الصور التي ينقض فيها الحاكم النكاح بين الزوجين - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         نفدت مساحة هاتفك الأندرويد؟.. طرق سهلة لزيادة التخزين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 104 )           »          تخريج حديث: أيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 1495 )           »          «عون الرحمن في تفسير القرآن» ------متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 523 - عددالزوار : 260112 )           »          أهمية العبادات الخفية في تزكية النفس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 118 )           »          الرحمة من صفات المؤمنين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 135 )           »          التواسي لا التنازع: تأملات في هدي السلف وواقع الخلاف المعاصر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 149 )           »          مكافحة الفقر فريضة اسلامية غائبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 544 )           »          خواطر حول عبارة (لا يعرف الحق بالرجال) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 552 )           »          هل لإبليس زوجة؟! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 542 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 30-07-2026, 11:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,827
الدولة : Egypt
افتراضي الصور التي ينقض فيها الحاكم النكاح بين الزوجين

الصور التي ينقض فيها الحاكم النكاح بين الزوجين

د. عبده بن عبدالله الأهدل


التمهيد:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:
فقد قمت بجمع الصور التي ينقض الحاكم فيها النكاح بين الزوجين ويفرق بينهما، والمشتتة في بطون كتب الفقه الإسلامي، ليسهل الاطلاع عليها، عارضاً فيها أقوال العلماء مع الأدلة والمناقشة، محاولاً الترجيح فيما بينها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.

وجمعت هذه الصور في مقدمة وفصلين:
المقدمة: عرّفت فيها النكاح لغة واصطلاحاً.
الفصل الأول: الصور المختلف فيها بين الفقهاء.
الفصل الثاني: الصور التي لم ترد إلا في مذهب واحد.

أسأل الله عز وجل أن ينفع بها كل مطلع عليها، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، إنه سميع مجيب.

المقدمة: تعريف النكاح لغة واصطلاحاً:

النكاح في اللغة: الضم والجمع، منه: تناكحت الأشجار إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض.

وفي الاصطلاح: عقد يفيد حِل استمتاع كل من الزوجين بالآخر قصداً.

ويطلق النكاح في لغة العرب على: الوطء والعقد جميعاً، إلا أن يكون اللفظ ظاهراً في أحدهما، فيصرف إليه دون الآخر، كقوله: نكح فلان فلانة، أو بنت فلان، أو أخته، فيصرف إلى العقد؛ لأنه هو المراد هنا. وقولهم: نكح فلان زوجته، فيصرف إلى الوطء؛ لأن قرينة الزوجية دالة عليه.

الفصل الأول: وفيه ثلاث عشرة مسألة:

المسألة الأولى: عدم حضور الشهود عند النكاح:
اختلف العلماء في حضور الشهود عند النكاح، هل هو شرط الصحة، أو يصح بدونهم؟ للعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: لا ينعقد النكاح إلا بحضور الشهود[1].

وحجتهم على ذلك حديث عائشة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل))[2].

المذهب الثاني: وبه قال الزهري ومالك: ينعقد النكاح بدون حضور الشهود، ولكن يجب الإشهاد قبل الدخول، فإن دخل بدون إشهاد طلق عليه الحاكم طلقة بائنة؛ لصحة النكاح، لكون الإشهاد شرط وجوب وليس شرط صحة[3].

المذهب الثالث: يصح عقد النكاح بدون حضور الشهود مطلقاً.

روي هذا المذهب عن: عبدالله بن عمر، وعبدالله بن الزبير[4]، والحسن بن علي[5]، وبعض التابعين[6]، وأبي ثور، وابن المنذر[7].

وحجة هؤلاء: أن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج جارية، ولم يعرف الصحابة زواجه بها إلا عندما حجبها[8]؛ فدل ذلك على صحة عقد النكاح بدون حضور الشهود، إذ لو كان واجباً لفعله صلى الله عليه وسلم عند زواجه بهذه الجارية[9].

وأجيب: بأن زواج النبي صلى الله عليه وسلم من غير ولي وشهود من خصائصه صلى الله عليه وسلم، وليس ذلك تشريعاً لجميع الأمة، فلا يلحق به غيره في ذلك[10].

المسألة الثانية: تزويج الوليين المرأة:
إذا كان للمرأة وليان، فأذنت لكل منهما أن يزوجها من يرضاه لها، فعقد كل منهما لرجل، فأي الوليين يكون نكاحه صحيحاً وتكون المرأة زوجة له؟ للعلماء في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: أنه إن عرف من عقد له على المرأة أولاً فهي له، وهو الأحق بها، سواء دخل بها الثاني أم لا[11].

وحجتهم على ذلك: أن هذا مروي عن علي[12] بن أبي طالب[13]، ولأن الزوج الثاني تزوج امرأة قد أصبحت في عصمة رجل آخر، فكان زواجه بها باطلاً، كما لو علم أن لها زوجاً[14].

المذهب الثاني: إن عرف الزوج الأول ولم يدخل بها الثاني فهي للأول، وإن دخل بها الثاني فهي له.

وهذا مذهب عطاء[15]، ومالك[16][17].

وحجة هؤلاء: أن هذا قول عمر[18] بن الخطاب[19].

وأجيب: بأن عمر قد خالفه علي، ولا يقدم قول صحابي على آخر دون دليل، فسقط الاستدلال به حينئذ[20].

الراجح:
الذي يبدو أن قول الجمهور هو الأولى؛ لأن نكاح الثاني على المرأة قد صادف امرأة قد أصبحت متزوجة، فعقده عليها باطل، كما لو علم أنها متزوجة، ودخوله بها لا يغير حقيقة الأمر، كما لو دخل بها وهو يعلم أنه قد عقد عليها غيره قبله، والله أعلم.

ويجب لها المهر على الثاني بدخوله عليها؛ لاستمتاعه بها في قول: قتادة[21]، والشافعي[22]، وأحمد[23]، وابن المنذر[24][25].

فإن جهل من عقد له على المرأة أولاً فإن للعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: أن النكاح باطل. وبه قال أبو حنيفة[26][27] والشافعي[28]، وابن المنذر[29].
وحجة هؤلاء: أن وقوع العقدين معاً لا يمكن تصحيحهما، ولأنه ليس أحدهما بأولى من الآخر، فتعينت جهة البطلان فيهما.

المذهب الثاني: يفسخ الحاكم نكاحهما جميعاً، ثم تتزوج المرأة من شاءت منهما أو من غيرهما. وبه قال مالك[30]، وأحمد[31].

وحجة هؤلاء: أنه تعذر إمضاء العقد الصحيح منهما للجهالة بالأول منهما، وليس لكونه باطلاً في حد ذاته، فوجب إزالة الضرر بالفسخ والتفريق[32] من قبل الحاكم؛ لأن رفع الضرر موكول إليه.

ونتيجة هذين المذهبين هي: إبطال هذا النكاح، واختيار المرأة في التزوج بأي منهما أو من غيرهما، غير أن لكل من المذهبين وجهة نظر في إبطاله.

المذهب الثالث: أن المرأة تخير بينهما، فأيهما اختارت فهو زوجها.

روي هذا المذهب عن: شريح[33]، وحماد بن أبي سليمان[34]، وعمر بن عبدالعزيز[35][36]، ولم أجد من ذكر لهذا المذهب حجة.

المسألة الثالثة: إذا تزوج الكافر إحدى محارمه وأسلموا:

أنكحة الكفار صحيحة يقرون عليها إذا أسلموا أو تحاكموا إلينا، إذا كانت المرأة ممن يجوز ابتداء نكاحها في الحال، بأن لم تكن إحدى المحارم ولا معتدة للغير، ولا ينظر صفة عقدهم وكيفيته، ولا يعتبر له شروط أنكحة المسلمين من الولي والشهود وصيغة الإيجاب والقبول. ودليل صحة أنكحة الكفار قوله تعالى: ﴿ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴾ [37]، وقوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ ﴾ [38]؛ حيث أضاف سبحانه النساء إلى أزواجهن، وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ولدت من نكاح لا من سفاح[39]))[40]. وهذا عند جمهور العلماء[41].

وعند المالكية وآخرين: إذا استوفت شروط نكاح المسلمين حكم لها بالصحة، وإلا كانت فاسدة، ولكنهم يقرون عليها إذا أسلموا ترغيباً لهم في الإسلام[42]. فإذا تزوج الكافر إحدى محارمه وأسلما أو ترافعا إلينا وهما على كفرهما، فرق القاضي بينهما عند جميع العلماء؛ لأنه لا يجوز ابتداء هذا النكاح في الإسلام، فكذلك بقاؤه. فإن تزوج الكافر معتدة لغيره وأسلما قبل انقضاء العدة، فرق القاضي بينهما أيضاً عند الجمهور؛ لأنه لا يجوز نكاح المعتدة بالغير بالإجماع؛ لكونها مشغولة بعدة غيره[43].

وذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم التفريق؛ لأن إثبات حرمة نكاح المعتدة للغير للشرع غير ممكن شرعاً؛ لأن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، وإثبات الحرمة حقاً للزوج غير ممكنة أيضاً؛ لأن الزوج لا يعتقد حرمة ذلك[44].

المسألة الرابعة: إسلام أحد الزوجين قبل صاحبه:

اتفق جميع العلماء على أن الزوجين المشركين إذا أسلما دام النكاح بينهما. وكذلك إذا أسلم الزوج ولم تسلم الزوجة، وكانت يهودية أو نصرانية، سواء - في الصورتين - بعد الدخول بالزوجة أو قبله؛ لأن في الأولى لم يحصل بينهما اختلاف في الدين، وفي الثانية لأنه يجوز للمسلم نكاح الكتابية في الإسلام، فبقاؤه أولى من ابتدائه[45]. فإن أسلم الزوج وكانت الزوجة غير كتابية، أو أسلمت هي ولم يسلم هو، سواء كان كتابياً أو غيره، فإن لم يكن قد دخل بها الزوج حصلت بينهما الفرقة مباشرة عند الجمهور[46].

وحجتهم على ذلك: قياس غير المدخول بها هنا على غير المدخول بها في الطلاق، فإن غير المدخول بها إذا طلقت لم تجب عليها العدة، فكذلك هنا[47]، ولأنه إن كان هو المسلم فليس له إمساك كافرة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ [48].

وإن كانت هي المسلمة فلا يجوز إبقاؤها على نكاح مشرك[49]، وإن كانت مدخولاً بها فأي الزوجين أسلم قبل انتهاء عدة المرأة من يوم إسلام أحدهما دام النكاح بينهما، فإن لم يسلم المتخلف منهما إلا بعد انتهاء العدة تبين أن الفرقة وقعت من وقت اختلاف الدين بينهما[50].

وحجتهم على ذلك: حديث ابن عباس[51]: كان المشركون على منزلتين من النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كانوا مشركين أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، ومشركين أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، وكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر، فإذا طهرت حل لها النكاح، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه... الحديث[52].

وذهب المالكية إلى أنها إذا أسلمت قبله وكانت غير مدخول بها بانت منه مباشرة؛ لأنه لا عدة عليها، وإن كانت مدخولاً بها وأسلم الزوج في عدتها دام النكاح بينهما، وإلا فلا، وإن أسلم هو قبلها وأسلمت بعده بنحو شهر ثبت النكاح بينهما، سواء كانت مدخولاً بها أو لا[53].

وحجتهم على دوام النكاح على المدخول بها إذا أسلم في عدتها حديث ابن عباس السابق.

وحجتهم على القسم الأخير قوله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ ﴾ [الممتحنة: 10].

فإن الخطاب فيها للرجال دون النساء[54].
وذهب الأحناف إلى أنه لا فرق بين المدخول بها وغير المدخول بها في الحكم. فإذا كانا في دار الإسلام وأسلمت المرأة وزوجها كافر، عرض عليه الإسلام، فإن أسلم فهي امرأته، وإن أبى فرق القاضي بينهما، وإن أسلم الزوج وتحته غير كتابية عرض عليها الإسلام، فإن أسلمت فهي امرأته، وإلا فرق القاضي بينهما.

فإن أسلمت المرأة في دار الحرب وزوجها كافر، أو أسلم الزوج وتحته غير كتابية لم يعرض على أحد منهما الإسلام؛ لعدم ولاية الإسلام في ذلك المكان، بل تكون الفرقة بينهما بأن تحيض ثلاث حيض، أو تمر بها ثلاثة أقراء إن لم تكن من ذوات الحيض، فتبين منه بعدها.

وحجتهم على ذلك: أن الإسلام ليس سبباً للفرقة؛ لأنه طاعة، وكذلك كفر من أصر عليه؛ لأنه كان موجوداً قبل ذلك، ولم يمنع من صحة النكاح وبقائه، وكذلك اختلاف الدين ليس سبباً للفرقة، كما لو كان الزوج مسلماً، والزوجة كتابية، فتعين أن يكون سبب الفرقة هو إباء من لم يسلم بعد عرض الإسلام عليه، فلا دخل حينئذ لكون الزوجة مدخولاً بها[55].

وذهب عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عباس، والحسن البصري[56]، وسعيد بن جبير[57]، وعطاء، وطاووس[58]، وقتادة، وعمر ابن عبدالعزيز، والحكم[59]، وابن شبرمة[60]، وأبو ثور[61]، إلى أن الفرقة تقع بينهما بمجرد إسلام أحدهما وتخلف الآخر[62].

وحجة هؤلاء قوله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [63]. فإن في الآية بيان عدم حل المسلمات للكافرين، والمسلمين للكافرات، فتقع الفرقة بمجرد عدم حل أحدهما للآخر لأجل الإسلام[64].

المسألة الخامسة: التفريق للعيب:

إذا وجد أحد الزوجين في الآخر جنوناً أو جذاماً أو برصاً أو أي عيب من العيوب الآتي ذكرها، فهل يثبت للسليم منهما الخيار في النكاح، فإن شاء أمسك صاحبه، وإن شاء رفع أمره إلى الحاكم ليفرق بينهما، أو لا خيار له في ذلك، بل يثبت النكاح ويستمر في حق كل منهما؟ للعلماء في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: إذا وجد أحد الزوجين بالآخر عيباً من العيوب الآتي تفصيلها ثبت للسليم منهما فسخ النكاح[65].

وحجتهم على ذلك قول عمر: ((أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها - دخل بها - فلها صداقها كاملاً، وذلك لزوجها غرم على وليها))[66]. قالوا: لأن مثل هذا القول من عمر لا يكون من قبل الاجتهاد في الرأي، بل من قبل أن يكون سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ممن سمعه منه، فدل ذلك على أن هذا حكم من وجد به من أحد الزوجين أحد هذه العيوب أو ما كان في معناها، مما يمنع الوطء[67].

المذهب الثاني: لا يثبت لأحد الزوجين الخيار في فسخ النكاح إذا وجد بالآخر أي عيب كان.
وروي هذا المذهب عن: عبدالله بن مسعود[68]، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن عبدالعزيز، وإبراهيم النخعي[69]، وعطاء، وأبي الزناد[70]، وابن أبي ليلى[71]، وبه قال أهل الظاهر[72].

وحجة هؤلاء: قول عبدالله بن مسعود: لا ترد الحرة بعيب[73]. ولأنه لا دليل على التفريق بهذه العيوب لا من كتاب ولا سنة ولا قياس[74]، ولأن هذه العيوب لا تخل بموجب العقد وهو حل الوطء، ولأن إمكان الجماع وقضاء الحاجة مع من وجد به أحد العيوب من الزوجين ممكن بل وحاصل، وإنما تقل الرغبة في المعيب فقط، فلا يثبت الخبار للسليم منهما، كما لو كان من به العيب سيئ الأخلاق[75].

وأجيب: بأن العيوب تمنع الرغبة في الجماع، وتوجب النفرة المانعة من قربان المعيب بالكلية، كما يخاف السليم من العدوى إلى نفسه ونسله، والمجنون يخاف منه الجناية، فصارت العيوب كالموانع الحسية من القربان[76].

الراجح:

الذي يبدو أن مذهب الجمهور هو الأولى؛ لأن العيب تنفر منه الطبيعة البشرية، والزواج مودة وراحة وسكن، فلا يتحقق المقصود من الزواج مع وجود العيب، فلا يجوز إرغام الصحيح منهما على إبقاء النكاح والحالة هذه؛ لأن الله عز وجل لا يكلف بما لا يطاق، والله أعلم.

من الذي يحق له طلب التفريق بالعيب؟

اختلف الجمهور القائلون بثبوت التفريق بالعيب، هل هو حق لكل من الزوجين أم للزوجة فقط؟

ذهب الأحناف إلى أن الذي يثبت له حق التفريق بالعيب هو الزوجة فقط، أما الزوج فلا يثبت له ذلك؛ لأنه يمكنه دفع الضرر عن نفسه بالطلاق، أما الزوجة فلا يمكنها دفع الضرر عن نفسها إلا بإعطائها حق طلب التفريق؛ لأنها لا تملك الطلاق[77].

وذهب الأئمة الثلاثة إلى ثبوت طلب التفريق بالعيب لكل من الزوجين؛ لأن كلاً منهما يتضرر بالعيب، ويوجد فيه نفرة من الآخر تمنعه من قربانه بالكلية، ويخاف السليم منها العدوى إلى نفسه ونسله، والمجنون يخاف منه الاعتداء.

أما اللجوء إلى الطلاق فيؤدي إلى إلزام الزوج بكل المهر بعد الدخول وبنصفه قبله، وفي التفريق يعفى الزوج من نصف المهر قبل الدخول وبعده، يجب لها المسمى عند المالكية والحنابلة، ومهر المثل عند الشافعية[78].

العيوب التي تجيز التفريق:

اتفق الجمهور القائلون بجواز التفريق بالعيب على جواز التفريق بعيبين، وهما: الجب[79]، والعنة[80]، واختلفوا في عيوب أخرى على مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول: وبه قال أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف[81]:
لا فسخ إلا بالعيوب الثلاثة التناسلية، وهي: (الجب والعنة والخصاء) إن كانت في الرجل؛ لأنها عيوب غير قابلة للزوال، فالضرر فيها دائم، ولا يتحقق معها المقصود الأصلي من الزواج، وهو: التوالد والإعفاف عن المعاصي، فكان لابد من التفريق. أما العيوب الأخرى: من جنون أو جذام أو برص أو رتق[82] أو قرن[83]، فلا فسخ للزواج بها إن كانت بالزوجة أو الزوج، ولا خيار للآخر بها، وهذا هو الصحيح عند الأحناف.

وقال محمد بن الحسن[84]: ((للزوجة الخيار في فسخ النكاح إن كانت هذه العيوب بالزوج؛ دفعاً للضرر عنها، كما في الجب والعنة، وليس للزوج الخيار إن كانت بالمرأة؛ لأنه متمكن من دفع الضرر عنه بالطلاق))[85].

المذهب الثاني: وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة: يجوز الفسخ لأي واحد من الزوجين إذا وجد بالآخر عيباً من العيوب الآتي بيانها، إلا أنهم اختلفوا في عدد العيوب التي يثبت بها طلب التفريق بين الزوجين. فعددها عند المالكية ثلاثة عشر عيباً، أربعة يشتركان فيها وهي: الجنون والجذام والبرص والعذيطة[86]، وأربعة خاصة بالرجل وهي: الجب والخصاء والاعتراض[87] والعنة[88]، وخمسة خاصة بالمرأة وهي: الرتق والقرن والعفل[89] والإفضاء[90] والبخر[91].

وليس من العيوب: القرع[92] والسواد والعمى والعور والعرج والزمانة ونحوها من العاهات، إلا إذا اشترط السلامة منها[93].

وعند الشافعية سبعة وهي: الجب والعنة والجنون والجذام والبرص والرتق والقرن. وليس منها: البخر ولا الاستحاضة والقروح السيالة والعمى والزمانة والبله والخصاء والإفضاء والتغوط عند الجماع؛ لأن هذه الأمور لا تفوت مقصود النكاح[94].

وعند الحنابلة ثمانية، ثلاثة يشترك فيها الزوجان وهي: الجنون والجذام والبرص، واثنان يختصان بالرجل وهما: الجب والعنة، وثلاثة تختص بالمرأة وهي: الفتق[95] والقرن والعفل[96].

المذهب الثالث: وبه قال الزهري[97] وشريح وابن القيم[98]: يجوز التفريق من كل عيب منفر بأحد الزوجين، سواء كان مستحكماً أم لا، كالعقم والخرس والعرج والطرش وقطع اليدين أو الرجلين أو إحداهما؛ لأن هذه الأمور من أعظم المنفرات، والسكوت عنها من أقبح التدليس والغش، ولأن العقد قد تم على أساس السلامة من العيوب، فإذا انتفت السلامة فقد ثبت الخيار، ولأن عمر بعث رجلاً على بعض السعاية فتزوج امرأة وكان عقيماً، فقال له عمر: أعلمتها؟ فقال: لا، قال: فانطلق فأعلمها ثم خيرها[99]. فقد أثبت التخيير في الفراق بالعقم، وهو أقل تنفيراً من قطع الرجلين ونحو ذلك[100].

الراجح:

الذي يبدو أن المذهب الأخير هو الراجح؛ لأن وجهة نظره قوية، ولأن معظم العيوب التي قال أصحاب المذاهب الآنف ذكرهم يجوز التفريق بها لا دليل عليها، فيبقى الضابط الصحيح: أن كل عيب ينفر أحد الزوجين من الآخر، ولا تحصل به مقاصد النكاح - من الرحمة والمودة - يثبت الخيار به. والله أعلم.

المسألة السادسة: التطليق للشقاق والضرر:

إذا اشتد النزاع بين الزوجين بسبب الطعن في الكرامة، أو لإيذاء الزوج زوجته بالقول أو بالفعل، كالشتم المقذع، والتقبيح المخل بالكرامة، والضرب المبرح، والحمل على فعل ما حرم الله، والإعراض والهجر بدون سبب يبيحه، ونحو ذلك - فهل يطلق الحاكم على الزوج بذلك إذا طلبت الزوجة الفراق، أم يجب عليه تأديب الظالم منهما فقط، ولا يحق له التفريق؟ للعلماء في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: لا يجوز التفريق للشقاق أو الضرر مهما كان شديداً؛ لأن دفع الضرر عن الزوجة يمكن بغير الطلاق، عن طريق رفع الأمر إلى القاضي، والحكم على الرجل بالتأديب، حتى يرجع عن الإضرار بها[101].

المذهب الثاني: وبه قال المالكية: إذا أثبتت الزوجة بالبينة الضرر وطلبت الفراق، فرق الحاكم بينهما منعاً للنزاع، ورفعاً للضرر؛ حتى لا تصبح الحياة الزوجية جحيماً لا يطاق[102].

المسألة السابعة: الخلع[103]:

إذا اتفق الزوج مع زوجته أن تعطيه عوضاً مقابل خلعه عقدة النكاح بينهما، فهل يجوز ذلك بدون إذن السلطان، أم إنه لا يجوز الخلع إلا عند السلطان وحكمه بذلك؟ للعلماء في ذلك مذهبان:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: يجوز الخلع دون إذن السلطان وحكمه به.

وحجتهم على ذلك: أن الخلع معاوضة بين الزوج وزوجته، والمعاوضة لا تحتاج إلى إذن الحاكم وحكمه، كما لا يحتاج ذلك البيع والنكاح والطلاق[104].

المذهب الثاني: وقال به محمد بن سيرين[105]، وسعيد بن جبير، والحسن البصري[106]: لابد من إذن الحاكم وحكمه بذلك.

وحجتهم في ذلك: قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [107]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [108]، فجعل الخوف لغير الزوجين، ولم يقل: فإن خافا، فالخطاب في الآيتين في التفريق بالخلع موجه إلى الولاة والحكام[109].

ورد الجمهور: بأن الخلع هو ما يتراضى عليه الزوجان ولا إجبار للحاكم عليه. ولأن خوف غير الزوجين من الشقاق بينهما وعدم مراعاة حسن العشرة لا تأثير له في حلية أخذ الزوج الفداء من الزوجة[110].

المسألة الثامنة: التطليق على المولي[111]:

إذا حلف الرجل على عدم وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر[112] سمي مولياً، وحق للزوجة بعد مضي الأربعة الأشهر أن تطالبه لدى الحاكم بالعودة إلى الجماع والتكفير عن يمينه أو الطلاق. فإن رفض الأمرين فهل يطلق الحاكم المرأة نيابة عن الزوج، أم أنها تبين منه بمجرد مضي الأربعة الأشهر؟ للعلماء في ذلك أربعة مذاهب:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: يطلق عنه الحاكم طلقة رجعية نيابة عنه إذا رفعته المرأة إليه[113].

وحجتهم على ذلك: أنه لا سبيل إلى دوام إضرارها ولا إجباره على الرجوع إلى الجماع؛ لأنها لا تدخل تحت الإجبار، والطلاق يقبل النيابة، فناب عنه الحاكم عند الامتناع، كما يزوج عن العاضل ويستوفي الحق من المماطل[114].

المذهب الثاني: وبه قال شريح القاضي وعطاء والحسن البصري والنخعي وابن أبي ليلى وجمع من التابعين والأحناف: أنها تبين منه بتطليقة واحدة[115].

وحجة هؤلاء: أن هذا قول عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة[116]، ولأنه لما ظلمها بمنعها حقها، جازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة، ولأن الإيلاء كان طلاقاً بائناً على الفور في الجاهلية، بحيث لا يقربها بعد الإيلاء أبداً، فجعله الشرع مؤجلاً بقوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [117]، إلى انقضاء المدة، فحصلت الإشارة إلى أن الواقع بالإيلاء بائن، لكنه مؤجل[118].

المذهب الثالث: وبه قال أبو ثور: يطلقها الحاكم طلقة بائنة.

وحجته على ذلك: أنه إذا لم يطلقها طلقة بائنة، بل رجعية لم يرفع عنها الضرر؛ لأنه سيراجعها ويعود الأمر كما كان، لذلك يجب أن يكون الطلاق بائناً لئلا يتمكن من المراجعة[119].

المذهب الرابع: وبه قال الظاهرية: لا يطلق الحاكم على المولي لا بائناً ولا رجعياً، بل يجبره بالسوط على العودة إلى الجماع أو الطلاق، ولو أدى ذلك إلى موته، إلا أن يكون عاجزاً عن الجماع، فيجبر على الرجوع باللسان وحسن الصحبة.

وحجتهم على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ [120]، وقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [121]. فمنع عز وجل من كل شيء إلا عزيمة الزوج على الطلاق؛ فصح أن طلاق الحاكم عليه فضول وباطل وتعد لحدود الله عز وجل، ومن الباطل أن يطلق عليه غيره أو يفيء عنه غيره[122].

الراجح:

الذي يبدو أن مذهب الجمهور القائل بجواز تطليق الحاكم على المولي طلقة رجعية هو الراجح؛ لأنه لا سبيل لرفع الإضرار عن المرأة إلا بالطلاق، ومهمة الحاكم رفع الضرر والظلم، ولأنه طلاق صادف مدخولاً بها من غير عوض ولا استيفاء عدد، فكان رجعياً كالطلاق في غير الإيلاء، والضرر يرتفع بالطلاق الرجعي، فإذا ارتجعها وآلى منها ضربت مدة أخرى[123]. فهذا مذهب وسط؛ لأن في ذلك مراعاة رفع الضرر عن المرأة بالطلاق، ومراعاة حق الرجل في الرجعة والتأني؛ لأنه طلاق من غير عوض. والله أعلم.

المسألة التاسعة: التطليق على المظاهر[124]:

إذا ظاهر الرجل من زوجته وامتنع من التكفير والوطء، فهل يجوز لزوجته مطالبته لدى الحاكم بالتكفير عن مظاهرته والعودة إلى وطئها أو طلاقها، وأنه إذا رفض ذلك طلق عليه الحاكم؟ للعلماء في ذلك ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: لا يصير المظاهر مولياً بالمظاهرة، وإن مضت عليه أكثر من أربعة أشهر، ولا يطلق عليه الحاكم، بل يجبره الحاكم على التكفير بالحبس، إذا تضررت المرأة بعدم العودة إلى الوطء[125].

وحجتهم على ذلك: أن الله عز وجل نص أن حكم المولي هو: الفيئة بالوطء أو عزيمة الطلاق، وأن حكم الظهار وجوب الكفارة قبل المسيس، فلا يجوز إعطاء حكم أحدهما للآخر، إذ المنصوصات لا يقاس بعضها على بعض[126]، ولأن الظهار ليس له وقت محدد[127].

المذهب الثاني: وبه قال الإمام مالك وأبو عبيد: إن قصد بامتناعه من وطئها الإضرار بها صار بذلك مولياً، وجاز للمرأة رفعه إلى الحاكم، فيخيره بين التكفير والوطء والطلاق، فإن رفض طلق عليه.

وحجة هؤلاء: أن الامتناع عن وطء الزوجة فيه ضرر عليها، والضرر يجب رفعه[128].

المذهب الثالث: وبه قال قتادة وجابر بن زيد: (يصير بذلك مولياً، ويجب عليه حكم الإيلاء إذا مضت المدة ولم يجامع ولم يكفر)[129].

الراجح:

الذي يبدو أن مذهب مالك ومن معه هو الأولى؛ لأنه ليس معقولاً أن يترك الأمر للزوج ليلحق الضرر بالزوجة بعدم الوطء؛ لأن لها حقاً في الحياة والمتعة مثل الرجل، فيجب إزالة الضرر ولو بالتطليق عليه، ولأنه ليس في إمكان الحاكم إجبار الزوج على الوطء، فلم يبق في إمكانه لرفع الظلم عن الزوجة إلا التطليق عليه.

المسألة العاشرة: التفريق بين المتلاعنين[130]:

إذا رمى الرجل زوجته بالزنا جاز له ملاعنتها ليدفع عن نفسه حد القذف، ويجوز للمرأة ملاعنته أيضاً لتدفع عن نفسها حد الزنا. وذلك بأن يشهد الرجل أربع شهادات بالله إنه لصادق فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين. وتشهد المرأة كذلك أربع شهادات بالله إنه لكاذب فيما رماها به من الزنا، والخامسة أن عليها غضب الله إن كان من الصادقين.

فإذا تلاعنا حرمت عليه ولم يجز بقاء النكاح بينهما أبداً، ولكن هل تحصل الفرقة وانقطاع النكاح بتمام اللعان، أم لا تحصل إلا بتفريق الحاكم بينهما؟ للعلماء في ذلك أربعة مذاهب:

المذهب الأول: وبه قال جمهور العلماء: تقع الفرقة بينهما بتمام اللعان[131].

وحجتهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمن لاعن زوجته[132]: ((لا سبيل لك عليها)). فهذا إعلام منه أن تمام اللعان رفع سبيله عليها، وليس تفريقه بينهما باستئناف حكم، وإنما كان تنفيذاً لما أوجب الله بينهما من المباعدة، وهو معنى اللعان في اللغة[133]. وردَّ بأن الحديث إنما وقع جواباً لسؤال الرجل عن ماله الذي أخذته منه، وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ، وهو نكرة في سياق النفي، فيشمل المال والبدن، ويقتضي نفي تسلطه عليها بوجه من الوجوه[134].

المذهب الثاني: وبه قال أبو حنيفة وأصحابه[135]، والثوري[136]: لا تقع الفرقة بينهما إلا بتفريق من الحاكم.
وحجة هؤلاء:
1 - حديث عبدالله بن عمر قال: ((لاعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجل من الأنصار وامرأته وفرق بينهما))[137]، حيث أضاف التفريق إليه[138].

2 - حديث ابن عمر الثاني، وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قال للرجل: ((لا سبيل لك عليها))[139].

3 - حديث سهل بن سعد الساعدي[140]، أنه عندما انتهى عويمر العجلاني وزوجته من اللعان، قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكُتها. فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم[141].

فهذا يقتضي إمكان إمساكها، وأنه وقع طلاقه، ولو كانت الفرقة وقعت بتمام اللعان لما وقع طلاقه ولا أمكنه إمساكها[142].

المذهب الثالث: وبه قال الإمام الشافعي: إذا أكمل الزوج الالتعان وقعت الفرقة بينهما، ولا تحل له أبداً، وإن أكذب نفسه، سواء التعنت المرأة أو لم تلتعن، حدت أو لم تحد.

وحجته على ذلك: أن لعانه سبب في إثبات الزنا عليها، فيستلزم انتفاء نسب الولدية فينتفي الفراش، فإذا انتفى الفراش انقطع النكاح[143]، وأما التعان المرأة فإنما هو لدرء الحد عنها لا غير[144].

المذهب الرابع: وبه قال عثمان البتي[145]، وجابر بن زيد[146]: لا يحصل باللعان فرقة.

وحجة هؤلاء: أنه ليس في كتاب الله تعالى إذا لاعن أو لاعنت يجب وقوع الفرقة، ولأن عويمراً العجلاني لما لاعن امرأته طلقها ثلاثاً، فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو وقعت الفرقة لما نفذ طلاقه[147].

الراجح:

الذي يبدو أن الراجح هو مذهب الأحناف ومن معهم، وذلك لظاهر الأدلة وتظافرها على ذلك، وأدلة مخالفيهم غير ناهضة للمعارضة، ومحتملة للتأويل.

المسألة الحادية عشرة: التطليق على المفقود:

إذا غاب الرجل عن زوجته وانقطع خبره ولم يعلم له موضع، فهل يجوز لزوجته أن ترفع أمرها إلى الحاكم، فيضرب لها مدة تنتظر فيها، فإن جاء وإلا فبعد انتهاء تلك المدة تعتد منه عدة المتوفى عنها، ثم يباح لها الزواج بغيره، أو أنه لا يجوز لها ذلك، بل تصبر حتى يبلغها موته أو حياته بيقين؟
يتبع



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 137.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 135.37 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.26%)]