القلب بين الصفا والاسفنجة - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         صفات فعلية وصفات ذاتية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          تفاهم | الدكتور عبد الرحمن منصور (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 26 - عددالزوار : 1690 )           »          يهدى للتى هي أقوم || الشيخ مصطفى العدوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 29 - عددالزوار : 7044 )           »          عشان الجو حر الأيام دى.. 5 خطوات للحصول على مكياج ثابت لأطول فترة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          طريقة عمل اللانشون بخطوات سهلة وسريعة.. خليكى ناصحة ووفرى فلوسك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          7 أطعمة لا يجب حفظها فى الثلاجة.. أبرزها الطماطم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          ثلاثون جزءًا |الدكتور زكي أبو سريع يحاوره الدكتور سيد أبو شادي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 30 - عددالزوار : 1873 )           »          7 خطوات هتساعدك على إنجاز مهامك اليومية.. من غير ملل أو إرهاق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          ترميها ولا تخليها.. متى يجب التخلص من مستحضرات التجميل وأدواته؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          6 طرق سهلة لتنظيم وقتك للاستعداد للامتحانات.. لو مش عارف تركز وتحفظ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 09-04-2026, 06:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,838
الدولة : Egypt
افتراضي القلب بين الصفا والاسفنجة

القلب بين الصفا والاسفنجة

الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل




الْحَمْدُ لِلَّهِ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ، الْبَرِّ الرَّحِيمِ؛ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ، وَهَدَاهُمْ صِرَاطَهُ الْمُسْتَقِيمَ؛ فَعَاشُوا فِي الدُّنْيَا سُعَدَاءَ، وَيُجْزَوْنَ فِي الْآخِرَةِ أَوْفَى الْجَزَاءِ، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا وَكَفَانَا، وَنَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَانَا وَأَوْلَانَا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَمِلَ صَالِحًا أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، وَمَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَصَاهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ بِعَدْلِهِ، ﴿ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾ [الْكَهْفِ: 49]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفِيُّهُ وَخَلِيلُهُ؛ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِيُصْلِحَ بِهِ قُلُوبَ النَّاسِ؛ فَيُزِيلَ شِرْكَهَا وَمَعْصِيَتَهَا، وَيُذْهِبَ غَفْلَتَهَا وَجَهْلَهَا، وَيُلَيِّنُ قَسْوَتَهَا وَشِدَّتَهَا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَأَسْلِمُوا لَهُ وُجُوهَكُمْ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [الْبَقَرَةِ: 112].

أَيُّهَا النَّاسُ: صَلَاحُ حَالِ الْعَبْدِ فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ مُرْتَهَنٌ بِصَلَاحِ قَلْبِهِ، وَالْقَلْبُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَيَكُونُ قَلْبًا سَلِيمًا مِنَ الشِّرْكِ وَالْهَوَى وَالْحَسَدِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «...أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.

وَالْقَلْبُ يَتَشَرَّبُ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَحَقٍّ وَبَاطِلٍ، وَحَسَنٍ وَقَبِيحٍ؛ وَالْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ هِيَ مَنَافِذُ لِلْقَلْبِ؛ وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَفْتَحَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلْبَهُ لِكُلِّ مَا يَنْفَعُهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالْأَقْوَالِ الطَّيِّبَةِ؛ حَتَّى يَتَشَرَّبَهَا الْقَلْبُ فَيَمْتَلِئَ بِهَا، وَيَنْضَحَ بِهَا، وَيَكُونَ قَلْبًا مُنْشَرِحًا فَرِحًا سَعِيدًا بِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَأَنْ يُغْلِقَ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَقَلْبَهُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ وَبَاطِلٍ؛ لِئَلَّا يَتَشَرَّبَهُ فَيَفْسُدَ قَلْبُهُ بِهِ.

إِنَّ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْتَنِيَ بِقَلْبِهِ فَيَجْعَلَهُ مُتَشَرِّبًا لِلْخَيْرِ وَالْحَقِّ وَالنَّفْعِ، مُصْمَتًا كَالْحَصَاةِ الْمَلْسَاءِ أَمَامَ الشَّرِّ وَالْبَاطِلِ وَالضُّرِّ، فَيَمُرُّ عَلَيْهِ وَلَا يَسْتَقِرُّ بِهِ، كَمَا يَمُرُّ الْمَاءُ عَلَى الْحَصَاةِ الْمَلْسَاءِ فَيَنْحَدِرُ عَنْهَا وَلَا يَسْتَقِرُّ فِيهَا. وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تَتَشَرَّبُ الْقُلُوبُ الْفِتَنَ، وَأَثَرَهَا عَلَى الْعَبْدِ؛ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَالْفِتَنُ الَّتِي تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ تَشْمَلُ فِتَنَ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ وَالشِّرْكِ وَالشَّكِّ وَالْبِدْعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُرْخِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ لَهَا نَفَذَتْ إِلَى الْقَلْبِ فَأَفْسَدَتْهُ، فَإِذَا أَنْكَرَهَا وَصَارَ صَفَاةً أَمَامَهَا مَرَّتْ عَلَيْهِ وَلَمْ تَسْتَقِرَّ فِيهِ. فَإِنْ أُشْرِبَهَا فَسَدَ بِهَا الْقَلْبُ وَتَغَيَّرَ عَلَى صَاحِبِهِ. وَانْتَقَلَ بِسَبَبِهَا مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ الْيَقِينِ إِلَى الشَّكِّ، أَوْ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَى الشِّرْكِ، أَوْ مِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ. وَلَا يَظُنَّنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ وَقَلْبِهِ؛ فَإِنَّ النَّفْسَ ضَعِيفَةٌ، وَإِنَّ الشُّبَهَ خَطَّافَةُ الْقُلُوبِ، وَقَدْ عَاشَ قَوْمٌ فِي الْإِيمَانِ دَهْرًا ثُمَّ نُكِسَتْ قُلُوبُهُمْ إِلَى الْجُحُودِ وَمُحَارَبَةِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّ نَاسًا تَفَيَّئُوا ظِلَالَ السُّنَّةِ، ثُمَّ انْتَقَلُوا إِلَى الْبِدْعَةِ بِسَبَبِ أَنَّهُمْ أَرْخَوْا أَسْمَاعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ لِدُعَاةِ الْهَوَى وَالْفِتْنَةِ. وَإِنَّ أُنَاسًا اسْتَهَانُوا بِالنَّظَرِ الْحَرَامِ إِلَى النِّسَاءِ أَوِ الِاسْتِمَاعِ لِلْمَعَازِفِ وَالْقِيَانِ فَأُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّهَا فَزَاحَمَتْ فِيهِ الْإِيمَانَ وَالْقُرْآنَ، وَلَوَّثَتْهُ بِأَوْضَارِ الْعِصْيَانِ، حَتَّى أَنْكَرُوا صَلَاتَهُمْ وَقِرَاءَتَهُمْ لِلْقُرْآنِ وَذِكْرَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَصَارَتْ صُوَرُ النِّسَاءِ لَا تُفَارِقُهُمْ حَتَّى فِي صَلَوَاتِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَهَكَذَا تَكُونُ الْقُلُوبُ إِذَا أُشْرِبَتِ الْهَوَى وَالشَّهْوَةَ.

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ يَحْكِي قِصَّةً لَهُ مَعَ شَيْخِهِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: «قَالَ لِي شَيْخُ الْإِسْلَامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ جَعَلْتُ أُورِدُ عَلَيْهِ إِيرَادًا بَعْدَ إِيرَادٍ: لَا تَجْعَلْ قَلْبَكَ لِلْإِيرَادَاتِ وَالشُّبُهَاتِ مِثْلَ السِّفِنْجَةِ، فَيَتَشَرَّبُهَا، فَلَا يَنْضَحُ إِلَّا بِهَا، وَلَكِنِ اجْعَلْهُ كَالزُّجَاجَةِ الْمُصْمَتَةِ، تَمُرُّ الشُّبُهَاتُ بِظَاهِرِهَا وَلَا تَسْتَقِرُّ فِيهَا؛ فَيَرَاهَا بِصَفَائِهِ، وَيَدْفَعُهَا بِصَلَابَتِهِ، وَإِلَّا فَإِذَا أَشْرَبْتَ قَلْبَكَ كُلَّ شُبْهَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا، صَارَ مَقَرًّا لِلشُّبُهَاتِ، أَوْ كَمَا قَالَ. فَمَا أَعْلَمُ أَنِّي انْتَفَعْتُ بِوَصِيَّةٍ فِي دَفْعِ الشُّبُهَاتِ كَانْتِفَاعِي بِذَلِكَ».

وَمِنْ عَلَامَاتِ الْقَلْبِ الْمُتَشَرِّبِ لِلْفِتْنَةِ وَالشَّرِّ وَالْفَسَادِ اخْتِلَالُ مِعْيَارِ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ فِي قَلْبِهِ، فَتَنْقَلِبُ عِنْدَهُ الْمَوَازِينُ، وَتَنْتَكِسُ فِي نَفْسِهِ الْمَفَاهِيمُ، وَهُوَ مَا عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ». فَمَا يَكُونُ حَرَامًا عِنْدَهُ بِالْأَمْسِ يَكُونُ الْيَوْمَ حَلَالًا، وَمَا يَكُونُ وَاجِبًا الْيَوْمَ يَتَحَوَّلُ غَدًا إِلَى مُسْتَحَبٍّ أَوْ مُبَاحٍ أَوْ رُبَّمَا بِدْعَةٍ، فِي سِلْسِلَةٍ مِنْ إِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ، وَفَصْمِ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً. وَهِيَ تَغَيُّرَاتٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ قَدْ أُشْرِبَ الْهَوَى وَالْفِتْنَةَ، فَلَا يَأْبَهُ بِمُعَارَضَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ يَبْحَثُ فِيهِمَا عَمَّا يُسْنِدُ هَوَاهُ الَّذِي أُشْرِبَهُ، وَلَوْ كَانَ بَعِيدَ الْمَنْزِعِ، وَيَتْرُكُ الْأَدِلَّةَ الْوَاضِحَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تُوَافِقُ هَوَاهُ، قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تُعْرَضُ عَلَى الْقُلُوبِ، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ أَمْ لَا فَلْيَنْظُرْ: فَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَلَالًا، أَوْ يَرَى حَلَالًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ» رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.

إِنَّ الْقَلْبَ مَحَلُّ الْحُبِّ وَالْكُرْهِ، وَالْوَلَاءِ وَالْعَدَاءِ، وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالْفَرَحِ وَالْحُزْنِ؛ وَلِذَا وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَنِيَ عِنَايَةً فَائِقَةً بِمَا يَتَلَقَّاهُ قَلْبُهُ، وَبِمَا يَصْدُرُ عَنْ قَلْبِهِ. فَلَا يَتَلَقَّى إِلَّا الْإِيمَانَ وَمَعَانِيَهُ وَأَجْزَاءَهُ وَمَا يُنَمِّيهِ فِي الْقَلْبِ، وَيُجَانِبُ مَا يُفْسِدُ الْقَلْبَ مِنْ أَنْوَاعِ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ. وَلَا يَصْدُرُ مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا مَا يُرْضِي اللَّهَ تَعَالَى؛ مِنْ حُبِّهِ، وَتَعْظِيمِهِ، وَرَجَائِهِ، وَخَوْفِهِ، وَمَحَبَّةِ مَا يُحِبُّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَبُغْضِ مَا يَبْغَضُهُ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَالْبِدَعِ وَالْمَعَاصِي، وَمَوَالَاةِ أَوْلِيَائِهِ وَمَحَبَّتِهِمْ، وَمُعَادَاةِ أَعْدَائِهِ وَبُغْضِهِمْ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ: «يَا كُمَيْلُ بْنُ زِيَادٍ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ... أُفٍّ لِحَامِلِ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ، لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ؟ إِنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ. مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ بِهِ، وَإِنَّ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ مَنْ عَرَّفَهُ اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ لَا يَعْرِفَ دِينَهُ».

نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَحْفَظَ قُلُوبَنَا مِنَ الزَّيْغِ وَالضَّلَالِ، وَأَنْ يَمْلَأَهَا بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبٌ.

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ...

الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ[الْبَقَرَةِ: 281].


أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: قُلُوبُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيِّنَةٌ فِي تَلَقِّي كُلِّ خَيْرٍ، تَتَشَرَّبُهُ حَتَّى تَمْتَلِئَ بِهِ، فَتَزْدَادُ صَلَاحًا وَاسْتِقَامَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الْأَنْفَالِ: 2]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرَّعْدِ: 28]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [الزُّمَرِ: 23]. وَهَذِهِ الْقُلُوبُ اللَّيِّنَةُ تَنْقَلِبُ إِلَى صَخْرَةٍ صَمَّاءَ إِذَا أُلْقِيَ إِلَيْهَا فِتَنُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَأَنْوَاعُ الشُّبُهَاتِ وَالشَّهَوَاتِ؛ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تُصْبِحُ كَالصَّفَا فَلَا تَضُرُّهَا فِتْنَةٌ. وَعَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ قُلُوبُ الْمَفْتُونِينَ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَسَائِرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّ قُلُوبَهُمْ مُصْمَتَةٌ أَمَامَ كُلِّ خَيْرٍ فَلَا تَتَلَقَّاهُ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِهِمْ: ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الْأَعْرَافِ: 179]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا ﴾ [الْأَنْعَامِ: 25]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا ﴾ [الْكَهْفِ: 57]. وَفِي الْمُقَابِلِ فَإِنَّهَا قُلُوبٌ إِسْفَنْجِيَّةٌ فِي الشَّرِّ، فَتَتَلَقَّى كُلَّ فِتْنَةٍ حَتَّى تَتَشَرَّبَ بِهَا؛ كَمَا أُشْرِبَ كُفَّارُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَحَبَّةَ الشِّرْكِ ﴿ وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 93]، أَيْ: أُشْرِبَتْ قُلُوبُهُمْ حُبَّ عِبَادَتِهِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾ [الْبَقَرَةِ: 165]، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقُلُوبَ الْمَفْتُونَةَ تَتَشَرَّبُ الْفِتَنَ حَتَّى تَسْوَدَّ بِهَا وَتَنْقَلِبَ عَلَى أَصْحَابِهَا. وَهِيَ فِتَنُ الْكُفْرِ أَوِ النِّفَاقِ أَوِ الْبِدَعِ أَوِ الْمَعَاصِي. وَإِذَا عَرَفَ الْمُؤْمِنُ ذَلِكَ سَعَى فِي أَنْ يَتَلَقَّى قَلْبُهُ كُلَّ خَيْرٍ، وَيُجَنِّبَهُ كُلَّ شَرٍّ، فَإِذَا سَمِعَ شَرًّا أَوْ رَآهُ أَوْ قَرَأَهُ أَنْكَرَهُ وَجَانَبَهُ؛ حِفْظًا لِقَلْبِهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالِانْقِلَابِ؛ ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الْحَجِّ: 46].

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ...




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 79.73 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 78.00 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (2.16%)]