|
|||||||
| ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
توقف عن الجدال في مقتبل العمر وفي آخره فارس محمد علي محمد لديَّ مشكلة أكررها كثيرًا، وهي الجدال فيما لا ينفع، مع أني أعرف أنه لا ينفع الجدل على رأي شخصي والقتال عليه كأنه الصحيح المطلق الذي لا يقبل الرد. الجدال صفة مذمومة، ولكن ليست مطلقة، إنما جاء الجدال في القرآن الكريم على صورتين: الصورة الأولى وهي المذمومة، وتكون في حالة ظنك بعدم جدوى الجدال حتى ولو كنت على حق؛ يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾ [مريم: 27 - 29]، اكتفت السيدة مريم بالإشارة وهي في ظنها أنه الأنفع في هذا الموقف. أما الصورة الثانية في القرآن الكريم، وهي الجدال المحمود، والذي يغلب عليه رجحان المنفعة والمصلحة في هذا الوقت؛ ويصور القرآن الكريم مشهد جدال النبي إبراهيم مع أبيه، حيث يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ [مريم: 41 - 46]، ولما كان الجدال غير نافع، تدارك سيدنا إبراهيم فورًا الموقف، وأنهى حالة الجدال مع أنه على الحق، فقال الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ﴾ [مريم: 47، 48]. ثم جادل أيضًا قومه وحاجهم في المناظرة الشهيرة؛ يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ﴾ [الأنعام: 74 - 78]، أيضًا نرى سيدنا إبراهيم يجادل قومه بما لا يدع مجالًا للشك فيما يقول وهو على الحق يقينًا، ومع ذلك لما ظن عدم نفع الجدال مع هؤلاء الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم؛ قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام منهيًا حالة الجدال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: 79، 80]. ثم يظهر ذلك جليًّا في جداله مع النمرود؛ يقول المولى تبارك وتعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: 258]، نرى هنا أيضًا سيدنا إبراهيم ينتقل من حالة الجدال المذموم، فلما قال له النمرود "أنا أحيي وأميت"، هنا عرف إبراهيم الخليل أن هذا الجانب من الجدال قد انتهى، ولا ينفع ما بعده، فانتقل إلى حالة أو جانب آخر من الجدال فَبُهت الذي كفر. وقد قال المولى تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 46]، وقد قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير الآية: ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب، إذا كانت من غير بصيرة من المجادل، أو بغير قاعدة مرضية، وألَّا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن، بحسن خلق ولطف ولين كلام، ودعوة إلى الحق وتحسينه، ورد عن الباطل وتهجينه، بأقرب طريق موصل لذلك، وألَّا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق، إلا من ظلم من أهل الكتاب، بأن ظهر من قصده وحاله أنه لا إرادة له في الحق، وإنما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة، فهذا لا فائدة في جداله، لأن المقصود منها ضائع. المقصود من هذه المقدمة الطويلة في بيان أنواع الجدل، هو كف نفسي وإياكم عن الجدال المُحرق الذي يكون أقل ثمرة له هو البطالة والتوقف عن العمل الجاد، والخوض في الباطل الذي لا ينفع بل يضر، الجدال خلق مذموم نقع فيه كثيرًا مع معرفتنا التامة بأنه سيكون عائقًا عن إكمال ما نريد، وسيكون عائقًا في إنجاز واجب الوقت. كثيرًا ما أدخل جدالات أعرف معرفة تامة أن الذي أمامي لا يرى إلا رأيه، وقد أكون أنا كذلك في بعض الحالات، فما الاستفادة من هذا الجدال العقيم الذي لا ينتج عنه إلا مشاحنات وعلو؛ كما قال الشيخ السعدي، وهنا أنصح إخواني الشباب بكلمة قد كتبها بعض طلبة العلم قال: (في بداية الطلب، دائمًا راجع واتهم قولك واتهم نفسك، ولا تقل رأيك إلا مع أقرب الناس لك الذين تعرف أنهم قادرون على تسديد هذا الرأي). ولا أخفي عليكم أن سبب كتابة هذا المقال أنني الآن كنت في مجادلة عقيمة من تلك النقاشات التي أتجنبها كل فترة، ولكن يصطادني الشيطان في حبائله لأقع في مجادلة لا تورثني إلا كبرًا وحقدًا وفُرقة بين المسلمين، ومن ثم تعطلني عن مهامي الواجبة، ومن ثم تركت الواجب عليَّ فعله في هذا الوقت، وجلست أكتب هذه الكلمات المُحرقة المؤلمة. الجدال المذموم له نتيجة حتمية في الغالب، وهي الانتصار للنفس دائمًا، فلا ترى إلا رأيك، وإن كان هناك جانب في موضوع الجدال لا تُحسنه ولا تعرفه، فالمفترض أن تقول: لا أعلم هذا الباب، أو أني سأراجع هذه النقطة، ولكن الشيطان لن يتركك في هذا الموقف العصيب، ومن ثم يلقنك الشيطان تلقينًا، فتصير في لحظة كأنك عالم في هذا الموضوع قد قتلته بحثًا وتحريرًا! يُلخص هذا الناتج عن الجدال المذموم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن "المراء"؛ هذه هي اللفظة النبوية التي تلخص كل هذا الكلام، هذا هو العمل القلبي المقيت الذي يجب التخلص منه؛ فقد روي عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًّا...))، "وإن كان محقًا" هذا ضابط عظيم لو تعلمون، وإن كنت محقًّا لا تدخل في جدال، ولا تتخذ المِراء سفينةً لانتصار نفسك وإغراق رأي الآخرين. عن جابر قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقًا، وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني يوم القيامة: الثرثارون، والمتشدقون، والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله، قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون))، والمراء يقع كثيرًا بين طلبة العلم، وما هو إلا نتاج قلب ملئ بالبغض والعلو والكبر، مع أن الظاهر لا يوحي بذلك، فلينظر المرء الحصيف: أي علمٍ هذا قد أورثه الكبر والعلو؟! عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار)). فاللهم طهر قلوبنا من المراء، وجنبنا الجدال، وارزقنا نصرة دينك، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |