وقفات مع آية ﴿إن الله يأمر بالعدل الإحسان﴾ - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 41 - عددالزوار : 34317 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5245 - عددالزوار : 2618091 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4843 - عددالزوار : 1946680 )           »          الرائد الأول لحقوق الإنسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 70 )           »          5 طرق فعالة للحفاظ على سلامة النباتات داخل المنزل.. معرض الربيع قرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 79 )           »          3 خطوات احترافية لإخفاء ندبات البشرة بالمكياج بتغطية مثالية تدوم لساعات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 73 )           »          يوم الصحة العالمي.. 10أخطاء في أسلوب حياتك وراء شعورك الدائم بالإرهاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 77 )           »          نباتات تفوق الفلفل الحار بأضعاف فى شدة الحرارة والألم.. ما هي؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 90 )           »          طريقة عمل فتة مسخن الدجاج.. طبق لذيذ وسريع التحضير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 89 )           »          5 قطع ديكور أساسية لتصميم منطقة استرخاء فى غرفتك بسهولة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 76 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-04-2026, 08:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,729
الدولة : Egypt
افتراضي وقفات مع آية ﴿إن الله يأمر بالعدل الإحسان﴾

وقفات مع آية:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾

أ. د. حسن بن محمد بن علي شبالة

الخطبة الأولى

أيها المؤمنون:
أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن ليدل الناس على ما يُصلحهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، واحتوى على الأحكام والتوجيهات، والنصائح والإرشادات، ما فرَّط الله سبحانه وتعالى فيه من شيء، بل أنزله تبيانًا لكل شيء، وأمرنا سبحانه أن نقرأه، وأن نتدبره، وأن نتأمل ما فيه من العِظات والبينات، والحُجج والبراهين؛ حتى تمتلئ قلوبنا بالإيمان، وتجتهد نفوسنا في الطاعة، وتتلذذ ألسنتنا بقراءته وتلاوته؛ قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ [ص: 29]، وقال في آية أخرى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: 24].

فالقرآن أُنزل للعمل والتدبر، أُنزل ليدل الناس على ما يُصلحهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم.

فأين المسلمون من هذا الكتاب العظيم اليوم؟ كم من الأوقات تُهدر في غير قراءة القرآن! كم من الساعات الطوال يقضيها الناس على الشاشات والأجهزة، مُعرضين عن كتاب ربهم الذي فيه شفاؤهم، ونورهم، وهدايتهم، ودلالتهم على الطريق المستقيم، وفيه أيضًا أجرهم وثوابهم! لا أقول: "الم" حرف، بل ألفٌ حرف، ولام حرف، وميم حرف، وكل حرف بعشر حسنات لمن قرأه، والله يضاعف لمن يشاء.

أيها المؤمنون:
نقف اليوم مع تدبُّر آية من آيات القرآن الكريم، لنجعلها نموذجًا للقراءة المتدبرة التي نستخلص منها الأحكام، والعِظات، والعِبر، ونعيش مع كلام ربنا؛ قال عثمان رضي الله عنه: "لو طهُرت قلوبكم، ما شبِعتم من كلام ربكم"، وكلام الله هو القرآن، أنزله بلغة العرب ليكون عزًّا وشرفًا لهم: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ [الأنبياء: 10]؛ أي: عزكم، وشرفكم، ومكانتكم.

وكلما كان الإنسان ألصقَ بالقرآن تدبرًا وعملًا، كان له مكانةٌ وقيمة عند الله أولًا، وعند الخلق آخرًا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين))؛ [رواه مسلم]، يرفع من قرأه وتدبره وعمِل به، ويضع ويُسقط من خالفه، وعصى أوامره وتوجيهاته.

يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90]. ما أجمل هذه الآية، وما أجمعها! قال ابن مسعود رضي الله عنه: "أجمع آية في القرآن هي هذه الآية"، جمعت بين الأمر بمعالي الأخلاق، والنهي عن سفاسفها.

هذه الآية العظيمة جاءت بعد قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل: 89]، جاءت هذه الآية بعدها لتقول لنا: هذا التبيان والتوضيح؛ ذاك إجمال، وهذا تبيان، ولكن هذا التبيان جاء أيضًا بجوامع الكلِم.

احتوت الآية على ست كلمات:
ثلاثٍ أمر الله بهن، وثلاث نهى الله عنهن، فالثلاثة المأمور بها تشمل كلَّ خِصال الخير، والثلاثة المنهي عنها كل خصال الشر، وانظروا إلى هذا التعبير العظيم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ [النحل: 90]، فليس غيره، فما دام هو الخالق الرازق، فهو الذي له الأمر وله النهي.

أمر الله سبحانه وتعالى الخَلق بفعل ثلاثٍ، ونهاهم عن فعل ثلاثٍ؛ أمرهم بالعدل، والإحسان، وإيتاء ذي القربى، ونهاهم عن الفحشاء، والمنكر، والبغي، وختم الآية بالموعظة، والتذكُّر، والاعتبار.

أولًا: العدل: ما المقصود بالعدل في هذه الآية؟ المقصود به هنا العدل المطلق، وجاءت الألف واللام فيه لاستغراق جميع أنواع العدل المأمور به شرعًا، فشمل كل أنواع العدل: مع الله، ومع النفس، ومع الغير.

ومعنى العدل إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه، بلا زيادة، ولا نقصان.

وأعظم أنواع العدل:
أن تعدل مع الله الذي خلقك وأوجدك من العدم؛ فتصرف له حقوقه، ولا تصرفها لغيره، فإن من أعظم الحقوق الواجبة على العبد أن يعبد الله، وأن يوحِّده، وألَّا يشرك به شيئًا، فإذا فعل شيئًا من ذلك مع غير الله، فقد ظلم نفسه، وصرف العبادة لغير الله، وأفضل أنواع العبادات التوحيد؛ ولذلك ظلم المشركون أنفسهم فعبدوا غيره، وسجدوا وركعوا لغيره، وأطاعوا وامتثلوا لغيره، وعظَّموا وخشوا غيره، سبحانه وتعالى؛ ولذلك كان الشرك أظلم الظلم: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]، لماذا؟ لأنه صَرْفُ حقِّ الله إلى غيره من المخلوقين.

وهكذا باقي الأعمال المتعلقة بحقوق الله من الخوف، والرجاء، والتوكل، والخشية، والسجود، والركوع، والطاعة المطلقة، وغيرها، فهذه أعمال لا يجوز صرفها إلا لله، فإنها عبادة خاصة بالله جل وعلا، فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد ظلم نفسه، ولم يحقِّق أمر الله تعالى بالعدل في هذه الآية.

ومن أنواع العدل المأمور به:
العدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن من حقه أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُصدَّق فلا يُكذب، وأن يُطاع فيما أمر، وأن يُجتنب ما عنه نهى وزجر، وأن نحبه، ونقدمه على الأهل، والمال، والنفس، فمن فعل شيئًا من ذلك لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد ظلم نفسه، ووقع في الظلم، ولم يأتِ بالعدل الذي أمره الله سبحانه وتعالى به.

ومن العدل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن تعظِّمه دون غلوٍّ؛ فإنه بشر مرسلٌ، وليس إلهًا يُعبد، ولا يُدعى من دون الله، بل هو بشر مرسل يُوحى إليه، مأمور أن نُطيعه في طاعة الله سبحانه وتعالى، لا أن نعبده من دون الله، ولا ندعوه من دون الله، ولا نستغيث به من دون الله؛ فهذا من الغلو، وليس من العدل، فالعدل إعطاء كل ذي حقٍّ حقَّه.

فإن طاعة الله سبحانه وتعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم من العدل مع النفس أيضًا؛ لأن المخالفة ظلم للنفس؛ كما قال الله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [النحل: 118]، كيف؟ لأن طاعة الله ورسوله سببٌ لدخول النفس الجنة، فإذا عصيت الله ورسوله فقد أدخلت نفسك النار، وظلمتَ نفسك بمعصية الله ورسوله، ولم تكن فاعلًا للعدل الذي أمر الله به.

ومن العدل المأمور به العدل مع الآخرين: وأولهم الوالدان، والأهل، والأولاد، والزوجات، وسائر الناس من الجيران والأصحاب والشركاء، وغيرهم ممن لهم حقوق عندك؛ فأعطِهم حقوقهم، فإن أنقصتها أو ضيَّعتها، لم تكن قمتَ بالعدل الذي أمر الله سبحانه وتعالى به.

ومن العدل أيضًا العدل مع الرعية: وما من أحدٍ منا إلا وهو راعٍ لغيره؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته))؛ [رواه البخاري ومسلم]، ثم ضرب أمثلة، فقال: ((الرجل راعٍ في أهله، والمرأة راعية في بيت زوجها، والعبد راعٍ في مال سيده))، وهكذا فكل من تولى مسؤولية فإنه راعٍ لمن تحت مسؤوليته، ومسؤول عنهم يوم القيامة: هل أدى لهم حقوقهم أو لا؟

ومن العدل أن يعدل الإمام أو الخليفة أو المسؤول عن الناس، سواء كانت مسؤوليةً عامة أو مسؤولية خاصة، فالجميع مطالبون بالعدل، فإن لم يعدلوا فقد وقعوا في الظلم، وعاقبته وخيمة؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية، يموت يومَ يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة))؛ [رواه مسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم من وليَ من أمر أمتي شيئًا، فيشق عليهم فاشقُق عليه))، وغير ذلك من الأحاديث التي تأمر بالعدل في كل صغيرة وكبيرة، وإذا كان الإنسان مطالَبًا أن يعدل في أهله وأولاده وهم أعداد محدودة، ويخشى أن يوقِفه الله بين يديه ليُحاسبه عن هذا العدد القليل، هل عدل معهم أم لا؟ فكيف بمن يلي أمورَ ملايين الناس ولا يعدل معهم؟ كيف سيقف بين يدي الله ويسأله عن كل صغير وكبير من رعيته؟ إنها مسؤولية عظيمة، وأنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزيٌ وندامة، إلا من أخذها بحقها.

ومن العدل أن يعدل الإنسان مع الحيوان: وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا، ربما لا يلتفت إليه الناس، ولكنه أراد أن يقول: إن شريعة الله تأمر بالعدل في كل جوانب الحياة، حتى في الأمور التي لا تتوقعونها؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((دخلت امرأةٌ النارَ في هِرَّة، لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خَشاش الأرض))، نعم، إنه العدل في هذا الدين العظيم حتى مع الحيوانات؛ لأن الله خلق هذه الحيوانات، وسخرها لنا لنستفيد منها، لا لنعبث بها.

فتعامُل المرأة هذه مع تلك الهرة عبث، والعبث منهيٌّ عنه ولو كان مع الحيوانات، وهذا يدلنا على عِظم هذه الشريعة وعدلها، الذي لا يمكن أن تتصف به شريعةٌ ولا دين آخر.

أيها المؤمنون عباد الله:
كما أن موضوع العدل شامل للأفراد والجماعات، فهو يشمل كذلك سائر الأقوال والأفعال والاعتقادات للمكلَّفين جميعًا، وقد أمرنا الله به وحثَّنا عليه، ويكفي أن أشرنا إلى بعض جوانبه، والحديث عنه يطول.

الأمر الثاني الذي أمر الله به هو: الإحسان، والمقصود به الإحسان المطلق، وهو أعلى رتبة من العدل؛ لأن الإحسان هو الإتقان للشيء، ومنح الناس الخير بدون مقابل، فيحتوي الإحسان على هذين المعنيين: إتقان الشيء، إعطاء الخير للآخرين بدون مقابل، ولا بد منهما معًا، أعطِ خيرًا متقَنًا للآخرين، ولا تعطِ خيرًا غير متقَن، ولا تُحسن إلى الناس بطريقة غير متقنة.

ويبدأ الإحسان من العبد مع ربه سبحانه وتعالى؛ ولذلك لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، قال: ((أن تعبدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))؛ [رواه مسلم]، يعني الإتقان في العبادة، الإخلاص في العبادة، لا تريد رياءً ولا سُمعة، بل تعمل العمل الصالح لوجه الله، وكأنك ترى ربك، أو أنك تشعر بمراقبته لك سبحانه وتعالى.

فالإحسان إعطاء الناس فوق ما يستحقون، وبدون مقابل، فلما أمر الله بالعدل وهو ما يجب عليك فعله، أردفه بالأمر بالإحسان، وهو إعطاء الناس فوق ما يستحقون محسنًا إليهم، وتقدِّمه إليهم بصورة صحيحة تليق بهم.

والإحسان كما يتعلق بحقوق الخالق سبحانه، فتُحسن عبادته، وتُحسن في فِعل الطاعات مع الله سبحانه وتعالى، فإنه يتعلق بحقوق المخلوقين، وهو إتقان الشيء على أكمل وجه، ونفع الآخرين بدون مقابل، فإن أخذت منهم مقابلًا على إحسانك لهم، لم يعُد إحسانًا، بل صار قيمة وثمنًا.

ومن ذلك الإحسان إلى الوالدين: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة: 83]، فهم أحق الناس بالإحسان، وهذا النوع من الإحسان واجب، وليس مستحبًّا، فكما تُتقن عبادتك مع الله، فأتقِن أخلاقك وتعاملك مع الوالدين.

ثم أمر الله بالإحسان المطلق في كل أفعالنا وأعمالنا؛ كما في الحديث: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء))؛ [رواه مسلم]، أمر بالإحسان وكتبه وفرضه على كل شيء، وفي كل شيء من تعاملات الإنسان، حتى في القضايا ذات البعد التسخيريِّ المباح، فأمرك الله أن تُقيم الحد على شخص بإتقانٍ ومراعاة لجانب الإحسان فيه؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلة))، فالتعذيب له ممنوع، والتمثيل به ممنوع، بل يُقتل بأسرع آلة؛ ولذلك كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أسرع آلة للقتل وإقامةً للحدود هي ضربة بالسيف على رقبته، واليوم يمكن أن تكون أسرع آلة هي إطلاق الرصاص في قلبه أو صدره؛ لأن الله لم يأمر بتعذيب الآخرين.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذبح))، فلو ذبحت شيئًا مباحًا لك لتأكله، فأحسِن في الذبح؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرِحْ ذبيحته))، فأرِحها بأسرع آلة، بأسرع طريقة، حتى لا تعذِّبها، هذا هو الإسلام، الذي يأمرنا أن نُحسن إلى الخَلق من الحيوان والإنسان، لأن الإحسان عمل يرضي الله سبحانه وتعالى، ويدل على أن النفس التي تتعامل بإحسان مع الآخرين قد صارت نفسًا عالية الأخلاق، مُحسنة في كل تصرفاتها، ولذلك يحبها الله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195].

ثالثًا: أمر الله بإيتاء ذي القربى، وإيتاء ذي القربى يدخل تحت العدل والإحسان؛ لأنه داخلٌ إما في العدل أن تعطيهم حقهم، أو أن تعطيهم شيئًا زائدًا، فيكون إحسانًا، لكن الله سبحانه وتعالى أفرده بالذكر للاهتمام به؛ ولأن بعض الناس قد ينساه، خاصة أنه كان مشهورًا عند العرب قديمًا، وما زالت موجودةً ثمارُه وآثاره عند بعض الناس حديثًا، أن العطاء يقصد به الرياء والسمعة، فلو أعطيت الأجنبي تكلم الناس عنك، ولو أعطيت القريب لم يتحدثوا عنك؛ فلذلك النفوس التي تريد الرياء والسمعة غالبًا تعطي الآخرين حتى يكون لها شأن، وتنسى الأقربين، والأقربون أولى بالمعروف.

وأيضًا فقد ذُكر هذا العمل بعد العدل والإحسان، وهو داخل فيه؛ لأن غالب الأقارب يوجد بينهم حساسات وحزازات، ولذلك الإنسان يحرم أقاربه العطاء للحزازات الأسرية ويعطي غيرهم، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يتجاوز هذه الحزازات، وأن يمنحهم حقوقهم، إما عدلًا وإما إحسانًا إليهم.

فهذه ثلاثة نماذج للأخلاق العظيمة التي أمر الله سبحانه وتعالى بها الخَلق أجمعين.

ثم نهاهم عن ثلاثة فقال: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: 90]، الفحشاء اسم لما يُستفحش من الأمور العظيمة القبيحة التي حرمها الله ورسوله، واستفحشَتها النفوس السَّوِية الطيبة، من الأقوال والأفعال والاعتقادات الباطلة، وهي عموم الجرائم المحرَّمة التي نهى الله عنها؛ كما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ [الأعراف: 33]، فهذه الفحشاء مفرد للفواحش، وهي كل قبيح، وغالبًا تكون متعلقة بالجرائم؛ مثل الزنا، وأكل الأموال بالباطل، والسرقات، وغيرها من القبائح التي نهى الله سبحانه وتعالى عنها.

وأما المنكر، فهو أيضًا ما تستنكره النفوس، وينكره الشرع، وغالبًا ما يكون في الأخلاق والأقوال، التي تكرهها الشريعة؛ فالمنكر كل ما يؤدي إلى خَلَلٍ في الأخلاق، أو خلل في التعامل مع الناس، وتستنكره النفوس الطيبة، ويُفسد على الناس معاملاتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو يشمل جميع الأعمال والأقوال المستنكرة التي لا يجوز إقرارها، وهو ضد المعروف، ضد ما تعارف الناس على حُسنه وطِيبه.

وأما البغي: فهو أيضًا داخل ضمن الفحشاء والمنكر، ولكن الله خصَّه بالذكر؛ لأنه يحتاج إلى نوع من الاهتمام، وهو حالة توجد في النفس لإيذاء الآخرين والاعتداء عليهم، بناءً على تصور قبيح أنه أفضل منهم، أو أنه أقوى منهم، وأنهم أحقر منه؛ لذلك يعتدي على هذا، ويبغي على هذا، ويظلم هذا، ويتخيل أنهم ذرٌّ وحشرات، وهو الشخص الذي ليس له مثيل، فهذه الطبيعة القبيحة الموجودة في بعض النفوس البشرية هي التي تسبِّب البغي والعدوان على الآخرين.

ولذلك لا يبغي المسلم على أخيه المسلم إلا إذا فسدت نفسه بارتكاب الفحشاء والمنكر، أما النفوس الطاهرة، والنفوس الزاكية، التي تبتعد عن الفحشاء والمنكر، فلا يقع منها بغيٌ ولا ظلم للآخرين، إنما يقع البغي من النفوس الخبيثة التي فسدت أخلاقها، وصار عندها التصور الباطل عن نفسها بأنها أفضل الناس، فتظلمهم، وتأخذ حقوقهم، وتعتدي عليهم.

ثم ختم الآية بقوله: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90]، فمن تأثر بالموعظة فهو الذي سيستفيد منها.

والموعظة إما ترهيب وإما ترغيب، الترهيب من النار وعقوبتها، أو الترغيب في الجنة وأجورها وثوابها، والخطاب للمسلمين، فالمسلم هو الذي يتأثر بالوعظ، ويتأثر بالنصيحة، التي تفيده في الدنيا والآخرة، أما من فسد قلبه وعقله بالكفر والإجرام، فمهما وعظته، وأرشدته، فإنه لا يستفيد، فإن الذي يتذكر ويتَّعظ، فيعمل بما أمره الله به، ويجتنب ما نهاه الله عنه، هو المؤمن: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: 37]، ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى [الأعلى: 9، 10].

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن تنفعه الذكرى، وممن يتدبر كلام ربه سبحانه وتعالى ويعمل به، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
وقفنا معكم وقفاتٍ قصيرة مع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].

هذه الآية العظيمة الجامعة المانعة، التي قال ابن مسعود عنها: "أجمع آية في كتاب الله"، وقال عنها قتادة رحمه الله تعالى: "ليس من خُلق حسن كان في الجاهلية يعمل به أهلها إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرون به في الجاهلية، إلا نهى الله عنه، وجمعهم في هذه الآية".

هذه الآية جمعت معانيَ الخير والبِر، وجمعت ما يجب على المسلم أن يفعله، وما يجب على المسلم أن يتركه، في أقواله وأفعاله واعتقاداته.

وتخيلوا لو أن الناس امتثلوا لهذه الآية فقط، مع أن هناك آياتٍ كثيرة جاءت فيها أوامر ونواهٍ، ومنها الآية التي تليها، ففيها مجموعة من الأوامر والتوجيهات التي تصلح بها أخلاق الناس لو امتثلوا وعملوا بها، لعاشت البشرية في أمن وسلام واطمئنان.

وما نجده في واقع البشرية اليوم من فساد وظلم هو ثمرة لمخالفة هذه الأوامر الستة: الثلاثة المأمور بها، والثلاثة المنهي عنها.

فأين العدل فيما يجري اليوم في العالم كله، ومنه ما يجري في بلاد الشام وفلسطين؟
أين العدل والإحسان مما يجري اليوم من ظلم وظلام وأخذ للحقوق، وابتزاز للناس، وأذية للخلق؟

أين إيتاء ذي القربى؟ وكم من معضلات ومشكلات بين الأقارب أنفسهم! كم من أناس يأكلون الميراث! وكم من أناس يأكلون حقوق الأيتام من أقاربهم! وكم من أناس يأكلون حقوق أخواتهم! وكم من أناس يأكلون حق الضعيف والمسكين من الأقرباء!

فإذا لم تعطِ قريبك حقه، فمن باب أولى ألَّا تعطي غيره.

أما الفحشاء، فلا تسأل عن التفحش الذي انتشر اليوم وسار في متناول الخلق؛ كم من قنوات فضائية! وكم من وسائل لإفساد الخلق! أهذا مما أمر الله به؟ هناك ملايين تُصرف لإفساد الخلق، وملايين تصرف لنشر المنكر، وملايين تصرف لإلهاء الناس عما يجب عليهم نحو دينهم ومجتمعاتهم ومقدساتهم.

وما نشاهده اليوم من واقع مزرٍ للمسلمين، إنما هو ثمرة لانتشار الفحشاء والمنكر بينهم، وانشغالهم عن الحق المسلوب من أعدائهم.

أيها المؤمنون:
هذه الآية كما قلنا تحتاج إلى وقتٍ لشرحها وتدبرها، وحسبنا أننا أشرنا إلى بعض ما فيها من عِظات وعِبر، يتَّعظ بها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

أخيرًا: نختم بأهم هدايات هذه الآيات:
1- من أعظم الهدايات التي دلَّت عليها هذه الآية، أهمية العدل وفضله، ووجوب السعي لإقامته بين الناس وفي حياة الناس، وقبح الظلم وثمرته المرة على الفرد والمجتمع.

2- أهمية الإحسان بمفهومه الذي هو الإتقان وعدم الغش والخداع، والإنجاز المتقن للأعمال، سواء كانت أعمالًا تخصك، أو أعمالًا لله تعملها، أو أعمالًا للآخرين تقدمها؛ لا بد أن تكون مُتقنة، ليس فيها غشٌّ ولا خداع ولا مكر.

3- فضل الإحسان إلى الخلق بشيء مما أعطاك الله دون مقابل، فإن من أحسن أحسن الله إليه؛ كما قال: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: 77]، وقوله: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة: 195].

4- فضل العطاء للآخرين، وأولى الناس بالعطاء هم أقاربك، سواء كان هذا العطاء مالًا للمحتاج، أو شفاعةً، أو خُلقًا حسنًا، أو شيئًا من المواصلة والتواصل، والبحث عن حل لمشكلاته ونحوها، فكل هذا يسمى عطاء، وهو مأمور به، وعلى المسلم أن يتفقد ذلك، وألَّا ينشغل بالآخرين عن أقاربه وأرحامه.

5- قبح الفحشاء، الظاهرة والباطنة، وقبح المنكر الظاهر والباطن، وقبح البغي الذي يحصل من الناس، سواء على نفسه أو على غيره، ومعلوم من قواعد الشرع الحنيف أن على الباغي تدور الدوائر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ [يونس: 23]، وقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [فاطر: 43]، صحيح أن الإنسان قد تحصل له النشوة والفرح عند انتصاره على غيره بالمكر والخداع، لكنها لذة زائلة، وستعود الدوائر عليه، وستحُل عواقب المكر على صاحبها؛ لأن الله سبحانه وتعالى يُمهل ولكنه لا يُهمل، فلينتظر البُغاة والماكرون عقوبة الله سبحانه وتعالى فيهم.

6- على المسلم أن يتعظ مما يسمع، لأن الذي يسمع ولا يتعظ؛ قلبه أغلفُ قد طُبع عليه، فافتح أقفال قلبك حتى تفهم ما يُقال لك: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد: 24]، وابحث عن مفاتيح القلوب بالاستغفار، والتوبة والرجوع إلى الله، وذكر الله، والاستماع إلى النصح والتوجيه، استماعَ عملٍ وتقبل، لا سماع تكبر، فهذا هو الذي سيجعلك تتعظ وتستفيد من الموعظة.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا وإياكم، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 68.12 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 66.45 كيلو بايت... تم توفير 1.67 كيلو بايت...بمعدل (2.46%)]