دلالات تربوية على سورة الناس - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         تفسير قوله تعالى: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الإعجاز في قوله تعالى: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          الإعجاز التاريخي للقرآن الكريم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          أهمية الدعم النفسي في الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          كتابان لإلهٍ واحد: في وحدة المعرفة ودلائل الحكمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          بحث كامل عن الانتحار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          الاتحاد وأثره في قوة المجتمع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          أولادنا والصيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          تحصيل السكينة في زمان القلق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          العاقبة للمتقين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
Prev المشاركة السابقة   المشاركة التالية Next
  #1  
قديم 30-03-2026, 11:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,860
الدولة : Egypt
افتراضي دلالات تربوية على سورة الناس

دلالات تربوية من سورة الناس

التحصين من الوسوسة الجنية والوسوسة الإنسية

د. أحمد مصطفى نصير

نزلت سورةُ الناس على النبي محمد صلى الله عليه وسلم تأمُرُه بأن يُعلِّم أُمته كيف تكون الاستعاذة بالله تعالى من شر الشيطان الرجيم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألم تر آيات أُنزلت الليلة لم يُرَ مثلهنَّ قطُّ؟ قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس))[1].
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة، فقال: ((تلك مَحض الإيمان))[2].
قال النووي: قال العلماء: إن الشيطان إنما يُوسوِس لمن أيِس من إغوائه، فيُنكِّد عليه بالوسوسة، لعجزه عن إغوائه، وعلى هذا يجري معنى الحديث ((الوسوسة محض الإيمان))[3].
فأين يكمُن العلاج لهذه المشكلة؟
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يأتي الشيطانُ أحدَكم، فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَن خلق ربك؟ فإذا بلغه فليستعِذْ بالله ولينتهِ))[4].

قال الحافظ في الفتح: "(وليَنته)؛ أي: عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجَأُ إلى الله في دفْعه[5]، وأما الكافر، فإنه يأتيه مِن حيث شاء ولا يقتصر على الوسوسة، بل يتلاعب به كيف يشاء؛ كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16، 17].

قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ[6] وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1 - 6].
في قوله تعالى: (قُلْ): أمر من الله تعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ذلك أن من أهم أبواب الدعوة إلى الله تعالى تعليمَ الناس أن الله تعالى هو وحده الذي يُستعاذ به، ولا يُستعاذ بغيره، وهو ما قام به النبي صلى الله عليه وسلم وبلَّغ أُمته، فعنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا سألت، فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعنْ بالله))[7].

قال العلماء: ويقصد بالاستعاذةِ بالله أن يُجِيرَه من عدوه، ويَعصمه من كيده وأذاه، إلى غير ذلك من الحِكَم التي تَعجِز العقول عن إدراكها[8].

فعن سليمان بن صُرَد قال: كنت جالسًا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ورجلان يَستبَّان، فأحدهما احمرَّ وجهُه وانتفخت أوداجُه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لأَعلم كلمة لو قالها، ذهَب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد))، فقالوا له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعوَّذ بالله من الشيطان، فقال: وهل بي جنون؟[9].

وفي قوله تعالى: (أَعُوذُ)[10] تعليمُ الناس مفهومَ التوحيد العملي والاعتقادي، فالاستعاذة بالله تعالى تكون فيما لا يَقدر عليه إلا الله تعالى[11]، ولا أحد قادرٌ على شيء غير الله، والله على كل شيء قدير، فلا يملِك الضر ولا النفع إلا الله؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106]، وقال سبحانه: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55]، فالأسباب لا تضرُّ بفاعليتها، وإنما بما شاء الله أن يَدَعَ فيها من فاعلية وقدرة، ولو شاء الله لأعدَم ما لها من قدرة وفاعلية، انظر كيف فقدَتِ النارُ فاعليتها وقوتها على الإحراق حين أُلقِي فيها نبي الله إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 68، 69]، ونقل الإمام بن عبدالوهاب عن ابن القيم قولَه: (الاستعاذة: الالتجاء والاعتصام والتحرُّز، وحقيقتها الهربُ من شيء تخافه إلى مَن يَعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذُ به مَعاذًا ومَلجَأً، فالعائذ بالله قد هرَب مما يؤذيه أو يُهلِكه إلى ربه ومالكه، وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واعتصم به، واستجار به، والتجأ اليه، وهذا تمثيلٌ وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به، والانطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه والتذلُّل بين يديه - أمرٌ لا تحيط به العبارة)[12].

قال ابن كثير: (والاستعاذة هي الالتجاء إلى الله، والالتصاق بجنابه من شرِّ كل ذي شر، والعياذة تكون لدفع الشر...، ومعنى أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم؛ أي: أستجيرُ بجناب الله من الشيطان الرجيم أن يضرَّني في ديني أو دنياي، أو يصدَّني عن فعلِ ما أُمِرت به، أو يحثَّني على فعل ما نُهِيت عنه؛ فإن الشيطان لا يكفُّه عن الإنسان إلا الله، ولهذا أمر اللهُ تعالى بمصانعةِ شيطان الإنس ومداراته، بإسداء الجميل إليه؛ ليردَّه طبعه عمَّا هو فيه من الأذى؛ قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبَل رِشوةً ولا يؤثِّر فيه جميل؛ لأنه شِرِّير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه)[13].

وبالاستعاذة يَستيقن المسلم النصرَ على الأعداء؛ لأن الآمر بها هو الله تعالى، فلا يَضر بعدُ كيدُ الكائدين؛ يقول تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 97 - 98]، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 200].

وعن ابن عباس قال: كنتُ خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فقال: ((يا غلام، إني أُعلِّمك كلمات، احفظ الله يحفَظْك، احفَظِ الله تجِدْه تُجاهك، إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنتَ فاستعِنْ بالله، واعلَمْ أن الأمة لو اجتَمَعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتَمَعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتَبه الله عليك، رُفِعت الأقلام وجفَّت الصحف))[14].

وفي قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ [15] النَّاسِ[16]﴾، ما يقتضي أن الناس لهم شأن عظيم عند الله تعالى؛ لأنه سبحانه قد أضافهم إلى ذاته، فقال: (رب الناس)، وهو الذي اختصَّهم بالفضل والرزق والإنعام، وهو الذي بيدِه الشفاء من الأسقام والأوجاع، وإليه يُلتَجَأ في طلب ذلك، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يرقي المريض، فيقول: ((اللهم رَبَّ الناسِ، مُذْهِبَ الباسِ، اشْفِ أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شِفاءً لا يُغادر سَقَمًا))[17].

وهو ما يقتضي من جهةٍ أخرى عدمَ مشروعية الاستعانة، ولا الاستغاثة لقضاء الحوائج وسد الحاجات بغير رب العالمين؛ إذ كيف يستعان بالله تعالى ثم يُلجأ لغيره؟!
فعن عبدالله قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الرُّقى والتمائم، والتِّوَلة شركٌ))، قالت - يعني امرأته -: قلتُ: لِمَ تقولُ هذا؟ والله لقد كانت عيني تَقذِف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يَرقيني، فإذا رقاني سكَنَت، فقال عبدالله: إنما ذاك عملُ الشيطان، كان يَنخُسها بيده، فإذا رقاها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أذهِبِ البأس ربَّ الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا))[18].

وفي قوله تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾، أضافهم إلى ملكه، فقال: (ملك الناس)، فدلَّ ذلك على أنه هو المتصرف في شؤونهم، فيُوجِّههم كيف يشاء، ولذلك حكم عليهم بالموت في الدنيا ولا خلود فيها، أترى كيف يوجه الملك عبيدَه دون اعتراضٍ منهم؟!
وهذا هو الفارق بين الإسلام ودين اليهود والنصارى؛ ذلك أنهم يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: 18]، ولذلك يردُّ الله عليهم هذا الزعم بقوله سبحانه: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [المائدة: 18]؛ أي: إن كنتم كما زعمتُم أنكم أبناء الله وأحبابه، فلِمْ يُهلِكُكم بالموت؟! واستبدل لفظ العذاب بدلًا من الموت: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم﴾؛ إخبارًا بأن مصيرهم بعد الموت العذاب في القبر ثم الآخرة، وإن رأيتهم يجادلون في هذه الحقيقة - زعمًا منهم أنهم سوف يَهلِكون بالموت؛ حيث يستريحون وتَصعَد أرواحهم إلى السماء - فإنهم كاذبون في هذا الزعم؛ لأنهم يعلمون يقينًا أنهم سوف يُعذَّبون!

انظر كيف يصف القرآن حرصهم على الحياة وخوفهم من الموت؛ يقول سبحانه: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 96]، وهذه القاعدة البديهية لم يستثنِ اللهُ منها أحدًا، فالله قادرٌ على أن يُهلِك المسيح عيسى ابن مريم وأمَّه بالموت، فلم يَخلُدَا في الدنيا، وإنما جرَتْ عليهم سُنة الله تعالى في خلقه وعبيده أن يُهلِكهم بالموت، ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 17]، وإن جاز القولُ بأنه لم يَمُتْ، فإنه يجب الجزم بأنه سوف يموتُ، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 157 - 159].

ويترتَّب على الإقرار لله تعالى بصفةِ الربوبية أن يُفوِّض المسلمُ أمرَه لله تعالى، يَصرفه كيف يشاء دونما اعتراض، وإنما رضًا وتسليمٌ لأمر الله تعالى وقدرِه، فالملك له الحق أن يتكبَّر في ملكه، وأنَّى للمملوك أن يتكبَّر وهو لا يملِك شيئًا؟! حتى روحه التي بين جنبَيْه يملكها خالقه ويقبضها حيث شاء، ومن لم يرضَ بقضاء الله وقدره، فحتمًا قد نازعه في ملكه، وهذا لا ينبغي للعبد في حق الله؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه: ((قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمَن نازعني واحدًا منهما، قذَفته في النار))[19].

ويترتَّب على ذلك كذلك عدمُ التصرف إلا بإذن الله، بمعنى أن كل ما يملكه الإنسان من نِعَم وأموال، لا يملكُه على وجه الحقيقة، وإنما على سبيل المجاز؛ لأن المالك الحقيقي هو الله تعالى، وإنما أُضِيف إلى الإنسان على سبيلِ المجاز، باعتبار أن الله تعالى جعله مستخلفًا عليها، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: 165]، ومعنى الاستخلاف أن يسأل العبد عما استخلفه الله تعالى عليه، أحفِظ أم ضيَّع؟!

قال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 36].
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الدنيا حُلوةٌ خَضِرة، وإن الله مُستخلِفُكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتَّقوا النساء))[20].
قال العلماء: أي: بمنزلة الخلفاء عنه في التصرف فيها؛ أي: فلا تتصرَّفوا بما لم يأذَنْ لكم به[21].
وقالوا أيضًا: يعني أن الأموال التي في أيديكم إنما هي أموال الله، خلقها وخوَّلكم إياها، وخوَّلكم الاستمتاع فيها، وجعلكم خلفًا بالتصرف فيها، فليست هي بأموالكم حقيقة، بل أنتم فيها بمنزلة الوكلاء، فناظرٌ هل تتصرفون فيها على الوجه الذي يرضى به المستخلِف أو لا[22].

وفي قوله تعالى: ﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ أسلوب اختصاص، فقد أضاف الناس إلى صفة الإلهية؛ لأن من شأن اختصاص الله تعالى بالفضل على الناس، الاعترافَ بحقِّه في التصرف في شؤونهم، فيقدر لهم الخير والشر فتنةً، ومِن ثَم تكون النتيجةُ المنطقية لذلك هي اختصاصه تعالى وحدَه بالألوهية؛ بحيث يُعبد وحده دون سواه، فلا يسوغ بعد الإقرار بربوبيته أن يُعصى فلا يطاع، بل إن مدار الشهادة بأن لا إله إلا الله إفراد الله تعالى بالحاكمية، فهو القائل في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 40]، فأضحَتِ العبادةُ بلا معنى ما لم يحتَكِم المسلم لأمر ربه، بل إن عدمَ الاحتكام إلى شرع الله تعالى يُؤدِّي إلى الكفر والظلم والفسق؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، وقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47].

والأمر بوجوب الاحتكام إلى ما أنزل الله تعالى قطعيُّ الثبوت وقطعي الدلالة، لا مجال فيه للتأويل ولا التفسير، ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49]، ولا مجال فيه للمساومةِ أو التنازل عن بعض الشرع مقابل التوافق على الاحتكام إلى البعض الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49].

والقرآن يُؤكِّد أن الله تعالى قد أنزل أحسنَ الأحكام بما يُحقِّق مصالح الناس، وأن الردةَ عن حكم الله تعالى هي عودةٌ إلى الجاهلية والتخلف والرجعية؛ يقول سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 50].

وفي قوله تعالى: ﴿رَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ الآياتِ [الناس: 1 - 3]، تعليمٌ للناس صفات المستعَاذ به الثلاث: الربوبية، والملك، والألوهية، والإيمان بها والتعَبُّد له بها؛ إذ قسَّم العلماء التوحيد إلى قسمين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وبعضهم يشتق من توحيد الربوبية قسمًا ثالثًا تحت عنوان: الأسماء والصفات؛ لأهميته وكثرة لَغَطِ الناس فيه.

وعليه تكون أبواب التوحيد كما يلي:
أولًا: توحيد الربوبية، ويقصد به توحيد المعرفة بالله تعالى وإثبات ذاته سبحانه وأفعاله[23].
قال ابن تيمية: (وهو الإقرار بأن الله خالق كل شيء وربه، وهذا التوحيد كان يقر به المشركون الذين قال الله عنهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: 25][24].

والقسم الثاني: توحيد الأسماء والصفات، وهو يتضمن إثبات نعوت الكمال لله بإثبات أسمائه الحسنى وما تتضمنه من صفاته[25].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يُثبِت الله ما أثبَته لنفسِه من الأسماء والصفات، ويُنفَى عنه مماثلةُ المخلوقات ويَعلم أن الله ليس كمثله شيء؛ لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله)[26].

والقسم الثالث، وهو توحيد الإلهية والعبادة، ويقصد به توحيد الطلب والقصد[27].
وقد جُمِعت أقسام التوحيد في حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال: ((يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هديتُه، فاستهدوني أَهدِكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا مَن أطعمته، فاستطعموني أُطعمكم، يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلا من كسوتُه، فاستكسوني أَكسُكُم، يا عبادي، إنكم تُخطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفِرْ لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحد، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، قاموا في صعيدٍ واحد، فسألوني فأعطيتُ كلَّ إنسان مسألتَه، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدخِل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أُحصِيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمَن وجد خيرًا فليحمَد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه))[28].

أولًا: توحيد الربوبية: هو الإقرارُ بأن الله تعالى هو الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر لجميع الأمور، والمتصرِّف في كل شؤون خلقه، ولا شريك له في ملكه، فقد سُئِل أعرابي عن دليل إثبات ذات الله تعالى، فقال: البَعْرة تدل على البعير، والأقدام تدل على المَسِير، فسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فِجاج، وبحارٌ ذات أمواج، أفلا يدل ذلك على صنع اللطيف الخبير؟!
ولذلك استحق الربوبية من هذا الوجه كذلك.

وضد ذلك اعتقادُ العبد وجودَ متصرِّف مع الله، أو غير الله جل وعلا، فالله قادر على أن يُعدِم الأسبابَ فاعليتَها، كما أعدم النارَ فاعليتها، فجعلها بردًا وسلامًا على إبراهيم، وقادر على أن يقوِّي الأسباب الضعيفة، كما ضاعف فاعلية الإنجاب لدى زكريا عليه السلام، رغم أنه بلَغ مِن الكبر عتيًّا، وامرأته عاقر، فأنجب يحيى عليه السلام، وقادر على أن يحقق معجزات الأنبياء والكرامات لعباده المؤمنين بلا أسباب؛ كما خلق عيسى بلا أبٍ.

وليس معنى ذلك أن يتَّكِل العبدُ على ربه دون أن يأخذ بالأسباب الشرعية التي أُمر بالأخذ بها؛ فالأسباب لا تكفي وحدَها بتحصيل المراد، ولا دعاء العبد ربه دون أن يلتمس الأسباب الشرعية بكافٍ في تحصيل ذلك أو جلب الرزق، فمَن ظن أن رزقه سيأتيه تواكلًا دون أن يأتي بالتكاليف الشرعية التي أمره الله بها، فإنه يكون آثمًا؛ لأنه سيأتيه بغير الطريق الذي شرعه الله تعالى لعباده المؤمنين، وهو ما سطَّره علماء الأمة بعنوان: (وجوب العمل وعدم التواكل)[29].

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لأن يَحتطب أحدُكم حُزمة على ظهره، خيرٌ من أن يسأل أحدًا فيُعطيه أو يَمنعه))[30].
فمَن ركَن إلى الأسباب غير الشرعية؛ لينال بها مأربَه، أو تواكل ولم يأتِ بالتكليف المأمور به من الأسباب الشرعية - فإنه قد خالف ما عليه اعتقادُ المسلمين، حتى لو حقَّق بها مراده، فوافق إرادة الله الكونية (القدرية)، إلا أنه قد خالف إرادته الشرعية!

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما يزالُ الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعَة لحمٍ))[31].

وعليه فإن الأخذ بالأسباب الشرعية لا ينافي أن يُوحِّد العبد ربه، ويسأله وحده، متى علِم العبد أن الأسباب لا تنتج شيئًا إلا بإذن الله، ولو شئتَ لتأمَّلت كيف يصنع الله المعجزات، فإنه سبحانه قبل أن يُهلِك الظالمين يأمُرُ نبيَّه نوحًا عليه السلام بصناعة السفينة، وقبل أن يُهلِك فرعون وجنوده بالغرق يأمر موسى عليه السلام بأن يضربَ البحر بعصاه فينفَلِق، وهذه مريم عليها السلام يأتيها الرزق من الله تعالى وهي في حال الولادة، ولا تَقدِر أن تهزَّ جذع نخلةٍ ولو كانت صحيحة، فكيف بها وهي مِن ضَعف الولادة بمكانٍ؛ يقول لها الله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]، فالله تعالى يأمرها بأن تضع يدها على النخلة بوصفه أحدَ الأسباب الشرعية لتُصنَع المعجزة بإذن الله...، فإذا كان هذا هو قانونَ المعجزات، فمن الطبيعي أن يكون الأخذ بالأسباب في كافة المواطن سُنةً كونية، فضلًا عن كونه سُنة شرعية، ولعلَّ أظهر الأمثلة على أن التماسَ الأسباب لا ينافي التوكل، بل إن الأخذ بها مع تعلُّق القلب بالله تعالى هو عينُ التوكل - صلاة الخوف في الحرب؛ يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 102]، فهذه الصلاة وإن كانت بين المجاهد وربه في موطن الجهاد والدفاع عن هذا الدين ونُصرته، وأن الله ناصر عبده وجنده - فإن الله تعالى يأمره بأن يأخذ سلاحه أثناء الصلاة؛ حتى لا يميل عليه الكافرون...، وهكذا.

ثانيًا: توحيد الأسماء والصفات:
هو أن يُدعَى الله تعالى بما سمَّى به نفسَه، ويُوصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسولُه صلى الله عليه وسلم، ويُنفَى عنه التشبيه والتمثيل؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]، وضد ذلك شيئان: التعطيل والتشبيه، ويعمُّهما اسم الإلحاد؛ قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].

فأحد وجهي الإلحاد نفيُ ذلك عن الله عز وجل، وتعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله الثابتة بالكتاب والسنة.
وثانيهما تشبيه صفات الله تعالي بصفات خلقه، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

ثالثًا: توحيد الإلهية:
وهو إفراد الله تعالي بجميع أنواع العبادة، ونفي العبادة عما سوى الله تبارك وتعالى، وضد ذلك هو صرف شيء من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، وهذا هو الغالب على عامة المشركين، وفيه دارَتِ الخصومةُ بين جميع الرسل وأُمَمها، ولعل أظهر نزاعاتهم في ذلك أن يتنازع الناس في أمور حياتهم، فلا يحتكمون إلى الله تعالى؛ يقول سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، فالآية نَفَتِ الإيمان عمَّن لا يحتكم إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهي أبلغ ردٍّ على مَن يُنكِر أن يكون للإسلام حكم في كل مسألة من أمور الحياة، وأنه القاضي بين الناس في كل نزاعاتهم.

يقول المفكر الإسلامي الأستاذ سيد قطب رحمه الله:
(لقد اقتضت حكمة الله أن تكون قضيةُ العقيدة هي القضيةَ التي تتصدى الدعوة لها منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُولى خطواته في الدعوة، بدعوة الناس أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يمضي في دعوته يُعرِّف الناس بربِّهم الحق، ويُعبِّدهم له دون سواه، ولم تكن هذه - في ظاهرِ الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب - هي أيسرَ السبلِ إلى قلوب العرب، فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى "إله"، ومعنى "لا إله إلا الله"، كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العُليا، وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها، معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهَّان ومشيخة القبائل والأُمراء والحكام، ورده كله إلى الله، السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، السلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان، كانوا يعلمون أن "لا إله إلا الله" ثورةٌ على السلطان الأرضي الذي يغتصب أُولَى خصائص الألوهية، وثورةٌ على الأوضاع التي تقوم على قاعدةٍ من هذا الاغتصاب، وخروجٌ على السلطات التي تَحكُم بشريعةٍ مِن عندها لم يأذَنْ بها الله، ولم يكن يغيب عن العرب - وهم يعرفون لغتهم جيدًا، ويعرفون المدلول الحقيقي لدعوة "لا إله إلا الله" - ماذا تَعْنيه هذه الدعوة بالنسبة لأوضاعِهم ورياساتهم وسلطانهم، ومِن ثَم استقبلوا هذه الدعوة - أو هذه الثورة - ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام)[32].

في قوله تعالى: ﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، تعريفٌ بصفات العدوِّ المستعاذ منه، ودراسة سلوكه، وتحليل نفسيته، والعدو الأول للإنسان هو الشيطان الرجيم؛ يقول المولى سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6]، وقد بدَتْ هذه العداوة في محاولته لإضلال آدم وذريته؛ قال سبحانه: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: 117]، وقد بيَّنت السورة صفتينِ تلتصقان بهذا العدو: إحداهما هجومية، والأخرى دفاعية؛ حيث يستخدم الشيطان أسلوبًا هجوميًّا معروفًا لإغواء ابن آدم، لا يخرج عن (الوسوسة)، كما يستخدم أسلوبًا آخر دفاعيًّا للفرار من القوة الإيمانية لابن آدم، ألا وهو (الخنس).
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 131.47 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 129.75 كيلو بايت... تم توفير 1.72 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]