|
|||||||
| ملتقى الحج والعمرة ملتقى يختص بمناسك واحكام الحج والعمرة , من آداب وأدعية وزيارة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
فضائل العشر الأوائل من ذي الحجة أ. د. السيد أحمد سحلول فَضَّل الله عز وجل بعض القرون على بعض، وبعض الشهور على بعض، وبعض الأيام على بعض، وبعض الليالي على بعض، وبعض البشر على بعض، وبعض الأماكن على بعض؛ ففضَّل القرن الذي عاش فيه الحبيب على سائر القرون، وفضَّل شهر رمضان على سائر الشهور، وفضَّل يوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، وفضَّل الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة على سائر الأيام، وفضَّل ليلة القدر على سائر الليالي، وفضَّل الحبيب المصطفى على سائر البشر، وفضَّل مكة المكرمة على سائر البلدان. والطاعة على اختلاف ألوانها من صلاة وصيام وزكاة وحج في العشر الأوائل مطلوبة؛ لفضل تلك العشر على سائر الأيام، فهي جامعة لأركان الإسلام الخمس، والصيام عمل صالح مستحب فيها، ونبينا الكريم صلى الله عليه وسلم كان يترك المداومة على بعض العبادات خشية أن تُفرَض على الأمة؛ لذا لم تره السيدة عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا صائمًا في العشر الأوائل من ذي الحجة؛ فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَط[1]. قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم عشر ذي الحجة. وهي الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يتأوَّل فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيَّما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد صحَّت الأحاديث في فضله[2]. وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِه"، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ، قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ"[3]. فيتأول قولها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "لم يصم العشر ": 1- أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما. 2- أو أنها لم تره صائمًا فيها، ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ، وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ[4]. 3- أنه صلى الله عليه وسلم لم يصم؛ لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته[5]. وصيام يوم في سبيل الله يُباعد الله وجه من صام عن النار سبعين سنة. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا"[6]. قال النووي: فيه فضيلة الصيام في سبيل الله وهو محمول على من لا يتضرَّر به، ولا يفوت به حقًّا، ولا يختل به قتاله ولا غيره من مهمات غزوه، ومعناه المباعدة عن النار، والمعافاة منها، والخريف: السنة، والمراد سبعين سنة[7]. وتتجلى لنا فضائل عشر ذي الحجة في ضوء النقاط الآتية: 1- الله عز وجل أقسم بها: أقسم الله عز وجل بليالي هذه الأيام، فقال عز من قائل:﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾[الفجر: 1، 2]،وقسم الله بها دليلٌ على عظمها، فالعظيم لا يقسم إلا بعظيم. 2- العمل الصالح فيها أفضل من العمل في غيرها: بيَّن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أن العمل الصالح في هذه العشر أفضل من العمل في غيرها؛ لمكانتها وعظم منزلتها عند الخالق جل وعلا. فعَن ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: "مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَل مِنْهَا فِي هَذِه"، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ، قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ؛ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ"[8]. وقد زعم بعض شُرَّاح البخاري- الإمام العيني- أن البخاري فسَّر الأيام المبهمة في هذا الحديث بأنها أيام التشريق، وفسَّر العمل بالتكبير؛ لكونه أورد الآثار المذكورة المتعلقة بالتكبير فقط. قال: وسِرُّ كون العبادة فيها أفضل من غيرها أن العبادة في أوقات الغفلة فاضلة على غيرها، فصار للعابد فيها مزيد فضل على العابد في غيرها، كمن قام في جوف الليل وأكثر الناس نيام. والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة؛ لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج، ولا يتأتَّى ذلك في غيره. وفي أفضلية أيام التشريق نكتة أخرى وهي أنها وقعت فيها محنة الخليل بولده، ثم مَنَّ عليه بالفداء، فثبت لها الفضل بذلك[9]. قال ابن حجر: وهو توجيه حسن إلا أن المنقول يعارضه.... [10]. فظهر أن المراد بالأيام في حديث الباب أيام عشر ذي الحجة، لكنه مشكل على ترجمة البخاري بأيام التشريق. ويجاب على ذلك بما يأتي: أ- أن الشيء يشرف بمجاورته للشيء الشريف، وأيام التشريق تقع تِلْوَ أيام العشر، وقد ثبتت الفضيلة لأيام العشر بهذا الحديث فثبتت بذلك الفضيلة لأيام التشريق. ب- أن عشر ذي الحجة إنما شرف لوقوع أعمال الحج فيه، وبقية أعمال الحج تقع في أيام التشريق؛ كالرمي والطواف وغير ذلك من تتماته، فصارت مشتركة معها في أصل الفضل؛ ولذلك اشتركت معها في مشروعية التكبير في كل منها. ج- أن بعض أيام التشريق هي بعض أيام العشر وهو يوم العيد، وكما أنه خاتمة أيام العشر فهو مفتتح أيام التشريق، فمهما ثبت لأيام العشر من الفضل شاركتها فيه أيام التشريق؛ لأن يوم العيد بعض كل منها؛ بل هو رأس كل منها وشريفه وعظيمه، وهو يوم الحج الأكبر[11]. قال ابن رجب الحنبلي: فرائض الأعمال في العشر أفضلُ من الفرائض في غيرها، ومُضاعَفَتُها أكثر، والنوافل فيها أفضل من نوافل غيرها، لكن نوافل العشر ليست أفضلَ مِن فرائضِ غيرِه[12]. فأعمال العبادة والبر والصلة والآداب والرقاق في تلك العشر أفضل من غيرها في سائر العام. ومن أعمال البر في تلك العشر: كفالة الحاجِّ من توفير نفقات الحج له، أو السؤال عن أسرته وكفالتها في غيابه ورعايتها؛ فعن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أو جهَّز حَاجًّا أو خَلَفَه في أهله أو فطَّر صائمًا؛ كان له مثل أجورهم من غير أن ينتقص من أجورهم شيء"[13]. قال النووي: أي حصل له أجر بسبب الحج أو الغزو. قال: وهذا الأجر يحصل بكل جهاز سواء قليله وكثيره، ولكل خالف في أهل الحاج أو الغازي بخير من قضاء حاجة لهم أو إنفاق عليهم أو ذب عنهم، أو مساعدتهم في أمر لهم، ويختلف قدر الثواب بقلة ذلك وكثرته[14]. وفَضْل العَشْر والعملِ فيها يعُمُّ النهارَ واللَّيل، لكن ليالي العَشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عَشر ذي الحِجَّة؛ لاشتمالها على ليلة القَدر، وأيَّام العَشر من ذي الحِجَّة أفضل؛ لاشتمالها على يوم النحر ويوم عَرَفة ويوم التروية[15]. والعمل الصالح واجتناب الآثام في العشر يُربِّي في المسلم تعظيم شعائر الله وحرماته، وحفظ حدوده، فهي عشر في شهر من الأشهر الحرم، قال تعالى: عن الأشهر الحرم: ﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [التوبة: 36]، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]، وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ ﴾ [الحج: 30]. 3- فيها الأيام المعلومات المباركات التي شرع الله فيها ذكره على ما رزق من بهيمة الأنعام: قال تعالى: ﴿ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ﴾ [الحج: 28]. قال جمهور المفسِّرين: الأيام المعلومات هي أيام العشر[16]. 4- خاتمة الأشهر المعلومات، وهي أشهر الحج: التي قال الله فيها: ﴿ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ ﴾ [البقرة: 197]، وهي: شوال، وذو القَعْدة، وعشر من ذي الحجة، وروي عن عمر وابنه عبدالله وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم وغيرهم، وهو قول أكثر التابعين[17]. 5- فيها أفضل الأعمال وهو الحج المبرور: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ»[18]. والحج المبرور ليس له ثواب إلا الجنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ»[19]. قال النووي: الأصَحُّ الأشهر أن المبرور هو الذي لا يخالطه إثم، مأخوذ من البر؛ وهو الطاعة، وقيل: هو المقبول، ومن علامة القبول أن يرجع خيرًا مما كان ولا يعاود المعاصي. وقيل: هو الذي لا رياء فيه. وقيل: الذي لا يعقبه معصية، وهما داخلان فيما قبلهما[20]. وبر الله حجك- بفتحها- إذا رجع مبرورًا مأجورًا. وفي حديث جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّة"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَا الْحَجُّ الْمَبْرُورُ؟ قَالَ: "إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلامِ"، وفي رواية الطبراني: "إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَطِيبُ الْكَلامِ" [21]. فعلى هذا يكون من البر الذي هو فعل الجميل، ومنه بِرُّ الوالدين والمؤمنين. قال عياض: ويجوز أن يكون المبرور الصادق الخالص لله تعالى[22]. قال القرطبي: وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى. وهو: أنه الحج الذي وفيت أحكامه، ووقع موافقًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل. وقوله: "لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّة"؛ يعني: أنه لا يقتصر فيه على مغفرة بعض الذنوب، بل لا بُدَّ لصاحبه من الجنة بسببه[23]. 6- المكبِّر والمهلِّل فيها مُبشَّر بدخول الجنة: فما كبَّر مُكبِّر ولا هلَّل مُهلِّل في هذه العشر إلَّا بُشِّر بالجنة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ، وَلا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلَّا بُشِّرَ"، قيل: يا رسول الله، بِالْجَنَّةِ؟ قال: "نعم"[24]. فينبغي للعبد الإكثار في تلك العشر من التهليل والتحميد والتكبير في جميع التجمُّعات، وهو التكبير المطلق، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهمَا- عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ، وَلا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ"[25]. كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم يَخرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْر يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكبِيرِهِما. ويقول مَيمونُ بنُ مهران: أدركتُ الناسَ وإنهم ليُكَبِّرون في العَشْر، حتى كنتُ أُشَبِّههُ بالأمواج من كثرتها. والتكبير المقيَّد بأدبار الصلوات المكتوبات: يبدأ من فجرِ يومِ عرفةلغير الحاج، وللحاجِّ: من ظُهر يوم النَّحر، وينتهي بعد عصر ثالث أيَّامالتَّشْريق. 7- إحياء الليل فيها بالعبادة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ"[26]. قال سعيدُ بنُ جُبَير: لا تُطْفِئُوا سُرُجَكُم لَيَالِيَ العَشْرِ- تُعْجِبُهُ العِبَادَةُ [27]. 8- فيها يوم عرفة: يوم عرفة هو يوم التاسع من ذي الحجة. قال ابن الجوزي: في تسمية عرفة بهذا الاسم قولان: أحدهما: بأن جبريل كان يُري إبراهيم المناسك فيقول: عرفت. والثاني: لأن آدم وحواء تعارفا هنالك[28]. ولهذا اليوم فضائل عديدة، منها ما يلي: أ- صيامه يُكفِّر صغائر ذنوب سَنة ماضية، وسنة قادمة: فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قال: رَجُلٌ أَتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ رضي الله عنه غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ. فَجَعَلَ عُمَرُ رضي الله عنه يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: «لا صَامَ وَلا أَفْطَرَ- أَوْ قَالَ- لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ». قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ». قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ». قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ التي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ»[29]. قال النووي: معناه يُكفِّر ذنوب صائمه في السنتين، قالوا: والمراد بها الصغائر.... فإن لم تكن صغائر يُرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رُفِعَت درجاتُه[30]. قال ابن حجر: وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى عليه السلام، ويوم عرفة منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك كان أفضل[31]. قال ابن القيم: إن قيل: لمَ كان عاشوراء يُكفِّر سنة، ويوم عرفة يُكفِّر سنتين؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: أن يوم عرفة في شهر حرام، وقبله شهر حرام، وبعده شهر حرام، بخلاف عاشوراء. الثاني: أن صوم يوم عرفة من خصائص شرعنا بخلاف عاشوراء؛ فضُوعِف ببركات المصطفى صلى الله عليه وسلم[32]. ولكن كيف يُكفِّر صوم عرفة ذنوب السنة القادمة؟ قال المناوي: أنه تعالى يحفظه أن يذنب فيها، أو يعطي من الثواب ما يكون كفَّارة لذنوبها، أو يُكفِّرها حقيقة، ولو وقع فيها، ويكون المُكَفِّر مُقَدَّمًا على المُكَفَّر [33]. والحاجُّ لا يحتاج إلى صومه؛ لأن الحج يُكفِّر جميع ما تقَدَّم من ذنوبه إذا لم يأتِ بنقيصة من رفث أو فسق في حجِّه، فيرجع كما ولدته أمُّه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[34]. قال عياض: هذا من قوله تعالى: ﴿ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ ﴾ [البقرة: 197]. والرفث: اسم للفحش من القول، وقيل: هو الجِماع، وهذا قول الجمهور في الآية، قال الله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ [البقرة: 187]، يقال: رفَث ورفِث- بفتح الفاء وكسرها- يرفُث ويرفِث ويرفَث- بضم الفاء وكسرها وفتحها-، ويقال: أيضًا أرفث بالألف، وقيل: الرفث: التصريح بذكر الجِماع، قال الأزهري: هي كلمة جامِعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وكان ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا يخصصه بما خوطب به النساء، قال: ومعنى "كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"؛ أي: بغير ذنب، وأما الفسوق فالمعصية[35]. وينبغي للعبد أن يحثَّ أهله وأولاده وكلَّ من هو مسئول عنهم على صيام يوم عرفة، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»[36]. قال سعيدُ بنُ جُبَير: أَيْقِظُوا خَدَمَكُم يَتَسَحَّرُوْنَ لِصَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ [37]. يتبع
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |