|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
((الإِمَامُ الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ)) د. محمد حرز الحمدُ للهِ علَّمَ القرآنَ، خلقَ الإنسانَ علَّمَهُ البيانَ، الحمدُ للهِ الذي علَّمَ بالقلمِ، علَّمَ الإنسانَ ما لم يعلمْ، الحمدُ للهِ، القائلِ في محكمِ التنزيلِ: ﴿ يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة:11]، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه، أولٌ بلا ابتداء، وآخرٌ بلا انتهاء، الوِتْرُ الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وَأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ القائلُ كما في سننِ الترمذِي مِن حديثِ عثمانَ رضي اللهُ عنهُ، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((خيرُكُم مَن تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَهُ)). وللهِ درُّ حسانَ رضي اللهُ عنهُ: وَأَحسَنُ مِنكَ لَم تَرَ قَطُّ عَيني ![]() وَأَجمَلُ مِنكَ لَم تَلِدِ النِساءُ ![]() خُلِقتَ مُبَرَّأً مِن كُلِّ عَيبٍ ![]() كَأَنَّكَ قَد خُلِقتَ كَما تَشاءُ ![]() صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ إلى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَخُذُوا مِنْ شَبَابِكُمْ لَهرَمِكُمْ، وَمِنْ صِحَّتِكُمْ لِسَقَمِكُمْ، وَمِنْ فَرَاغِكُمْ لِشُغْلِكُمْ، وَمِنْ حَيَاتِكُمْ لِمَوْتِكُمْ؛ فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ مَوْتًا وَقَبْرًا وَبَعْثًا وَحِسَابًا وَجَزَاءً: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾ [الزَّلزلة:7-8]. عِبَادَ اللهِ، ((أَئِمَّة الهُدَى وَمَصَابِيح الدُّجَى)) سِلْسِلَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ مُبَارَكَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ وَالأُسْلُوبِ الوَعْظِيِّ، أَعْرِضُهَا لِحَضْرَتِكُمْ بِأُسْلُوبٍ سَهْلٍ سَلِسٍ لِنَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِهَا عَلَى الأَئِمَّةِ الأَخْيَارِ، عَلَى الأُسْوَةِ الحَسَنَةِ وَالقُدْوَةِ الطَّيِّبَةِ، ((الإِمَامُ الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ))، عُنْوَانُ خُطْبَتِنَا. عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ: أَوَّلًا: الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشَّافِعِيُّ! ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ! ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟! أَيُّهَا السَّادَةُ، بَدَايَةً، مَا أَحْوَجَنَا فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَةِ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنِ الإِمَامِ الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ. فَمُنْذُ أَنْ كَرَّمَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِبَعْثَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَفْوَاجُ الدُّعَاةِ الْمُصْلِحِينَ يَتَعَاقَبُونَ فِيهَا، عُلَمَاءَ مُخْلِصِينَ، وَمُرَبِّينَ رَبَّانِيِّينَ، دَاعِينَ إِلَى الْحَقِّ، وَحَاكِمِينَ بِالْقِسْطِ، آمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ. وَإِنَّ تَعْطِيرَ الْقُلُوبِ بِسِيَرِهِمْ يُورِثُ الْإِحْسَاسَ بِالْعِزَّةِ، وَالشُّعُورَ بِالْقُوَّةِ، وَيَهْدِي إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْحَقِّ، وَالسُّمُوِّ فِي الْخُلُقِ. حَدِيثُنَا عَنْ عَالِمٍ عَطَّرَتْ سِيرَتُهُ الكُتُبَ وَالْمَكْتَبَاتِ، وَمَلَأَتْ أَخْبَارُهُ مَجَالِسَ العِلْمِ وَالذِّكْرِ وَالأَدَبِ. هُوَ عَالِمٌ اسْتَثْمَرَ شَبَابَهُ فِيمَا يَنْفَعُهُ، فَعَادَ نَفْعُهُ عَلَيْهِ بِالذِّكْرِ الطَّيِّبِ، وَالرِّفْعَةِ وَالْمَجْدِ، وَعَادَ عَلَى أُمَّتِهِ بِعِلْمٍ غَزِيرٍ تَنْهَلُ الأُمَّةُ مِنْهُ مُنْذُ قُرُونٍ وَلَمْ يَنْفَدْ. حَدِيثُنَا عَنْ إِمَامِ زَمَانِهِ، وَفَقِيهِ العَصْرِ، وَشَيْخِ الفُقَهَاءِ؛ حَدِيثُنَا عَنْ تَابِعِيٍّ جَلِيلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ الأَمِينِ. وَعَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ أَسْمَاءَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا التَّافِهِينَ وَالتَّافِهَاتِ، وَلَا المُغَنِّينَ وَالمُغَنِّيَاتِ؛ لِتَسْعَدُوا وَلِتَفْرَحُوا بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. وخاصةً وَسِيَرُ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى قُدْوَةٌ صَالِحَةٌ طَيِّبَةٌ لِعُمُومِ الأُمَّةِ، حَوَتِ الْمُثُلَ الْعُلْيَا فِي وَقْتٍ قَلَّتْ فِيهِ الْقُدْوَةُ، بَلْ وَقُدِّمَ فِيهِ الْفَارِغُونَ وَالتَّافِهُونَ لِيَكُونُوا الْقُدْوَةَ وَالْمِثَالَ. وَفِي هَذِهِ الْخُطْبَةِ نَتَنَاوَلُ سِيرَةَ حَيَاةِ إِمَامٍ كَبِيرٍ نَنْظُرُ فِي مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ وَمَآثِرِهِ، قَالَ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ الْوَفِيُّ الذَّكِيُّ النَّجِيبُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ أحمد بن حنبل: «كَانَ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، فَانْظُرْ هَلْ تَرَى لِهَذَيْنِ مِنْ عِوَضٍ أَوْ هَلْ تَرَى لَهُمَا مِنْ خَلَفٍ؟». لِذَا آثَرْتُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثِي الْيَوْمَ فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ الْمَعْدُودَاتِ عَنْ عَلَمٍ مِنْ أَعْلَامِ الْأُمَّةِ، وَرَمْزٍ مِنْ رُمُوزِ الْعُلَمَاءِ، سِيرَتُهُ عَطِرَةٌ، وَأَخْبَارُهُ نَضِرَةٌ، هُوَ النَّجْمُ إِذَا تَحَدَّثْنَا عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَأَحَدُ الشُّمُوسِ السَّاطِعَةِ إِذَا تَحَدَّثْنَا عَنِ الْفُقَهَاءِ. أَوَّلًا: الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الشَّافِعِيُّ! أَيُّهَا السَّادَةُ، إِنَّهُ فَقِيهُ الْمِلَّةِ، وَنَاصِرُ السُّنَّةِ، وَسَيِّدُ أَهْلِ زَمَانِهِ، الَّذِي حَازَ الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ، وَفَازَ بِالْمَنَاقِبِ السَّامِيَةِ، فَهُوَ الْعَالِمُ بِالْقُرْآنِ وَعُلُومِهِ، الْعَالِمُ بِالْحَدِيثِ وَأُصُولِهِ، الْعَالِمُ بِالْفِقْهِ وَقَوَاعِدِهِ، الْعَالِمُ بِاللُّغَةِ وَالْأَدَبِ وَالشِّعْرِ وَفَرَائِدِهِ، الْعَالِمُ بِالْأَنْسَابِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، بَلِ الْعَالِمُ بِالطِّبِّ فِي زَمَانِهِ، الْعَابِدُ الزَّاهِدُ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، الْقُرَشِيُّ ثُمَّ الْمُطَّلِبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، هُوَ إِمَامُ الْمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وُلِدَ بِغَزَّةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَنَشَأَ عَلَى الْعِلْمِ وَالْفَصَاحَةِ وَالذَّكَاءِ، فَجَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالأَدَبِ، وَعُرِفَ بِشِدَّةِ اتِّبَاعِهِ لِلسُّنَّةِ، وَقُوَّةِ اسْتِنْبَاطِهِ، وَحُسْنِ أَدَبِهِ وَعِبَادَتِهِ، حَتَّى قَالَ فِيهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ». وَفِي ظِلَالِ الْكَعْبَةِ، وَبَيْنَ رُبُوعِ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ نَشَأَ الإِمَامُ محمد بن إدريس الشافعي، نَشَأَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَتِيمًا فِي أُسْرَةٍ فَقِيرَةٍ فِي الْمَالِ، وَلَمْ تَسْتَطِعْ أُمُّهُ دَفْعَ أَجْرِ مُعَلِّمِهِ، إِلَّا أَنَّ الْمُعَلِّمَ قَبِلَ أَنْ يُعَلِّمَهُ دُونَ أَجْرٍ، وَتَعَهَّدَهُ بِالرِّعَايَةِ، وَجَعَلَ لَهُ مَنْزِلَةً خَاصَّةً بَيْنَ التَّلَامِيذِ؛ لِمَا لَمَسَهُ فِيهِ مِنْ نَبَاهَةٍ، وَسُرْعَةٍ فِي الْحِفْظِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «كُنْتُ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أُمِّي، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَا تُعْطِي الْمُعَلِّمَ، وَكَانَ الْمُعَلِّمُ قَدْ رَضِيَ أَنْ يُعَلِّمَنِي دُونَ أَجْرٍ، وَأَنْ أَخْلُفَهُ فِي الدَّرْسِ إِذَا قَامَ». وَفِي سِنٍّ مُبَكِّرَةٍ جِدًّا دَفَعَتْ أُمُّ الشَّافِعِيِّ الشَّافِعِيَّ إِلَى شَيْخٍ مِنْ شُيُوخِ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ لِيُحَفِّظَهُ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، فَحَفِظَ الشَّافِعِيُّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي السَّابِعَةِ مِنْ عُمُرِهِ، وأخذَ يحفظُ الأحاديثَ النبويةَ ويكتُبُها، ورحَلَ إلى الصحراءِ لطلبِ اللغةِ العربيةِ والشِّعْرِ وبقيَ فيها عشرَ سنواتٍ، وتعلَّمَ الرميَ بالسهامِ، فكانَ يصيبُ عَشَرةً من عَشَرَةٍ، ولكنَّهُ كانَ في طَلَبِ العلمِ الشرعي مُجِدًّا صادِقَ الهمةِ، ماضِيَ العزيمَة، أُذِنَ لهُ وهو بمكةَ بالإفتاءِ رَغمَ حداثةِ سِنّهِ، ولكنهُ لم يكتفِ بذلكَ، ثُمَّ انْتَقَلَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى طَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى يَدِ أَوَّلِ أُسْتَاذٍ لَهُ، وَهُوَ شَيْخُ الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ حِينَئِذٍ، الإِمَامُ الْعَلَمُ مسلم بن خالد الزنجي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. حَفِظَ الشَّافِعِيُّ مُوَطَّأَ الإِمَامِ مالك بن أنس فِي تِسْعِ لَيَالٍ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الإِمَامِ مَالِكٍ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُعْجِبَ الإِمَامُ مَالِكٌ بِذَكَائِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَلُغَتِهِ وَبَيَانِهِ وَإِعْرَابِهِ، فَلَازَمَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْمُوَطَّأَ مِنْ حِفْظِهِ، وَأَخَذَ عِلْمَ الْحَدِيثِ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ، وَأَخَذَ عَنْهُ الْفِقْهَ وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَعَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. ثُمَّ رَحَلَ الشَّافِعِيُّ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى بِلَادِ الْيَمَنِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، وَمَا لَبِثَ الشَّافِعِيُّ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى انْتَشَرَ ذِكْرُهُ، وَعَلَا قَدْرُهُ، وَظَهَرَ فَضْلُهُ عَلَى جَمِيعِ الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ طَالِبًا لِلْعِلْمِ، حَتَّى قَالَ لَهُ شَيْخُهُ مسلم بن خالد الزنجي حِينَمَا عَادَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ: «أَفْتِ يَا أَبَا عَبْدِاللَّهِ؛ فَإِنَّكَ الآنَ أَهْلٌ لِلْفُتْيَا»، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ صَغِيرٌ. فَاقَ الشَّافِعِيُّ أَقْرَانَهُ بَلْ وَشُيُوخَهُ فِي الْيَمَنِ، وَوَصَلَ إِلَى مَرْحَلَةٍ فَرِيدَةٍ فِي الْعِلْمِ، فَجَلَسَ الشَّافِعِيُّ فِي مَكَّةَ يُؤَصِّلُ الأُصُولَ، وَيُقَعِّدُ الْقَوَاعِدَ، وَاتَّخَذَ لَهُ حَلْقَةً فِي مَسْجِدِ اللَّهِ الْحَرَامِ، جَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّاسَ وَلَفَتَتْ إِلَيْهِ الأَنْظَارَ، وَازْدَحَمَتْ حَلْقَةُ الشَّافِعِيِّ ازْدِحَامًا عَجِيبًا، حَتَّى إِنَّ الإِمَامَ أحمد بن حنبل جَاءَ حَاجًّا مِنْ بَغْدَادَ مِنْ بِلَادِ الْعِرَاقِ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ، فَتَرَكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ حَلْقَةَ شَيْخِ الشَّافِعِيِّ سفيان بن عيينة، وَعَكَفَ فِي حَلْقَةِ الشَّافِعِيِّ، بَلْ وَلَمْ يَكْتَفِ الإِمَامُ بِهَذَا، إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى أَخِيهِ وَصَاحِبِ رِحْلَتِهِ إسحاق بن راهوَيْهِ وَقَالَ: «تَعَالَ يَا إِسْحَاقُ أُرِيكَ رَجُلًا بِمَكَّةَ مَا رَأَتْ عَيْنَاكَ مِثْلَهُ»، يَقُولُ إِسْحَاقُ: فَأَرَانِي أَحْمَدُ الشَّافِعِيَّ. وَأُعْجِبَ الإِمَامُ أحمد بن حنبل بِذَكَاءِ وَعِلْمِ الشَّافِعِيِّ إِعْجَابًا رَهِيبًا؛ لِأَنَّهُ يَسْمَعُ أُصُولًا وَقَوَاعِدَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَسْمَعُهَا وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَصَّلَ الأُصُولَ وَقَعَّدَ الْقَوَاعِدَ هُوَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ قَوْلَتَهُ الْخَالِدَةَ الْجَمِيلَةَ: «لَوْلَا الشَّافِعِيُّ مَا تَعَلَّمْنَا فِقْهَ الْحَدِيثِ»، وَقَالَ: «كَانَ الْفِقْهُ مُغْلَقًا عَلَى أَهْلِهِ حَتَّى فَتَحَهُ اللَّهُ بِالشَّافِعِيِّ»، وَقَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ مَسَّ مِحْبَرَةً وَلَا قَلَمًا بَعْدَ الشَّافِعِيِّ إِلَّا وَلَهُ فِي عُنُقِهِ مِنَّةٌ»، وَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْظَمَ مِنَّةً وَبَرَكَةً عَلَى الإِسْلَامِ فِي زَمَنِ الشَّافِعِيِّ مِنَ الشَّافِعِيِّ». وَقَدْ نَبَغَ الشَّافِعِيُّ نُبُوغًا عَظِيمًا، وَعَلَا شَأْنُهُ وَسَمَا عِلْمُهُ، وَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ قَوْلُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «لَا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلَأُ طِبَاقَ الْأَرْضِ عِلْمًا»، وَمَعْنَاهُ: سَيَأْتِي عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ جِهَاتِ الْأَرْضِ عِلْمًا، فَفَكَّرَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْ يَنْطَبِقُ هَذَا الْحَدِيثُ، فَوَجَدُوهُ يَنْطَبِقُ عَلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْآخَرُونَ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، فَلَيْسُوا مِنْ قُرَيْشٍ. وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى الشَّافِعِيَّ بِمَوَاهِبَ عَدِيدَةٍ، مِنْهَا حُسْنُ الصَّوْتِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ فَتًى، كَانَ يَقْصِدُهُ النَّاسُ لِلِاسْتِمَاعِ إِلَى صَوْتِهِ الشَّجِيِّ، وَكَانَ بَعْضُ الْجَالِسِينَ الْمُسْتَمِعِينَ لِقِرَاءَتِهِ يَتَسَاقَطُونَ مِنْ شِدَّةِ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِسِرٍّ فِي قِرَاءَتِهِ. وَمِمَّا وَرَدَ فِي عِبَادَتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا رُوِيَ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُقَسِّمُ اللَّيْلَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: ثُلُثٌ لِلْعِلْمِ، وَثُلُثٌ لِلْعِبَادَةِ، وَثُلُثٌ لِلنَّوْمِ. وَوَرَدَ فِي زُهْدِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «مَا شَبِعْتُ مُنْذُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً؛ لِأَنَّ الشِّبَعَ يُثْقِلُ الْبَدَنَ، وَيُقَسِّي الْقَلْبَ، وَيُزِيلُ الْفِطْنَةَ، وَيَجْلِبُ النَّوْمَ، وَيُضْعِفُ صَاحِبَهُ عَنِ الْعِبَادَةِ». وَوَرَدَ فِي وَرَعِهِ أَنَّهُ مَرَّةً سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَسَكَتَ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تُجِيبُ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: «حَتَّى أَدْرِيَ، الْفَضْلُ فِي سُكُوتِي أَوْ فِي جَوَابِي؟ وَقَدْ كَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْهَرُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ لِتَحْصِيلِ الْمَسْأَلَةِ تِلْوَ الْمَسْأَلَةِ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الِاشْتِغَالَ بِطَلَبِ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مَا تُنْفَقُ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ». وَأَصْدَقُ وَصْفٍ لِمَنْهَجِ الشَّافِعِيِّ الْفِقْهِيِّ وَالْعِلْمِيِّ أَنَّهُ الْمَنْهَجُ الْمُتَكَامِلُ، فَلَقَدْ كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ قَبْلَ زَمَانِ الشَّافِعِيِّ فَرِيقَيْنِ: أَصْحَابَ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابَ الرَّأْيِ؛ أَمَّا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَكَانُوا حَافِظِينَ لِأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا إِنَّهُمْ كَانُوا عَاجِزِينَ عَنِ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ، وَكُلَّمَا أَوْرَدَ عَلَيْهِمْ أَحَدُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ سُؤَالًا أَوْ إِشْكَالًا؛ بَقُوا عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ، عَاجِزِينَ مُتَحَيِّرِينَ، وَأَمَّا أَصْحَابُ الرَّأْيِ فَكَانُوا أَصْحَابَ الْجَدَلِ وَالنَّظَرِ، إِلَّا إنَّهُمْ كَانُوا فَارِغِينَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْآثَارِ وَالسُّنَنِ. وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ؛ فَإِنَّهُ كَانَ عَارِفًا بِسُنَّةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُحِيطًا بِقَوَانِينِهَا، وَكَانَ عَارِفًا بِآدَابِ النَّظَرِ وَالْجَدَلِ وَقَوِيًّا فِيهِ، وَكَانَ فَصِيحَ اللِّسَانِ، قَادِرًا عَلَى قَهْرِ الْخُصُومِ، فَأَخَذَ فِي نُصْرَةِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ كُلُّ مَنْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ سُؤَالًا أَوْ إِشْكَالًا، أَجَابَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ شَافِيَةٍ كَامِلَةٍ، فَانْقَطَعَ بِسَبَبِهِ اسْتِيلَاءُ أَهْلِ الرَّأْيِ عَلَى أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَتَخَلَّصَ بِسَبَبِهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ مِنْ شُبُهَاتِ أَهْلِ الرَّأْيِ؛ فَلِهَذَا السَّبَبِ انْطَلَقَتِ الْأَلْسِنَةُ بِمَدْحِهِ، وَلَقَّبُوهُ بِنَاصِرِ الْحَدِيثِ، فَمَدْرَسَةُ الشَّافِعِيِّ الْفِقْهِيَّةُ مَزِيجٌ مِنْ فِقْهِ الْمَدْرَسَتَيْنِ: النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ أَثَرِيًّا سَلَفِيًّا يَعْتَمِدُ عَلَى الْوَحْيَيْنِ: الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، ثُمَّ الْقِيَاسِ وَالْإِجْمَاعِ. وَكَانَ يَقُولُ: «كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هُوَ الْجِدُّ، وَمَا سِوَاهُ هُوَ الْهَذَيَانُ»، وَيَقُولُ: «إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي، وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي عُرْضَ الْحَائِطِ، فَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا رَوَيْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فَلَمْ أَقُلْ بِهِ؟»؛ وَلِهَذَا كَانَ يَرْجِعُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ أَقْوَالِهِ، وَهَذَا الرُّجُوعُ لِلْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إِلَّا الْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ الْمُخْلِصُونَ الرَّبَّانِيُّونَ. وَكَمْ مِنْ مُتَفَقِّهِ وَمُتَعَالِمٍ يُقَدِّمُ رَأْيَ إِمَامِهِ وَشَيْخِهِ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُبَالِي هَلْ يُخَالِفُهُ أَمْ لَا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يُصِيبُ بَعْضَ النَّاسِ فِي فَهْمِ التَّعَلُّمِ وَالِاتِّبَاعِ. يتبع
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
ثَانِيًا: مَوَاقِفُ مُضِيئَةٌ فِي حَيَاةِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ! أَيُّهَا السَّادَةُ، يُعَدُّ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ مِنْ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ تَأْثِيرًا فِي الْحَيَاةِ الْعِلْمِيَّةِ، كَانَ يُصَنِّفُ التَّصَانِيفَ وَيُدَوِّنُ الْعُلُومَ، وَيَرُدُّ عَلَى الأَئِمَّةِ وَالْكِبَارِ مُتَّبِعًا الأَثَرَ؛ فَبَعُدَ صَيْتُهُ، وَتَكَاثَرَ عَلَيْهِ الطُّلَّابُ، وَبُورِكَ لَهُ فِي تَلَامِيذِهِ؛ فَلَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ لَهُ تَلَامِيذُ نُجَبَاءُ أَفْذَاذٌ مِثْلُ الشَّافِعِيِّ. يُعَدُّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوَّلَ مَنْ صَنَّفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، وَذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الشَّهِيرِ «الرِّسَالَةِ»، وَقَدْ أَجَابَ فِيهِ عَلَى بَعْضِ أَسْئِلَةٍ بُعِثَتْ إِلَيْهِ مِنْ شَيْخِهِ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، وَلَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مُصَنَّفَاتِ الشَّافِعِيِّ، وَتَسَابَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اقْتِنَائِهَا وَتَحْصِيلِهَا وَاسْتِخْرَاجِ كُنُوزِهَا. وَذُكِرَ أَنَّ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ تَزَوَّجَ امْرَأَةً كَانَ عِنْدَهَا بَعْضُ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ، فَلَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلَّا لِتِلْكَ الْكُتُبِ. كَانَ الشَّافِعِيُّ شَدِيدًا عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: «لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ الْعَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ مَا خَلَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْهَوَى»، وَيَقُولُ: «حُكْمِي فِي أَهْلِ الْكَلَامِ: أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ، وَيُحْمَلُوا عَلَى الْإِبِلِ، وَيُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ، وَيُنَادَى عَلَيْهِمْ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَأَقْبَلَ عَلَى الْكَلَامِ». وَكَانَ يَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنِ الْخَوْضِ فِي كَلَامِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَيَنْهَى عَنِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الرَّافِضِيِّ وَالْمُرْجِئِيِّ وَالْقَدَرِيِّ وَالْمُعْتَزِلِيِّ، وَأَفْتَى بِكُفْرِ مَنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنِ انْشِغَالِ الشَّافِعِيِّ الْكَبِيرِ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَالدَّرْسِ وَالْبَحْثِ وَإِيثَارِهِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَالنَّوَافِلِ، إِلَّا إنَّهُ كَانَ عَابِدًا رَبَّانِيًّا زَاهِدًا مُقْبِلًا عَلَى شَأْنِهِ. وَقَالَ عَنْهُ رَاوِيَتُهُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: «كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ جَزَّأَ اللَّيْلَ: فَثُلُثُهُ الأَوَّلُ يَكْتُبُ، وَالثَّانِي يُصَلِّي، وَالثَّالِثُ يَنَامُ، وَكَانَ لَا تَمُرُّ عَلَيْهِ آيَةُ عَذَابٍ أَوْ حَدِيثٌ فِيهِ تَرْهِيبٌ إِلَّا خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ». أَمَّا عَنْ زُهْدِهِ فَكَانَ عَلَى شَاكِلَةِ إِخْوَانِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ الرَّبَّانِيِّينَ فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، تَمَرَّسَ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ لَهُ سَجِيَّةً وَطَبْعًا؛ فَعَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الأَعْلَى قَالَ: قَالَ لِي الشَّافِعِيُّ: «يَا أَبَا مُوسَى، آنَسْتُ بِالْفَقْرِ حَتَّى صِرْتُ لَا أَسْتَوْحِشُ مِنْهُ». وَقَالَ لِتِلْمِيذِهِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: «يَا رَبِيعُ، عَلَيْكَ بِالزُّهْدِ، فَإِنَّ الزُّهْدَ عَلَى الزَّاهِدِ أَحْسَنُ مِنَ الْحُلِيِّ عَلَى الْمَرْأَةِ النَّاهِدِ». قَالَ عَنْهُ أَحَدُ مُعَاصِرِيهِ وَهُوَ عُمَرُ بْنُ نَبَاتَةَ: «وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ أَوْرَعَ، وَلَا أَخْشَعَ، وَلَا أَفْصَحَ، وَلَا أَسْمَحَ، وَلَا أَعْلَمَ، وَلَا أَكْرَمَ، وَلَا أَجْمَلَ، وَلَا أَنْبَلَ، وَلَا أَفْضَلَ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ». أَمَّا أَكْثَرُ مَا يُمَيِّزُ الشَّافِعِيَّ فَهُوَ سَخَاؤُهُ وَكَرَمُهُ الشَّدِيدُ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ وَنَوَادِرُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورَةٌ؛ فَعَنْ الحُمَيْدِيِّ، قَالَ: "قَدِمَ الشَّافِعِيُّ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى مَكَّةَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ فِي مَنْدِيلٍ، فَضَرَبَ خباءَهُ فِي مَوْضِعٍ خارج مَكَّةَ، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُوهُ فَمَا بَرِحَ حَتَّى ذَهَبَتْ كُلُّهَا". مِنْ مَوَاقِفِهِ العَظِيمَةِ: عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يَتَعَلَّمَ عَلَى يَدَي الإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، انْطَلَقَ الشَّافِعِيُّ يَبْحَثُ عَنْ كِتَابِ الإِمَامِ مَالِكٍ «المُوَطَّأ»، فَاسْتَعَارَ المُوَطَّأَ مِنْ رَجُلٍ، وَعَكَفَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ فَحَفِظَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ فِي تِسْعِ لَيَالٍ، وَأَخَذَهُ فِي صَدْرِهِ، وَانْطَلَقَ إِلَى المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ عَلَى سَاكِنِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَزْكَى السَّلَامِ، وَجَلَسَ الشَّافِعِيُّ بَيْنَ يَدَي أُسْتَاذِهِ وَشَيْخِهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَافْتَتَحَ الشَّافِعِيُّ المُوَطَّأَ مِنْ حِفْظِهِ، فَكُلَّمَا نَظَرَ مَالِكٌ إِلَى الشَّافِعِيِّ يَقْرَأُ المُوَطَّأَ مِنْ صَدْرِهِ أُعْجِبَ بِذَكَائِهِ وَبِحُسْنِ قِرَاءَتِهِ وَقُوَّةِ حَافِظَتِهِ وَذَاكِرَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: فَكُلَّمَا نَظَرْتُ إِلَى مَالِكٍ تَهَيَّبْتُ أَنْ أُوَاصِلَ القِرَاءَةَ، فَنَظَرَ إِلَيَّ مَالِكٌ وَقَدْ أُعْجِبَ بِحُسْنِ قِرَاءَتِي وَحِفْظِي وَقَالَ: زِدْ يَا فَتَى.. زِدْ يَا فَتَى.. زِدْ يَا فَتَى، حَتَّى أَنْهَيْتُ المُوَطَّأَ كُلَّهُ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ. فَلَمَّا رَأَى مَالِكٌ هٰذَا الذَّكَاءَ وَهٰذَا الحِفْظَ قَالَ: يَا شَافِعِيُّ، إِنِّي أَرَى أَنَّ اللهَ قَدْ أَلْقَى عَلَى قَلْبِكَ نُورًا فَلَا تُطْفِئْهُ بِظُلْمَةِ المَعْصِيَةِ. وَلِذلِكَ لَمَّا ذَهَبَ يَوْمًا لِيَتَعَلَّمَ وَنَظَرَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى امْرَأَةٍ نَسِيَ الشَّافِعِيُّ مَا حَفِظَهُ، فَأَنْشَدَ قَائِلًا: شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ![]() فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي ![]() وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ العِلْمَ نُورٌ ![]() وَنُورُ اللهِ لَا يُهْدَى لِعَاصِي ![]() وَكَانَ مِنْ سَخَائِهِ أَنَّهُ يُعْطِي عَلَى الشَّيْءِ الصَّغِيرِ الْمَالَ الْوَفِيرَ، فَكَانَ رُبَّمَا يَقَعُ سَوْطُهُ فَيُعْطِي الْغُلَامَ الَّذِي يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ تِسْعَةَ أَوْ عَشَرَ دَنَانِيرَ، وَانْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ فَأَعْطَى الرَّجُلَ الَّذِي أَصْلَحَهُ سَبْعَةَ دَنَانِيرَ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: "السَّخَاءُ وَالْكَرَمُ، يُغَطِّيَانِ عُيُوبَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، بَعْدَ أَنْ لَا يَلْحَقَهُمَا بِدْعَةٌ". وَلَقَدْ كَانَ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ مَذْهَبٌ فِقْهِيٌّ فِي بَغْدَادَ، اشْتَهَرَ بِاسْمِ الْمَذْهَبِ الْقَدِيمِ، وَلَمَّا دَخَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مِصْرَ رَجَعَ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ مَذْهَبِهِ الْقَدِيمِ إِلَى مَا يُسَمَّى بِالْمَذْهَبِ الْجَدِيدِ، وَهُنَا فَائِدَةٌ أَحِبَّتِي؛ وَهِيَ (أَنَّ الْفَتْوَى تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَاخْتِلَافِ حَالِ الْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي، وَأَنَّ الْعَالِمَ الْحَقَّ لَيْسَ بِمُتَكَبِّرٍ، فَإِنَّهُ إِذَا ظَهَرَ لَهُ دَلِيلٌ بِخِلَافِ مَا أَفْتَى بِهِ؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَنْهُ إِلَى الدَّلِيلِ). وَمِنْ أَقْوَالِهِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: "أَصْلُ العِلْمِ: التَّثَبُّتُ، وَثَمَرَتُهُ: السَّلَامَةُ، وَأَصْلُ الوَرَعِ: القَنَاعَةُ، وَثَمَرَتُهُ: الرَّاحَةُ، وَأَصْلُ الصَّبْرِ: الحَزْمُ، وَثَمَرَتُهُ: الظَّفَرُ، وَأَصْلُ العَمَلِ: التَّوْفِيقُ، وَثَمَرَتُهُ: النَّجَحُ، وَغَايَةُ كُلِّ أَمْرٍ: الصِّدْقُ". وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ: "العِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الدِّينِ وَهُوَ الفِقْهُ، وَعِلْمُ الدُّنْيَا وَهُوَ الطِّبُّ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ وَغَيْرِهِ فَعَنَاءٌ وَعَبَثٌ"، وَأَنْشَدَ يَقُولُ: كُلُّ العُلُومِ سِوَى القُرْآنِ مَشْغَلَةٌ ![]() إِلَّا الحَدِيثَ وَعِلْمَ الفِقْهِ فِي الدِّينِ ![]() وَسُئِلَ: كَيْفَ شَهْوَتُكَ لِلْعِلْمِ؟ قَالَ: أَسْمَعُ بِالحَرْفِ مِمَّا لَمْ أَسْمَعْهُ، فَتَوَدُّ أَعْضَائِي أَنْ لَهَا أَسْمَاعًا تَتَنَعَّمُ بِهِ مِثْلَ مَا تَنَعَّمَتْ بِهِ الأُذُنَانِ، فَقِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ حِرْصُكَ؟ قَالَ: حِرْصُ الجَمُوعِ المَنُوعِ فِي بُلُوغِ لَذَّتِهِ لِلْمَالِ، فَقِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ طَلَبُكَ لَهُ؟ قَالَ: طَلَبُ المَرْأَةِ المُضِلَّةِ وَلَدَهَا لَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ. وَعَنْ الشَّافِعِيِّ: "بِئْسَ الزَّادُ إِلَى المَعَادِ العُدْوَانُ عَلَى العِبَادِ"، "إِذَا خِفْتَ عَلَى عَمَلِكَ العُجْبَ، فَاذْكُرْ رِضَا مَنْ تَطْلُبُ، وَفِي أَيِّ نَعِيمٍ تَرْغَبُ، وَمِنْ أَيِّ عِقَابٍ تَرْهَبُ، فَمَنْ فَكَّرَ فِي ذَلِكَ، صَغُرَ عِنْدَهُ عَمَلُهُ". قَالَ الشَّافِعِيُّ: ![]() يَزِيدُ سَفَاهَةً فَأَزِيدُ حِلْمًا ![]() كَعُودٍ زَادَهُ الإِحْرَاقُ طِيبَا ![]() وَقَالَ أَيْضًا: ![]() فَإِنْ كَلَّمْتَهُ فَرَّجْتَ عَنْهُ ![]() وَإِنْ خَلَّيْتَهُ كَمَدًا يَمُوتُ ![]() وَإِنَّ مِنْ نَصَائِحِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ![]() فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ ![]() مِنَ التَّوْبِيخِ لَا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ ![]() فَإِنْ خَالَفْتَنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي ![]() فَلَا تَغْضَبْ إِذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَهْ ![]() وَفِي هٰذَا الْمَعْنَى يَقُولُ الْفُضَيْلُ رَحِمَهُ اللهُ: "الْمُؤْمِنُ يَسْتُرُ وَيَنْصَحُ، وَالْفَاجِرُ يَهْتِكُ وَيُعَيِّرُ". أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ الحَمْدُ للهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا لَهُ، وَبِسْمِ اللهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ:ثَالِثًا وَأَخِيرًا: وَكَيْفَ يُنْسَى الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ؟! أَيُّهَا السَّادَةُ، وَكَانَ بَارِعًا جِدًّا فِي المُنَاظَرَةِ حَتَّى قِيلَ عَنْهُ: «لَوْ نَاظَرَ الشَّافِعِيُّ الشَّيْطَانَ لَقَطَّعَهُ وَجَدَّلَهُ». وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِاللهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ: «مَا رَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ نَاظَرَ أَحَدًا إِلَّا رَحِمْتُهُ، وَلَوْ رَأَيْتَ الشَّافِعِيَّ يُنَاظِرُكَ لَظَنَنْتَ أَنَّهُ سَبُعٌ يَأْكُلُكَ، وَهُوَ الَّذِي عَلَّمَ النَّاسَ الحُجَجَ». وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي المُنَاظَرَةِ، وَلَا يُرِيدُ إِلَّا الحَقَّ، وَلَا يُرِيدُ قَهْرَ الطَّرَفِ الآخَرِ. يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ: «مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا أَحْبَبْتُ أَنْ يُوَفَّقَ أَوْ يُسَدَّدَ أَوْ يُعَانَ، وَيَكُونَ لَهُ رِعَايَةٌ مِنَ اللهِ وَحِفْظٌ، وَمَا نَاظَرْتُ أَحَدًا إِلَّا وَلَمْ أُبَالِ أَبَيَّنَ اللهُ الحَقَّ عَلَى لِسَانِي أَوْ لِسَانِهِ، وَمَا نَاظَرْتُ أَحَدًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ، وَمَا نَاظَرْتُ أَحَدًا عَلَى الغَلَبَةِ، إِنَّمَا عَلَى النَّصِيحَةِ». وَأُصِيبَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي آخِرِ عُمُرِهِ بِالْبَوَاسِيرِ، وَاسْتَمَرَّ مَعَهُ المَرَضُ أَرْبَعَ سَنَوَاتٍ، وَفِيهَا تَرَكَ مِنْ آلَافِ الأَوْرَاقِ مِنْ تَآلِيفِهِ، وَلَمْ يُعِقْهُ المَرَضُ عَنْ مُوَاصَلَةِ الدُّرُوسِ وَالأَبْحَاثِ وَالمُنَاظَرَاتِ وَالمُطَالَعَاتِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكَأَنَّ هٰذَا الدَّأْبَ وَالنَّشَاطَ فِي العِلْمِ وَالبَحْثِ هُوَ دَوَاؤُهُ الوَحِيدُ الشَّافِي. وَالإِمَامُ الشَّافِعِيُّ هُوَ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الفِقْهِ، وَأَوَّلُ مَنْ قَرَّرَ نَاسِخَ الحَدِيثِ مِنْ مَنْسُوخِهِ. وَأَمَّا عَنْ وَفَاةِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الإِمَامَ الْمُزَنِيَّ دَخَلَ عَلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ فَأَجَابَهُ قَائِلًا: أَصْبَحْتُ مِنَ الدُّنْيَا رَاحِلًا، وَلِلْإِخْوَانِ مُفَارِقًا، وَلِسَيِّئِ عَمَلِي مُلَاقِيًا، وَلِكَأْسِ الْمَنِيَّةِ شَارِبًا، وَإِلَى رَبِّي وَارِدًا، لَا أَدْرِي تَصِيرُ رُوحِي إِلَى الْجَنَّةِ فَأُهَنِّيهَا، أَوْ إِلَى النَّارِ فَأُعَزِّيَهَا. ثُمَّ أَنْشَدَ قَائِلًا: ![]() وَإِنِّيْ لآتِي الذّنْبَ أَعْرِفُ قَدْرَهُ ![]() وَأَعلَمُ أَنَّ اللهَ يَعْفُو تَرَحُّمَا ![]() يقول الإمامُ الشَّافِعِيُّ في حُبِّ مِصْرَ: ![]() فَوَاللهِ مَا أَدْرِي أَلِلْمَالِ وَالغِنَى ![]() أُسَاقُ إِلَيْهَا أَمْ أُسَاقُ إِلَى قَبْرِي ![]() فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ صَاحِبُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: فَوَاللهِ مَا كَانَ إِلَّا بَعْدَ قَلِيلٍ، حَتَّى سِيقَ إِلَيْهِمَا جَمِيعًا! يَعْنِي: أَنَّهُ نَالَ المَالَ وَالغِنَى، وَالوَفْرَةَ وَالمَكَانَةَ فِي مِصْرَ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ بِمِصْرَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الجُمُعَةِ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ، عَنْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً رَحِمَهُ اللهُ، وَأَكْرَمَ مَثْوَاهُ، وَجَعَلَ الجَنَّةَ مَأْوَاهُ. قَالَ الرَّبِيعُ: "رَأَيْتُ الشَّافِعِيَّ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِي المَنَامِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِاللهِ، مَا صَنَعَ اللهُ بِكَ؟ قَالَ: أَجْلَسَنِي عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ، وَنَثَرَ عَلَيَّ اللُّؤْلُؤَ الرَّطْبَ". فَجَزَى اللَّهُ عُلَمَاءَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَنَّا خَيْرًا، فَهُمْ الْبَلْسَمُ فِي زَمَنٍ خَيَّمَ فِيهِ الْفَسَادُ وَالضَّلَالُ وَالظُّلْمَةُ.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |