بيان ما ورد في حق موسى عليه السلام في شأن سؤال ربه الرؤية
د. أحمد خضر حسنين الحسن
ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: 143].
قال في تفسير المنار:﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾؛ أي: ولما جاء موسى للميقات الذي وقَّتناه له للكلام وإعطاء الشريعة، وكلمه ربه - عز وجل - من وراء حجاب بغير واسطة الملك، استشرفت نفسُه الزكية العالية للجمع بين فضيلتي الكلام والرؤية، فقال: ربِّ أرني ذاتك المقدسة بأن تجعل لي من القوة على حمل تجليك ما أقدر به على النظر إليك ورؤيتك، وكمال المعرفة بك بالقدر الممكن؛ أي: دون ما هو فوق إمكان المخلوقين من الإدراك والإحاطة المنفي بقوله تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 103].
﴿ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾؛ أي: إنك لا تراني الآن، ولا فيما تستقبل من الزمان، ثم استدرك - تبارك وتعالى - على ذلك بما يدل على تعليل النفي، ويخفف عن موسى شدة وطأة الرد، بإعلامه ما لم يكن يعلم من سنته، وهو أنه لا يقوى شيء في هذا الكون على رؤيته؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي موسى عند مسلم: (حجابه النور، لو كشفه لأَحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصرُه من خلقه)، فقال: (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ)، فإنني سأتجلَّى له، فإن ثبت لدى التجلي بقي مستقرًّا في مكانه، فسوف تراني، لمشاركتك له في مادة هذا العالم الفاني، وإذا كان الجبل في قوته ورسوخه لا يثبُت، ولا يستقر لهذا التجلي؛ لعدم استعداد مادته لقوة تجلِّي خالقه وخالق كل شيء، فاعلم أنك لن تراني أيضًا، وأنت مشاركٌ له في كونك مخلوقًا من هذه المادة، وخاضعًا للسنن الربانية في قوتها، وضعف استعدادها، ﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ [النساء: 28]، وقَبولها للفناء.