|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
بصائر اليقين في فطرة الصادقين الشيخ أحمد إبراهيم الجوني الحمد لله الذي انحنت لعظمته الرقاب، وذلَّت لجبروته الصعاب، وخضعت لملكوته الأسباب. سبحانه! خلق فقدر، وبنى فأحكم، ورفع السماء بغير عمد فأنعم. سبحان من لا تواري منه سماء سماءً، ولا أرض أرضًا، ولا جبل إلا ويعلم ما في وعره، ولا بحر إلا ويعلم ما في قعره، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الحق الذي قهر بعزِّ سلطانه كل جبَّار، وأذلَّ بكبريائه كل متكبِّر غدَّار، شهادةً ندخِّرها ليوم الدين، يوم تُبلى السرائر، وتنكشف الضمائر، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبدُ الله ورسوله، بعثه الله ليحيي قلوبًا غُلْفًا، وأعينًا عُمْيًا، وآذانًا صُمًّا، ففتح الله به طريق الرشاد، وأوضح به معالم التوحيد والسداد، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الأخيار، وسلِّم تسليمًا كثيرًا مدرارًا، أما بعد: فإني أوصيكم ونفسي يا عبد الله بتقوى الله؛ فمن اتقى الله وقاه، ومن توكَّل عليه كفاه، ومن أقبل عليه آواه. عباد الله، تأمَّلوا في عظمة من تعبدون، واعلموا أن الذي رفع السماء بغير عمد ترونها وبناها، فأغطش ليلها بالظلام، وأخرج ضحاها بالنور، والأرض بعد ذلك دحاها، والجبال أوتادًا أرْساها؛ هو سبحانه الذي بسط لنا الآيات في الآفاق وفي أنفسنا لعلنا نهتدي. وكما أحكم خلق السماوات العلى، فقد أحكم خلق هذه النفس التي بين جنبيك؛ فألهمها فجورها وتقواها، وبصَّرها ضلالها وهداها، وحذَّرها من وبال الشرك وعاقبة الرَّدَى، ثم جعل الفوز معلقًا بصلاح الباطن، فقال وهو أصدق القائلين: ﴿ قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها ﴾ [الشمس: 9-10]. فالفلاح-كل الفلاح- ليس بجمال المظهر، ولا بكثرة العرض، بل في تزكية هذه النفس وسلامة هذا القلب؛ فالقلب هو محل نظر الرب، وهو الوعاء الذي إذا صلح صلح معه سائر العمل، وإذا فسد لم ينفع صاحبه مال ولا بنون، في ذلك اليوم الذي يقوم الناس فيه لرب العالمين. عن أبي ذرٍّ رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان، وجعل قلبه سليمًا، ولسانه صادقًا، ونفسه مطمئنة، وخليقته مستقيمة، وجعل أُذُنه مستمعة، وعينه ناظرة، فأما الأذن فقمع، والعين مقرة بما يوعي القلب، وقد أفلح من جعل قلبه وعاءً»؛ [أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وصحَّحه الألباني]. أيها المسلمون، إن طريق الجنة قد يكون أقرب إلينا مما نظن، بصدق كلمة وإخلاص طوية. انظروا إلى "ضمام بن ثعلبة" رضي الله عنه، ذلك الأعرابي الذي جاء من البادية ببساطة الفطرة، فوقف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن ربِّه بلهجة الواثق الباحث عن اليقين. سأل عن رافع السماء، وباسط الأرض، وناصب الجبال.. فلما جاءه الجواب اليقين، من النبي صلى الله عليه وسلم نطق بالشهادتين، وعاهد الله ألَّا يزيد على فرائض الإسلام ولا ينقص. عندها ابتسم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: «من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا»؛ [أصل القصة في الصحيحين: البخاري ومسلم]. فيا ترى ما الذي بلغ ضمامًا هذه المنزلة العلية؟ إنه التفكُّر الصادق في ملكوت الله؛ فضمام لم يقرأ الكتب، لكنه قرأ "كتاب الكون" المفتوح. نظر إلى السماء بصفائها، والأرض بـمهادها، فنطق قلبه قبل لسانه: "إن لهذه العظمة خالقًا لا شريك له". جاء بقلب فارغ من التعقيد، ممتلئ بالتجرُّد؛ لم يحمل معه رياءً ولا كِبْرًا، بل أقبل بصدق "الممتثل" الذي لا يراوغ. سأل ليعلم، وعلم ليعمل، فكانت حركته من الشك إلى اليقين أسرع من طرفة العين. ويا ليتنا اليوم نملك "فطرة ضمام بن ثعلبة"- رضي الله عنه- وصدق إقباله! فنحن اليوم نعيش في زمن غرقنا فيه في "الأسباب" ونسينا "مسبب الأسباب". انشغلنا ببريق التكنولوجيا وزحام الدنيا، فأصبحت عيوننا تنظر إلى شاشات الهواتف أكثر مما تنظر إلى السماء وبديع صنع الله. تعقدت حياتنا بكثرة القيل والقال، وضاع إخلاصنا في دروب المظاهر، بينما نجا ضمام ببساطة الصدق. هو نظر إلى الجبال فاستدل على عظمة الخالق، ونحن نرى الآيات والابتلاءات تمر علينا وكأنها أحداث عابرة! إن حالنا اليوم يحتاج إلى تلك "الوقفة الصادقة"؛ بأن ننزع عن قلوبنا غلاف الغفلة، ونقبل على الله بقلوب عامرة باليقين. فوالله ما نفع ضمامًا كثرة كلامه، بل نفعه أنه حين عرف ربَّه استغنى به عن كل ما سواه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. الخطبة الثانية الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، الداعي إلى رضوانه.عباد الله، قفوا مليًّا عند هذا النداء الإلهي الذي يفيض رحمةً وعتبًا، وتخيلوا عظمة الخالق وجفاء بعض الخلق، حيث يقول الله عز وجل في الحديث القدسي: "إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد، أتحبب إليهم بالنعم وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليَّ"؛ [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، والديلمي، والحاكم في التاريخ، وضعَّفه بعض أهل العلم من حيث السند لكن معناه في عظمة الله وشكر النعم صحيح مستفيض]. فيا من أسبغ الله عليك نعمه ظاهرة وباطنة، ألا يستحق هذا الرب العظيم أن يفرد بالعبادة؟ ألا يستحق أن تخشع له القلوب، وتذرف له العيون؟ إنما الدنيا أنفاس معدودة، وأيام محدودة، والكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. اللهم اجعلنا ممن أخلص لك قلبه، وصدق فيك لسانه، واستقامت في طاعتك خليقته. اللهم يا مقلب القلوب، ثبِّت قلوبنا على دينك، واجعلنا ممن تنظر إليهم في هذه الساعة فتغفر لهم، وممن تدعوهم إلى جنَّاتك فتقبلهم، كما قبلت ضمامًا بصدقه وإخلاصه. اللهم لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنبًا إلا غفرته، ولا همًّا إلا فرَّجته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا غائبًا عن أهله إلا بالسلامة رددته. اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأحينا على التوحيد، وأمتنا على التوحيد، وابعثنا مع أهل التوحيد، وأعز اللهم الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين ودمِّر أعداءك أعداء الدين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا ولاة أمرنا، وانصر عبادك المؤمنين فوق كل أرض وتحت كل سماء، ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]. اللهم صلِّ وسلِّم على قرة أعيننا محمد، صلاةً تفتح لنا بها أبواب الرضا، وتغلق بها عنا أبواب الرَّدَى، وعلى آله وصحبه، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الصافات: 180 - 182].
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |