|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد: الجذور والمنهج والآثار د. هيثم بن عبدالمنعم بن الغريب صقر مقدمة: الحمد لله. تُعَدُّ مسألة تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد من أكثر القضايا تأثيرًا في البناء المعرفي لعلوم الشريعة؛ لما يترتب عليها من آثار منهجية خطيرة في باب الاعتقاد، ومكانة السنة النبوية، وحدود العلاقة بين العقل والوحي، وقد شاع هذا التقسيم في كتب الأصول والمصطلح المتأخرة حتى ظُنَّ أنه من المسلَّمات الحديثية، مع أن التحقيق العلمي يكشف أن الألفاظ قديمة، لكن الدلالات والشروط المصاحبة لها حادثة، نشأت في سياق كلامي جدلي لا في بيئة النقد الحديثي. ويهدف هذا المقال إلى تفكيك هذه المسألة من خلال: بيان نشأتها التاريخية، والسياق الذي وُلِدت فيه، نقد الأسس المعرفية التي قامت عليها، عرض موقف أئمة الحديث منها، كشف آثارها التطبيقية في باب العقيدة، تحرير المنهج السُّنِّي في التعامل مع الأخبار. السياق التاريخي لنشأة التقسيم: لم يظهر تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد- بالشروط المشهورة- في مدرسة المحدثين، بل نشأ في البيئة الكلامية المعتزلية، في إطار مشروعها القائم على: تقسيم الدين إلى أصول (عقائد)، وفروع (أحكام)، اشتراط القطع في باب العقائد، ردّ الأخبار التي لا تفيد- بزعمهم- اليقين. ومن هنا لم يكن التواتر عندهم وصفًا لواقع الرواية، بل أداة إقصائية لضبط ما يُقبل وما يُرد من النصوص. وهذا يفسِّر غياب هذا التقسيم- بهذه الصيغة- عن عصر الصحابة والتابعين وأئمة الحديث المتقدمين، مع أن البيان النبوي اكتمل في ذلك العصر، وقامت الحجة بخبر الثقة دون نظر إلى عدد الرواة. وهم حصر الأدلة العقدية في "النبأ": من الأصول المعرفية الخاطئة عند المتكلمين ظنُّهم أن الوحي في باب الاعتقاد مجرد أخبار تُقبل بالتسليم فقط، ولا تتضمن حججًا عقلية؛ مما دفعهم إلى البحث عن "عقل مستقل" يُؤسَّس عليه الاعتقاد. وهذا مخالف لصريح القرآن؛ إذ إن الوحي: خاطب الكفار والمشركين قبل المؤمنين، وأقام الحجة بالبراهين العقلية والفطرية، وجمع بين خطاب القلب والعقل معًا. ففصلُ العقل عن الوحي- ثم جعل العقل حاكمًا عليه- كان أصلًا مولِّدًا لسلسلة من التقسيمات المصطنعة، من أبرزها تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد بوظيفة عقدية. تحرير مسألة "إفادة العلم": المتكلمون لم يرفضوا خبر الواحد من حيث الجملة، بل قالوا: إنه يفيد الظن لا اليقين، والظن لا يُقبل في العقائد. وهذا القول يشتمل على إشكالين منهجيين: 1. في مفهوم الظن: الظن في اصطلاح الأصوليين ليس شكًّا، بل هو الراجح المحتف بالقرائن. ومع ذلك أُخرج من باب الاعتقاد، مع أن الشريعة في معظم فروعها العملية مبنية على الظن الغالب. 2. في حصر اليقين: اليقين في المنهج السلفي ليس خاصية رياضية في نوع معين من الأخبار؛ بل حالة معرفية تحصل بتراكم الأدلة، واحتفاف الخبر بالقرائن، وتلقي الأمة له بالقبول؛ ولهذا قرر أهل الحديث أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن، وهو ما يهدم الأساس الذي قامت عليه القسمة الكلامية من داخلها. نقد شروط التواتر الكلامي: اشترط المتكلمون لجعل الخبر متواترًا شروطًا، منها: كثرة العدد في كل طبقة، استحالة التواطؤ على الكذب، استناد الخبر إلى الحس. وهذه الشروط: لم تُبْنَ على استقراء الروايات، ولا دلَّ عليها نقل عن السلف، ولا تتحقق في أي حديث نبوي، حتى أشهرها. وقد تصدَّى لهذه الشروط محمد بن إدريس الشافعي في «الرسالة» و«جماع العلم»، فأبطلها من جذورها، وبيَّن أن مناط القبول هو العدالة والضبط، لا العدد، ولا الدعوى المجردة باستحالة التواطؤ. موقف أئمة الحديث: اعتمد المحدثون في قبول الأخبار على: صحة السند واتصاله، عدالة الرواة وضبطهم، سلامة المتن، انتفاء الشذوذ والعلة، ووجود العاضد إن احتيج إليه. ولم يفرِّقوا في الاحتجاج بين فقه وعقيدة؛ ولهذا احتجوا في أبواب الصفات، والشفاعة، واليوم الآخر، بخبر الواحد إذا صحَّ، دون تردُّد. أما ابن حجر العسقلاني، فقد حاول في «نخبة الفكر» تهذيب المصطلح وتقريبه من البيئة الحديثية، فقسَّم الآحاد إلى مشهور وعزيز وغريب، دون أن يجعله أداة لردِّ الأخبار العقدية. غير أن شيوع كتابه أدَّى إلى تثبيت المصطلح في الوعي المتأخر، أحيانًا مع تحميله لوازمه الكلامية دون وعي بتاريخ نشأته. التواتر كظاهرة لا كشرط إقصائي: لم ينكر السلف وجود أخبار مشتهرة أو متكاثرة الطرق، بل قبلوا ما يُسمَّى لاحقًا "التواتر المعنوي"؛ لكنهم أنكروا: جعله شرطًا مسبقًا لقبول الحق، أو مدخلًا لردِّ النصوص الصحيحة. فالتواتر عندهم وصف لاحق لا شرط سابق. الآثار التطبيقية الخطيرة: من أخطر آثار هذا التقسيم: ردُّ طوائف من المتكلمين لأحاديث صحيحة في باب الصفات؛ كأحاديث النزول والرؤية، وردُّ أخبار الشفاعة واليوم الآخر، لا لعلَّة في السند، بل لمجرد كونها "آحادًا". مع أن هذه الأبواب تلقَّاها السلف بالقبول، واحتج بها أئمة السُّنَّة؛ كـأحمد بن حنبل وغيره، دون التفريق بين عقدي وفقهي. تفكيك دعوى "العقائد لا تُؤخذ إلا باليقين": تقسيم الدين إلى: عقائد = يقين، أحكام = ظن، تقسيم حادث غير سلفي؛ إذ إن كثيرًا من الأحكام العملية مؤسسة على أصول عقدية، وكثيرًا من مسائل الاعتقاد ثبتت بأخبار آحاد تلقتها الأمة بالقبول. والسلف لم يسألوا: هل الخبر آحاد أم متواتر؟ بل سألوا: هل صحَّ؟ وهل خالف المُحكم؟ خاتمة: إن الإشكال في تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد ليس في أصل الوصف، بل في تحميله وظيفة لم يعرفها السلف، وهي: التحكم في باب الاعتقاد وردُّ النصوص الصحيحة بدعوى عدم إفادتها القطع. ومنهج السلف وأهل السنة والجماعة لا يشترط اليقين الفلسفي، بل يعتمد على صحة النقل، وسلامة الفهم، وتراكم الدلالة، وتلقي الأمة، وهو منهج أرسخ وأصدق في تمثيل الوحي والواقع معًا. والحمد لله رب العالمين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |