مفهوم القرآن الكريم بين الوحي وعلماء القرآن - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تخريج حديث: أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 192 )           »          تهاوي الأوثان وإشراق التوحيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 172 )           »          حسن العشرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 160 )           »          شرك الأولياء في الربوبية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 142 )           »          اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والمولد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 145 )           »          بين طي الآفاق ودفء الفراش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 144 )           »          سيد الأيام يوم الجمعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 136 )           »          من حسن إسلام المرء: تركه ما لا يعنيه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 134 )           »          سورة الأنبياء واستجابة الله الدعاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 152 )           »          {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله..} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 130 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 30-07-2026, 09:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,512
الدولة : Egypt
افتراضي مفهوم القرآن الكريم بين الوحي وعلماء القرآن

مفهوم القرآن الكريم بين الوحي وعلماء القرآن

سيد ولد عيسى
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم:
لا يَخفى على أحدٍ ما قدَّمه علماء المسلمين من عناية بالقرآن الكريم وعلومه، واهتمام بهذا الحقل المعرفي الغني، باعتباره مصدرَ المعارف، أو باعتبار أنَّ الغرض - عند علماء المسلمين - من المعارف كلها هو خدمة هذا الوحي وفَهْمه واستيعابه.
وقد قدَّم هؤلاء العلماء - بمختلف تخصُّصاتهم: عقيدة، وأصولاً، وكلامًا... إلخ - تعريفات مختلفة للقرآن الكريم، حاوَلوا من خلالها أن يَصِلوا إلى "حدٍّ" جامع مانعٍ للقرآن الكريم؛ كما في سائر العلوم الأخرى.

ورغم أنَّ القرآن الكريم - باعتباره كتابَ هداية بالدرجة الأولى - لا يهتمُّ كثيرًا بالتفاصيل الحَدِّية والتعريفات الكلاميَّة، وإنما بالأصول التي تُعتبر أساسًا لغيرها، فإنه قدَّم حديثًا طويلاً عن نفسه، وتعريفًا كثيرًا بها، فأين "حَدُّ" القرآن في هذا الحديث؟ وما مدى تجاوب "حدود" علماء القرآن معه؟ ومِمَّ تعاني تعريفات العلماء للقرآن الكريم؟ ولماذا كلُّ هذا الاختلاف في التعريفات "جمعًا ومنعًا"؟

أسئلة من بين أخرى نحاول الإجابة عنها من خلال:
تمهيد: يوطِّئ الأرضيَّة للموضوع.
ومحورين:
نناقش في الأوَّل تعريفات علماء القرآن للقرآن.
ثم نناقش في الثاني: تعريف القرآن لنفسه.
لتكون نهاية الموضوع خاتمة تُظهر أبرز النتائج والملاحظات.


تمهيد:
لا بدَّ قبل الشروع في المقصود أن نُنبِّه إلى بعض النقاط التي نراها مهمة في هذا السياق، وهي:
أولاً: ما هو مفهوم الوحي؟ وعلامَ يُطلَق؟ وما هي على علاقته بكلٍّ من القرآن والكتاب وكلام الله؟
ثانيًا: هل القرآن هو "الكتاب" المذكور في القرآن؟ أو أنَّ هناك فرقًا بين الاثنين؟ وإذا كان كذلك، فما هو الفرق؟
ثالثًا: هل القرآن هو كلام الله، أو هو غيره؟ وأيُّهما أعمُّ إذا كانا يَشتركان؟
رابعًا: ما علاقة الألفاظ الأربعة فيما بينها؟

أولاً: معنى الوحي:
ورَد ذِكر "الوحي" في القرآن باشتقاقات مختلفة في مرات كثيرة، فورَد بلفظ الماضي ثلاث عشرة مرة، كلها بمعنى المنزَّل من عند الله إلاَّ قوله تعالى: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا ﴾ [الزلزلة: 4 - 5]، فإنها بمعنى الإذن، وقوله تعالى: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ ﴾ [طه: 38]، فهي بمعنى الإلهام.
ورَد بلَفْظ المضارع اثنين وعشرين مرَّة، كلها بمعنى المنزَّل من عند الله تعالى إلاَّ ثلاث، هي:

قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 112]، فإنه يعني أنّه يُلقي الملقي منهم القولَ الذي زيَّنه وحَسَّنه بالباطل إلى صاحبه؛ ليَغترَّ به مَن سَمِعه، فيضلَّ عن سبيل الله"[1].
وقوله: ﴿ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ [الأنفال: 12]، فهي بمعنى الإلهام والأمر[2].
وقوله: ﴿ إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى ﴾ [طه: 38]؛ أي: ألْهَمناها[3].
وورَد الاسم منه مرتين في قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾ [الشورى: 51]، وفي قوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 4].

أنواع الوحي ومظاهِره:
وقد أورَد الله تعالى تلك الأنواع في قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ﴾ [الشورى: 51].
وقد ورَد عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قوله: ((أحيانًا يأتيني مثل صَلصلة الجَرَس، وهو أشده عليّ، فيَفْصِم عني، وقد وَعيْتُ عنه ما قال، وأحيانًا يتمثَّل لي الملك رجلاً فيُكَلِّمني، فأعي ما يقول))[4].
فهذه كلها مظاهر للوحي عنده - صلَّى الله عليه وسلَّم - إضافة إلى ما يَنفث في رَوْعه؛ ((نَفَث في رَوعي أنه لن تموتَ نفس؛ حتى تستكملَ رزقها))[5].

ومن هنا، وانطلاقًا من مفهوم الوحي في القرآن، نَخلُص إلى كونه أعمَّ من القرآن ومن الكتاب ومن كلام الله، فمِن الوحي ما هو كلام الله، ومنه ما ليس كذلك، منه الإشارة - كما في قوله تعالى: ﴿ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا ﴾ [مريم: 11] - ومنه: "الإلهام والهداية والإرشاد"[6]؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ﴾ [النحل: 68].
ويبقى السياقُ هو الذي يحدِّد المعنى، وإن كان الإحصاء الذي أشرْنا إليه يؤكِّد أنَّ الوحي - الذي هو بمعنى المنزَّل من عند الله - هو المفهوم الغالب في القرآن.

ثانيًا: القرآن والكتاب:
1- هل القرآن هو الكتاب؟
قال الزركشي: "الكتاب القرآن، وقِيل: بل متغايران"[7]، واستدلَّ كلُّ طرف بأدلَّته، وبشكل موجز يمكن أن نقول: إن القرآن والكتاب يجتمعان في نقاط ويختلفان في أخرى، فمن خلال تتبُّع الدَّلالات المختلفة للفظة الكتاب في القرآن، وجَدنا أنهما يجتمعان حينًا ويختلفان أحيانًا أخرى، ما لَم ينتبه له الطرفان؛ حيث كلٌّ يؤيِّد رأْيَه بغَضِّ النظر عن الرأي الآخر؛ يدل لذلك ما قاله الزركشي بعد كلامه السابق مؤيِّدًا لرأي نفسه؛ حيث قال: "ورَد بقوله تعالى عن الجنِّ: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ [الجن: 1]، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ [الأحقاف: 30]، فدلَّ على ترادُفهما وهو أمُّ الدَّلائل، وفيه البيان لجميع الأحكام؛ قال الله تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89][8].

بل وصَل الأمر ببعضهم إلى أن ادَّعى الإجماع على اتحاد معنى الكتاب والقرآن، فقال في ذلك: "الكتاب: القرآن عند العلماء الأعيان، بدليل قول مَن نزَّل الفرقان: ﴿ وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ﴾ [الأحقاف: 29] إلى قوله: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى ﴾ [الأحقاف: 30]، والمسموع واحد، وبدليل قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ ﴾ [الجن: 1 - 2]، والإجماع مُنعقد على اتحاد اللفظين"[9].

وبناءً على هذا نجد إجابة السؤال الثاني:
1- هل الكتاب والقرآن شيء واحد، أو شيئان متغايران؟ نجدها حاضرة؛ حيث هناك عموم وخصوص بينهما، فالقرآن أخصُّ من الكتاب، فالكتاب يشمل القرآن، بينما القرآن لا يشمل بالضرورة الكتاب، أو بعبارة أخرى: فدَلالة الكتاب على القرآن دلالة "تضمُّنٍ"، في حين دلالة القرآن على الكتاب دَلالة "التزامٍ"، وليتَّضِح الفرق أكثر، لا بد من أن نطرحَ السؤال التالي:
ما الفرق بين القرآن والكتاب؟ ولنَترك القرآن الكريم - من خلال استقرائنا للمعاني التي ورَدَت للكتاب فيه - يتولَّى الإجابة بنفسه.
معاني الكتاب في القرآن الكريم، ورَد لفظ "الكتاب" في القرآن الكريم لأحد عشر معنًى تقريبًا، سنُجملها مع التمثيل فيما يلي:
1- الكتاب مرادف للقرآن، وقد ورَد الكتاب بهذا المعنى في آيات كثيرة، من بينها:
قوله تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [آل عمران: 3].
قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ﴾ [المائدة: 48].
قوله تعالى: ﴿ الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 1 - 2].
قوله تعالى: ﴿ حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الزخرف: 1 - 3].
وغيرها من الآيات التي تُفيد ترادُفَ الكتاب والقرآن، والتي تُدرَك من خلال السياق.

2- الكتاب بمعنى التوراة، وذلك في آيات متعددة من القرآن؛ منها:
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ [البقرة: 87].
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴾ [الفرقان: 35].
قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [المؤمنون: 49].
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية التي تؤكِّد هذا المعنى.

3- الكتاب بمعنى العُدَّة، وقد ورَد مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ [البقرة: 235].
4- الكتاب بمعنى الكتابة[10]، وذلك في آيتين، هما:
قوله تعالى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [آل عمران: 48].
قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [المائدة: 110].

5- الكتاب بمعنى صُحف إبراهيم، وذلك في قوله تعالى:
﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 54].

6- الكتاب بمعنى اللوح المحفوظ، وذلك في قوله تعالى:
﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ [الأنعام: 38].
وقوله: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59].
وقوله: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [يونس: 61].
قوله: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6].

إلى غير ذلك من الآيات، وهناك معنًى آخر قريب من هذا، وهو:
1- الكتاب بمعنى المكتوب في اللوح المحفوظ، وذلك في قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ [الأعراف: 37].
2- الكتاب بمعنى جنس الكتب السماوية، أو التوراة والإنجيل وحْدهما كما توحي به بعض السياقات، وذلك في قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ﴾ [الشورى: 17].
﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾ [البقرة: 121].
﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ﴾ [البقرة: 146].
﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ [القصص: 52].
إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا المعنى.

3- الكتاب بمعنى الإنجيل، وذلك في قوله تعالى:
﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ ﴾ [مريم: 30]، وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [آل عمران: 48].

4- الكتاب بمعنى المكاتبة؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: 33].
5- الكتاب بمعنى كتاب جزاء الأعمال؛ كما في قوله تعالى:
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾ [الكهف: 49].
وقوله: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾ [الزمر: 69].


وبعد هذه الجولة السريعة مع الكتاب ومعانيه في القرآن، ندخل للشِّق الثاني وهو: ما العلاقة بين كلام الله والقرآن؟
المسلمون متفقون تقريبًا على أنَّ القرآن كلام الله، إلاَّ الجهميَّة من المعتزلة، لكنَّ السؤال: هل كل كلام الله القرآن؟ أو أن القرآن ليس من كلام الله؟ أو أن هناك لله كلامًا غير القرآن؟

ذلك ما نَستنطق القرآن عنه، فيجيب:
معاني كلام الله في القرآن الكريم، وقد جاء كلام الله في القرآن الكريم بثلاثة معانٍ[11]، هي:
1- كلام الله بمعنى التوراة، وذلك في قوله تعالى:
﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 75].
قوله: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 144].


2- كلام الله بمعنى القرآن، وذلك في قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 6].

3- كلام الله بمعنى وَعْده وقَضائه وقَدَره؛ كما في قوله تعالى:
﴿ سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [الفتح: 15].

فهذه المعاني الثلاثة هي ما لاحَظنا في القرآن الكريم، وبناءً عليه:
فلله كلام غير القرآن.
وكلام الله إذًا أشْمَل من القرآن.
والقرآن من كلام الله، وليس كلَّ كلام الله.

وبعد هذا الإيضاح نَنتقل إلى السؤال الثالث، وهو:
ما العلاقة بين هذه الألفاظ الثلاثة: "الكتاب - القرآن - كلام الله"؟

وسنحاول أن نرتِّبها هرميًّا كما يتَّضِح لنا، وذلك على النحو التالي:
1- الكتاب: هو أشمل هذه المعاني كما يتَّضِح مما مرَّ، فهو يعمُّ القرآن وغيره من الكتب السماويَّة.
2- كلام الله: وهو الذي يَليه في العموم، إلاَّ أنَّ نسبة العموم بينه وبين الكتاب نسبة عموم وخصوص وجهي، فهو وإن كان أخصَّ منه من حيث لَم يدخل فيه "الإنجيل" صريحًا؛ فإنه أعمُّ منه، من حيث هو يشمل ما ليس بكتب سماوية، كالقضاء والقدر، وكلام الله الذي يتكلَّم به متى شاء، كالأحاديث القُدسية وغيرها.
3- القرآن: وهو أخصُّ هذه الألفاظ؛ إذ يشمل كلامَ الله المنزَّل على محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالعربية، دون غيره من كلام الله تعالى.

وبهذا التفريق بين هذه المعاني المختلفة، يتَّضِح المعنى المراد توضيحه في هذا التمهيد؛ ليتمَّ الانتقال مباشرة إلى المحور الأول:
المحور الأول: تعريف علماء القرآن للقرآن الكريم:
تعريفات: إنَّ أغلب تعريفات علماء القرآن الكريم له متقاربة في ألفاظها، بل وينقلها اللاحق منهم عن السابق كثيرًا، بحيث لا تكاد تخرج عن إطار محدود، يظهر فيما يلي:

التعريف اللغوي:
1- يقول الإمام الشوكاني: "والقرآن في اللغة: مصدر بمعنى القراءة، غلَب في العُرف العام على المجموع المعيَّن من كلام الله - سبحانه - المقروء بألْسِنة العباد"[12].
2- وقال الإسنوي: "والكتاب في الأصل جنس، ثم غلَب على القرآن مِن بين الكتب في عُرْف أهل الشرْع"[13].

التعريف الاصطلاحي: وفي الاصطلاح هناك عدة أنواع من التعريفات "الحدود"، لعلَّ من أهمها:
أ- الحد الوظيفي:
1- حد الإمام السبكي: "الكلام المنزَّل للإعجاز بسورة منه"[14].
2- حد الإمام الشوكاني: "اللفظ العربي المنزَّل للتدبُّر والتذكُّر المتواتر"[15].
3- حد الإمام الزركشي: "هو الكلام المنزَّل للإعجاز بآية منه، المتعبَّد بتلاوته"[16].
4- حد ابن النجار الحنبلي: "كلام منزَّل على محمد، معجز بنفسه، متعبَّد بتلاوته"[17]،[18].

والملاحظ أنَّ الوظيفة حُصِرت هنا في أربعة أمور، هي:
الإعجاز: وقد ركَّز عليه ثلاثة من المعرفين السابقين، في حين كانت العناصر الأخرى واردة دون تَكرار غير:
التعبُّد الذي تَكرَّر في التعريفين الأخيرَيْن.
التذكُّر، وقد انفَرد به الشوكاني في تعريفه.
التدبُّر كذلك.
وهذه الغايات كلها واردة في القرآن الكريم إلاَّ الإعجاز، فلم يردْ أنَّ القرآن نزَل من أجْله، وإنما ورَد أنه نزلَ كذلك، كما أشار إلى ذلك الغزالي - رحمه الله تعالى - ما جعَله يحذف الحد بالإعجاز من حده للقرآن.

ب- الحد الرسمي:
1- "هو الكلام المنزَّل على الرسول، المكتوب في المصاحف، المنقول إلينا نقلاً متواترًا"[19].
2- "هو كلام الله المنزَّل على محمد المَتلو المتواتر"[20].
3- القرآن المنزَّل علينا على لسان جبريل[21]، [22].
4- "ما نُقِل إلينا بين دَفَّتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة نقلاً متواتًرا"[23]، [24].
5- ما نُقِل إلينا بين دَفَّتي المصاحف تواتُرًا[25].

والملاحظ أن أربعًا من هذه التعريفات ركَّزت على قَيْد التواتر في التعريف، وهو قيد مهم بالفعل؛ لأنه يخرج القراءات الشاذة والكتب السماوية الأخرى، التي لَم تُنقل تواترًا - في ألفاظها على الأقل - لكنه أمْرٌ متعلق بطريقة نَقْل القرآن أكثر من تعلُّقه بالقرآن ذاته.
وأنَّ ثلاثة منها ركَّزت على المُصحفية، وهي كذلك وسيلة نَقْل، ما يعني أنَّ هذه الفكرة تخدم الفكرة السابقة وهي التواتر، وأن دورَ هذا القيد يتجلَّى أساسًا في إقصاء ما ليس مُثبتًا في المصحف عن صفة القرآنيَّة - بغَضِّ النظر عمَّن قال به - كقراءة ابن مسعود: "فصيام ثلاثة أيام متواليات"[26].
أما التعريفان اللذان لَم يذكرا المصحفية، فأحدهما اعتاض عنها بمرادف أو مقابل هو "التلاوة"، ولكنه للأسف لا يُحَقِّق الغرض؛ لأن القراءات الشاذة تتَّصِف بنوع من التلاوة.
وأمَّا التعريفُ الثاني، فقد عرف القرآن بأنَّ مُنزلَه جبريل علينا، وهذه الخِصِّيصة حقيقةً ليست جامعةً ولا دقيقة، فجبريل كان يأتي بالوحي الأنبياءَ قبلنا، وكان يأتي كذلك بغير القرآن كالأوامر الموجّهة للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من قبيل قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إنَّ جبريل نفَث في رَوْعي: أنه لن تموتَ نفس؛ حتى تستكملَ رزقها))[27]، فهو من هذه الناحية ليس بمانع، وكذلك ليس بدقيق في قوله المنزَّل علينا؛ إذ الصواب أن يقول: المنزَّل على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وإن كان من باب حَذْف المضاف، فقد يَشفع له ذلك.

ج- الحد باعتبار اللغة والصفة والغاية:
1- "كلام الله العربي الثابت في اللوح المحفوظ للإنزال"[28].
حاوَل هذا التعريف أن يُقارِبَ؛ حيث ميَّز القرآن بأهمِّ مميزٍ له وهو لُغته، ولكنه كان كسابقيه حين جاءت "فصوله" غير مفهوم، فكون القرآن في اللوح المحفوظ حقيقة لا مِراء فيها، لكنَّ كونه فيه للإنزال غيرُ دقيق، إن كان مرادَ الشوكاني؛ لأنه ما زال فيه، وإن كان مراده أنَّ القرآن للإنزال، فليس بمحقَّق؛ لأن الإنزال ليس هدفًا في حدِّ ذاته، ولَم يُحدِّد القرآن التنزيل كغاية من غايات القرآن، وإنما حدَّد الهدف من التنزيل.
وعمومًا، فهذه التعريفات كلها لَم تُلامس حقيقة التعريف القرآني المطابق من جميع النواحي لِمَا جاء في القرآن الكريم.

فمن أين نعرف التعريف؟ لنترك القرآن يتحدَّث عن نفسه بنفسه في المحور التالي:
المحور الثاني: تعريف القرآن للقرآن:
التعريف الغائي للقرآن:
وقد ورَد هذا التعريف في عِدَّة نصوص من القرآن، بل هو أكثر التعريفات ورودًا في القرآن الكريم، ومن أهمِّ الغايات التي عرَّف القرآن نفسه بالقصْد إليها نصًّا:

1- غاية الهدى والبِشارة والرحمة، وذلك في آيات، منها:
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾ [الإسراء: 9].
قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ * هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النمل: 1- 2].
قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 2].
قوله تعالى: ﴿ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ ﴾ [الأنعام: 157].
قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ [لقمان: 2 - 3].
قوله تعالى: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء: 82].
قوله تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ [النحل: 102].
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 138.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 136.78 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]