفاق، أو قتر فيه بالنسبة لما يملك، ويحكم لها الشارع بالنفقة أو الانفصال " ([4]) فنصيب الرجل بناءً على ذلك معرض للنقص بما ألقى عليه الإسلام من التزامات متوالية متجددة، ونصيب المرأة معرض للزيادة "بما تقبض من مهر وهدايا وبما تغله من دخل إذ ثمرته مع إعفائها من أي التزام شرعي مالي لزوجها وبيتها وبنيها، فهل كان من العدالة أن يسوى الإسلام بينهما في الميراث، ثم يلقي على الابن ما يلقي من الأعباء الثقيلة المستمرة ويعفيها من كل شيء؟ ([5]) على أن هذه النسبة إنما تكون في المال الموروث "أما المال المكتسب فلا تفرقة فيه بين الرجل والمرأة لا في الأجر على العمل، ولا في ربح التجارة ولا ريع الأرض.... الخ، لأنه يتبع مقياساً آخر هو المساواة بين الجهد والجزاء.... إذن فلا ظلم هناك ولا شبهة تفيد أن قيمة المرأة هي نصف قيمة الرجل كما يفهم العوام من المسلمين، وكما يزعم المشنعون من أعداء الإسلام" ([6]) ميراث المرأة ليس نصف الرجل مطلقاً إن ميراث المرأة ليس على النصف من ميراث الرجل مطلقاً، ففي علم الميراث حالات يكون نصيب المرأة فيها مساوياً لنصيب الرجل، وذلك في حالة ما إذا مات رجل أو امرأة وليس له أو لها والد أو ولد – ذكراً كان أو أنثى - وله أو لها أخ أو أخت من ناحية الأم، ففي هذه الحالة يستوي الأخ والأخت في الميراث، وفى هذا قال تعالى: (وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)([7]) فهذه الآية الكريمة تقرر أن أولاد الأم وهم إخوة الميت وأخواته لأمه سواء في الميراث ذكورهم وإناثهم، فالسدس للإخوة لأم إذا انفرد الواحد منهم، والثلث لهم بالتسوية إذا تعددوا. كما أن الأب والأم إذا ترك الميت أولاداً إناثاً وذكوراً يستويان في الميراث فلكل واحد منهما السدس كما قال تعالى: (وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) "النساء:11"، كما أن هناك حالات يزيد فيها نصيب الأنثى على الذكر، كما لو ماتت امرأة وتركت زوجاً وبنتاً سواء كانت منه أو من غيره، فإن البنت ترث ضعف نصيب الزوج حيث ترث البنت النصف، والزوج الربع، وإذا ترك الميت بنتين وزوجة وأخاً، فنصيب الزوجة الثمن وليكن مثلاً ثلاثة من أربعة وعشرين، ونصيب البنتين الثلثان وهو ما يساوى ستة عشر سهماً من أربعة وعشرين، والباقي للأخ وهو يساوى خمسة من الأربع والعشرين سهماً وهو نصف نصيب البنت الواحدة تقريباً. ([8]) فلا عجب بعد هذا أن يأتي بيان "دار الإفتاء المصرية" الذي تؤكد فيه بأن كثيراً من نصارى مصر يحتكمون إلى نظام المواريث الإسلامية وكان أمامهم وهم غير مسلمين مندوحة لاختيار ما تقرره الكنيسة المصرية أو الغربية؛ لما له من أثر كبير في حسم المنازعات والقضاء على أسباب الخلاف بين المستحقين للميراث. ([9]) فهل بعد ذلك البيان يحق لهؤلاء الموتورين أن يقولوا: إن الإسلام غمط المرأة حقها في الميراث فأعطاها نصف نصيب الرجل؟! [1] - بتصرف من كتاب: "مفتريات اليونسكو على الإسلام" – المؤلف: محمد عبد الله السمان – صـ 56 – ط: دار الاعتصام. [2] - بتصرف من كتاب "مفتريات اليونسكو على الإسلام" ص 56. [3] - بتصرف من "المرأة في الإسلام" – المؤلف: عبد المجيد صبح – 1/120. [4] - بتصرف من كتاب " شبهات حول الإسلام" – المؤلف: د. محمد قطب – 1/120. [5] - الإسلام وقضايا المرأة المعاصرة – المؤلف: البهي الخولي – 1/205. [6] - كتاب " شبهات حول الإسلام" – المؤلف: د. محمد قطب – 1/120. [7] - للمزيد انظر فقه السنة – المؤلف: الشيخ سيد سابق – 3/506. [8] - كتاب "المرأة في الإسلام" – المؤلف: عبد المجيد صبح – 1/125. [9] - كتاب: "الإسلام في مواجهة حملات التشكيك" – المؤلف: د. محمود حمدي زقزوق – 1/103.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. الإسلام ظلم المرأة عندما جعل شهادتها نصف شهادة الرجل (3) د. أحمد ناجي شبهة اليوم تدل على جهل وحمق أصحابها، إذ نظر هؤلاء إلى قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء) (البقرة: 282)، وادعَّوا أن الإسلام جعل شهادة المرأة نصف شهادة الرجل، ودار المستشرقون وأزلامهم حول هذه الشبهة، وقالوا: هذا دليل آخر على عدم مساواة الإسلام بين الرجل والمرأة، وقال أحدهم في مقال نشرته إحدى المجلات المشهورة والمعروفة بعدائها للإسلام والمسلمين: "كيف يجعل الإسلام شهادة الرجل بشهادة امرأتين؟ ثم تساءل بعد أن ذكر أستاذة جامعية، أتكون شهادة الأستاذة الدكتورة "فلانة" نصف شهادة بواب عمارتها؟". أسلوب ماكر يؤثر على الدهماء من الناس ومن ليس لهم بصر في مسائل الفقه وحكمة التشريع، وهذا مطلب يسيل له لعاب العلمانيين والماركسيين الذين ينتمي إليهم هذا الكاتب، ولو كان هؤلاء طلاب حق فعلاً وليسوا مرجفين لاهتدوا إلى الحق من أقصر طريق "(1). تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها من الجنون اعتقاد أن جنس الرجل أكمل من جنس المرأة علق الشيخ محمد الغزالي -يرحمه الله- على هذا الفهم السقيم بقوله: "إن حواء خُلقت من آدم كما نبأنا القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) (النساء: 1)، والأولاد بعد ذلك ذكوراً أو إناثاً جاءوا ثمرة لتواصل الأبوين الأولَين: (وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء)، فمن الجنون تصور أحد الجنسين غريباً عن الآخر، أو دونه مكانة (بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (آل عمران: 195)(2). إن الإسلام حين جعل شهادة الرجل تعدل شهادة امرأتين، فإن ذلك كان مراعاة لظروفها وإرشاداً إلى طريق الاستيثاق الذي يطمئن معه الناس على حقوقهم، ولقد بيَّن الله تعالى حكمة ذلك حين قال: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (البقرة: 282). يقول الأستاذ سيد قطب -يرحمه الله- في تفسيره لهذه الآية الكريمة: "إن النص لا يدعنا نحدس ففي مجال التشريع يكون كل نص محدداً واضحاً معللاً (أَنْ تَضِلُّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى)، والضلال هنا ينشأ من أسباب كثيرة، فقد ينشأ من قلة خبرة المرأة بموضوع التعاقد، مما يجعلها لا تستوعب كل دقائقه وملابساته ومن ثم لا يكون من الوضوح في عقلها بحيث تؤدي عنه شهادة دقيقة عند الاقتضاء، فتذكرها الأخرى بالتعاون معاً على تذكر ملابسات الموضوع كله، وقد ينشأ من طبيعة المرأة الانفعالية، فإن وظيفة الأمومة العضوية البيولوجية تستدعى مقابلاً نفسياً في المرأة حتماً تستدعى أن تكون المرأة شديدة الاستجابة الوجدانية الانفعالية لتلبية مطالب طفلها بسرعة وحيوية لا ترجع فيهما إلى التفكير البطيء، وذلك من فضل الله على المرأة وعلى الطفولة وهذه الطبيعة لا تتجزأ، فالمرأة شخصية موحدة هذا طابعها حين تكون امرأة سوية، بينما الشهادة على التعاقد في مثل هذه المعاملات في حاجة إلى تجرد كبير من الانفعال ووقوف عند الوقائع بلا تأثير ولا إيحاء، ووجود امرأتين فيه ضمانة أن تذكر إحداهما الأخرى، فتتذكر وتفئ إلى الوقائع المجردة"(3). وقد يأتي نسيان المرأة بسبب ما تتعرض له من أحوال طبيعية تجعل مزاجها في اختلال وعقلها في اضطراب، كالحيض والحمل والرضاعة فقد أثبت العلم الحديث أن المرأة في فترة الحيض تقل في جسمها قوة إمساك الحرارة، فيزداد خروج الحرارة منه، وتنخفض درجتها فيه، وتضعف قوة التنفس وتصاب آلات النطق بتغيرات خاصة ويبلد الحس وتتكاسل الأعضاء وتتخلف الفطنة والذكاء وقوة تركيز الأفكار، وكل هذه التغيرات تدني المرأة الصحيحة إلى حالة المرض إدناء يستحيل معه التمييز بين صحتها ومرضها، وفي فترة الحمل تتخلف في المرأة ملكات الشعور والتفكير والتأمل والفهم والتعقل مما جعل كثيراً من الأخصائيين يقولون: إن الشهر الأخير من أشهر الحمل لا يصح فيه أن تكلف المرأة جهداً بدنياً أو عقلياً، أما عقب وضع الحمل فتكون المرأة عرضة لأمراض متعددة، مما يجعل المرأة شبه مريضة لمدة سنة من بدء الحمل، ثم بعد ذلك لا تكون ملكاً لنفسها أو فارغة من أعمالها، بل عليها تربية هذا المولود وتعهده بالعناية والرعاية"(4). وهكذا يتبين أن المرأة بحسب ما يعتريها من دورة شهرية وحمل ورضاعة تكون أشبه بالمريضة مما يؤدي إلى انحراف مزاجها واضطراب أجهزتها مما يستتبع عدم تركيزها فيؤدي بدوره إلى نسيانها للواقع المشهود. وإضافة إلى ما سبق "أننا إذا لاحظنا أن الإسلام مع إباحته للمرأة التصرفات المالية يعتبر رسالتها الاجتماعية هي التوفر على شئون الأسرة، وهذا ما يقتضي منها لزوم بيتها في غالب الأوقات، أدركنا أن شهادة المرأة في حق يتعلق بالمعاملات المالية بين الناس لا يقع إلا نادراً، وما كان ذلك فليس من شأنها أن تحرص على تذكره حين مشاهدته، فإنها تمر به عابرة لا تلقي له بالاً، فإذا جاءت تشهد به أمام القاضي كان احتمال نسيانها أو خطأها ووهمها، فإذا شهدت امرأة أخرى بمثل ما تشهد به زال احتمال النسيان والخطأ"(5). فالمسألة ليست مسألة إكرام وإهانة وأهلية، وعدمها وإنما هي مسألة تَثَبُت في الأحكام، واحتياط في القضاء بها، وهذا ما يحرص عليه كل تشريع عادل. الإسلام ساوى بين شهادة الرجل والمرأة في غير التداين ومما يدل على أن جعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل إنما هو من أجل تأدية الشهادة على وجهها الصحيح، ووصول الحقوق لأصحابها ولا علاقة له بنقص إنسانية المرأة أو انحطاط قدرها، أن الإسلام ساوى بين شهادة المرأة وشهادة الرجل في خصومات أخرى غير خصومة التداين، وذلك في شهادات اللعان حين يتهم الزوج زوجته بالزنا ولم يكن لديه شهود على الواقعة إلا نفسه، ففي هذه الحالة يشهد هو أربع شهادات بالله على صدق ادعائه، ثم تشهد هي أربع شهادات بالله أنها ما زنيت، فإن امتنع الزوج عن الحلف بالله لم تثبت الجريمة، وإن هي امتنعت عن الرد عليه أقيم الحد عليها(6). وفى هذا قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ. وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ. عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ. وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) (النور: 6-9)، كما أن هناك مواضع وقف الإسلام فيها الشهادة على المرأة وحدها دون الرجل وذلك في الخصومات التي لا يطلع عليها إلا النساء كالبكارة والولادة وعيوب النساء في الأحوال الباطنية التي لا يطلع عليها الرجال، فعند حدوث نزاع حول ثيوبة فتاة أو بكارتها ينتدب للاطلاع على حقيقة الأمر من يوثق فيه من النساء، وإذا ادعى زوج أن بزوجته عيباً في الأجزاء التي يجب سترها من جسمها، فالقول والشهادة في إثباته ونفيه للنساء لا للرجال. وهكذا نجد أحكام الشريعة الإسلامية تتوخى العدالة بكل الطرق المناسبة في حسم النزاعات، فليست المسألة مسألة ذكورة أو أنوثة كما يتوهم المرجفون وإنما هي مسألة تحرر وتدقيق يبعثان في نفس "القاضي" الاطمئنان ولو مع غلبة الظن الذي لم يبلغ مبلغ اليقين ليصدر حكمه في المسألة المعروضة عليه على أساس ما تَجَّمَع بين يديه من بيانات عادلة(7). وهكذا ترتد هذه الشبهة إلى صدور أصحابها ويتبين لنا أن وصف الأنوثة لا علاقة له بالتقليل من شأن الشهادة، وإنما يدور الحكم في ذلك على مدى قوة العلاقة أو ضعفها بين شخص الشاهد وبين الموضوع الذي تجرى بسببه الخصومة. __________________________________ (1) بتصرف من كتاب: "المرأة في عصر الرسالة بين واقعية الإسلام وأوهام المرجفين"، د. عبدالعظيم المطعني، 1/121 – ط: دار الفتح الإعلامي. (2) كتاب "حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة"، المؤلف: الشيخ محمد الغزالي، 1/104. (3) في ظلال القرآن الكريم، سيد قطب، 1/336. (4) بتصرف من كتاب "الإسلام واتجاه المرأة المسلمة المعاصرة"، د. محمد البهي، 1/45:44. (5) بتصرف من كتاب "المرأة بين الفقه: والقانون"، المؤلف: د. مصطفى السباعي، 1/33. (6) انظر: فقه السنة، السيد سابق، 2/459 وما بعدها. (7) للمزيد انظر: كتاب "المرأة في عصر الرسالة"، المؤلف: د. عبدالعظيم المطعني، 1/124-125.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شُبهَات حَوْل حقوق المرأة في الإسلام (1-2) أحمد ناجى من الشبهات التي أطلقها أعداء الإسلام حوله شبهة "حقوق المرأة في الإسلام، ومكانتها في المجتمع المسلم". ويكفينا لنقض هذه الشبهة أن نقدم لمحة سريعة لحقوق المرأة في الإسلام، ولمكانتها في المجتمع المسلم، مع مقارنة ذلك بما لدى مطلقي هذه الشبهة وغيرهم من الناس. فهؤلاء يريدون التسوية التامة بين الرجل والمرأة ويحاولون أن يرجعوا بالناس إلى الوراء، فيدفعوا كلاً من الرجل والمرأة إلى المشاركة في كل مهمة من مهمات الحياة، سواء أكانت مناسبة للتكوين الفطري أو غير مناسبة، وسواء أكانت ملائمة لخصائص الصنف أو لم تكن ملائمة له! إنهم لا يريدون الخير للمرأة، ثم يظلمون الإسلام حين يشككون به، ويحرضون المرأة على التحرر من أنظمته، طلباً لوضع أفضل لها من الوضع الذي كرّمها الإسلام به! لقد كانت المرأة في حضارات دعاة التسوية محل جدل، فاختلفوا حول مسائل تتعلق بالمرأة على نحو: 1- هل للمرأة روح أم ليس لها روح؟! 2- إذا كانت لها روح، فهل هي روح إنسانية أم روح حيوانية؟! 3- وعلى افتراض أنها ذات روح إنسانية، هل وضعها الاجتماعي والإنساني بالنسبة إلى الرجل كوضع الرقيق، أم شيء آخر أرفع قليلاً من الرقيق؟! 4- ثم هل هي ذات روح خبيثة شيطانية خلقت للإفساد والإغواء أم ماذا؟! الإسلام يكرم المرأة حينما كانت المرأة محل هذا الجدل عند هؤلاء، كان الإسلام ينادي بأن النساء شقائق الرجال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "النساء شقائق الرجال" (رواه أحمد)، وأن الأصل التكويني للرجال والنساء واحد، فالإنسان بدأ وجوده منذ خلق الله تعالى آدم عليه السلام، ومن آدم خلق الله الشطر الثاني للإنسان فاجتمع منهما زوجان، ثم بث الله منهما عن طريق التناسل المتتابع ذكراناً وإناثاً، وفق مشيئته تعالى. هكذا أكد القرآن الكريم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (النساء: 1). فالأصل التكويني للناس ذكوراً كانوا أو إناثاً هو أصل واحد، ولا يؤثر في وحدة الأصل أن أحد الصنفين يمتاز ببعض الخصائص التي تتلاءم ومهماته ووظائفه في الحياة، وأن الصنف الآخر يمتاز ببعض خصائص أخرى تتلاءم ومهماته ووظائفه، ليتكامل الشطران في تأدية وظائف النفس الإنسانية في هذه الحياة. فلتطمئن النساء إلى التكريم العظيم الذي كرمهن به الإسلام، إذ أعلن بصريح نصوصه أنهن مع الرجال من نفس واحدة، فالعنصر التكويني لكل منهما واحد، إلا أن الرجال تفردوا ببعض خصائص تناسب المهمات والوظائف المهيئين للقيام بها، وأن النساء تفردن ببعض الخصائص التي تناسب المهمات والوظائف المهيئات للقيام بها، وكمال كل من الصنفين يكون باستيفائه لخصائص صنفه، فلا يكمل الرجل ما لم تكمل ذكورته، ولا تكمل المرأة ما لم تكمل أنوثتها. والذين يريدون من المرأة أن تنافس الرجل في خصائصه إنما يدفعونها إلى أقبح حالات النقص التي تعتري بعض النساء، ومحرضو المرأة على تجاوز واقعها التكويني، ومهماته التي اصطفاها لها الإسلام بحسب خصائصها، إنما يريدون منها أن تركع لأهوائهم وأنانياتهم. مسؤولية المرأة الدينية ويقرر الإسلام أن المرأة كالرجل مسؤولة مسؤولية كاملة عن الأمور الدينية تجاه ربها، وتجاه المجتمع الإسلامي، وأن حكمها حكم الرجل في الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية، والثواب والعقاب، لأنها مزوّدة بكل العناصر التي تؤهلها للتكليف. ولذلك كانت المرأة مسؤولة عن إعلان الإسلام، وهي في ذلك تقف مع الرجل في مرتبة واحدة، وتعامل مثل معاملته، ومتى أعلنت إسلامها فنطقت بالشهادتين عصمت دمها ومالها إلا بحق الإسلام وحسابها على الله تعالى. والمنافقات من النساء كالمنافقين من الرجال، والمشركات منهن كالمشركين منهم، والكوافر منهن كالكفار منهم، يستقبلون جميعاً عند الله نصيبهم من العذاب، قال تعالى: {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} (الأحزاب: 73). وقال تعالى: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً * وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (الفتح: 5-6). فالنساء والرجال بين يدي أركان العقيدة والشريعة الإسلامية سواء، تكليفاً وجزاءً، ولولا تقرير الإسلام أن الصنفين مستويان من حيث العموم في تزويدهما بعناصر التكليف لما جعلهما الإسلام على صعيد واحد، ولما خاطبهما بخطاب واحد، تبشيراً أو إنذاراً، أو إرشاداً وموعظة. ولذلك قال علماء الإسلام: إن النصوص الإسلامية التي يوجه فيها الخطاب للرجال هي موجهة للنساء أيضاً، في كل الأحكام والعظات والتكاليف وأنواع التربية الإسلامية، ما لم يكن مضمون الخطاب مما يتعلق بخصائص الرجال التكوينية، وما لم يصرح في الخطاب بأنه خاص بالرجال دون النساء. هذا هو واقع المرأة في الإسلام، بينما نجد أمماً يُخرِجون المرأة عن مجال التكاليف الدينية، اعتقادية كانت أو عملية، ويجعلونها أشبه بالبهائم التي لا تعقل مسائل الدين ويحقرون تكوينها، وينزلون بها عن مرتبة الإنسانية التي كرمها الله بها، وإن أشبهت في الصورة تكوين الرجل، أو يجعلونها شيطانة إغراء وإغواء، أو دمية متعة وخدمة. ودعاة تحرير المرأة، الذين يحاولون دفعها إلى ما وراء الحدود الإسلامية إنما يخادعونها، ليهبطوا بها عن مرتبة الإنسان الذي كرّمه الله بالعقل والإرادة. وهدفهم من ذلك أن يقذفوا بها إلى سوق الرذيلة المشاعة لكل فاسق، ويزجوا بها في أتون الخدمة والعمل والكدح الشاق، لتكسب لقمتها وكساءها ومأواها، وهذا ما انتهت إليه حرية المرأة في كثير من البلاد التي تتحلى بشعارات تحرير المرأة، فقد أمست المرأة فيها لا تجد أباً ولا أخاً يعيلها متى غدت فتاة قادرة على الكسب، وساد عندهم شعور عام أنه من الواجب أن تخدم الفتاة في أي عمل، ولو بذلت فيه عفافها لأي طالب. وهذا ما يريدون أن يحولوا إليه المرأة المسلمة بدعاياتهم المضللة. إن المرأة المسلمة يحق لها أن تفخر بالمجد الذي كرمها الله به، فجعلها شقيقة الرجل في التكوين، وجعلها شقيقته في التكريم، ثم جعلها شقيقته في التكليف، وأخيراً فلها من الجزاء ثواباً أو عقاباً نظير ماله، قال الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (النحل: 97)(1). _______________________________ (1) للتوسع في الرد على هذه الشبهة ينظر: - كتاب أجنحة المكر الثلاثة، الشيخ عبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الميداني الدمشقي. - شبهات وإجابات حول مكانة المرأة في الإسلام، د. محمد عمارة. - المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام، الباحث علي بن نايف الشحود.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. اختلاط الجنسين أقوى وسائل العفة (5) أحمد ناجى إذا كنا نريد أن نبني حضارة قوية مُحَصَّنة من الاختراق والتخلف، حضارة لا تعاني الكبت والحرمان، فلا بد من أن نعطي المرأة الحق في أن تخالط الرجل في كل ميادين الحياة، وننحي الدين جانباً، هكذا فعل الغربيون المتقدمون بعد أن فكوا عقدة الكبت والحرمان، وهكذا يدَّعى دعاة تحرير المرأة، وأنصار نقل الحضارة الغربية إلى المجتمعات الإسلامية بكل ما فيها من خير وشر، ويدَّعي أحدهم أن اختلاط الجنسين أقوى وسائل العفة والصيانة، حيث أنه يُكْسِب كل منهما حصانة، كالتلقيح بمصل بعض الأدواء المعدية، والتسمم بميكروبها يكسب صاحبه مناعة تقيه من العدوى بوبائها. تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها بداية ينبغي أن نقرر أن مسألة اختلاط الرجل بالمرأة يتنازعها طرفان نقيضان، أحدهما يرى أن المرأة لا يجوز لها أن تخرج من بيتها إلا مرتان، الأولى من بيت أبيها إلى بيت زوجها، والثانية من بيت أبيها إلى قبرها، والآخر يرى أن للمرأة الحق المطلق في الخروج متى شاءت والاختلاط بمن شاءت دون قيد أو شرط، والنظام الإسلامي الوسط لا يقر هذين الطرفين على ما ذهبا إليه. اختلاط الجنسين بين الإفراط والتفريط إن الاختلاط المطلق بين الجنسين "الذكر والأنثى" من أكبر الدواعي الميسرة للفاحشة، الداعية للفجور والانحراف؛ ولهذا نهى الإسلام عن كل ما من شأنه أن يؤدى إلى هذا الاختلاط السافر، ومن ذلك أن الإسلام نهى عن سفر المرأة أياً كان نوعه إلا مع محرم لها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَومٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا"(1). وقد بلغ من تشديد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أن منع رجلاً من الخروج للجهاد وقد خرجت امرأته للحج وليس معها محرم، ففي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرَأَةٍ إلَّا وَمعهَا ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إلَّا مع ذِي مَحْرَمٍ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ امْرَأَتي خَرَجَتْ حَاجَّةً، وإنِّي اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قالَ: انْطَلِقْ فَحُجَّ مع امْرَأَتِكَ"(2). كما شدد الإسلام بصفة خاصة في منع الأقارب غير المحارم من الاختلاط بالمرأة الأجنبية عنهم لأن طبيعة الأقارب والصلة بينهم تقتضي كثرة الاختلاط والاتصال أي باختلاط الرجال الأقارب مع النساء القريبات جاعلين صلة القربى وسيلة وعندما يحصل الاتصال ليلاً أو نهاراً لحاجة أو دونما حاجة، فإنه قد يفضي إلى نزع جلباب الحياء، ثم يجر في النهاية إلى ما لا تحمد عقباه مثل قطع الرحم، أو الطلاق، أو الظنون السيئة، ففي الحديث: "إيَّاكم والدُّخولَ على النِّساءِ، فقالَ رجلٌ منَ الأنصارِ: يا رسولَ اللَّهِ أفرأيتَ الحموَ؟ قالَ: الحموُ: الموتُ"(3). فإذا كان الحمو وهو أخو الزوج وما شابهه في القرابة اعتبر دخوله على المرأة واختلاؤه بها بدون مَحرم غير جائز في الإسلام، فإن النهى عن الاختلاط بالرجال الأجانب آكد وألزم(4). وحتى في مجال العبادات التي ترتبط فيها النفوس بخالقها نهى الإسلام عن الاختلاط بين الرجال والنساء، فجعل صفوف النساء في الصلاة إذا حضرنها خلف صفوف الرجال وفى هذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجالِ أوَّلُها، وشَرُّها آخِرُها، وخَيْرُ صُفُوفِ النِّساءِ آخِرُها، وشَرُّها أوَّلُها"(5). يقول الإمام النووي رحمه الله: "وإنما فَضَّل آخر صفوف النساء الحاضرات مع الرجال لبعدهن عن مخالطة الرجال ورؤيتهم وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم ونحو ذلك، وذم أول الصفوف لعكس ذلك"(6). فإذا كان الإسلام قد نهى عن الاختلاط في مجال العبادة والتي تكون النفوس فيها مرتبطة بالله، فمن باب أولى ألا يبيح الإسلام الاختلاط بين الجنسين في النوادي والمدارس والمعاهد والكليات.. إلخ. الإسلام يحمي المرأة بتقنين الاختلاط إن الإسلام عندما وضع ضوابط لاختلاط المرأة بمجتمع الرجال الأجانب، كان مقصده حماية المرأة وحفظ حيائها وعفافها بالبعد عن عوامل الانحراف من ناحية، ومن ناحية أخرى يصون عِرضها من ألسنة المفترين المرجفين. بيد أن الغزو الفكري قد صنع في بلادنا قوماً يقتدون بالغرب أكثر من اقتدائهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فراحوا ينادون بالاختلاط على نحو ما عليه الحضارة الغربية. الاختلاط يهدد الغرب بالخراب والانهيار إن الغرب الذي يقتدي به هؤلاء يشكو اليوم من آثار هذا الاختلاط الذي أفسد بناته وبنيه على السواء، وأصبح يهدد حضارته بالخراب والانهيار، "ففي أمريكا والسويد وغيرهما من بلاد الحرية الجنسية، أثبتت الإحصاءات أن السعار الشهواني لم ينطفئ بحرية اللقاء والحديث، بل صار الناس كلما ازدادوا منه عَبَّاً ازدادوا عطشاً"(7). ولقد ظهر أثر الاختلاط الذي زالت به الحواجز بين الذكر والأنثى في هذه الحضارات فيما يلي: 1- انحلال الأخلاق وتفكيك الأسر: إن ضياع الأخلاق وطغيان السعار الشهواني لهو نتيجة طبيعية لضياع الحياء والعفاف الذي يصنعه الاختلاط المفتوح "غير المشروع" بين النساء والرجال، يقول الأستاذ "سيد قطب" رحمه الله مبيناً أثر الاختلاط في ضياع الأخلاق: "إن من حق الرجل كما أن من حق المرأة أن يطمئن كلاهما إلى رفيقه وألا يتعرض للإغراء الذي قد تنحرف معه عواطفه نحو شريكه، إن لم يقده الانحراف إلى الانزلاق والخطيئة مما يهدد ذلك الرباط المقدس ويطيرا عن جو الثقة الكاملة والاطمئنان. هذا الانحراف في العواطف والانزلاق إلى ما هو أبعد في كل يوم وكل لحظة في المجتمعات التي ينطلق فيها الاختلاط وتنطلق فيها المرأة متزينة متبرجة، وينطلق معها شياطين الفتنة والإغراء، وما تلج به ألسنة الببغاوات هنا وألسنة الشاردين هناك من أن الاختلاط يهذب المشاعر، ويصرف الطاقات المكبوتة، ويعلم الجنسين آداب الحديث وآداب المعاشرة ويزود بالتجربة التي تصون الزلل، وأن الاختبار (اختبار أحد الزوجين للآخر) القائم على التجربة الكاملة حتى في عنصر الخطيئة كفيل أن يمسك الشريكين كلا بصاحبه لأنه اختاره عن رضى وبعد تجربة يهدمه الواقع، واقع الانحرافات الدائمة والتحولات المستمرة في العواطف وتحطيم البيوت بالطلاق وغير الطلاق وانتشار الخيانات الزوجية المزدوجة في تلك المجتمعات، فأما خرافة التهذيب والتصريف النظيف باللقاء والحديث فليسألوا عنها نسبة الحبالى من تلميذات الثانوية الأمريكية وقد بلغت في إحدى المدارس 48%"(8). عقلاء الغرب ينادون بمنع الاختلاط وفى الوقت الذي ينادى فيه البعض عندنا بالاختلاط المفتوح بين النساء والرجال الأجانب نجد كثيراً من الكتاب الغربيين ينادون بمنع الاختلاط بين الجنسين، تقول الدكتورة "ايدايلين": "إن التجارب قد أثبتت عودة المرأة إلى الخيم هو الطريق الوحيد لإنقاذ الجيل الجديد من التدهور الذي يسير فيه"، وقد نشرت جريدة الجمهورية المصرية مقالاً لكاتبة أمريكية مختصة في شئون الأحداث دون العشرين، وقد زارت القاهرة وساءها ما رأته من اختلاط في المجتمع الإسلامي فكتبت تقول: "امنعوا الاختلاط قبل سن العشرين فقد عانينا منه في أمريكا الكثير، حيث أصبح المجتمع الأمريكي مجتمعاً معقداً مليئاً بكل صور الإباحية، والخلاعة وإن ضحايا الاختلاط والحرية قبل سن العشرين يملؤون السجون والأرصفة والبارات والبيوت السرية. إن الحرية التي أعطيناها لفتياتنا وأبنائنا الصغار قد جعلت منهم عصابات أحداث، وعصابات للمخدرات والرقيق(9). 2- انتشار الأبناء غير الشرعيين: إن انتشار الأبناء غير الشرعيين في المجتمع لهو ظاهرة لازمة لذوبان الحواجز الشرعية بين الرجال والنساء، وفي هذا تقول الكاتبة الإنجليزية "اللادي كوك": "إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا وها هنا البلاء العظيم على المرأة إلى أن قالت: علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكامن لهن بالمرصاد"(10). 3- انتشار الأمراض الفتاكة: لقد أدى الاختلاط "المفتوح" بين الجنسين في المجتمعات الغربية إلى انتشار الأمراض السرية والعصبية والعقلية تلك التي تدمر مئات الألوف من الضحايا. ونقول بعد هذا البيان: ماذا يريد دعاة الاختلاط لأبنائنا وبناتنا؟! _____________________________ (1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، ج4، ص 251. (2) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه كتاب "الحج" باب "سفر المرأة مع محرم وغيره"، ج2، ص978، ح (1341). (3) صحيح البخاري تحت رقم: 5232. (4) حماية الإسلام للمرأة، د. محمد بن سعد الشويعر، 1/55، وانظر: فتاوى معاصرة، د. يوسف القرضاوي، 1/286. (5) أخرجه الإمام مسلم في كتاب "الصلاة"، باب "تسوية الصفوف وإقامتها وفضل الأول فالأول منها"، 1/326. (6) شرح النووي على صحيح مسلم، 4/119. (7) مركز المرأة في الحياة الإسلامية، د. يوسف القرضاوي، 1/58. (8) السلام العالمي والإسلام، سيد قطب، 1/75:74. (9) كتاب "المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام"، المؤلف: محمد محمود الصواف، 1/ 228:227. (10) خطر مشاركة المرأة الرجل في ميدان عمله، الشيخ عبدالعزيز بن باز، 1/13.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. الإسلام ظلم المرأة عندما أباح تعدد الزوجات (6) أحمد ناجى لا يترك أعداء الإسلام في الغرب وأزلامهم في الشرق شاردة ولا واردة يظنون أنها تسيء إلى الإسلام إلا ألصقوها به، وشبهة اليوم ظن أصحابها أننا لن نستطيع أن نقف أمامها، خاصة أن التعدد كما يعتقدون جاء الأمر به في القرآن الكريم واستندوا في ذلك إلى قوله تعالى: (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ) (النساء: 3)، وادعى هؤلاء أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أباح تعدد الزوجات، وأنه نظام بدائي ينتقص من مكانة المرأة لصالح الرجل، وأنه بمثابة الأغلال والقيود التي تعوق حركتها، وتهضم حقوقها، وتهدر آدميتها، وأن تحريرها منه يعتبر خطوة في سبيل تقدمها. تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها تعدد الزوجات عبر التاريخ إن الإسلام لم يكن بدعاً عندما أباح تعدد الزوجات، حيث إن هذا الأمر كان معروفاً من قبل في عادات الشعوب والأديان السابقة، يقول الأستاذ عباس العقاد: "وينبغي أن ننبه إلى وهْم غالب بين الجهلاء والمتعجلين من المثقفين عن سنن الأديان في تعدد الزوجات قبل الإسلام، إذ الغالب على أوهامهم أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي أباح تعدد الزوجات، أو أنه أول دين أباحه بعد الموسوية والمسيحية وليس هذا بصحيح كما يبدو من مراجعة يسيرة لأحكام الزواج في الشرائع القديمة وفي شرائع أهل الكتاب"(1). ففي اليابان كان الرجل يتزوج زوجة شرعية فحسب لا يتزوج غيرها، ولكنه كان من حقه أن يعاشر عدداً من النساء في بيت آخر غير الذي تسكنه زوجته ويعتبر أولاده غير الشرعيين كأولاده الشرعيين سواء بسواء، وكان تعدد الزوجات أمراً معروفاً عند اليونان والرومان، وقد سمحت شريعة "ليكي" الصينية بتعدد الزوجات إلى مائة وثلاثين امرأة وكان عند أحد أباطرة الصين نحو من ثلاثين ألف امرأة(2). أما عن قدماء المصريين: فقد كان تعدد الزوجات مشروعاً لدى المصريين القدماء، حيث أخذ به وتمادى فيه فريق من الفراعنة الأثرياء وأواسط الناس وفقرائهم، وزعموا أن الآلهة تتزوج وتنجب وتعدد الزوجات، ولم يكن لتعدد الزوجات عندهم حد لا عند العامة ولا عند الملوك(3). وفي اليهودية أبيح التعدد بدون حد، والناظر إلى العهد القديم يتأكد له هذا التعدد وإباحته عند اليهود، وتنص التوراة على تعدد الزوجات وأنه مباح مأثور عن الأنبياء أنفسهم، يقول "نيوفلد" مؤلف كتاب الزواج عند العبرانيين الأقدمين: "إن التلمود والتوراة معاً قد أباحا التعدد، وإن قوانين البابليين وجيرانهم من الأمم التي اختلط بنو إسرائيل بها كانوا جميعاً على مثل هذه الشريعة في اتخاذ الزوجات والإماء"(4). وفي المسيحية: لم يرد نص صريح يمنع التعدد، بل جميع ما ورد في الأناجيل يشير إلى الإباحة في جميع الحالات إلا في حالة واحدة هي حالة الأسقف حين لا يطيق الرهبانية فيقنع بزوجة واحدة اكتفاءً بأهون الشرور، وقد ثبت تاريخياً أن من بين المسيحيين الأقدمين من كانوا يتزوجون أكثر من واحدة، ومن آباء الكنيسة من كان له كثير من الزوجات، وقد كان في أقدم عصور المسيحية من يرى إباحة تعدد الزوجات في أمكنة مخصوصة وأحوال استثنائية(5). أما العرب في الجاهلية فقد كان تعدد الزوجات معروفاً وشائعاً عندهم، ولم تكن له ضوابط معينة، ولا حدود معروفة، ومما يدل على ذلك ما جاء أنَّ غَيلانَ بنَ سَلَمَةَ الثقَفِيَّ أسلَم وتَحتَه عَشرُ نِسوَةٍ فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم "اختَرْ مِنهُنَّ وفي لفظٍ أَمسِكْ مِنهُنَّ أربعًا وفارِقْ سائِرَهُنَّ"(6). وهكذا يتبين أن الإسلام لم يأت ببدعة فيما أباح من تعدد الزوجات. الإسلام أباح تعدد الزوجات لحكمة باستقراء المقاصد الشرعية للإسلام نجد أن الشريعة الإسلامية لا تُحِل إلا الطيب النافع، ولا تُحرِم إلا الخبيث الضار وهذا ما عبر عنه القرآن الكريم في وصف النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ) (الأعراف: 157)، فكل ما أباحته الشريعة فلا بد أن تكون منفعته خالصة أو راجحة وكل ما حرمته الشريعة فلابد أن تكون مضرته خالصة أو راجحة، وهذا ما راعته الشريعة في تعدد الزوجات، فقد وازنت بين المصالح والمفاسد والمنافع والمضار، ثم أذنت به لمن يحتاج إليه بشرط أن يكون واثقاً من نفسه برعاية العدل غير خائف عليها من الجور والميل"(7). ويمكن أن نحصر الحكمة من إباحة الإسلام للتعدد فيما يلي: - المصلحة الاجتماعية وتظهر هذه المصلحة في حالتين لا ينكر أحد وقوعهما: 1- عند زيادة عدد النساء على عدد الرجال في الأحوال العادية. هناك حالات واقعية في مجتمعات كثيرة تبدو فيها زيادة عدد النساء الصالحات للزواج على عدد الرجال الصالحين للزواج، وفي هذه الحالة يكون التعدد علاجاً أخلاقياً واجتماعياً، وهو أفضل بكثير من تسكع النساء الزائد عددهن عن عدد الرجال في الطرقات لا عائل لهن ولا بيت يؤويهن، ولا يوجد إنسان يحترم استقرار النظام الاجتماعي يفضل انتشار الدعارة على تعدد الزوجات، إلا أن يكون صاحب هوى، كأن يكون رجلاً أنانياً يريد أن يشبع غريزته الجنسية دون أن يُحَمِل نفسه أي التزامات أدبية أو مادية نحو من يتصل بهن(8). وحول هذا المعنى قال العلامة القرضاوي رحمه الله: "قد يكون عدد النساء الصالحات للزواج أكثر من عدد الرجال القادرين عليه وهنا تكون مصلحة المجتمع، ومصلحة النساء أنفسهن في أن يكن ضرائر بدلاً من أن يعيشن العمر كله عوانس محرومات من الحياة الزوجية. إنها إحدى طرائق ثلاث أمام هؤلاء الزائدات عن عدد الرجال القادرين على الزواج، لا طريقة غيرهن: - فإما أن يقضين العمر كله في مرارة الحرمان من الحياة الزوجية والأمومة، وهي عقوبة قاسية لهؤلاء، وهن لم يقترفن جُرماً. - وإما أن يرخى لهن العنان ليركضن وراء شهواتهن، ويرضين أن يكن أدوات لهو لعبث الرجال المفسدين، الذين يأكلوهن لحما ويرمونهن عظماً بعد أن تذهب نضرتهن وشبابهن. - وإما أن يباح لهن الزواج برجل متزوج قادر على النفقة والإحصان، واثق من نفسه بالعدل كما أمر الله تعالى. ولا ريب، أن هذه الطريقة الأخيرة هي الحل العادل الأمثل، والبلسم الشافي وذلك هو ما حكم به الإسلام (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة: 50). وهكذا يتبين أن تعدد الزوجات نظام واقعي جاء مطابقاً لواقع المجتمع الذي يزيد فيه عدد النساء على عدد الرجال في أغلب الأحوال(9). 2- عند قلة الرجال عن النساء نتيجة الحروب. وإذا أضفنا إلى ما سبق تعرض الرجال لكثير من المهالك والأخطار لتحملهم أعباء الحرب وشئون الكدح في الحياة تأكد لنا أن الذكور أكثر تعرضاً للقلة من الإناث، وحسبنا أن نعلم أن عدد من قتل من الشباب في الحرب العالمية الثانية قد بلغ زهاء عشرين مليوناً على حين أن من قتل من النساء لأمور متصلة بالعمليات الحربية لا يتجاوز بضعة آلاف، وإذا صح هذا بالنسبة للأمم المتحضرة، فهو أصح في غيرها إذ تقل وسائل الوقاية والعلاج وتكثر فرص الحروب، وتشتد حدة الكدح، ويزيد عدد الضحايا من الرجال"(10). نظام التعدد والأخلاق إن نظام التعدد - كما شرعه الإسلام - نظاماً أخلاقياً، لأنه لا يسمح للرجل أن يتصل بأي امرأة شاء، وفي أي وقت شاء، إنه لا يجوز له أن يتصل بأكثر من ثلاث نساء زيادة عن زوجته ولا يجوز له أن يتصل بواحدة منهن سراً، بل لا بد من إجراء العقد وإعلانه، ولا بد أن يعلم أولياء المرأة بهذا الاتصال المشروع، ويستحب أن يولم الرجل عليه، وأن يدعو لذلك أصدقاءه مبالغة في الفرح والإكرام"(11). فأين هذا من التعدد الواقع في حياة الغربيين؟ "إنه واقع من غير شرع ولا قانون.. إنه لا يقع باسم الزوجات، ولكن يقع باسم الصديقات والخليلات، إنه ليس مقتصراً على أربعة فحسب، بل هو إلى ما لا نهاية له من العدد، إنه لا يقع علناً تفرح به الأسرة، ولكن سراً لا يعرف به أحد، إنه لا يُلزم صاحبه بأية مسؤولية مالية نحو النساء اللاتي يتصل بهن، بل حسبه أن يلوث شرفهن ثم يتركهن للخزي والعار والفاقة. إنه لا يلزم صاحبه بالاعتراف بما نتج عن هذا الاتصال من أولاد، بل يعتبرون غير شرعيين يحملون على جباههم خزى السفاح والعار ما عاشوا. إنه تعدد خال من كل تصرف أخلاقي، أو يقظة وجدانية أو شعور إنساني، إنه تعدد تبعث عليه الشهوة والأنانية ويفر من تحمل كل مسئولية، مما جعل المنصفين من الغربيين في أوائل هذا القرن ينادون بأن منع تعدد الزوجات بالطرق الشرعية ينشأ عنه تشرد النساء، وانتشار الفحشاء وكثرة الأولاد غير الشرعيين، وأعلنوا أنه لا علاج لذلك إلا السماح بتعدد الزوجات(12). 3- المصلحة الشخصية. أما المصلحة الشخصية فإنها تعود إلى مصلحة الشخص بالذات وهي كثيرة منها: - أن تكون الزوجة عقيمة لا تلد والرجل يرغب في الذرية. - قد يحدث أن تصاب الزوجة بمرض عضال يقعدها عن واجباتها. - أن يكون عند الرجل من القوة الجنسية ما لا يكتفى معها بزوجته(13). ثناء المفكرين الغربيين على التعدد: هذه بعض أقوال مفكري الغرب الذين بحثوا في هذا الموضوع واعترفوا بحكمة الإسلام في تشريع التعدد: يقول د. جراهام: إن الإسلام يُعد ديناً شريفاً يسمح للمسلم أن يتزوج زوجة ثانية علناً ويُحرم عليه اتخاذ أية عشيقة سراً، وإنما ذلك لبقاء المجتمع الإنساني طاهراً من الناحية الخلقية. ويقول المفكر الإنجليزي ويلز: إن نظام تعدد الزوجات صان الممالك الإسلامية من نساء نبذهن المجتمع، صرن يتجولن في شوارع باريس ولندن ولا ريب أن نظام تعدد الزوجات المحكم خير ألف مرة من ارتباط المرأة برجال لا يحصيهم العدد وشتان بين زوج وعشيق. ويقول المفكر الإنجليزي الشهير برنارد شو: إن أوربا لو أخذت بنظام تعدد الزوجات في الإسلام لوفرت على شعوبها كثيراً من أسباب الانحلال والسقوط الخلقي والتفكك العائلي(14). فهل يجوز بعد هذا البيان لأحد أن يعترض على إباحة الإسلام لتعدد الزوجات، أو يقول: إن الإسلام ظلم المرأة عندما أباح التعدد؟! ____________________________ (1) حقائق الإسلام وأباطيل خصومه – المؤلف: عباس محمود العقاد – 1/131. (2) المرأة بين الفقه والقانون – المؤلف: د. مصطفى السباعي – 1/71. (3) بتصرف من كتاب: محاسن تعدد الزوجات – المؤلف: هاشم بن حامد الرفاعي 1/13 (4) بتصرف من كتاب: المرأة المسلمة وفقه الدعوة – المؤلف: د. علي عبد الحليم محمود – 1/393. (5) بتصرف من كتاب: "المرأة بين الفقه والقانون" – د. مصطفى السباعي – 1/72. (6) أخرجه الترمذي (1128)، وابن ماجه (1953)، وأحمد (4609) باختلاف يسير. (7) بتصرف من كتاب: "مركز المرأة في الحياة الإسلامية" - د. يوسف القرضاوي – 1/ 134،133. (8) المرأة بين الفقه والقانون – د. مصطفى السباعي – 1/81. (9) مركز المرأة في الحياة الإسلامية – د. يوسف القرضاوي – 1/125:124. (10) مشكلات المجتمع المصري – د. علي عبد الواحد وافي – 1/62:61. (11) المرأة بين الفقه والقانون – د. مصطفى السباعي – 1/93. (12) المرأة بين الفقه والقانون – د. مصطفى السباعي – 1/95:94. (13) تعدد الزوجات - هاشم بن حامد الرفاعي – 1/30. (14) جريدة العالم الإسلامي ص 12 عدد 3 شعبان سنة 1413هـ - 25 يناير سنة 1993م.