|
|||||||
| ملتقى الإنشاء ملتقى يختص بتلخيص الكتب الاسلامية للحث على القراءة بصورة محببة سهلة ومختصرة بالإضافة الى عرض سير واحداث تاريخية عربية وعالمية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
نورٌ وكتابٌ مُبين (2) في سياق الهداية والدعوة.. كيف كسر القرآن قيود الظلمة بأنوار البيان؟ د. رمضان فوزي بعد أن بدأنا رحلتنا بالحلقة الأولى من هذه السلسلة التي كانت بعنوان «جلال الإبانة.. لماذا وصف القرآن نفسه بـ«المبين»؟» بالوقوف على عتبات «الاسم والمسمى»، وأدركنا أن وصف القرآن بـ«المُبين» ليس مجرد صفة عابرة، بل هو كينونة وجودية تلازم الكتاب العزيز في تلاوته وتسطيره. ننتقل في هذه الحلقة إلى رحاب «إشراقات المفسرين»؛ لنرى كيف استقبلت عقولهم هذا النور المبين، وكيف استنبطوا من لفظة «المُبين» عوالم من المعرفة والحقائق. إن المتأمل في مادة «البيان» يجد أن القرآن الكريم قد نوّع في وصف نفسه وآياته؛ فهو «قرآن مبين»، وهو «كتاب مبين»، وهي «آيات بينات»، والقرآن والكتاب -كما أسلفنا- اسمان لمسمى واحد؛ فهو قرآن بحكم تلاوته وقراءته، وهو كتاب بحكم كتابته وتسطيره في اللوح المحفوظ. وفي ثنايا هذا التنوع، تبرز لنا أسرارٌ دقيقة في استخدام كل لفظ في سياقه المعجز. أولاً: الإبانة غاية الهداية ومقصد الدعوة: من المقاصد العليا للقرآن الكريم هداية الناس إلى الإيمان بالله تعالى، وعبادته، والخضوع لأحكامه وتشريعاته؛ ولذلك نجد أن من أكثر السياقات القرآنية التي وُصف فيها القرآن وآياته بالإبانة هي سياقات الحديث عن هداية الناس ودعوتهم إلى طريق الله، وإخراجهم من الظلمات إلى النور. إن طريق الدعوة يحتاج إلى الوضوح التام وتبيين الحقائق، ولا يكون ذلك إلا من خلال «الآيات الواضحات»، ويلاحظ هنا تنوع أسماء القرآن الموصوفة بالبيان والإبانة، كما تنوعت صيغ هذا الوصف بين الصفة المشبهة «بينات» المشتقة من الفعل اللازم «بانَ»، وبين اسم الفاعل «مُبينات» المشتق من الفعل المتعدي بالهمزة «أبانَ»، وهذا التنوع ليس محض صدفة لغوية، بل هو دقة ربانية تتسق مع مراد الآيات ومقاصد السور. ثانياً: الصفة المشبهة وجلال الثبوت في مقام الهداية العامة: نجد قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ) (الحج: 16)، وقوله عز وجل: (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحديد: 9). لقد وُصفت «الآيات» هنا بصيغة الصفة المشبهة «بينات»، وهي صيغة في لغة العرب تفيد ثبات الصفة وملازمتها لهذه الآيات؛ فهي آيات بينة وواضحة في ذاتها، بما تتضمنه من دلائل يراها كل ذي بصر، ويدركها كل ذي عقل، ولعل هذا الاختيار اللفظي هو الأنسب لسياق الهداية والإخراج من الظلمات؛ إذ يقتضي المقام أن تكون الآية واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حيَّ عن بينة. ثالثاً: اسم الفاعل والتوضيح في سياق التشريع والحدود: وفي مواضع أخرى، ننتقل إلى صيغة اسم الفاعل «مُبينات»، كما في قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) (النور: 34)، وقوله سبحانه: (لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (النور: 46)، وفي سورة «الطلاق»: (رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) (الطلاق: 11). ويُلحظ هنا بوضوح أن هذه الصيغة وردت في سورتي «النور» و«الطلاق»؛ وهما سورتان تفيضان بالأحكام الفقهية، والتشريعات الأسرية، والآداب المجتمعية، فكان اسم الفاعل «مُبينات» هو الأنسب لموضوعات السورتين؛ لأن وظيفة الآيات هنا تتعدى الوضوح الذاتي إلى «تبيين» الأحكام للناس، وشرح الحدود، وتوضيح المسالك الشرعية التي قد يقع فيها اللبس، فهي آياتٌ شارحة وموضحة ومبيّنة لما يحتاجه المكلف في واقعه. رابعاً: النور المبين والبرهان القاطع في ختام «النساء»: وفي ختام سورة «النساء»، المليئة بالفرائض والمواريث والحدود، استخدم الله سبحانه من أسماء القرآن «النور» مقروناً باسم الفاعل، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) (النساء: 174). ويعلق الخطيب الشربيني على هذا المقام قائلاً: «أي: واضحاً في نفسه موضحاً لغيره وهو القرآن الجامع بإعجازه وحسن بيانه، فلم يبق لكم عذر ولا علة، وقيل: المراد بالبرهان المعجزات وبالنور القرآن» (السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير، 1/ 348). وهنا ملمح نفسي وعقدي جدير بالتأمل؛ وهو أن الآية التي تلتها مباشرة ذكرت المؤمنين وحدهم: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ) (النساء: 175)، متجاهلةً الطرف الآخر من المكذبين؛ وفي ذلك إشارة بالغة إلى أنه بعد هذا «البرهان» القاطع وهذا «النور المبين»، لم يعد هناك مسوغ لوجود المكذب، وكأن الحجة قد بلغت مداها فلم يبقَ إلا ذكر مآل المؤمنين المستجيبين لهذا البيان. خامساً: كتاب الهداية وسلوك سبل السلام: وقريبٌ من هذا المعنى ما ورد في سورة «المائدة»: (قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) (المائدة: 15)، ثم تأتي الآية التالية لتكشف عن الوظيفة العملية لهذا الكتاب المبين: (يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (المائدة: 16). فهو نور مبين وكتاب مبين وُجد ليبين طريق الحق والإيمان لمن فتح الله قلوبهم؛ فهو يوضح لهم حقيقة الإيمان، وطبيعة الإله المعبود، ويبين لهم ما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، ومن سلك هذا الطريق، سلكه على «بينة» واقتناع عقلي تام، وخضوع قلبي وتسليم نفسي؛ فهذا هو جوهر البيان القرآني وغاية الإبانة في التنزيل. هكذا رأينا كيف تنوعت صيغ الإبانة في سياق الهداية، لتكون تارة «بينات» في جوهرها وثبوتها، وتارة «مُبينات» في وظيفتها التعليمية والتشريعية؛ لأن هذا البيان الإلهي هو الذي يقطع حجة المكابرين ويضيء دروب المؤمنين. ولكن، هل تقتصر «إبانة» القرآن على سياق الهداية والبلاغ فقط، أم أن لها سياقات أخرى تتجلى في مواضع التحدي والإعجاز، والقسم، ونفي الشاعرية عن الرسول وفي أسرار الحروف المقطعة التي حيرت ألباب الفصحاء؟ هذا ما سنتعرف عليه في الحلقة القادمة بإذن الله.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |