|
|||||||
| ملتقى القصة والعبرة قصص واقعية هادفة ومؤثرة |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
آخر العمر عامر الخميسي مما حفظناه من أحد مشايخنا قول الناظم: وستة تلحقنا عند الكبر ![]() تعثر المشي كحالة الصغر ![]() وقلة السمع وقلة البصر ![]() وقلة الأكل إذا الزاد حضر ![]() والنوم بين الناس من دون سهر ![]() وكثرة النسيان أدهى وأمر ![]() هذه الأبيات تختصر ببلاغة حال الإنسان حين يطول به العمر ويبلغ مرحلة الهرم، حيث تبدأ الحواس بالضعف، ويعود الجسد إلى حال يشبه بداياته الأولى في الطفولة، ضعيفًا عاجزًا، محتاجًا إلى من يعينه ويقوم على شؤونه؛ وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس: 68]؛ أي إن من يمد الله له في العمر يمر بمرحلة الانكسار والضعف بعد القوة، والهرم بعد الشباب، فيتذكر أن دوام الحال من المحال، وأن الصحة والشباب لا يدومان، وأن النهاية الحتمية هي الضعف والافتقار إلى رحمة الله. فإذا نظرنا إلى حال الكبير في السن، وجدنا أن أول ما يظهر عليه هو ضعف الحركة وتعثر المشي، فلا يقوى على السير بخفة كما كان في شبابه، بل يحتاج إلى عصا أو سند من الآخرين، وكأن دورة الحياة تعود إلى بدايتها حين كان الطفل يتعلم خطواته الأولى، ثم يأتي ضعف السمع، فلا يعود قادرًا على سماع الأصوات بوضوح، ويضطر إلى رفع صوته أو طلب إعادة الكلام، فيشعر بالعزلة عن الناس، لكنه في الوقت نفسه يجد في سماع ذكر الله وتلاوة القرآن عزاءً وسلوى، وكأن الله يوجهه إلى ما هو أهم من ضجيج الدنيا، ومع ضعف السمع يضعف البصر أيضًا، فلا يرى الأشياء كما كان يراها من قبل، وقد يحتاج إلى نظارات أو يعجز عن القراءة والكتابة، فيتذكر أن البصيرة أهم من البصر، وأن نور القلب بالإيمان يغني عن نور العين إذا فُقد. ومع تقدم العمر تقل شهية الإنسان، فلا يقوى على تناول الطعام بكثرة كما كان في شبابه، فيخفف ذلك من تعلقه بالدنيا، ويجعله أكثر ميلًا إلى الزهد والرضا بالقليل، فيتذكر أن غذاء الروح بالإيمان والعمل الصالح هو الأهم، ويغلب النوم على الكبير في السن، فلا يقوى على السهر الطويل، بل يغلبه النعاس في المجالس، وهذه الغلبة تعكس حاجة الجسد إلى الراحة، وتذكره بأن النوم صورة مصغرة من الموت الذي يقترب، فيزداد يقينه بقصر الدنيا وسرعة انقضائها، ثم تأتي كثرة النسيان، وهي من أشد ما يواجهه الإنسان في الكِبر، فينسى أسماءً وأحداثًا، وربما ينسى أقرب الناس إليه، وهذا النسيان مؤلم، لكنه أيضًا رحمة، إذ يخفف عن قلبه ثقل الذكريات، ويجعله أكثر استعدادًا للقاء الله خفيفًا من هموم الدنيا. ورغم ما يفقده الإنسان من حواس وقوة، فإن هذه المرحلة تحمل جمالًا خاصًّا، فهي تقربه من ربه بالسكينة والوقار، وتجعله أكثر إدراكًا لقيمة الوقت، وأكثر حرصًا على العبادة، لأنه يعلم أن ما بقيَ من عمره قليل؛ وهنا يتجلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك ...))، فالشباب والصحة لا يدومان، لكن العمل الصالح يبقى أثره، ويظل شاهدًا على صاحبه حتى بعد رحيله، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: ((اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا أبدًا ما أحييتنا واجعله الوارث منا))، وهذا الدعاء يعكس إدراكه لأهمية هذه النعم، وطلبه من الله أن يديمها حتى آخر العمر، وأن يجعلها ميراثًا يبقى بعده. الهرم - إذًا - ليس مجرد ضعف، بل هو مرحلة اختبار وصبر، وفيه يتجلى معنى التوكل على الله والرضا بقضائه، كما أنه يذكر الإنسان بحقيقة الدنيا، وأنها دار ممر لا دار مقر، وأن النهاية الحقيقية هي لقاء الله، فقدان الحواس ليس خسارة مطلقة، بل هو انتقال من الاعتماد على الدنيا إلى التعلق بالآخرة، وهو تذكير دائم بأن الإنسان مهما بلغ من قوة وعافية، فإن مصيره إلى الضعف، وأن ما يبقى له حقًّا هو عمله الصالح وآثاره الطيبة. إن مرحلة الهرم هي المحطة الأخيرة في رحلة الإنسان، فيها يفقد الكثير من حواسه وقوته، لكنه يكسب قربًا من الله ووقارًا في النفوس، وهي دعوة للتأمل في نعمة الشباب والصحة، وضرورة اغتنامها قبل أن تزول، فطوبى لمن وعى هذه الحقيقة واستعد لها بالعمل الصالح، ليكون هرمه نورًا لا ظلمة، وسكينة لا وحشة، وليكون ختام عمره شاهدًا على صدق مسيرته نحو الله، حيث يلقى ربه وقد طوى صحائفه بعمل صالح وذِكر طيب وأثر باقٍ في الدنيا بعد رحيله.
__________________
|
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |