|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
معراج النفوس في جهاد المألوف الشيخ أحمد إبراهيم الجوني الخطبة الأولى إن الحمد لله الذي جعل الجهاد ذِروة سَنام الإسلام، وجعل مجاهدة النفس معراجًا للوصول إلى دار السلام، نحمده سبحانه على نعمة الصبر والمصابرة، ونعوذ به من شرور نفوس تأمر بالسوء وتميل إلى المقامرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز من جاهد في سبيله نفسه وهواه، وأشهد أن محمدًا عبدالله ورسوله، إمام المجاهدين، وقدوة الصابرين، الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا نفوسهم ففازوا، وهجروا لذائذ الدنيا فجازوا؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].أما بعد: فيا عباد الله، إن المطالب العالية، والقمم السامية، سواء في جوار الخلق أو في جوار الخالق، لا تُنال براحة الجسوم، ولا تُدرك بالاتكاء على ناعم الفرش والوسائد، إن فلاح الإنسان وبلوغه المراتب العليا مرهون بكلمة واحدة: ألا وهي "المجاهدة"؛ فمن أراد بلوغ القمم، فلا بد من مكابدة الزحام، ولا بد من مغالبة الآلام؛ كما قال الشاعر قديمًا: ومن يتهيب صعود الجبال ![]() يعش أبد الدهر بين الحفر ![]() ![]() ![]() وكلما عظم الهدف، عظمت المجاهدة. وهل هناك هدف أعظم من جنة عرضها السماوات والأرض؟ إن الرب جل جلاله جعل المجاهدة شرطًا لدخولها؛ فقال سبحانه: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142]، أيها المسلمون: إن المعركة الحقيقية ليست دائمًا صليلًا للسيوف في الميادين، بل هي معركة صامتة تدور رحاها في الصدر وبين أضلاعك؛ إنها ملحمة التصدي لهوى النفس، وحملها على ملازمة الطاعات وصرفها عن لذيذ الشهوات، قبل لقاء العدو؛ تأملوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حُفَّت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات))؛ [أخرجه مسلم: رقم 2822]، وفي رواية عند البخاري: ((حُجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره))؛ [أخرجه البخاري، رقم: 6487]. انظروا يا رعاكم الله إلى "المكاره" في واقعنا المعاصر، تجدوها في كل تفاصيل حياتكم؛ فهي في فجركم، وهي في هواتفكم، وهي في مجالسكم، وهي في دراهمكم. حين يصدح الأذان لصلاة الفجر في ليلة باردة، والفراش دافئ، والنوم لذيذ، هنا المعركة قيامك وتركك للذتك هو "المكاره" التي تحجب الجنة، فإذا جاهدت نفسك وقمت، هتكت الحجاب ودخلت في رحاب الرحمن. وحين تمر أمام عينك في "هاتفك" أو في "طريقك" صورة فاتنة تدعوك للحظة إثمٍ، وتتوق نفسك للنظر، هنا المعركة صرف بصرك هو "المجاهدة" التي تقيك حجاب النار. وحين تلوح لك فرصة لربح سريع، أو مبلغ يأتيك بلا جهد، لكن تشوبه شائبة حرام، أو ريح ربًا، أو غش في معاملة، هنا المعركة أن تنظر إلى حاجة أهلك وقلة مالك، ثم تنظر إلى عظمة ربك، فتقول: "إني أخاف الله رب العالمين"؛ فتترك المال وهو بمتناول يدك، هذا هو الانتصار الحقيقي. وحين يواجهك أحدهم بكلمة نابية في طريقك، أو يسيء إليك سفيهٌ بفعله، وتثور في عروقك دماء الانتصار للنفس، وتدفعك كبرياؤك لترد الإساءة بإساءات، هنا المعركة أن تبتلع غضبك وهو مُرٌّ، وتكظم غيظك وأنت قادر على إنفاذه؛ فتلك هي اللحظة التي تخر فيها شياطين الهوى صريعةً أمام عظمة تقواك. وحين يستدرجك هذا "الهاتف" الصغير في يدك، فتمر الساعات وأنت تتنقل بين مقطع تافه وخبر لا ينفع، ونفسك تطالبك بالمزيد، بينما المصحف إلى جانبك يناديك، والوقت ينسل من بين أصابعك، هنا المعركة أن تملك القوة لتغلق هذه الشاشة، وتنفض غبار الغفلة، وتقبل على مولاك في خلوة لا يعلمها إلا هو. العبد يحتاج للمجاهدة في بابين: الأول: الصبر على الطاعة؛ فالنفس تميل للدعة، ومجاهدتها في الصلاة صراع يومي، ومجاهدتها في الصيام مغالبة للجوع، ومجاهدتها في الصدقة محاربة للشح والتعلق بالمال. الثاني: الصبر عن المعصية؛ فالحرام اليوم صار "بلمسة زر"، والمال الحرام قد يأتي بطرق ميسرة مقنعة، واللسان يتوق للغيبة والنميمة، وهنا يبرز المؤمن الذي يستشعر رقابة الله في الخلوات، ويقول لسان حاله: وما أبصرت عيناي أجمل من فتًى ![]() يخاف مقام الله في الخلواتِ ![]() ![]() ![]() فاتقوا الله يا عباد الله، واعلموا أن الآجال مطوية، والأنفاس معدودة، وليس بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا أن يقال: "مات فلان": ﴿ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ﴾ [لقمان: 34]، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم... الخطبة الثانية الحمد لله رب العالمين، ولي الصالحين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد:فاعلموا يا عباد الله أن النفس البشرية خُلقت وفيها نوازع وصراعات؛ فهي تارةً تنزع لأخلاق "الشيطان" من كِبر وحسد وبغيٍ، وتارةً تنزع لأخلاق "الحيوان" في تتبع الشهوات واللذات، وتارةً تنزع لأخلاق "الملائكة" في الطهر والبر والإحسان، ولا يستطيع الإنسان الفوز بنزعة "الملَك" على نزعة "الشيطان والحيوان" إلا بشرط المجاهدة، إنك في صراع دائم بين "هواك" وبين "رضا مولاك"، فإذا أطعت هواك، عصيت مولاك، ولنتساءل بإنصاف: كم مرةً غلبك "الهوى" في صراعاتك المعاصرة؟ تجلس الساعات الطوال خلف الشاشات تتابع لهوًا وتفاهةً، ولا تجاهد نفسك لتجلس نصف ساعة مع كتاب الله. تجاهد نفسك لتصل إلى موعد عملك في وقته الدقيق خشية الخصم من الراتب، ولا تجاهد نفسك لتدرك تكبيرة الإحرام خشية الخصم من الحسنات. يا أخي، إنما هو ابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب، والمحب من المدعي؛ قال سبحانه: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 2، 3]. اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وأعنا على مجاهدة أنفسنا وأهوائنا. وصلوا وسلموا على نبي الهدى صلى الله عليه وسلم؛ ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56]، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الغر الميامين...
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |