|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
يوم عرفة يوم الوقوف لله عدنان بن سلمان الدريويش حين تقف الأرواح، في أرض الله الواسعة، وبقلوب متعبة، جاءت من كل فج عميق، رافعةً أيديها إلى السماء، وبدموع تنزل بصمت، وألسنة تردد الدعاء، وكأن البشرية كلها تقف على باب ربها تقول: يا ألله ارحمنا، ويا ألله اغفر لنا، إنه مشهد عظيم، لا يشبهه مشهد في الدنيا، إنه يوم الوقوف بعرفة، هو ليس مجرد محطة في الحج، بل هو أعظم مواسم الانكسار بين يدي الله، وأوسع أبواب الرجاء، يوم يشعر فيه الإنسان بحقيقته؛ بأنه عبد ضعيف لا غنى له عن ربه طرفة عين؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تعالى يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة، يقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثًا غبرًا))؛ [صحيح الجامع]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((الحج عرفة))؛ [رواه الترمذي]. أيها الحاج، هل سألت نفسك: لماذا سميت عرفة؟ قيل في ذلك: لأن الناس يتعارفون فيها، وقيل: لأن العبد يتعرف فيها على ربه بقلبه، وقيل: لأن الإنسان يعرف قدر ضعفه وحاجته إلى الله، وفي الحقيقة، من وقف بعرفة صادقًا عرف أشياء كثيرة: عرف فقره إلى الله، وعرف تقصيره، وعرف أن الدنيا أصغر من أن يتعب نفسه عليها، إنه مشهد يشبه يوم القيامة، فأنت حين تنظر إلى الحجيج في عرفات، بلباس واحد، وتضرع واحد، ووجوه أنهكها السفر، تشعر وكأنك ترى صورةً مصغَّرة من يوم الحشر، لا ألقاب، ولا مناصب، ولا فروق بين غني وفقير، الجميع واقفون ينتظرون رحمة الله، ولهذا كان بعض السلف إذا وقف بعرفة بكى طويلًا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أخشى أن أقف اليوم مع أهل الرحمة، ثم أعود محرومًا. أيها المبارك، يوم عرفة يعلمنا دروسًا كثيرة، منها: الدعاء والإكثار منه بقلب صادق، قال صلى الله عليه وسلم: ((خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير))؛ [حديث حسن]، ففي هذا اليوم يشعر الإنسان أن قلبه أقرب إلى السماء، وأن أبواب الرحمة مفتوحة على مصاريعها، فكم من إنسان دخل عرفة مهمومًا فخرج مطمئنًّا! وكم من مذنب دخلها منكسرًا فخرج وقد غمره الأمل في عفو الله! إن الدعاء في عرفة ليس ألفاظًا محفوظة فقط، بل حديث قلب أنهكته الحياة، فجاء يشتكي لربه، يشتكي ضعفه، وخوفه، وهمومه، وذنوبه، فربك يسمع دبيب قلبك قبل صوت لسانك؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]. يا أخي، ومن الدروس: لا ملجأ إلا الله، في عرفات يسقط اعتماد القلب على البشر، فلا طبيب يشفي وحده، ولا مال ينفع وحده، ولا منصب يرفع صاحبه إذا خذله الله، هنا يتعلم الحاج أعظم درس: أن الملجأ الحقيقي هو الله، وقف الإمام أحمد بن حنبل يومًا بعرفة يدعو طويلًا ويبكي، فقيل له: ما الذي ترجوه؟ قال: أرجو أن أكون ممن نظر الله إليهم في هذا اليوم فقال: قد غفرت لكم. ومن الدروس: أن عرفة يوم العتق والمغفرة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟ اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم))؛ [رواه مسلم]، يا لها من بشارة عظيمة، في هذا اليوم تُغفر الذنوب، وتُرفع الدرجات، وتُجاب الدعوات، ويقترب الله من عباده قربًا يليق بجلاله، ولذا كان بعض الصالحين يقول: أعظم الخسارة أن يمر يوم عرفة وقلبك منشغل بغير الله. فيا ضيف الرحمن، لا تضيِّع يوم عرفة بالتصوير، أو الأحاديث الجانبية، أو متابعة الهواتف، بينما السماء مفتوحة والرحمات تتنزل، فإن دقائق عرفة أثمن من الذهب، وربما دعوة صادقة في هذا اليوم تغير حياة الإنسان كلها، كان سفيان الثوري يقول: "أخوف الناس في عرفة من ظن أن الله لا يغفر له"، فيا أخي، إذا وقفت بعرفة، تذكر أنك واقف على باب أكرم الأكرمين، ارفع يديك بيقين، وادعُ بقلب حاضر، ولا تستصغر دعوة خرجت من قلب منكسر، فرُبَّ دمعة في عرفات كانت سببًا في سعادة عمر كامل، ورب دعاء صادق غيَّر قدر إنسانٍ بإذن الله.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |