|
|||||||
| ملتقى الشباب المسلم ملتقى يهتم بقضايا الشباب اليومية ومشاكلهم الحياتية والاجتماعية |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
مواقف إيمانية - الرسالة الأولى: لماذا خلقنا الله؟! زينب محمد عبدالغني فايد الرسالة الأولى: لماذا خلقنا الله؟! إهداء: إلى كل فتاة مسلمة ترغب أن تكون مع الله. إلى كل فتى مسلم يرغب أن يكون مع الله. إلى كل شباب المسلمين في جميع أنحاء العالم. إلى كل من يرغب في معرفه دينه، وما يدعو إليه إسلامنا الحنيف. إلى كل من يرغب في التقرب إلى الله بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح. إلى أحبتي وحبيباتي المؤمنات القانتات في كل مكان: أُهديكم هذه الرسالة؛ لعلكم تفيدون منها شيئًا ينفعكم في دينكم ودنياكم. إلى أبنائي الأحباء: أسامة وأحمد وزينب وإبراهيم، عسى أن تحظى بإعجابكم، وتكون هدفًا يُعينكم على كمال دينكم، ودُنْياكم، ثم هي من قبل ومن بعد لله سبحانه وتعالى أحاول أن أبثها لكم لتحيون سعداء في الدنيا والآخرة، هي رسالة قصيرة تستطيعون قراءتها في وقت قصير في أثناء رحلة أو وقت انتظار موعد لطبيب مثلًا. أقصد لن تكون عبئًا عليكم، بل ستأخذ وقتًا قصيرًا تستطيعون قراءتها وفهم ما أعنيه، والله الموفق أسأله العون والسداد والرشاد. إليكم أحبتي وحبيباتي رسالتي بعنوان: مواقف إيمانية. مقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاه والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه: آيات أحمد لا تحدّ لواصف ![]() ولو أنه أملى وعاش دهورا ![]() فُضلتمُ حقًّا بأشرف مرسل ![]() خير البريَّة باديًا وحضورا ![]() صلى عليه الله ربي دائمًا ![]() ما دامت الدنيا وزاد كثيرا ![]() أما بعد، ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، لقد كتبت الكثير منذ عام ١٩٩٠م مخاطبةً الشباب محاولةً شرح تعاليم الإسلام بأسلوبٍ مُبَسَّط؛ حيثُ إني خريجة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، شعبة أصول الدين، قسم التفسير. حين وجدت الشباب لا يعرفون شيئًا عن دينهم إلا من رحم ربي، خاصة بعد تهميش مادة الدين في المدارس، وأصبح لا يهتم بها أحد، لا الطلاب ولا المدرسون، بحجةأنها لاتدخل في المجموع، ثم إن زيادة الأسعار بشكل سريع أدَّى إلى خروج المرأة للعمل، وهذا جعل الأبناء لا يلتقون بآبائهم وأمهاتهم إلا قليلًا أو نادرًا، وأصبح المرشد الوحيد لهم هو: الموبايل والنت،وليست معلوماته كلها صحيحة، فمنها الغث والسمين. والمصيبة أنهم أدمنوا هذا الموبايل، لدرجة أن الإخوة يحادثون إخوتهم أو أمهاتهم على الموبايل من غرفهم دون أن يلتقوا بهم وجهًا لوجه، واعتقدوا أن ما يجدونه عليه هو الصحيح، وما عداه غير صحيح، وما عادوا يجتمعون على طعام أو شراب. ولذلك يجب علينا أن نُعلِّمهم دينهم وتشريعات ربهم؛ لأننا سنُسأل يوم القيامة عن ذلك، ولن نُسأل عن الأكل غالي الثمن، ولا الملابس الماركات، ولا عن المدارس الناشيونال! كما يعتقد كثير من الناس مع الأسف الشديد، يقولون: (ربينا أولادنا أحسن تربية) ويقصدون بذلك: الطعام الفاخر، والملابس الغالية الثمن، والمدارس الإنترناشيونال، والاشتراك بالنوادي التي يرتادها الأغنياء! وهم لا يعلمونأننا لن نُسأل يوم القيامة عن ذلك! ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]. بل نُسأل عن غير هذا تمامًا: نُسأل هل علمناهم دينهم أم لا؟! هل ربَّيْناهم على أخلاق الإسلام الحميدة أم تركناهم نهبًا للأفكار الغريبة عن ديننا؟! نُسأل عن تعليمهم إسلامنا، وشرعنا، وتعاليم ديننا الحنيف؟! • هل عَلَّمناهم احترام الكبير: اتِّباعًا لقول رسولنا صلى الله علىه وسلم: "ليس مِنَّا من لم يُجِلَّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقَّه"؛ (صحيح الترغيب)، "ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويُوقِّر كبيرنا"؛ (صحيح عن أنس). أصبح أبناؤنا لا يحترمون حتى آباءهم وأمهاتهم! • هل عَلَّمناهم الصبر؟! قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا ﴾ [آل عمران: 200]، وقول رسولنا صلوات الله عليه: "عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلَّا للمؤمن: إن أصابته سرَّاءُ شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له"؛ (صحيح، رواه مسلم)، "إن الله عز وجل قال: "إذا ابتليت عبدي بحبيبتَيْه فصبر عوَّضتهُ منهما الجنة"؛ (صحيح، رواه البخاري). والمعنى من فقد عينيه وصبر أدخله الله الجنة. والآيات القرآنية والأحاديث النبوية كثيرة جدًّا في الصبر وحُسْن جزائه. • هل عَلَّمناهم الصدق؟! قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾ [التوبة: 119]. وقال رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة"؛ (رواه الترمذي وقال: حديث صحيح). وهكذا كل أخلاق الإسلام الحميدة. وهل كنا القدوة الصالحة لهم أم لا؟! بحيث لا نأمرهم بالصدق ويروننا كاذبين مثلًا! فهنا لن يَصدقُ الأبناء مهما أمرناهم بالصدق، حتى إن بعضًا منهم، اعتقد أنه يباح لهم الكذب عندما يكبرون. ولن يجدي أمرنا لهم بالصدق شيئًا، فلا بُدَّ أن يكون القول يصدقه الفعل. • هل عَلَّمناهم صلة الأرحام والأمانة...إلخ؟! بالطبع لا! فالوالدان مشغولان بما هو أهم في نظرهم: المال! وكانت النتيجة الحتمية لذلك: أن ينشأ جيل لا يعلم عن دينه شيئًا أو يأخذ دينه مع الأسف الشديد من الأفلام أو المسلسلات التليفزيونية المغلوطة، فيعتقدون مثلًا أن الزوج: إذا قال لامرأته: أنت طالق، فقد حرمت عليه، ويجب أن تخرج من بيت الزوجية وتذهب إلى بيت والديها! والحقيقة أن الدين يمنع خروجها من بيت الزوجية؛ قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]، والمعنى: أن الرجل إذا طلَّق امرأته لا يخرجها من البيت مدة العدة (وهي ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار أو ثلاثة أشهر لمن لا تحيض) فلا يخرجها هو، ولا تخرج هي بنفسها، إلا إذا ارتكبت فاحشة، والفاحشة: هي الزنا، أو شتم أهل الزوج بالكلام والفعال. وهذه شريعة الله ومحارمه، ومن يتعدَّاها ويخرج عنها يتجاوزها إلى غيرها فقد ظلم نفسه. ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]: ولعله يندم على طلاقها، ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها، ويراجعها؛ (مختصر تفسير ابن كثير للصابوني). لذلك ينبغي علينا أن نتدارك ما فات، ونعالج الأمر بالرفق والموعظة الحسنة كما أمرنا ربنا عز وجل: ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ﴾ [النحل: 125]. وقال رسولنا الكريم صلوات الله عليه: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه"؛ (حديث صحيح، رواه الإمام مسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها). نعالج الأمر بالترغيب والترهيب، كما علمنا الإسلام، عن طريق القصص والقدوة الحسنة، فنُبيِّن لهم صحيح الدين ليسلكوه فينالوا رضوان الله، ويحظوا بالقرب من رسوله يوم القيامة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "أقربُكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا"؛ (الحديث حسن، في صحيح الجامع الصغير وزيادته للألباني). • هل بلغناهم أن دستورنا هو القرآن الكريم: الدستور الخالد لهذه الأمة؟! الذي أنزله الله سبحانه وتعالى: ليحكم في الأرض بين الناس، وهو المُنزل من قبل المولى عز وجل، ارتضاه لنبيِّه وعباده حَكمًا وتشريعًا ودستورًا. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [آل عمران: 19]، ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85]، ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الزمر: 11، 12]، ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، ﴿ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 132]، ﴿ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [البقرة: 136]، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162، 163]، وقد شرح سبحانه وتعالى كل ما يحتاج إليه المرء في حياته في قرآنه العزيز ليحيا سعيدًا، ويسعد مع مَنْ حوله، فقال تعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38]، ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ﴾ [النحل: 89]. فهل نستبدل المنهج الرباني بالمنهج البشري؟سبق أن قلنا إن الله تعالى هو من صنعنا، فهو العالم بما يصلحنا، فأنزل لنا القرآن ليكون منهجنا ودستورنا، فكيف نتركه ونلجأ إلى دساتير وضعها البشر تبعًا لأهوائهم؛ لذلك أردت أن أشرح بعض المفاهيم الإسلامية لتنير للشباب الطريق حتى يستطيعوا أن ينهلوا بعضًا من بركة القرآن العظيم، ويسيروا على نور طريقه المستقيم، ويكون فيه نفعٌ للإسلام والمسلمين، واللهَ أسأل أن يعينني على ذلك، عسى أن نحظى برضوانه، ونفوز بجنَّاته في الفردوس الأعلى. آمين. ما وصف به كتاب الله: "فيه نَبَأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله، وهو حَبْلُ الله المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس معه الألسنة، ولا تتشعَّب معه الآراء، ولا يشبع منه العلماء، ولا يملُّه الأتقياء، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنتهِ الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ﴾ [الجن: 1]، من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجر، ومن دعا إليه هُدي إلى صراط مستقيم". اللهم اجعلنا ممن دعا إليه فهدى إلى صراط مستقيم؛ (رواه الترمذي مرفوعًا، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه. وهو ضعيف، ولكن المعنى صحيح). أولًا: لماذا خلقنا الله؟! كنا نجلس بعد الصلاة مع السيدات في المسجد، ففوجئت بسؤال يقول: لماذا خلقنا الله؟! على حدِّ قول الشاعر عمر الخيام: في رباعياته: لبستُ ثوب العيش لم أستشر ![]() وحِرتُ فيه بين شتى الفِكر ![]() وسوف أنضو الثوب عني ![]() ولم أدرك لماذا جئت، أين المفر؟! ![]() والمعنى: (أن الإنسان خلقه الله دون أن يخيره، وأنه حائر! وسوف يموت ولا يدري لماذا خلقه الله؟! وقد خلقه الله وفرض عليه مسيرته فهو مجبر، ومع ذلك يحاسبه الله بعد ذلك!)، وهذا المعنى لا يستقيم مع عدل الله تعالى ورحمته، ولا يصح هذا القول، وسوف أوضح لكم كيف أنه غير صحيح. حبيباتي: أجابنا الله تعالى عن هذا السؤال: فقال سبحانه في كتابه العزيز: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، فقد خلقنا الله سبحانه لنعبده، وهو غنيٌّ عنَّا لا يريد منا جزاءً ولا شكورًا، قال تعالى:﴿ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 57، 58]، فالله سبحانه وتعالى خلقنا لنعبده. • ولكن ما معنى العبادة؟! إنها طاعة الله سبحانه في أوامره واجتناب نواهيه. وأحب أن نعرف معًا أحكام الله في قرآنه العظيم، التي يجب علينا أن نجعله منهج حياتنا في كل شيء، في شتى مواقف الحياة، وهي خمسة: 1) المستحب: وهو الفعل الذي إن فعلناه أخذنا عليه ثوابًا، وإن لم نفعله فليس علينا عقاب، وهو سنن النبي صلى الله عليه وسلم سواء كانت قولًا أو فعلًا أو تقريرًا. فالسُّنَّة القولية: التي تتضمن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله صلوات الله عليه: "إنما الأعمال بالنيات"، "صلوا كما رأيتموني أصلي"، "من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار"، وهي التي تؤخذ منها الأحكام الخمسة: (المستحب، والفرض أو الواجب، والمكروه، والحرام، والمباح). وقد شرحناها من قبل. • والسنة الفعلية: وهي تشمل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعل، نقله إلينا الصحابة: (كصفة الصلاة، والوضوء، ومناسك الحج)، أو تركه لعمل كان يفعله ويؤخذ منها حكمان فقط: (الإباحة، والندب) مثل: صفة الصلاة: كيف كان يُكَبِّر، ويركع، ويسجد. أو صفة الوضوء: وكيف كان يمضمض، ويستنشق ويستنثر، والأذان، وصلاة الوتر، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وغسل الجمعة والعقيقة، وختان الذكور. • السنة التقريرية: وهي ما صدر عن صحابي أو أكثر من أقوال أو أفعال علم بها النبي عليه الصلاة والسلام، أو علمه فسكت عنها، ولم ينكرها، أو وافقها وأظهر استحسانه لها؛ مما يدل على جوازها، ويؤخذ منها حكم واحد: وهو (الإباحة). وأمثلة السُّنَّة أو المستحب: سنن الصلاة الراتبة (ركعتان قبل الفجر) (وأربعة ركعات قبل الظهر، وأربعة بعده)، أو (أربعة قبله واتنتان بعده)أو (اثنتان قبل الظهر واثنتان بعده)، وكلها فعلها رسولنا الكريم- وهي موثقة بالأحاديث الصحيحة- وسنة المغرب (ركعتان بعده)، وسنة العشاء (ركعتان بعدها). وكان الشيخ الشعراوي رحمة الله عليه يقول: "يجب علينا أن نسير على نهج القرآن في كل حياتنا حيثُ يقول سبحانه وتعالى: ﴿ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [الأنعام: 38]. بمعنى أن الله تعالى بَيَّن لنا كل شيء في القرآن. ومن المستحب أيضًا: صوم السنن مثل صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، وصوم الثلاثة البيض من كل شهر عربي: (13، 14، 15)، وصوم التاسع والعاشر من شهر المحرم،وصلاة الضحى، والصدقات للفقراء، والمساكين، والغارمين، وابن السبيل وغيرها من السنن التي فعلها رسولنا الكريم... إلخ. 2) الفرض أو الواجب: وهو الذي يجب علينا فعله، ومن فعله له ثواب، ومن تركه فعليه عقاب؛ مثل: الصلاة والصوم والزكاة والحج لمن استطاع إليه سبيلًا، وبر الوالدين، وصله الأرحام.... إلخ. 3) المكروه: وهو الذي يُكره فعله، ولكن من فعله لا يأثم به وليس عليه عقوبة، ومن تركه يُثاب؛ مثل: الصلاة بحضرة الطعام، فقد قال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة بحضرة الطعام". 4) الحرام: وهو الذي من فعله يأثم وعليه عقوبة من الله، ويحرم فعله؛ لأنه محرَّم مثل: الشرك بالله، والقتل، والسحر، وترك الصلاة، وترك الصوم، وترك الزكاة، وعقوق الوالدين، والسرقة وغيرها...إلخ. ومن تركه يُثاب عليه. 5) المباح: وهو ما يُباح فعله مثل الطعام والشراب والزواج وتنظيف البيت، وتربية الأولاد،... إلخ من الأشياء المباحة، فهذه ليس عليها ثواب ولا عقاب. ولكن من الممكن أن نُثاب عليه إذا عقدنا له نية فنقول: إنني آكل الطعام لأتقوَّى على تنظيف البيت، وجعل بيت المسلمة نظيفًا، قدوة للمسلمة، فقد أمرنا النبي صلوات الله عليه بتنظيف بيوتنا فقال: "قمُّوا أفنيتكم"؛ أي: نظِّفوها؛ فالنظافة من الإيمان. أو أن أنوي برعاية أولادي وتعليمهم أن يكونوا شجعان أقوياء، يدافعون عن دين الله وإعلاء كلمته. وهكذا يكون حتى المباحات لها ثواب من الله. واللهَ أسأل أن يوفقنا دائمًا لما يحبُّه ويرضاه. وعلينا دائمًا أن نتحرَّى أوقات الإجابة؛ فإن لله نفحاتٍ يمنحنا فيها الحسنات الكثيرة بقليل من العمل، فعلينا أن نتعرض لها لنكتسب العديد والعديد من الحسنات بالقليل من الأعمال. ندعو الله أن نغتنم هذه الأوقات. قال صلى الله عليه وسلم: "إن لربِّكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها"؛ (وهو ضعيف الإسناد وقد حكم بضعفه السيوطي (والألباني في ضعيف الجامع وزيادته). ومع ذلك فإن معناه صحيح، ويستأنس به في الحث على استباق الخيرات واغتنام الأوقات الفاضلة، ويغني عن ذكره الأحاديث الصحيحة الواردة في نفس السياق. فعلينا أن نغتنمها لنكتسب الحسنات الكثيرة. واللهَ نسأل أن يوفقنا لفعل الطاعات، ويفتح أبواب السماء لدعائنا ودعائكم، ويرفع قدرنا وقدركم، ويفرِّج كروبنا وكروبكم، ويسعد أيامنا وأيامكم، ويلبسنا ويلبسكم لباس الصحة والعافية إنه سميعٌ قريبٌ مجيب الدعوات. يقول ابن القيِّم رحمه الله: "عليك بطريق الحق ولا تستوحش بقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل، ولا تغتر بكثرة الهالكين". إذا عطش القلب فلا تسقه إلا بالقرآن، وإذا استوحش فلا تؤنسه إلا بذكر الرحمن، فمن أوى إلى الله آواه، ومن فوَّض أمره إلى الله كفاه، ومن باع نفسه إلى الله اشتراه، فطوبى لمن آواه ربُّه، وكفاه، واشتراه، فرضي عنه وأرضاه. اللهم اجعلنا ممن آواهم الله وكفاهم واشتراهم ورضي عنهم وأرضاهم. • لم نكمل حديث الشيخ الشعراوي فقد قال: كما أن صانع الغسالة أو الثلاجة أو البوتاجاز يضع معها نشرة بكيفية تشغيلها حتى تكون نافعة ولا تفسد، فكذا فعل الله سبحانه وتعالى- وله المثل الأعلى- هو من صنعنا يعلم ما يصلحنا وما يفسدنا، فوضع لنا برنامجًا نسير عليه حتى نكون صالحين سعداء في الدنيا والآخرة، قال سبحانه وتعالى: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 123- 127]. أما القول بأن الله كتب الأعمال علينا فلا نستطيع الفرار منها: والقول بأن (المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين)، فهذا سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى، بل إثم وذنب عظيم؛ نرتكبه في حق الله سبحانه وتعالى- وكأن الإنسان مُسيَّر مشدود لمصيرهالمحتوم لا يستطيع أن يختار ما يريد- وهذا يعني أن الله ظالم وحاشاه، حاشاه أن يكون كذلك،بل على العكس تمامًا: إنه هو الرءوف الرحيم، أرحم من الأم بولدها. ولتقريب المعنى: نقول عندما يكون الأب عالمًا بأحوال أبنائه: فهو يعلم جيدًا أن الابن الأول (أحمد) مثلًا حين يأخذ مصروفه يدخرهُ حتى يستطيع شراء (قميص) أو (تي شريت) نافع له، أما الابن الثاني (عمر) مثلًا إذا أخذ مصروفه اشترى حلوى ولم يتبقَّ معه شيء. فإذا كتب الأب في مُذكِّراته أن أحمد يدَّخِر مصروفه، وعمرَ يصرفه،هل يكون قد فرض على أبنائه شيئًا؟! وأنهم لا يستطيعون الفكاك من فرض الأب ولا يختارون ما يريدونه؟! أم هم لا يعلمون ما كتبه والدهم ويختارون ما يريدون؟! وهل نعلم نحن ما كتبه الله علينا فنختاره أم نختار ما نريد؟! نحن نختار ما نريد، والله سبحانه يعلم وعلمه مطلق،محيط بكل شيء منذ خلق الله الإنسان جنينًا في بطن أمِّه، فكتب هذا في اللوح المحفوظ؛لكننا لا نعلم شيئًا عما كُتب، ثم أرسل إلينا الرسل ليبينوا لنا طريق الخير، وطريق الشر، وجزاء الطريقين، وتركنا نختار، فمن اختار طريق الخير دخل الجنة، ومن اختار طريق الشر دخل النار. اللهم اجعلنا من أهل الجنة يا رب العالمين. وختامًا أرجو أن يقرأ الشباب هذه الرسالة، وتكون نورًا يستضيء به في رحلة حياته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وترقَّبوا الرسلة الثانية في شرح الآية (24) من سورة التوبة.
__________________
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 20-06-2026 الساعة 11:44 AM. |
|
#2
|
||||
|
||||
|
مواقف إيمانية زينب محمد عبدالغني فايد الرسالة الثانية: حب الله ورسوله والجهاد في سبيله إلى كل فتاة مسلمة ترغب أن تكون مع الله.. إلى كل فتى مسلم يرغب أن يكون مع الله.. إلى كل شباب المسلمين في جميع أنحاء العالم.. إلى كل مَن يرغب في معرفه دينه، وما يدعو إليه إسلامنا الحنيف.. إلى كل مَن يرغب في التقرب إلى الله بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح.. إلى أحبتي وحبيباتي المؤمنات القانتات في كل مكان: أُهديكم هذه الرسالة لعلكم تفيدون منها شيئًا ينفعكم في دينكم ودنياكم.. إلى أبنائي الأحباء: أسامة وأحمد وزينب وإبراهيم، عسى أن تحظى بإعجابكم، وتكون هدفًا يعينكم على كمال دينكم، ودنياكم، ثم هي من قبل ومن بعد لله سبحانه وتعالى، أحاول أن أبثها لكم؛ لتحيون سعداء في الدنيا والآخرة، هي رسالة قصيرة تستطيعون قراءتها في وقت قصير أثناء رحلة، أو وقت انتظار موعد لطبيب مثلًا، أقصد لن تكون عبئًا عليكم، بل ستأخذ وقتًا قصيرًا تستطيعون قراءتها وفهم ما أعنيه، والله الموفق أسأله العون والسداد والرشاد.. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:إسلامنا يحثنا على حب الله وحب رسوله، فكيف يكون ذلك؟! أحبتي، سُئلت عن معنى هذه الآية: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24]؟! وكيف نحب الله، ونحب رسوله، ونحب الجهاد في سبيل الله أكثر من حبنا لأنفسنا وأبنائنا وأحبتنا؟! فقلتُ لهم: قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾؛ أي: إن كان آباؤكم، وأبناؤكم، وإخوانكم، وأزواجكم، وعشيرتكم الذين تنتصرون بهم (هؤلاء الأقارب)، والأموال التي اكتسبتموها، والتجارة التي تخشون كسادها، والمساكن التي تريدونها- أي: التي تعجبكم الإقامة فيها- أحب إليكم من الهجرة إلى الله ورسوله، وأحب إليكم من الجهاد في سبيل الله لنصرة دينه؛ ﴿ فَتَرَبَّصُوا ﴾ (وعيد شديد وتهديد) ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ (أي: بعقوبته العاجلة أو الآجلة)، ﴿ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾)؛ أي: لا يهدي الخارجين عن طاعته إلى طريق السعادة، وهذا وعيد لمن آثر أهله أو ماله أو وطنه على الهجرة والجهاد في سبيل الله؛ (شرح صفوة التفاسير، للشيخ محمد علي الصابوني). فنحن لولا الله ورسوله ما اهتدينا ولا تصدَّقنا ولا صلينا، وكنا في ضلال مبين، فقد قال علماء الاجتماع: إن الإنسان بطبيعته في حاجة ماسَّة للدين (لوجود إله يعبده)، ونحن نجد الشعوب الأخرى التي لم تؤمن بالله الحق ورسوله المنزل علينا محمد صلى الله عليه وسلم، عبدت الكواكب، أو الأوثان، أو حتى الهوام، أو البقرة، والعياذ بالله، يتبركون بروثها، فالحمد لله على نعمة الإسلام، وكفى بها نعمة. لماذا نحب الله ورسوله أكثر من أنفسنا وأهلينا؟! أليس الرسول صلى الله عليه وسلم سبب في إسلامنا؟! أليس هو السبب في دخولنا الجنة، ولولاه ما شممنا ريحها؟! أليس هو من أخبرنا كيف نبعد عن النار ونحتاط منها، ولولاه لكنا من أهل النار؟! أليس هو من جاء بالمنهج الإلهي القويم، الذي بسببه تسعد البشرية، وبسبب عدم تطبيقه تعست البشرية؟! أليس هو الذي علمنا كيف نختار زوجاتنا على أساس الدين؟! وكيف نربي أولادنا تربية صحيحة، حتى نحيا سعداء، ونلقى الله وهو راضٍ عنا؟! أليس هو الذي اختاره الله سبحانه وتعالى ليكون رسوله إلينا، يأمرنا وينهانا، ويعلمنا ويرشدنا؟ أليس هو القدوة الأولى لنا في هذا الكون، ومنه نتعلم كل خصال الخير؟! فبالله عليكم، من قام بكل هذا الخير لنا ألا يستحق أن نحبه؟! وأن يشتد حبنا له حتى يكون أكثر من حبنا لأنفسنا؟! بلى، حق لنا أن نحبه. عندما نحب رسول الله نحب الطاعة، ونحب كل ما يقربنا من الجنة؛ فنحب الصلاة، ونحب الصيام، ونحب القرآن وقيام الليل، ونحب الإنفاق والصدقة، ونحب بر الوالدين، ونحب الإحسان إلى الجار... فمن أحب أحدًا أحب ما يحبه، وليس هناك أدل على محبته من الإكثار من الطاعات، فهو القائل: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»[1]، «شرف المؤمن في قيام الليل»[2]. أحبتي في الله، هناك إحساس بالسعادة يستشعره العبد المؤمن أثناء طاعته لله، هذا الإحساس أثمن من كل ثمين، فابحث عنه وحين تجده ستجد محبة الله ورسوله قد عظمت كثيرًا. وعندما نحب رسول الله نكره المعصية، ونكره كل ما يقربنا إلى النار؛ فنكره الربا والرشاوى، وإيذاء الناس، ونقل الكلام السيئ بينهم، ونكره إطلاق البصر، وإطلاق اللسان، وليس أدل على عدم محبة النبي صلى الله عليه وسلم من المعاصي فهو القائل: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس»[3]، «وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم»[4]. أحبتي في الله، إن المعصية لها مرارة.. وإن الذنب له حزن.. وإن أذنبت ولم تحزن ولم تستشعر مرارة المعصية، فابكِ على نفسك واحذر، فإن المعصية أصل كل خسارة للمؤمن. عندما نحب رسول الله نخاف الحرام، ونحذره، وندعو الله في كل وقت: ألا يطعمنا من الحرام فهو أسوأ شيء في هذه الحياة، «فالله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا"[5]. وكانت المرأة الصالحة تمسك بثياب زوجها، وتقول له وهو خارج للعمل: "اتقِ الله فينا، ولا تطعمنا من حرام، فإننا نصبر على جوع الدنيا، ولا نصبر على نار الآخرة، (كان من عادة نساء السلف الصالح وصية مشهورة تعكس حرصهن على تحري الرزق الحلال، والابتعاد عن الحرام؛ تعبيرًا عن الخوف من الله تعالى، والتحذير من مغبَّة كسب المال الحرام (الرشوة، الربا، الغش) الذي يطعم النار يقلن ذلك دافعًا لهم على النزاهة والعمل الصالح، ويظهر في الوصية أعلى درجات القناعة، وعزة النفس بتحَمُّل مشقة الجوع والضيق الدنيوي في سبيل النجاة من عذاب الله. أحبتي في الله: خوفنا من الله يستلزم خوفنا من عصيان أوامر رسوله، فالمعصية ظلمة يوم القيامة، فاحذروها.. قال صلى الله عليه وسلم: «أيما جسد من الحرام فالنار أولى به»، التلاعب بأقوات الناس حرام، الحلال من الطعام هو المباح، وهو كل ما أباحه الله في الشرع الإسلامي، وجعله مشروعًا من المأكولات المذبوجة ذبحًا شرعيًّا، والفاكهة، والخضراوات، والأصل في الأشياء الإباحة ما لم يأتِ نص من السنة الصحيحة أو القرآن يحرمه؛ كقوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ ﴾ [المائدة: 3]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [المائدة: 90]. عندما نحب رسولنا نخاف على أولادنا من الصحبة السيئة، والجار السوء، والمشاهدات التلفزيونية السيئة، ونخاف عليهم من سوء التربية، ونخاف عليهم من اقتراف الحرام، والتجرؤ على حُرمات الله، ونهتم بتربيتهم تربية إسلامية سليمة فنصاحبهم، ونلاعبهم، ونكون لهم أصدقاء ليثقوا بنا ويصارحونا بكل ما يريدون وبكل مشاكلهم، ولا يلجأوا إلى أصحاب السوء فنخسرهم للأبد والعياذ بهم، ونساعدهم لتعلم حرفة تهيئهم لاكتساب الرزق.. ونربيهم على حب الله، وحب الرسول بقصص سيرتهم، وتزويدهم بالكتب الملونة للأطفال التي تشرح لهم جمال أخلاق الرسول ليقتدوا به، وننشئهم على حب المسجد، وحب صُحْبة المسجد، وحب القرآن وفهمه وحفظه، والعمل بما فيه. فالرسول صلى الله عليه وسلم يناديكم أيها الآباء: «كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته.. فالأب راعٍ في بيته ومسئول عن رعيته...»[6]. عندما نحب رسولنا الكريم ندافع عن سُنَّته.. فاليوم لم يسلم شيء من الإسلام دون اتهام! فاتهموه بالإرهاب، واتهموا القرآن بالأساطير! فأين نحن من سُنَّة رسولنا والدفاع عن ديننا؟! أين نحن من حرمات تنتهك، ومقدسات تُسرَق وتُهدَم؟! أين نحن من مسلمين مثلنا لا يجدون ما يسدون به رمق جوعهم؟! أين نحن من الدفاع عن الإسلام؟! ماذا قدمنا من أموالنا وجهدنا لنصرة هذا الإسلام؟! عندما نحب رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام نعيش للإسلام بكل جوارحنا، وبكل اهتماماتنا، ندافع عن ديننا، ونضحي من أجله بما ملكت أيدينا وقلوبنا.. فقد كان الإسلام هَمَّ نبينا الحبيب الأول والأخير، عُرضت عليه الدنيا كلها، ووضعت تحت قدميه، فقال: «والله يا عماه لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه» (جزء من موقف تاريخي لرسول الله مع عمه أبي طالب، ويدل على الثبات المطلق على الحق والدعوة، قاله ردًّا على طلب قريش ترك دعوته مقابل الإغراءات المالية أو الرياسة والمُلك أو غيرها فرفض، فقال له أبو طالب: "اذهب يا بن أخي، فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدًا". وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش للإسلام، ويجاهد لأن تكون كلمة الله هي العليا.. فالعاقل اللبيب لا يجهل أهمية العمل للإسلام والتضحية له، والدعوة إليه. اللهم أعنا للعمل للإسلام والجهاد في سبيله، والالتزام بشرعه في شتى أمور حياتنا، وحث أبناؤنا للعمل به. وفقنا الله وإياكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مورنا أمور حياتنا أمور. ــ نحن لو سألنا أحدًا من أقاربنا أو أصدقائنا، هل تحبون الله؟! أو تحبون رسول الله صلوات الله عليه؟ سيقولون: نعم، بكل حماس؟!، ولكن هل هذا صحيح؟! هل فهموا معنى الحب الحقيقي لله أو لرسوله الذي تعنيه الآية الكريمة أم لا؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من طرح سؤال عليهم؟! هل إن تعارضت أهواؤكم مع شرع الله وأوامره وسنة رسوله، تنفذون أمر الله ورسوله، أم تتبعون أهواءكم؟! - مثلًا في مسألة حجاب المرأة المسلمة: إن قلنا للفتيات ووالديهم: لا بد من ارتداء الحجاب، هل يسلمون بذلك ويُلبسونه لبناتهم، أم يقولون: ننتظر حتى تتزوج؟!، وهل إذا قيل للشاب المسلم: لا بد أن تصلي الصلوات الخمس المفروضة بالمسجد حتى الفجر والعشاء، هل يبادر لفعل ذلك بحب وطاعة لله ولرسوله؟! أم يقول: أصلي في البيت، ويساعده أبوه وأمه على ذلك؟! لا أعتقد أنهم يسارعون لطاعة الله؛ لأنهم يعتقدون أن حُسْن التربية تكون في إدخالهم المدارس الأجنبية، وتعليمهم اللغات الأجنبية، شراء أغلى الملابس لهم، وإطعامهم أفخر الأطعمة، ولا يرد على فكرهم أبدًا أن الصلاة فرض يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة أول شيء، فإن صلحت صلح باقي عمله، وإن فسدت فسد باقي عمله، فيحرصون على تعليمها لأبنائهم منذ الصغر؟! ولا يرد على فكرهم أن الحجاب فرض على البنت من وقت ما بلغت المحيض، فيحرصون على حجابها من قبل بلوغها المحيض لتعتاده. وهل يحرصون على تعليمهم أبسط الأخلاق الإسلامية السامية الحميدة؛ كالتواضع، واحترام الكبير، والعطف على الصغير، ورحمة الضعيف، والصدق، والأمانة، وصلة الرحم، وغيرها من الأخلاق الفاضلة التي دعا إليها ديننا الحنيف؟! لقد راعني الآن ما يحدث في المجتمع من حوادث كارثية؛ من ضرب الأبناء لآبائهم وأمهاتهم، وطردهم من منازلهم بدلًا من رعايتهم، ليتزوجوا هم في الشقة. منتهى الأنانية والقسوة، وعدم الضمير. - وهم يسترحمونهم، ويترجونهم، ويتوسلون إليهم، ويستعطفون أبناءهم أن يعطوهم معاشهم بالكامل ليبقوهم معهم دون مجيب ولا رحمة، ورأينا الابن يأخذ أمه ويركبها تاكسي، ثم ينزل بحجة أنه سيشتري شيئًا ولا يعود! ليتخلص منها وكأنها لم ترعاه صغيرًا، ولم تسهر على تربيته حتى كبر!، والبنت التي وضعت والدها المريض في الكرسي المتحرك، وذهبت به للمستشفى، وتركته في الاستقبال دون عرضه على طبيب من يوم وقفة العيد إلى نهاية العيد، ثم جاءت بعد العيد لتسأل عنه! والابن أركب أباه سيارة ووضع شنطة ملابسه، وأغلق الباب، وقال له: هذا كل ما لك عندي، والرجل يصرخ ويبكي، ويتوسل إليه دون جدوى! وذلك يدل على أن أغلب الأسر لا تعلم عن دينها شيئًا، الذي يأمرهم برعاية والديهم في الكبر، ولا حتى قولهم: (أف) حتى لا يجرحوا شعورهم. قال سبحانه وتعالى: " ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 23، 24]. وكلمة (عندك) تعني: أن يحرص الابن على استضافة والديه ورعايتهم بنفسه؛ لذلك يجب علينا نحن الآباء والأمهات والمربين والمدرسين في المدارس أن نعين أبناءنا على التنشئة نشأة إسلامية منذ نعومة أظفارهم، ونربيهم على حب الله وحب الرسول منذ عمر ثلاث سنوات، كنا نقول لهم: أغمضوا أعينكم، ماذا ترون؟ يقولون: نرى ظلامًا، ثم نقول لهم: الآن افتحوا أعينكم، ماذا ترون؟ يقولون: نراكم، ونرى النور، ونرى الأشياء كلها، نسألهم: أيهما أفضل أن نغلق أعيننا أم نفتحها؟ سيقولون: نفتحها أفضل، فنقول لهم: ربنا هو من خلق لنا هذه الأعين لنرى بها؛ ولذلك نحب ربنا، ونفعل هذا مع كل نعمة؛ مع الشم مثلًا، فنحضر وردة رائحتها جميلة، ونقول لهم: أمسكوا أنوفكم، هل تشمون شيئًا، يقولون: لا نشم شيئًا، ثم نطلب أن يشموا الوردة بعد ترك أنوفهم مفتوحة، ونسألهم كيف رائحتها؟ فيقولون: جميلة، فنقول لهم: ربنا هو من أعطانا هذه الأنف لنشم بها الروائح الجميلة، والروائح السيئة حتى نبتعد عنها، ولا نأكل الطعام الفاسد حتى لا نمرض، وهكذا في كل النعم التي منحنا الله إياها، ونقول لهم: لذلك نحب ربنا، ونعودهم على شكر النعم: (الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا)، قال تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]. ونقص عليهم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ونحببهم في أخلاقه، ونحثهم على اتِّباع سُنَّته، ونعمل المسابقات، ونعطيهم الجوائز لتشجيعهم، وكلنا يحب القصص حتى الكبار، وأصبحت الآن كتب السيرة الملونة موجودة تشجع الأطفال حتى الصغار منهم، يفرحون بها، ونقرؤها لهم، ونشرح لهم المعنى؛ حيث يقتدون بالنبي، والصحابة، والصالحين. ونحرص على تعليمهم الأذكار في كل المناسبات؛ عند الطعام، وعند الوضوء، وعند النوم، وعند الخروج من البيت، وعند الدخول، وعند دخول الحمام،... إلخ، ونعلمهم أن نبدأ أي عمل بقول: (بسم الله)، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل عمل لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أبتر»؛ أبتر: أي: مقطوع البركة؛ (حديث مشهور ولكنه ضعيف، وابن باز حسنه لغيره، وحسنه النووي، وابن حجر، وصححه ابن دقيق العيد)، وقد روي الحديث بألفاظ أخرى: «كل كلام أو أمر ذي بال لا يفتح بذكر الله فهو أبتر». وقد ذهب أكثر الفقهاء إلى مشروعية البسملة، واستحبابها عند الأمور المهمة، الأمر ذو البال: هو الأمر المهم. ونعلم أبناءنا كيفية الصلاة، ونذكر لهم أن لها ثوابًا عظيمًا، ونشجعهم عليها بشراء الإسدال للبنات، وإرسال البنين مع آبائهم للمسجد ليسمعوا الخطبة وشرحها؛ ليتعلموا دينهم منذ الصغر ويتقنوه، قال صلوات الله عليه: «علموا أولادكم الصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع»؛ يعني: عندما يبلغ الطفل سبع سنين علموهم الصلاة بحفظ الفاتحة، وبعض السور القصيرة ليصلي بها؛ ليكون عند العاشرة من عمره مجيدًا للصلاة، فإن تركها بعد إجادتها لا بد من عقابه؛ وذلك لأهمية الصلاة، وأنها أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، فإذا صلحت صلح باقي عمله، وإذا فسدت فسد باقي عمله، فعلينا الاهتمام بها جيدًا، والحرص على تعويد أبنائنا على أدائها فور وجوبها، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، والآيات في فرض الصلاة كثيرة، وهي آخر ما وصَّى بها النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: «الصلاة الصلاة، وما ملكت أيمانكم»، وهي آخر ما يفقد من الدين، فإن ضاعت ضاع الدين كله، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لتنقضن عُرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة، تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضًا: الحُكم، وآخرهن: الصلاة»؛ (الترمذي، كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة) الحديث (2616). والمتتبع لآيات القرآن الكريم يجد الصلاة لا تسقط عن الإنسان أبدًا، حتى في المرض، والحرب لأهميتها، ويرى الله سبحانه، يذكر الصلاة ويقرنها بالذكر تارة: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾ [العنكبوت: 45]، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [الأعلى: 14، 15]، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾ [طه: 14]، وتارة يقرنها بالزكاة: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 110]، ومرة يقرنها بالصبر: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾ [البقرة: 45]، وتارة بالنُّسُك: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2]، وأحيانًا يفتتح بها أعمال البر، ويختتمها بها، كما في سورة المعارج، وأول سورة المؤمنون: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [المؤمنون: 1، 2] إلى قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [المؤمنون: 9 - 11]. وقد بلغ من عناية الإسلام بالصلاة أن أمر بالمحافظة عليها بالحضر والسفر، والأمن والخوف، والسلم والحرب، فقال تعالى: ﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 238، 239]، وبين كيفية إقامتها في السفر والحرب والأمن. واختلف الفقهاء في تارك الصلاة هل يكفر بذلك؟! وفرقوا بين تارك الصلاة جحودًا بها، وإنكارًا لها: كفر، وخروج عن الملة، بإجماع المسلمين. أما من تركها مع إيمانه بها تكاسلًا واعتقادًا بفرضيتها، فهو فاسق؛ أي: عاصٍ خارج عن طاعة الله؛ وذلك لأن الأحاديث صريحة بتكفير من يترك الصلاة: 1) قال صلوات الله عليه: «بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة»؛ (أحمد ومسلم وغيرهما). 2) «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»؛ (رواه أحمد وأصحاب السنن). 3) قال صلى الله عليه وسلم: «من حافظ عليها كانت له نورًا، وبرهانًا، ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا، ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون، وفرعون، وهامان، وأبي بن خلف»؛ (رواه أحمد والطبراني، وابن حبان، وإسناده جيد). وكون تارك الصلاة مع أئمة الكفر في الآخرة يقتضي كفره، قال ابن القيم: "تارك المحافظة على الصلاة؛ إما يشغله ماله، أو ملكه، أو رياسته، أو تجارته، فمن شغله ماله فهو مع قارون، ومن شغله ملكه فهو مع فرعون، ومن شغله عنها رياسته ووزارته فهو مع هامان، ومن شغله عنها تجارته فهو مع أُبي بن خلف، وكان أصحاب محمد لا يرون ترك شيئًا من الأعمال كفر، غير الصلاة". كذلك بالنسبة للصوم لا بد من تعويد الأطفال عليه، فيصومون جزءًا من النهار مثلًا إلى الظهر ثم يفطر، فبالتدريج يستطيع صوم اليوم كله. وكانوا في زمن الرسول يعملون اللعب من العِهْن (من الصوف)؛ ليلعب بها الأطفال حتى لا يطلبوا الطعام لنصف النهار ليتعوَّدوا الصومَ. أيضًا نُعلمهم التعاون على البر والتقوى بالقدوة الحسنة، وبالقصص في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. والحقيقة أن التربية بالقدوة الحسنة لها فاعلية سحرية في استجابة الأطفال، فعندما يرى الأطفال الأب والأم يصدقون في القول، ويسارعون لأداء الصلاة فور سماع الأذان، ويتصدَّقون على الفقراء، ويعاونون الضعفاء، ويتراحمون؛ سيتعلمون دون كلام، أما إن كان أخلاق الوالدين سيئة فلن يتعلموا إلا السيئ من الأخلاق، والدليل على ذلك أن العديد من التجار من التتار عندما خالطوا المسلمين في التجارة، ورأوا مدى صدقهم، وأمانتهم، وأخلاقهم الحميدة، أُعجبوا بالإسلام ودخلوا في دين الله أفواجًا. بينوا لأولادكم أن الإسلام هو من: 1) ضبط أصواتكم، فقال تعالى: ﴿ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ﴾ [لقمان: 19]. 2) وضبط مشيتكم، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ﴾ [لقمان: 18]. 3) وضبط نظرتكم، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131]. 4) وضبط سمعكم، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾ [الحجرات: 12]. وضبط طعامكم، فقال تعالى: ﴿ وَلَا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: 31]. 5) وضبط كلامكم: فقال تعالى: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83]. وقال نبينا الكريم: «أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا». - علموا أبناءكم الشجاعة في قول الحق، ولو على أنفسهم: كان أستاذ ابني الكبير (أسامة) في اللغة العربية يقرأ النص القرآني، فيخطئ في القراءة، فيرده (أسامة)؛ لأنه كان يحفظ على يد شيخ في المسجد، فيقول الأستاذ له: قراءة ثانية يا أسامة، فسأل شيخه فأخبره أنه: ليس هناك قراءة بهذه الصورة، فأخبر أستاذه، ولتلافي الحرج أوكل الأستاذ لأسامة: قراءة النصوص القرآنية، فلولا شجاعة أسامة لقرأ الأستاذ القرآن خطأ، وتعلم الطلاب القرآن خطأ، وكان الإثم على أسامة؛ لأن نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»؛ (حديث صحيح؛ أخرجه مسلم). لا نريد أن نكون من ضعفاء الإيمان؛ لأن سكوت أهل الحق عن إزالة الباطل، هو ما أفسد كل مجالات الحياة؛ لخوف العلماء من الرؤساء، وتركهم يعبثون، ويعيثون في الأرض فسادًا؛ خوفًا على وظائفهم، أو نقلهم لأماكن بعيدة، أو خوفًا من الحبس، ومع الأسف أدَّى ذلك إلى انتشار الفساد في كل مكان، لا بد أن يصدع العلماء بالحق لينتصر على الباطل، ويسود الأمن والأمان ربوع الأوطان. وأيضًا ابنتي وجدت معلمتها في المدرسة الابتدائية ترتدي الحجاب؛ ولكن يظهر جزء من شعرها من الأمام، فقالت لها بكل أدب: حضرتك يا أستاذة شعرك باين من الأمام، فقالت لها: معلش يا زينب 2 سنتيمتر مش مشكلة! فرجعت وسألت والدها هل هذا صحيح؟! فقال لها: ولا سنتيمتر واحد، فذهبت وأخبرت معلمتها. مع الأسف استحى العلماء عن تصحيح أخطاء الرؤساء، أو خافوا أن يصيبهم الأذى؛ فضاع الدين والدنيا معًا، وانتشر الفساد في الأرض. يقول الشاعر الباكستاني: محمد إقبال كتبها في ديوانه باسم (شكوى وجواب الشكوى) باللغة الأوردية، ونقلها للعربية شعرًا الشاعر الأزهري الصاوي شعلان، فجاءت رائعة جدًّا وأسماها (حديث الروح): إذا الإيمانُ ضاع فلا أمان ![]() ولا دنيا لمن لم يحي دينا ![]() ومن رضي الحياة بغير دين ![]() فقد جعل الفناء لها قرينا ![]() وفي التوحيد للهمم اتحادٌ ![]() ولن تبنوا العلا متفرقينا ![]() ألم يُبعَث لأمتكم نبيٌّ ![]() يُوحِّدكم على نهج قويم ![]() ومصحفكم وقبلتكم جميعًا ![]() منارٌ للإخوة والسلام ![]() والله نسأل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، عسى أن نحظى برضوانه ونفوز بجناته. آمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإلى اللقاء في الرسالة الثالثة وموضوعها: "القرآن أنزله الله تعالى لنسير على هداه". [1] حديث: «وجعلت قرة عيني في الصلاة»؛ هو جزء من حديث صحيح صححه الألباني، ورواه النسائي وأحمد: «حُبب إليَّ من دنياكم: النساء والطيب، وجُعلت قرة عيني في الصلاة»، والحديث يوضح مكانة الصلاة العالية عند النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الله جعلها مصدر راحته وسعادته وطمأنينته (قرة عينه)، فبينما أحب من الدنيا النساء والطيب، فإن الصلاة تمثل عبادة محبوبة لذاتها؛ لأنها مناجاة وعبادة. [2] حديث: «شرف المؤمن قيام الليل» هو جزء من وصية سيدنا جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، في الموسوعة الحديثية: «أتاني جبريل، فقال: يا محمد، عش ما عشت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس»، (والحديث صحيح عن سهل بن سعد)، وقال الذهبي: صحيح، وقد وصف الله عباد الرحمن فقال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾ [الفرقان: 64]، وقال سبحانه في وصف الأخيار: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 17، 18]، وقال تعالى لنبيه: ﴿ يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 4] إلى غير ذلك من الآيات التي تحث على قيام الليل. [3] حديث: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس» هو جزء من حديث ضعيف، ضعَّفه المنذري، والهيثمي، والألباني؛ ولكن معناه صحيح ليس فيه ما يُنكر، ونصه: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركها مخافة الله آتاه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه»، وله روايات كثيرة وكلها ضعيفة؛ ولكن كما قلت معناه صحيح، وقد ورد في الكتاب والسُّنَّة أكثر من مائة موضع على أن الجزاء من جنس العمل؛ كقوله تعالى: ﴿ جَزَاءً وِفَاقًا ﴾ [النبأ: 26]؛ أي: جزاهم الله عز وجل جزاءً موافقًا لأعمالهم السيئة، وهذا ثابت شرعًا وقدرًا، فمن ترك التلذذ بالمحرمات طلبًا لمرضاة الله تعالى، فإنه يُرجى له أن يبدله الله تلذذًا وحلاوة يجدها في إيمانه وعباداته. [4] حديث: «وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم» هو جزء من حديث صحيح أخرجه الترمذي وصححه الألباني عندما سأل معاذ بن جبل النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخله الجنة، فأرشده إلى أمور الخير، ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله» فأخذ بلسانه وقال: «كُفَّ عليك هذا»، فقال معاذ: وهل نؤاخذ بما نتكلم به؟! قال صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم؟!»؛ والمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد على أن معظم ما يُلقي بالناس في النار هو ذنوب اللسان: من الغيبة والنميمة والكذب والقذف وقول الزور، وحصائد الألسنة هي الآثار السيئة للكلمات المحرمة، ورغم صغر جرم اللسان فإن خطره ومعاصيه كبير، وهو السبب الرئيسي لإلقاء الناس في النار. (ثكلتك أمك يا مُعاذ): كلمة تقال في سياق التنبيه والتعظيم للأمر، وليست دعاءً فعليًّا على مُعاذ؛ بل للإشارة إلى خطورة ما تقع فيه الألسن؛ والخلاصة: أن الحديث يحذر بشدة من آفات اللسان، وأن حفظه هو طريق الجنة، والإكثار من الكلام المحرم هو طريق النار. [5] حديث: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» جزء من حديث صحيح وثابت في صحيح مسلم عن أبي هريرة: «إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، ثم ذكر: «الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُزي بالحرام، فأنَّى يُستجابُ له» وهو يتعلق بقبول الأعمال، ويؤكد على أن الله تعالى لا يقبل إلا الحلال الخالص من الشبهات، ولا يقبل الأعمال إلا ما كان خالصًا من المفسدات؛ كالرياء والعُجْب، كما قال تعالى: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110]. [6] حديث: «كلكم راعٍ مسؤول عن رعيته» حديث نبوي شريف عظيم؛ رواه عبدالله بن عمر عن الرسول صلى الله عليه وسلم (متفق عليه)، يؤسس لمبدأ المسؤولية الفردية والجماعية؛ يعني: أن كل فرد في المجتمع مؤتمن وراعٍ، ومسؤول أمام الله عن حقوق من تحت يده، سواء في الأسرة، أو العمل، أو الدولة، بضمان العدل، والرعاية، والتربية، والقيام بمصالحهم في الدين والدنيا.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
مواقف إيمانية زينب محمد عبدالغني فايد الرسالة الثالثة: القرآن أنزله الله لنسير على هداه إهداء: إلى كل فتاة مسلمة ترغب أن تكون مع الله.. إلى كل فتى مسلم يرغب أن يكون مع الله.. إلى كل شباب المسلمين في جميع أنحاء العالم.. إلى كل من يرغب في معرفه دينه، وما يدعو إليه إسلامنا الحنيف.. إلى كل من يرغب في التقرب إلى الله بالعقيدة الصحيحة والعمل الصالح.. إلى أحبتي وحبيباتي المؤمنات القانتات في كل مكان: أُهديكم هذه الرسالة لعلكم تفيدون منها شيئًا تنفعكم في دينكم ودنياكم.. إلى أبنائي الأحباء: أسامة وأحمد وزينب وإبراهيم.. عسى أن تحظى بإعجابكم، وتكون هدفًا يعينكم على كمال دينكم ودنياكم، ثم هي من قبل ومن بعد لله سبحانه وتعالى، أحاول أن أبثها لكم لتحيون سعداء في الدنيا والآخرة، هي رسالة قصيرة تستطيعون قراءتها في وقت قصير أثناء رحلة أو وقت انتظار موعد لطبيب مثلًا، أقصد لن تكون عبئًا عليكم، بل ستأخذ وقتًا قصيرًا تستطيعون قراءتها وفهم ما أعنيه، والله الموفق أسأله العون والسداد والرشاد. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاه والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمد النبي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين. الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعد: القرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى لنسير على هداه: فعلينا قراءته؛ يعني: تلاوته. فنجعل لنا يوميًّا: وِرْدًا للتلاوة، ووِرْدًا للحفظ: ولو صفحة للتلاوة، وآية واحدة للحفظ، فبمرور الوقت سنجد أنفسنا قد حفظنا الكثير، أهم شيء ألَّا نهجر القرآن. ويُفضَّل أن يكون الوِرْد أول النهار عند الفجر ولا نتركه أبدًا؛ لأننا نعلم جميعًا فضل التلاوة، والحفظ، التدبر، والفهم، والعمل بما فيه، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾ [محمد: 24]. وقال صلى الله عليه وسلم عن فضل القرآن: 1- "اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه"؛ (حديث صحيح، رواه مسلم). 2- "خيركم مَنْ تَعَلَّم القرآن وعَلَّمه"؛ (صحيح، رواه البخاري). 3- "إن لله أهلين من الناس"، قالوا: يارسول الله، من هم؟ قال: "أهل القرآن هم أهل الله وخاصَّته"؛ (رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما، وصحَّحه الألباني). 4- "الماهر بالقرآن مع السَّفَرة الكِرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتَتَعْتَع فيه وهو عليه شاقّ له أجران"؛ (رواه البخاري ومسلم). 5- "أبشروا وأبشروا، أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟! قالوا: نعم. قال: فإن هذا القرآن سبب طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به؛ فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا"؛ (رواه ابن حبان في صحيحه). 6- "الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، والحمد لله وسبحان الله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبايع نفسه فمُعْتقها أو موبقها"؛ (حديث صحيح، رواه مسلم). 7- "مثل الذي يقرأ القرآن كالأُتْرُجَّة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مُرّ ولا ريح لها"؛ (صحيح، رواه البخاري). 8- "مَنْ قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"؛ (رواه الترمذي). 9- "اقرؤوا الزهراوين: البقرة، وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة؛ فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة"؛ (حديث صحيح، رواه مسلم). والبطلة تعني السَّحَرة. 10- "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا؛ فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها"؛ (رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح). "يجيء القرآن يوم القيامة، فيقول: يا رب، حله، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: فيلبس حلة الكرامة، ثم يقول: يا رب، ارض عنه، فيرضى عنه، فيقال له: اقرأ وارْق وتزداد بكل آية حسنة"؛ (رواه الترمذي، وصحَّحه الألباني). لذا أحِبَّتي وحبيباتي: يجب علينا أن نحفظ القرآن ونفهمه ونتدبَّره ونعمل بما فيه ونُعَلِّمه لأبنائنا. • قال الإمام علي في خطبة له: "وتعَلَّموا القرآن؛ فإنه أحسن الحديث، وتفقَّهُوا فيه؛ فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره؛ فإنه شفاء الصدور، وأحْسِنُوا تلاوته؛ فإنه أنفع القصص، فإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق من جهله، بل الحجَّة عليه أعظم، والحسرة له ألزم، وهو عند الله ألوم". وقد قسَّم الإمام ابن القيم أنواع هجر القرآن وحذرنا منه: وهم خمسة أنواع. نسأل الله ألا نكون منهم: أ) هجر سماع القرآن والإيمان به والإصغاء إليه. ب) هجر العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه وإن قرأه وآمن به. ت) هجر تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه، واعتقاد أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العام. ث) هجر تدبُّره وتفهُّمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه. ج) هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائه، فيطلب شفاء دائه من غيره، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ ﴾ [يونس: 57]، ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [الإسراء: 82]، ﴿ يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ ﴾ [النحل: 69]. ح) وكل ذلك داخل في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30]. وبعض الهجر أهون من بعض. فلنحذر من هجر القرآن، وأخلصوا لله في العبادة، ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ [البقرة: 235]، فسبحانه وتعالى: يعلم خائنة الأعين وما تُخْفي الصدور.. • الخلق ينظرون لظاهرك، والخالق ينظر لباطنك، فاحذروا أن تزينوا محل نظر الناس، وتقبحوا محل نظر الخالق! ولا تعلقوا سعادتكم بغير الله.. فإن الحبيب يجفو.. والقريب يبعد.. والحي يموت.. والمال يفنى.. والصحة تزول.. لا يبقى إلا الحي القيوم فلا تتعَلَّقوا إلا بالحي القيوم. وقولوا هذا الدعاء الجامع: "اللهم إني أسألك من الخير كله: عاجله، وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله: عاجله، وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرَّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرَّب إليها من قول أو عمل، وأسألك مما سألك به عبدك ونبيُّك محمد صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك مما تعوَّذ منه عبدك ونبيُّك محمد صلى الله عليه وسلم، وما قضيت لي من قضاء فاجعل عاقبته رشدًا"؛ (صحيح رواه البخاري في الأدب المفرد). يقول أحد الصالحين: "عَلِّم ولدك القرآن والقرآن سيُعَلِّمُه كلَّ شيء". ادعوا به في أوقات الإجابة؛ فإن الدعاء هو العباة. ثلاث آفات تُحل بثلاث: 1) الآفة الأولى: إذا ابتُليت بحب الشهوات! الحل: راجع حساباتك مع الصلوات، بدليل قوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾ [مريم: 59]. 2) الآفة الثانية: إذا أحسست بالشقاء وعدم التوفيق! الحل: راجع حساباتك مع والدتك، بدليل قوله تعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ [مريم: 32]. 3) الآفة الثالثة: إذا شعرت بالاكتئاب والضنك! الحل: راجع حساباتك مع القرآن! بدليل قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴾ [طه: 124]. • أحِبَّتي: إذا زاركم يومٌ جديدٌ، فلا تكدروه بالذنوب، فإنه ضيفٌ لن يعود إلى يوم القيامة، فأحسنوا ضيافته: بفريضة تقضى، وسُنَّة تؤدى، وقرآن يُتلى، وتوبة تُجدَّد.. ولا تحملوا هَمَّ الرزق: فقد تكَفَّل اللهُ به فهو من الله.. ولا تحملوا هَمَّ الدنيا: فإنها لله. يُسيِّرها كيف يشاء.. ولا تحملوا هَمَّ المستقبل: فإنه بيد الله. ولا يقع في كونه ما لا يريد. فقط احملوا هَمًّا واحدًا: كيف تُرضوا الله؟! فإذا رضي عنكم، أدهشكم بعطائه. • وختامًا: أسأل الله أن يسوق إليكم من رحمته ما يغنيكم، وينزل عليكم من بركاته ما يكفيكم، ويدفع عنكم كل بلاء وكل ما يؤذيكم، ويغفر لوالدينا ولوالديكم، ويعطيكم سُؤْلكم، وأمانيكم، ويؤلف بين قلوبكم ومُحبِّيكم، ويدخلكم الجنة مع أهليكم ومُحبِّيكم، مع النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقًا. أرجو أن يقرأ الشباب هذه المواقف: ويذكروا رأيهم فيها، وسوف أنشر كتيبات صغيرة يستطيع الفتى أو الفتاة قراءتها في وقت قصير فلا تكون عبئًا عليهم، عن التشريعات الإسلامية التي لا بد للمسلم أن يعرفها ويُعَلِّمها لأبنائه: كالصلاة، والصوم، والزكاة، وبِرِّ الوالدين، وصِلة الأرحام؛ حتى نعيش سعداء في الدنيا والآخرة، ونحظى برضوان الله ونفوز بجنَّاته، والله الموفق.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
مواقف إيمانية زينب محمد عبدالغني فايد الرسالة الرابعة: الزواج سنة مؤكدة إهداء.. • إلى كل شاب مقبل على الزواج.. • إلى كل فتاة مقبلة على الزواج.. • إلى الأزواج المسلمين.. • إلى الزوجات المسلمات.. • إلى الباحثين عن السعادة الزوجية.. مقدمة: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، باسط الأرض ورافع السماوات، بقدرته أوجد الكائنات. وبحكمته جعل الأنفس بنينًا وبنات؛ لتحقق الحكمة من إيجاد الخلق، وهي عبادة الخالق سبحانه وتعالى، وعمارة الأرض، وحفظ السلالة، واستمرار الخلافة، وتبارك المنزل على عبده: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ [الروم: 21]. وفي هذه الآية أرسى الحق سبحانه وتعالى قواعد العلاقات ونظم المعاملات بين الزوجين بموازين الدقة الربانية وهي ثلاث: 1- السكنى: وهي الطمأنينة المطلقة، فإذا اطمئنَّ كلٌّ من الزوجين للآخر؛ تحققت الثقة بين الزوجين التي هي لَبِنة البناء الأولى للبيت، ودعامة استقراره وسعادته. والمعنى أن الله خلق لكم من جنسكم إناثًا تكون لكم أزواجًا لتسكنوا إليها (يعني بذلك حواء التي خلقها من ضلع آدم الأيسر، ولو أنه تعالى جعل بني آدم كلهم ذكورًا، وجعل إناثهم من جنس آخر من غيرهم؛ إما من جان أو حيوان، لما حصل هذا الائتلاف بينهم وبين الأزواج، وهذا من تمام النعمة على بني آدم. 2- المودة: وهي سِرُّ المحبة، ونسيج قوة الرابطة بين الزوجين الناشئة عن قوة التعلق وصدق الإخلاص؛ ولذا في الهدي النبوي الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: "تزوَّجوا الودود الولود"؛ (حديث صحيح، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما، وصححه الألباني). وهي الزوجة الحنونة التي تنجب الأولاد على عكس من (الجحود الحمقاء غليظة القلب، قاسية الطبع في عشرتها ومعاملاتها)، وألَّا يقترن زوج بزوجة عاقر لا تلد (تُعرف بخالتها وأقاربها) فإنه يتنافى مع تحقيق البيت وسعادته، وانتفاء قرة الأعين للأزواج التي هي المطلب الأسمي، والغاية الحسنى، في ما جاء من طيب دعاء الرحمن حين وصفهم سبحانه وتعالى بكريم الصفات وجميل الفِعال، إخبارًا عن حالهم وبيانًا لضراعة دعائهم في ساحة الرجاء، ما حكاه القرآن العظيم عنهم في سورة الفرقان عز ثناؤه: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ [الفرقان: 74]. ورحم الله تعالى الفاروق عمر بن الخطاب القائل: "والذي نفسي بيده، إني لأكره نفسي على الجِماع، بغية أن يُخرج الحق سبحانه نسمة من ظهري تسبح بحمده وتذكره"؛ (إسناده ضعيف). وفيه بيانٌ أن الزواج ليس من أجل الشهوة فقط، وإنما لأهداف سامية، ومُثُل عليا أهمها تسبيح الخالق عز ثناؤه، فإن الغاية من إيجاد الخلق هي عبادة الخالق سبحانه، والزواج غاياته عدة، أهمها تحقيق قرة الأعين للأزواج. 3- ولا يغيب عن عاقل: أن الصلاح في الأرض في الأقوال والأفعال هو سِرُّ الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة؛ لقوله سبحانه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 97]، وقد أرشدنا رسولنا الكريم بقوله: "الدنيا متاع، وخير متاع الدنيا امرأة صالحة"؛ (حديث صحيح، رواه مسلم). إشارة إلى أن من يرزق بزوجة صالحة فقد رزق خير ما في الدنيا. وفي منهجية التعامل بين الزوجين قال تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [البقرة: 228] (ولعلها درجة في طبيعة التكوين، والقدرة والطاقة على تحَمُّل أعباء ومسؤوليات رب البيت عمَّن يعولهم. وفي الآية انتفاء التضاد، فإن الزوجين مكملان لبعضهما وليسا ضدين. 3) الرحمة بين الزوجين: وهي باختصار وإيجاز: أ) التجاوز عن الزلَّات. ب) والرفق في المعاملات. يقول الطبيب حسام موافي عن آية سورة الروم: حضرت العديد من الأفراح وكنت أسأل الأزواج والزوجات، عن معنى الآية، فوجدتهم لا يفهمون المعنى الدقيق لها، فكلمة (آية) إما أن تكون: 1) بمعنى: آي القرآن المكونة للآيات القرآنية. أو 2) بمعنى: العلامة. أو 3) بمعني المعجزة. وهي في هذه الآية بمعنى المعجزة. وفيها: سبع معجزات متتاليات، وإذا نظرنا إلى ترتيبها وجدنا الله سبحنه قال: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ ﴾ [الروم: 20]، ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ ﴾؛ أي: من معجزاته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا، لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة. إنها معجزة من الله وهبها لك، فحافظ عليها، وهي معجزة أقوى وأعلى من معجزة خلق السماوات والأرض بدليل: أنه سبحانه وتعالى ذكرها قبل خلق السماوات والأرض. الله سبحانه وتعالى أعطاك معجزة فراعِ الله فيها، وأنت أيتها الزوجة راعي الله في زوجك. أنتم تعيشون بمعجزة الله، احمدوا الله واشكروا فضله، فكم من رجال لا يجدون زواجًا من قلة مال أو غيره، وكم من فتاة تتمنَّى الزواج ولا تجده، فاشكروا نعمة الله عليكم فقد قال سبحانه: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7]. الزواج نعمة عظيمة فلا تكفروها فتزول عنكم، فتندموا حين لا ينفع الندم. نسمع الزوج يقول لزوجته: أنت تشخري فأنا لا أريدك، اذهبي إلى بيت أبيكِ، وتقول: أنت لا تقول لي كلمات حب، طلقني أو أخلعك! أعلموا أحبتي وحبيباتي من الأزواج والزوجات: أنكم تعيشون بمعجزة الله ليس بجمالك ولا بجماله، فراعوا الله في هذه المعجزة واشكروه كثيرًا. فسَّرها الدكتور حسام موافي: فقال: ومن معجزاته سبحانه وتعالى أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا تعطيكم السكن والهدوء والراحة، وجعل بينكم مشاعر الحب والرحمة فإن لم يكن بينكم مشاعر الحب، يكن بينكم الرحمة. وفي ذلك معجزات لقوم يتفكرون. أحبتي: راعني كثرة حدوث الطلاق وبعد الزواج بفترات قصيرة، فقد قالت الإحصاءات إنه يحدث حالة طلاق كل ستة دقائق في مصر؛ مما يدل على عدم فهم الشباب لمعنى الزواج، واعتقادهم أنه مجرد تمتُّع وسعادة، دون أن يلتزم كلٌّ منهم بواجباته نحو الآخر، كلٌّ يبحث عن سعادته فقط ومن وراء ذلك الطوفان والعياذ بالله! والزواج ليس متعة جنسية فقط كما يظن البعض، بل هي عبادة لله سبحانه وتعالى، كما أن الغاية من إنجاب الأولاد هي تواصل تلك العبادة حتى تقوم الساعة. ولذلك نجعلها في أطيب البقاع داخل بيوت الله، المساجد وشهودها الركّع السجود، الذين تستغفر لهم الملائكة ما ظلوا في مواضعهم التي صلوا فيها، تنزَّهت مجالسهم عن فحش القول، وعن اختلاط مذموم بين الرجال والنساء، ولا يتعاطون اللهو المحرم، ولكن يأنسون بتوجيه هاديهم صلوات الله عليه؛ إذ قال لأم المؤمنين وقد عادت بعد أن زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "ياعائشة، ما كان معكم لهو؟! فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، قال الحافظ بن حجر: في رواية شريك: "هل بعثتم معها جارية تضرب بالدُّفِّ وتُغنِّي؟ قلت: ماذا تقول؟ قال تقول: "أتيناكم أتيناكم فحيَّانا وحيَّاكم، ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم، ولولا الحنطة السمراء ما سمنت عذاريكم". وفي أفراحنا تكون التذكرة الموجزة، ما يتحتم أن يكون المسلمون على وعي به ودراية. لماذا يتردَّد الشباب؟ أقدم ولا تخف، وانهل من الخير، أقبل نحو السكن والهدوء والأمان والاطمئنان، واغترف من العواطف النبيلة. ممَّ تخاف؟ من أعباء الزواج المادية وتكاليفه الشاقَّة؟ فهذه قد كفلها الله لك وأمرك بالنكاح، قال تعالى: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32]. والرسول صلى الله عليه وسلم يُبشِّرك قال: "ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء، والناكح يريد العفاف"؛ (رواه الترمذي). ولك أن تتخيل أنك محروم من الخير كل الخير ما لم تتزوج، وإليك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرًا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله"؛ (رواه ابن ماجه). وإشباع الجانب العاطفي عند الشباب: يدفعه دائمًا إلى التفرغ لعمله أو لعلمه؛ لذا فقد كان سلفنا الصالح يُزوِّج الشباب مبكرًا، وهكذا رأينا أعلام العلم وأقطاب العمل: الشافعي ـ ابن حنبل ـ صلاح الدين ـ محمد الفاتح، وغيرهم. أما من أخَّر زواجه فنجده مشغولًا دائمًا، مهمومًا مُشتَّت الفكر، مضطرب المزاج. فرفقًا بنفسك يا أخي، وأقدم والله وليُّك ونصيرك. ــ وهمسة في أذنكم يا أهل العروس: رفقًا بشبابنا، لا تُحَمِّلُوهم ما لا يطيقون، ولا تسدوا عليهم أبواب الحلال، واختر لابنتك رجلًا ترضى دينه وخلقه وإن كان فقيرًا، فإن المال يذهب ولا يبقى إلا الدين. لماذا نتزوج؟ الزواج: سنة الأنبياء وهدي المرسلين، فقد أخبرنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد: 38]. والغاية من الزواج: هي الإعانة على عبادة الله عز وجل، وإنجاب الذرية التي تعبده. وأساس ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ [الفرقان: 74]، ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]. ورغبنا نبينا الكريم فقال صلوات الله عليه: "يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، فإنه أحصن للفرج، وأغض للبصر فمن لم يستطع، فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء"؛ (البخاري ومسلم). الزواج: آية من آيات الله وسكن ومودة، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21]. الزواج: ترويح للنفس وأنس للروح، فالرجل يفرغ من عمله، ويسكن في المساء إلى بيته، ويجتمع مع أهله وأولاده، فينسى الهموم التي اعترته في نهاره، ويجد زوجة وضيئة تستقبله بابتسامة مشرقة ووجه باسم؛ فيزول من نفسه تعب النهار كله، وقد أعدت له البيت النظيف، والطعام اللذيذ، والحديث المريح، والنوم الهادئ. الزواج: إثراء للعواطف والمشاعر.. مشاعر الزوج تجاه زوجته، والأم نحو أبنائها، والأب لأولاده. الزواج: توثيق للروابط بين العائلات في المجتمع المسلم، وزيادة في التماسك والقوة، واكتساب للمحبة والعشيرة. الزواج: نواة المجتمع المسلم الذي ننشده- فالمجتمع مكون من عدة أسر- وينتج منه الفرد المسلم الذي ينصر الله به المسلمين، فرُبَّ ولدٍ كصلاح الدين أو محمد الفاتح، ورب بنت كفاطمة أو نسيبة. الزواج: تعاون بين طرفين لمواجهة الحياة، فالمرأة تقوم بواجبها في بيتها من تربية للأولاد وتنظيم لشئون المنزل، والرجل يقع عليه مسئولية القوامة والسعي والكسب. الزواج: محافظة على النسل الإنساني، واستمرار لخلافة الله في الأرض، وسلامة للفرد والمجتمع من الانحلال الخلقي، وتوجيه للشهوة إلى الوجهة الصحيحة التي تريح الإنسان، وترضي الرحمن. فتِّش عن اللآلئ في قاع البحر: الزوجة الصالحة: هي درتك الثمينة، وجوهرتك الغالية، والجواهر لا توزع في الطرقات، وإنما يحتاج الأمر منك إلى الغوص في أعماق الحياة لتستخرج أفضل ما فيها لتأمنها على نفسك ومالك وأولادك. فزوجتك هي موضع سرِّك، وسكن روحك، وعشق فؤادك، وربة بيتك، وأم أولادك فيرثون عنها صفاتها وخصالها، وبين أحضانها تتفَتَّح مشاعرهم، وتتربَّى ملكاتهم؛ لذا دقِّق في اختيارك. قال صلوات الله وسلامه عليه: "تخيروا لنُطَفِكم فإن العِرْق دسَّاس"، وقال أيضًا: "تُنكَح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك"؛ (رواه الشيخان). ورغبة الإنسان في الزوجة: الثرية، الجميلة، الحسيبة يشترك فيها المؤمن والكافر، أما اختيار الزوجة ذات الدين يتفرَّد به المؤمن (لذا كان تحذير الرسول صلى الله عليه وسلم شديدًا، فتربت يداك؛ أي: التصقت بالتراب). أيضًا بيئة الزوجة وأهلها أمر: في غاية الأهمية؛ لذا قال صلى الله عليه وسلم: "إياكم وخضراء الدِّمَن.... قالوا: وما خضراء الدِّمَن؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء"؛ (رواه الدارقطني). والزوجة الولود: لتكثر سواد المسلمين وتقوِّي نَسْلَهم، وقد يكون بينهم الشافعي أو صلاح الدين... قال صلى الله عليه وسلم: "تزوَّجوا الودود الولود؛ فإني مُباهٍ بكم الأُمَم"؛ (رواه أبو داود والنسائي والحاكم). كما أن التقارب في المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي: من المعينات على نجاح الزواج. همسة أخيرة أخي الحبيب... لأني أحبك... وأخاف عليك... فإني ناصحك: المرأة الملتزمة: هي من أعرضت عن متاع الدنيا الزائف، وأقبلت على الله بقلب هادئ وديع. هي من تراها بخمارها دون تزين لأعين الغرباء، لا شك أجمل بكثير ممن تركت نفسها نهبًا للعيون، وهي إن شاء الله ستتزين في بيتها أفضل من كل هؤلاء، فلا يغرنك الزيف والجمال المصطنع فهو أسهل شيء في أيامنا هذه، ولكن فكِّر ما الذي سيبقى لك غير الدين، والخلق، وحُسْن المعاملة؟ فكِّر واعتبر بمن سبقوك، فزوجتك حياتك الدنيا، وسعادتك في الآخرة. أيها الزوج: الجوهرة ثمينة فحافظ عليها: خلق الله المرأة بحس مرهف، وعاطفة جيَّاشة، ورقة بادية، وعليك أن تعاملها وفقًا لهذه الطبيعة. واحفظ وصية الرسول صلى الله عليه وسلم: "رِفْقًا بالقوارير". فماذا تفعل ليكون بيتًا قطعة من الجنة؟! كن لها الأب الحنون؛ فقد تركت أبيها من أجلك، والأخ الناصح، والزوج الحبيب؛ فقد تركت كل هؤلاء من أجلك، فحاول تعويضها عنهم، وكن رفيقًا بها، فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزِع من شيء إلا شانه، كما أخبرنا الحبيب المصطفى، واجعله قدوتك، فما ضرب أحدًا قط حتى الخدم. هناك عدة خطوات لا بد أن تراعيها مع زوجتك لتجعل بيتك جنة بالنسبة إليكما معًا: 1- الكلمة الطيبة والتدليل اللطيف: له أثر عظيم في زوجتك فاهتمَّ بحديثك معها، وانصت إذا تحدَّثت، واهتمَّ بما تهتمُّ به، ونادها بأحبِّ الأسماء إليها. كان صلوات الله عليه ينادي زوجته: "يا عائش" يدللها. قال نبينا الكريم: "تبسُّمُك في وجه أخيك صدقة"؛ (صحيح، صحَّحه الألباني). 2- ساعد في البيت: مثلًا اعمل الشاي أو اغسل الصحون. فقد كان رسول الله في مهنة أهله؛ يعني: في خدمتهم، وهذه الأعمال البسيطة تُسَرُّ بها الزوجة. وتشعر بمدى حبِّك لها. وقد قال رسولنا الكريم: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله"؛ (حديث صحيح، رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الألباني). 3- إذا اقتنص الرجل قلب زوجته، وفاز به: فإن قلبها يعلق به، وتهفو دومًا للقائه، وتشتاق لرؤيته، فإذا دخلت بيتك فلا تظهر عناء عملك، ولا تعب يومك، ولكن عليك بحُسْن الاستهلال والبدء بالسلام بعد طرق الباب مع ابتسامة صافية والمصافحة والتقبيل. 4- سُئل حكيم عن المرأة فقال: "إنها وجهٌ به إطراء، وجسدٌ فيه إغراء، وقلبٌ فيه صفاء، وعقلٌ رغم نقصانه فيه مكرٌ ودهاء، فإن وضعتك في قلبها كأنك امتلكت الدنيا بأسرها، وقد ترفعك إلى عنان السماء، وإن وضعتك في عقلها فلن تنجو من بطشها، وقد لا يحل عليك المساء". 5- كلكم مسئول: خذ بيد زوجتك إلى الجنة، وأعِنْها على الطاعة، وأيقظ همتها نحو معالي الأمور فإنك راعٍ، وأنت مسئول عن رعيتك أمام الله. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ [التحريم: 6]. 6- لا تظلمها حقَّها: الجماع حق مشترك بين الزوجين فارْعَ فيه آداب الإسلام ولا تتأخَّر فيه عن زوجتك فإنه حِصْنٌ لك ولها. 7- عتاب رقيق من زوج رقيق: تعامل مع زوجتك بحكمة، وتغاضَ عن بعض الهفوات، واستمتع بحياتك على ذلك، وأشِر إلى الخطأ من بعيد بإشارة لطيفة، وإن كان موقفًا لا بد له من وقفة حازمة، فلتتخير وقت العتاب المناسب، وانْتَقِ ألفاظك، وارسم على وجهك ابتسامة شفقة وحب. 8- أخي الحبيب: ظلت زوجتك في بيت أهلها أعوامًا طويلة، وتربت على أيديهم، فاعمد دائمًا إلى البر بهم، وأظهر لهم اهتمامك، وحبك لهم، ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم، فإن ذلك يؤنسها ويحببها فيك، ويُعْلي قدرك عندها. أختي الفاضلة: الجنة مقصودك، والطاعة وسيلتك: ــ فدخولك الجنة أيسر من دخول الرجل إليها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يبشركن بالجنة إذا أديتُنَّ الصلوات، وحفظتن فروجكن، وأطعتن أزواجكن. وحافظي على عرضه، وماله، فإن هذا من شيم المرأة الصالحة، ولا تدخري من ورائه، فإن ذلك يغضبه، واعملي على الادخار له، ومفاجئته بكل طيب. مراعاة مشاعر الزوج أمر أساسي: فلا تظهري فرحك وهو حزين، ولا حزنك وهو مسرور، ولا تظهري زينتك لغيره، ولا تضحكي وأنت في الأماكن العامة، وإذا كان معك فلا تتكلمي إلا بإذنه. فإنه يحب حياءك أكثر مما سواه. وإذا استقبلت زوجك بعد يوم حافل بالعمل في بيتك: فاستقبليه بكل حفاوة وترحاب، ولا تظهري له تعبك وضيقك. يرى زوجك في عمله وفي الأماكن الأخرى كثيرًا من المتبرجات الفاتنات، وهو يحفظ دينه بغض البصر من ناحية وبما تظهرين له من جمالك من ناحية أخرى، فكوني دائمًا كأحب ما يرى الرجل من زوجته وكأول ليلة في الزواج. عاملي أهله ووالدته خاصة بالخير تزدادي حبًّا وجمالًا، في عين زوجك فيكن دائمًا في جانبك في أي موقف. الرجل لا يجلس في بيته سوى ساعات قليلة، وأنت ربة المنزل في غيابه والأولاد مسئوليتك الأولى والحقل الخصب الذي ينتظر منك غرسه وحرثه ورعايته إلى أن ينمو، فإما أن تزرعيه وردًا وريحانًا، فتحصدين خيرًا وفيرًا، وإما أن تزرعينه حنظلًا وصبَّارًا فلا تحصدين إلا شوكًا ومرارًا، فخذي بأيدي أولادك إلى الجنة، عرفيهم بربهم ودينهم، وحببيهم فيهم من الصغر، استثمري فيهم: فكلما علمتِهم شيئًا من الدين أو الأخلاق الحسنة حتى بعد مماتك وفعلوه هم سيكون لك أجره، يقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفَع به، أو ولد صالح يدعو له"؛ (للبخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة). لا تثقلي على زوجك بالمطالب المادية المرتفعة: وتجنبي الكماليات، ولا تسيري خلف الزوجات المستهترات اللواتي انشغلن بالدنيا، وليكن همُّك دائمًا ترهيبه من الحرام، ولنا في السابقات أسوة حسنة، فإن الزوجة الصالحة كانت تُذكِّر زوجَها بتقوى الله، فإذا خرج للعمل قالت: "اتق الله ولا تكتسب لنا من حرام، فإنا نصبر على شدة الجوع ولا نصبر على حَرِّ جهنم". وإذا رأيته غضبانًا: فرضيه، وعليه مثل ذلك. فقد كان أبو الدرداء يقول لزوجته: إذا رأيتني غاضبًا فرضيني، وإذا رأيتك غضبى رضيتك؛ وإلا لم نصطحب. وأول مراحل الزواج: الخطبة: وهي فترة ما قبل الزواج، وهي وعد بالزواج، وتتاح فيها الفرصة للتعارف بين الطرفين- الخاطب والمخطوبة- وكذلك عائلتهما ليكون الإقدام على الزواج على هدى وبصيرة، وبقدر كبير من التفاهم. وقد شُرع للخاطب رؤية مخطوبته: قال نبينا الكريم: "انظر إليها فإنه أحرى أن يُؤدَم بينكما"؛ (الترمذي والنسائي والحاكم مرفوعًا): "إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل"؛ (أبو داود والحاكم مرفوعًا عن جابر). وهي الخطوة الأولى للزواج: لبناء البيت المسلم والأسرة المسلمة، والذي هو أمل كل فتى وفتاة، ففيه السكينة والمودة، والأُلْفة وتعارف الأرواح. قال صلى الله عليه وسلم: "الأرواحُ جنودٌ مُجنَّدةٌ، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكَرَ منها اختلف"؛ (صحيح رواه مسلم). وسبق أن قلنا: إن رسولنا الكريم قد نصح الشباب باختيار المرأة الصالحة، "فاظفر بذات الدين تَرِبَتْ يداك"، "الدنيا متاع... وخير متاعها المرأة الصالحة". وللخاطب التحدُّث لخطيبته في الأمور المختلفة: سواء مباشرة أو عن طريق الهاتف، مع ملاحظة أنها ما زالت أجنبية عنه، فلا يجوز أن يقول لها إلا قولًا معروفًا، ولا يجوز أن يلقاها دون مَحْرَم، وبالطبع لا يجوز له المصافحة باليد، لكن يجوز له إعطاؤها الهدية الطيبة، والنصيحة القويمة. الأسرة المسلمة: فيها السكينة والهدوء، فيه المودة والرحمة، فيه تُتْلى الآيات، وتتدارس المواقف. أمل كل فتى وفتاة في الاستقرار والنجاح، والفوز برضا ربِّ العالمين. البيت المسلم: راحة نفسية، وقوة روحية، وعلاقة ربانية. يبدأ: بحسن الاختيار فـ ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ [النور: 26]. ويعيش: على منهاج رب العالمين، يسمع ويطيع لأوامر الله ورسوله. ويظل: أمل الأمة نحو بناء مجتمع إسلامي رشيد. فمرحبًا: بالسكينة والمودة، ومرحبًا ببيت مسلم جديد. ثم ماذا بعد؟! مهما تكن من الإغراءات من ناحية الجمال أو الحسب أو المال فاحذر من هذا الاختيار، ولكن اجعل اختيارك على أساس الدين. وقد قيل عن النبي الكريم أنه قال: "من تزوَّج امرأة لمالها لم يزده الله إلا فقرًا، ومن تزوَّج امرأة لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، من تزوَّج امرأة ليغض بها بَصَرَه، ويحصن فَرْجَه أو يصل رحمه، بارك الله فيها وبارك لها فيه"، ولكن هذا الحديث لا يصح (الحديث ضعيف جدًّا بل حكم عليه بعض العلماء مثل ابن الجوزي بأنه (مكذوب) (موضوع)؛ لأنه لا حرج في تزوج المرأة لمالها، أو لجمالها، أو لحسبها، مع مراعاة أن صلاح دينها أولى؛ أي: ليكن همُّك صلاح دينها، فإذا اجتمع معه جمال أو مال فهذا خير إلى خير. وأنت أيتها الأخت المسلمة: اجعلي اختيارك لزوجك على أساس الدين فهو الباقي وغيره من الصفات زائل، ويجب على المتقدم (وكذلك أهل المخطوبة) أن يطلب من أهل المخطوبة السؤال عليه، والتحرِّي عن صدقه وأمانته، ليعرفوا أين سيضعون ابنتهم فِلْذة أكبادهم، قال صلى الله عليه وسلم: "تخيَّروا لنُطَفِكم؛ فإن العِرْق دسَّاس"؛ (ليس بصحيح ولكن معناه صحيح مثل "الدين النصيجة"، "المؤمن يألف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف". "إذا جاءكم من ترضون دينه وخُلقه فزوِّجوه، إلا تفعلوا تكن في الأرض فتنةٌ وفسادٌ كبيرٌ"؛ (رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وهو صحيح عند كثير من أهل العلم وحسنه الألباني). وليحذر أهل المخطوبة أن يرفضوا مؤمن تقي لفقره، وليعلموا أن الحفاظ على ابنتهم يكون بإعطائها لأكثر الناس تقوى. يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لا تزوِّج ابنتك إلا لتقي، فإن أحبها أكرمها، وإن كرهها لم يظلمها". وعليك يا أخي بكثرة الاستخارة، وكثرة الصدقات بنية أن يحسن الله اختيارك. ولا تنسي أن نتهادى في تلك الزيارات الأولية: فهو أدعى لتقريب القلوب وتأليفها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا"؛ (حديث حسن أخرجه البخاري. ومعناه: الحث على تبادل الهدايا لنشر المحبة والمودة بين المسلمين). وليحذر المتقدم والمخطوبة أن يتم أي نوع من أنواع الارتباط دون علم الأهل: فكل التجارب تثبت أن كل الطرق الخلفية تفشل الزواج سريعًا، وليكن المنزل هو الطريق الشرعي لإتمام الزواج. أيضًا احذروا أن نحمل أنفسنا ما لا نستطيع من أجهزة وأثاث وموكيت وغيرها..... إلخ. وليكن الاتفاق على قدر الاستطاعة حتى لا نستدين ونقع في الحَرَج. أيضًا نحذر مؤخر الصداق العالي فهو دين في رقبتك يجب عليك سداده في أقرب وقت، وليس كما يظن عامة الناس من أنه يُعطى عند الطلاق، ولنعلم كما قال رسولنا الكريم: "أقلهن مهرًا أكثرهن بركة"؛ (الحديث لا يصح بهذا اللفظ، ومعناه صحيح؛ روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم بسند لا إشكال فيه: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة"، والحديث أخرجه أحمد في مسنده (24529)، والحاكم في المستدرك (2732)، والنسائي في السنن الكبري (9229)، وابن أبي شيبة في مصنفه (16384) وجميعًا عن طريق حماد بن سلمة عن ابن سخبرة عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي. ولنحذر من عدم الاتفاق على كل صغيرة وكبيرة من البداية، فيجب تحديد ما على الزوج، وما على أهل الزوجة، وقيمة مؤخر الصداق، ومن عليه تكلفة الفرح، وما إلى ذلك من دقائق الأمور، حتى لا يهدم البيت قبل أن يبدأ، فالأمور المالية أحيانًا تفسد القلوب. ولنحذر من إقامة الأفراح بأسلوب يجلب سخط الله وغضبه: فلنحذر من المعازف، والاختلاط، والراقصات، وليكن فرحنا في المسجد قربة لله، تحفُّه الملائكة ثم تتركه وقد غفر لكل الحاضرين. ولنحذر أيضًا من دعوة الأغنياء وترك الفقراء إذا كانت الدعوة عامة: فنريد أن تكون أفراح كفالة ورعاية وسعادة لكل فقير، ولا تكون فتنة يدخل بها الشيطان إلى قلب الفقير. فشَرُّ الوليمة ما يُدعى لها الأغنياء، ويُحرم منها الفقراء. ولنحصل على السعادة الزوجية الدائمة اتبعوا الآتي واحرصوا عليه: 1- الوقوف عند حدود الله، فلا تؤتي المعصية مع المعرفة أبدًا، قال صلوات الله عليه وسلم: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [الأحزاب: 36]. 2- القيام بطاعة أسبوعية؛ مثل: قراءة القرآن، أو قيام الليل، أو الصيام والإفطار معًا. 3- المساعدة في أعمال المنزل ولو بشيء بسيط؛ كعمل الشاي أو تنظيف حجرة أو كي ملابس...إلخ. فهذا يجعل البيت جنة يتعاون كلٌّ من الزوجين لاستمرارها. • ويجب على الزوجة أن تتزيَّن لزوجها، وأن تكون في أجمل زينة في بيتها، فهو يرى الفجور في الشارع غصبًا عنه، أفلا يرى أجمل منه بالحلال في أهله؟! • بوداعٍ حارٍّ عند ذهابه للعمل صباحًا، واستقباله بشوق عند عودته، فيصبح البيت في أنضر حالة، وستكون حياتهما كلها كأيام الخطبة وأيام العقد سعادة وهناء. • أن يكون العتاب رقيقًا بالهمس والإشارة، فإن الحبيب لا يرضى أن يغضب حبيبه فستراها ترفع ما يغضبك على الفور. • الاتفاق على أن تبدأ الزوجة بالصلح، وأن يبادر الزوج دائمًا بانشراح صدره لهذا الصلح. • واحذروا الديون فهو هَمٌّ بالليل وذلٌّ بالنهار، ولتبنوا بيتكم خطوةً خطوةً، ولا تتعجَّلوا فإن الديون تسبب المشاكل الكبيرة والكثيرة. وأخيرًا هذا البيت بيتكم معًا، بنيتموه معًا، فكونوا فيه سعداء. والسعادة دائمًا تحتاج إلى تعاون، وتنازل، واتفاق من الطرفين. بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.. ورزقكما ذرية طيبة تنفع الإسلام والمسلمين. أيضًا من مفاتيج السعادة الزوجية: 1- الاحترام: كلٌّ يحترم الآخر، وقد رأينا كيف يساعد النبي صلوات الله عليه زوجه صفيَّة حتى تركب البعير. 2- الحوار الهادئ بين الزوجين: وأن يكون على انفراد وبإيجابية. 3- الإنصات: وليس الاستماع، وعدم المقاطعة، والتعليق بعبارات رقيقة. 4- التهادي: يقول رسولنا: "تهادوا تحابُّوا". 5- التسامحعن الزلَّات والهفوات. 6- المدح والثناء على الزوجة بعد القيام بأعمال كثيرة بالمنزل. 7- مساعدة الزوجة وحثّ الأبناء على المساعدة. 8- اللمسة الحانية للزوجة. ولنعلم جميعًا أن السعادة ليست في جمع المال، فربَّما يكون نقمة وليس نعمة. ولنعلم أيضًا أنه يحرم على الزوجين إفشاء سِرِّ الفراش للناس. ولنَتَحَمَّل الابتلاءات؛ لأن الدنيا هي دار ابتلاء، وأكثر الناس إبتلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، فلنصبر ونحتسب ونرضى بقضاء الله؛ فإنه ركن من أركان الإيمان. وحديث "إذا أحَبَّ اللهُ عبدًا ابتلاه"؛ صحيح بمعناه مثل "إذا أحبَّ الله قومًا ابتلاهم"، "وما يزال البلاء بالمؤمن..... حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة"؛ (صحيح: صحيح الجامع (5815)، والهدف من الابتلاء هو تمحيص العبد، ورفع درجاته، وتكفير ذنوبه، وليس عقوبة. والرواية الصحيحة: "إن أعظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط"؛ (صحيح، ورواه الترمذي وقال: حديث حسن). ومن خير الوصايا للعروس وصية امرأة عربية لابنتها ليلة زفافها؛ حيث قالت لها: أي بنية، لو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها، كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال! أي بنية، إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العُشَّ الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقيبًا ومليكًا، فكوني له أمةً، يكن لك عبدًا، واحفظي له خصالًا عشرًا تكن لك ذخرًا: 1- الخضوع له بالقناعة. 2- وحُسْن السَّمْع والطاعة. 3- التفَقُّد لمواضع عينه وأنفه. 4- التفَقُّد لوقت منامه وطعامه. 5- الاحتراس بماله والإرعاء على حشمه وعياله. 6- ملاك الأمر في المال حُسْن التقدير، وفي العيال حُسْن التدبير. 7- لا تعصينَّ له أمرًا. 8- ولا تفشينَّ له سِرًّا. فإنك إن خالفت أمره: أوغرت صدره، وإن أفشيت سِرَّه: لم تأمني غدره. 9- ثم إياك والفرح بين يديه إن كان مغتمًّا. 10- أو الكآبة بين يديه إن كان فرحًا. ليت كل أُمٍّ توصي ابنتها يوم زفافها بهذه الوصية الرائعة، وقد درسناها في المرحلة الثانوية فيما مضى، لست أدري هل تدرس إلى الآن أم لا؟! حتى تستوعب الفتيات ما معنى الزواج وكيف تنجح في إقامة البيت المسلم، والذي ينجب الأبناء الصالحين لبناء المجتمع والدفاع عنه ضد المحتلِّين الذين يفسدون في الأرض. وختامًا: عزيزي الزوج.. عزيزتي الزوجة.. • أدعوكم إلى طاعة الله والبر والتقوى.. • وأهمس إليكما ليست السعادة في كثرة المال، إنما السعادة في الرضا بالقليل. قال نبينا الكريم: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"؛ (رواه البخاري ومسلم). والمعنى أنه ليس حقيقة الغنى كثرة المال مع الحرص، وإنما الغنى من استغنى بما آتاه الله وقنع به. • تعاونا على أن يعفَّ أحدكما الآخر.. • واعلما أن الزواج لغضِّ البصر وتحصين الفرج. • واحذر أيها الزوج من السفر الطويل عن أهلك خشية الفتنة. • واحذري أيتها الزوجة من إهمال فراش الزوجية فيغضب العبد ثم يغضب الربُّ. • وحافظا على أسرار الفراش، وأسرار البيت. • وإن فتر الحب بينكما فليكن بينكما الرحمة، فليس كل البيوت تُبْنى على الحب كما قال سيدنا عمر بن الخطاب. وإلى اللقاء أحبتي وأحبائي في رسالة أخرى إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |