|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
عند الصباح يحمد القوم السُّرى نورة سليمان عبدالله قالت العرب: (عند الصباح يحمد القوم السرى). وأفضل منه قول الزهاد: (عند الممات يحمد القوم التُّقى). قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 63]. يقول الطبري في معناها: "يقول تعالى ذكره: هذه الجنة التي وصفت لكم أيها الناس صفتها، هي الجنة التي نورثها، يقول: نورث مساكن أهل النار فيها، ﴿ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ [مريم: 63] يقول: من كان ذا اتقاء عذاب الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه". ومعنى المثل: "عند الصباح يحمد القوم السرى": أي إذا سرى القوم بالليل قطعوا أرضًا كثيرة، والأرض تُطوى بالليل لمن يمشيها، فإذا أصبحوا حمدوا سيرهم. فيُضرب في احتمال المشقة، والحث على الصبر، حتى تحمد العاقبة. وعند الزمخشري: يُضرب في الحث على مزاولة الأمر بالصبر، وتوطين النفس حتى تُحمد عاقبته. فلكل من يريد النجاح، وتحقيق الأهداف، عِبرة في حياة أجدادنا الذين كانوا يسرون على المطايا بليل قارس طويل، يقطعون المجاهل، ويواجهون الوحوش، ويكابدون البرد في زمهرير الشتاء، ليصلوا إلى أهدافهم، ويحققوا مطالبهم مهما ادلهم الليل وطال السرى. فالصبر والتروي في الأمور يؤديان إلى الحكمة في اتخاذ القرارات، والصواب في الأفعال والأقوال. وقديمًا قيل: "من عجل زل"، ومعناها باختصار التحذير من العجلة وآثارها، ومن يتسرع في قراراته وأفعاله وأقواله دون تفكير وتدبر في العواقب، زل وسقط في الخطأ. وأيضًا عدم اليأس من إعادة المحاولة بعد الأخرى، فهذه عوامل حاسمة وهامة في سبيل تحقيق الأهداف. فالصبر والتحمل هما فضيلتان عظيمتان للثبات في وجه المصائب وتحقيق الأهداف. قال الشاعر: لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ![]() لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ![]() ![]() ![]() فهذان البيتان فيهما أن الأمور لا تؤخَذ بيسر وبهينة، فلا بد من الصبر والمجاهدة وبذل الأسباب لنيل المراد. جاء في (إنباء الرواة) في ترجمة أبي نصر القرطبي قال: "كنا نختلف إلى أبي علي القالي رحمه الله وقت إملائه النوادر في جامع الزهراء بقرطبة، ونحن في فصل الربيع. قال: فبينما أنا ذات يوم في بعض الطريق إذ أخذتني سحابة، فما وصلت إلى مجلس أبي علي إلا وقد ابتلت ثيابي كلها، وحوالي أبي علي أعلام أهل قرطبة، فلما رآني مبتلًّا بالماء أمرني بالدنو منه، وقال لي: مهلًا يا أبا نصر، لا تأسف، ولا تأسَ، ولا تحزن على ما عرض لك؛ فهذا شيء يضمحل عنك بسرعة، بثياب تبدلها بغير ثيابك. لكن اسمع – يريد أن يعزيه وأن يسليه على ما أصابه – قد عرض لي، يقول أبو علي عن نفسه، ما أبقى في جسمي ندوبًا وجروحًا تدخل معي القبر. لقد كنت أختلف في الطلب، يعني في طلب العلم، إلى ابن مجاهد رحمة الله عليه، فذهبت إليه آخر الليل قبل طلوع الفجر؛ لأقترب منه لأستفيد. فلما انتهيت إلى الطريق الذي كنت أخرج منه إلى مجلسه ألفيته مغلقًا، قال: وعسر عليَّ فتحه، فقلت: سبحان الله! أبكر هذا البكور ثم أغلب على القرب منه؟ والله لا يكون ذلك. فنظرت إلى سرب بجانب الدار ضيق فاقتحمته، فلما توسطته ضاق بي ذلك السرب وذلك النفق، فلم أقدر على الخروج منه، ولم أستطع النهوض. قال: فاقتحمته بشدة حتى خرجت بعد أن تخرقت ثيابي، وأثر السرب في لحمي حتى انكشف العظم، ومنَّ الله عليَّ بالخروج، فوافيت مجلس الشيخ على حالتي هذه، فأين أنت مما عرض لي؟ ثم أنشد يقول: دببت للمجد والساعين قد بلغوا ![]() جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا ![]() وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ![]() وعانق المجد من أوفى ومن صبرا ![]() لا تحسب المجد تمرًا أنت آكله ![]() لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا ![]() قال أبو نصر: فسلَّاني ما حكاه، وهان عندي ما عرض لي من بلل للثياب بجانب ما أصابه، فلازمته حتى مات"، فرحمة الله على الجميع. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |