عاشوراء والسنن الإلهية في صراع الحق والباطل - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الرضا كنز والتباهي جمر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          أداء الأمانة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          نماذج من سير الأتقياء والعلماء والصالحين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          ضعف اليقين، أسبابه وثمراته وعلاجه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          الوقاية من أهوال يوم القيامة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          الوصايا العشر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          فقه الحياة الزوجية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          أفئدة تطلع ونفوس تتعالى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »          ﴿ وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ﴾ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          حقيقة الموت والاستعداد للآخرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 42 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 27-06-2026, 06:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 178,642
الدولة : Egypt
افتراضي عاشوراء والسنن الإلهية في صراع الحق والباطل

عاشوراء والسنن الإلهية في صراع الحق والباطل

أ. د. حلمي عبدالحكيم الفقي

السنن الكونية هي المحرك الأساسي لتاريخ الإنسانية، وحركة المجتمعات البشرية، بل وحركة الوجود قاطبة، والحق سبحانه وتعالى هو وحده من يدير المعركة التاريخية السرمدية بين الحق والباطل، وفي هذا السياق، لا يخضع التاريخ البشري للمصادفات العبثية، بل يسير وفق معادلات دقيقة ومطردة صاغتها الإرادة الإلهية لتدبير الكون، ويبدو جليًّا حدث "يوم عاشوراء"- وهو اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون وجنوده- كأحد أهم المنعطفات التاريخية التي تُقدِّم نموذجًا رائعًا ومتكاملًا لطبيعة التدافع بين الحق والباطل، وكيفية تدخل السنن الإلهية في لحظات الذروة والحسم.

وفي هذا الإطار يأتي هذا المقال، لتوضيح الدروس الإيمانية، والفرائد التربوية، والسنن الإلهية المرتبطة بهذا الحدث التاريخي الخالد، ونناقش أيضًا: المفارقة الجوهرية بين "التكتيك البشري" في إدارة المعارك القائم على تتَبُّع نقاط الضعف والقوة لأطراف المعركة، وبين "النسق الإلهي" القائم على أخذ الظالمين في أوج قوتهم، ونصرة المستضعفين في قمة ضعفهم المادي، كما يُسلِّط المقال الضوء على البُعْد العقدي والإيماني في حادث عاشوراء، المتمثل في "اليقين المطلق" كشرط أساسي لتحقق النصر والتمكين الحضاري.

أولًا: طبيعة السنن الإلهية في الصراع بين الحق والباطل
في الصراعات البشرية التقليدية، تعتمد الاستراتيجيات العسكرية والسياسية على مبدأ "انتهاز الفرص وتحيُّن نقاط الضعف"، فالإنسان بطبيعته القاصرة يبحث عن الثغرات في جدار خَصْمه، ليوجه ضربته الحاسمة؛ لأن قدراته المحدودة، تفرض عليه تجنُّب مواجهة القوة الكاملة للعدو.

بيد أن السنن الإلهية الناظمة للكون، تعمل وفق طبيعة مغايرة تمامًا، فتقوم على إظهار الطلاقة المطلقة للقدرة الإلهية، وتحطيم أوهام القوة المادية التي يتبجَّح بها الإنسان. ويبدو هذا الطرح جليًّا في مسارين متوازيين:
1- الاستدراج والأخذ في أوج القوة:
لا تأتي العقوبة الإلهية للقوى الباغية في لحظات انكسارها، أو ضعفها الاقتصادي أو العسكري، بل تأتي تزامنًا مع وصولها إلى ذروة التمكين المادي، والخيلاء السلطوي. ويُعرف هذا في القرآن الكريم بـ "سُنَّة الاستدراج" و"الإملاء"، كما في قوله تعالى: ﴿ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾ [القلم: 44، 45].

وفي يوم عاشوراء، لم يكن فرعون يمرُّ بأزمة سياسية أو عسكرية؛ بل كان في كامل عافيته، وفي أتم قوَّته، وزهوة سلطانه، متبوعًا بجيش عَرَمْرَم، يمثل الأداة الضاربة لأقوى إمبراطورية في ذلك العصر، وهذا التوقيت بالذات (أوج القوة) يخدم هدفين معرفيين:
إقامة الحجة البالغة: بحيث لا يُعزى السقوط والاندحار إلى عوامل داخلية، أو أسباب مادية مألوفة، بل يظهر كفعل إلهي مباشر تخرُّ له الجبابرة صاغرين، ويقطع دابر الظالمين، ويلوي أعناق المستكبرين.

تفكيك وهم التأليه البشري: عندما تغرق القوة الإمبراطورية بين أنياب سائل (الماء) وهو من أضعف عناصر الطبيعة في الظاهر، يتجلَّى عجز القوة المادية أمام الإرادة الكونية.

2- النصر في ذروة الاستضعاف المادي:
على الجانب المقابل، تتجلَّى السُّنَّة الإلهية في إنجاء المستضعفين، عندما تصل قواهم المادية إلى نقطة الصفر المطلق، وحين يحيط بهم الهلاك من كل جانب، بمقاييس الحسابات البشرية، هذا التباين الشديد بين الضعف المادي، والقدرة الإلهية يربط قلوب المؤمنين بالمسبِّب لا بالأسباب، ويحمي الأمة المنتصرة مستقبلًا من داء الغرور العسكري أو القومي، فتعلم أن النصر كان منحة إلهية محضة، وليس نتاجًا لعبقريتها الذاتية، وينعقد في قلبها صدق قول ربها: ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 126].

ثانيًا: الاستكبار الفرعوني وسياق المعركة الحاسمة
لقد مثَّل المجتمع الفرعوني في عصر موسى- عليه السلام- نموذجًا متقدمًا "لـلاستكبار السياسي والاجتماعي"، ويمكن تحليل بنية هذا المجتمع، من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية تلاقت كلها في يوم عاشوراء:
1- البُعْد السياسي: احتكار السلطة المطلقة، وادعاء الألوهية التشريعية والوجودية كما لخَّصَها القرآن في شعار فرعون: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [النازعات: 24].

2- البُعْد الاجتماعي: شقّ المجتمع إلى طبقات متناحرة، واستضعاف فئة معينة (بني إسرائيل) عبر تقتيل أبنائهم، واستحياء نسائهم، وسلب حقوقهم الآدمية.

3- البُعْد النفسي: "الزهوة والخيلاء"، وهي حالة الإنكار المعرفي التي تصيب الطغاة، وتجعلهم عاجزين عن رؤية السنن الكونية؛ مما يسوقهم إلى الاندفاع الأعمى نحو حتفهم.

وفي يوم عاشوراء، تجمعت هذه الأبعاد الثلاثة، فقد سار فرعون خلف موسى وقومه، ليس لمجرد معركة عسكرية، بل كان يسير مدفوعًا بنشوة القدرة المطلقة، والتأكد التام من إبادة الخصم، لكن هذا "العَمى المعرفي" هو الذي قاد الجيش الفرعوني إلى دخول البحر وراء موسى دون التفكير في البُعْد الخارق للعادة لمسألة انفلاق البحر؛ حيث حجبت غشاوة الغرور والتفوق المادي أي إدراك عقلاني للعواقب.

ثالثًا: اليقين التام في أحرج اللحظات
تُمثِّل حادثة انشقاق البحر، ونجاة موسي ومن معه، وغرق فرعون وجنده، مادة خصبة للدراسات العقدية والإيمانية في أوقات الأزمات الوجودية الحادة، فالأزمة هنا بلغت ذروتها الهيكلية: البحر من أمام المستضعفين، والعدو المدجَّج بالسلاح من خلفهم، ولا توجد أي ثغرة جغرافية أو عسكرية للنجاة، وهنا كان يقين المؤمنين، وروعة الصديقين، تلوح للناظرين، وتتجلَّى للرائين في مظاهر عديدة، منها:
1- الانقسام السلوكي والنفسي للمجتمع في لحظة الحسم:
عند تعاظم الخطر، انقسم معسكر المستضعفين إلى مستويين من الإدراك:
المستوى الأول (الإدراك المادي القاصر): وتمثله مقولة أصحاب موسى: ﴿ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾ [الشعراء: 61]، هذا الحكم ناتج عن قراءة صحيحة، وصادقة للمعطيات المادية الملموسة، فالأرقام والحسابات العسكرية، والجغرافيا السياسية كلها كانت تؤكد الهلاك الحتمي، وهذا ما يُردِّده العوامُّ في اللحظات الحرجة كل زمان: ليتنا ما خضنا هذه المعركة؛ لقد جلبت لنا الخراب والدمار، والذل والصغار.

المستوى الثاني (الإدراك العقدي الإيماني): وتمثله مقولة موسى عليه السلام: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ [الشعراء: 62]، لم تكن هذه الكلمة مجرد تعبير عن تفاؤل عاطفي، أو هروب من الواقع، بل كانت تعبيرًا عن "يقين قلبي" مستند إلى معرفة حقيقية بالله، وبسُنَنه في نصرة الحق.

2- "كَلَّا" يقين عجيب من قلب واثق مطمئن:
إنَّ إطلاق كلمة "كَلَّا" في ذلك الظرف الحرِج، يعكس أعلى درجات "الطمأنينة الروحية، والاستقرار النفسي واليقين الكامل"، إنها أداة ردع وزجر لكل الحسابات المادية الميؤوس منها، وتظهر التماسك النفسي، واليقين القلبي لموسى- عليه السلام- في تقديم المعية الإلهية ﴿ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي ﴾ كعِلَّة وسبب، قبل أن تطلب المخرج ﴿ سَيَهْدِينِ ﴾، هذا البناء النفسي المتين، هو الذي أهَّلَ موسى ليكون في صدارة الأنبياء، وينال منزلة "أولي العزم" من الرسل، ويكون "كليم الله" الذي خاطبه ربُّه بلا واسطة؛ لأن الأزمات الكبرى هي المختبر الحقيقي الذي تتمايز فيه منازل الرجال والأنبياء.

رابعًا: الدروس المستفادة والآثار الحضارية لحدث عاشوراء
لا يقف حدث عاشوراء عند حدود السرد التاريخي أو الاستذكار الطقسي، بل يمتد ليشكل خطة حضارية، ودليل عمل للأمم المستضعفة. ويمكن إجمال أبرز الدروس المستفادة في المحاور العلمية التالية:
1- المحور العقدي والمعرفي:
مركزية المعية الإلهية: إنَّ القوة الحقيقية في الكون ليست كامنة في الأسباب المادية وحدها، بل في مُسبِّب الأسباب. والمعية الإلهية نوعان: معية عامة لجميع الخلق بالعلم والإحاطة، ومعية خاصة للمؤمنين بالنصر والتأييد والتسديد، وهي التي استند إليها موسى عليه السلام.

التحرر من الوثنية المادية: يربي حدث عاشوراء الأمة على عدم تقديس الأسباب المادية، أو اليأس عند فقدانها، فالذي خلق السبب قادر على إبطال عمله (كما أبطل إحراق النار لإبراهيم)، وقادر على خلق أسباب جديدة من رحم المستحيل (كفلق البحر بضربة عصا).

2- المحور السياسي والاستراتيجي:
حتمية سقوط الطغيان: يثبت التاريخ عبر بوابة عاشوراء أن أنظمة الاستبداد، مهما بلغت من القوة العسكرية، والتمكين التكنولوجي، والسيطرة الاقتصادية، تحمل في داخلها بذور فنائها، فالطغيان يحمل جينات تدميره الذاتي، المتمثلة في الكبر والغرور الأعمى.
مشروعية مقاومة الاستضعاف: يُعطي هذا اليوم "يوم عاشوراء" درسًا في أهمية السعي نحو التحرر والانعتاق من ربقة الاستعباد السياسي والفكري، فلم يستسلم موسى وقومه للواقع الفرعوني المفروض، بل تحركوا وهاجروا وبذلوا وسعهم المادي المتاح (الخروج والمشي)، تاركين النتائج الكبرى للمشيئة الإلهية.

3- المحور الاجتماعي والنفسي:
صناعة الأمل وإدارة الإحباط: يمثل يوم عاشوراء ترياقًا معرفيًّا، ضد اليأس والقنوط المجتمعي، فعندما تنغلق الأبواب، وتصل الأزمات السياسية والاجتماعية بالأمة إلى طريق مسدود، يأتي التذكير بعاشوراء ليعيد بناء الأمل على أسس غيبية وسننية متينة.

أهمية القيادة الحكيمة: يوضح الحدث دور القائد في تثبيت الجماهير العريضة، وتوجيهها في أوقات الكوارث، لو تزلزل موسى- عليه السلام- للحظة واحدة، لحدث تدافع واقتتال داخلي، وهرج ومرج داخل الصف المسلم، يؤدي حتمًا إلى كارثة مروعة.
وختامًا:
إنَّ ذكرى يوم عاشوراء ليست مجرد حدث عابر في أروقة التاريخ المطوية، بل هي "حكمة إلهية وسُنَّة كونية" تتكرر كلما تكررت مقدماتها، إنها الذكرى التي تعيد صياغة العقل المسلم ليتجاوز النظرة السطحية للأحداث، وينفذ إلى عمق السنن الإلهية التي تدير هذا الكون.

لقد برهن يوم عاشوراء على أن الاستكبار البشري مهما علا وتجَبَّر، فإنه يسير حتمًا نحو نقطة الانكسار الشامل، وأن هذا الانكسار يأتي في أوج القوة والخيلاء ليكون النكال أشد والآية أبهر، وفي المقابل فإن المستضعفين أصحاب الحق، إذا ما تسلحوا باليقين التام، ولم يتسرب الشك إلى قلوبهم، وبذلوا ما في وسعهم من أسباب مادية بسيطة، فإنهم موعودون بنصر يخرق القوانين المألوفة.

إنَّ رسالة عاشوراء التاريخية والحضارية تتلخص في أن "الحق منتصر بالسُّنَّة الإلهية لا بالمحاضن المادية فحسب"، وأن على الأمة الباحثة عن النهوض والتمكين أن تبذل قصارى جهدها، ولا تفرط في أي سبب متاح لها، وعليها في الوقت نفسه أن تتعلَّق بربها، وتوقن أن النصر منه وحده، ﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 126].




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 56.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 54.73 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.97%)]