جنة الخلد (10) جنتان من ذهب وجنتان من فضة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5433 - عددالزوار : 2856959 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5046 - عددالزوار : 2184885 )           »          فقه الانقياد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          نفحات قرآنية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 691 )           »          تحذير خطير : اياكم وتمرينات الطاقة (الجزء الثامن) (اخر مشاركة : ليث ابيض - عددالردود : 20 - عددالزوار : 16911 )           »          المخالفات الشرعية المتعلقة بالعقود وأقسامها: العقود المشتملة على الربا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 88 )           »          بيان معنى ومفهوم البلاغ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 91 )           »          التجويد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 91 )           »          تلاوة القرآن بالقراءات المتواترة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 92 )           »          مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 90 - عددالزوار : 60432 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 12-05-2026, 04:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 181,138
الدولة : Egypt
افتراضي جنة الخلد (10) جنتان من ذهب وجنتان من فضة

جنة الخلد (10)

جنتان من ذهب وجنتان من فضة

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْجَوَادِ الْكَرِيمِ، الْبَرِّ الرَّحِيمِ؛ جَادَ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، وَوَعَدَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالسُّرُورِ وَالْحُبُورِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالرِّضْوَانِ وَالنَّعِيمِ وَالْخُلُودِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَاجْتَبَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ لَا رَبَّ غَيْرُهُ يُرْتَجَى، وَلَا إِلَهَ سِوَاهُ يُتَّقَى؛ ﴿ ‌بِيَدِهِ ‌الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الْمُلْكِ: 1]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ رَغَّبَ أُمَّتَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَعْمَالِ أَهْلِهَا؛ لِيُنَافِسُوا فِيهَا، كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِمَا يَحْجُبُهُمْ عَنْهَا لِيَجْتَنِبُوهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْمَلُوا صَالِحًا تَجِدُوهُ مُدَّخَرًا لَكُمْ، وَحَافِظُوا عَلَى إِيمَانِكُمْ؛ فَإِنَّهُ سَعَادَتُكُمْ فِي الدُّنْيَا، وَفَوْزُكُمْ فِي الْآخِرَةِ؛ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ‌وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التَّوْبَةِ: 72].

أَيُّهَا النَّاسُ: الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فُرْصَةٌ وَاحِدَةٌ، إِنْ ضَيَّعَهَا الْعَبْدُ شَقِيَ فِي حَيَاتِهِ الْأَبَدِيَّةِ، وَإِنِ اسْتَثْمَرَهَا سَعِدَ أَبَدًا، فِي جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَهْلُهَا يَسْعَدُونَ فِيهَا فَلَا يَشْقَوْنَ، وَيَرْوَوْنَ فِيهَا وَلَا يَظْمَئُونَ، وَيُكْسَوْنَ فِيهَا وَلَا يَعْرَوْنَ، وَيُنَعَّمُونَ فِيهَا وَلَا يَبْأَسُونَ، وَيَحْيُونَ فِيهَا وَلَا يَمُوتُونَ، وَيَحِلُّ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَسْخَطُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا؛ إِنَّهَا سَعَادَةٌ أَبَدِيَّةٌ، وَخُلُودٌ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَرُؤْيَةُ وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.

وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ عَنْ جَنَّتَيْنِ وَمَا فِيهِمَا، وَعَنْ جَنَّتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَمَا فِيهِمَا؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْأُولَيَيْنِ: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ ‌مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 46]، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْأُخْرَيَيْنِ: ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 62]، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْجِنَانِ الْأَرْبَعِ فَقَالَ: «جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا ‌رِدَاءُ ‌الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

وَوُصِفَتْ هَذِهِ الْجِنَانُ وَمَا فِيهَا فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ بِأَوْصَافٍ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ وَهُوَ يَقْرَؤُهَا أَنْ يَتَدَبَّرَ مَعَانِيَهَا؛ لِيُحَفِّزَهُ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ لِبُلُوغِهَا وَالْخُلُودِ فِيهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ ‌مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 46]؛ «أَيْ: يُعْطَى مَنْ خَافَ رَبَّهُ وَيُمَلَّكُ جَنَّتَيْنِ»، وَهُوَ الَّذِي «تَرَكَ مَا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَفَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَلَهُ جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَحِلْيَتُهُمَا وَبُنْيَانُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، إِحْدَى الْجَنَّتَيْنِ جَزَاءٌ عَلَى تَرْكِ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْأُخْرَى عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ»، وَمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ رَاقَبَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ؛ وَخَشِيَهُ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ ‌مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [النَّازِعَاتِ: 40-41]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ ‌رَبَّهُمْ ‌بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [الْمُلْكِ: 12]، وَهَذِهِ هِيَ دَرَجَةُ الْإِحْسَانِ؛ وَهُوَ «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ ‌فَإِنَّهُ ‌يَرَاكَ»، وَهَذِهِ مَنْزِلَةُ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَلَهُمَا هَاتَانِ الْجَنَّتَانِ، نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَنَا وَوَالِدِينَا وَأَحْبَابَنَا مِنْهُمْ، «قَالَ الضَّحَّاكُ: هَذَا لِمَنْ رَاقَبَ اللَّهَ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ بِعِلْمِهِ، مَا عَرَضَ لَهُ مِنْ مُحَرَّمٍ تَرَكَهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا عَمِلَ مِنْ خَيْرٍ أَفْضَى بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَا يُحِبُّ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ».

وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ جُمْلَةً مِنْ أَوْصَافِ الْجَنَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، وَهِيَ: أَنَّهُمَا ﴿ ذَوَاتَا ‌أَفْنَانٍ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 48]، «أَيْ: أَغْصَانٍ نَضِرَةٍ حَسَنَةٍ، تَحْمِلُ مِنْ كُلِّ ثَمَرَةٍ نَضِيجَةٍ فَائِقَةٍ»، «عَلَى كُلِّ غُصْنٍ أَلْوَانُهُ مِنَ الْفَوَاكِهِ».

وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمَّا فِي هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 50]؛ «أَيْ: تَسْرَحَانِ لِسَقْيِ تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَالْأَغْصَانِ فَتُثْمِرُ مِنْ جَمِيعِ الْأَلْوَانِ»، قَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: «تَجْرِيَانِ بِالْمَاءِ الزُّلَالِ، إِحْدَاهُمَا التَّسْنِيمُ وَالْأُخْرَى السَّلْسَبِيلُ».

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ ﴾؛ أَيْ: «مِنْ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْفَوَاكِهِ، ﴿ زَوْجَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 52]؛ أَيْ: صِنْفَانِ، كُلُّ صِنْفٍ لَهُ لَذَّةٌ وَلَوْنٌ، لَيْسَ لِلنَّوْعِ الْآخَرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «مَا فِي الدُّنْيَا شَجَرَةٌ حُلْوَةٌ وَلَا مُرَّةٌ إِلَّا وَهِيَ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى الْحَنْظَلُ إِلَّا أَنَّهُ حُلْوٌ».

وَأَخْبَرَ عَنْ حَالِهِمْ وَعَيْشِهِمْ فِي تِلْكَ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ﴾، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «هَذِهِ الْبَطَائِنُ فَمَا ظَنُّكُمْ ‌بِالظَّوَاهِرِ؟»، فَهُمْ «مُتَّكِئُونَ عَلَى هَذِهِ الْفُرُشِ؛ أَيْ: جَالِسُونَ جُلُوسَ تَمَكُّنٍ وَاسْتِقْرَارٍ وَرَاحَةٍ، كَجُلُوسِ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ، وَتِلْكَ الْفُرُشُ لَا يَعْلَمُ وَصْفَهَا وَحُسْنَهَا إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى إِنَّ بَطَائِنَهَا الَّتِي تَلِي الْأَرْضَ مِنْهَا مِنْ إِسْتَبْرَقَ، وَهُوَ أَحْسَنُ الْحَرِيرِ وَأَفْخَرُهُ، فَكَيْفَ بِظَوَاهِرِهَا الَّتِي تَلِي بَشَرَتَهُمْ؟! ﴿ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 54]، الْجَنَى: هُوَ الثَّمَرُ الْمُسْتَوِي، أَيْ: وَثَمَرُ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ قَرِيبُ التَّنَاوُلِ، يَنَالُهُ الْقَائِمُ وَالْقَاعِدُ وَالْمُضْطَجِعُ»، «مَتَى شَاءُوا تَنَاوَلُوهُ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾ [الْحَاقَّةِ:23]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴾ [الْإِنْسَانِ:14]؛ أَيْ: لَا تُمْنَعُ مِمَّنْ تَنَاوَلَهَا، بَلْ تَنْحَطُّ إِلَيْهِ مِنْ أَغْصَانِهَا».

«وَلَمَّا ذَكَرَ الْفُرُشَ وَعَظَمَتَهَا قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ»: ﴿ فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ ﴾؛ «أَيْ: قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، مِنْ حُسْنِهِمْ وَجَمَالِهِمْ، وَكَمَالِ مَحَبَّتِهِنَّ لَهُمْ، وَقَصَرْنَ أَيْضًا طَرْفَ أَزْوَاجِهِنَّ عَلَيْهِنَّ، مِنْ حُسْنِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ وَلَذَّةِ وِصَالِهِنَّ»، ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 56]؛ «أَيْ: أَبْكَارٌ عُرُبٌ أَتْرَابٌ، لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ»، وَفِي تَشْبِيهِ جَمَالِهِنَّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 58]، «وَذَلِكَ لِصَفَائِهِنَّ وَجَمَالِ مَنْظَرِهِنَّ وَبَهَائِهِنَّ»، قَالَ الْحَسَنُ: «هُنَّ فِي صَفَاءِ الْيَاقُوتِ، وَبَيَاضِ الْمَرْجَانِ».

وَخُتِمَتِ الْآيَاتُ الَّتِي تَصِفُ جَنَّتَيِ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 60]؛ «أَيْ: مَا جَزَاءُ مَنْ أَحْسَنَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ»؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾ [يُونُسَ:26]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «هَلْ جَزَاءُ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَمِلَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا الْجَنَّةُ؟».

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَنَسْأَلُكَ اللَّهُمَّ رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ سَخَطِكَ وَمِنَ النَّارِ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ؛ ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ [الْبَقَرَةِ: 223].

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَوْصَافَ جَنَّتَيِ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ أَوْصَافَ جَنَّتَيِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 62]؛ «أَيْ: مِنْ دُونِ الْأُولَيَيْنِ فِي الْفَضْلِ»، وَوَصَفَهُمَا بِأَنَّهُمَا: ﴿ مُدْهَامَّتَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 64]؛ أَيْ: «نَاعِمَتَانِ سَوْدَاوَانِ مِنْ رِيِّهِمَا وَشِدَّةِ خُضْرَتِهِمَا؛ لِأَنَّ الْخُضْرَةَ إِذَا اشْتَدَّتْ ضَرَبَتْ إِلَى السَّوَادِ».

وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا فِي هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 66]؛ أَيْ: «فَوَّارَتَانِ بِالْمَاءِ لَا تَنْقَطِعَانِ»، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 68]، وَلَيْسَتْ كَفَاكِهَةِ الدُّنْيَا وَلَا كَنَخْلِهَا وَرُمَّانِهَا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا الْأَسْمَاءَ»، وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمَّا فِي هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 70]، «خَيْرَاتٌ جَمْعُ خَيِّرَةٍ، وَهِيَ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ الْحَسَنَةُ الْخُلُقِ، الْحَسَنَةُ الْوَجْهِ»، ﴿ حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 72]؛ أَيِ: «اللَّائِي قُصِرْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ لَا يَعْدُونَ الْأُنْسَ مَعَ أَزْوَاجِهِنَّ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ التَّرَفِ فِي نِسَاءِ الدُّنْيَا... فَلَا يَحْتَجْنَ إِلَى مُغَادَرَةِ بِيُوتِهِنَّ لِخِدْمَةٍ وَنَحْوِهَا»، وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي ‌الْجَنَّةِ ‌خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الْآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِهِنَّ: ﴿ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 74]؛ أَيْ: «لَمْ يَطَأْهُنَّ أَحَدٌ قَبْلَ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ».

وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ حَالِ أَهْلِ هَاتَيْنِ الْجَنَّتَيْنِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ ﴾ [الرَّحْمَنِ: 76]، «وَالرَّفْرَفُ: ضَرْبٌ مِنَ الْبُسُطِ... يُبْسَطُ عَلَى الْفِرَاشِ لِيُنَامَ عَلَيْهِ، وَهِيَ تُنْسَجُ عَلَى شِبْهِ الرِّيَاضِ، وَيَغْلُبُ عَلَيْهَا اللَّوْنُ الْأَخْضَرُ... وَعَبْقَرِيٌّ: وَصْفٌ لِمَا كَانَ فَائِقًا فِي صِنْفِهِ، عَزِيزَ الْوُجُودِ».

فَهَذَا وَصْفُ تِلْكَ الْجِنَانِ الْأَرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَذَكَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُنَّتِهِ الشَّرِيفَةِ، مِنْهَا اثْنَتَانِ مِنْ ذَهَبٍ لِلسَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَاثْنَتَانِ مِنْ فِضَّةٍ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَكُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ سُعَدَاءُ، لَيْسَ فِيهِمْ شَقِيٌّ وَلَا مَحْرُومٌ مِنْ نَعِيمٍ، فَاعْمَلُوا بِعَمَلِ أَهْلِهَا، وَسَابِقُوا عَلَيْهَا، وَنَافِسُوا فِيهَا، وَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ لَحْظَةٍ حِينَ يُقَالُ لَهُمْ: ﴿ ‌ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 49]، وَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿ ‌ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾ [الْحِجْرِ: 46]، وَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ‌فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ [الزُّمَرِ: 73].
وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

🤍 قناة "وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ" 🤍


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 81.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 79.72 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.11%)]