التغافل دليل المروءة وعنوان الكرم - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الثمرات اليانعات من روائع الفقرات .. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 28 - عددالزوار : 10331 )           »          من السنن الإلهية في النصر والهزيمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          كتابة القرآن الكريم بين الرسم المتبع والخط المخترع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          المرأة والقضاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          حديث: من تصبح سبع تمرات عجوة لم يضره ذاك اليوم سم ولا سحر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          لا تنتظر اليأس لتبدأ المناجاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          الطريق إلى الله مليء بمحطات العودة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          جيفة الكذب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          اللذة بين الواقع والخيال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          قائمة متنوعة (أكثر من 15 فرصة) للعمل عن بُعد في المجال التقني (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم الصوتيات والمرئيات والبرامج > ملتقى الصوتيات والاناشيد الاسلامية > ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 08-04-2026, 05:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,747
الدولة : Egypt
افتراضي التغافل دليل المروءة وعنوان الكرم

التغافل دليل المروءة، وعنوان الكرم

د. محمد حرز

الحمد لله فالق الحب والنوى، مدبر الكون وما حوى، أحمده سبحانه شديد القوى خلق الأرض والسماوات العلا، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، الحمد لله العليم الخلاق، قسم بين عباده الأخلاق كما قسم بينهم الأرزاق، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فاللهم صلِّ وسلم وزد وبارك على النبي المختار وعلى آله وأصحابه الأطهار الأخيار، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين؛ أما بعد:
فأوصيكم ونفسي أيها الأخيار بتقوى العزيز الغفار؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

عباد الله: «التغافل دليل المروءة، وعنوان الكرم» عنوان خطبتنا.

عناصر اللقاء:
أولًا: التغافل خلق رفيع وخصلة حميدة.
ثانيًا: صور من التغافل.
ثالثًا وأخيرًا: التغافل لا يعني عدم النصيحة والتوجيه والمحاسبة.


أيها السادة: ما أحوجنا في هذه الدقائق المعدودة إلى أن يكون حديثنا عن التغافل دليل المروءة، وعنوان الكرم، وخاصةً كم نحن بحاجة إلى خلق التغافل في مجتمعنا اليوم! فكم من أرحام قطعت، بكلمة لم تمررها الأذن، أو مشهد لم نغض الطرف عنه، أو زلة استفاض الحديث عنها! وكم من بيوت هُدمت، وأسر شُردت، بسبب زوج نقاد بحاث، وزوجة تحتفظ بالزلات، وتجمع الهفوات، وتعيد الحسابات! وخاصةً فكم وقع بين الزوجين أو بين الأقارب والأصحاب من مشاكل كان سببها تقصي بعضهم على بعض، وتتبع الأخطاء والبحث عن المقاصد! ولو أنهم رُزقوا التغافل لزال عنهم شر كثير؛ قال الأعمش رحمه الله: "التغافل يطفئ شرًّا كثيرًا"، فكم نحن بحاجة إلى التغافل مع أولادنا وغض الطرف عن أخطائهم! خصوصًا ما يقع منهم عفويًّا ولم يكن متكررًا، وكم نحتاج للتغافل مع أصحابنا فلا نحاسبهم على كل كلمة خرجت منهم، ولا نحصي عليهم كل فعل صدر عنهم؛ لأننا إن فعلنا ذلك فقدنا محبتهم وزالت عنا أخوتهم! وقد قيل: تناسَ مساوئ الإخوان تستدم ودهم،وخاصةً فلا صفاء دون تغافل، ولا وحدة واجتماع دون تغافل، ولا إيثار دون تغافل، فهو الكياسة والسياسة البارعة التي تستمال بها القلوب، ويخبو بها العتب، ويعلو الأدب، وتنال الرتب، ويبلغ بها الأدب.المودة




أولًا: التغافل خلق رفيع وخصلة حميدة.
أيها السادة: معنا في هذا اليوم خلق رفيع وخصلة حميدة وميزة عزيزة، إنه خلق جاء به القرآن العظيم وزخرت به السنة النبوية تطبيقًا وعملًا، إنه محمدة سبق إليها الأنبياء الكرام عليهم الصلاة وأتم السلام، إنه خلق التغافل، والتغافل جزء من شريعة الإسلام، وعبادة نتقرب بها إلى الرحمـن، والتغافل أدب إسلامي رفيع، وخلق عظيم لا يتخلق به إلا أصحاب النفوس النبيلة، والتغافل من الأخلاق الإسلامية العالية الرفيعة التي ندب إليها الإسلام وحث المسلمين عليها بالليل والنهار، والتغافل عبادة يحبها الله عبادة مهجورة غفل عنها الكثير من الناس إلا ما رحم الله، والتغافل خلق عظيم من أخلاق الدين، ومبدأ كريم من مبادئ الإسلام، وشيمة الأبرار المحسنين من الناس، وصفة من صفات المؤمنين، وهي عبادة جليلة، وسهلة وميسورة، أمر بها الدين، وتخلق بها سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، تدل على سمو النفس وعظمة القلب، وسلامة الصدر، ورجاحة العقل، ووعي الروح، ونبل الإنسانية وأصالة المعدن، والتغافل عبادة يحرص عليها دائمًا الأصفياء الأنقياء من أصحاب الأرواح الطيبة والمشاعر الفياضة.

والتغافل دليل الفطنة والكياسة، والنباهة والدماثة، فبعض الناس يرمون المتغافل بالسذاجة؛ لما يرَون من تغاضيه عن الزلات والسلبيات، ويظنونه ضعفًا، ولا يدرون أنه رأس الحكمة، وقمة الذكاء، ودليل التوفيق؛ قال الشافعي: "الكيس العاقل، هو الفطن المتغافل"، والتغافل دليل قوي على حسن خلق صاحبه؛ كما قال معاوية رضي الله عنه: "العقل مكيال، ثلثه الفطنة، وثلثاه التغافل"، قال الإمام أحمد رحمه الله: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل"، وكيف لا؟ ومن أعظم فوائد التغافل أنه يكسب صاحبه راحةً في نفسه لأن الذي يقف عند كل كلمة، ويرد على كل خطأ، ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة، تتكدر حياته وينفر من حوله، تغافل بالسذاجة؛ لما يرون من تغاضيه عن الزلات والسلبيات، ويظنونه ضعفًا، ولا يدرون أنه رأس الحكمة، وقمة الذكاء، ودليل التوفيق.

والتغافل دليل المروءة، وعنوان الكرم والسؤدد، ومن تغافل عن الزلات والهنات، وغض بصره عن تتبع الأحوال، والتفتيش عن الأقوال، سلِم له دينه وعرضه، وألقى الله محبته في قلوب العباد، والمتغافل هو الذي يضع الأمور في نصابها، فيتغاضى عن الصغائر والهفوات، ولا يلتفت للأخطاء إلا بقدر إصلاحها برفق وأناة، دون نقد لاذع، أو توجيه صارم، أو توبيخ جارح؛ يقول أنس رضي الله عنه: ((خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أفٍّ، ولا: لم صنعت؟ ولا: ألا صنعت؟))؛ [أخرجه البخاري ومسلم].

والتغافل ليس على إطلاقه، فلا يتغافل المرء في جميع الأحوال والمقامات، وإنما يكون التغافل في المواقف التي لا ينبني عليها مفاسد، فإن ترتب على تركها مفسدة، وجب بيانها، والوقوف عندها، بالقدر الذي يدفع المفسدة.

ومعنى التغافل: ألَّا تدقق في أخطاء من حولك ولا تستقصي ما لك من حقوق، ولا تعاتب من قصر في حقك؛ قال الله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]؛ قال ابن كثير رحمه الله: "عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ [الأعراف: 199] قال: من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس، وقال هشام بن عروة عن أبيه: أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس".

والمتغافل كالنحلة يترفع عن الدناءات، ولا يحط إلا على أطيب الزهور، وأزكى النكهات، وإذا كان الله عز وجل قد جعل للمرء عينين، يبصر بهما، فإن غير المتغافل يدعي لنفسه ألف عين، يبحث بها عن كل صغيرة وكبيرة، وجليلة وحقيرة، فتراه في بيته يقلب ويدقق، وفي خصائص أهله وأولاده يفحص وينقب، ويستخرج ويستكشف، يبحث عن الزلات، ويستوفي الأخطاء والعثرات، فيبث في العلن ما كان مضمورًا، ويكشف على الملأ ما كان مستورًا، فيفسد من حيث أراد الإصلاح؛ قال ربنا: ﴿ أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا ﴾ [فاطر: 8]؛ قال أكثم بن صيفي: "من شدد نفر، ومن تراخى تألف، والشرف والسرور في التغافل".

التغافل أدب عظيم وخلق شريف تأدب به الحكماء، ونوه بفضله العلماء، فيجب على صاحب المروءة أن يتغافل، وأن يتجاوز عن أهله وأصحابه وموظفيه، وإن هم قصروا بشيء ما، فلا يستقصي مكامن تقصيرهم، فيبرزها لهم ليلومهم ويحاججهم عليها، ولا يذكرهم بحقوقه الواجبة عليهم تجاهه عند كل زلة، وإنما يتغافل عن اليسير وهو يعلمه وكيف لا؟ وإن العاقل يعلم بالضرورة أن الكمال في المخلوقات محال، وضرب من الأوهام والخيال، ولا ينفك مخلوق عن كمال ونقص، وقبح وحسن، فمن راح ينقب عن الهفوات، ويستوفي النقائص والزلات، كان كمن ينفث في الرماد، أما العاقل الموفق فهو الذي يتغافل ويتغاضى، ويتجاهل ويتناسى، فقد كانت قريش تقول: مذممًا بدلًا من محمد، استهزاءً وسخريةً من النبي؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا، وأنا محمد))؛ [أخرجه البخاري]، وهكذا دافع الله عز وجل عنه لما كان يؤذَى من بعض زواره، ولا يقول شيئًا مراعاةً لهم وتجنبًا لإحراجهم؛ قال الله عز وجل: ﴿ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ﴾ [الأحزاب: 53].



وكيف لا؟ولا ينال الشرف والسيادة من الرجال، إلا من كان متغافلًا كريم الخصال؛ قال ابن الأثير في تاريخه عن صلاح الدين الأيوبي: "وكان رحمه الله حسن الأخلاق متواضعًا، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره ولا يعلمه بذلك ولا يتغير عليه، وبلغني أنه كان يومًا جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضًا بسرموز - أي: نعل - فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه ليتغافل عنها".



وكيف لا؟ ويقول ابن الجوزي رحمه الله: ما يزال التغافل عن الزلات من أرقى شيم الكرام، فإن الناس مجبولون على الزلات والأخطاء، فإن اهتم المرء بكل زلة وخطيئة تعب وأتعب، والعاقل الذكي من لا يدقق في كل صغيرة وكبيرة، مع أهله، وأحبابه، وأصحابه، وجيرانه، وزملائه، كي تحلو مجالسته، وتصفو عشرته.

وكيف لا؟ وإن من المتعب جدًّا أن تقف مع كل كلمة أو فعل، بل إن علاج بعض المواقف ألَّا يكون لك ردة فعل؛ يقول الإمام أحمد رحمه الله: "العافية عشرة أجزاء، كلها في التغافل"، وعن بعض السلف: "تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل"، وقال عمر بن عثمان المكي: "المروءة التغافل عن زلل الإخوان"، وقال بعض الحكماء: "وجدت أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل، وقال سفيان: "ما زال التغافل من فعل الكرام"، وقال ابن عقيل الحنبلي: "تغافل عن هفوات الناس؛ فذلك داعية لدوام العشرة، وسلامة الود، وإذا كرهت من غيرك خلقًا فلا تأته، وإذا حمدته فتخلق به".

وكيف لا؟ والله جل وعلا خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [الأعراف: 199]، قوله تعالى: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ [الأعراف: 199]؛ أي: خذ الميسور من أخلاق الناس؛ مثل: قبول الاعتذار، والعفو والمساهلة في الأمور، وترك البحث عن الأشياء، ونحو ذلك، ففي هذه الآية إشارة إلى الإغضاء عن العيوب، والصفح عن الذنوب، والتغافل عن الزلات.

وكيف لا؟ والله جل وعلا يقول في محكم التنزيل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحجرات: 12]، قال السعدي: "﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾ [الحجرات: 12]؛ أي: لا تفتشوا عن عورات المسلمين، ولا تتبعوها، واتركوا المسلم على حاله، واستعملوا التغافل عن أحواله التي إذا فتشت ظهر منها ما لا ينبغي".

لذا؛ صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: ((يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفضِ الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله))، وعن عروة بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ((دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: السام عليكم، قالت عائشة: ففهمتها، فقلت: وعليكم السام واللعنة، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله، فقلت: يا رسول الله، أولم تسمع ما قالوا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد قلت: وعليكم))، وهكذا مدح الله عباده المؤمنين الذين لا يقابلون السفهاء بما يبدر منهم بل يعرضون ويقولون أطيب الخطاب، فلا وقت لهم للجدال والخصام، ولا للهم والغم؛ قال الله تعالى: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63].




وكيف لا؟ وكثير العتب واللوم لا يبقى له صاحب ولا صديق، بل سيعيش هو ومن حوله في نكد وضيق، لأن الإنسان مجبول على الخطأ والنسيان، والمروءة في التغافل عن زلل الإخوان؛ يقول أنس رضي الله عنه: ((خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟))، سبحان الله! غلام في سن العاشرة والمتوقع أن يكون الخطأ عنده أكثر من الصواب، ومع ذلك لا تذمر ولا تأفف ولا ملامة ولا عتاب.


ثانيًا: صور من التغافل.
أيها السادة: التغافل له صورة كثيرة وعديدة، أهمها على سبيل المثال لا الحصرمنها:
التغافل بين الأرحام، حفاظًا على العلاقات، ووصلًا للقرابات، ووأدًا للقطيعة التي هي من الكبائر الموبقات، فإن إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام لما كالوا له التهم ظلمًا وزورًا بقولهم: ﴿ إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ﴾ [يوسف: 77]، فكان جواب يوسف ما حكاه الله عنه بقوله: ﴿ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ﴾ [يوسف: 77]، فلم يعاتبهم على ما رموه به رغم كذبهم في ادعائهم، ولكنه آثر صلة الرحم على الانتصار للنفس، وقابَل الإساءة بالتغافل، فجمع الله به شملهم، وكان له الفضل عليهم، والريادة دونهم فجاؤوا معترفين بقدره وفضله بقولهم: ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 91].

ومنها: التغافل بين الزوجين، وهو ضمان الألفة، وبقاء المودة والرحمة، فإن أهم ما تحتاجه الزوجة من زوجها التغافل، فإذا رأى منها خطأً، غض الطرف عنه، إذا لم يكن في تركه مفسدة، فلا يستقصي ولا يحقق، ولا يستجوب ولا يدقق، جلست عائشة رضي الله عنها يومًا مع النبي صلى الله عليه وسلم تحدثه عن نسوة تعاهدن ألَّا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئًا، وفي حديثها: (قالت الخامسة: زوجي إن ‌دخل ‌فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد)، قال شراح الحديث: وهذا مدح بليغ، فهي تصفه إذا دخل البيت بالفهد في تظاهره بالنوم تغافلًا عما في البيت من المعايب والقصور، (ولا يسأل عما عهد) فهو شديد الكرم، كثير التغاضي، لا يتفقد ما ذهب من ماله، وإذا جاء بشيء لبيته لا يسأل عنه بعد ذلك، فهي تصفه بالتغافل، والتغافل شيمة الفضلاء والكرام، وبه ثبات الحب والصفاء والوئام.




نحتاج إلى التغافل أحيانًا وعدم التدقيق، حتى يدوم لنا زوجة وأخ وصديق، فها هو النبي صلى الله عليه وسلم يتغافل عن بعض الزلات، ولا يعاتب على كل الهفوات؛ كما أخبر تعالى: ﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [التحريم: 3]، فعرفها بعض ما كان بينهما، وأعرض عن البعض؛ تكرمًا وصفحًا، وقد قيل: ما استقصى كريم قط، بل يعفو ويتجاوز ويتغافل.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 100.01 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 98.29 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.72%)]