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. قوامة الرجل تمييز ضد المرأة (7) أحمد ناجى شبهة جديدة يثيرها المرجفون في مجال التشريع الإسلامي حول المرأة والقوامة التي جعلها الإسلام من حق الرجال على النساء، وزعموا أن هذه الآية الكريمة (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) (النساء: 34)، فيها إهانة للمرأة وتمييز للرجل عليها، وأنه يتعالى عليها في كل صغيرة وكبيرة، فلا حول لها ولا قوة أمام إرادته وجبروته! إنها فتنة جديدة يثيرها هؤلاء المرجفون في قنواتهم المشبوهة وصحفهم الصفراء ومواقع التواصل التي امتلأت بقاذوراتهم، ولو كان الأمر بيد هؤلاء المرجفين لحرَّفُوا القرآن وبدلوه ليجعلوا من أوهامهم في مساواة النساء بالرجال مساواة مطلقة حقيقة وواقعاً. تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها ولبيان بطلان هذه الشبهة لا بد أن نقف عند عدة أمور تُعتبر من البديهيات في تنظيم التشريع الإسلامي لعلاقة الرجل بالمرأة على النحو التالي: 1- إن ميزان الإسلام في التفضل بين الناس هو تقوى الله تعالى، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)، وهذه حقيقة لا تحتمل الشك أو الجدل، فأيما امرأة أكثر إيماناً وطاعة لله تعالى لا جرم أنها خير وأفضل من صفوف مرصوصة من الرجال الخاوية قلوبهم، الخالية من الإيمان والتقوى السادرة في الضلال الباطل(1). 2- قرر الإسلام أن بيت الزوجية يقوم على المحبة والمودة والسكن فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21)، ومع ذلك لم يترك الأمور هكذا هملاً إذ لا بد لهذه السفينة من قائد يقودها ويتولى أمرها وقاعدة الإسلام أنه إذا كان ثلاثة في سفر فلا بد أن يؤمِروا عليهم أحداً منهم، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا خرجَ ثلاثةٌ في سفَرٍ فليؤمِّروا أحدَهُم"(2)، والأمير فيهم أكثر تبعة ومسؤولية، وأقلهم استفادة بإمارته(3). 3- الواقع يثبت أن الرياسة ضرورية لكل مجتمع من المجتمعات -قل ذلك المجتمع أو كثر- وليس من الحكمة أن يُترك مجتمع دون أن يعرف له رئيس يرجع إليه في الرأي وعند الاختلاف وفى مهام الأمور، وإذا تصور مجتمع على هذا النحو ليس له محور يدور حوله ويعتصم به، فهو مجتمع مآله حتماً إلى السقوط والانحلال، مجتمع صائر لا محالة إلى الفوضى والاضطراب بالتنازع والتضارب وتناقض الرغبات، وبذلك ينقلب المجتمع رأساً على عقب تتفكك وحداته وتتناثر لبناته(4). 4- إن الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي المؤسسة الأولى في الحياة الإنسانية، الأولى من ناحية أنها نقطة البدء التي تؤثر في كل مراحل الطريق، والثانية من ناحية الأهمية، لأنها تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون في التصور الإسلامي، وإذا كانت المؤسسات الأخرى الأقل شأنا والأرخص سعراً كالمؤسسات المالية والصناعية والتجارية وما إليها لا يوكل أمرها –عادة- إلا لأكفأ المرشحين لها ممن تخصصوا في هذا الفرع عملياً، ودربوا عليه عملياً فوق ما وهبوا من استعدادات طبيعية للإدارة والقوامة، إذا كان هذا الشأن في المؤسسات الأقل شأناً والأرخص سعراً فأولى أن تتبع هذه القاعدة في مؤسسة الأسرة التي تنشئ أثمن عناصر الكون.. العنصر الإنساني"(5). ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول: إن قوامة الرجل على المرأة والبيت لا تؤثر على مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، كما يزعم هؤلاء المرجفون؛ وذلك لأن الإسلام حين قررها وجعلها حقاً للرجل، إنما كان في ذلك معتمداً على عدة أمور، من أهمها: 1- مراعاة الفطرة والاستعدادات الموهوبة لكل من الرجل والمرأة: فمن المُسَلَم به ابتداء أن الرجل والمرأة كلاهما من خلق الله، وأن الله تعالى لا يريد أن يظلم أحداً من خلقه وهو يهيئه ويعده لوظيفة خاصة، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة، وقد خلق الله الناس ذكراً وأنثى وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتصال بينها وبين الرجل، وهي وظائف ضخمة أولاً وخطيرة ثانياً، وليست هينة ولا يسيرة بحيث تؤدى بدون إعداد عضوي ونفسى وعقلي عميق غائر في كيان الأنثى، فكان عدلاً كذلك أن ينوط بالشطر الثاني -الرجل– توفير الحاجات الضرورية، وتوفير الحماية كذلك للأنثى، كي تتفرغ لوظيفتها الخطيرة، ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل، ثم تعمل وتكد وتسهر لحماية نفسها وطفلها في آن واحد. وكان عدلاً أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينه على أداء وظائفه هذه، وأن تمنح المرأة في تكوينها العضوي والعصبي والعقلي والنفسي ما يعينها على أداء وظائفها تلك(6). ومن هنا فقد زود الله تعالى المرأة بالخصائص التي تمكنها من أداء وظيفتها في الحياة، كما زود الرجل بالخصائص التي تمكنه من أداء رسالته في رعاية شؤون الأسرة وإدارتها. إن تقسيم الوظائف الفطرية بين الرجل والمرأة يستند إلى تعليلات معقولة مشاهدة الآثار حيث إن الوضع الطبيعي للمرأة أن تقوم على رعاية البيت وتدبير شئون الأولاد وحضانتهم بما عُرف عنها من طبع لطيف وعاطفة رقيقة فياضة يسهل معها أن تنزل إلى مستوى أبنائها، فتفكر بعقولهم وتملأ أرواحهم أملاً وإشراقا وتسعد قلوبهم مودة وصفاء، وتنمى أحاسيسهم الطفولية، فإذا ما كبروا تناولتهم يد الأب ليأخذوا عنه تجارب الحياة ويتحملوا بأسها بقوة وإرادة وتدبير سليم(7). إلى جانب هذا فإن المرأة تتوق نفسها إلى وجود الرجل القوام عليها؛ ولذا نراها تشعر بالحرمان والنقص والقلق وقلة السعادة عندما تعيش مع رجل لا يزاول حقيقة مهام القوامة، وتنقصه صفاتها اللازمة، فيكل إليها هي القوامة، وهي حقيقة ملحوظة تُسلم بها حتى المنحرفات الخابطات في الظلام"(8). ومن هنا يتبين أن الخصائص النفسية والفطرية المزود بها كل من الرجل والمرأة بصفة عامة تؤهل الرجل بشكل أمثل لتحمل مسئوليات إدارة شئون الأسرة، والقيام على رعايتها والتصدي لزعامتها، والتفكير الدائم بشئونها وتوجيه الأمر والنهى لأعضائها، وإحكام حبات عقدها، والربط فيما بينها بنظام متين من التعاطف والمودة والعدل، وفى مقابل الخصائص التي تؤهل الرجل بصفة عامة لهذه الأمور تأهيلاً أمثل، جاءت خصائص المرأة بشكل عام تحبب إليها أن تجد لدى الرجل ملجأ وسنداً وقوة وإرادة واستقرار عاطفة وحكمة فى تصريف الأمور، وترى في الانضواء إليه أُنسها وطمأنينتها وأمنها وصلاح بالها وراحتها من أعباء المسئوليات الجسام، ولعل هذا هو ما أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ)(9). 2- مراعاة الجانب المادي: وهو الذي أشارت إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: (وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، فالرجل هو المسؤول في التشريع الإسلامي عن الإنفاق على الأسرة، والبحث عن موارد رزقها خارج البيت من مأكل ومشرب وملبس وهو الذي يدفع المهر ويجهز البيت ويهيئ موارده ومفرداته. فإذا كان الرجل هو المسئول عن الإنفاق على الأسرة فمن حقه أن تكون له رئاسة الأسرة جريا على القاعدة المُسَلَم بها "الغنم بالغرم"، وإلا فليس من العدالة في شيء أن يكلف فرد بالإنفاق على هيئة ما بدون أن تكون له القوامة عليها والإشراف على شؤونها(10). 3- مراعاة الناحية الفكرية: لدى أهل الفكر في مسألة القوامة داخل الأسرة مجموعة من الاحتمالات: الأول: أن يكون الرجل هو القيم في الأسرة باستمراره. الثاني: أن تكون المرأة هي القيم في الأسرة باستمرار. الثالث: أن يكون كلّ من الرجل والمرأة قيماً على سبيل الشركة المتساوية. الرابع: أن يتناوبا القوامة وفق قسمة زمنية. الخامس: أن يتقاسمها القوامة، بأن يكون لكل منهما اختصاصات يكون هو القيم فيها(11). أما الشركة في القوامة سواء أكانت عامة أو على سبيل التناوب الزمني، أو كانت على سبيل الاختصاصات فإنها ستؤدى حتماً إلى الفوضى والتنازع ورغبة كل فريق بأن يعلو على صاحبه ويستبد به ما لم يكن ذلك برأي صاحب القوامة الفرد وطوعه واختياره وبدافع من التفاهم والتواد بين الزوجين. وقد أيدت تجارب المجتمعات الإنسانية فساد الشركة في الرياسة، ولذلك نلاحظ تركيز المسئولية الكبرى في رئيس واحد لدى أي نظام اجتماعي من الأنظمة التي عرفها الناس، وأما إسناد القوامة إلى المرأة دون الرجل، فهو قلب الأوضاع حيث ينافي ما تقتضيه طبيعة التكوين الفطري للمرأة، وهو يؤدي حتماً إلى اختلال ونقص في الحياة الاجتماعية لما فيه من عكس لطبائع الأشياء فلم يبق إلا الاحتمال الأول وهو أن يكون الرجل القيم في الأسرة(12). ومما يجدر ذكره هنا أن قوامة الرجل على المرأة لا تعنى أبدا منح الرجل حق القهر أو الاستبداد بالمرأة، أو أنها سبب خسران ودونية للمرأة تهون من كرامتها أو تغض من شخصيتها، كلا بل هي قوامه رحيمة مبنية على المودة والرحمة وتَحَمُل المسئولية والتكاليف لجلب الخير والمصلحة للمرأة في مختلف أحوالها(13). فهل يحق لهؤلاء المرجفين بعد هذا البيان أن يدَّعوا أن القوامة تمييز ضد المرأة؟! __________________________________ (1) بتصرف من كتاب: "افتراءات على الإسلام والمسلمين" – المؤلف: د. أمير عبد العزيز – 1/84. (2) أخرجه أبو داود (2608)، والطبراني في (المعجم الأوسط) (8093)، والبيهقي (10651) (3) بتصرف من كتاب: "عمل المرأة في الميزان" – المؤلف: د. محمد على البار – 1/47. (4) الإسلام عقيدة وشريعة – الشيخ: محمود شلتوت – 1/ 157، 158. (5) في ظلال القرآن – الأستاذ: سيد قطب - 2/650. (6) في ظلال القرآن الكريم – الأستاذ/: سيد قطب – 2/650. (7) بتصرف من كتاب "عمل المرأة في الميزان" – د. محمد على البار – 1/49. (8) في ظلال القرآن – الأستاذ: سيد قطب – 2/651. (9) أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها – عبد الرحمن حسن حبنكة – 1/ 602 (10) حقوق الإنسان في الإسلام – د. علي عبد الواحد وافي – 1/103. (11) أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها - عبد الرحمن حسن حبنكة – 1/603. (12) بتصرف من كتاب: أجنحة المكر الثلاثة وخوافيها - عبد الرحمن حسن حبنكة – 1/600. (13) انظر: كتاب "قضايا المرأة بين التقاليد الراكدة والوافدة – الشيخ محمد الغزالي – 1/166.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. دية المرأة نصف دية الرجل.. لماذا؟!(9) أحمد ناجى يخطو المرجفون خطوة أخرى مع الشيطان فيقولون: إن من أساليب اضطهاد المرأة وظلمها في التشريع الإسلامي مسألة الدية، فهي كذلك على النصف من دية الرجل فهي مظلومة حية وميتة، مظلومة حية لأنها تأخذ نصف ما يأخذه الرجل في الميراث، ومظلومة ميتة لأنها إذا قُتلت خطأ بيعت أو بيع دمها بنصف الثمن الذي يباع به دم الرجل إذا قتل كذلك خطأ(1)! تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها منشأ هذا الافتراء الجهل أو العناد لا شك أن منشأ هذا الافتراء إما الجهل وإما العناد، فالجاهل يعتقد أن التفرقة في الدية مثل التفرقة في الإرث الأساس فيهما احتقار الإسلام للأنوثة من حيث هي أنوثة؟ وإكرام الذكورة من حيث هي ذكورة، ومثل هذه النظرة تحجب عن أصحابها جوهر الحقيقة وتعميهم عن الفقه الصحيح لعلل الأحكام، وإذا كان الجهل هو السبب فالخطب يسير لأن الجاهل سرعان ما يعدل عن خطئه إذا ظهر له الحق، أما العناد فلا يفيد معه شيء، وإذا رجعنا إلى دراسة هذه المسألة في مصادر التشريع الإسلامي وفي مصنفات الفقهاء نجد أن العلماء انقسموا فيها إلى مذهبين مشهورين وإن لم يكونا على درجة واحدة من الشهرة والاعتقاد، وهما على النحو التالي: دية المرأة المسلمة الحرة نصف دية الرجل المسلم الحر المذهب الأول: في حالة القتل الخطأ فإن دية المرأة المسلمة الحرة نصف دية الرجل المسلم الحر، وهذا هو مذهب الصحابة رضي الله عنهم، ومذهب جمهور العلماء من بعدهم. المذهب الثاني: يرى بعض العلماء أن دية المرأة المسلمة الحرة مثل دية الرجل المسلم الحر، واستدلوا على ذلك بأثر قال فيه الجمهور إنه شاذ ويميل الشيخ محمود شلتوت إلى تساوى الديتين(2). ولقد توصل الباحث مصطفى عيـد الصياصنة بعد بحث دقيق إلى ترجيح المذهب الثاني، فقال: "من دراستنا الموسعة والمستفيضة لمسألة دية المرأة في الكتاب والسُّنة، والآثار الواردة عن بعض أفراد الصحابة والتابعين، إضافة إلى معالجتنا لطبيعة دعوى الإجماع والقياس، بخصوص هذه المسألة، فإننا نستطيع القول، وبكل الاطمئنان والثقة: إن دية المرأة على مثل دية الرجل سواء بسواء وذلك لتضافر الأدلة والمرجحات، التي تؤكد هذه الحقيقة، وهي مجموعة أدلة ومرجحات يمكن إجمالها في الآتي: 1- أن الآية الكريمة التي أثبتت مشروعية الدية في القرآن شملت بإجماع الفقهاء والمفسرين الرجل والمرأة على حد سواء، ولم تفرق بينهما بشيء: (وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ) (النساء: 92)، ولم يثبت في السنة المطهرة حديث واحد صحيح صريح، يدل على تنصيف دية المرأة، فقد احتجوا بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، الذي يقول: (دية المرأة على النصف من دية الرجل)(3)، وقد حكم العلماء بضعفه؛ فتبين من ذلك، أن قولهم بتنصيف دية المرأة، لا يعتمد على حديث صحيح بالمرة، وهذه كتب السنة بين أيديهم فإن وجدوا فيها حديثاً صحيحاً صريحاً - واحداً فقط - يقول بتنصيف دية المرأة رجعنا إلى قولهم، وإن لم يجدوا - ونحن متأكدون أنهم لن يجدوا - فالحق أولى أن يتبع، والدليل أجدر وأحق أن يُقتفى، وليس في الآثار الواردة عن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، أثر واحد صحيح صريح، ينص على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، وقد وقفنا عليها واحداً واحداً، وعالجنا أسانيدها، ولمسنا ما هي عليه من الضعف والوهي، وما قاله العلماء المحققون في توهينها والحكم بردها، فتبين لنا من ذلك كله، أن القول بتنصيف دية المرأة لا يعتمد ولو على أثر واحد صحيح منقول عن الصحابة، فكيف بعامتهم ينسب إليهم أنهم قضوا بنحو ذلك؟! القول بتنصيف دية المرأة ادعاء لا يقوم على دليل إن ادعاء الإجماع على تنصيف دية المرأة، إنما هو مجرد دعوى لا أكثر، إذ هو منقوض بالآتي: - عدم وجود نقل صحيح ثابت عن حصول مثل هذا الإجماع، ومتى كان وممن كان. - تعذر إجماع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين -بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وفي أواخر العصر الأول- على شيء من ذلك، لكثرتهم أولاً ولتفرقهم في الأمصار المتباعدة ثانياً، ولصعوبة الاتصال بهم ثالثاً، ولقد تبين لنا أنه لم يثبت عن بعض أفراد الصحابة أنهم قالوا بذلك، فكيف يمكن إذن أن يقال باجتماعهم جميعاً عليه؟ - نقض دعوى انعقاد إجماع العلماء على تنصيف دية المرأة، بوجود المخالف، الذي يعتد بمخالفته، ويرجع إلى اجتهاده... وابن حزم ومن ورائه المدرسة الظاهرية.. فقد قال هؤلاء بمساواة دية المرأة بدية الرجل في النفس والأعضاء وأن الأحاديث الصحيحة التي وردت في الدية، إنما جاءت شاملة للرجال والنساء دون تمييز، وكذلك الأحاديث الواردة في الجراحات: "وفي النفس المؤمنة مئة من الإبل، وفي العين خمسون وفي اليد خمسون، وفي الرجل خمسون.." (4)، فإذا كان الرجل يُقتل بالمرأة، ويُقاد بها عيناً بعين وأذناً بأذن، وسناً بسن، ويُقتص لها منه في كل الجراحات فما الذي يمنع من أن تكون ديتها كديته؟ ومن الغريب أن النصوص صريحة في عدم قتل المسلم بالكافر، وفيها أن دية الكافر الكتابي على النصف من دية المسلم، ومع ذلك لم يأخذوا بها وقالوا بخلافها، في حين لم يثبت حديث واحد صحيح يصرح بتنصيف دية المرأة، ومع ذلك تمسكوا بهذا القول ولا دليل معه"(5). رأي الإمام القرضاوي في هذه المسألة وقد أكد الإمام القرضاوي ما توصل إليه هذا الباحث فقال: "وأما الدية فليس فيها حديث متفق على صحته، ولا إجماع مستيقن.. وإذا لم يصح حديث في القضية يُحتج به، فكذلك لم يثبت فيها إجماع.. بل ذهب ابن علية والأصم -من فقهاء السلف- إلى التسوية بين الرجل والمرأة في الدية، وهو الذي يتفق مع عموم النصوص القرآنية والنبوية الصحيحة وإطلاقها، ولو ذهب إلى ذلك ذاهب اليوم، ما كان عليه من حرج.. وهو ما ذهب إليه شيخنا الشيخ محمود شلتوت في كتابه "الإسلام عقيدة وشريعة" حيث قال تحت عنوان "دية الرجل والمرأة سواء": "وإذا كانت إنسانية المرأة من إنسانية الرجل، ودمها من دمه، والرجل من المرأة والمرأة من الرجل، وكان "القصاص" هو الحُكم بينهما في الاعتداء على النفس، وكانت جهنم والخلود فيها، وغضب الله ولعنته، هو الجزاء الأخروي في قتل الرجل، فإن الآية في قتل المرأة خطأ، هي الآية في قتل الرجل خطأ، ونحن ما دمنا نستقي الأحكام أولاً من القرآن، فعبارة القرآن في الدية عامة مطلقة لم تخص الرجل بشيء منها عن المرأة: (وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ إِلَّا أَن يَصَّدَّقُوا) (النساء: 92)، وهو واضح في أنه لا فرق في وجوب الدية بالقتل الخطأ بين الذكر والأنثى. الحكمة في هذه التفرقة وإذا ثبت أن المعتمد في دية الحرة المسلمة إذا قُتلت خطأ أنها تكون نصف دية المسلم الحر فليست هذه التفرقة لتفضيل الذكورة على الأنوثة كما يشيع المرجفون بل لحكمة يُقدرها الشارع حق قدرها وهي أن الدية نوع من التعويضات، والتعويضات يكون الأساس العادل في تقديرها هو حجم الضرر الواقع على الغير، والضرر الذي يصيب الأسرة بقتل عائلها وهو الرجل غير الضرر الذي يصيبها إذا كان المجني عليه هو المرأة (الأم) أو غيرها. فعند قتل الأم خطأ لا تضار الأسرة في مصادر رزقها وكل ما في الأمر هو فقدان مشاعر الأمومة وخدمتها ورعايتها للأبناء أما مصدر رزقها فقائم لم يمس، وإذا كان المجني عليه هو "الأب" أصيبت الأسرة بضرر بالغ في مصدر رزقها وتعرضت للفاقة والحرمان وتدبير أمور المعاش لذلك كان مقدار دية المرأة هو النصف من دية الرجل. فالإسلام، إذن، لا يفرق بين الرجل والمرأة في مثل هذه الأحوال لأن إنسانية الرجل أعلى قدرا ًمن إنسانية المرأة، بل كل منهما في أصل الإنسانية سواء لا فرق بين هذا وتلك. هذا في القتل الخطأ أما إذا كان القتل عمداً عدواناً فقتل القاتل واجب قصاصاً عادلاً لا فرق بين أن يكون المقتول ذكراً أو أنثى ما لم يعف أولياء الدم عن القاتل عفواً مطلقاً أو مع أخذ الدية بدلاً من القصاص عند من يجيزه من الأئمة، ولو كان الإسلام يُفرق بين الرجل والمرأة من حيث الرجولة المجردة عن أي اعتبار، ومن حيث الأنوثة المجردة عن أي اعتبار، لكانت تللك التفرقة ملازمة لهما في جميع الأحوال وهذا ما لا وجود له في التشريع الإسلامي القائم على العدل والحكمة والرحمة، ولكن المرجفين لا يكادون يفقهون حديثاً أو هم كما قال رب العزة: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) (النحل: 82). ___________________________________ (1) انظر: "المرأة في عصر الرسالة بين واقعية الإسلام وأوهام المرجفين" – المؤلف: د. عبد العظيم المطعني – 1/ 149. (2) "المرأة في عصر الرسالة بين واقعية الإسلام وأوهام المرجفين" – المؤلف: د. عبد العظيم المطعني – 1/ 150. (3) المصدر: إرواء الغليل - الصفحة أو الرقم: 2250 | خلاصة حكم المحدث: ضعيف (4) صحيح: أخرجه مالك في الموطأ، كتاب العقول، باب ذكر العقول، (3139)، والنسائي في المجتبى، كتاب القسامة، ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول واختلاف الناقلين له (4857)، وصححه الألباني في الإرواء (2248). (5) انظر كتاب: "دية المرأة، في ضوء الكتاب والسنة (تمام) دية المرأة، وتهافت دعوى التنصيف" - مصطفى عيـد الصياصنة – 1/145.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. تأديب المرأة سلاح جديد في يد الرجل! (10) د. أحمد ناجي أباح الإسلام للزوج أن يؤدب زوجته إذا استحقت التأديب وقد جاء في هذه الإباحة قوله تعالى: (وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء: 34)، وقد فتح الشيطان باباً واسعاً من اللغو والتطاول والامتعاض أمام أدعياء نصرة المرأة ودعاة تحريرها يقولون أما يكفى فى ظلم المرأة وانتقاص كرامتها الحيف الذي وقع عليها من قبل وحرمانها من حقوق كثيرة في الميراث وفي الدية وفي إدارة البيت والحبس فيه؟! أما يكفي ذلك حتى يضع الإسلام السكين في يد الزوج ويقول له: هلم اذبح امرأتك إذا شئت؟، لما هذا كله؟ ألانها "أنثى" أين العدل والمساواة يا ترى؟ ومن ينقذ النساء من هذا الواقع المشئوم؟ ([1]) تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها عندما نستعرض النصوص التي ورد فيها إباحة تأديب المرأة نجد أن القرآن الكريم أشار إلى ذلك في قوله تعالى: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء: 34). ونلحظ في الآية الكريمة مدحها للمرأة الصالحة التي تقوم على شأن بيتها بالمعروف، وكذلك الترتيب في مراحل تأديب المرأة المقصرة في حق زوجها وبيتها والتي تبدأ بالوعظ، وذلك بتذكيرها بثواب الله لها إن أطاعت زوجها، والتحذير من غضب الله إن عصت زوجها، فإذا انزجرت به لم يجز للزوج أن يتجاوزه إلى غيره، فإن لم يجد ذلك نفعاً انتقل إلى المرحلة الثانية وهي أن يهجرها في مضجعها. والتشريع الإسلامي لم يترك أمر الهجر على إطلاقه حتى لا تتأذى المرأة، قال الإمام القرطبي رحمه الله: قد جعل الله للزوج مدة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر، وقد آلى النبي صلّى الله عليه وسلّم من أزواجه شهراً تأديباً لهن- عندما طالبنه بزيادة النفقة- وقد قيل: الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع أن تصبر عنه أكثر منها، وقد رُوي أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- سأل بعض النساء عن مقدار صبر المرأة عن زوجها فقلن أربعة أشهر، فجعل عمر مدة الرجل في الغزو أربعة أشهر، فإذا مضت أربعة أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين، وهذا- والله أعلم- يقوي اختصاص مدة الإيلاء بأربعة أشهر، وعلى أية حال فإن الطبائع تختلف في مثل هذه الأمور، والأربعة الأشهر مدة كافية ليختبر الرجل نفسه وميوله، فإما أن يعود إلى معاشرة زوجته بالطريقة التي شرعها الله، وإما أن تعاد إلى الزوجة حريتها بالطلاق، ليبدأ كلاهما حياة زوجية جديدة مع شخص آخر، فذلك أكرم للزوجة وأعف وأصون، وأنفع للرجل كذلك وأشرف، وقد اختار الله هذه المدة وهو الأعلم بحكمة اختياره فعلينا أن نتقبل ما شرعه لنا طائعين خاشعين. ([2]) فإذا انزجرت به لم يجز للزوج أن يتجاوزه إلى غيره، فإن لم يجد ذلك نفعاً انتقل إلى المرحلة الثالثة وهي الضرب. من هي المرأة التي تُؤدَب؟ التي تؤدب من الزوجات هي التي يقول لسان حالها لزوجها "هيا أدبني"، هي الزوجة التي لم تُكرِم نفسها ولم تَصُن نفسها، ولم تتعامل أو تدفع بالتي هي أحسن، هي المرأة الناشز الخارجة عن حدود المعروف في القول والعمل، فماذا يصنع الزوج أمام زوجة شرسة ثرثارة؟!، وماذا يصنع الزوج أمام زوجة نئوم مهملة؟!، وماذا يصنع الزوج أمام زوجة تأخذ ما لها بشراهة ولا تؤدي مما عليها شيئا؟! بيتها لا نظام فيه، أبناؤها لا راعي لهم، ما في يدها من مال زوجها ضائع، وما في بيتها من أثاث غير مصون، إذا غاب عنها زوجها لم تحفظه وإذا نظر إليها لم تسره، وإذا أمرها لم تطعه، هذه هي الزوجة التي تؤدب وليس كل زوجة، فما أكثر الزوجات اللاتي يكاد الأزواج يضعونهن في قلوبهم احتراما وحفظاً وتقديراً. ([3]) شهد شاهد من أهلها تقول د. نهى قاطرجي: يستند الداعون إلى إبطال صيغة الضرب الموجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة إلى أن قاعدة حق تأديب المرأة "ولا سيما ضربها" هي عبارة تاريخية كان لها فعالية جمّة لنقل الذهنية الجاهلية من قتل المرأة إلى التساؤل حول ضربها وليست قاعدة شرعية. والملاحظ أن هؤلاء الأشخاص تحت شعار إنسانية المرأة وكرامتها يأخذون من الآية ما يريدون فقط وهي كلمة الضرب وينسون التسلسل الذي ورد في الآية حيث ورد في البداية مدحٌ للمرأة المؤمنة الحافظة لحدود الزوج ومن ثَمَّ ورد ذكر الناشز، فالكلام إذاً يتعلق بنوع خاص من النساء وليس كل النساء، والمعروف أن طبائع الناس تختلف من شخص لآخر وما ينفع الواحد لا ينفع الثاني، ومن عدالة الإسلام أنه أورد العلاج لكل حالة من الحالات، فما دام يوجد في هذا العالم امرأة من ألف امرأة تصلحها هذه العقوبة، فالشريعة التي يفوتها هذا الغرض شريعة غير تامة؛ لأنها بذلك تُؤثِر هدم الأسرة على هذا الإجراء وهذا ليس شأن شريعة الإسلام المنزلة من عند الله. والواقع أن التأديب لأرباب الشذوذ والانحراف الذين لا تنفع فيهم الموعظة ولا الهجر أمر تدعو إليه الفِطَر ويقضي به نظام المجتمع، وقد وَكَلته الطبيعة من الأبناء إلى الآباء كما وكلته من الأمم إلى الحكام ولولاه لما بقيت أسرة ولا صلحت أمة، وما كانت الحروب المادية التي عمادها الحديد والنار بين الأمم المتحضرة الآن إلا نوعاً من هذا التأديب في نظر المهاجمين وفي تقدير الشرائع لظاهرة الحرب والقتال، قال تعالى: (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ) (الحجرات: 9). إضافة إلى ذلك فإن الضرب الوارد في الآية مشروط بكونه ضرباً غير مبرح وقد فسر المفسرون الضرب غير المبرح بأنه ضرب غير شديد ولا شاق، ولا يكون الضرب كذلك إلا إذا كان خفيفاً وبآلة خفيفة، كالسواك ونحوه، ولا يكون القصد من هذا الضرب الإيلام وإطفاء الغيظ ولكن التأديب والإصلاح والتقويم والعلاج، والمفترض أن التي تتلقى الضرب امرأة ناشز، لم تنفع معها الموعظة والهجر، لذلك جاء الضرب الخفيف علاجاً لتفادي الطلاق، خاصة أن نشوز بعض النساء يكون عن غير وعيٍ وإدراكٍ لعواقب خراب البيوت وتفتت الأسرة. المرأة في المجتمعات الغربية إن سعي بعض الداعين لإبطال مفعول آية الضرب تحت حجة المساواة لن يفيد في إيقاف عملية الضرب، إذ أن المرأة ستبقى تُضرب خِفْية كما يحصل في دول العالم الغربي الحافل بالقوانين البشرية التي تمنع الضرب. تشير إحدى الدراسات الأميركية إلى أن: %79 من الرجال في أمريكا يضربون زوجاتهم ضربًا يؤدي إلى عاهة، و%17 منهن تستدعي حالاتهن الدخول للعناية المركزة، وحسب تقرير الوكالة المركزية الأمريكية للفحص والتحقيق qiit هناك زوجة يضربها زوجها كل 18 ثانية في أمريكا. أما في فرنسا فهناك مليونا امرأة معرضة للضرب سنويًا، وقالت أمينة سر الدولة لحقوق المرأة (ميشيل اندريه): حتى الحيوانات تعامل أحيانًا أفضل من النساء، فلو أن رجلًا ضرب كلبًا في الشارع سيتقدم شخص ما يشكو لجمعية الرفق بالحيوان، لكن لو ضرب رجل زوجته في الشارع فلن يتحرك أحد في فرنسا، وفي بريطانيا يفيد تقرير أن 77% من الأزواج يضربون زوجاتهن دون أن يكون سبب لذلك، وأن أكثر من 50% من القتيلات كن ضحايا الزوج أو الشريك، وارتفع العنف في البيت بنسبة 46% خلال عام واحد، كما وجد أن 25% من النساء يتعرضن للضرب من قبل أزواجهن أو شركائهن.([4]) فإذا كان هذا العدد في تزايد في تلك الدول التي تُحرّم الضرب، فلماذا لا يوجد في بيئاتنا الإسلامية هذا العدد مع أن شريعتنا تبيح الضرب؟ أليس لأن قاعدة السكن والمودة هي الأساس بينما العظة والهجران والضرب هي حالات شاذة تُقَدَّر بضوابطها وكما قال تعالى في نهاية الآية: (فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلً) (النساء: 34). ([5]) __________________________________________________ ______ [1] - المرأة في عصر الرسالة بين واقعية الإسلام وأوهام المرجفين – د. عبد العظيم المطعني – 1/169. [2] - بتصرف من الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي) - المؤلف: القرطبي؛ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي - 3/107. [3] - المرأة في عصر الرسالة بين واقعية الإسلام وأوهام المرجفين – د. عبد العظيم المطعني – 1/170. [4] - بتصرف من كتاب "شبهات حول المرأة في الإسلام" – إعداد: علي بن نايف الشحود – 1/1128. [5] - بتصرف من "شبهات حول حقوق المرأة في الإسلام" - د. نهى قاطرجي – 1/8.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
شبهات وردود.. اشتراط الولي في الزواج يقيد حرية المرأة (12) د. أحمد ناجي «اشتراط الولي في الزواج» هذه من الشبهات التي أثارها أعداء الإسلام، وقالوا: إنها تنافي حرية المرأة في اختيار من ترضاه زوجاً لها بحرية تامة، وكثيراً ما يفرض عليها الولي من يرضاه هو، ويختاره لها زوجاً وهذا ينافي أبسط حقوق المرأة. تفنيد هذه الشبهة وبيان بطلانها أولاً: حُكمُ الوَليِّ في النكاح لا يصح النكاح بدون ولي للمرأة، وهو مذهب الجمهور، حيث يرى المالكية(1)، والشافعية(2)، أن الولي ركن من أركان النكاح، ويرى الحنابلةُ(3) أنه من شروط صحة النكاح، وبه قال كثير من السلف، وحُكي عن الصحابة عدم الخلاف في ذلك. قال ابن المنذر: عن الشعبي أن عمر وعلياً وابن مسعود وشريحاً كانوا لا يجيزون النكاح إلا بولي، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وعمر بن عبدالعزيز، وجابر بن زيد، وقتادة، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وابن المبارك، والشافعي رحمه الله، وعبيد الله بن الحسن، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، والقاسم بن سلام.. والأخبار الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولا نعلم أن أحدا من أصحاب رسول الله ثبت عنه خلاف ما قلنا(4). وذهب الحنفية إلى أنه ليس لوليها حق إجبارها، ولها أن تزوج نفسها، فإن زوجت نفسها بغير كفء، أو بدون مهر المثل، فلوليها حق طلب الفسخ ما لم تحمل(5). وقد استدل جمهور العلماء على رأيهم بقوله تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ) (البقرة: 232)، ووَجهُ الدَّلالةِ (تَعْضُلُوهُنَّ) أي: تمنَعوهنَّ، وهذا يدل على أنها لا تتزوج إلا بولي، وإلا لكان العضل وعدمه سواء، وقوله تعالى: (وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) (البقرة: 221)، وقوله تعالى: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) (النساء: 25)، وقوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) (النور: 32)، ووجهُ الدَّلالةِ هو: أن الخطاب في هذه الآيات إلى الأولياء الذكور، ولو كان إلى النساء لذكرهن، ولو لم يعتبر وجود الولي من الرجال لما كان لتوجيه الخطاب إليه فائدة، ولما كان لِعَضْلِه معنى، ثم إنه لو كان لها أن تُزوِّجَ نفسها لم تحتج إلى وليها(6). كما استدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا نِكاحَ إلَّا بوَليٍّ»(7)، وبقوله صلى الله عليه وسلم: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَت بغيرِ إذنِ وَلِيِّها فنِكاحُها باطِلٌ، فنِكاحُها باطِلٌ، فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ دخَلَ بها فلها المَهرُ بما استحَلَّ مِن فَرجِها، فإن اشتَجَروا فالسُّلطانُ وَليُّ مَن لا وليَّ له»(8). ثانياً: اشتراط الولي في النكاح لا يقيد حرية المرأة إن ما زعمه هؤلاء من تَحَكُم الولي بمُوليته في النكاح، ليس من الإسلام في شيء، بل هو من تقاليد بعض المجتمعات الإسلامية، توارثوها عن آبائهم، وأعراف تعارفوا عليها، وبمرور الزمن، وتعاقب الأجيال وبسبب الجهل بالدين، أخذت تلك الأعراف والتقاليد طابع الاحترام والتقديس، وأخيراً أُلصقت بالإسلام، والإسلام منها براء. إن الإسلام أعطى للمرأة البالغة العاقلة: بكراً، أو ثيباً، كامل الحرية في قبول أو رفض من تقدم لخطبتها، ولم يجعل لأبيها، وهو أقرب الناس إليها، ولا لولي غيره أن يجبرها على من لا ترضاه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن»(9). بل وصل الأمر إلى رد الزواج، وإبطال العقد، إذا جرى بدون رضاها، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح خنساء بنت خدام، حين زوجها أبوها وهي ثيب من شخص لا تريده، حيث رد نكاحه(10). وخيَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم فتاة بكراً، زوجها أبوها من ابن أخيه، وهي غير راضية، خيرها بالإمضاء أو الرد؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءَتْ فتاةٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالت: يا رسول الله، إنَّ أبي زوَّجَني ابن أخيه يرفع بي خَسيسَتَه، فجعل الأمر إليها، قالت: فإني قد أجَزْتُ ما صنع أبي، ولكنْ أردْتُ أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء(11). ولم يجعل الإسلام للولي حقاً في تزويج موليته، بغير إذنها، إلا الأب بالنسبة لابنته الصغيرة غير البالغة، فقد أجمع أهل العلم من المسلمين على أن للأب -فقط– تزويجها بغير إذنها، لما روت عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت ست سنين وأدخلت عليه وهي بنت تسع سنين»(12)، على أن يكون الزوج كفئاً؛ لأن الله تعالى أقام الأب مقامها ناظراً لها فيما فيه الحظ لنفسها، فلا يجوز له أن يفعل ما لا حظ لها فيه، ولأنه إذا حرم عليه التصرف في مالها بما لا حظ لها فيه، ففي نفسها أولى. ومن مقاصد هذا التشريع الحكيم صيانة المرأة عن أن تباشر بنفسها ما يُشْعِر بوقاحتها، ورعونتها، وميلها إلى الرجال، مما ينافي حال أرباب الصيانة والمروءة. كما أن المرأة لقلة تجربتها في المجتمع، وعدم معرفتها شئون الرجال وخفايا أمورهم، غير مأمونة حين تستبد بالأمر لسرعة انخداعها، وسهولة اغترارها بالمظاهر البراقة دون تَرَوٍ وتفكير في العواقب، وقد اشترط إذن الولي مراعاة لمصالحها لأنـه أبـعـد نـظـراً، وأوسع خبرة، وأسلم تقديراً، وحكمه موضوعي لا دخل فيه للعاطفة أو الهوى، بل يبنيه على اختيار من يكون أدوم نكاحاً، وأحسن عشرة. ونسأل هؤلاء: كيف لا يكون لوليها سلطان في زواجها وهو الذي سيكون –شاء أو أبى– المرجع في حالة الاختلاف، وفي حالة فشل الزواج يبوء هو بآثار هذا الفشل، ويجني ثمرات خطأ فَتَاته التي تمردت عليه، وانفردت بتزويج نفسها؟! إن الهدف من رقابة الولي على اختيار الزوج ليس فقط تسهيل الزواج، وإنما أيضاً تأمينه وتوفير عوامل الاستقرار له، ورعاية مصالح الفتاة التي ائتمنه الله عليها، وإن قصر نظرها عن إدراكها، ومن هنا كان مبنى الولاية على حسن النظر، والشفقة، وذلك معتبر بمظنته، وهي القرابة، فأقربهم منها أشفقهم عليها، وهذا أغلب ما يكون في العَصَبة. وأيضاً يجب على ولى المرأة أن يتقي الله فيمن يزوجها منه، وأن يراعي خصال الزوج، فلا يزوجها ممن ساء خَلقُه أو خُلُقه، أو ضعف دينه، أو قصر عن القيام بحقها، فإن النكاح يشبه الرق، والاحتياط في حقها أهم، لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها، والزوج قادر على الطلاق بكل حال. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وإذا رضيت رجلاً، وكان كفؤاً لها، وجب على وليها –كالأخ ثم العم– أن يزوجها به، فإن عضلها أو امتنع عن تزويجها زوجها الولي الأبعد منه أو الحاكم بغير إذنه باتفاق العلماء، فليس للولي أن يجبرها على نكاح من لا ترضاه، ولا يعضلها عن نكاح من ترضاه إذا كان كفؤاً باتفاق الأئمة، وإنما يجبرها ويعضلها أهل الجاهلية والظلمة الذين يزوجون نساءهم لمن يختارونه لغرض، لا لمصلحة المرأة، ويكرهونها على ذلك، أو يُخجلونها حتى تفعل، ويعضلونها عن نكاح من يكون كفؤاً لها لعداوة أو غرض، وهذا كله من عمل الجاهلية، والظلم والعدوان، وهو ممـا حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واتفق المسلمون على تحريمه، وأوجب الله على أولياء النساء أن ينظروا في مصلحة المرأة لا في أهوائهم كسائر الأولياء والوكلاء ممن تصرف لغيره فإنه يقصد مصلحة من تصرف له، لا يقصد هواه. وهكذا يتضح لنا أن الولي في النكاح في التشريع الإسلامي ليس له منع المرأة من أن تختار لنفسها من ترضاه زوجاً لها إذا كان كفئاً، وليس للولي إجبارها على من يرضاه هو، ولا ترضاه هي، والإسلام في هذا الباب قد أعطى المرأة من الحقوق والتكريم ما لم تعطه امرأة من قبل في الديانات السماوية، والنظم الاجتماعية الأخرى(13). __________________________________ (1) (مختصر خليل) - (ص 96) - (الشرح الكبير) للدردير (2/220). (2) (روضة الطالبين) للنووي (7/50) - (تحفة المحتاج) لابن حجر الهيتمي (7/217). (3) (الإقناع) للحجاوي (3/171) - (كشاف القناع) للبهوتي (5/48). (4) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف - المؤلف: محمد بن إبراهيم بن المنذر أبو بكر - 8/265-268 (5) رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) - المؤلف: محمد أمين بن عمر عابدين. 2/296 (6) (تفسير القرطبي) - (3/164) -(فتح الباري) لابن حجر (9/187). (7) أخرجه أبو داود (2085)، والترمذي (1101)، وابن ماجه (1881)، وأحمد (19518) وصحَّحه الإمام أحمد. (8) أخرجه الترمذي وحسنه (1102) واللفظ له، والنسائي في (السنن الكبرى) (5394)، وابن ماجه (1879)، وأحمد (24205). (9) صحيح البخاري – حديث رقم: 5136. (10) صحيح البخاري – حديث رقم: 5138. (11) أخرجه النسائي (3269)، وأحمد (25043) واللفظ له. (12) أخرجه البخاري (5134)، ومسلم (1422). (13) بتصرف من كتاب: شبهات حول المرأة المسلمة – المؤلف: علي بن نايف الشحود – 1/296:291.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 16 ( الأعضاء 0 والزوار 16) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |