أيام التشريق - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 78 - عددالزوار : 61732 )           »          مسألة ميراث الحمل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          تخريج حديث: يا رسول الله، ما ترى في مس الرجل ذكره بعدما يتوضأ؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          تفسير قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 48 )           »          باب في آفات العلم وأهله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 41 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4904 - عددالزوار : 2050742 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5304 - عددالزوار : 2702289 )           »          مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 60 - عددالزوار : 39603 )           »          شريحة Neuralink تعيد القدرة على الكلام لمرضى التصلب الجانبى الضمورى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 77 )           »          إنثروبيك تعزز الـ AI.. كل ما تحتاج معرفته عن الوضع الآلى فى Claude Code (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 62 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 28-05-2026, 12:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,861
الدولة : Egypt
افتراضي أيام التشريق

أيام التشريق

د. أيمن منصور أيوب علي بيفاري

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الكبير المتعال، الحمد لله ذي العزة والجبروت والكبرياء والعظمة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، ولله الحمد كثيرًا، وسبحان الله بكرةً وأصيلًا. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله وعظِّموه في نفوسكم، عظِّموه في نفوسكم؛ فخافوا عذابه، وارجوا رحمته، وثقوا به، وتوكلوا عليه، وأسلموا له، وأنيبوا إليه، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194].

في مثل هذه الأيام، وقبل أزمانٍ طوالٍ من القرون والأعوام، وبعد أن رُزق الأب في كبر سنِّه مولوده الأول الذي يُبقي ذكر والده، يرى في المنام أنه يذبح ابنه، ليس يموت ولده، وإنما يتولى هو بنفسه ذبح ابنه بيده، إنه لبلاءٌ عظيم أصيب به إبراهيمُ عليه السلام وابنه إسماعيلُ عليه السلام، ورؤيا الأنبياء حقٌّ ووحيٌ لا بد أن يطيعَ فيه الوالدُ والمولودُ، وهنا الدرس العظيم في مثل هذه المواقف العصيبة، لم يراجع إبراهيمُ عليه السلام ربَّهُ وخالقه ومولاهُ وهو خليلُ الله وحبيبه، وإنما ذهب مستسلمًا لأمر الله، منقادًا لطاعته، غير متوانٍ ولا متهاونٍ ولا معارض، وهنا تظهرُ قوةُ الإيمان حين يأتي الأمر الرباني بما يهزُّ وجداني، كم انتظر إبراهيم عليه السلام من سنين بلغت فوق الثمانين، فرزق بمولوده الأول، والمولود الأول له معزةٌ خاصةٌ، وبعدها يؤمر بذبحه بيده، إنه لبلاءٌ عظيم، وكما تعلمون أيها المؤمنون أن حبَّ فلذة الكبد يأسرُ النفوس؛ فهذا يعقوب عليه السلام ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ بكاءً، فَهُوَ كَظِيمٌ مملوءٌ قلبه بالحزن على فَقْدِه ابنه يوسف عليه السلام، فما بالكم أن يتولى الأب ذبح ابنه؟ فيذهب إبراهيم عليه السلام فيحاوره قائلًا له: ﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ [الصافات: 102]، ﴿ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ ليست للمراجعة وليست للتواني وليست للمناقشة، وإنما ليهون على ولده ويختبر صبره وجَلَدَهُ وعزمه، فما كان من ولده الذي تربَّى على التسليم لأمر الله وبذل النفس والروح وما يملك لله رب العالمين إلا أن: ﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الصافات: 102]، المحتسبين الراضين بحكم الله تعالى، المقتنعين أن قضاء الله خير وأصلح من أمانينا، وأعظم من رغائبنا، فقدانُ فلذة الكبد لا تهون على النفس، فكيف إذا كان ذلك الفقد يتولَّاه الأب بنفسه، إنه لبلاءٌ عظيمٌ، وإنه لتسليمٌ لله رب العالمين من نَبِيَيْنِ عَظِيْمَيْن يضربان لنا مثلًا ساميًا في ذبح هوى النفس، وذبح كبرياء الذات، وذبح التعلق بالدنيا ورغائبها وشهواتها، لتذعن لأمر الله وتستجيب له وتنقادَ لطاعته، وترضى بقضائه، وتخضع له سبحانه وتعالى، بلا ترددٍ ولا مماطلةٍ ولا ممانعةٍ، فيسلم الأب ابنه للجبين، فيضجعه على جبينه على الأرض، ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ [الصافات: 103]، وقيل: المعنى كبَّهُ على وجهه؛ كيلا يرى منه ما يؤثر الرقة لقلبه، وهنا تذوب العواطف، وتذوبُ العصبيات، فيأتي الفرج من رب البريات ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات: 104 - 107]، فاستبدل ذبح الابن بذبح الكبش، سنة مؤكدة باقية في ديننا الإسلامي يستشعر بها المسلمُ ذلك الموقف العظيم، ليسلم المؤمن أمره لله رب العالمين، فتكونُ سنةُ الذبح للأضاحي مشروعة من بعد صلاة العيد وحتى نهاية أيام التشريق، والدرس العمليُّ لها أن محبة الله عز وجل تتملكُ القلوب وتعلو أي محبة لما سواه سبحانه جل في علاه.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.


عباد الله، عَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قال: ((لَمَّا أَتَى إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللهِ الْمَنَاسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَرْضِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْد الْجَمْرَةِ الثَّالِثَةِ فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى سَاخَ فِي الأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الشَّيْطَانَ تَرْجُمُون وَمِلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيمَ تَتبعُونَ))، فيبقى ذلك الفعل شعيرة من شعائر الحج لديننا الإسلامي لمن حج بيت الله الحرام، ولعل مغزاه الأثر على نفوس المؤمنين في رمي حبائل الشيطان ومكائده وخطواته لتتحول الصورةُ الرمزيةُ إلى صورةٍ واقعيةٍ عمليةٍ، ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 268]، ﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ [النساء: 38]، ﴿ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا ﴾[النساء: 118 - 122]، فلا بد أن نحارب كيد الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ووساوسه ومِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ.

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.


أيها المؤمنون، إِنَّ أَبْلَغَ لَفْظَةٍ للعَرَبِ في مَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالإِجْلَالِ هِيَ: اللهُ أَكْبَرُ، فالله أكبر معنًى تستشعره النفوس، والله أكبر تخضعُ لها القلوب والأركان، والله تعالى أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَا شَيْءَ أَكْبَرُ وَلَا أَعْظَمُ مِنَ اللهِ تعالى، وَهِيَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ كُلِّفَ بِها رَسُولُ الهدى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَهَا حِينَ أُمِرَ بِالإِنْذَارِ، حيث قَالَ الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ [المدثر: 1 - 3].

اللهُ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ في هَذَا الوُجُودِ، وَأَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ كُلِّ مَا يَخْطُرُ بِالبَالِ، أَو يَتَصَوَّرُهُ الخَيَالُ، «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْـمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ».

إنها كلمة عظيمة جليلة: "الله أكبر" لو وعيناها لتحرَّكت منا المشاعر، واهتزَّ الوجدان.

"الله أكبر": يدعى بها إلى الصلاة، وتستفتح بها الصلاة، وتتكرر في كل ركن من أركان الصلاة، ويختتم بها الصيام، وتتبع التسميةَ عند ذبح القربان، وتقال عند الجمرات، وأدبار الصلوات، والأيام المعلومات.

"الله أكبر": كلمة تدوِّي في الآفاق، وتخترق الحجب لتعلن للناس كلِّ الناس أن العظمة لله وحده، والكبرياء لله وحده.

"الله أكبر": من كل شيء، في ذاته، وصفاته، وأفعاله.

"الله أكبر": تعني أن الله هو الأكبر الذي يتصاغر أمامه الكبراء والعظماء، لا ينازعه في كبريائه أحد: ﴿ فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [الجاثية: 36، 37].

ومَنْ تعَلَّق بالله الأكبر كفاه كل هَمٍّ وغَمٍّ وخوفٍ.

"الله أكبر": كلمة نقولها عند بدء صلاتنا، إعلانًا منا بالانخلاع من الدنيا وشهواتها، والحياة وملذَّاتها!

"الله أكبر": تدفعنا إلى أن نحب ما يحبه الله، ونبغض ما يبغضه الله، فيكون هوانًا تبعًا لما يحبه الله، ومضادًّا لما يبغضه.

"الله أكبر": وكما نقولها في المسجد، وفي صلاتنا وأذكارنا، يجب أن نقولها ونقوم بمقتضاها في جميع أوقاتنا وأحوالنا وأوضاعنا.

الله أكبر:
رَدِّدُوهَا دَعْوَةً مُبْصِرَةً
تَرْفَعُ التَّقْوَى لِمَنْ ضَلَّ مَنَارَا
وَاجْعَلُوا التَّكْبِيرَ فِيكُمْ قَبَسًا
يَنْشُرُ النُّورَ عَلَى دَرْبِ الْحَيَارَى
لا يَصُونُ الْحَقَّ أَوْ يَحْفَظُهُ
غَيْرُ مَنْ يَرْجُونَ للهِ وَقَارَا


عباد الله، قال الله عز وجل: ﴿ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا ﴾ [الإسراء: 111].

الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. الله أكبر الله أكبر، ولله الحمد.


بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بالآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله المتفرد بالعظمة والكبرياء، له الحمد في الأرض والسماء، تعالى عن الشبيه والمثيل والند، فلا مثيل له في كبريائه، ولا مشابه له في آلائه، والصلاة والسلام على أفضل من سبَّح وكبَّر، سيدنا محمد أفضل البشر، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أيها المؤمنون، مَنَّ الله تعالى على طائفةٍ من المؤمنين فحجوا بيت الله الحرام، فنعموا بلذة العبودية لله تعالى مُلبِّين ومُكبِّرين ومُهلِّلين، وقفوا بعرفات في يوم التجليات، فباهى الله عز وجل بهم ملائكته، وما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وذكروا الله تعالى عند المشعر الحرام، وطافوا بالبيت العتيق، وسعوا بين الصفا والمروة، باتوا بمِنًى ورموا فيها الجمرات، وأدوا مناسكهم آمنين مطمئنين بكل أمنٍ وسلامٍ.

إن من اصطفاه الله تعالى واختاره من بين سائر الخلائق والناس لحج بيته الحرام في هذا العام أنعمَ الله عز وجل عليه بنعمةٍ لا يعدلها نعمة، فمثله كمثلِ من دعاك إلى مناسبةٍ فأجبته فأكرمك، والله أكرمُ الأكرمين، وأرحم الراحمين.

عباد الله، اتصلت بي امرأةٌ حاجَّةٌ ممن اصطفاها الله عز وجل لتكون من وفود الله وحجاج بيته الحرام، وهي تسأل بكل صراحةٍ تلتمسُ إجابةً صريحةً صادقةً لا مجاملة فيها ولا محاباة، فقالت وهي في المشاعر المقدسة: هل سيغفر الله ذنوبي ويرحمني؟ هل سيغفر الله ذنوبي ويرحمني؟ وانهالت تبكي بدموع الألم لماضٍ ملؤه الذنوب والمعاصي، والخطايا والسيئات، والغفلة والزلَّات، ومن الذي يحجب رحمة الله عنها، ألم تتدبر قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنعام: 54]، ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴾ [النساء: 175]، ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]، ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش))، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخَّر الله تسعًا وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة))، ولعل ذلك الألم لم يكن إلا بذنوبٍ اقترفها الإنسانُ، فخشي أن يلقى الله عز وجل فيؤاخذه بها، ففاضَ الخوف في القلب، فسلب منه رجاء الرحمة والمغفرة والعفو والستر، اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبنا، ورحمتك أرجى عندنا من أعمالنا فاغفر لنا.

وما أجمل أن يحلق الإنسان في سماء الثقة بالله عز وجل، بجناحي الخوف من الله عز وجل وعذابه وعقابه، ورجاء رحمته وعفوه ومغفرته، فكل بني آدم خطاء، وكلنا مقصرون، ولكن خير الخطائين التوابون، ومن رحمته أن من أعظم الناس جرمًا أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد في الصحيحين: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ، فَاعْبُد اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ: إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الْأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ، فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي أَرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ)).

صلوا على نبي الرحمة وإمام الهدى.












__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 80.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 78.57 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.14%)]