الحج وأركان الإسلام - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5303 - عددالزوار : 2699883 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4903 - عددالزوار : 2048421 )           »          طريقة عمل أرز صيادية فى عيد الأضحى.. لو زهقتى من الفتة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          نصائح للحفاظ على بشرتك خلال الطقس الحار.. واقى الشمس لاغنى عنه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          طريقة عمل طاجن ورق عنب بالكوارع فى عيد الأضحى.. طعمها لذيذ ومغذية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          بأقل التكاليف وبلمسات سحرية.. 4 حيل ذكية لتجديد ديكور منزلك خلال العيد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 54 )           »          طريقة عمل فتة البيستاشيو فى عيد الأضحى.. جددى مطبخك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          4 طرق مختلفة لاستخدام جلد الخروف.. من ديكور البيت للحقائب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 45 )           »          طريقة عمل طاجن رز معمر باللحمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          5 وصفات سريعة تحول بواقي اللحمة في أول يوم العيد لأكلات شهية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 23-05-2026, 08:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,828
الدولة : Egypt
افتراضي الحج وأركان الإسلام

الحج وأركان الإسلام

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آلِ عِمْرَانَ:102]، ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النِّسَاءِ:1]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الْأَحْزَابِ: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْحَجُّ رُكْنُ الْإِسْلَامِ الْخَامِسُ، وَلَهُ ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْأُخْرَى:
فَأَوَّلُ الْأَرْكَانِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَالنُّطْقُ بِهَا دُخُولٌ فِي حِمَى الْإِسْلَامِ، فَيُقِرُّ نَاطِقُهَا بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ وَحْدَهُ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ دُونَ سِوَاهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النِّسَاءِ: 36]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ [مُحَمَّدٍ: 19]، وَيُخْلِصُ لَهُ الْعَمَلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ [الْبَيِّنَةِ: 5]. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «فَلْيَكُنْ ‌أَوَّلَ ‌مَا ‌تَدْعُوهُمْ ‌إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَالْحَجُّ مَبْنَاهُ عَلَى التَّوْحِيدِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤَذِّنَ بِهِ -وَهُوَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ- عَنِ الشِّرْكِ وَهُوَ يُعَلِّمُهُ مَكَانَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَيَأْمُرُهُ بِبِنَائِهِ وَتَطْهِيرِهِ؛ لِيَكُونَ مَحَلًّا لِتَوْحِيدِهِ تَعَالَى؛ ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ [الْحَجِّ: 26].

وَشِعَارُ الْحَجِّ التَّوْحِيدُ وَهُوَ التَّلْبِيَةُ بِهِ؛ قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَصِفُ حَجَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَذْكُرُ تَلْبِيَتَهُ قَالَ: «‌فَأَهَلَّ ‌بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَكُلُّ شَعَائِرِ الْحَجِّ تَوْحِيدٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَهِيَ شَعَائِرُ تَعَبُّدِيَّةٌ مَحْضَةٌ، لَا يُدْرِكُ الْعَقْلُ سِرَّهَا فِي تَحْدِيدِهَا وَلَا عَدَدِهَا، وَإِنَّمَا يَفْعَلُهَا الْحَاجُّ طَاعَةً لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَوْحِيدًا لَهُ. وَهَذَا أَبْلَغُ مَرَاتِبِ التَّوْحِيدِ؛ إِذْ يُسَلِّمُ الْعَبْدُ أَمْرَهُ لِلَّهِ تَسْلِيمًا مُطْلَقًا، وَيَتَجَلَّى التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي دُعَاءِ عَرَفَةَ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، ‌وَخَيْرُ ‌مَا ‌قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».

وَشَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ تَقْتَضِي إِثْبَاتَ رِسَالَتِهِ؛ كَمَا فِيْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ﴾ [الْأَعْرَافِ: 158]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ [الْفَتْحِ: 29]، وَطَاعَتُهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الْحَشْرِ: 7]. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ الشَّهَادَةُ فِي أَنَّ أَرْكَانَ الْحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ وَسُنَنَهُ وَمَحْظُورَاتِهِ وَمُبْطِلَاتِهِ مَأْخُوذَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَلِذَا حَرَصَ الصَّحَابَةُ عَلَى التَّأَسِّي بِهِ فِي حَجَّتِهِ، وَنَقْلِ تَفْصِيلَاتِهَا لِلْأُمَّةِ؛ عَمَلًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِتَأْخُذُوا ‌مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَتَظْهَرُ طَاعَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

وَالصَّلَاةُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ الثَّانِي، وَتَلْزَمُ الْمُؤْمِنَ مَا دَامَ يَعْقِلُ، وَيُصَلِّي عَلَى حَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ، وَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، ‌وَعَمُودُهُ ‌الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَالْحَجُّ وَالصَّلَاةُ مُتَلَازِمَانِ؛ فَالْحَاجُّ فِي سَفَرِهِ لِلْحَجِّ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ وَإِنْ قَصَرَهَا وَجَمَعَهَا، وَشُرِعَ لَهُ جَمْعُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي عَرَفَةَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ لِيَتَفَرَّغَ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الْعَظِيمِ. وَشُرِعَ لَهُ جَمْعُ الْمَغْرِبِ مَعَ الْعِشَاءِ فِي مُزْدَلِفَةَ إِذَا وَصَلَهَا جَمْعَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ، وَشُرِعَ لَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ فِي أَيَّامِ مِنًى، وَصَلَاتُهُ فِي حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ؛ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَشُرِعَ لِلْحَاجِّ كَثْرَةُ التَّنَفُّلِ بِالصَّلَاةِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ؛ لِيَغْتَنِمَ فَضِيلَةَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالتَّلَبُّسِ بِالنُّسُكِ؛ فَالصَّلَاةُ مُلَازِمَةٌ لِلْحَاجِّ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ.

وَالزَّكَاةُ رُكْنُ الْإِسْلَامِ الثَّالِثُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التَّوْبَةِ: 103]، وَفِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةَ قَالَ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ ‌وَتُرَدُّ ‌عَلَى ‌فُقَرَائِهِمْ»، وَالزَّكَاةُ بَذْلُ الْمَالِ لِمُسْتَحِقِّيهِ، وَفِي الْحَجِّ بَذْلٌ كَثِيرٌ لِلْمَالِ؛ وَلِذَا شُرِطَ فِي فَرْضِهِ الِاسْتِطَاعَةُ، فَلَيْسَ كُلُّ النَّاسِ يَمْلِكُ الْمَالَ الَّذِي يُبَلِّغُهُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَيُغَطِّي نَفَقَاتِ الْحَجِّ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي حَجَّتِهَا: «وَلَكِنَّهَا عَلَى ‌قَدْرِ ‌نَصَبِكِ أَوْ قَدْرِ نَفَقَتِكِ» صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَعَنْ أَبِي طُلَيْقٍ قَالَ: «طَلَبَتْ مِنِّي أُمُّ طُلَيْقٍ جَمَلًا تَحُجُّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: قَدْ جَعَلْتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَتْ: إِنَّهُ فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ ‌أَنْ ‌أَحُجَّ عَلَيْهِ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: صَدَقَتْ، لَوْ أَعْطَيْتَهَا كَانَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ الْبَزَّارُ.

وَالصِّيَامُ رَابِعُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ حَبْسٌ لِلنَّفْسِ عَنْ مُشْتَهَيَاتِهَا، وَصَبْرٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحَاجُّ يَتَسَلَّحُ بِالصَّبْرِ فِي مُكَابَدَةِ طُولِ السَّفَرِ، وَشِدَّةِ الزِّحَامِ، وَكَثْرَةِ التَّنَقُّلَاتِ، وَتَعَدُّدِ الْمَنَاسِكِ. كَمَا يَصْبِرُ عَلَى شِدَّةِ الْحَرِّ فِي مَكَّةَ، وَعَلَى لُبْسِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ لَمْ يَتَعَوَّدْ عَلَيْهِ؛ فَالْحَجُّ صَبْرٌ كَمَا أَنَّ الصِّيَامَ صَبْرٌ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «...الصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، ‌فَإِنْ ‌سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ...» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَفِي الْحَجِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 197]، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ‌حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ ‌كَيَوْمِ ‌وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ بَدَلًا عَنْهُ؛ ﴿ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 196]. وَبِهَذَا يُعْلَمُ الِارْتِبَاطُ الْوَثِيقُ بَيْنَ الْحَجِّ وَبَيْنَ بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْأُخْرَى، وَأَنَّ الْحَجَّ تَجْتَمِعُ فِيهِ أَرْكَانُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا، كَمَا تَجْتَمِعُ فِيهِ أُمَّهَاتُ الْعِبَادَاتِ.

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا عَلِمْنَا.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾[آلِ عِمْرَانَ: 131- 132].


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَنْ عَزَمَ عَلَى الْحَجِّ هَذَا الْعَامَ وَتَيَسَّرَ لَهُ؛ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَلْيَسْتَحْضِرْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَهُ لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ مِنْ بَيْنِ مِلْيَارٍ وَنِصْفٍ تَقْرِيبًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُمْ بُلُوغُ الْبَيْتِ الْحَرَامِ هَذَا الْعَامَ. وَهَذَا الِاسْتِحْضَارُ الدَّائِمُ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ يَدْفَعُهُ لِلْحِرْصِ عَلَى اللَّهَجِ بِالشُّكْرِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ، مَعَ تَجْدِيدِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا أَبَدًا. وَالِاجْتِهَادِ فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَعَلَّمَنَا إِيَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلْيُخْلِصْ لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ؛ لِيَكُونَ مَأْجُورًا، وَحَجُّهُ مَبْرُورًا.

وَمَنْ أَرَادَ الْأُضْحِيَّةَ فَلْيُخْلِصْ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُذْبَحُ لِلَّهِ تَعَالَى فِي أَفْضَلِ يَوْمٍ مِنَ الْعَامِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ ‌يَوْمُ ‌النَّحْرِ، ‌ثُمَّ ‌يَوْمُ الْقَرِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ﴾ [الْحَجِّ: 37]، وَلْيَخْتَرِ السَّمِينَةَ الطَّيِّبَةَ؛ كَمَا قَالَ أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ: «كُنَّا نُسَمِّنُ الْأُضْحِيَّةَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ ‌يُسَمِّنُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

وَالسُّنَّةُ أَنْ يَذْبَحَ أُضْحِيَّتَهُ بِيَدِهِ، وَيُسَمِّيَ وَيُكَبِّرَ؛ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكَبَّرَ، وَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى ‌صِفَاحِهِمَا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَالسُّنَّةُ أَنْ يَفْتَتِحَ صَبَاحَ يَوْمِ الْأَضْحَى بِالْأَكْلِ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ، وَيُهْدِيَ مِنْهَا وَيَتَصَدَّقَ.

وَعَلَيْكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- بِكَثْرَةِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْعَشْرِ؛ فَإِنَّهَا فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ، وَمَوْسِمٌ كَرِيمٌ؛ لِنَيْلِ الْأُجُورِ، وَكَسْبِ الْحَسَنَاتِ، وَمَحْوِ السَّيِّئَاتِ، وَرَفْعِ الدَّرَجَاتِ؛ فَلَا يُفَرِّطُ فِيهَا إِلَّا مَنْ حَرَمَ نَفْسَهُ مِنَ الْخَيْرِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَنَسْأَلُهُ تَعَالَى أَنْ يَقْبَلَ مِنَّا وَمِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ يَكْتُبَنَا فِي عِبَادِهِ الصَّالِحِينَ.

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 80.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 78.57 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.14%)]