الفساد في الأرض - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         فكر الإرهاصات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 196 )           »          الانتصار للفكر.. وقفات في النظرة إلى الفكر والمفكرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 200 )           »          المهن وسيلة العمران (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 213 )           »          فكر التواصل: وقفات في النظرة إلى الفكر والمفكرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 213 )           »          تأثر العرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 197 )           »          لعنة «فيسبوك» وأمثاله على الأزواج! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 224 )           »          جمال المرأة ومنصات التواصل.. عالم الفلاتر والزيف الإلكتروني! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 224 )           »          المرأة ومواقع التواصل.. كشف حساب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 232 )           »          مناهضة تعدد الزوجات.. ظلم للمرأة بقناع حقوقي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 247 )           »          نساء على قارعة مواقع التواصل.. نجاحات وسقطات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 247 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 09-08-2026, 02:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,709
الدولة : Egypt
افتراضي الفساد في الأرض

الفساد في الأرض

أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

نقف اليوم في ظلال آية من آيات كتاب ربنا الكريم، قال الله جل وعلا: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا [الأعراف: 56].



هذه الآية العظيمة تثبت لنا أن الله سبحانه وتعالى خلق الأرض صالحة، ولم يخلقها فاسدة، وإنما طرأ الفساد عليها بسبب الذين سكنوا فيها، كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41]، فما المقصود بالفساد في الآية: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا، يقرر المفسرون أن المقصود بالفساد في الأرض هو إفسادها بالشرك والمعاصي والمنكرات التي يفعلها أهلها، وأن صلاحها كان بالتوحيد والطاعة، وقد تظاهرت الأدلة من القرآن والسنة على ذلك؛ قال الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: ((خلقت عبادي حُنَفاء كلهم))؛ أي: على التوحيد والفطرة السليمة، ((وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم)) وحرفتهم عن التوحيد والفطرة السليمة، ((وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا))؛ [صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه))؛ [صحيح البخاري من حديث أبي هريرة]، والفطرة هي الإسلام والتوحيد، وصحَّ أن أهل الأرض منذ أن هبط إليها واستقر فيها آدم وذريته كانوا على التوحيد والطاعة عشرة قرون، ثم ظهر فيها الشرك بعد ذلك، فالشرك هو عنوان الفساد في الأرض؛ فمعنى الفساد في اللغة: تحوُّل وخروج الشيء النافع إلى مضرة نفسه أو غيره، والفساد هو خروج الشيء عن حدِّ الاعتدال، ويكون في النفس والبدن وسائر الأشياء، فالتوحيد هو الاعتدال بعينه، والشرك فساد؛ لأنه خروج عن الاعتدال، والطاعة صلاح، والمعصية فساد، والسُّنَّة صلاح، والبدعة فساد، والمعروف صلاح، والمنكر فساد.

وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الفساد ومشتقاته في القرآن الكريم، في أكثر من خمسين موضعًا؛ ليحذر الخلق منه، ويدعوهم إلى الصلاح والاستقامة.

وأنواع الفساد كثيرة ومتنوعة؛ فهناك فساد في الفكر والتصوُّر والاعتقاد، وهو أخطرها، وهناك فساد في السلوك والأخلاق، وهناك فساد في الاقتصاد والمال، وهناك فساد في الحكم والسياسة، وهناك فساد إداري، وهناك فساد اجتماعي، وغيرها من أنواع الفساد المنتشرة، وكلها طرأت على الأرض بعد أن كانت خالية منها.

وسبب وجود الفساد في الأرض هو وجود المفسدين فيها: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ [الروم: 41]، بمعنى أن من يحدث الفساد هم الناس، وأن الشيطان مُشجِّع لهم على الفساد، وداعية لهم إلى الفساد والإفساد في الأرض، وأن الصلاح والإصلاح مهمة الأنبياء والرسل، ومهمة المصلحين المؤمنين الصادقين من بعدهم، كما أن الفساد والإفساد مهمة أشرار الخلق وأتباعهم من الإنس والجن على حدٍّ سواء.

وقد ذكر لنا القرآن الكريم نماذج من المفسدين في القرآن الكريم، منها:
النموذج الأول: فرعون، الذي شمل فساده كل أنواع الفساد؛ فقد كان فاسدًا في التصور والاعتقاد حتى قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38]، وكان فاسدًا في الحكم والسلطة، فقد استخفَّ قومَه وظلمَهم، ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا [القصص: 4]؛ أي: فِرَقًا متناحرة متمزقة، ﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [القصص: 4]، وكان فاسدًا في الاقتصاد والمال، وبالغَ في الإفساد حتى حاول أن يُغَيِّر مفاهيم المصطلحات، فحَوَّل مصطلح الفساد إلى صلاح، ومصطلح الصلاح إلى فساد: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر: 26]، وهذا يدل على أنه بلغ النهاية في الإفساد والطغيان، والإسراف، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ [الدخان: 31]، فإن موسى الرسول المكَلَّم الذي جاء ليستنقذ المظلومين من بني إسرائيل، ويدعو إلى توحيد الله والاستقامة والصلاح، تحوَّل في زعم فرعون إلى مفسد في الأرض! وليس العجب في أن فرعون سمَّى موسى مفسدًا؛ لأنه يخشى على مُلْكه وسُلْطانه من انتشار الخير، واستجابة الناس للصلاح والاستقامة فينفَضُّوا عنه، لكن العجب أن فرعون أثر بهالته الإعلامية وزبانيته من السحرة والدجَّالين على الناس- وهو ما يُطْلَق عليهم اليوم بمجموعة الإعلاميين والناشطين المطبلين، الذين يطبلون للمسؤول ويرفعون من شأنه، ويصلحون ما ظهر من فساده بكلمات برَّاقة يخدعون بها الناس- فانطلى هذا المصطلح على المواطنين الضعفاء الذين اتبعوا فرعون باستخفافه لهم حتى اقترحوا عليه ذلك بأنفسهم، ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ [الأعراف: 127]. وقارنوا بين الألفاظ فقط، ما هو الصلاح الذي يدعيه فرعون؟! إنه القتل، والسجن والضرب، والقهر، ونحوها من الألفاظ التي سمَّاها صلاحًا وإصلاحًا، وما كان يفعله موسى من الدعوة إلى الحق وإقامة التوحيد لله رب العالمين سمَّاه فسادًا!

وليس هذا الحال حال فرعون وقومه فحسب، بل قد ذكر الله سبحانه وتعالى مثل ذلك عن المنافقين: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 12]؛ مما يدل على أن معركة تغيير المصطلحات مستمرة حتى اليوم، وهو مشروع قديم من أيام فرعون حتى لا تشمئزَّ النفوس من الألفاظ والمصطلحات السيئة، فبدلت إلى مصطلحات مقبولة، وقد شاهدتم مثل هذه المصطلحات تنتشر اليوم بين الناس، مثل: مصطلح فوائد البنوك؛ وهو الربا المحرم، والمشروبات الروحية؛ وهي الخمور، والزنا؛ ويسمونه بالعلاقات الشخصية، ونحوها، والهدف من ذلك إفساد التصور والفكر، وترويج الفساد بمصطلح مقبول عند الناس.

أيها المؤمنون، ومن أخطر مراحل الفساد أن يجد المفسدون لهم أنصارًا ومُحِبِّين ومُشجِّعين من المجتمع؛ لأن الفساد يظل محاربًا في دائرته الضيِّقة؛ إذا لم يوجد له من يدعمه ويساعده ويستقبله، لكن إن وجد له في المجتمعات والأفراد والشعوب من يستقبله ويرضى به ويدعمه، فإنه ينتشر ويزداد، كما قال الله عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف: 54].

أيها المؤمنون، وفي عهد فرعون نفسه الذي جمع أنواع الفساد، وجد في عصره من كان عنوانًا في الفساد الاقتصادي، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى لنا نموذجًا من نماذج المفسدين في الاقتصاد؛ وهو قارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: 76]، إلى قوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص: 77- 78].



وقد جمع مَعَ فساده الاقتصادي فساد التصور، فالمال مال الله، وما كان فيه من نعمة لم تأتِه بمجهوده، ولا ذكائه وخبرته، ولا لأنه أحق بها من غيره، فالفساد الاقتصادي ناتج عن الفساد الفكري والتصوُّري، ويزداد إذا وجدت قيادات كبرى ترعى الفساد وتحميه، حتى إن الناس من بقية أفراد الشعب يتنافسون فيه ليصلوا إلى أعلى مرتبة، فقارون كان من قوم موسى؛ أي: من بني إسرائيل وليس من الأقباط جماعة فرعون، ولكنه ترعرع في ظل دولة فاسدة، واستخدم أساليبه الماكرة حتى وصل إلى أكبر منظومة اقتصادية في البلد.

وذكر الله سبحانه وتعالى لنا أيضًا نوعًا آخر من الفساد، وهو عامل من عوامل استشراء الفساد الكبير للأنظمة والدول؛ ألا وهو الفساد العلمي والديني؛ ممكن أن يَفسد عامة الناس لجهلهم، ويَفسد التجار لجَشَعِهم، ويَفسد السياسيون لحرصهم على المناصب، لكن أن يصل الفساد إلى العلماء والمفتين وإلى من أوكل الله إليهم مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهم الأحبار والرهبان، فهذا دليل على عمق الانحراف والفساد في المجتمع، قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [المائدة: 62، 63].



هذا النموذج من علماء السلطان الفاسقين الذين غيَّروا وبدَّلوا في الحكم والفتوى تبعًا لفساد رؤسائهم، وأول فساد وقع في علماء بني إسرائيل أن أحد ملوكهم وقع في الزنا، وكان حد الزنا في التوراة الرجم للمحصن، والجلد للبِكْر، كما هو في الإسلام، ولكن بعض علمائهم تقربوا وتملقوا لملكهم، فغيَّروا وبدَّلوا في الحكم من القتل للمحصن والجلد للبِكْر إلى مجرد التعنيف وتسويد وجهه وعدم إقامة الحد عليه!

فأي مصيبة حلت في الأمة أن يتحول حُرَّاس العقيدة والعلم والفُتْيا والأحكام إلى مُبَرِّرين للظلم والمفسدين، إلى باحثين عن لُعاعة من الدنيا، إلى مُشَرِّعين للباطل ليقتاتوا منه! فغَيَّروا وبدَّلوا في شرع الله، فأذهب الله عنهم الأهلية وأسقط عنهم صفة العلم والعدالة.

أيها المؤمنون، لقد ذكر الله الفساد والمفسدين في كتابه لكي نحذر من السير بسيرتهم، وأخبرنا بقصصهم حتى نتعظ، فأكثر قصة في القرآن تكرَّرت هي قصة فرعون وموسى، وقد تكرَّرت بأساليب متنوعة، وفي سور متعددة، لماذا؟ لأن فرعون يُمَثِّل إمام المفسدين من البشر، وكبير الطغاة في الأرض، وموسى يُمَثِّل كل داعية موحِّد عادل يقاوم الباطل والفساد، ويسعى لإنقاذ البشرية منه، ولكن- مع الأسف- نقرأ القرآن ونستمع إلى قصص المفسدين وآثارهم وكيف دمَّرهم الله بسبب ذلك، ثم نشاهد من يسير بسيرتهم، ويستفيد من طرقهم وأساليبهم! نعم هناك من المفسدين اليوم من يتَتَبَّع أساليب فرعون ويريد أن يُطبِّقها في الأرض، نسأل الله أن يهلكهم كما أهلك فرعون!

ومن أنواع الفساد المذكورة في القرآن والسُّنَّة، الفساد الاجتماعي، ومنه: قطيعة الأرحام، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد: 22]، فجعل قطيعة الأرحام من الفساد. ومنها: القتل وسفك الدماء، قال الله عن الملائكة بعد أن قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ [البقرة: 30].


ومنه: السحر والشعوذة والدجل وسمَّاها فسادًا، فقال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81] وقوله: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 81]. السحر والشعوذة والدجل والخرافة من الإفساد في الأرض وأصحابها مفسدون.

ومنه: الغش والخداع في البيع والشراء فهو نوع من الفساد؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ غَشَّنا فلَيْسَ مِنَّا))؛ [صحيح مسلم]؛ أي: ليس على طريقتنا، فطريقة الأنبياء والرسل هي الصدق في المعاملة، أما الغش والخداع فليس من طريقة الصالحين المصلحين، وقد تنوَّعت اليوم وسائل الغش في كل الجوانب في الأطعمة والأشربة والأدوية، والشهادات والألقاب، والألبسة، وفي كل جوانب الحياة ستجد غشًّا وخداعًا، وهو نوع من الإفساد في الأرض.

ومنه: الإسراف في المأكل والمشرب، وقد سمَّاه الله فسادًا، قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [البقرة: 60]، فالمسرفون يمارسون نوعًا من الإفساد في الأرض، والإسراف سبب للفساد.

ومنه: نشر البدع والخرافات والخزعبلات، فهو من الإفساد في الأرض؛ لأن الأرض قامت على التوحيد والسُّنَّة وطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة: 3]، فنشر البدع والخرافات والخزعبلات هو نوع من الإفساد في الأرض.

ومنه: زعزعة الأمن والاستقرار، ونشر الجريمة، ونشر المخَدِّرات والمسكرات، فهو من الفساد في الأرض؛ ولذلك جعل الله جزاء المفسدين في الأرض أن يُقتَلوا أو تُقطَّع أيديهم وأرْجُلُهم من خِلاف، كل هذه الأنواع من الفساد الذي حذر الله منها في كتابه، وحذَّر منها رسوله صلى الله عليه وسلم، في سُنَّته، من أجل أن تعيش الأمة في سلام ووئام، فإنه إذا كثر الفساد في الأرض؛ أهلك الله الجميع، ففي الحديث: ((أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث))؛ فإذا زادت نسبة الفساد في الأرض كتب الله على أهل الأرض الدمار والهلاك؛ لأنه جل وعلا يمهل ولا يُهْمل.

نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا وإياكم لما يصلح أحوالنا في الدنيا والآخرة، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه أجمعين.



أما بعد:
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي خيرُ زادٍ: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [البقرة: 197].



يبقى أن نختم هذا الموضوع الشائك الطويل، ببيان الواجب علينا جميعًا تجاه الفساد الذي ينتشر اليوم في الأرض، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقدر الاستطاعة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ [هود: 116].



أولو بقية، هم الذين بقي فيهم خير، وصلاح، واستقامة، فرفعوا أصواتهم بالنهي عن الفساد في الأرض، ولم يسكتوا؛ لأن السكوت يؤدي إلى انتشار الفساد في الأرض، وإذا عمَّ الفساد في الأرض عاقب الله الجميع، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 25]. فلا بد أن يقف المصلحون أمام المفسدين ويُحذِّروا الناس منهم، ويقوموا بسنة المدافعة، حتى لا تفسد الأرض، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ [البقرة: 251]، فلا بد من المدافعة للباطل وللفساد، حتى لا يعُمَّ الفساد في الأرض، ويظن المفسد أنه لا أحد يستطيع أن يقف أمامه، خاصة وأن الفاسد اليوم لا يعمل وحده، وإنما هناك منظمات تدعم الفاسدين، وتنسق بينهم، وتدافع عنهم، والواجب على المصلحين أن يتعاونوا ويُشكِّلوا تكَتُّلًا أمام هؤلاء المفسدين، ويدعم بعضُهم بعضًا، حماية للمجتمع من الهلاك: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ [هود: 117]، ولا بُدَّ من أن نتحمل المسؤولية جميعًا، ونفضح الفساد والمفسدين، ونقف في وجوههم حتى تبقى السفينة التي نركبها جميعًا سليمةً من الغرق.

والحمد لله، فطريق المصلحين معروف، مهما شوَّهه المشوِّهون، وهو ظاهر لمن أراد أن يراه، فلا يمكن أن تُغَطى الشمس بغربال كما يقال؛ فطريق الطاعة، والاستقامة، والعمل الصالح والأخلاق الحسنة، واضحة ومعروفة وسهلة، ولكن أحيانًا قد ينتفش الباطل وينكمش الخير؛ ولكنه يظلُّ كامِنا في النفس، فأول ما يأتيها صوت الحق تعود وترجع إلى باريها، وهذه طبيعة أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يعتريها الضعف أحيانًا ولكنها لا تموت، بل تعود بقوة، فلا يظن ظانٌّ أن الله قد ترك أولياءه: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [آل عمران: 179]، فعلى المسلم أن يجتهد في إصلاح نفسه، وإصلاح أهله وأسرته، وإصلاح من حوله، وألَّا يكون عونًا للفساد، بل عليه أن يحذر من المفسدين ولا يسكت عنهم، لكي ينجو عند نزول العذاب بهم، فقد ذكر الله لنا قصة المفسدين أصحاب السبت، وقد كان الناس فيهم ثلاثة أصناف: صنف حذَّر منهم، وصنف عصى ووقع معهم، وصنف سكت عنهم، فذكر الله لنا هلاك المنحرفين، ونجاة الذين نهوا عن السوء، وسكت عن الساكتين، فلا ندري كانوا مع الهالكين أم لا؟! فعلى المسلم أن يجتهد وأن يستعين بالله، وأن يحارب الفساد ويكرهه ولو بقلبه، وذلك أضعف الإيمان، ومن لم يستطِع الإنكار بلسانه فيكفيه أن يقوم في آخر الليل ويدعو على المفسدين، وتخيَّلوا لو فعل كل صالح ذلك، فكم من يد تُرفَع في هذا الوقت المبارك الذي تُسْتجاب فيه الدعوات؟! نسأل الله سبحانه وتعالى بكرمه أن يزيل الفساد والمفسدين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم طهِّر البلاد منهم يا رب العالمين. وصلوا وسلموا على من أُمِرْتم بالصلاة والسلام عليه، إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلِّموا تسليمًا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 89.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 87.71 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.93%)]